Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube

هشام البوزيدي

أبو الإلحاد: رسالة بين أمواج الإلحاد

قيِّم هذا السجل
44 رسالة بين أمواج الإلحاد (2)


عاد أبو الإلحاد إلى بيته مساء فوجد ظرفا باسمه في صندوق الرسائل, حك جبهته في استغراب, إنها رسالة حقيقية وليست فاتورة, فتح الظرف وأغلق الباب, تأمل الخط فتذكر الرسالة التي قذفتها إليه الأمواج قبل ثلاثة أشهر, تمدد على فراشه وقرأ:

أبا الإلحاد, تركت الإيمان بالخالق بزعم أنك ما وجدت عليه دليلا, ثم آمنت بالطبيعة وقوانينها, والداروينية وخرافاتها, فهل ارتاحت نفسك وسكنت هواجسك؟ أم أنك ما زلت تائها في بيداء شكك ووساوسك؟ ألم تدّع أنك تحررت من الدين وقيوده؟ فما لي أراك تتخبط في حفرتك لا تبرحها؟ ألم تمنِّ نفسك بالسلام والطمأنينة بعدما تخلصت في زعمك من الخرافة؟ فما بالك ما تفتأ تتخبط كالثور المذبوح لا تكاد تهتدي سبيلا؟ إن الإلحاد أشبه بماء أجاج لا يروي عطش النفس البشرية إلى السكينة والطمأنينة, إنه بحر مالح من الشكوك والأوهام كلما شربت منه ازددت ظمأ إلى ظمئك وخبالا إلى خبالك, فهل رضيت نفسك بما أنت فيه, وقنعت بما أوقعتها فيه؟ كفّ لحظة عن تخبطك واسأل نفسك في شجاعة: "هل حقا هذه هي الحياة التي أريدها, هل حقا هذا كل شيء؟" إن الإلحاد قد أفرغ حياتك من كل معنى, وتركك في دوامة شكك وحيرتك. اسأل نفسك: لماذا لم يخرس الإلحاد الأسئلة القاتلة التي تمطرك ليل نهار؟ إن شيئا ما بداخلك لا يقنع بشيء دون فهم لغز الوجود, إنه يبحث عمن يبوح له بسر الإنسان وسر الحياة والموت, إن الإلحاد يدعوك للعكوف عند قشرة العالم, وشيء ما في أعماقك يستصرخك لتستكشف لبّه, إن شيئا ما فيك يقف على حافة العالم المادي يتطلع ليحظى بنظرة إلى ما وراءه, إنه يتساءل عن كنه هذا العالم, من أين جاءه الجمال؟ من أين جاءه العلم؟ من أين جاءته الحكمة؟ من أين جاءته الرحمة؟ من أين جاءه العدل؟ أوليس لكل شيء أصلا ومنبعا ومعدنا؟ أوليس لكل شيء بداية وساعة ولادة؟

في ذلك اليوم البعيد أزفت ساعة مقدمك, كانت حياة جديدة توشك أن تنبثق, كانت صرختك الأولى إيذانا بولوجك بوابة هذا العالم العجيب, يا له من موقف يمحق الإلحاد, إن أشد الناس عدمية ومادية لا يملك أن يصمد أمام طوفان المشاعر التي تكتنف الشخصية الإنسانية في هذا الموقف الباهر, إنه مزيج من السعادة والدهشة والرهبة والحيرة والحب والإعجاب, إنها أحاسيس غامرة متضاربة ترغم أقسى الناس قلبا وأعتاهم إلحادا أن يتساءل: "من أين جاءت هذه الحياة الجديدة؟ من أين جاءت هذه الهبة الفريدة؟" إن بنيان المعرفة الإنسانية والحكمة البشرية والعلوم النظرية والعملية يتلاشى في مثل هذه اللحظة, فيقف الإنسان كأنه طفل تائه يبحث عن أمه, هل تساءلت يوما: أي شيء يملك أن يهزّ أعماقنا بكل هذا العطاء, وبكل هذا الحبّ؟ أي شيء يعطينا كل مرة برهان عظمته وضآلتنا؟ أهي الطبيعة التي لا يُدرى ما هي؟ أم هو الخالق الذي أجهدت نفسك في إنكاره؟

