PDA

View Full Version : وداعاً جدتي



المقدام 1
23-09-2004, 09:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

في مثل هذا التأريخ 23/9 /1999م توفيت جدتي ( جدة أبي ) عن عمر قارب 89سنة كانت فيها ذاكرة لله سبحانه وهي لاتستطيع المشي لكبر سنها، فقدت بصرها منذ سنوات عمرها الأولى، كانت حياتها مع زوجها فيها الكثير من الألم ولكنها مع هذا كله كانت صابرة.. وكان بقية عمرها ذكر وتسبيح لله.

منحها الله سبحانه وتعالى ذاكرة قوية كانت معها حتى يوم واحد من وفاتها، لما جئت إليها ظهر الجمعة وكان قد اشتد بها مرض الموت وسألتها كيف حالك؟؟!! ... أجابتني كالعادة وكما عرفتها ..( الحمد لله بخير ياولدي ) لم تستطع أن تدخل يدها في جيبها لتعطيني الحلوى التي كانت كل مازرتها تعطيني إياها فقالت ( دخل إيدك وخذ الحلوى ) أخذتها فقلت لها جزاك الله خير .. قالت ( لا قل جزاك الله الجنة ) ... كانت كثيرا جدا ماتخبئ لي من طعامها بعض الفواكة وإذا جئت قالت لي ( خذ من الثلاجة التفاحة فهي لك

يوم وفاتها .. جائني الخبر أنها نقلت للمستشفى .. وكانت رحمها الله تأبى دوما الذهاب للمستشفى وتقول ( الشافي الله ) فلما سمعت ذلك أيقنت أنها مريضة بشدة ولم يخطر في بالي أنها ستموت
دخلت المستشفى قابلت والدي كان يبكي بشدة عيناه كانت حمراء من الدموع واستغربت هذا، وكان يكلم بعض الأطباء لإنهاء أوراق معينة للمستشفى .. استغربت بكاءه ولم يخطر ببالي سوى أنها مريضه بشده وحالتها خطرة وماكان بكاء أبي إلا لهذا لأنه كان يحبها كثيرا وبشدة ـ ومن ذا الذي لايحبها وقد عرفها ـ

قابلني عمي وأصريت على رؤية جدتي فحاول تخفيف الصدمة وقال أنها مريضة بشدة والكلى توقفت و .. و .. والله ماسمعت مما قاله شيء ولكن عرفت ماقاله في وقت آخر ... كان تفكيري أن أراها وفقط في أي حالة كانت.
قلت له أريد رؤيتها قال صعب .. و .... لكنني أصريت وأقسمت ألا أخرج حتى أراها ..

ذهب بي .. توجهنا لباب صغير .. فتح الباب .. كنت أتصور أنني سأجد أجهزة تعمل وتخطيط قلب وأسلاك كثيرة ... ولكنني وجدت غرفة صغيرة وفيها سرير صغير ... وعندما رأيت أن من كان على السرير كان جدتي وقد غطيت بغطاء على وجهها .... صدمت .. أحسست بصداع عنيف في رأسي ... وقفت عند الباب مدة لاأدري كم كانت هل كانت طويلة أو قصيرة فالزمن توقف عندي في تلك اللحظة ... قال عمي دعنا نرجع ... ولكنني مضيت تجاه السرير .. أقتربت ونزعت الغطاء .. ورأيت وجهها رحمها الله يشع نوراً ... قبلت رأسها وقلت لاشعورياً .. أنا فلان بن فلان .. كما كنا نفعل دائما إذا أردنا أن نسلم عليها .. إنتظرتها ترد علي .. أن تحرك يدها .. أن تفعل أي شيء .. لكنها كانت صامته .. قبلت رأسها وجلست فترة طويلة وأنا على هذه الحال ..فمي على رأسها وأنا أبكي .. عمي بدأ يجذبني ويقول لي هيا هيا دعنا نذهب ... مسيكن أنت ياعم والله مسكين .. من يعرفك أكثر مني .. والله إني أراه والحزن والدموع تقطع أنياط قلبه ولكنه يصبر نفسه .. يحاول أن يكون جلدا .. وقد كان فلك مني كل تقدير على هذا الموقف الشجاع .. خرجت وأنا أبكي تجاه السيارة ... قابلت والدي في الطريق عانقته وبكينا سويا .. مضيت تجاه السيارة وركب معي عمي لأذهب به إلى البيت الذين لايزالون لايعلمون شيئا .. فجدتي قد نقلت بسيارة الإسعاف وهم يظنون أنها مريضة ... وهناك إستلم الراية ذلك العم الشجاع الذي رغم الألم والحزن الذين يعتصران قلبه ... كان يصبر نفسه ..
أما أنا .. رجعت لاأبصر الطريق من الدموع ... دخلت بسرعة ودون أن أسلم على أمي وقلت لها من بعيد دون أن تراني .. سأصعد لغرفتي وجدتي الحمد لله بخير أظنها مرتاحة الأن ... لاأدري كيف نطقت بهذه الكلمات ..

