PDA

View Full Version : الاستشراق



Apollonian_n
29-08-2004, 12:59 PM
فرغت قبل أيام من قراءة كتابين يتناولان الاستشراق دراسة ,نقد و تاريخ , الأول يتألف من مجموعة من المقالات لمستشرقين و باحثين في القضايا الشرق تدافع عن الاستشراق كفكر , منهج و أسلوب علمي رصين أثرى الحضارة الغربية أولا و كشف عظمة الحضارة الإسلامية ثانيا دون إغفال سقطات البعض في فخ الأيدلوجية الاستعمارية او الكراهية للإسلام بوازع لاهوتي ,و دون إهمال النقد الابستمولوجي (المعرفي) , و هو معنون بالعنوان التالي " الاستشراق بين دعاته و معارضيه " , أما الثاني فهو لمؤلف ألماني يدعى يوهان فوك ترجمة عمر لطفي العالم ,كتب/ترجم تحت عنوان "تاريخ حركة الاستشراق", يبدأ في سرد تاريخ الاستشراق من اللحظة التي استأثرت فيها اللغة العربية باهتمام الكنسية لشرح ما أبهم من نصوص في الكتاب المقدس , بحكم تحدرها من أسرة سامية واحدة , في القرنيين الثاني و الثالث عشر , إلى ذروة رواج الاستشراق و ازدهاره في نهاية القرن التاسع عشر.
نحن هنا لسنا في صدد نقد الاستشراق و تفنيده و رده على أعقابه أو التسليم بما جاء به أو حتى التعمق و التمحيص في حيثياته و آلياته , الموضوع اكبر من قدراتي على مستويين الذهني و المعرفي, الذي دفعني للكتاب هذا السؤال الذي ظل طنينه يلازمني اثناء قراءتي للكتابين و قبلهما بفترة طويلة كتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد , ما الذي دفع الغربي مستشرقا ؟؟ سؤال عام يفتح الشهية لكتابة أي شيء عن دوافع الاستشراق , انتقاداتنا لأعمالهم عديدة, معروفة و شائعة على كل شفة و لسان, لكن ليس هذا هو المبتغى من طرح السؤال , لكى تفهم ما اعنيه دعني أضع السؤال بقالب آخر , ما الذي يدفع الغربي لهذا البحث المضني عن حقيقة الشرق , ما الذي يدفعه لعبور الربع الخالي وحيدا بين الكثبان الرمال المتحركة , للمكوث في الأهوار يشارك أهلها أمراض المستنقعات , للسكن في قرية صعيد مصر أو جبل لبنان أو وديان الأطلس المخضرة , يراقب , يسجل , يحلل , يستنتج , أو للبعض فقط يستمتع ؟ ما الذي دفع الغربي مستشرقا ؟؟
لعل استعمار ارض الشرق و نهب خيراتها و استعباد شعوبها هو الدافع الوحيد المسيطر على هاجسنا, اما دافع التحقير لمجتمعات الشرق و ثقافاتها و لغاتها و دياناتها في سبيل تأكيد ذات الغرب المتفوق و الإعلاء من شأنه و قوته و سطوته , دافع متأصل متجذر في المستشرق يولد معه , لذا فلا داعي لذكره , فكل مسلم يعي ذلك بعلم أو بدون علم ,لكني أتساءل هنا , هل فعلا الأمر كذلك ؟, أم أن في الأمر بعض التضخيم و المبالغة.
لا شك بأن الكثير من المستشرقين يشعرون بالمرارة و الأسى نتيجة الهجمات الشديدة عليهم و على علومهم و مناهجهم و نواياهم , ازدادت حدتها بعد كتاب إدوارد سعيد , فأصبح كل ما يمس الاستشراق مدان و في قفص الاتهام , فدفعهم ذلك إلى تبوء مكان الدفاع عن شرف مهنتهم و مقاصدهم , ولكي نكون منصفين و موضوعيين علينا السماع لهم و التعرف على آرائهم و ردودهم و حججهم , لذا آثرت ان أستشهد بمقالاتهم في دفاعهم عن الاستشراق على ان اعيد كتابات الذم و التقبيح و القدح المعروفة لدى الجميع, لا اخفي عليك عدم اقتناعي بان المستشرق الذي امتطى الجمال و قطع الحجاز تحت ظروف مناخية قاسية هو غير معتاد عليها لمشاهدة مكة كان يعبد الطريق للاحتلال و الاستعمار او يجمع المعلومات للطعن في الإسلام .
