PDA

View Full Version : القيد



moonlight
20-04-2001, 01:11 PM
صباح جديد الشمس تبسط أشعتها في كل مكان .. و العصافير تغرد مع الصباح… أصواتها… تثير الضجر .. يالها من مزعجة وددت أن افتح النافذة و اصرخ بها بشدة … أو أن ارميها بفرده الحذاء علها ترتدع و تكف عن مضايقتي …شددت الغطاء على وجهي أحاول أن احجب نور الشمس ..حتى لا يضايقني ..صوت طرق قوي على الباب .."يا اله اصحي.." انه صوت أختي البشع.." أوف"..انه الصباح أنني اكره هذه الكلمة لأنها تذكرني بوقت النهوض من الفراش..العودة للواقع.. ما اصعب أن اصطدم بحقيقة عدم وجودك بجانبي بهذه اللحظات ..هذه الجدران الأربعة..تضيق على مع الزمن..تحاول أن تخنقني. و أنا أتشبث بفراشي لاهرب من هذا الواقع.هذا القفص يعج بالعديد من المتناقضات ..المسجلة المحشورة بالزاوية.. و تتحلق حولها أشرطة الكاسيت .. غربي .. عربي.. يمكن اوردو بعد..لما لا.. المهم أغاني تثير الشجن و تدفع للبكاء.. الجدران عادة لتضايقني من جديد.. تحاول أن تخنقني. هذه اللوحة المتشبثة بالجدار تغرق بدموعها أمامي.. و الملابس المهملة.. متكومة في أماكن متعددة .. تفوح منها رائحة الكسل..أنني اكره أن يدخل الآخرون إلى هنا.. لا أريد أن يراني أحد ..يعريني ..أو يطلع على حقيقتي..
الكسل يسيطر على لذا تعبث الفوضى بالمكان.. الرائحة تكاد أن تخنقني..رائحة الكابة.. نزيف حاد من جسدي.. هل هو بسبب الخوف من الكابوس مرعب زارني ليلة البارحة ؟؟؟. تحسست الفراش الرطوبة أكاد أن اغرق بها.. و كتل الملح تغطي وسادتي.. لابد أنني بكيت البارحة طويلا..
اشرعت باب غرفتي متوجهة نحو الصالة..هناك رأيتهم متكدسون بجانب والدتي.. و هي تحمل طفلها الصغير… صوت بكاءه يزعجني.. وددت لو أخذه من قدميه.. و اقذفه في سلة المهملات.. لم اعد احتمل هذا الواقع الذي يكاد أن يخنقني….
صوت منبه السيارة القوي.. يؤرق الجميع..حتى العصافير بدأت بالزقزقة..لتهدئة فزعها..خفت انه بعوائه المتواصل سيوقظ الحي..لذا أسرعت بالخروج.. و قبل أن أغادر قذفت بكلمتين لامي "يا له مع السلامة"..صوت أخي الصغير ارتفع بشدة.. أنى أحس بليونة قدمه تحت كعب الحذاء..صراخه المتواصل ..لكني لم التفت إليه .. لم أتعود أن التفت إلى أي منهم..أكملت طريقي..واقفة أمام سيارة النقل.. رابضة أمام الباب.. إنها تثير الاشمئزاز في نفسي.. حدثت نفسي "الله يكون بعوني الآن ستبداء نورة بجدالها العقيم عن حكم عباءة الكتف".. هذا الجمس القديم بلونه الأسود يذكرني بخنفساء مقرفة.. تنفث روائحها الكريهة في الجو..تقدمت للصعود.. وبعد محاولات عديدة.. استطعت أخيرا أن أكون ضمن طاقم الرحلة.. طبعا بعد ما سحبتني حصة بقوة إلى الداخل و علقت " ألم اقل لك لا ترتدي هذه التنورة مره أخرى"…فرددت عليها بسخرية "وش البس بنطلون يعني"..أخذت مكاني في الجلوس.. كما تعودن دائما بجانب النافذة..
بداء الجمس برحلته المكوكية..يهزنا في أحشائه…يحاول ان يهضمنا..يحولنا إلى كتل..غير قادرة على الحركة..تلفت حولي ..نوره غير موجودة.. أطلقت زفرة ارتياح " الحمد لله خلصنا من درس الدين على هال صبح"..حاولت أن أتجاهل الجميع من حولي .. صوت حصة و هي تشكي لسارة ..مأساتها مع زوجها ..كان حادا ينبأ عن المها…الأصوات بدأت تتلاشى من حولي.. و عدت لعزلتي من جديد..عدت لسجني .. زنزانتي ..ارقب القيد الملتف حول معصمي .. و أتذكرك…
