Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube

هشام البوزيدي

أبو الإلحاد 50- نظرية الأنواع المتوازية: البشر وأشباه البشر

التقييم: 4 صوتا, معدل 1.00.

أبو الإلحاد 50- نظرية الأنواع المتوازية: البشر وأشباه البشر


"إن الإنسان المؤمن الذي يدعو الحيوان الملحد إلى الإيمان بالغيب, مثل الذي يقرأ ديوان شعر على قطيع من قردة البابون ويدعوها إلى تذوق ما فيه من جمال!"

ما زال صاحبنا يترَنَّحُ كالسكران على أرجوحة الإلحاد, تتقاذفه عواصف الشك والحيرة, فيصبح ملحدا ويمسي لا أدريا, ويمسي لا أدريا ويصبح لادينيا. تعددت الأسماء والضلال واحد! إنه ينشُد الإستقرار والسكينة والسعادة وهو مُتَلَفِّعٌ بأسمال الإلحاد, فما أشبهه بمن يتقلب طول ليله على جمر ملتهب ثم ينشد النَّوم. إن الإلحاد واللاأدرية واللادينية مَحْرَقَةٌ للرُّوح مزرعة لليأس, إنها جمرات تذيب الأمل وتذهب بريح العقل, لكن الملحد يتسلى بتعداد أسماء ضلاله, لعله يخفف بها رتابة عالمه الكريه. إنه كائن بلا أمل ينتظر الإعدام, ويحاول أن يزين زنزانته الضيقة ببعض المحسنات اللفظية.

أدخل صاحبنا السؤال التالي في موقع البحث غوغل: "كيف تكون ملحدا سعيدا؟" فقرأ قصة ملحدٍ كفر بالقرآن كلِّه إلا آية جزم أنها كلام الخالق, لأنه كان يستشعر معناها في أعماق نفسه, {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } طه: 124, "ضنك" يا لها من كلمة تغني عن آلاف الكتب. خطر له أنه يستطيع أن يكتب سيرته الذاتية في دقيقة واحدة. يكتب كلمة واحدة تمتد على طول صفحات كتاب حياته التعيسة: السيرة الذاتية لأبي الإلحاد: ضنك, ضنك, ضنك....ضنك حتى الموت.

إنَّه يشعر بغَثيان مزمن يلازمه الليلَ والنهار. كان في بداية ضلاله يظن الإلحاد يبدأ بإنكار الخالق وإثبات الوجود المادي, ثم يمر عبر سلالم متدرجة تصل به إلى برج التنوير الآمن, فإذا به يكتشف أن الإلحاد ينتهي حيث يبدأ, ويبدأ حيث ينتهي, إنه حلَقة مفرغة من الإنكار والنفي, هذا كل شيء.

لم يعد يتعاهد هندامه, طال شعره وأظفاره حتى صار أشبه بصعاليك الستينات, لعله يريد بذلك أن يستغرق في وجوده المادي إلى أبعد حد, وكيف يقص ملحد أجزاء من كينونته المادية بدعوى موافقة معايير جمالية رجعية خلفتها الأديان الخرافية في لاوعيه؟ إن الطبيعة جميلة, فلماذا يرفض منها شيئا؟ ثم إن تلك التعاليم الميتافيزيقية المرتبطة بالطهارة والنجاسة دينية المنشإ والجوهر , فهل يتنكر لأصله المادي إرضاء لأوهام متدينين حالمين؟

إن الإلحاد يقذف بصاحبه في دوامة من الإشكالات القاتلة و المعضلات المستعصية, تبدأ بقضية الوجود ولا تنتهي بمعضلة الإنسان, إن الإلحاد لا يفسر أي شيء مطلقا, بل هو نفي للتفسير, ونفي للمعنى. إنه يخدعك ويخاتلك ويحتال عليك حين يوهمك أن صورة العالم المادي هي كل شيء, لكنك قطعا لن تصدق أن الصورة تغني عن المعنى, إنك لن تستطيع أبدا أن تنفك عن إدراكك للرمزية في هذا الوجود.

تفكر صاحبنا في أنه لا يرى العالم المادي إلا عبر عدسات رمزية تأويلية اكتسبها من محيطه الثقافي, تفكر أنه لا يفتأ يبحث عن الرسالة والغاية والمغزى مما تنقله إليه حواسه وعقله, لكنه لم يجد في الكون بأسره أي معنى أو نظام أو إحكام أو غاية. إن المتدينين فقط من يرون تلك الأشياء العجيبة! إنه لا يرى في نفسه وفي العالم من حوله سوى الفوضى والعبث.

لكن ما سرُّ هذا التباين العجيب بين المتدينين والمتنورين؟

تفكر في هذا الأمر طوال الليل, كان يمسك رأسه بكلتا كفيه ويسرح في عالمه الداخلي المضطرب يبحث عن جواب, وصل به الفكر آخر المطاف إلى أن هذه الإزدواجية في نظرة الفريقين للعالم هي منشأ الخلاف بينهما, وأن القضية ليست قضية أدلة ولا علم ولا منطق. إنها أعمق من ذلك بكثير. قال يحدث نفسه: "لأنك إنسان فيفترض أن لا تقنع بالصورة فقط بل..." استطرد: "لكن مهلا: لماذا افترضت دوما أنك إنسان؟ هل نسيت أن دارون قد أزال الغشاوة عن عينيك أيها الحيوان المتطور؟ إنك مجرد حيوان ارتقى درجات سلم التطور الطبيعي." أمسك صاحبنا رأسه بكلتا يديه, كأنما يحاذر أن تتسلل هذه الفكرة العبقرية من أم رأسه, تنهّد وهو يقول: "وجدتها, وجدتها, لقد حللت اللغز." جرى إلى مكتبه, وأخرج كراسة يومياته وشرع يكتب:

"أشرقت في ذهني قبيل لحظات فكرة توشك أن تغير نظرتي لنفسي وللجنس المتنور كافة, إن الخلاف المحتدم بين المتدينين والمتنورين قد يكون انعكاسا لاختلاف جوهري بين الفريقين.

