PDA

View Full Version : قمرٌ في بغداد !!



ممتعض
20-02-2004, 01:55 AM
بغداد !!

من أين آتيك يا عبقة المآثر ؟!!
ففي العلم أحمد ، وفي المجد منصور ، وفي الشعر تمّام ، وأنى أتيتُ باباً من أبوابك حياني منه سيدُ !!
بغداد .. كنت جالساً ظهر اليوم أُقلب فِكري كيف أشاء ، ثم انتبهني شيطانُ العواطف قائلاً : أما آن لما ماتَ من وجدانكَ أن يُبعثَ يا أشيَبَ المفارِق ؟!!
فانتهرتني صبوةُ الصِبا ، واستفزتني أحايينُ ما مضى ، وصحت : - ألا هبي بصحنك فاصبحينا !!
وبحثتُ في بُنيات الطريق من قلبي عن شجنٍ قديم ، أجدد فيه دماء القلب ، وأطوال الوجه ، وأُرضي به وخزات الصِبا المجتمعه .. ودونما تقصد أو ترابط وجدتني أقف عند قصيدة ( ابن زريق البغدادي ) الموسومة بـ ( قمر في بغداد ) !!
وهي قصيدة قرأتها في بواكير الانتعاش الشبابي ، وفورة خفقات الوجدان ، وتحسس المشاعر .
وأحسب هذه القصيدة أجمل ما قيل في غزل ( الزوجات ) !!، فجل - إن لم أقل - كل غزل الشعراء يكون في محبوبةٍ بعيدةٍ يلقاها على وجل ، وعلى حين غفلةٍ من أهلها . لكنَّ شاعرنا أتحفنا بمخالفة السائد ، ومعاكسة المتوارث ، فشبب بامرأته !!
وأتمنى على جميع زوجات الأدباء والشعراء عذر أزواجهن في تقللهم من التغزل فيهن ، : فأزهد الناس في الشيء أهله أولاً ، وثانياً : أن الاعتبار الاجتماعي لا يستمرئ وصف الحلائل ، بينما لا يمانع في وصف الخلائل !! ولعله معذور بعض الشيء – أعني الاعتبار الاجتماعي - ، فلا غيبة لمجهول كما يقال ، ولا تشبيب بنكرة ، وأما المُعرّف بـ ( زوجة ) فإنها معروف - معُرّف !!
ولعل ( ابن زريق ) ولولا كآبة الظرف ، ومحبة الزوجة ، وغيبية القادم ، أقول لولا ذلك كله لما جاش خاطره بـ ( قمر في بغداد ) !!
و( قمر في بغداد ) قصةٌ وقصيدةٌ وأسىً اجتمعت في أبياتٍ سارت بها الركبانُ قديماً ، والطائرات والسيارات حديثاً .
فـ (ابن زريق ) صاحب زوجةٍ جميلة ، وحبيبة إلى قلبه في نفس الوقت ، ومعها كذلك له حظٌ عاثر ، وسبيلُ رزقٍ موصودٌ بابه أيُّما تجربة – هكذا ظن من نفسه - !! ويبدو ومن سياق القصيدة أنه قد اختار من شعَثِ قول من سبقه هذا البيت ليكون قائداً له ودليلا : -
دعيني للغنى أسعى فإني *** رأيت الناس شرهم الفقير .
فقرر إذ ذاكَ السفر لـ - خليج ذاك الزمن - الأندلس !! علّه يعود برزق وفير يبلغه ما اصطُلح على تعريفه حاضراً بـ ( الحياة الكريمة ) ، وفي هذا الخضم الهائل من المشاعر المتداخلةِ جاءت ( قمر في بغداد ) ، تنبئ عن لوعة الفراق ، وأقسام القدر ، وأشتات الهم ، وتجرع النكد ، وتحسس الغيب وتوجسه.
يقول الشاعر بدايةً : -
