PDA

View Full Version : بقايا ألم..(قصة)



سمو المشاعر
14-09-2004, 10:33 PM
وحينما كبرت قليلاً وبدأت اتعلق بأمي أكثرمن ذي قبل و بدأت أدرك أهمية وجودها في حياتنا أنا وإخوتي, فقد كانت ملجأنا كلما صفعتنا ايدي الظلم في بيتنا الكبير الذي لم يحتضن في جنباته إلا الحقد والظلم والطغيان والغلبة للأقوى ولم نكن نحن ولا أمي الطرف الأقوى بطبيعة الحال ,فلم يكن لأمي من القوة ولا القدرة على مجابهة جدتي ولا زوجة أبي وكل ماجبلتا عليه من مكر نساء وقدرة على المناورة فكانت تنسحب عند كل مشاجرة من بدايتها إلى غرفتها بعد أن تسوقنا أمامها ثم تغلق باب غرفتها علينا إلى أن تهدأالعاصفة . ولم يكن لأبي أي دور في حياتنا لكثرة غيابه عن البيت الذي ترك مهمة قيادته لجدتي وهو إن حضر لا نجد منه إلا كل أنواع التفرقة والتمييز بيننا وبين إخوتي الآخرين .ولكن أمي رغم كل معناتها لم تتغير أبداً فهي صورة صادقة للمرأة الصابرة إلا أن جسدها لم يحتمل الألم.شيئا فشيئاً تسلل المرض لجسدها الهزيل حتى بدا ذلك واضحاً عليها فضعفت قواها واصفرلونها وحتى وهي على هذه الحال لم تعفَ من أعباء المنزل المرهقة .وفي يوم من الأيام لم تستطع أمي الخروج من غرفتها ولازمت الفراش عندها أحضر أبي لطبيب لم أكن أدرك حالة أمي ولكني كنت أراها تذبل يوما تلو يوم وحزني عليها يزداد وإن كنت لا أعي من هذا كله إلا ما أراه من معاناة أمي مع المرض وقد سمعت بالصدفة نقاش حاد بين أبي وجدتي عجز عقلي الصغير أن يفهم أسبابه وإن كنت أعلم أنه يدور حول أمي وبعد عدة أيام جاء خالي إلى بيتنا لم يكن خالي يزورنا إلا نادرا ً فلم يكن أهل أمي على وفاق مع عائلة أبي ,عجبا لم جاء ؟ وظللت أراقب الوضع من بعيد ماهذا أمي تغادر فراشها وترتدي عباءتها, لم أستطع أن أحتمل الموقف أسرعت إليها وتشبثت بطرف عباءتها ودموع حرى تملؤ عينيّ إلى أين تذهبين ياأمي ؟ قلتها بصعوبة والعبرات تمنع الكلام أن يخرج من فمي كان أخوتي الصغار يقفون بجانبي و أعينهم متعلقة بأمي ينظرون إليها من خلف دموعهم وإن كانوا لا يدرون ما الذي يحدث .ولم تكن جدتي تقف بعيداً عنا تراقب كعادتها ومن حولها إخوتي من أبي أما أمهم فقد كانت تسمع كل شيء من خلف الباب ,كنت أرى الحزن يملأ ملامح أمي كما لم أرى ذلك على وجهها من قبل ثم جثت على ركبتيها بصعوبةوضمتنا إلى صدرها ,كنت أسمع نشيج صدرها وهي تبكي بصمت وظلت على هذا طويلاً إلى أن أمسك خالي بيدها يدعوها إلى النهوض أما جدتي فجاء صوتها قاسٍ وهي تقول :يكفي ذلك . وتهدج صوت أمي وهي تتوسل لجدتي :أرجوك يا خالتي أسمحي لأطفلي بالذهاب معي إلى أن يكتب لي الله مايكتب ؟ وردت جدتي بجفاء :لا, إن كنت تريدينهم فبقي معهم . لم ترد أمي على عرض جدتي السخي هذا ولكن خالي لم يحتمل رؤية أخته على هذه الحال فرد قائلا:أين تبقى ياهذه إنها مريضه وبحاجة للرعاية التي لست مستعدة لتقديمها فاسمحي للصغار بالذهاب مع أمهم .