الاستشراق و الاستعمار
كما هو معروف إن الاتهام الأقدم و الأكثر انتشارا ضد الاستشراق هو ذلك الذي يقول بأن الاستشراق كان الأداة (او المساعد او الحليف على الأقل) للتغلغل الاستعماري الأوروبي في ارض الإسلام. المستشرق الإيطالي فرانسيسكو غابرييلي يرد على اتهامنا , واصفا إياه بالمبالغة , قائلا :))
فالمستشرق بحسب وجهة نظر هذه كان دائما إما المستكشف الطليعي الذي يسبق الاستعمار و يمهد له الطريق , و إما الحليف و المستشار التقني للتاجر الأوروبي او للسياسي الأوروبي أو للمستغل الغربي , انه أحد المسؤولين , إن لم يكن المسؤول الأول , عن الشرور التي أصابت الشعوب الشرقية من جراء الاستعمار , لا نريد هنا ان نثير من جديد المشكلة التاريخية الخاصة بطبيعة الاستعمار و دوره , و انما نريد فقط ان نقول انه اذا كان لوم الاستشراق على دوره المتواطئ مع الاستعمار ليس عاريا من الصحة فإنه قد بولغ فيه و ضخم و أفسد , لقد حصل استكشاف علمي للحضارات الشرقية في الماضي وساهم هذا الاستكشاف في تبيان حجم مساهمة هذه الحضارات في التاريخ العام للبشرية و قيمة هذه المساهمة . صحيح ان هذا الاستكشاف كان قد ساعد أوروبا أحيانا على تغلغلها الاقتصادي و السياسي في الشرق الحديث من اجل استعباده و استغلاله , هذا شيء لا يمكن لأي مفكر شريف أن ينكره , و لكن من العدل و الإنصاف و الشرف أيضا ألا نعمم هذه الحالات و الأحداث الخاصة و نشمل بإدانتنا كل البحث الاستشراقي , فهذه الإدانة قائمة على خلط الأمور و المغالطة )) يتفق معه في الرأي بيرنارد لويس (صديق ادوارد سعيد اللدود) , لكنه يستخدم لغة مغموسة بالتهكم و السخرية في الرد على ادعاءاتنا , فيقول ((نلاحظ حتى يومنا هذا ان الحضارات غير الأوروبية تجد صعوبة كبيرة جدا في فهم سر هذا الفضول المعرفي الذي تحلت به أوروبا منذ عهد النهضة , فمثلا عندما ابتدأ أوائل المختصين الأوروبيين بالآثار المصرية و غير بالحفر عن الآثار في منطقة الشرق الوسط و جدنا أن عددا كبير من سكان هذه البلدان لا يكادون يصدقون كيف هؤلاء الأجانب يصرفون كل هذا الوقت و كل تلك الجهود و الأموال و يخاطرون بأنفسهم كل هذه المخاطرة و يحرمون أنفسهم من كل المتع , فقط من اجل نبش الرفات القديم لأسلافهم المنسيين و فك رموزه , و لأنهم لا يفهمون ذلك ((العمل العبثي)) , فإنهم يبحثون عن تفسير أكثر عقلانية , فبالنسبة للفلاحين البسطاء , كانوا يعتقدون ان علماء الآثار هؤلاء كانوا يبحثون عن كنوز مفقودة. و بالنسبة لسكان المدن الأكثر تقدما و حذاقة فإنهم كانوا يعتبرونهم أنهم جواسيس او عملاء مأجورون لحكوماتهم, لا ريب في ان بعض علماء الآثار هؤلاء قد قدموا خدمات جلية لحكوماتهم و لكن تفسير علم الآثار فقط من هذه الناحية يبدو خطأ كبيرا و يكشف عن عجز محزن