PDA

View Full Version : شاعرٌ .. تحت الأنقاض ( إبراهيم الأسود )



أحمد المنعي
19-11-2004, 01:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الأحبة الأفيائيين

حين التزمنا أن تكون رسالة الساخر السامية خدمة الكلمة المخلصة الصادقة ، وإذ أشرقت جنبات الساخر بكوكب في سماء الأدب ، عرفه من عرفه ، وجهله من جهله ، أتى متدثراً في عباءة عنكبوتية :
im-aswad
، وما هو إلا إبراهيم الأسود .

وجدنا إنزال الناس منازلهم ، يأمرنا أن نتقرب بكم من هذا العربي المبين ، لتستبينوا ملامحه وتسمعوا صوته ، وتتلمسوا روحه ، وفي يقيننا أن قبيلة من فرسان الكلمة كإبراهيم الأسود لا يقال فيها إلا مقولة من صدق :

من كان فوق محل الشمس موضعه ** فليس يرفعه شيء ولا يضع

نترككم مع لقاء قديم جديد مع الشاعر إبراهيم الأسود ، قامت به الأديبة الفاضلة ربا الياسمين ، وقد حاولنا استئذانها لإعادة نشر اللقاء هنا في الساخر ، فتعذر الاتصال بها . فلها ولأديبنا الفاضل صادق الاعتذار والشكر ..

ودمتم بخير .





Yإليكم اللقاء كاملاً .. :p
(http://ahmedalmene.jeeran.com/im-aswad.htm)

شاعر تحت الأنقاض

ربا الياسمين
في

حوار مع الأديب الشاعر إبراهيم الأسود




لا أعرفه !!
كل ما في الأمر أنني قرأت له في بعض صفحات الانترنت .
أحسست للوهلة الأولى أن صوته يصرخ بي على حين فجأة: قف !!
... ... ...


كان لون (الصوت) أحمر ، و هيأته شعثة ، و قامته فارعة ، ونبرته صارمة كتلك التي يسمعها أحدنا حين يمر ساهياً من أمام بعض الحواجز الأمنيّة ، وكان _ أي الصوت كما تخيلته _ يمتطي جواداً ويعتمر كوفية وفي يده سيف ، و إلى ذلك كله تحس فيه جاذبيةًَ تثير فيك شهوة الإقتراب ، خاصة حين تشاهد لهذا الصوت يداً تمتد نحوك كأنما للمصافحة والتعارف !

غريب ؟!
نعم غريب .. ولهذا وجدت نفسي في حاجة إلى الوقوف معه على أعين الناس ، تحاشياً للخلوة به ، ( بالصوت ) ، الخلوة التي يغالي بعضنا في تعريفها ، ومددت يدي إليه لأصافحه ( ولا زلت أعني الصوت طبعاً ) إنه ماثل أمامي على الهيئة التي وصفتها ، متجسد في قصيدة شعرية على أحد المواقع الأدبية الإلكترونية ، مددت يدي ، وكتبت إليه في خجل ٍ على عنوانه المعلن :

[ im-aswad@scs-net.org ]

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأستاذ الكريم إبراهيم الأسود
تحية طيبة وبعد
أولا وبصراحة أحببت أن أعبر لك عن إعجابي بما قرأت لك في بعض المجلات الالكترونية
ثانيا هل لي أن أطلب منك لقاءً صحفيا أنشره في أحد المواقع الثقافية الهامة التي تعنى بالأدب الراقي ؟
أحببت أن يتعرف عليك الأصدقاء عن طريقي لأنال هذا الشرف و خاصة أنك ابن بلدي الذي أحب

ربا الياسمين


وجاءني جوابه :

ياللإنسانة البريئة أنت ياربا
ما هذا الحياء الذي يصبغ خديك وأنت تطلبين مثل هذا الطلب العادي
ماعليك ياابنتي إلا أن تبعثي إلي بالأسئلة التي تريدين طرحها
وسأجيبك عنها بكل سرور

إبراهيم الأسود




وكانت صورة هذا اللقاء:

● بعد شكري و تقديري لك وامتناني على الاستجابة لإجراء هـذا الحـــوار ، لدي سؤال يلح عليّ و على كل من يطـــلع على شعرك ، هـذا الشعر غير المـألـوف في زمــاننا ، و الذي يحسب قـارئه أنه بقية من تراث الأولـين من شعراء الجــاهلية . . . و سؤالي بديهي عند كل تـعــــــارف بين اثنين لا يعرف أحدهما الآخر ، و هو : من أنت ؟

●● أنا شيء من جملة النكراتِ ** مبهم الوصف والحلى و الذاتِ

أنا حيٌّ بين الأنام بجسمي ** غير أني في عـدة الأمــــواتِ

● لقد آلمتني بجوابك ، فهل آلمتك أنا بسؤالي ؟ ، إني آسفة ، كنت فقط أريد أن أطلع القراء على هويتك الشخصية .

●● لا بأس يا ابنتي ، أنا أولى بالتأسف لك :
إسمي إبراهيم عبد الحميد الأسود ، ولدت عام 1952 في قرية سورية ذات طبيعة جميلة تقع على الشاطئ الشرقي لنهر الفرات ، اسمها هجين ، هي الآن مدينة بحسب التقسيمات الإدارية ، درست حتى ( سنة رابعة إبتدائي ) ، ثم صُـرفت عن التعليم بفعل ٍ مبنيٍّ للمجهول ، إلا أنني كنت محباً للكتاب شديد الشغف بالمطالعة ، و بخاصة ما يتعلق بالأدب و اللغة والشعر ، و بهذه الطريقة _ التي تشبه أن تكون سماعية في التعلم _ إكتسبت ثقافتي ، و قد داعب الشعر خيالي عام 1967 – 1968 كمحاولات ، ثم كتبت القصيدة الصحيحة حين وُجـِدت للشعر دواعيه ، و كان ذلك عام 1976، في قصة لا محل لذكرها .