طريق طويل..إشارات المرور كثيرة.. و مع كل إشارة مرور موكب جديد من السيارات.. هايلكس بها شاب مراهق.. يستمع لبشير شنان بطرب… سيارة أخرى قديمه جدا بها أحد الأجانب.. اظنني اعرف وجهه لقد كان أحد أساتذتي أيام الجامعة…ما هذا سيارة شبح.. لماذا تغريني هذه السيارة .. و تدفعني لتأملها دائما.. غرقت في مغازلة السيارة ولم انتبه لقائدها و هو يبتسم في وجهي ويشير بجهاز الجوال الذي في يده.. تعبيرا عن رغبته بإعطائي رقم هاتفه.. ابتسمت..التفت للجهة الأخرى .. أسدلت غطاء النقاب على عيناي .. و أغمضتهما.. رحلت إلى عالمي..ذكريات ألامس.. سنوات مرة من عمري.. ولم اعبر طريقي..تخليت عن الكثير .. حصلت على لاشيء..ضاع عمري بانتظار نصفي الأخر.. هل تراني أجد من يحبني.. كما أتصور أن يكون الحب…ها أنا ذي الملم بقايا الأمي.. و استمر بالسير بطريق رسمته.. و عجزة عن الوصول إلى نهايته… خيبات أمل متكررة..فشل عاطفي ..تجارب بدأت .. ولم يكتب لها أن تنتهي.. و أخرى تطل على برأسها تبحث عن فرصة و لكني أن اغلق الباب أمامها عوضا عن أن اتركه مواربا.
رغم زحمت الأفكار .. و قلقي من المحاضرة الأولى التي لم استعد لها بعد..لقد كنت أمل أن استغل وقتي المهدر ساعة كاملة.. من ألاشي.. بالتحضير.. ولكن صورتك لا زالت تزاحم أوراق الكتب..تفرض نفسها على…هربت منها جلت بنظري بالسماء..فرأيتك معلق بين قطع الغيوم.. تحاصرني على مد النظر.. أغمضت عنك عيني.. حاولت أن استسلم للنوم..إلا انك أبيت إلا أن تفرض علي نفسك.. تتسلل في أوردتي.. تستعبدني.. تخنق احرفي.. و تقتل وحدتي…صراع دائم لم تنقذني منه إلا يد حصة و هي تهزني بقوة.."اصحي يا حالمة.. وصلنا ولا أنت ناوية تقضي نومك هنا"..
تحركت بتكاسل..لملمت أوراقي المبعثرة.. وصوت سائق النقل يتمتم لزوجته بحنق.."وش فيها ذي دايما معطلتنا"… تعثرت بعباءتي كدت أن اهوي على وجهي فافقد أسناني ..
بدأت بسحب خطواتي ..بطريقي إلى المكتب ..ممر طويل ..مضجر..لا يوجد ما يفتح النفس هنا.. أعين كثيرة تراقبني.. وأنا أخطو بتكاسل..هذه العيون كم تحمل من الحقد.. الغيرة.. السخرية .. أم التحسر على..
ها اهوي بشنطة الكتب على سطح المكتب ..فتحدث دويا قويا ..أظن الكل يسمعه حتى ذلك الوزغ المتربص لي في دورة المياه الموحشة ..أصابه الهلع فلاذ بالفرار..
لملمت أوراقي..لم انس أن لدي المحاضرة الأولى اليوم.. ولكني لم احضر المادة..كيف اقف أمام الطالبات..؟؟ وأنا فاقده الذاكرة .. غير قادرة على الاستيعاب..لقد قضى كابوس البارحة على ذاكرتي..مسح كل الملفات منها..لم يبقى إلا فتات من ذكريات الصباح ..
استجمعت قواي و دخلت قاعة الدرس..هناك عيون نصف مغمضة ..كانت معلقة في سقف القاعة..كأنها ترقب أحلام البارحة.."اوف "..كم اكره يوم السبت..الوضع دائما على هذا الحال..الجميع شارد الذهن..يحمل في جعبته بقايا من سهر البارحة.. أو ذكريات الأهل في قلوب المغتربات..
منظر الطالبات المكتئب..توسلاتهن أن لأعطيهن الدرس ..أثار الشفقة في قلبي ..أم انه خوفي من مواجهتهن بضحالة معلوماتي اليوم..هو ما دفعني لإلغاء المحاضرة…ما أن نطقت بهذه الكلمة..حتى دبت الحياة في نفوس الجميع من جديد..توردت اوجانهن..و الفرحة ارتسمت كالورود على شفاههن..قلت بنفسي "الهذه الدرجة تكرهني الطالبات"…لم انتظر..عدت أدراجي إلى المكتب ..ارتميت على الكرسي..كمن أزاح هم ثقيل عن كاهله.. و ما أن أغمضت عيني إلا وارتسمت أمامي..متى ستتركني..لماذا تصر دائما على أن تسكنني .. أتريد أن تفضحني أمام الجميع…
..وغرقت في أحلامي من جديد.. أكوام الكتب المتربعة أمامي..تحثني على قرأتها .. و لكني لم أجرا على فتح صفحة منها..صورتك ..تجتاحني في كل سطر.. و كل كلمة.. أه لو تعلم كم اشتقت إليك.. وكم احبك..وكم أتلهف للقائك..وكم . وكم ..
حصة دخلت المكتب بأسلوبها المعتاد..هزة كياني ..عندما فتحت الباب بقوة..كنت غارقة معك..انتابني الخوف أتراها رأتك..