أغلقت باب الغرفة ... بكيت وبكيت ... أخذت ورقة وقلما .. وبدأت أكتب هذه القصيدة ..
هذه هي بين يديكم .. لم أغير فيها أي شيء .. كرهت أن أعدل ماأحس أنه بحاجة إلى تعديل
.. لأنني أريدها كما كانت وخرجت .

(( وداعاً ياجدتي ))
كانت هذه القصيدة … تجسيداً للصدمة الأولى … وفيها وعلى إطلالات أبياتها
ذُرِفت الدموع الأولى … وبين أحرفها وكلماتها الكثيرُ والكثير … من الآهاتِ
والذكريات)).

========================


اذرِفْ دُموعَ الشعرِ والأوزانِ **** وازْرَعْ زُهورَ البؤسِ والأحزانِ

وانسُجْ ظلامَ الليلِ أثواباً لكيْ **** يَمحو بِلونِ سَوادهِ أَلواني

واقتلْ مَلامِحَ بَهْجَتي وانْصِبْ فِخَا **** خَ التَّرْحِ والأشجانِ للألحانِ

ياموتُ جِئْتَ تَدُقُّ بابَ حبيبةٍ **** كانتْ دواءاً للفؤادِ العاني

ياموتُ أنتَ خَطفتَ جَدتنا التي **** كانتْ لنا بِمثابَةِ الأبوانِ

قدْ كُنتُ أشربُ مِنْ كُؤوسِ حَنانِها **** وتَزِيدُني مِنْها بِكُلِّ حَنانِ

لكِنَّمَا قَدْ جِئْتَ تَكْسِرُهَا أَساً **** لِتُرِيقَ مِنْها شَرْبَةَ الظمآنِ

أواهُ إنَّ الدمعَ يَحرقني فَلا **** أَسْطِيعُ نَظمَ الشعرِ والتبيانِ

لكنني سأظلُ أكتبُ قِصتي **** حتى وإنْ سَحَّتْ لَظاً أجفاني

إني لأذكرُ عندما نَأتي لها **** ونقولُ: (( أهلاً بالفؤادِ الثاني ))

ونُقبِّل الرأسَ المُعَطَّرَ قُبلةً **** ونقولُ نَحنُ: (( فلانُ إبنُ فُلانِ ))

فتقولُ: (( أهلاً بالحبيبِ ومرحباً **** بِكَ ياحياةَ الرُوحِ والوجدانِ ))

