Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube

الموتى الأحياء

زوجوه يخلص !

قيِّم هذا السجل
.

( جلوب جلوب جلوب . . أح )


- ماذا فعلت ؟
ينظر له ببلاهة وهو يمسح طرف فمه بكفه : - شربت !
- مجنون ! والآن ماذا ؟!
- ارتويت ، ما هذه الأسئلة البلهاء ؟
- شربت من هذه الزجاجة هناك التي جلبها أيوب معه ؟ مفيش غير الإزازة دي أدامك ؟
- نعم ، كنت عطشان ، لم أعرف أنها زجاجته ولا أعتقد أنه كان سيمانع ! آسف أني شربتها كلها !
بثورة : - مجنون ، لقد شربت من ماء الحياة !
- نعم الزجاجة مكتوب عليها ( حياة ) ، لا أفهم . . هل ماركة حياة هذه هي منتجات إسرائيلية مثلا ؟ أو من منتجات القوات المسلحة وأنت معارض ومقاطع مثلا ؟ أم هل هناك مشكلة في جودتها مثلا ؟ ثم إنها حتى لو كانت مملوءة من الصنبور فهذا عادي ، الأصل أن كل شيء مغشوش وملوث في هذا البلد الأمين ، حتى نهر النيل ، ماذا لو كانت منتجات إسرائيلية ، على الأقل أضمن للصحة . .
- يضرب كفا بكف ويصرخ بجنون : مجنون ، لا تدري . . !
بدهشة : - لا أحد مجنون سواك هنا ، ماذا تريد مني ؟
- اذهب فورا لصديقي البروفيسور فهمي ، قل له أنك من طرفي والموضوع عاجل . .
يعطيه العنوان ويده ترتعش من فرط الغضب . .



* *



يغوص في مقعده ويحك ذقنه بطرف قلمه : - إممممم ، ماء الحياة ؟ سمعت عن هذا في الأساطير الدينية والميثولوجيا والقصص وأفلام الخيال العلمي . . نعم سمعت .
- وهل تصدق ذلك ؟ هذا هراء . .
- هل شعرت بتغيرات ؟
- نعم ، أمس صدمتني سيارة مسرعة في وسط الطريق ، ولكني عدت لمنزلي سيرا على الأقدام ، حتى أن المارة تعجبوا . .
- هذه علامة ، هل هناك غيرها ؟
- نعم ، صديقي الذي كان يسير معي صدمته نفس السيارة ، ولكني لم أشعر بالقلق عليه إطلاقا حتى وهو يتأوه ويشتكي من ساقه ، في مواقف تافهة أثناء لعبنا كرة القدم كنت أهرع إليه إذا أصيب أثناء اللعب ، ولكن الآن لا أشعر بالقلق ، من أي شيء ، يمكن القول أني تقريبا لا أشعر ، لا أعرف . .
- هذه علامة ثانية ، هل هناك غيرها ؟
- لا أعرف ، أشعر أني لم أعدني ! كأني ابتلعت حوتا دسما على الإفطار ولبث في بطني !
- ها ، علامة ثالثة تابتة ، ماذا تعني بأنك لم تعد نفسك ، ما الوعد الذي كنت تريد أن تعد نفسك به ؟
- لا ، لا ، أقصد أني لم أعد أنا !
- ها ، مصطلح جديد علمي لذيذ مدمك مدموك مختصر إذاً يدخل هنا المعجم ، " لم أعدني " ، " لم أعدني " ، رائع ، كوول ! الله !
- يزفر بنفاد صبر : - ما الرائع في هذا ؟ والعمل الآن ؟

ينفجر البروفيسور فجأة ضاحكا بشكل ينافي وقاره المصطنع ويقفز بوجهه للأمام في مقعده : - آه يا خلبوص ! آخ يا خلبوص ! آه منك ! ليس أمامك إلا أن تتزوج !
ثوان معدودة ظل فيها يحدق في وجه البروفيسور في خواء وعدم فهم وبلاهة : - لا أفهم !
يواصل ضحكته : الحقيقة أن الزواج في أيامانا هذه يقصف العمر ويسبب أمراض الضغط والسكر والجلطات ، نياهااها ( يضحك ) ، لكن الأمر في حالتك مختلف ، هل تعرف ما يحدث في زواج النحل ؟
- أعتقد ذلك ، يموت الذكر فورا بعد الزواج !
- يواصل ضحكته الرهيبة ويحدق في السقف بإمعان ويشير بيده كأنه يطارد نحلة طائرة : هوب هوب ، الله ، الله عليك ، بالضبط ، هذا هو حلك وخلاصك وانعتاقك !
- ثوان تمر ظل خلالها يحدق في وجهه بذهول : - ماذا تقول ؟ خلاص إيه وانعتاق إيه ؟
- يبتسم تلك الابتسامة الراقصة المتموجة التي يجاهد بها لمنع نفسه من الانفجار ضاحكا : يعني يا بطل ، لازم تلتقي بتوأم روحك ، تتزوج ، ثم تموت ، وتوتة توتة خلصت الحدوتة !
- ينظر بنفس الذهول كأنه يرى كائن قنطور خرافي يرتدي نظارة أمامه : - ماذا تعني ؟ أموت ؟ لماذا ؟
- يلتقط أنفاسه ويستعيد بعضا من هدوئه كأنه خارج لتوه من مسرحية هزلية ، ويردف بابتسامة : هذا مبلغي من العلم ، خلاف ذلك ستظل حيا وحدك ويموت كل من حولك وتعاصر أجيالا غير أجيالك ، كأنك سامري ملعون تائه ، عبد الحليم حافظ قالها : وتخوض بحارا وبحارا وتجري دموعك أنهارا وتكون بالشقا موعود ، نياهااها ، القرار قرارك ، نياهاها ( ينفجر ضاحكا مرة أخرى ) . .
- يهز رأسه كمن يحاول الاستيقاظ من غيبوبة ، يهتف : هراء ، بول شيت كما يقال ، كنت أظنك رجلا علميا جادا فإذا بك ممثل كوميدي فاشل ، لا يوجد شيء اسمه الخلود ، لن أحيا للأبد ، لا الدين يقول بذلك ولا العلم يسمح بذلك . .
- يهرش لحيته قليلا ويتأمل في الفراغ : الحقيقة ، كل هذه آراء واجتهادات ، العلم قد لا يمنع ولكن علم العلماء قد يكون قاصر ، والدين قد لا يمنع ، لكن تأويل النصوص الدينية واختلاف فهمها هو ما يجعل أحدهم يعتقد أن هذا ممكن أو هذا غير ممكن ، لقد أخبرتك بما أعلم ، ولن أضيع وقتك ووقتي باستعراض النصوص وتأويلها ، القرار قرارك ، والأيام بيننا . .