عن فهم هذا المشروع الذي أضاف فصولا جديدة لتاريخ البشرية , كما انه أضاف أبعادا جديدة للمعرفة التي يمكن لأمم الشرق الأوسط أن تشكلها عن نفسها و كذلك للوعي بذاتها , وسوء التفاهم هذا لا يزال مستمرا حتى اليوم , بل انه وصل إلى بعض أساتذة الجامعات الذين لا يزلون مستمرين في النظر إلى المستشرقين أما كباحثين عن كنوز ضائعة و أما كعملاء للإمبريالية)) , تناسى السيد بيرنارد , السرقة المنظمة ضمن برنامج مدروس لآثار الشرق الأوسط في حقبة الاستعمار , يكفي زيارة خاطفة لمتاحف الغرب للكشف عن فداحة لصوصية المستعمرين و معاونيهم من مستشرقين ( ليس كلهم كي لا يغضب منا غابرييلي) , لقد بلغت فيهم الوقاحة درجة سرقة المسلات المصرية بعظمتها و جلالة قدرها , يبدو لي ان الفلاح المصري البسيط كان يعي و يفهم بتراث بلاده بخلاف رأي البروفسور بيرنارد المتعجرف , والذي يحدث الآن في العراق من سرقة و لصوصية لا يختلف كثيرا عما حدث قبل قرن من الزمان ...اتمنى ان املك الوقت الكافي لكتابة المقال كاملا ,عندها لن يبقى عضو في المنتدى إلا و بصق على الشاشة
الاستشراق في النقد المعرفي
يكتب ماكسيم رودنسون المستشرق الفرنسي-ذو النزعة الماركسية- في سعية لتبرير سقطات بعض المستشرقين في اللا علمية التخصصية و التعميم و نزعته إلى استخراج النتائج محكومة بأطر حضارتهم و بيئتها , فيعزو ذلك إلى الجهد الجبار و الشاق والطويل الذي يبذله المستشرق في سعيه لتعلم اللغات الشرقية و التمرن عليها , و إنجاز الأعمال المضنية , كل ذلك , كما يقول , يبتلع وقتا هائلا , و كان على العلماء ان يكرسوا له حياتهم , و بالتالي لم يترك ذلك إلا مكانة قليلة جدا من اجل إدخال الاختصاصات العلمية العامة و تدخل الاختصاصين , و هذه هي الظروف التي تفسر لنا سبب الأولوية المطلقة لعالم الفيلولوجيا ( أي فقة اللغة) طيلة كل تلك الفترة , يسانده في هذا الرأي كلود كاهين ففي المقدمة العامة لكتابه متحدثا عن الاستشراق بكل إيجابياته و سلبياته , بكل همومه و مشاغله, يقول: (( إذا كان الاستشراق بشكل عام و الدراسات العربية –الإسلامية بشكل خاص , يمثلان فضولا معرفيا ايجابيا , فإنه لا يمكن إنكار أنهما كانا قد تطورا و ترعرعا ضمن ظروف لا تخلو من بعض المخاطر و النواقص , فهي أولا تفرض على غير الشرقي ولادة , ان يقضي وقتا طويلا في تعلم اللغة مما يحرمه من امتلاك الوقت الكافي للتزود بمنهجية تاريخية حقيقية , ثم نجد بحكم قوة الأشياء ان الغربيين قد ركزوا جهودهم على ما يجذبهم أكثر لدى الشرقيين مدفعين على ذلك بوجهة نظرهم الخاصة و ضمن اطر حضارتهم , او حتى كرد فعل على هذه الحضارة , قلت ركزوا جهودهم على ما يجذبهم في تلك الحضارة كنوع من ردة الفعل , الشيء الذي أوقعهم أحيانا في نوع من الالتباس و الفهم الخاطىء للشرق و الإسلام ( انظر بهذا الصدد كل تلك الحماقات الغبية التي كتبها البعض عندما تحدثوا عن الروحانية الشرقية و المادية الغربية , لكأن الشرق كله روحاني و الغرب كله مادي ....او لكأن الأمور بمثل هذه التبسيطية و الضدية الثنائية ..))
يتبع ................