وتَمُدُّ يُمناها لتُخرِجَ كَفَّها **** لتُوَزعَ الحلوى على الصبيانِ

وإذا سألتَ: (( وكيفَ حالكِ ؟؟ )) أكثرتْ **** بالشكرِ والتحميدِ للرحمنِ

وترى ابتسامةَ وجهها وكأنها **** لمْ تَعرفِ البلوى على الأزمانِ

هيَ (( نورةٌ )) … هي قصةٌ … أسطورةٌ **** كُتِبَتْ بحبْرِ الصبر والإيمانِ

ياجدتي أقْسَمتُ أنْ أبكي إذا **** ماجاءَ ذِكرُكِ فَوقَ كُلِّ لسانِ

وإذا دخلتُ وجِئتُ نحوَ فِرَاشِكمْ **** ورأيتهُ يَبكي مِن الهُجرانِ

وإذا رأيتُ مَكانكِ في حُجرةٍ **** تَبْكي وتَذرفُ دَمعةَ الحرمانِ

ورأيتُ فيها كُلَّ رُكنٍ صَامتٍ **** وسَمِعُت فيها شَرْقَةَ الجدرانِ

سأظَلُ أبكي ثم أبكي كاتماً **** هذا البكاءَ لتصطلي نيراني

فإذا أتى النسيانُ ثُرْتُ بوجههِ **** حتى أرى النسيانَ في النسيانِ

ياموتُ جِئْتَ وكانَ ذاكَ مُقَدراً **** عِندَ الإلهِ الواحدِ الديَّانِ

واللهِ ماقَدْ كُنْتُ أأبى ماجرى **** أو ألتقيهِ اليومَ باستهجانِ

لكِنَّمَا هيَ رحمةٌ مِنْ خَالقي **** أَجْرَتْ دُموعَ العينِ مَعْ خفقاني

ياجدتي إني أُودِعكمْ على **** أملِ اللقاءِ بجنةِ الرحمنِ

في جنةٍ لمْ تُبصرِ العينانُ ما **** فيها وما خَطَرَتْ على الإنسانِ

في جنةٍ فيها الرسولُ محمدٌ **** مَعْ خِيرةِ الأصحابِ والأقرانِ

رباهُ أَسْكِنْ جدتي في جنةِ الـ **** ـفردوسِ، وامننْ ياعظيمَ الشانِ

رباهُ أَعْظِمْ أَجرها، واغفرْ لها **** ذنباً، ووفقها على الإحسانِ

يامَنْ يُحِبُّ حبيبتي فلتصبروا **** وادْعُوا لها بالعفوِ والغفرانِ

وتذكروا أنَّ الحبيبَ محمدٌ **** قَدْ مَاتَ ياقومي فكُلٌّ فَانِ

إلا إلهَ الحقِ خالقنا فلا **** يَفنى؛ فأَمرُ اللهِ في حرفانِ

كافٌ ونونٌ بعدها يأتي كما **** قَدْ شَاءه الرحمنُ دُونَ تَوانِ

لو كانَ هذا الدمعُ يُرجِعُ مامضى **** لبكيتُ حتى تَختَفي شُطآنِ

أو كانَ يُرجِعُ ساعةً أو لحظةً **** أو بَسمةً مِنْ تِلكمو الشَفتانِ

لجعلتُ دمعي ألفَ بَحرٍ هائجٍ **** يَربو ليُعلِنَ ثَورةَ الطوفانِ

لاتعذلوني حِينَ أَبكي فيكمو **** فخيالُ جدتنا الذي أبكاني

لولا يقيني بالإلهِ وأجرهِ **** ليأَستُ ثُمَّ بَدأتُ بالنكرانِ

لكِنَّمَا هذي المصائبُ كُلها **** تَأتي لتَسْقي نَبْتَةَ الإيمانِ

ولكيْ يرى ربي الصبورَ مِن الذي **** يأبى ويرفض شرعة الديَّانِ

ياجدتي إني أُودِعكمْ على **** أملِ اللقاءِ بجنةِ الرحمنِ

ياجدتي إني أُودِعكمْ على **** أملِ اللقاءِ بجنةِ الرحمنِ

====================

عذرا على الإطالة .. ولكن هم كان في صدري أحببت أن أبثه هنا

حنووونه
23-09-2004, 10:34 AM
اللهم ارحمها ... وارحمنا جميعا واجعل خاتمتنا حسنه




مرثيه رائعه.. وفعلا اذا مات ابن ادم انقطع عمله الامن ثلاث احدها ولدا صالح يدعو له..



تحياتي

آية95
23-09-2004, 12:51 PM
أخي المقدام

رحمها الله وأسكنها الفردوس الأعلى

مع من تحب

وجزيت خيرا على نبلك

فهذه الجدة وتلك هم بركتنا وأنسنا وخلاصة دروس تعلمنا إياها الحياة

رحمنا ورحمها الله

آلاء...
23-09-2004, 03:56 PM
وقفت عند الباب مدة لاأدري كم كانت هل كانت طويلة أو قصيرة فالزمن توقف عندي في تلك اللحظة ...
هل أقف على الموضوع المنثور أم المقفى؟؟
كلاهما شجي وجداً ....رحمها الله ورحم جميع موتى المسلمين
سأعود...وهذه المرة عودتي أكيدة فثق بأختك
واعذرني على حجوزاتي السابقة فوالله ظروفي كانت أقوى
فهلا قبلتم صغير اعتذاري
وسأعود لهذه بعد أن أبحر معها
فهي تذكرني برحيل أحبتي يؤرقني رحيلهم وجداً

المقدام 1
28-09-2004, 09:40 AM
اللهم ارحمها ... وارحمنا جميعا واجعل خاتمتنا حسنه




مرثيه رائعه.. وفعلا اذا مات ابن ادم انقطع عمله الامن ثلاث احدها ولدا صالح يدعو له..



تحياتي
الأخت الغالية حنونه
شكراً لكِ أختي ولا فجعكِ الله بعزيز
دمتِ بخير
اخوكِ المقدام 1

المقدام 1
28-09-2004, 09:42 AM
أخي المقدام

رحمها الله وأسكنها الفردوس الأعلى

مع من تحب

وجزيت خيرا على نبلك

فهذه الجدة وتلك هم بركتنا وأنسنا وخلاصة دروس تعلمنا إياها الحياة

رحمنا ورحمها الله
الأخت الغالية أية95
جزاكِ الله خيراً على مواساتك
وأرجو الله أن لا يفجعكِ بعزيز
دمتِ بخير
أخوكِ المقدام 1

منال العبدالرحمن
28-09-2004, 11:39 AM
اللهم ارحمها و اغفر لها

اللهم و اسكنها في الجنّة الظُلل و ألبسها فيها الحُلل

آمين آمين آمين

لا عدمنا قلمك و شعرك أخي الكريم مقدام

al nawras
28-09-2004, 02:37 PM
تحياتي أيها الشاعر
ورحم الله غاليتك
وجمعك به في جناته

أما الشعر ومقدمته النثرية فهما من أدبك الراق

وفقك الله

النورس
ر.ا.ح