لا تعذليه فإن العذل يولعه *** قد قلتِ حقاً ولكن ليس يسمعه
جاوزتِ في لومه حداً أضر به *** من حيث قدرتِ أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً *** من عذله فهو مضنى القلب موجعه .
ثم يستمر الشاعر في وصف هذا الشد والجذب ، بين استحباب المبيت عند الحبيبةِ الغالية، وبين الأمل بغنىً لا يطغي، هرباً من فقر منسيٍ ، لا يرفق بمثل رهافة حس ( ابن زريق ) !!
ثم وبعد هذا الشد والجذب يوصلنا ومن خلال قصيدته لقراره الأخير في أمر السفر فيقول : -
استودع الله في بغداد لي قمراً *** بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه .
وعند وصول أخيكم( ممتعض ) لهذا البيت تقاطرت فوق قلبه قطرات خمر الشعر دفعةً واحدة ، فصار (أخوكم ) ثملَ مشاعر ، يهذي تارةً بــ : -
وإني لتعروني لذكراكِ هزةٌ ***كما انتفض العصفور بلله القطرُ
وتارةً بــ : -
وليس الذي يجري من العين ماؤها *** ولكنها روح تذوب وتقطرُ
وثالثةً بـ : -
إذا جئتَ فامنح طرف عينيك غيرنا *** لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظرُ
و رابعةً بــ : -
كم قد ذكرتكِ لو أُجزى بذِكرِكُمُ *** يا أشبهَ الناسِ كلِّ الناسِ بالقمرِ .
وهاج قلبُ أخيكم وماج ، وفاحَ عبيرُ الروحِ عنده ، واصبح قلبي أينما توجهه لا يأتي إلا بشجن !!
فعجَّت بقلبي دماءُ الشباب *** وضجت بصدري رياحٌ أُخر
آه لكذا مشاعر.. وداعٌ .. لزوجةٍ وفيةٍ !! وأين ؟ في بغداد !! ثم يمضي شاعرنا واصفاً وداع قمره البغدادي !!، مبتغياً العذر من نفسه لنفسه . فالفقر كافر برهافة الحس ، ولا يتوارى إلا بكسبٍ يقتله ، فكان ما كان من ( ابن زريق ) من هجرة الخِل الحبيب، واستعاضته عنه بوجوه منكرة لا يعرف منها إلا رسوم الإنسان !!
ولكن المؤسف المحزن ، أن ما كان يحذره لم يوقه !! يقول عن هذا الحذر المخترَق : -
قد كنت من ريب دهري جازعاً فرِقاً *** فلم أوقَ الذي قد كنت أجزعه
وليت الأمر قد توقف من ريبه فراق السفر ، - لا- بل كان يخشى أكبر من هذا أن يحل بينهما فقال : -
وإن تغل أحداً منا منيته *** فما الذي بقضاء الله يصنعه
والمؤلم أن حتى هذه لم يسلم منها ، فقد اغتالت المنايا أحدهما قبل أن تكتحل ناظريه بالآخر ، وذاك هو ( ابن زريق )الذي مات في غربته قبل أن يلقى زوجه !!
- فما الذي بقضاء الله يصنعه ؟!!
-لا شئ سوى التسليم .
عدتُ إلى نفسي بعد هذه الرحلةِ النشائجية ، وقلت : يا ابن زريق ، إن كنت قد افتقدتَ قمراً لك في بغداد ، فإنا قد فقدنا سماءَ بغدادَ نفسها !! فإذا انفطرت السماء فإن الكواكب ستنتثر لا محالة !!
وعاد لممتعض الامتعاض دون أن يشعر ، فقاتل الله أمريكا واللبراليين فقد اشغلونا حتى عن الشجن !!

