PDA

View Full Version : ملكش دعوة



زئبق أحمر
01-09-2004, 12:50 AM
ملكش دعوة

كانت عينا العم عوض ( بائع الخضار المصري) معلقتان بصندوق الطماطم الأخير..
كان بعينيه الخبيرتين بشؤون الخضار يبصر ما لا يبصره الإنسان العادي من بداية ضمور على سطح حبات الطماطم التي تبدو للناظر العادي وكأنها قطفت للتو!!.
قال بصوت منخفض كان حريصا على أن لا يصل إلى البائع المجاور " رضوان" :
دا لازم ينباع الطماطم دلوئتي، لَحْسن لو تأخر لبكره حيضمر .. وينؤص (أي ينقص) سعره ريالين أو تلاته..
مد يده الخشنة جهة الصندوق وتناول حبة منه ، وبإصبعيه الإبهام والسبابة ضغط طرفي حبة الطماطم برفق وقال مخاطباً إياها : حتروحي الليلة ، يعني حتروحي!
جاء صوت "رضوان" من المحل المجاور متناثراً بفعل قضمة الخيار:
إنتَ قلتِ حاجة يا سي عوض؟
نهض العم عوض بسرعة ليعيد حبة الطماطم إلى صندوقها، وكأن صوت "رضوان" سيمنع عنه الرزق تلك الليلة، ثم قال بطريقة بائعي السمك:
ملكش دعوة!!
لم يرد "رضوان".. فقد انشغل بأحد الزبائن..
عاد العم عوض إلى مكانه ، وقال محدثاً نفسه:
المشكلة عندنا في البيت صنوقين طماطم..
ثم حاول أن يقنع نفسه بأن الأجواء ليست شديدة الحرارة؛ مما سيساعد على بقاء صندوق الطماطم فترة أطول دون أن تغزوه التشققات..
***
_ السلام عليكم.. قالها صبي في الثانية عشرة من عمره عند دخوله لمحل العم عوض.
_ أهلاً وسهلاً.. وعليكم السلام ورحمة الله .. كان صوت العم عوض كمن حصل على كنز في إحدى مغارات الشمال!!
قال الصبي وهو ينظر إلى عنقود الموز المتدلي قريباً من رأس العم عوض:
بكم الموز؟
_ التلاتة بعشرة..
وتلقائياً بدأ العم عوض يجهز ثلاثة كيلوات موز للزبون الصغير، وفي المقابل كان الصبي يستمتع بتأمل تلك الشعيرات التي انتشرت على وجه العم عوض كالدبابيس.
وبحرفنة عقد العم عوض الكيس المكتظ بالموز ثم نظر إلى الصبي مستفسراً عن الطلب الثاني:
ها؟
أدخل الصبي يده في جيبه ليخرج النقود ؛ مما يدل على انتهاء طلباته، ولكنه انتفض على صوت العم عوض محرجاً على بضاعته:
الحق الطماطم يا ولد...، الحق الطماطم اللي ترد الروح...
يقولها وهو ينظر للشارع، وكأنه لا يعني بهذا التحريج دفع الصبي لشراء الطماطم!.
وبخبرة " رضوان" بأمور البيع فقد عرف ما يصبو إليه جاره العم عوض فارتفع صوته سائلاً:
كم باقي صندوق طماطم عندك يا سي عوض؟
احتقن وجه العم عوض كمن كشف سره، وقال وهو يمد يده ليأخذ النقود من الصبي، الذي لم يفهم المقصد من التحريج على الطماطم في هذه اللحظة بالذات:
ملكش دعوة يا شيخ الجن!!
كانت كلمة "شيخ الجن" هي اللقب الذي يحب العم عوض أن ينادي به جاره "رضوان" بائع الخضار .
أجاب "رضوان" وقد اختنق صوته، وأصبح شبيهاً بأصوات نساء مصر:
الله!! إنت مش عاوزني اشتري منك؟
ثم أطل بقامته القصيرة من باب المحل، وقال بصوتٍ أكثر هدوءاً وهو ينظر لصندوق الطماطم:
_دا حيضمر الليلة!! آخدوا بتسعة؟
كان العم عوض على يقين أن التسعة ريال أفضل بكثير من السبعة التي لا بد أن يؤول إليها سعر الصندوق في الغد بعد أن تنزل بضاعة جديدة للسوق، ولكن طمعه في أن يبيع الصندوق بعشرة ريالات كباقي الصناديق جعله يرد:
لا حيضمر ولا حاجة.. دي لسه ريانة!!
انحنى "رضوان" أمام الصندوق وبدأ يضغط حبات الطماطم برفق ليتأكد ..
واهتز جسمه الناحل على صرخة العم عوض:
إنت حتبوزها!!! سيبها يا شيخ الجن.
قام "رضوان" وقال وهو ينظر للعم عوض نظرة من لا يريد أن يطيل المساومة:
حتبيعها بتسعة؟
رد العم عوض بغضب ، بطريقة من يريد إسكات الآخر:
روح كل خيار ونام!


***

وفي صباح اليوم التالي اشترى رضوان من الموزع عشرة صناديق طماطم وكذلك العم عوض..
و بينما رضوان يرتب الكراتين إذا به يسمع مساومة بين العم عوض وأحد زبائنه:
المزبون: بكم الطماطم؟
العم عوض: بعشرة..
الزبون: والكرتون اللي في الزاوية ( مشيراً إلى الصندوق إياه)
العم عوض: (يسكت كمن يفكر) بتسعة..
الزبون: حرام عليك، هذا خربان خلاص، يمشي بخمسة؟
العم عوض: هات سبعة..
وعلى صوت خرفشة الريالات في يد الزبون خرج صوت "رضوان" مليئاً بأنواع التشفي:
دي لسه ريانة يا سي عوض..
وفجأة اهتز "رضوان" ، والزبون ، وعنقود الموز المتدلي على صوت العم عوض صارخاً:
ملكش دعوة :n:



تمت

الأشم
01-09-2004, 10:54 AM
زئبق احمر صباحك مورد
جميلة تلك المقاطع وما حوته من تصاوير سلسة
وما اشبه ما حوته بما يجري على أرض الواقع
فباتـجـاه الضــمور يكون اتمامنا للامـور في الـوقــت الضـائـع !
دمت بخير .

زئبق أحمر
03-09-2004, 01:43 AM
صدقت يا "أشهم" هناك تشابه ، بل تطابقبين الصورتين..

أشكرك على مرورك