PDA

View Full Version : .. الإقتِراب مِن الصدفة ..



محبة الصحابة
31-12-2004, 01:04 PM
الاقتراب من الصدفة





بداية يوم كباقي البدايات ... كل شيء صامت هادئ فلم يستيقظ أحد بعد .. عداي أنا
حتى ساعة الحائط ليس لها صوت توقف عقرباها على الساعة السادسة تماماً .. لكن أي سادسة ؟؟
شتان بين سادسة الصباح التي تعلن لي ميلاد أمل جديد و رحيل ليل مخيف لا أعلم كيف يتغزل فيه الشعراء .
وسادسة المساء المعلنة عن غياب الشمس لتشرق على أرض ما هناك و تتركنا بلا نورها .. حيث أنس الشعراء تغزلاً بالقمر و كتابة ما يحل لهم ... بينما أنا التي لا أنتمي لذلك العالم أكون غارقة في نوم عميق بعد يوم ليس بمنهك !!
نهضت من سريري المتهالك بعد أن أخرج أول صوت إعتدت سماعه ... إنه صوت .. إنه صوت صريره .. لكنني لن أفكر في تغيره فهو جزء مني و إن كان جماداً .. لكنه ... سريري .. الذي يحتويني في كل مساء مظلم وإن إكتمل القمر .
غادرت غرفتي .. كلا .. بل غادرت البيت بحثاً عن هواء نقي صافي .. يبعث فيني نشاطاً بعد ليلة أرقة كنت أفكر فيها .. هل سأجد تلك المرأة الغجرية التي لا أراها إلا صباحاً فقط .. وفي مكاني المعتاد أمام الجدول .
أحداث تمشي في رأسي .. وأنا أمشي في الطريق المتعرج الذي يصلني إلى الجدول ... هدوء غير أن ضوضاء تكاد تقتلني .. أسئلة عنها .. غموض يكتنفها .. إمرأة في منتصف العمر ... ملامحها نحتها الحزن والصمت ... تجلس قبيل الفجر أمام جدول بلا شيء عندما تدب الحياة في الأرجاء تغادر .. دون أن تترك أي أثر وكأنما لم يجلس على تلك الصخرة إنسان .
ها أنا الآن أرى الجدول و أرى ظلها .. هي .. إنها في وقتها .. لم تغير جلستها .. وقفت متسمرة أأقترب منها .. أم .. أتراجع .. لا ... كلا إنها المرة الثالثة التي أتراجع فيها .
بدأت أسمع صوت خطواتي على الحشائش .
كنت أخشى أن تنتبه فتغادر المكان ... ترحل ويرحل معها لغزها .
التفتت التفاتة بسيطة بسيطة ثم أعادت نظرها إلى حيث كان .
تقدمت إليها .. نعم لقد وقفت بجانبها .
بادرتها قائلة : صباح الخير أنستي .
صباح الخير أجابت .
جلست بقربها .. بعد لحظات من الصمت كنت أبحث فيها عن بداية لأنطلق معها في الحديث .