يتسلل الاستسلام واليأس إليه : - وكيف سأعثر على توأم روحي هذه ؟

يتخلل القلم في لحيته في لحظة سرحان وصفاء : ستعرف ، ستعرف ، النفس ستعرف نفسها زوجها التي منها ، والروح مجندة ستتعارف ولن تتناكر ، والعين مفتاح الروح ، صدقني ستعرف ، وستظل تتعرف عليها وتتعرف عليك دائما ، كل مرة . .
- يدفن رأسه في يديه كأنه يتعافى من الصدمة : وبعد ذلك ؟ وماذا تعني بكل مرة ؟
يرشف رشفة من قهوته الباردة ، ويلتهم قطعة بسكويت قديمة متحجرة ، يمضغ ويغمغم : تتزوج هوب ( هممم لذيذ ) تموت ! فترتاح وتخلص وتنعتق من هذه الدورة التي أدخلت نفسك فيها . . ( يمسح بقايا بودرة البسكويت من ثيابه ) . .
- يرفع رأسه بحدة كأنه يستيقظ من كابوس : أي دورة ؟
- يضحك مجددا كالمجنون : هاهاها ، أنت لست الأول ، ولست الأخير ، بزواجك ستموت وتحرر نفسك هذه المرة وتنقل هذه البركة / اللعنة أيا ما كنت ستسميها لمن بعدك أيا ما كان هو ، وهو وحظه ، ولكن يعتقد والشائع أنك كنت قبلك وستكون بعدك بشكل ما نوعا ما . .
يردد ببطء : - كيف ؟
يهتف بانفعال ويشير بيده : - ماذا نعرف عن الروح ؟ عن الجينات ؟ عن مشروع الجينوم ؟ عن الـ DNA ؟ عن النفس ؟ عن خلط المفاهيم ؟ عن المارشميلو ؟ عن ما لا نعرف ؟
- لا أعرف الكثير ، الحقيقة كأني لا أعرف شيئا . .
- ربما لا نعرف الكثير ، بعضنا يعرف أشياء ، وبعضنا يعرف أشياء ، هل ترى الكهرباء أو تشمها أو تلمسها ؟ هذا لا ينفي أنها موجودة ، تظهر لك فوائدها ، وتظهر لك أحيانا في صورة لمسة وشرارة صاعقة تخبرك بها أنها هنا ، نحن في هذه الحياة نجمع قطع لعبة البازل ، ونرحل ، وقد يأتي يوما من يكملها وقد لا يأتي ، نحن مهما عرفنا لا نعرف وهذا ما نعرفه ! ليس أمامنا إلا أن نتواضع طائعين أو كارهين !


يسود الصمت دقيقة كأنها دقيقة حداد . .

يضحك مجددا ، ويغمز عينه بخبث لا يتماشى مع عمره الثمانيني ، ويربت على كتفه وينغزه في خاصرته : هاهاها ، صدقني ، تزوج واخلص وانعتق ، ستموت بدري عندها حتى لو كانت شخص عادي ! نياهاها ! أهو الموت راحة برضه من كل شر وبالذات في أيامنا دي ، اسألني أنا ده أنا متجوز من 60 سنة ! نيا هاهاهاها ! يا ريتني كنت أنا ! هاهاهاها !

يقف على الباب كمن يقف على باب مقبرة ، يسأله بصوت ساكن : وماذا لو تزوجت غيرها ؟ غير توأم روحي ؟
يهتف بانفعال : والله فكرة ! لا أعلم ! صدقني معرفش ! لكن أعتقد أنك ستموت عندها أيضا بجلطة ! نياهاهاها شد حيلك ! هاهاها ( ينفجر ضاحكا ويربت على كتفه بينما يغادر ساكتا واجما كجثة هامدة ) .



* *



( يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضيك مرضية ، فادخلي في عبادي ، وادخلي جنتي ) صدق الله العظيم . .
- البقاء لله يا ياسمينا . .
- إهيء إهيء ( بكاء ) ، ملحقناش نهتنى بفرحتنا ، يا دوب شهر العسل خلص وهو مات ، إهيء إهيء إهيء ( بكاء ) . .
- الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة . .



**



واء واء . .
مبروك ، جاءك ولد !



* *



- معذرة يا سيدتي ، هل سبق وأن التقينا ؟





* *



- مجنون ، لقد شربت من ماء الحياة !

مفيش غير الإزازة دي أدامك ؟




* *



البقاء لله . .




* *


واء واء . . !



* *



مجنون لقد . . .



* *



نياهاها هاهاها . .



* *



معذرة ، هل . . .





* *



نياهاها . . هاهاها





* *




.
الاشارات الاستدلالية: لايوجد إضافة /تعديل الوسوم
فئات
غير مصنف

التعليقات