هائنتذا قد حططت الرحال في هذا العالم, لتبدأ رحلتك في هذه الصحراء التي تسمى "عالما", إنك لم تختر لا المجيء, ولا زمانه, ولا مكانه, بل قضيت أشهرا قبلها في أضيق مكان يقيم فيه إنسان, فخرجت من رحم مظلم مزودا بآلات لا معنى لها لو لم تفارقه, وأي شيء تغني عنك الجوارح لو لم تلج باب هذا العالم, ترى من زودك بالعينين وباللسان والأذنين في مكان لا حاجة لك فيه لا إلى سمع ولا إلى بصر؟

جئت من عالم ضيق إلى هذا العالم الرحب, فكيف تجزم أنْ ليس بعد هذا العالم عالم أرحب منه وأوسع؟ بدأت تستكشف موطنك الجديد بقلب طفل يسأل: من أين أتينا؟ لماذا السماء زرقاء؟ إلى أين تذهب الشمس؟ أين نذهب حين نموت؟ إنها الأسئلة عينها التي تؤرقك الآن, إنها أسئلة "لماذا" التي يسخر منها عالَم رضي من العلم بـ"كيف", إنها أسئلة تتطلع لعنان للسماء في عالم يغوص في أعماق الأرض, إنها أسئلة لا تطفئها عصارة الحضارة المادية, حضارة الأشياء الملونة, والواجهات الزجاجية, والوجبات السريعة, والمشروبات الغازية, ومؤسسات الكذب, ومنظمات النفاق, وإنتاج الشهوة, وعبادة الذات, ودوامة الهلاك والاستهلاك, إنها دوامة يخرج منها الإنسان بعد رحلته العبثية خاوي الوفاض, بعد أن يستنفذ مدة الحياة, لتبتلع الأرض ذلك الجسد الذي أشقاه واستعبده, يا لها من صفقة خاسرة ! وماذا عن الروح؟ إلام تطمح؟ عمّ تسأل؟ إنها معنى في لفظ, كتاب في خزانة, طائر في قفص, فما أغبى من يمضي عمره يجلو قضبان القفص, ويطيب أرجاءه, ويفوته أن البنيان إنما يعمر بساكنه, إنها الروح يا أبا الإلحاد, سر دفين, إنها معنى وجودنا, إنك لا تؤمن بأن لك روحا, إنك لا ترى في نفسك إلا آلة داروينية يكسوها هذا الجسد, تبا لمن زرع هذا الوهم في عقلك, ومتى رأيت آلة تحبّ وتكره, وتخاف وتجزع, وتصحو وتنام, وتحيا ثم تموت؟ هل تفهم الآلة معنى الإيمان والإلحاد؟ أرأيت كيف ينزل بك الإلحاد دركة دركة, فبالأمس كنت ترى نفسك حيوانا, واليوم آلة, وأنا أخبرك أين يستقر بك المقام حين تبلغ قعر هاوية الإلحاد, أما وإنه سيأتي عليك يوم إن دمت على ما أنت فيه, ترى فيه نفسك أحط الأشياء, فتغبط الحشرات والجراثيم وذرات الغبار, بل ستغبط العدم, يومها ستصل في نهاية نفق الإلحاد إلى مفترق طريقين لا ثالث لهما: الجنون أو الإنتحار, فإذا وقفت هناك فانظر حولك, وتأمل حالك لعلك تفهم معنى التنوير الذي كنت توعد يا أبا الإلحاد.

كان صاحبنا يقرأ وعقله يتساءل عن المرسل, ويتأمل بين السطور عساه يجد ملامح من شخصية الكاتب, لكنه لم يصل إلى شيء, يبدو أن أحدهم يراقبه ويهتم لأمره, لكن من هو؟ تفكر في الكلمات الأخيرة من الرسالة, ظللته سحابة من حزن أسود, أطرق برأسه والرسالة بيده, بدا له شيء, قرّب الورقة من عينيه فرأى حشرة دقيقة تتحرك, نظر إليها وهو يتفكر في أمره: - إني بالفعل أغبط هذه الحشرة الحقيرة, إنها تدب على هذه الورقة دون أن تكترث لشيء, وأنا أدب على الأرض كأني أحمل الكون فوق كاهلي, فيا ليت لي حياة هذه الدويبة وأرتاح من هذه الأعاصير التي تعصف في رأسي!
الاشارات الاستدلالية: لايوجد إضافة /تعديل الوسوم
فئات
غير مصنف

التعليقات