يوتوبيا
29-08-2004, 03:05 PM
شكرا لك
أحترم فكرك واعتدالك واتزانك في الطرح
ونحن بانتظار الباقي
ولكن عن لي أخي الكريم هذا التعقيب :
أيها الأخ الكريم
قد يكون للاستشراق عوائد نفعية علينا في مايخص بعض المجالات كعلم الآثار وجهودهم المضنية لاتنكرمهما كان الدافع
ولكن في مجال الدراسات الأدبيةيعطون أكثرفي العمل الإحصائي والببلوجرافي والدراسة الوصفية
أما الاستنتاج والتعليل للظواهرالأدبية فاجتهاداتهم أحيانا تخونهم في فهم ظروف الحياة الأدبية العربية
أذكر من ذلك قضية الشك في الشعرالجاهلي التي سرقها طه حسين بأمانة منهم !!
ومن هنا نقرأهم بحذر وإذا وجدنا بديلا يغني عنهم تجاوزناهم !لاانتقاصا منهم ونكرانا لجهدهم ولكن بحثا عن المصداقية أكثر ومثال هذا تاريخ بروكلمان الشهير قد نستغني عنه أحيانا لوجود البديل المأمون

ولعلك تتحفنا بشيئ من ذلك لتكتمل معالم الصورة
تحياتي وتقديري لفكرك المستنير

Apollonian_n
01-09-2004, 01:31 PM
نعود مرة أخرى إلى ماكسيم , الذي بدورة صرح بان هناك نقيصة علمية كبرى ممارسة عمليا أكثر مما هي مؤكدة نظريا أو معلنة صراحة في الاستشراق التقليدي و الذي يتمثل في الاعتقاد بأن الفيلولوجي كليّ العلم ( أي ان عالم اللغة يحيط بكل شيء) ,يضرب مثلا على ذلك , بقوله (( فقد كانوا يعتقدون مثلا ان الاختصاصي في اللغة الصينية قادر على الكتابة حول الفلسفة الصينية , و علم الفلك الصيني , و الزراعة الصينية ,الخ, و أحيانا كان يخرج من المعمعة بشكل لا بأس به , و لكن في غالب الأحيان كانت النتيجة مخيبة للآمال ))
و لا ينفي ماكسيم الاكراهات الموضوعية , كما يسميها , التي فرضت نفسها على التوجه البشري العام , فهي ناتجة عن ضرورات الاجتماعية الخاصة بكل مجتمع كما انها ناتجة عن الأطر العقلية العامة لفعالية البحث العلمي في مجمل المجتمعات الأوروبية ,المتكونة أخيرا عن المؤسسات التي أنشئت في كل مجتمع لكي تكون إطارا يحتوي على هذه الفعالية ,لمزيد من التفصيل و ضرب الأمثلة في سبيل التوضيح , يكتب (( فقد لجأ معظمهم إلى الأفكار العامة المستلهمة من فلسفة تلك الفترة , ومن وعيها الاجتماعي أو من حدس العبقرية المعزولة , و من هنا نتجت بشكل عام ظاهرة الانتقائية او أحيانا هيمنة نوع من أنواع التفسير الرائجة في فترة ما , و لكيلا نستشهد هنا إلا بمثال واحد على هذه الظاهرة دعونا نذكر بسرعة تلك النزعة الاقتصادية الاختزالية التي تتبدى لنا في دراسات علماء الإسلاميات من أمثال مارتن هارتمان او ليون كايتاني بخصوص بداية الإسلاميات ( و هذه النزعة الاقتصادية ناتجة عن التطور العنيف للاقتصاد الصناعي الرأسمالي أكثر مما هي ناتجة عن التأثير المحدود جدا للماركسية), أي تفسير الإسلام عن طريق الاقتصاد وحده كعامل حاسم.
فبعض الاختصاصين المتلهفين للتوصل إلى نتائج عامة على حد ما , و لكن غير مسلحين جيدا من اجل ذلك بسبب تكوينهم المعرفي المحدود جدا , كانوا يستنتجون غالبا خلاصات مهتزة او خيالية قليلا أو كثيرا عندما يولون قيمة ضخمة لبعض الملاحظات التفصيلية او لبعض العوامل و النقاط التي اتيح لهم أن يدرسوها عن كثب
