PDA

View Full Version : عندما قررت أن أنتحر



زئبق أحمر
08-09-2004, 01:18 PM
لا أدري لماذا كنت مصمماً على الانتحار في ذلك الصباح بالذات ؟؟
فبعد أن رتبت كتبي في حقيبتي ترتيباً عشوائياً وضعت فيه بعض الكتب في الحقيبة دون النظر إلى الجدول لتأكدي من أني لن أصل إلى المدرسة.. إذ أني سأنتحر قبل الوصول !!..
اتجهت إلى صالة الطعام التي كان أخي عبد الله جالساً يفطر فيها كعادته!.
جلست أمامه، ومددت يدي لأقطع لي قطعة خبز.. مع أني لم أكن أشتهي الإفطار! بدأت بتناول الجبن..كان طعمه يذكرني بالماضي أيام أول ابتدائي!! تساءلت : كيف مرت هذه السنوات الخمس بهذه السرعة؟؟ ثم حاولت أن أستوعب السؤال.."لا لم تمر بسرعة بل ببطء"...لعلي كنت أحاول أن أقلد الكبار عندما يتحدثون عن سرعة سير السنوات!!
سألني عبد الله وهو يحشو فمه بخلطة المربى مع القشطة:
_هل حفظت جدول سبعة؟؟؟
لحظتها جاءني مبرر آخر لانتحاري..ألا وهو التخلص من تدخلات عبد الله في شؤوني الخاصة..
_باقي سبعة في ثمانية وسبعة في تسعة. قلتها لأسكته مع أني لم أحفظ الجدول كله..
سألني بخبثه المعتاد.. _طيب ؛ سبعة في أربعة كم؟؟
"الخبيث لم يحاول تعليمي سبعة في ثمانية وسبعة في تسعة .. بل أراد إحراجي..لأنه يعلم _بما أنه يكبرني بسنتين_أني كــــــاذب.."_ قلت هذا في نفسي_ "ثم سألني الخبيث عن سبعة في أربعة لأنه لا يعرف إلا هي من جدول سبعة" _أيضاً هذا قلته في نفسي_ .
دخلت أختي الصغيرة هدى وفي عينيها أثر البكاء بسبب شدة تمشيط أمي لشعرها..فإنها كانت تترك شعرها طوال اليوم على عواهنه حتى تتداخل الشعرات في بعضهن.. ثم تأتي أمي في الصباح تمشط لها شعرها ..وكأنها تجري لها عملية!!
صببت لها كأس حليب، وعبدالله يقول لي بتهكم: حفظت؟؟ ها حفظت؟. قمت من أمامه.. وذهبت إلى حيث حقيبتي..تناولتها وكلي غيظ من عبد الله! دخلت على أمي غرفتها وهي تتصارع مع أختي أسماء..تأملتها بحزن ..اقتربت منها لأودعها.. ودعتني بمقولتها المشهورة:"لا تنسى أن تعيد معك كيس الساندويتش" شعرت أني بحاجة إلى ابتسامة سخرية صغيرة .. احتفظت بتلك الابتسامة وقلت في نفسي وأنا أنظر لدموع أسماء " عملية ثانية".
كان سير السيارات بطيئاً جداً عند دوار المنتزة !! وكانت وجوه الطلبة تشع بالنوم..والكرة الكبير لذلك المبنى الذي يسمونه"مدرسة زيد بن حارثة"_رضي الله عنه_.
وقفت قرب البوفية ..وأصوات الطلبة تمنعني من التركيز في فكرة الانتحار !!سألت نفسي بجدية: "هل تريد الانتحار؟؟".. دخل إلى خيالي صوت ذلك الولد وهو يقول لمعلم البوفية: كثر الشطة.. بالله.
حاولت التركيز مع الفكرة:
"أنا اليوم لم أحفظ جدول سبعة..وسوف يضربني الأستاذ..ويهزئني كالعادة!!".
بدأت أسير نحو السيارات..
تأملت فيهن... رأيت سيارة"كامري" مسرعة نوعا ما !! انتظرتها حتى أصبحت قريبة..نزلت من على الرصيف تجاهها.. ولكن للأسف!! علقت رجلي بحفرة صغيرة من الحفر المنتشرة في طرق الخالدية والمنتزة وحارة الشيخ !! سقطت مباشرة على ركبتي.. قمت بسرعة.. ونفضت عن ثوبي ما يمكن إزالته بالنفض وبقيت بقع داكنة تركتها.. أسرعت لأجلس على طرف الرصيف.. مرت "الكامري" مسرعة وأنا أرفع الثوب عن ركبتي وقد صبغتها الدماء لم أشعر بالألم لعلمي أني كنت متهيئ للانتحار!!!
فالمنتحر لا يشعر بألم الموت لأنه اختاره اختياراً!!..
قمت وجرس طابور الصباح قد ملأ المنطقة.. واهتز منه حتى القلم الكبير المنصوب في وسط الدوار!! .
بدأت أسير إلى المدرسة ببطء وقلت: إذا كتب الله أني "سأنتحر!" فسوف تمر سيارة وتأخذ روحي !! .. ولكن للأسف وصلت للرصيف المقابل ولم يكتب الله أن أنتحر!!.
وصلت للطابور....
واحد.....اثنين.........ثلاث....... بع........
كنت أتمرن بفتور لعلمي أنه يفترض الآن أني ميت !! ودوامي اليوم إنما هو فقط إضافي!! ..."حتماً لن أداوم في الغد"....قلتها وأنا أتأمل الخيط المنقوض من شماغ الطالب الذي أمامي وهو يتمرن بجدية..
نظر إلي وهو رافع يديه ، وقال: هل كلمتني؟
_ لا..لا ما كلمتك!! قلتها ويداي في وضع جانبي.
دخلنا الفصل......الحصة الأولى رياضيات......
شعرت ببطني يضطرب عندما سمعت طالبين يختبران بعضيهما في "جدول سبعة"..
فتحت الحقيبة.. بحثت عن كتاب الرياضيات ؛ لم أجده ! شعرت بمغص شديد بسبب شدة الخوف!! فماذا سيفعل المدرس بي ؟؟
وبينما أنا أفكر في عذر أعتذر به......
إذا بالطلاب يدخلون الفصل بشكل عشوائي وعلامات الفرح تبدو في وجوههم!! وهتافاتهم تعلو: المدرس غايب......المدرس غايب !!!!
لم أصدق ما قالوا..فهم دائماً يكذبون بهذه الطريقة!..
مضت دقيقة.. دخل بعدها أستاذ الفنية..ليخبرنا بحزن : أن مدرس الرياضيات مريض......لم أصدق من شدة الفرح ؛ وقلت بصوت منخفض : _الحمد لله أني لم انتحر!!
التفت إلي زميلي الذي يجلس أمامي ، وقال: هل كلمتني ؟
قلت له وابتسامتي لم تغادر وجهي : لا..لا ما كلمتك!!
قال أستاذ الفنية بلهجة حاسمة : الكل يفتح كتاب ويقرأ..
فتحت كتاب التوحيد، وما زال أثر الابتسامة لم يغادر وجهي.
وفجأة....
أحسست بألم شديد في ركبتي! !
أغلقت كتاب التوحيد..
ورفعت الثوب عن ركبتي.. وبدأت أتأمل الجرح.


انتهــت