وأنا الآن عضو إتحاد الكتاب العرب ، ولديّ ثلاثة دواوين مطبوعة ، هي : ( إلى المقتولة ظلماً ، أرجوان على شفة الجرح ، من رماد القلب ) وأربعة مخطوطة ، وسلسة أخرى مستقلة من الشعر الساخر والناقد ، اسمها (شواخص) بلغت حتى الآن أربعة دواوين إثنان منها قيد الطبع ، فيكون عندي أحد عشر ديواناً ، المطبوعة منها خمسة .

كتبت القصيدة ذات المائتي والثلاثمائة بيت ، والشاخصة ذات البيتين والثلاثة ، والكثير مما هو بين ذلك .

كما إن لدي ثلاث روايات ، إحداها مطبوعة وعنوانها ( وداعاً يا حطام العمر ) و ( شجرة الظل ، و أنامل الشيطان ) ما زالتا تنتظران ... والقليل من المحاضرات والمقالات الصحفية والدراسات النقدية .

● في معرض حديثكم جاءت عبارة : ( حين وُجدت للشعر دواعيه ) ، فما كانت تلك الدواعي و متى وُجدت ، و كيف أثمرت من غير جنسها ؟!

●● ما هي في البداية إلاّ أعراض الشباب ، في إبّانه ، وإني لأزعم أني لم أمـرّ بتلك المرحلة ، لكنه زعْمُ من كان في غيبوبة من شدة الحمّى ، فحين أفاق لم يذكر إلا أنه كان من عنائه في إجازة ، وأنه كان أحسن حالاً في غيبوبته منه الآن في صحوته ، فلو تمنّى لكانت أمنيته أن يعود إليها ، تخلصاً من عذاب يصعق جسده وروحه في كل لحظة .

و إني لأحسب تلك الدواعي قد أثمرت من جنسها ، فالدواعي ليست غير ألوانٍ من الوجع ، و هذا الشعر آهات جاءت بالضرورة من جنس الوجع الذي انبعثت منه ، و هل يثمر الألم غير الأنين ؟.
و هل أشد تجانساً من الحب و الحزن في هذه الأبيات مثلاً ؟ :

و أي حـديثٍ يـوجـع القلبَ و قـعُـه ** كأن توئس المشتاقَ من عَوْد غائبِ

و أي عـذابٍ للـمـشـاعـر مـثـلـمـا ** يـعـذبـهـا مــرأى خُـلُــوّ الـمــلاعــبِ

لك الله يا قلبي المُعنّى إلى متى ** تُـقَـطّـعُــك الأحــــزان إثر الــذواهبِ

لكِ الله ياعيني التي جفّ مـــاؤها ** و لـمّـا تـزل جــــيّاشةً بالسحـائــبِ

فـآكل من مُـرِّ الأسى لا أسيغـــهُ ** و تـأكل ديــدان الأسى من أطايـبي


● إذاً فقد كتبت الشعر مبكراً ، و الظاهر أنك بدأت قوياً ، غير أنني بحسب تتبعي للأدب والشعر في محافله والأوساط التي تُـعنى به ، لم أجدك ، ولا شعرَك يوماً مّا ، بل أحسب أنك غير معروف حتى لدى الكثير من الأدباء والشعراء والمؤسسات الأدبية ، فما سر غيابك عن الساحة ، و أين أنت الآن من الشهرة ؟؟

●● أنا مغيَّب غير غائب ، و معروف غير معترَفٍ به ، كل الأدباء والشعراء المعروفين يعرفونني ، لكن كل واحد منهم بالكاد يستطيع التماسك واقفاً حيث هو ، إذ المحافل والأوساط الأدبية ( للأسف ) كغيرها من دور السينما و صالات المسرح ، معلَنٌ على نشراتها الدعائية ( الدعوة عامة ) ، بينما المقاعد فيها محدودة و البطاقات معدودة ، و الحجز في العادة يبدأ من بعد الرقم / 100 / لأن الصف الأول و الثاني من المقاعد مخصصة لمن لا علاقة لهم بالموضوع و لا حق لهم في الدخول ، هذا المنطق كما ترينه معارض للحق ، ولكن _ مع الأسف _ لا حقّ يستطيع معارضة هذا المنطق ؟!

و لقد ورثـت اليوم نعـليْ ( حُـنْـدُج ٍ) ** و سُـلـبـتُ حـقـاً لـي بـــإرث الـتـاج ِ

و رقى إلى قُـلَل الـمـعـالي أعـجَـمٌ ** و ظـلـلـتُ مـقـبـوراً أنـا و نـتــاجــي

فـلعـنتُ عصراً أصبحت فـيـه الـذّرى ** نـهـبـاً لـكـل مـنـافـــق ٍ و مُـــــداج ِ

ثم ، أتظنين لو أن حندجاً / امرأ القيس هذا بُعث في زماننا هذا ، هل كان سيُمَـكـَّنُ له من حمل لواء الشعراء ؟ ، لا .. بل ستجدين أحد هؤلاء بدعم ٍ من أحد أولئك سالباً تاجه و لواءه معاً ، متصدراً بهما إحدى هذه الهيئات أو المؤسسات الأدبية ، التي ما هي في الحقيقة إلاّ سلطات على الأدب ، و التي يوجد على باب كل منها لوحة مكتوب عليها بالخط العريض ( تفادياً للأحداث يمنع الدخول لغير الأحداث ) ، و مفارز مشتركة لحظر دخول الأدب إليها ، إلا ما كان منه دون البلوغ !!

" أنا موجود " في ساحات الأدب ، لكن وجودي أشبه بوجود الضمير الإنساني عند القيّمين على هذه الساحات ، وجوده و إثبات وجوده متناقضان ، فإقرارهم بعدمه يثبت النقيصة ، و تعاملهم به يخالف المصلحة ، و لا فرق بين وجودي و وجود ضمائرهم إلا أنني " أنا أتألم " .