و اما العلماء الأكثر إنصافا و حيطة و الأوعى فإنهم قد استمدوا إلهامهم فقط من العلوم الإنسانية المتبلورة قليلا أو كثيرا آنذاك ( و هذا شيء طبيعي ) نذكر من بين هذه العلوم : علم اللغات التاريخي و المقارن, ثم تاريخ الأديان, ثم الانتربولوجيا الطبيعية , وكانت نتائج هذه الاستنتاجات أو التعميمات كارثية في معظم الأحيان .
بشكل عام كانوا قليلي الحذر و الحيطة في تطبيق النتائج المحدودة لهذه العلوم على مجالات معرفية واسعة (حتى عندما كانت هذه النتائج صحيحة او صالحة) , فعن تطور الأديان الذي كان مهما جدا و مثمرا استخلصوا الأطروحة التالية التي كانت غالبا ضمنية : و هي ان دائرة الأفكار ( و بخاصة الأفكار الدينية) تهيمين على الحياة الكلية للمجتمعات البشرية , و هكذا راحوا يتساقطون بكل سهولة في المثالية التاريخية , و أما من التصنيف النشوئي التاريخي للغات و من الانتربولوجيا الطبيعية ( او البشرية) فكانوا يستخلصون بالطرية نفسها رؤيا عنصرية عن الأشياء , و أما تحذيرات و احتجاجات العلماء المختصين بهذه العلوم العامة المذكورة فلم تكن تفيد شيئا و لم تكن تردعهم , فالكثير من علماء الانتربولوجيا( أي علماء الإنسان أو الأصناف البشرية) كانوا يلحون منذ تلك الفترة على القيمة المحدودة لأشكال الجماجم البشرية مثلا, و على الطابع الاصطناعي للتصنيفات المرتكزة على هذه الأشكال , و على الرغم من ذلك فإن هذا لم يمنع أبدا الختصاصيين الجيدين في اختصاصاتهم ( اقصد المستشرقين) من التمييز بطريقة فجة بين الشعوب المستطيلة الرأس و الشعوب العريضة الرأس , ولا يزال البعض يمارسون حتى الآن العملية ذاتها, و كذلك الأمر فيما يخص علماء الألسنيات و اللغات, فقد حذروا من المطابقة بين تكلم لغة معينة و بين الانتماء إلى جنس عرقي معين , و هذا لم يمنع أبدا الكثيرين , كما نعلم, من تصنيف الشعوب إلى آرية و سامية ( خرافة سام , يافث و حام و ابنه الملعون كنعان !!! , أبولونيان) و كل شعب مميز به , جوهر ثابت لا يتغير و لا يتبدل , و هنا أيضا نلاحظ أن تأثير هذه التنظيرات العمومية المتسرعة لا يزال للأسف مستمرا حتى يومنا هذا "الجوهرانية المثالية"..))
لكن هذا حسب رأيه لا ينفي أهمية الكمية الضخمة من المعلومات التي حصلوا عليها و التي لا ينبغي ان نحتقرها أبدا كما يفعل الكثيرون اليوم ,فإذا كان صحيحا أن الكثير من النقاط لم يجر توضيحها لأن الأسئلة الصحيحة لم تطرح , فإنه لا يمكننا ان ننكر انه قد حصل تراكم ضخم للمواد و المعلومات , فيقول (( يبدو من غير المفيد أن ندخل في التفصيل المتعلقة بالمكسب العلمي الناتج عن كل تلك الفترة التي هيمن فيها الاستشراق الكلاسيكي , نذكر هنا باختصار ذلك العمل الطويل و المضني من فك أسرار المصادر الأولى , أقصد بذلك تصنيف المخطوطات القديمة , و نشرها بطريقة نقدية , و ترجمتها و التعليق عليها , و شرحها , و قد تم أنجاز العديد من أدوات العمل و البحث العلمي على ضوء هذه المصادر , و نحن لا نزال نستخدم هذه الأدوات على حد كبير , نقصد بالأدوات هنا الفهرسة , و الجداول البيانية الخاصة بالفرز و الجرد , و المعاجم , و كتب النحو , الخ و كذلك فقد تشكلت في تلك الفترة الأطر المتينة التي يمكن لانطلاقتنا ان تعتمد عليها الآن بكل ثقة , أقصد بالأطر هنا التاريخ الحَدَثي (الذي نسينا الآن على حد ما انه ضروري كقاعدة للبحث حتى عندما نريد تجاوزه بعدئذ) , و كذلك الجغرافية التاريخية ..الخ))
