PDA

View Full Version : قصص من أجل بغداد.. ( الطريق الطويل)



زئبق أحمر
22-09-2004, 06:27 PM
هذه مجموعة قصص كتبتها إبان سقوط بغداد.. وهي مسجلة في جهازي الخاص ، وسأنزلها هنا إن شاء الله.. علماً أن حقوق النشر محفوظة.
( قد تكون هناك أخطاء في الكتابة سببها عدم المراجعة، فقد كتبتها قبل أكثر من عام ولم أنشرها حتى الآن)


الطريق الطويل

كان إذا اقترب من دبابة يمشي بحذر .. ملصقاً نظرته بفوهتها.. ممسكاً حذاءه البالي بيده استعداداً للهرب السريع إذا احتاج لذلك !.
فذاكرته الصغيرة لا تنسى يوم قامت هذه الدبابة بهدم بيته الطيني القديم وقتل أفراد أسرته..
كان يرمق العلب الفارغة المنتشرة في ذلك الطريق الطويل بعينين جائعتين!! وكانت أشعة شمس العصر تؤكد له أنها فارغة.. ولكنه عبثاً يذهب ويتأكد!!
وسؤال يلح عليه : أين أبيت الليلة إذا غربت الشمس؟؟
كان يعتقد أن هذه الشمس هي الذكرى الوحيدة لأمه التي مازال صوتها يرن في عقله:
_ قم يا ياسر؛ فلقد أشرقت الشمس..
كان لا يرى الشمس.. إلا ويتذكر صوت أمه بوضوح.. ويتذكر وجهها الباهت..
_ولكن أين هي أمي ؟.
قالها بهمس، ثم نظر إلى الشمس ثانية وكأنه يتهمها أيضاً بالتواطؤ مع الدبابة !!
_ أنت التي أضأت لهم الدروب!! قالها في نفسه.
كانت حشائش بعض الأشجار المتساقطة تتفتت تحت قدميه!
فلاحت له خاطرة " أن القوة تفتت كل شيء"
وقف ؛ وكأن شخصاً أمره بالوقوف!! تم تسائل:
_ متى تفتتني هذه القوة؟
أحس أنه بحاجة إلى أن يبكي! فانحرف ذات اليمين..
وتحت جذع شجرة الصنوبر أهرق دموعه..
ورائحة الصنوبر تتغلغل إلى رئتيه الصغيرتين!
وأخذ كتافاه يضطربان مع شهقاته التي بدأت تعلو!!.
مكث وقتاً وهو على هذه الحالة!! ولم يفق من نوبة البكاء إلا بأشعة الشمس التي أمست تميل إلى اللون الأحمر.. مزمعة للغروب!
قام يكمل مشواره في ذلك الطريق الطويل.. متوجساً من كل دبابة يمر بقربها!
ومازال حذاءه البالي في يديه النحيلتين.. والأوراق تتفتت تحت قدميه.
وما إن لاصقت الشمس حافة الأفق حتى بدأ يجري في هياج أفرزه الخوف على مصيرة تلك الليلة..
وأخذت نبضاته في التسارع..
وبينما هو يجري.. إذ سمع مجموعة أمريكان يأكلون ويضحكون قرب إحدى الدبابات المخيفة بالنسبة له..
لم يفهم الطفل كلامهم أبداً.. وإنما فهم لغة الأكل التي تصدر منهم ..
هدأت خطواته.. وكأنه استأنس بوجود بشر في هذا الوقت وهذا المكان .. وكأن اللقم التي يرسلونها إلى أفواههم تنزل بدورها إلى بطنه الخاوي..
_حتى الأمريكان يجوعون!! قالها بصوت مسموع..
ثم انهالت عليه أسئلة عدة:
_هل لهم بطون مثنا؟
_هل يحتاجون للدف مثلنا؟
_هل عندهم أمهات مثلنا؟
أصبح يمشي ببطء أكثر.. ورعشة الجوع تهز خطواته..
شعر أنه بحاجة إلى البكاء مرة أخرى..
اتكأ على شيء دافئ!! وأخذ يبكي بكل جرأة!!
ومن بين شهيقه المتتالي.. سمع خطواتٍ قادمة!
انتبه!! فإذا هو متكئ على دبابة قاسية!
انتفض مذعوراً..
ولاح له وجهٌ أمريكيٌ يطل من الجهة الأخرى صارخاً بوحشية:
_أمسكوووه!
قالها باللغة الإنجليزية.. التي لم يفهمها الفتى.. بقدر ما فهم نبراته الصوتيه ..
أطلق الطفل ساقيه للريح..
وهم أطلقوا.. ضحكاتٍ ورصاصٍ وحيوانيةٍ..
وبينما الفتى يركض ويلهث في الطريق الطويل.. وأصوات الحشائش المتفتتة تبعث في قلبه الأمل.. .. إذ سقط حذاءه البالي من يديه..
لم يلتفت إليه..
كانت عيناه محدقتين إلى المنحنى الأخير الذي بات قريباً منه..
ومن بين الضحكات الأمريكية انطلقت رصاصة أمريكية أيضاً.. واستقرت في ظهر الفتى..
خرجت بسرعة من الجهة المقابلة..
اختلطت الأشياء في عيني الفتى.. شعر ببرودة في ساقيه..
توقف تماماً..
اقترب الجنود .. وضحكاتهم تأتي إلى خياله كالصدى البعيد..
ترنح قليلاً..
ثم هوى..
وصل الجنود إليه.. وعملوا حوله دائرة.. والدخان يتصاعد من فوهات رشاشاتهم!!
قال أحدهم بلغة بشرية بحتة:
_ لقد فتتته القوة أخيراً!!


تمت

(سلام)
23-09-2004, 10:36 AM
كانت عيناه محدقتين إلى المنحنى الأخير الذي بات قريباً منه..

احسسته أنا في هذه اللحظة

فكر وتفاصيل لا تتسنى لأي أحد
لماذا بعض الكلمات تثير أكثر من غيرها ؟

دمت بخير يا أخي

سلام

زئبق أحمر
23-09-2004, 11:59 PM
أشكرك أستاذي على هذا التعليق..

بالنسبة للتفاصيل، فأنا أسعد بأنك لاحظتها، لأني أحرص على ضخ قصصي بها حسب طاقتي الأدبية المتواضعة..
وأسعد لأن هذه القصة تقريباً هي أول قصة أكتبها بوعي لمعنى القصة، وأعرف أنها ناقصة ولكنها نسبياً أول قصة أكتبها بوعي.. كتبتها بُعيد سقوط العراق..

كتبت بعدها ما يقارب العشرين قصة.. وقبلها كانت لي محاولات كلها دون مستوى النشر..

أكرر شكري لك.

وزن الريشة
08-10-2004, 03:19 PM
جميل ما سطرته يداك ..

قرائتي له جعلني .. أكون حبيس الأحرف .. فلا أكاد أخلص من حرف إلا لحرف آخر يعتقلني ..

دمت على الخير ..

استمر ..