======================

الممتن لمن قرأ : - ممتعض .

ممتعض
20-02-2004, 03:05 AM
القصيدة كاملة
** مع ملاحظة اختلاف الروايات .وملاحظة أنها القصيدة الوحيدة للشاعر !!


1- لا تعذليه فإن العذل يولعه *** قد قلتِ حقاً ولكن ليس يسمعه

2- جاوزت في لومه حداً أضرَّ به *** من حيث قدَّرتِ أن اللوم ينفعه

3- فاستعلمي الرفق في تأنيبه بدلاً *** من عنفه، فهو مَضنى القلب موجعه

4- قد كان مُضطلعا بالخطب يحمله *** فضيقت بخطوب الدهر أضلعه

5- يكفيه من لوعة التشتيت أن له *** من النوى كل يوم ما يروعه

6- ما آب من سفر إلا وأزعجه *** عزم إلى سفر بالرغم يزمعه

7- يأبى المطالب إلا أن تكلفه *** للرزق سعياً ولكن ليس يجمعه

8- كأنما هو في حل ومرتحل *** مُوكلٌ بفضاء الله يذرعه
9- إن الزمان أراه في الرحيل غنى ***ولو إلى السند أضحى وهو يقطعه

10- وما مجاهدة الإنسان توصله ***رزقاً، ولادعة الإنسان تقطعه

11- قد وزع الله بين الناس رزقهم *** لا يخلق الله من خلق يضيعه

12- لكنهم كلفوا حرصاً، فلست ترى*** مسترزقاً وسوى الغايات يقنعه

13- والحرص في الرزق، والأرزاق قد قسمت*** بغي، ألا إن بغي المرء يصرعه

14- والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه*** إرثاً، ويمنعه من حيث يطمعه

15- استودع الله في بغداد لي قمراً ***«بالكرخ» من فلك الأزرار مطلعه

16- ودعته وبودي لو يودعني ***صفو الحياة وأني لا أودعه

17- وكم تَشفَّع بي ألا أفارقه ***وللضرورات حال لا تُشفعِّه

18- وكم تشبث بي يوم الرحيل ضُحى ***وأدمعي مستهلاتٌ وأدمعه

19- لا أكذب الله، ثوب الصبر منخرق *** مني بفرقته، لكن أرقعه

20- إني أوسِّع عذري في جنايته ***بالبين عنه وجُرمي لا يوسعه

21- رزقت ملكاً فلم أحسن سياسته ***وكل من لا يسوس الملك يخلعه

22- ومن غدا لابسًا ثوب النعيم بلا *** شكر عليه فإن الله ينزعه

23- اعتضت من وجه خلي بعد فرقته *** كأسا أُجرع منها ما أجرعه

24- كم قائل لي ذقت البين: قلت له: *** الذنب والله ذنبي لست أدفعه

25- هلا أقمت فكان الرشد أجمعه *** لو أنني حين بان الرشد أتبعه

26- لو أنني لم تقع عيني على بلد *** في سفرتي هذه إلا وأقطعه

27- إني لأقُطِّع أيامي وأنفدهُا *** بحسرة منه، في قلبي تقطعه

28- لا يطمئن بجنبي مضجع، وكذا ***لا يطمئن به مذ بنت مضجعه

29- ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني *** به، ولا أن بي الأيام تفجعه

30- حتى جرى البين فيما بيننا بيدٍ *** عسراء تمنعني حظي وتمنعه

31- قد كنت من ريب دهري جازعاً فزعا *** فلم أوقَّ الذي قد كنت أجزعه

32- بالله يا منزل العيش الذي درست ***آثاره وعفت مذ بنت أربعه

33- هل الزمان مُعيد فيك لذتنا؟ *** أم الليالي التي أمضته ترجعه؟

34- في ذمة الله من أصبحت منزله ***وجاد غيثٌ على مغناك يمرعه

35- من عنده لي عهدٌ لا يضيعه، *** كما له عهد صدق لا أضيعه

36- ومن يصدع قلبي ذكره وإذا *** جرى على قلبه ذكرى يصدعه

37- لأصبرن لدهر لا يمتعني ***به، ولا بي في حال يمتعه

38- علماً بأن اصطباري معقب فرجاً *** فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه

39- علَّ الليالي التي أضنت بفرقتنا *** جسمى، ستجمعني يوماً وتجمعه

40- وإن تغل أحداً منا منيته *** لابد في غده الثاني سيتبعه

41- وإن يدم أبداً هذا الفراق لنا *** فما الذي بقضاء الله نصنعه؟

عزوف
20-02-2004, 10:43 PM
أجدت الإختيار .. أيها الأديب البليغ ...

قصيدة رائعة ..... منتقاة من مكان أروع .. يحمل السحر والجمال .. كما يحمل

الشجن و الألام ..!! لمشاعر جياشة .. فياضة.. لا تعرف زمان أو مكان..!!

ولعلك الآن خرجت بنا عن العادة عند ذكر بغداد .. لتذكرنا بذاك الوجه

القمري الآخر لحاضرة الرشيد ....

تحياتي .. :nn

ممتعض
21-02-2004, 07:48 PM
الأخت الكريمة عزوف
الحق أنكِ تواصل ولستِ بعزوف .
دوماً نجد قلمكِ سباقاً للمشاركة ، وعينيكِ للقراءة ، وهذا ليس بـ تطفلٍ منكِ -حاشاكِ - بل هوتفضلٌ منكِ تجودين به على حروفنا المتواضعة .
فشكراً على شكر .
وتحياتي لتفضلك .