و يقول في منهجية الدراسة للمستشرقين الأكثر عقلانية (( كانوا يحسون إحساسا حادا بضرورة القيام بعمل جماعي ضخم من المسح التاريخي يساهم فيه الجميع , لأن الباحث الواحد لا يستطيع أن ينجز منه إلا جزء صغيرا , ينتج عن ذلك ان التيار العام في البحث كلن يتمثل بالتقشف الصارم و بالحرص المهووس بدقة التفاصيل ))
و يستشهد مثالا على ذلك لما كتبه جون مول 1842 في احد تقاريره السنوية إلى الجمعية الآسيوية في باريس : (( عندما لاحظوا حوالي نهاية القرن الماضي بأن الأدبيات الشرقية أو الإطلاع عليها سوف يؤدي إلى توسيع حقل الذكاء بشكل غير متوقع , و ان تاريخ الأديان و القوانين و المؤسسات السياسية و الآداب سوف تستمد منها زيادة معرفية تكاد تفوق الحساب , استثاروا الفضول العام للمعرفة. و لكن العلم لا يستطيع ان يسير بالسرعة نفسها التي نرغبها او التي يتحرق إليها أولئك الذين ينتظرون منه كشوفات جديدة, فنشر النصوص و الترجمات التي هي وحدها القادرة على تقديم قاعدة صلبة لهذه الدراسات لم يكن يتم الا بشكل بطئ , و أولئك الذين كانوا يتابعون هذه الحركة ويطلبون بنتائج عامة لم يكونوا يتلقون الا مقاطع متفرقة او أعمالا متفرقة يصعب تقدير أهميتها لأنها كانت تنتمي إلى منطقة جغرافية ضخمة لا يمكن تحديد مدى اتساعها )) و قد كتب الكاتب نفسه عام 1841<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o:p></o:p>
(( مهما كررنا و أعدنا فإننا لا نكرر بما فيه الكفاية ان طبع المخطوطات الشرقية الأهم هو الحاجة الأكبر و الأكثر ضغطا و إلحاحا بالنسبة لدراساتنا , و بعد ان يكون العمل النقدي للعلماء قد مر على كل الأدبيات الشرقية , و بعد ان تكون الطباعة قد سهلت عملية تداول الكتب , بعد ذلك كله و بعده فقط يمكن للعقل الأوروبي ان ينفذ فعلا إلى أعماق الشرق و ان يفهم الشرق , عندئذ يمكنه ان يستخرج الحقيقة التاريخية من ثنايا تلك الطبقة السميكة من الأساطير و المتناقضات التي تغطيها , ويعيد كتابة تاريخ الجنس البشري , و لكن هذا الهدف لا يزال بعيدا عنا على رغم ان الطريق إليه قد رسم بكل وضوح , و نحن نتقدم صوبه كل عام خطوة إضافية , صحيح انها صغيرة إذا قارناها بما لا يزال علينا ان نفعله , ولكنها كبيرة إذا ما قارناها بما كانوا ينجزونه في الماضي ))
أنهي , مقالي هذا بالخلاصة التي استخلصها ماكسيم , وهذا عندما قال (( إذن إذا كان مكتسب الاستشراق ضخما فإن النواقص كبيرة جدا أيضا ))
لعل ماكسيم في طرحه المنهجي العميق المعرفة قد وضع هو نفسه الاستشراق على مشرحة النقد , وهذا أكثر ما أعجبني بهذا الرجل , و هكذا هو و مجتمعه يتطوران !! , لنا عودة , أكيد لن أخرج ماكسيم , لكني لن اسمح له بأن يسيطر على المقال كاملا .....

