PDA

View Full Version : (قلب الأم) ويسبقها مقدمة يسيرة



كشكش آغا
07-09-2004, 02:10 AM
قال لي صاحبي : أنتم معاشر الشعراء ترجون المستحيل...
أتريدون من بني البشر كلهم كتابة الشعر والإبداع فيه؟؟
فرسم سؤاله علامة تعجب كبيرة بدت معالمها جلية على وجهي وقلت له:
ومن قال لك هذا... ياهذا!!
ألم تعلم بأننا ننهى عن ذلك ونحذر منه..
لأننا نعلم علماًَ يقنياً بأن الشعر هبةٌ أنّى لمن حرمها ممارستها
ألم تسمع قول شاعرنا في سياق التحذير مما ذكرت في تساؤلك يقول:
أصبح الشعر حذاءً كل حافٍ يرتديه
أو فقل صار يتيماً ضل في لجة تيه
أوغدا مثل أسيرٍ قيده عند أخيه
كل من حاز لساناً دمر الوزن بفيه
لاك أوصال القوافي كي يسلي سامعيه
فإذا المسلاة جدب وحطام من عتيه
أيها الناظم شعراً اتقى الرحمن فيه
إن تكن تقوى عليه فلتكن من سابقيه
ولتكن يا عاجزاً عن نظمه من سامعيه
فتعجب صاحبي وتبرم وقال :
ماذا تريدون منا يا معاشر الشعراء إذن؟
فأطلقت من صدري زفرة..
ثم قلت له:
إننا نريد أن يتذوق كل هذا الكون معنا ما نقوله..
وأن يحلق كل ناطق بالضاد مع كل قصيدة جميلة في سماء الإبداع التي لانهاية لها..
ونحن إذ نطلب لانطلب غير ماسبق جريان القلم به..
لأننا أصبحنا في زمن لايوجد فيه من يقرأ الشعر أصلاً بله عن تذوقه أو( لحسه)!!
انتهى حديثي مع هذا الصاحب وقررت بعد ذلكم الحوار أن أضع بين أيديكم في هذا المنتدى قصائد لبثتُ زمناً أتفيء في ظلها كلما لفحتني قصيدة خالية من اللفظ عارية من المعنى بلهيبها..
وها أنا ذا أضع أولى هذه القصائد...
وإن رحبتم بالفكرة... فسنعيد الكرة..وإلا؟؟!!!
..................................
أول الفيء قصيدة لشاعر وافته المنية وهو في ريعان الشباب وزهرة العمر
إذ أنه توفي وهو لم يكمل السنة الخامسة بعد العشرين من عمره..
إنه شاعرنا أبو القاسم الشابي ...
شاعر جدد في الطرح فأبدع في تجديده..
وقصيدته التي بين أيدينا هي (قلب الأم)
وقد تعطلت لوحة المفاتيح بعدما كتبت هذه الأبيات
لكثرة ماسقط عليها من الشؤون..
إن كل كلمة في هذه القصيدة تنبض شاعرية
وكل نبضة تحمل همس الأم وحنانها ...
وما بالكم عندما يكون هذا النبض لفقد أعز ماتملك!!
لا أظن إلا أن هذا النبض سيكون خفقاناً حاراً
قد يودي بحياتها فداءً وحباً
أطلت عليكم فهاكم القصيدة،،،،،
قلب الأم...
ياأيها الطفل الذي قد كان كاللحن الجميلْ
والوردة البيضاء ، تعبق في غيابات الأصيلْ
ياأيها الطفل الذي قد كان في هذا الوجود..
فرحا ً، يناجي فتنة الدنيا بمعسول النشيد
ها أنت ذا قد أغلقت جفنيك أحلام المنون
وتطايرت زُمَرُ الملائك حول مضجعك الأمين
ومضت بروحك للسماء عرائس النور الحبيب
يحملن تيجاناً مذهبةً ، من الزهر الغريب
ها أنت ذا قد جللتك سكينة الأبد الكبير
وبكتك هاتيك القلوب ، وضمك القبر الصغير
وتفرق الناس الذين إلى المقابر شيعوك
ونسوك من دنياهم ، حتى كأنْ لم يعرفوك!!
شغلتهم عنك الحياة ، وحرب هذي الكائنات
إن الحياة – وقد قضيتَ قبيل معرفة الحياة –
بحرٌ ، قرارته الردى ، ونشيد لجته شَكاة
وعلى شواطئه القلوب تئن دامية عراة
بحرٌ ، تجيش به العواصف في العشية والغداة
وتظله سحب الظلام ، فلا سكون ولا أناة
نسيتك أمواج البحيرة ، والنجوم اللامعة
والبلبل الشادي ، وهاتيك المروج الشاسعة
وجداول الوادي النضير برقصها وخريرها
ومسالك الجبل الصغير بعشبها وزهورها
حتى الرفاق... فإنهم لبثوا مدى يتساءلون
في حيرة مشبوبة: ((أين اختفى هذا الأمين؟))
لكنهم علموا بأنك في الليالي الداجية
حملتك غيلان الظلام إلى الجبال النائية
فنسوك مثل الناس... ، وانصرفوا إلى اللهو الجميل
بين الخمائل ، والجداول ، والروابي ، والسهول
ونسوا وداعة وجهك الهادي ، ومنظرك الوسيم
ونسوا تغنيك الجميل بصوتك الحلو ، الرخيم
ومضوا إلى المرج البهيج ، يطاردون طيورهُ
ويزحزحون صخوره ، ويعابثون زهورهُ
ويشيدون من الرمال البيض ، والحصب النضيرْ
غرفاً ، وأكواخاً تكللها الحشائش والزهور
وينضدون من الربى ، بين التضاحك والحبور
طاقات وردٍ ، آبدٍ ، تُزري بأوراد القصور
يلقونها في النهر ، قرباناً لآلهة السرور
فتسير في التيار ، راقصة على نغم الخرير
كلٌّ نسوك ، ولم يعودوا يذكرونك في الحياة
والدهر يدفن في ظلام الموت حتى الذكريات
إلا فؤاداً ، ظل يخفق في الوجود إلى لقاك
ويود لو بذل الحياة إلى المنية... وافتداك
فإذا رأى طفلاً بكاك ، وإن رأى شبحاً دعاك
يُصغي لصوتك في الوجود ، ولايرى إلا بهاك
يصغي لنغمتك الجميلة في خرير الساقيةْ
في رنة المزمار ، في لغو الطيور الشادية
في ضجة البحر المجلجل ، في هدير العاصفة
في لجة الغابات ، في صوت الرعود القاصفة
في نُغية الحمل الوديع ، وفي أناشيد الرعاة
بين المروج الخضر والسفح المجلل بالنبات
في آهة الشاكي ، وضوضاء الجموع الصاخبة
في شهقة الباكي يؤججها نُواح النادبة
في كل أصوات الوجود: طَروبها وكئيبها
ورخيمها ، وعنيفها ، وبغيضها ، وحبيبها
ويراك في صور الطبيعة حلوها ، وذميمها
وحزينها ، وبهيجها ، وحقيرها ، وعظيمها
في رقة الفجر الوديع ، وفي الليالي الحالمة
في فتنة الشفق البديع ، وفي النجوم الباسمة
في رقص أمواج البحيرة تحت أضواء النجوم
في سحر أزهار الربيع ، وفي تهاويل الغيوم
في لمعة البرق الخفوق ، وفي هوي الصاعقة
في ذلة الوادي ، وفي كِبْر الجبال الشاهقة
في مشهد الغاب الكئيب ، وفي الوَرود العاوية
في ظلمة الليل الحزين ، وفي الكهوف العارية
أعرفت هذا القلب في ظلماء هاتيك اللحود
هو قلب أمك ، أمك السكرى بأحزان الوجود
هو ذلك القلب الذي سيعيش كالشادي الضرير
يشدو بشكوى حزنه الداجي إلى النفس الأخير
لا ربَّةُ النسيان ترحمُ حزنه وترى شقاه
كلا!! ولا الأيام تبلي في أناملها أساه
إلا إذا ضفرت له الأقدار إكليل الجنون
وغدا شقياً ضاحكاً ، تلهو بمرآه السنون
هو ذلك القلب الذي مهما تقلبت الحياة
وتدفّع الزمن المدمدم في شعاب الكائنات
وتغنت الدنيا ، وغرد بلبل الغاب الجميل
سيظل يعبد ذكرياتك : لايملُّ ، ولا يميل
كالأرض : تمشي فوق تربتها المسرة ، والشباب
والليل ، والفجر المجنح ، والعواصف ، والسحاب
والحُبُ تنبت في مواطنه الشقائق ، والورود
والموت تُحْفَرُ – أينما يخطو – المقابر واللحود
وتمر بين فجاجها اللذات ، حالمة ، تميد
سكرى ، وأشواق الرؤى ترنو إلى الأفق البعيد
وتظل ترقص للأسى ، للهو ، أشباح الدهور
حتى يواريها ضباب الموت في وادي الدثور
وتظل تورق ، ثم تزهر ، ثم ينشرها الصباح
للموت ، للشوك المُمَزقِ ، للجداول ، للرياح
بسمات ثغر حالم ، يفتر في سهو السرور
وورود روض باسم ، يُصغي لألحان الطيور
وتظل تخفق ، ثم تشدو ، ثم يطويها التراب
قُبَلٌ ، وأطيارٌ ، تغرد للحياة ، وللشباب
وتظل تمشي في جوار الموت أفراح الحياة!!
ويغرد الشحرور مابين الجماجم والرفات
والأرض حالمة ٌ: تغني بين أسراب النجوم
أنشودة الماضي البعيد...
وسورة الأزل القديم
وإلى لقاء في قصيدة أخرى فقد تعبت من الضرب على هذه الأزرار التي لاتحس :e:
وإن كانت روعة الأبيات قد أنستني الألم.. :i:
محبكم ،،، كش كش آغا