أمّا الشطر الثاني من السؤال : أين أنا من الشهرة ؟، فأظنه من السهل غير الممتنع الإستشفاف مما سبق ، أنني أشهر المجهولين بعناية أجهل المشهورين ، من أدباء هذه الأمة ! .

وقد يلوح للخاطر أن كلامي هذا يبدو وكأنه رد فعل أو تحامل على أحد أو جهةٍ بعينها ، لا .. أبداً .. ، فليس الفعل من همّي و لا ردّ الفعل من قصدي ، و لست أقول ما قلت إلاّ مقـاربـةً لحـقـيقـة السائد المزري الذي يعترض واقـعـنا الأدبي و رفـضـاً له ، لقـد طرقـت كل تلك الأبـواب فـلم تـفـتـح لي ، وكان أكثر أجوبة سدنتها من قبيل المفارقات ، فكثير منهم قال لي وهو ممتعـض : هذا النفَس الجاهلي لا يروج اليوم في أسواق الشعر العصرية ، ومنهم من لم يحسن قراءة القصيدة فطواها في درج مكتبه و وعد خيراً ثم لم يكن عنده مكانٌ أو إمكانٌ للخير ، و منهم من عاب أن في شعري صراحة و مباشرة _ أي صدقاً _ أكثر من اللازم ، (تأملي) ، و منهم من رأى فيه تهجماً على أعدائنا الأمريكان و هذا في رأيهم ما ينزع عنه السمة الحضاريّة !! ... و لبعضهم أعذار أبرد من هذا بكثير !

وعلى كل هذا ، فأنا لا أجد كبير أسى ، و لست أقول إلاّ كما قال شكسبير : يكفيني تصفيق الصفوف الخلفية .

تـضـايـقني الأرزاء حـتـى كــأنـنـي ** عـلى سعـة الأرجاء أرقـد في حبس ِ

و يعـبسُ في وجـهي الزمـان مـقـطِّباً ** كأن زماني من بـقـايا بني عـبس ِ

و يمشي على رجلين ناسٌ ،و بعضهم ** عـلى أربع ٍ.. أمّا أنا فعلى رأسي

و من أدعـياء الشعـر من عـاب أنـني ** شربتُ و أهلَ الجاهلية من كـأس ِ

و يعـرض عـن شـعري و يـنفر طبعه ** كما ينفر الشيطان من آية الكرسي

زماني ألقـى بي إلـى صُمِّ جندلِ ** و لو شاء ألقاني على موطئ ٍ دهس ِ

و لكنّ نـفـساً أعجـز الهـمَّ قـتـلُـها ** من الغـبن أن تُـبـتـاع بالثـمن البخس ِ


يوماً ما كان الشاعر العظيم أحمد مطر محرراً للصفحة الثقافية في جريدة القبس ، فنَشر لي أكثر من عشرين قصيدة في سنة 1979 ، ثم منذ ذلك الحين إلى الآن لم يُنشر لي خمس قصائد في كل دوريات الوطن العربي ، و منها جريدة إتحاد الكتّاب العرب التي نشرت لي مرة واحدة في كل سنوات عضويتي ، و أحياناً أقول لشيطان شعري : لو كان هذا الشعر صالحاً لنشروه .. هل أنت أعرَف من الحكومة ؟! .. فيضحك !!

● للشعر فنون و أغراض ، و للشعراء مذاهب و مشارب ، و لا أدري لمن من الشعراء قرأت فتأثرت به ، حتى اكتسب شعرك مميزاته من قوة سبك و جزالة عبارة ، و من حدة و جرأة قد تعتز بها ، فـ : أي أنواع الشعر تحب أن تكتب ؟

●● أنا لا أحب أن أكتب الشعر أبداً ، و ما هو في حسبابي إلا بلاء أو داء ، و الحالة الشعرية في رأيي مثل أية حالة عصبية أو نفسية تنتاب المبتلى بها دون موعد معه أو دعوة منه ، و أحسبها كذلك عند كل شاعر حقيقي ، نعم قد يستطيع كل من يملك الآلة ( اللغة والموهبة ) أن ينظم قصيدة في موضوع يُقترح عليه ، و قد يجيد و يحسن إلى حدّ ٍ ما ، إلا أنه مهما بَـلغ من الجودة و الإحسان فلن يخرج عن حيّز ( الصنعة ) ، لكن لنعلمْ جميعاً أن الشعر و الشاعر الحقيقيين غايتان أبعد بكثير من مفهوم اللغة و الموهبة !!

و فنون الشعر و مذاهب الشعراء ، اصطلاحات وضعية تعارفها النقّاد و لا تعني الشاعر الحقيقي في شيء البتة ، فهو يكتب على طريقة المصاب بالنوبة العصبية ، صدقيني ...

و بالتالي فالشعر حالة لا يتمناها الشاعر الكامل ، بل ربما ذلك الذي يحاول أن يكمّل أو يجمّل بها ذاته .

يَمُنُّ عليّ الـدهر أن كنت شاعراً ** وكم شاعر ٍ قد مات جوعاً وكاتبِ

ولو كان لي رأيٌ رفـضتُ ، لأنـني ** أريد حياتي ... لا هــراء مـواهبي

و إني لتوّاقٌ إلى ساعةٍ ، يـفي ** ليَ الزمن الغدّار من بعض واجبي

و هيـهات ، إذ لو أفـلتتني نُيوبُهُ ** تـلقّفـَني من فــورهِ بالمـخــالــبِ


و أنا قرأت لكل الشعراء القدامى _ قراءتي تلك غير الأكاديمية التي وصفتها آنفاً _ غير أنني قرأت أكثر لمن تأثرت به أكثر ، و ذلك لشبهٍ رسمته الأقدار أو قاسم مشترك بيني و بينه ، إذ أنني تدرجت من الشقاء في ثلاث مراحل : شباب اتسم بنزق طرفة ، و كهولة أثقِلت بطموح المتنبي ، و شيخوخة ارتطمت بيأس المعري .. و بالشبه الخَـلْـقي المحض لا بالتمذهُب ، حمل شعري ، و نفْسي أيضاً ، ملامحَ كل من هؤلاء الثلاثة .
و ما دمت عانيت من الشعر كل أعراضه ، فبديهي أنني كتبته بكل فنونه و أغراضه ، غزله و اجتماعيِّه و إنسانيِّه .. و ارتكبت حتى السياسي منه ، و أحياناً أتكلفه .. و أحيانا يأتيني عفو الخاطر أو رهْوَ الخيال ، أي على ما يكون من عادةً كل شاعر .