هل أنت من هنا ؟
أجابت بلا
حدثتها عن حبي لهذه المنطقة وكيف أنني أعتدت أن أبدا يومي باستنشاق نسيم هذا الجدول قبل أن يشاركني فيه أحد من السكان .
حدثتها كيف أنني تفاجأت من وجود شخص على ضفاف الجدول إسبوعان والمشهد ذاته يتكرر عند قدومي له ... إمرأة تجلس وتغادر ... وهكذا . ..
لم أعتد أحداً أن يسبقني لهذا المكان فهو مهربي و مكاني عند بحثي عنه ... إنني فقط أريد أن أعرف من تلك المرأة التي تشاركني جدولي .
أجابتني مبتسمة .. إنه يعني لي كما يعني لك .. غير أنك ربما تهربين من شيء ما إليه .. غير أنني أهرب منه إليه .. أخذت أنظر أمامي محاولة عبثاً البحث عن شيء يريبها .. يبدو أنها علمت بماذا أفكر بادرتني قائلة : إنه ليس بالظاهر أمامك إنه مكنون .. مخفي .. صمت مدعية عدم الفضول غير أنني أنست بمحادثتها ... طلبت منها بعفوية بدائية من دون أي مقدمات .. هل تكونين صديقتي ..؟؟
أجابتني : إذا كنت سأكون .
وقفت فجأة .. ووقفت لا إرادياً معها سارت نحو الجانب الأخر .. وسرت معها مع أنه ليس بطريقي شيء ما يجذبني إليها .. سألتها : هل ستغادرين ؟
إنه وقت استيقاظهم علي أن أرحل .. لا أريد أعين فضولية تراني .
وعند مفترق الطريق تباعدنا بعد أن اتفقنا على أن نلتقي كل يوم وفي نفس المكان قبل استيقاظهم .. سلكت طريقاً مطولاً لكي أصل لمنزلنا .. في ذلك اليوم فقط اشتقت إلى المساء .. انتظرته بشغف .. حتى أضع رأسي على وسادتي ليأتي اليوم التالي بأسرع وقت .. جاء المساء .. لكن لم أستطع النوم .. إنها لم تغادر مخيلتي .. لطول التفكير بها جعلني أغفو لساعتين قبل الفجر .. لكنني استيقظت قبل وقتي المعتاد . لم أجعل لنفسي متسع من الوقت كالمعتاد لأطلق لأفكاري العنان مع أنني لم أغادر مكاني .
لكن اليوم ليس كباقي الأيام ما إن شعرت أنني استيقظت حتى وثبت واقفة مرتدية ملابسي وحاملة معي دفاتري .. غادرت المنزل .. واتجهت إلى مكان موعدنا .. وجدتها .. اقتربت إليها مسرعة .. حييتها و جلست بقربها .. حدثتها عن شعوري تلك الليلة وكيف أنني ...
قاطعتني .. لم كل هذا إنني مجرد شخص .. وصمتت .
صمت معها ... للحظات ثم أريتها دفاتري .. لا أعلم لماذا ؟!؟ ... لماذا هي بالذات الشخص الأول .. بل .. الوحيد الذي يقرأ ما كنت أسطره ... من ذكريات و أفكار و أحلام ... حدثتها عن نفسي وعن ذاتي .. كانت تقرأ .. وتسمعني وكنت أتحدث كأنني كنت أنتظر شخصاً يستمع إلي .. كنت مسترسلة .. لا أتوقف .. لا أعلم كيف انطلقت و اطمأننت لتلك الغريبة .
هل لأنه حلم تحقق لي .
حلم طفولي .. كنت صغيرة .. كنت أحلم أن أأتي إلى بحيرة تكون بالقرب منها شجرة تجلس تحت ظلها سيدة .. بكماء ..
كنت أحلم أن أحدثها عن كل ما في داخلي .. عن كل شيء .. وعن لا شيء ..
هل لمجرد صدفة الاقتراب من تحقيق الحلم تتيح لي التهور ..
لكن ماذا أستفيد لقد تحدثت كثيراً كأنني أنتظر أحداً يسمعني .. كأنني أفتقر لذلك الشخص .. كنت أريده أن يستمع فقط كنت أريده يشعرني بالأمان وها هو حلمي بدأ يتحقق معها .
فجأة توقفت عن حديثي .. وعن أفكاري التي أتعبت مخيلتي .. التففت إليها لم أجدها ..
حتى دفاتري لم أجدها ... لقد رحلت في وقتها و أنا أتحدث .
هل تعتقدون أنني فزعت .. لا لم أفزع لأنني أحببتها و اطمأننت لها .. كنت أعلم أنني سأراها في الغد .
تكرر اليوم ما حدث بالأمس .
في الغد استيقظت في نفس الوقت ..
وفي الطريق سرت .. و إلى نفس الجدول اتجهت .. لكن ليس المشهد نفسه تكرر
وجدت الصخرة .. لكن لم أجد المرأة .. تقدمت قليلاً .. نظري ركزته على الصخرة .. فقط ..
وجدت ورقة .. بدل المرأة .. فتحتها .. وإذ مكتوب بها ..


عزيزتي
أعذريني تركتك بالأمس دون اعتذار
و اعذريني أنني أخذت دفاترك المنهكة بأفكارك .. و أحلامك
اعذريني أنني أحرقتها لأنني لا أريد أن يقرأها أحد .... و لأنني لن أستطيع
ارجاعها إليك ..
بلغتي الخاصة أعذريني إن كنت سببت لك ألماً بفقدك لمذكراتك وجهدك .
لكنك ستعذريني إذا علمت أنك تقرأين هذه الرسالة بعد أن أكون أنا في قاع البحيرة .

ذهلت ... اتجهت مسرعة نحو البحيرة .. لم أتعب نفسي في البحث
وجدتها تطفو على سطحها .. شاخصة نظرها .

ماتت .. ومات معها أحلامي و أفكاري ..
ماتت ومعها الف سؤال عنها ...
وأكبر سؤال لماذا أقدمت على ذلك ؟!!

شعرت بحرارة تجتاح وجنتي أدركت للوهلة الأولى أنها دموعي !!



محبة الصحابة 6/10/2004