محب الفأل
07-09-2004, 11:39 AM
أخي كشكش آغا...
مقدمة جميله وتوطئة أثيره
وقصيدة رائعة في كل ماتحمل من معان وصور وألفاظ
لاأخفيك
ـ وان كنت انبئ عن كسلي في قراءة المطولات ـ
أنني ابتدأتها من العنوان الذي يحمل العنوان الرئيسي
ودهشت بما قرأت مما اضطرني لإعادة القراءة مجددا ومجبرا من البدايه
وحينها عرفت الشاعر وتمتعت بقراءة مقدمة لايقل جمالها عن جمال القصيده
واقول أخي حفظك الله ان جمال المنقول ينم عن حس الناقل وجودة فكره وحسن اختياره
بطون الكتب مملوءة بالدرر...ولكن لاتستخرج الا من قبل صياد ماهر وغواص ذو نفس طويل
وللا النقل لما اتيح لنا التمتع والإستفادة من موروثنا الجميل بشكل ميسر
فلك التحية مزجاة ومزدوجه ولك الشكر الوافر

كشكش آغا
08-09-2004, 02:53 PM
شكراً على مرورك أخي محب الفأل
وزادك الله فألاً حسناً طيباً
ولكن...
لم يظهر من الأخوة أية تفاعل لأجل أن أتعب أناملي مرة أخرى بالضرب على أزرار (الكيبورد)
يكفيني مروركم ...
ولن أعد الكرة