تـغـزّلتُ حتى أنهـج الفـتـلُ مـغـزلي**و جانيتُ عرفاً لَحمة القـول و السَّدى

و كـل بحـور الشعـر أوطــأتُ قـــاربي**و أخــرجــت مـنـهــا لــؤلــؤاً و زمــرّدا

و عُـلِّمت سجـع الطير بـومـاً و بـلبـلاً**سجـيّـة طـبع ٍ فيّ ليست تـجـَـهُّــدا

فــإن شـئتُ أبكـيتُ الأوابــد نـاعـيـــاً**و إن شـئت أطـربتُ الجـمـاد مـغــرِّدا


و أنا شاعرٌ غَـز ِلٌ بكل جزيئات روحي .. و الحب أحسبه المادة الأساس في تكوين المشاعر ، و عنه تتفرع كل عناصر القضية الوجدانية :

و لِعتُ بالحب طفلاً ، ثم شبتُ ، وها ** قد شبّ فيّ وشاب الهاجسُ الولَعُ

قـنصتـُه في متـاهـات الصِّـبا حـدَثـاً ** قوسي صليبٌ و مُـهـري ضامرٌ جذَعُ

و لــــم أزل تـتـصـبّـانــي بـــــــوادرهُ ** و شرطـُه قـائمٌ ... و الحظ مضـطجـعُ

مـلآن منه خـوانـي طـافـحٌ قـدَحـي ** و لـيس لـي مـنـه لا ريٌّ و لا شِــبَـعُ

و لي في هذا الفن أفلاك مشرّعة ، و ديوان خاص ، و غير الديوان قصائد تعد من عيون الشعر ، منها قصيدة ( لابسات الشنوف ( ، وهذه أبيات من قصيدة أخرى تصلح أن تكون مثالاً :

و تـقول عاذلتي : تصـبَّـرْ عنهمُ ** أو فاستـعـض عن هاجر ٍ بسواهُ

نـِعـم الـدواءُ الصـبرُ ، إلاّ أنــني ** جـربــتُــهُ فــازداد مــا ألـقـــــاهُ

و لربما استبدلتُهمْ بسـواهـمُ ** لـو كــان في الدنيا لهم أشـبـاهُ


أمّا الحدة و الجرأة ، فنسبتهما في شعري أكثر منها تواجداً في طبعي ، لأنني ( إنساناً ) لا أحتاج إليهما دائماً ، أمّا ( شاعراً ) فلا أتصور أن يكون أي صاحب رسالة إلاّ جادّ اً حادّ اً ، و لست أدري من القائل : على الشاعر أن يضع في شعره ناراً ، أو أن يضع شعره في النار .

● الشعر الحديث ..
هذا الذي أكثروا فيه مـدحاً و قـدحاً ، بين مؤيد و معارض ، قد تكون أشـرعت قـاربـك في بحره ، أو على الأقـل : ما هي علاقتك به ، و كيف تنظر إليه ؟؟

●● الشعر الحديث ، كائن مستعرب يجب التعاطي معه و لو لإثبات عدم معاداة السامية . ( هذا لتبتسمي (
و الحقيقة قريبة من هذا ، فالشعر الحديث لا يمكن إخفاء هُجنته ، إلا أن من يتعاطاه يشعر بتعال ٍ وأبـّهة كمثَل من يتزوج أمريكية ، و هذا الشعر و إن كان أجنبيّاً فهو مستورد بطريقة يساندها العرف و القانون ، و قد تواضَعَ عليه الناس فصار أمـراً واقـعـاً ، لا يستطيع أحد إنكار شخصـيته ، و لا انتقاص هيـبـته ، كأي وافد إلينا من الغرب ! .
يقـول المناهضون له أنـه مـولـود غير شرعي ، و الشرع يقـول : الولد للفراش ، و يقولون أنه بدعه ، و أنا أقول إنه بدعة حسنة ، و أرى أن سر جماله في كونه بدعة ، و أزعم لو أنه جاءنا مبكراً لـَعدّهُ علماؤنا الأقدمون أحـد ضروب البديع ، و قد نبغ فيه عن جدارة فـائقـة مثل السياب و محمود درويش و نزار قباني و غيرهم .. و ناهيك بأحمد مطر قبل و بعد كل هؤلاء .
و أنا شخصياً لي فيه قليل من الخبرة و قليل من التجربة ، كهذه الشاخصة :

غلط


صـوتٌ عَـلا
مَـلأ الفـضـاءَ مُـجـلـجِـلا
صـوتٌ فـقـط ..
....... لا شيءَ غـيـرَ الـصــوتِ قـَـطْ
قـال : " الشلام عليكمُ "
قـالـوا : هَــلا
نـادى : ألـستُ بـربِّـكـم ؟
ذُهِـلَ الـمَـلا
قـالـوا : نـعـم …
قـالـوا : بـلـى ...
و تـضـاءَلـتْ أنـّاتُ " لا " بـيـن الـلـغـطْ
أوَ مـا هـنـاك ( ابنُ جَـلا (
يـضـعُ العـمامـةَ
ثـم يُـعـلِنُ صـائـحاً :
غـلـطٌ ... غـلـطْ
إن السلامَ لـه نَـمَـطْ
إن السلامَ اليعربيّ
بلا نقط !