لا أبداً لا يربي أبناءنا سوانا هكذا جاء قرار جدتي قاس ظالم . وبإعياء رفعت أمي جسدها المنهك وجذبت أطراف عباءتها إليها ثم أمسكت بيد أخيها وعيناها لا تنصرفان عنا ولم أستطيع بالمقابل أن أصرف نظراتي عنها ومازال طرف عباءتها بيدي قلت بصعوبه :خذينا معك يا أمي لم تتمكن أمي من إحتمال الموقف ولم تدعها جدتي ترد حينما جذبتني من يدي بقوة وهي تقول : ليس لك إلا بيت أبيك . وغلب البكاء على أمي فالقت الغطاء على و جهها وجرت قدميها جراً إلى الخارج . حينها شعرت بحزن العالم ينساب إلى صدري وبلا رحمة. بصعوبة تحررت من قبضة جدتي وأسرعت أفتح الباب كانت سيارة خالي قد تحركت تجمدت في مكاني والدمع ينساب حار على وجنتي وإخوتي الصغار خلفي .أسرعت نحوغرفة أمي وألقيت بنفسي على فراشها الذي مازال يحتفظ بحرارة جسمها و رائحتها والعبرات تكاد تمزق صدري,وحتى وفي مثل هذا الموقف لم تتخلَ جدتي عن قسوتها إذ سحبت الفراش من تحتي وهي تقول : لاتنم على فراشها ستعديك بالمرض, ويحمل الفراش ويلقى في الخارج تحت الشمس حتى يطهر من المرض كما يعتقدون وكأنهم يريدون أن يتخلصوا من كل شيء لأمي . وتمر الأيام قاسية علي أنا وإخوتي نعاني كل أنواع الظلم والقهر نعم كانت أمي لا تستطيع أن تواجه شر جدتي ولا زوجة أبي ولكنا نجد لديها القلب الحاني ولآن افتقدناها وافتقدنا حبها وحنانها ولم يعد في حياتنا إلا الألم والحرمان .نعم ألآن الكل يرمينا بما ليس فينا فإن تحطم شيء من أثاث البيت فنحن من حطمه وإن صرخ طفل من أطفالهم لأي سباب فلابد أن يكون مضروباً و نحن من ضربه و العقاب ينزل علينا منوعا وبلا رحمة وأقله الصفع وكأنهم لم يكتشفوا أكفهم إلا على صفحات وجوهنا أو كأنهم لايدرون أن للأكف عملاً أخر غير الصفع .حينها كرهتهم وكرهت وجوههم التي لاتذكرني إلا بالكره . وطال غياب أمي عن البيت وازداد شوقي أنا وإخوتي لها وخاصة أصغرهم وهو أبن الخامسة الذي كان يؤلمني سؤاله الدائم عنها .ولم يكن يسمح لنا بزيارتها رغم طلب أمي الملح لكي ترانا .وفي ذات يوم جاء خالي لأخذنا ولا أدري ما الذي جعل أبي يوافق على ذهابنا , كان الشوق لامي يسابق السيارة التي أقلتنا فتخيلت استقبالها لنا وكيف ستضمنا إلى صدرها الذي طالما احتجنا إليه .لم يكن لإخوتي حديث أثناء ذهابنا غير أمي أحسست أن الطريق قد طال فلاعبت أخوتي بلعبة لا يلعبها الأطفال إلا في السيارة {وصلنا البيت ولا لسى}واخيراً وصلنا فتح الباب جدي وكانت جدتي تقف خلفه سمعنا صوتها الحنون قبل أن نراها وهو يرحب بنا ثم استقبلتنا أحضان جدي وجدتي الدافئة ,ضمانا على صدرهما وقبلانا كثيراً ثم أخذت جدتي بايدي إخوتي وسارت وسرت أنا وجدي الذي احاطني بإحدى يديه خلفها كان قلبي يتسارع فرح يشوبه حزن لم ِلمَ تستقبلنا أمي ؟ أين أمي؟ كنت أظن أنا سنجدها في استقبالنا .لم تطل تساؤلاتي فقد أدخلتنا جدتي إلىغرفة أمي كانت تستلقي على سريرها بدت أكثر شحوباًواصفراراً,لم تستطع أن ترفع جسدها لتجلس نظرت إلينا بعينين ممتلئتين بالدموع وهمست بصوت خافت {أبنائي} لم أسمعها بأذني وإنما بقلبي .ثم تدفق الدمع غزيراً من عينيها لا أدري ما الذي أنتابني لم استطع الحراك كأن الحزن أثقل حتى قدمي تراكض إخوتي نحوها ورفعهم خالي للوصول إليها فقبلتهم وعجزت عن أن تضمهم إليها ثم صوبت نظراتها نحوي تدعوني أن هالمّ إهتزت حينها كل خلجات نفسي وأبى جسدي الحراك وجاءت أصواتهم محفزة: تعالى إلى أمك .أسرعت وارتميت تحت قدميها وبكيت كما لم أبكي من قبل وشيء يصرخ بداخلي يقول :لاتتركينا ياأمي.