ممتعض .

جزيرة العرب
22-02-2004, 12:53 PM
لطالما قَرأتُ بين حُروفِك بلاغة... تُخجِل الأدباء
وانتقاءك يا ممتعض للمواضيع...يسمو بالنفس البشرية...إلى جوزاء الفكر والثقافة..
شكراً لك ..جَمال العنوان..
وشكرا لك انتقاءا لقصيدةٍ عبقتِ المآثِر :)


قرأت الموضوع...ثلاث مرات :)

حياء الورود
22-02-2004, 04:57 PM
رائعتك هذه...
ضربت العمق..
فجعلت الروح.....متشحة بسواد..حزين..على (بغداد). :( ..


إنها...ذات وقع على النفس..

هنيئا للساخر...(أنت) ..:)

الحنين
23-02-2004, 12:11 PM
قمـر؟؟؟
وهل بقي قمر فى بغداد...؟؟
لقد غطى سواد الحرائق ونار القنابل ونحيب الثكالى قمر بغداد...!!!
بغداااااااااد وهل خلق الله مثلك فى الدنيا ألمـا؟؟


استمتـاع ..ما بعده استمتاع أخى الكريم


مع كل الود أخى الكريم
:nn

ممتعض
24-02-2004, 05:15 PM
الأخت الكريمة جزيرة العرب
لو كنت أعلم بأن هكذا قراءة ستكون لموضوعي لحبّرت لها الحرف ما استطعت إلى ذلك سبيلا .
ثناؤك العاطر يجعلني أعيد النظر في طريقتي في الكتابة واستعجالي إضافة المواضيع .. فأنا من النوع الذي يكتب عفو خاطره ، أي أنه لا يبيّضُ مواضيعَه بل يكتبها كيفما قذفَ قلبُه إلى يديه من كلمات .. وهذا من فضل الله علي ولكن ثناءكِ العاطر سيجعلني أكثر مراعاة لما أكتب .. ولمن أكتب .
تحية تشبه لطيف انطباعكِ لما قرأتيه .
الممتن : ممتعض .

ممتعض
24-02-2004, 05:18 PM
الأخت الكريمة حياء الورود
وهنيئاً لـ ( أنا ) الساخر .. ومن فيه من أمثالك .

ممتعض .

ممتعض
24-02-2004, 05:24 PM
الحنين
حنانيك .. فإن الله جاعل لما ترينه فرجاً ومخرجاً .

زيارتك زادتنا فضلاً .
ممتعض .

الحنين
28-02-2004, 01:31 PM
اللهم آميــــــن ..يارب العالمين..
أتمنى ذلك.. قبل اغماضة العين..الغمضـة الأبديـة..!!









مع كل الود والامتنان أخى الكريم



:nn

النديم
02-03-2004, 10:33 PM
مهماا قلت اخي ممتعض ..
.
فلن أوفيك شكرك على هذه الرائعة ..
.
.
اختيار ينمّ عن جودة الذوق و حسن الانتقاء ..


سلمت يداااك ..


تقبل تحيّات اخيك المحب نديم

ممتعض
08-04-2004, 04:01 PM
أرسلت بداية بواسطة النديم
مهماا قلت اخي ممتعض ..
.
فلن أوفيك شكرك على هذه الرائعة ..
.
.
اختيار ينمّ عن جودة الذوق و حسن الانتقاء ..


سلمت يداااك ..


تقبل تحيّات اخيك المحب نديم

أخي النديم
آسف على سوء انتباهي لردك القديم .. سلمك الله وحفظك .. وزيارة من له سابق قدم في هذا المنتدى شرف لي .
ممتعض.

الممتحن
10-04-2010, 10:36 AM
سلمت أناملك أخي

الحقيقة ..
29-11-2010, 03:13 PM
ممتعض ..

حركت مشاعرنا المحتظرة ..

هل هناك .. ألوان .. رائحة .. ذوق .. حياة ! هذا ما أتمنى !!



اقبلني ضيفا ً هنا ..

شغف المعاندة!
29-11-2010, 03:40 PM
أخي الممتحن والحقيقة, ألا تلاحظان.. أن .. اممممم... كيف أقولها؟ :1))0:
القصيدة من 6 سنين! :king:, أيام استشهاد الشيخ أحمد ياسين رحمه الله :)

عسى خير :nn