● من وحـي حديثك المحـزن تـتزاحـم في ذهـني صـور كثيرة لشعراء مبدعـين و عباقرة عبر التاريخ ، على كل من هذه الصور غبرة من الهم ذات لون مختلف ، إمّا حمراء بلون الحب ، أو صفراء بلون المرض ، أو سوداء بلون الظلم ، حتى كأن القاعدة هي : أن المآسي و المتاعب هي التي تدفـعنا إلى الإبداع ! ...
السؤال : ما تأثير البيـئة على نتاجك الشعري ، و ما هي البيئة الأفضل للإبداع ؟

●● هـناك أركان خمـسة لابـد من وجـودهـا لدى الأديـب ليـجوز أن يسمى مبدعاً ، و هي على التوالي العكسي : اللغة و الموهبة و المعاناة و الحس و شيء آخر سماوي ، و هذا الأخير لا يكون لازماً لكل أديب إلاّ للشاعر ، و لا لكل شاعر إلاّ المطبوع منهم ..

هذه الخمسة هي العناصر الحقيقية للبيئة المثلى التي تنمو فيها بذرة الإبداع ، أما الماء و الخضراء و الوجه الحسن ، فهي في الأغلب الأعم مسألة ( فانتازيا ( ...

و الشاعر إذا توفرت له الرفاهية سُـدّت لديه منافذ الروح .

و الشاعر لا بد أن يبقى دائماً تحت أصابع الأقدار تدغدغه ، و كأن عمره جملة موسيقية في فكر مؤلفها ، فكل ضغطة من كل إصبع تضيف نغمةً لها جَرْس مختلف ، و هكذا .. ثم لا تنتهي المعزوفة أو لا تكاد ! ...

و الشاعر في دنياه ، كالمؤمن في الجنة لا يجوع فيها و لا يعرى ، و في دنيا الناس كالكافر في النار لا يموت فيها و لا يحيا ، و هو يعيش النقيضين في الـوقت الواحد ، و إنما اختلف عن غيره من الناس لأن الناس أرضيّون بالكليّة ، أما هو فسماوي بقدر مّا .. بقدر ما فيه من شاعرية !

و الشاعر يا ابنتي ، إذا تمت له شاعريته لم يعد محميّـاً من أي أنواع المآسي ، فليس عجباً أن تكون صورته معفرة بألوان من الغبرة ولو بعدد ألوان الطيف .

و الشاعر الجدُّ " مثلي " قـد تكون له ** ضـرورةً نُــوَبُ الأيام ، و الـفُـجَـعُ

كالنـار ، يعـتدُّهـا من أجل صنعـتـِه ** _ و إن تضرر منها _ الصيقلُ الصَّـنَعُ !
و الشاعر فراشة أحلى ما يحلو في عينها النار ، ثم لا تكتفي أن تحوِّم حولها حتى تقذف بنفسها فيها !

و الشاعر يا ابنتي ... الشاعر يا ابنتـي ...
لكن .. يا لـغــفلتـي : كيـف سـمحـت لنفـسي أن أحـدثـك عن الشـاعـر و ظروفه و عناءاته و البيئة الأفضل للإبداع ، و أنت شاعرة !!!

● أشكر إطراءك اللطيف ..
كان الشعر يـبـني مـفـاخر و أمجاداً و يهدم بيوتاً و مجتمعات ، رفع سلولاً و بني أنـف النـاقـة ، و وضـع بجيـلـة و نميراً و عامـلة .. و حتى عهد قريبٍ و الشعر له أثر قوي _ سلباً و إيجاباً _ في أوساطنا العربية ، تُرى : ما هو دور الشعر في حياتنا الآن ، و هل لازال للكلمة تأثيرها ؟؟

●● كان العربي في الماضي يحرص على الفضيلة حرصه على الحياة ، لا بل أشد ، و كان أنفَسُ الأمجاد أغلاها تكلفة ، فلا أهون من حياة أحدهم يقدمها ثمن مكرمةٍ يضيفها إلى مفاخر قومه لتزيد في بناء المكارم مدماكاً .. و لا أشَقَّ عليه من هنةٍ تعرض له ، يعجز عن درئها بنفسه أو ماله أو ولده ، فتترك في شرفه ثلمة !

أما اليوم فقد تعطلت مفاهيم القيم و هبط منسوب الأخلاق ، و أصبحت العروبة تعيش حالة من الهدم ، و هذا الهدم لم يقتصر مخططه على كياننا المادي فحسب ، بل لابد أن واضعيه أدركوا أن مقومات وجودنا المادية كلها لواحق لشيئين ( معنويين ) هما اللغة والدين ، فبقدر ما يمكنهم النيل من لغتنا و ديننا فــالعـنــاصر المــادية الأخـــرى من سياسة و اقتصاد وغيره ستكون تبعاً لذلك ، طبعاً .. لأن مشقة و تكلفة هدم أي بناء ، يختصرها هدم قواعده ، و دين أمتنا ولغتها هما قاعدتا وجودها بالضرورة .

و لن أكلفكِ ألم الخيـبة جرّاء نظرةٍ بسيطة يلقيها المرء على مصيبتنا في ديننا ، و لكن في مجال اللغة أقـول : هناك مجرمون كبار مدفوعون من جهات بعيدة ، أبطلوا دور الشعر في حياتنا وأفقدوا الكلمة تأثيرها ، إنهم بدعوى التجديد و التطوير و مواكبة التقدم ، عمدوا إلى قتل الجينات الوراثية في الأدب و الشعر وكل الموروث الثقافي العربي ، ثم إلى تعويضها بغيرها من جنس آخر غريب عنها ، مما أدى في النتيجة إلى استيلاد مخلوق مشوه ، تنطبق عليه صفة الخَرْق أكثر من صفة الخَلْق ، و قد قلد هؤلاء كثيرٌ من الهمج الذين يتبعون كل ناعق ، و معلوم أن أخطر الفيروسات أسرعها انتقالاً بالعدوى ، و معلوم أيضاً أن أكثر المجتمعات احتضاناً للأمراض أقلها تحصناً .