Apollonian_n
01-09-2004, 01:47 PM
شكرا لك
أحترم فكرك واعتدالك واتزانك في الطرح
ونحن بانتظار الباقي
ولكن عن لي أخي الكريم هذا التعقيب :
أيها الأخ الكريم
قد يكون للاستشراق عوائد نفعية علينا في مايخص بعض المجالات كعلم الآثار وجهودهم المضنية لاتنكرمهما كان الدافع
ولكن في مجال الدراسات الأدبيةيعطون أكثرفي العمل الإحصائي والببلوجرافي والدراسة الوصفية
أما الاستنتاج والتعليل للظواهرالأدبية فاجتهاداتهم أحيانا تخونهم في فهم ظروف الحياة الأدبية العربية
أذكر من ذلك قضية الشك في الشعرالجاهلي التي سرقها طه حسين بأمانة منهم !!
ومن هنا نقرأهم بحذر وإذا وجدنا بديلا يغني عنهم تجاوزناهم !لاانتقاصا منهم ونكرانا لجهدهم ولكن بحثا عن المصداقية أكثر ومثال هذا تاريخ بروكلمان الشهير قد نستغني عنه أحيانا لوجود البديل المأمون

ولعلك تتحفنا بشيئ من ذلك لتكتمل معالم الصورة
تحياتي وتقديري لفكرك المستنير
بداية , اشكرك على وصفك الكريم لفكري و شخصي
طه حسين ليس مستشرقا , انما اخذ منهم احد آليات كتابة التاريخ ,فلسفة الشك و تساؤل العقل حول ملبسات الحدث , قد يكون وقع في فخ المبالغة, هنالك مسلمات لا يمكن تجاوزها و محرمات علينا الإبتعاد عنها,لكنه لم يأبه بها فشك في كل شيء , صحيح انه اخذ استحسان المستشرقين , لكنه ابدا لم يكن منهم و ليس هذا فيه اي نقصان لفكر الرجل و ما قدمه من اعمال بديعة
انا معك , اتمنى ان تكثر أقلام الفكر عندنا و الكتابات المتزنه البعيدة عن المعمعة السياسة و الأيدلوجية اي كتابة التاريخ من اجل تاريخ صادق و صريح و ان كان قاسيا , و ليس تاريخ لتسويق ديانة او عقيدة او ايدلوجية

احترامي

يوتوبيا
02-09-2004, 02:23 AM
أيها الأخ الكريم
للإيضاح
طه حسين ليس مستشرقا
بالطبع أنا لم اقل غير هذا
كنت أتحدث عن قضية الشك في الشعرالجاهلي التي تبناها بعض المستشرقين وجاراهم طه حسين في ذلك
شكرا لك

راهب الشوق
03-09-2004, 03:54 PM
مررت من هنا
استشعر دفيء حوار
لي عوده

راهب الشوق
03-09-2004, 05:18 PM
مقال رائع
سؤالك الجميل الذي بدأت به مقالك ما الذي دفع الغربي الي بلادنا
لا اعتقد ان البدايه كانت بالتجسس و اظنها كانت حب الاستطلاع ونقل الجديد من المعارف و الحضارات و في ثقافتنا العربيه هناك ما يسمي بأدب الرحلات و عندنا رحاله كثر
واذا لم نهمل التطور الزمني يمكننا تفهم كيف ان غرض الرحاله بدأ يتطور تبعا لتطور الظروف و المتغيرات الحياتيه او الملزمات الثقافيه و العرقيه علي المدي التاريخي الممتد
وعلي هذا فلا يمكن تبرأه المستشرقين من انهم اصبحوا بعد ذلك اداه في ايدي الحكومات الاستعماريه
وبعيدا عن فكره المؤامره و التي لا اظن انها دوما صحيحه الا ان كل تفكير منطقي يستطيع ان يتوصل الي ان الملزمات الثقافيه والعرقيه و التي اشرنا لها تصنع نوعا من العقائد المستوجبه التطبيق وهو ما يفسر لنا انتصار بعض المستشرقين لثقافاتهم علي حسابنا و لعرقياتهم علي حسابنا
هذا لا ينفي ابدا ان الكثير من المستشرقين كانوا حياديين الي درجه كبيره
ويكفينا في هذه (مايكل هارت) في كتابه ( المائه : الاكثر تأثيرا في تاريخ البشر ) والذي اختار فيه النبي محمد عيه افضل اصلاه والسلام اعظم البشر
و ( كارل بروكلمان ) والذي قدم عشرات الابحاث الموضوعيه عن تاريخ العرب والاسلام
والحقيقه ان مثل هؤلاء العلماء لا محاله نفعوا الاسلام بدون قصد
و كل من كان يتمتع بحياديه من المستشرقين قدم الاسلام في قوالب رائعه بل وتفرغوا لدراسه الفكر الاسلامي من جوانب لم ننتبه نحن لها الا في العصور المتأخره مثل ( البنيه الاقتصاديه للمجتمع الاسلامي _ والرؤيه السسيولوجيه للمجتمع الاسلامي و تأثير الفتن والصراعات عليها )