اليوم حصة على غير عادتها.. وجهها تغير لونه ..أحسست أن لديها الكثير لتقوله..لذا بادرتها…" خير إنشاء الله حصة"..ردت " لا الحمد لله.. بس سائق النقل اتصل وقال مراح يجي اليوم يأخذنا للبيت"..فاجأتها و كآني أريد أن اطرد ملامحك من وجهي..لا أريدها أن تراك مرسوم في عيني أو تشاهد قبلتك المرسومة على شفاهي..
"و إذا….طب اتصلي على زوجك و يجي ياخذك..".. تغير لون وجهها أحسست بأنها تريد أن تفترسني ..الغضب يتطاير من عينيها..مهما حاولت إخفاءه..
اعرف إنها غيورة جدا..هي لا تريد لزوجها أن يقترب من هذا المكان..تخاف أن يرى أحد الموظفات أو الطالبات… و يرحل معها في أحلامه بعيدا..
كنت ارغب أن اقدم لها عرضا ..لا ريح نفسها المتعبة.. ولكني تذكرة أن آخي لن يرضى أن يوصلها لانه لن ينسى حصة أبدا..التي احبها بكل صدق… ولكنها فضلت غيره.. اعتقد انه سيلطمني على وجهي لو أني دعوتها للذهاب معنا ..حتى حصة لن تقبل..لا اعتقد أنها سترضى بان تتابع نظرات الشماتة في وجه أخي عندما نصل إلى بيتها المؤجر..هل رفضته من اجل هذا..زوج اتكالي هي المسؤولة عن الإنفاق عليه….
تفكيري هذا أصابني بالغثيان..مجرد أن أتصور باني ستزوج شخص كزوج حصة… انتهازي..و صولي…
صحوة على صوت حصة.. وهي تهزا بي " هي يا بنت اصحي.. إلى متى وأنت على ها الحال..".. نظرة إليها و كأنني صعدت لتوي من اسفل الهاوية.. النور يعمي عيني.. لا أستطيع الرؤية…
لقد تعودت أن أغوص في أعماق الأشياء ..حتى اغرق بها.. لا احب السطحية في قراءة الكلمات…
أخذت الهاتف الجوال …في هذا الهاتف لا اعرف إلا أرقام قليلة جدا..ورقم هاتفك كان ولازال الحاضر دائما…رسالة جديدة.."احبك جدا"…أحسست بالقيد يضغط على يدي بشدة..تجاهلت الألم..
فضلت أن أرسل إلى أخي رسالة بدلا من أن اتصل به..لا احب الجدال معه..
رميت بالهاتف في حقيبتي ..نسيته مع أشياء كثيرة اعتدت أن أنساها هناك…قلم كحل..إصبع روج…حتى قارورة العطر الفارغة..لماذا لم ارمها…غرقت في تأملاتي من جديد..لماذا نرمي قوارير العطر عندما تنتهي محتوياتها..هل قيم الأشياء بما تحويه..إذا أنا سأضل معبئة دائما لن اسمح لاحد أن يفرغ محتوياتي..
في طريقي للمنزل..أخي بدا بالثرثرة..يا الله اكره أن يوصلني أخي إلى أية مكان..انه يحب الثرثرة كثيرا..بدا بشتم سائق الشاحنة لانه تخطانا عند الدوار..ثم تحول الكلام لقصة طفلته الصغيرة..و ماذا اشترى لها..حاولت أن أجاريه بالحديث ..مع أني ارغب في إسكاته..يالها من تقاليد باليه التي ترغمني على سماعه دون قدره أن أجادله…
صمت لحظه ..ثم نظر إلى بابتسامه ..و أردف قائلا…" و هالحين إلى متى وأنت ترفضين ألي يتقدمو لك….تراك فشلتيني عند الناس.. ورا ماتزوجين و تخلصيني..؟"
أحسست بدمي يحترق داخل عروقي..شعور بالغضب.. الحزن..الألم…الم فضيع كدت ان اصرخ منه..يضغط على بقوة………
رفعت يدي نظرة الى الساعة ..كانت تشير الى الواحده ظهرا…رحلت معك من جديد..هل تراك تنتظرني الان..ام انك مللت من الانتظار.. و رحلت..متى ستتحرك عقارب الساعة..لاراك حقيقة ..بجانبي..بدلا من ان اعيشك حلما..
صوت اخي غاب عني لم اعد اسمع منه شئ.. و لكني اظنه استمر بثرثرته..باشياء كثيره لاتهمني.

<FONT COLOR="Red">تم التعديل بواسطة المشرف</FONT c>

الراشد
20-04-2001, 01:49 PM
moonlight

مساء الخير

قصه جميله جسدت الواقع او بلاصح تقريبا سبع ساعات عمل اسلوب جميل في وصف الواقع ويتخلله
بعض الابتسامات
كلمات رائعه سلمتى

تقبلي تحياتي

الراشد

ضب آطخم
20-04-2001, 07:17 PM
السلام عليكم

أختى جميل جدا سرد القصه جذبتني من اول حرف فيها .. ولكن من الظلم أن تقارني نفسك بزجاجة عطر .. زجاجه العطر صنعت لسبب وأنتٍ خلقتي لسبب

ولك تحياتي