و بالتالي فحين ستُكتشف المؤامرة سيكون المولود قد دَبَّ و درج بيننا على صورة من الشذوذ و المسخ ، و نجح من زيّن الفكرة لأوباشنا و أعدّ لها ما استطاع من قوة عبر القرون .

و اعلمي يا سيدتي أن لكل شيء قيمـة واحــدة إلا الكلمة ، فإن لها دائمـاً قيمـتان ، قيمة معناها و قيمة أثرها .

فإذ لا قيمة للشعر اليوم في حياتنا ، فلأن الكلمة و حياتنا معاً فقدتا معناهما ، و الأشياء إذا فقدت معناها فقدت خاصية التأثير و التأثر .

قيسي درجـة السمو الخلقي عندنا ، تـظـهـرْ لك مسافةُ ما بين كثير من أدبـائـنا و بين الأدب ، و ما بين كثير من شعرائنا و بين الشعر ، أعني منهم الذين اتخذوا من الغربيين أرباباً آلهةً يتعبدونهم بالتبعية لهم :

المـنـتمـين لـ " كونداليزا " عن مَـعَـدٍّ .. أو نـزار
الصـاعـدين مـن انحـدار ٍ .. لانحـدار ٍ .. لانحـدار ِ
المكثرين النقّ في المستنقعات وفي المجاري
قــومٌ أضاعوا مجدهم ، و أتـوْا بمجـدٍ مـسـتعار
صعبٌ على صدئ الحديد يصوغ مجداً من نُضار
!!!


فكيف للشعر أن يكون له دور في حياة أمةٍ تخلت هي عن دورها في الحياة ؟!

و كيف يبقى للكلمة تأثيرها إذا تحولت في فم قائلها ، إلى نوع من الهذيان الذي لا تُستخلص منه جملة مفيدة ؟!

حضرتُ يوماً أمسيةً شعرية في مدينة كبرى ، جذبتني إليها الدعاية القوية ، و بريق الأسماء و بهرجها الزائف ، و حين سئلت عن رأيي فيما قدم هؤلاء الشعراء ( المبدعون ) أجبت بهذين البيتين :

رجــلٌ يـعــوي .. و كلـبٌ نـاهـــقٌ ** و حـمـارٌ مـرهـفُ الـحـسِّ يـَمـــوء

حـاولـوا عكس سجـاياهمْ ، فقل** : سوءُ تقليد ٍ ، و قل : تقليدُ سوء

هؤلاء هم لغويونا المفترضون ، بل هم أعلى منزلة لأن اللغويين كانوا يأخذون عنهم شواهد اللغة .

و مثَل أمتنا و ما يراد بها ، كمثل ذلك الأسد الذي كان يعيش في حرش مجاور لبعض قرى البادية ، فذهب أهل القرية يحتالون له حتى تمكنوا من صيده حيّــاً ، فجاءوا به و ربطوه إلى زاوية في الحظيرة مع الغنم ، بحيث لا يتمكن من أذاهــا و لا تتمكن هي من الفرار منه ، أياماً ثم أسابيع و شهوراً من الجوع و القهر و الذل ، و فوجئ القوم ذات يوم بأن الأسد يثغـو مثل نعاج الزريبة ، لقد نسي زئيره أو تركه حين لم تعد به إليه حاجة ، و أصبح ينافق الحياة بتقليد أصوات ما حوله من الأغنام !!

● سأصارحك :
بقدر ما أنا سعيدة بلقائك في هذا الحوار ، فإني أفتقد في ملامح إجاباتك القيِّمة سيماء الفرح و التفاؤل ، بل و حتى الأمل الذي هو أول ضرورات الحياة ، فـ : هل التشاؤم صفة لازمة في طبعك ؟! ... أعذرني يا سيدي أرجوك .. و صارحني .

●● لا أجد في سؤالك ما يستدعي طلب المعذرة أو رجاء الصراحة ، إنما هي رقة أهل الشام و رهافة إحساسهم ، و لباقتهم التي تميزوا بها عن غيرهم ، ( صبغة الله ، و من أحسن من الله صبغة ( !

الفرح و الحزن و التفاؤل و التشاؤم ، هي ردود أفعال و ليست أفعالاً بحد ذاتها ، فلا يمكنكِ أن تفرحي أو أن تحزني دون سبب ، و كذلك لا يمكن أن تتفاءلي إلا بعـرَض ينبئ بخير ، و لا أن تتشاءمي إلا من إرهاص ينذر بشرّ ، و حالتا التفاؤل و التشاؤم خاصةً تشبه أن تكون نبوءات بأشياء غيبية توحي بها ظواهر آنيـّة معينة ، أي أنها آثار سابقة لأحداث لاحقة ، بعكس الفرح و الحزن التي هي آثار لاحقة لأحداث سابقة ، و هي كلها ليست أشياء بل هي آثارٌ لأشياء ، و هي كلها انفعالاتٌ لا تحصل إلا بفعل ٍ متعدٍّ ، و إلا بمؤثر خارجي .

و أنا إبن هذه الأمة و أحد أفرادها ، أرى ما يجري لها و أسمع ما يقال عنها و أدرك ما يحاك من أجلها ، و كشاعر ، لا بد أن تكون رؤيتي للأمور أدق ، و حدسي لما هو خفيّ منها أصح ، و تأثري و عذابي بما هو سيء منها أنكى و أشد ، و لأني من شعراء الأمة الشاعرين بحالها ، أرى من واجبي النطق عنها بلسان حالها بأمانة و صدق ، و أحسب أن مسحة الحزن التي في شعري هي نوع من الأمانة في التعبير ، لأنه من خلاف المنطق أن نستقبل المصائب بالزغاريد .