تقبل تحياتي

Apollonian_n
10-09-2004, 05:02 PM
عزيزي راهب الشوق

لا انكرك القول ان كلمة استشراق تشعرني بالدونية و كلما تعمقت اكثر في الموضوع كلما ازداد احباطي و غيرتي , لم يكن ابدا بوازع ديني , فأنا غير متدين في جميع الأحوال , انما بدافع الحرص على تراثنا و تاريخنا و علومنا و آدابنا , لو تفرأ مثلا كتاب ناريخ الأستشراق ليوهان فوك و تقرأ كمية الكتب و المخطوطات و الأثريات التي تم نقلها إلى الغرب لأدركت معنى الأحباط الذي اتكلم عنه , هؤلاء لم يتركوا شيء إلا و ترجموه و دراسوه و طوره و أستخدموه لصالحهم ,هم و ان كانوا يعترفون بفضل العلوم الإسلامية و تأثير حضارتنا اللامحدود , إلا انهم يدركوا ان العصر اختلف و ان زمام الأمور لم تعد تحت سيطرتنا , كما انهم يتفاخرون بأنهم نبشوا و انتشلوا العلوم من براثن الأهمال و النسيان , وهم لهم الحق في ذلك , لكن ماذا عنا نحن , ماذا قدمنا و ماذا فعلنا بعلومنا قبل علوم غيرنا؟؟؟؟, و اذا كان المستشرق قد حمل عبء دراسة و تعلم اللغة العربية لقراءة قصاصة من الورق او مخطوطة فنحن نملك من اللغة التي تعلمناها في سنواتنا الأولى ما قضى المستشرق جل حياته لتعلم نفس المقدار , و نملك من الأدوات لكي نتطور ما لم يتوفر في عهد المستشرقين , لكننا لم نفعل شيئا , فبدلا من استخدام كل ذلك لأثراء اللغة و التراث و العلوم و قدح شرارة الترجمة بالمفهوم الصناعي , اهملنا اللغة العربية و عاد التراب و الغبار ليملئ صفحات التراث !!! و حتى عندما نتاول التراث نتاوله كما يتناول الأطفال ألعبهم المحببة و يدافعوا عنها بكل سذاجة و براءة , ثم بعد كل ذلك نلوم الاستشراق , هل نتوقع منهم مثلا ان ينظروا إلى الشرق بعيون شرقية , اعتقد بأننا نطلب المستحيل !!

salem salim
10-09-2004, 05:13 PM
مصطلح * الاستشراق *
لقد ربطنا هذا المصطلح بالدين الاسلامي, , ولا اظن ان للاسلام علاقة بعداوة الغربي للمنطقة المسماة بالمشرق الاسلامي الان, تاريخ الاستشراق والمستشرقين قديم جدا, ونجده منذ العهد الاغريقي,
فاظن ان ادوارد سعيد وغيره وقعوا في مازق عندما ربطوا تاريخ الاستشراق بالاسلام
فمنذ القدم سواء في العهد الاغريقي او الروماني نجد ان هناك مجموعة كتبت عن منطقتنا وزورت التاريخ و سخرت من معتقداتنا الخ .... لخدمة هدف سياسي معين لصالح بلدها.
لو ننظر مثلا الى كتابي السياسة والدولة لافلاطون وارسطو , سنجد ان وصفهم للفراعنة والقرطاجنيين او بابل الخ لا يختلف كثيرا عن وصف المستشرقين لنا حاليا, لنا كذلك فرجيليوس وسيسيرو وغيرهم في العهد الروماني

تاريخ الاستشراق قديم جدا ولا علاقة له بالاسلام
ومن زاويتي لا اظن ان هناك مستشرق محايد

شكرا سيدي وتحياتي وتقديري وهل في استطاعتكم ان تستعملوا خطا اوضح مستقبلا لكي يمكن قراءة مقالكم


تحياتي

أبو سفيان
11-09-2004, 03:53 AM
أخي العزيز :

سعداء بوجودك هنا ... وسنستمر في القراءة والحوار .. أرى في عيون القوم ترقبا للجديد والمفيد .. دم على نفس الطريق ..

وحق للموضوع أن يعلق في جدار المنتدى ليقرأه الجميع ..، فقط أمهلنا رويداً رويدا حتى نتمكن من متابعتك ..

دمت بذات الألق

عبدالرحمن الخلف
19-09-2004, 03:41 AM
وكما قال أخي أبو سفيان

نسعد بك .. فلا تجافي ..

وهاهي ورقتك العميقة .. تنسخ لحقل الألغام ..

فلك التحية والتقدير ,,



جناح