و إن كان لا بد أن نسمي وصف الواقع المفجع تشاؤماً ، فلا بأس ، و لكن هنا لست أنا المتشائم بل لعل الواقع هو المشؤوم ، و عليكِ أنتِ حساب المسألة .

و لو كان للحال صورة أخرى ، لكان لشعري صورة أخرى ، لأن الشاعر مصور ( و أنا مصور بطبيعة عملي ) ، و الحس الشعري النظيف آلـة تـصـويـر ، و آلة التصوير لا تلتقط غير ما يواجه عدستها ، أي لا تكذب .

أما الأمل فهو بالله ، و هو موجود بوجود الله ، سبحانه وتعالى .

و أنا امرؤ ٌ مسلم ، لا بالتبعية و لا بالوراثة ، بل باليقين العلمي الراسخ إن شاء الله ، و أعلم أن كلمة الله دائماً هي العليا ، وأنه ( لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) .

● أنت قلت أن الحالة الشعرية تباغت الشاعر بلا موعد ، و أنا أقول إن الأحداث أيضاً كذلك : ماذا عن ملكة الإرتجال لديك ، و هل هي خصوصية عند بعض الشعراء أم كلهم ، و هل من حدثٍ تسميه لنا فاضَ فيه قلمك فكتب قصيدة ؟

●● نعم .. الأصل في الشعر هو الإرتجال و ليـس الكتـابة و التـفـكـير و تدخين سيجارتين على البيت الواحد ، و لا يعد شاعراً من لا يملك القدرة على ارتجال الشعر ، و الإرتجال يُعنى به حضور البديهة ، و هذه من ألصق صفات الشاعر به ، و متى كان الشخص شاعراً كان بالضرورة الحتمية ذا بداهة و مرتجـِلاً ، و المواقف التي اقتضتني أن أرتجل فيها شعراً كثيرة جداً ، أذكر أحدها على سبيل الطرفة :

في دمشق منذ ثلاث سنوات شاركت في أمسية شعرية مع عدد من الزملاء أعضاء اتحاد الكتّاب ، وحين جاء دوري في الإلقاء قدّمني عريف الأمسية باسمي ( إبراهيم الأسود ) فنهضت من آخر الصالة ، و في طريقي إلى المنصة لاحظت أن إحدى الحسناوات لفت انتباهها اسمي ، فلفتت جيدها لترى هذا الشاعر الذي لم تسمع به ، و حين رأتني أسمر ، كأنما أوحى لها تناغم الإسم واللون بمقولة ( اسم على مسمّى ) فضحكتْ بصوت مسموع و همست إلى التي بجانبها ، و من على المنصة نظرت إليها و هي ما تزال مبتسمة ، فطلبت قلماً من الحضور و كتبت الأبيات التالية ثم ألقيتها متوجهاً إليها بالقصد :

إن أكن أسوداً كما نوَّه اسمي ** فلها الذنب ... و المـلام عليها

جمرةً كنتُ ، فحمـةً صـيّرَتني ** و اشتهتني خالاً على خدّيـها

أنا راض ٍ لـولا ظـنـون الأعـادي ** أنني قد سـقطت من عيـنيها


فما كان أسرع من أن و قفت الشابة تعتذر و هي تحاول إخفاء وجهها المحمرّ و عينيها المبللتين وسط تصفيق الحضور .

أما الحدث الذي فاض فيه قلمي ، فهو الآخر تكرر مرات ونتج عنه قصائد عديدة ، منها قصيدة ( من على سرير الموت ) و هي التي نوهت آنفاً أنها تضمنت وصيتي ، و قصيدة ( حديث الهوى ) و هي في ذكرى مـولد رسول الله نبـيـنا محـمـد صلى الله عليه و سلّم ، و ( الرواية العصرية لمعلقة عمرو بن كلثوم ) تخيلت فيها أن أمريكا اكتشفت قبر الشاعر المذكور ، فأخذت خليةً من رفاته ثم قامت بعملية استنساخ ٍ له ، و بعد أن بلغ أشده طُلب منه أن يقول معلقته الشهيرة ، فقالها ، و لكن بلسان حاله كشاعر أمةٍ تعاني هذا الواقع الراهن ، و قصيدة ( آيات جنين ) كتبتها يوم نفذت هدفها السامي الفتاة الفلسطينية الشهيدة آيات الأخرس ، و قصيدة ( بغداد ) في هذه الكارثة الأخيرة .

هذه قصائد فاض بها قلمي فكتب ، و كأنما كان يكتب لوحدهِ !!

و بالمقابل _ و هو من العجب العجاب و الشيء المؤسف _ فقد حدث أن منيتُ بيوم جلل تمنيت أن يفيض فيه قلمي فلم يستجب ، و لا زلت شديد الحزن على الحدث و أحاول استدراكه فلا أستطيع ، و لا زلت لا أعرف معنىً لذلك ، إنه يوم وفاة والدي ، و كان شيخاً ذا مقام و رجلَ دين ٍ مجاهداً لنفسه ، طاهراً ورعاً تقياً نقياً .. رحمه الله !!

● رحم الله والدكم و آجركم على المصيبة فيه .
بعض دواوينك تم نشره و الكثير ينتظر ، ينتظر ماذا ؟

●● ما تم نشره من شعري ، تم على نفقة بعض النبلاء من المعجبين به ، أما ما ينتظر ، فمنه ما ينتظر وفرة المال ، و منه ما سبق أن وصفتِه أنتِ بالحدة والجرأة ، و هذا قد يطول انتظاره إلى زمن ٍ تكون فيه حرية الكلمة من حقوق الإنسان العربي .

و قـالـوا كتابك لا يُنشــرُ ** و سوف يعارضه معشـرُ

و لو دقـقـوا في عباراتـه ** فأنت الذي ربما تُنشـــرُ


● دخلتَ إلى فضاء هذه الشبكة العنكبوتية ، و ربما وجدتها وسيلة أنجع للإنتشار ، فـلـو كان لك مـوقـع تنشر فيه أعمـالك ، لكان أضمن لإنتشارها و أيسر على الناس للإطلاع عليها ، ألا تفكر في إنشاء موقع على الإنترنت ؟

●● مثل ذلك المــوقــع لو ملكته لاعتبرته مـوقـعـي في هذه الدنيا التي لا موقع لي فيها ، لكنه لا بد أن يكون له تكلفة مادية ، ثم أنا لا أعرف طريقةً لإنشائه و ليس عندي أية فكرة عن ذلك ، ( فعسى الله أن يأتيَ بالفتح أو أمر ٍ من عنده ) .

● أشكرك سيدي على صبرك و أريحيتك في هذا الحوار المتميز .

●● و أنا أشكرك يا ربا يا ابنتي ، و أحيي مقدرتك على إدارة الحوار بهذه الطريقة البارعة المهذبة ، و أعترف لكِ بأنك صحفية ناجحة .

.................................................. ...............................................
مسك الختام
أشكر هذا الموقع الجميل ، الذي استضافني و شاعري على صفحاته مجسداً كرم الضيافة و نبل القصد ، و الحرص على خدمة الأدب .
و باقة ورد عطرة لكل من سيثمن لي هذه الخطوة التي خطوتها باتجاه شاعر و أديب مثل " إبراهيم الأسود " له شخصيته المستقلة ، و بصمته الخاصة ، و نبرته الأصيلة ، في قاموس الإبداع العربي .

ربا الياسمين
"

سرنوه
19-11-2004, 02:55 PM
ماشاء الله

ابو طيف
19-11-2004, 03:29 PM
ماشاءالله

:)

آية95
19-11-2004, 10:28 PM
برج المراقبة

جزيل الشكر لفضلك في تعليمنا من نقرأ

نحن أمة لا تعرف أن تقرأ

احترام وتقدير لجلالة الشاعر

كأن الله بعث شوقي مرتديا بردة المعري

خالد الحربي
22-11-2004, 07:48 PM
،
،

برج..المرااقبة..!!
تستحق..هذا..الإسم..عن..جداارة..!!
شكراً../.للبوصلة..
شكراً../.للإتجاااه.والوجااهة..

،
،

موسى الأمير
24-11-2004, 03:34 PM
ما أروعكما ..!

لي عودة لأستفيء ..

im-aswad
25-11-2004, 08:04 PM
:nn

بسم الله الرحمن الرحيم

سيدي ( برج المراقبة ) الفاضل :
فاجأتني منك هذه اللفتة الكريمة حتى الدهشة ..
وقد ( والله ) ارتعدت فرائصي حياءً وغبطة و( أنت على جلالة قدرك وعلو كعبك في الأدب ) تقتادني لتقدمني إلى هذا الحشد الراقي من الفضلاء المنتجعين أفياء الساخر .

( بعد انتظار ٍ تشفّى وهو يعلكني ولم أزل للقاء الحب منتظرا )


سادتي أيها المتفيئون الكرام :
سرنوه .. أبو طيف .. آية .. خالد الحربي .. روحان حلا جسدا ..
سعيد أنا بحضوركم أيها الأحباب
توقيعاتكم أوقعتني في أسر محبتكم

لكم شكري وتقديري وامتناني

أصغركم شأناً : إبراهيم

فلاح الغريب
27-11-2004, 07:28 PM
.




برج المراقبـة ،،

اكتشاف ثمين ،، وشاعر كريم ،، ولعلك أن تجتهد في الحصول على براءة الإكتشاف مبكراً :)

لما قرأت ( تحت الانقاض ) انصرف الذهن مباشرة إلى الفلوجة ،،

سامحك الله أيها البرج ،،

ويبدو أن حمّى المنافسـة ستشتعل حقاً ،، فلدينا اكتشاف آخر في رواء ،، ولكن للأسف هناك براءة اكتشاف مسجلة لدينا ،، فلا نخشى اللصوص :)

تحياتي لك ،، وللشاعر الكريم // ابراهيم الأسود ،،




.

ديدمونة
27-11-2004, 11:16 PM
الشاعر إبراهيم الأسود
قرأتك هنا فوجدتك على قدر عال من الثقة والاعتداد بالنفس على الرغم مما واجهك من صعوبات ،
فما أراك إلا كأبي تمام ولنا فيه أسوة حسنة ..
وكما قيل أعلاه :
من كان فوق محل الشمس موضعه ** فليس يرفعه شيء ولا يضع
كما لمست في هذا الحوار قوة انتمائك لوطنك وحبك وإخلاصك له
وأخيرا أجد قلمي عاجزا عن إعطاء وصف يليق بشاعريتك
فتقبل إعجابي الصادق فهذا غاية ما أستطيعه
ولبرج المراقبة ألف تحية لاطلاعنا على قامة في الأدب والشعر
ولك أصدق تحياتي

جرجر
27-11-2004, 11:45 PM
لك جزيل الشكر
ماشاء الله

بليزر أبيض
02-12-2004, 01:27 AM
شكراً برج المراقبة..


التقيت بالأستاذ إبراهيم الأسود في مكانٍ غير هذا..وعجبتُ من قصيدهِ ووجودهِ في غير مكانه :)

شكراً لهذه اللمحة التي أرتنا شيئاً من خلف الكواليس.




محبتي..



مؤمن

عبير محمد
06-12-2004, 10:25 PM
الله الله .....تبارك الرحمن ...

من هنا نتعلم ...

تحياتي

عبير محمد
سيدة الصمت

jonur_pen
08-12-2004, 02:46 PM
عندما تلتقي الاقلام الكبيره والفذه
هنا تقف الاقلام الصغيره
تقديراً واحتراماً
فما عساها ان تقول غير
يا رائعاً فماذا تصف بغير الروعه
التحيه للجميع