إني أبو الإلحاد أفترض أن الفريقين لا يختلفان فقط في الفكر والتصور, بل في النوع والجوهر, إنهما نوعان مختلفان, إنهما فصيلتان اثنتان, إنهما كائنان متباينان يرى كل منهما العالم وفق مؤهلاته المتأصلة فيه بحكم الأصل والطبيعة والمنشإ. إن الإنسان المخلوق المكرم مُحِقٌّ في اعتقاداته الميتافيزيقية وفي وجود النفخة النورانية التي يحملها بين جنبيه, إنه محق في كلامه عن وطنه الأول, وعن تكليفه الإلهي, وعن النبوات والرسالات, نعم إنه مُحِقٌّ في ذلك كله, كما أن المتنورين أيضا مُحقُّون, إنهم كائنات مادية بلا روح ولا رسالة ولا تكليف, إنهم أشباه بشر لا أقل ولا أكثر, كائنات متطورة بفعل عوامل مادية عشوائية غير عاقلة, تماما كما قرر ذلك الإمام الاكبر أبو الطفرات دارون.

لماذا لم أفكّر في ذلك من قبل؟ بل لماذا لم يخطر ذلك في بال أحد من فطالحة الإلحاد وفلاسفة المادية؟ إنهما نوعان وليسا نوعا واحدا. إن التشابه الظاهري بينهما ليس إلا خدعة تطورية باهرة. لقد سارا جنبا إلى جنب عبر تاريخهما الطويل, وعلم بعضهما بعضا حتى حسبا نفسيهما شيئا واحدا. إذن فالخلاف لا وجود له على الحقيقة, لقد كانا طول الوقت على حق, إن كليهما كان يتحدث ويدافع عن الحقيقة التي تتعلق به ككائن مستقل. المعادلة هكذا:

المتدين والملحد يشتركان في الصورة المادية, ثم يختلفان في كل شيء بعد ذلك:

المتدين له مراجع دينية تدل على أنه مخلوق.
الملحد له مراجع علمية تدل على أنه متطور.
المتدين له مطالب روحية يقدمها عند التعارض على المطالب المادية.
الملحد ليس له مطالب روحية, فهو لا يملك روحا.
الحيوان المتطور آلة داروينية مبرمجة تخضع لحتمية العالم المادي الصارمة.
والإنسان المخلوق كائن حر يملك الاختيار لأن ذلك شرط في تكليفه الإلهي الذي هو المغزى الأعظم من وجوده الأرضي.
الحيوان المتطور يتمتع بإدراك هو انعكاس لعمل الدماغ, فهو لا يدرك شيئا سوى العالم المادي.
الإنسان يتميز بالعقل وهو جوهر غير مادي, فبه يدرك عالم الألوهية والروح والجنة والنار وكل المسائل الغيبية.
المتدين الإنسان بن عالم آخر, والملحد الحيوان بن هذا العالم.

الإنسان مخلوق من جسد وروح يتطلع إلى عالم آخر ويحس بظمإ فطري إلى التعبد والتأله, لهذا فهو لا يقنع أبدا بظواهر العالم المادي, بل يسعى دوما إلى تأويلها وفق دلالاتها على معانيها العميقة, ويجتهد في استنتاج الحكمة والمعنى والمغزى الذي تدل عليه.

والملحد الحيوان يسخر من المؤمن الإنسان, ويتندر على نزعته الإيمانية الغيبية, والمؤمن الإنسان يسعى جهده لينقذه من زنزانته المادية الضيقة, لكنه للأسف لا يدرك أنه لا يخاطب أحد بني جنسه, بل يخاطب كينونة مادية صرفة. إن الإنسان المؤمن الذي يدعو الحيوان الملحد إلى الإيمان بالغيب, مثل الذي يقرأ ديوان شعر على قطيع من قردة البابون ويدعوها إلى تذوق ما فيه من جمال!

فجأة نادته زوجه من غرفة النوم: "لحود, ألم تنم بعد!" قام من مكتبه وذهب إلى فراشه وهو يفكر في سر فشل حياته الأسرية ويتساءل: "تُرى, هل يعقل أن ينجح ارتباط بين إنسان وحيوان؟" شعر بصداع شديد, ورفض أن يتمدد ساعات يستجدي النوم, فبلع حبات منومة سرعان ما قذفت به بعيدا عن هذا العالم.
الاشارات الاستدلالية: 1--', test إضافة /تعديل الوسوم
فئات
غير مصنف

التعليقات

  1. ثُقبْ's Avatar
    من أجمل التعليقات الساخرة من هذيان الإلحاد -المُنتشر كموضة بالمناسبة- ما سخره به أحدهم في تعزية "كاسترو":
    إن للطبيعة وإن الرفاق إليها راجعون، كما بدأتم حثالة كيمياوية تعودون، الرفيق كاسترو كان ضعيفا ولم يتلاءم مع البيئة الطبيعية، فانطبق عليه قانون داروين، لأنه لم يتطور نحو امتلاك عناصر الاستمرار. احرص أن تمتلكها يا رفيق، وإلا فات فيك الفوت. لا تصبر يا رفيق لأن الصبر لن يغير قوانين الطبيعة. لا تسأل له الجنة، لأن الجنة ميتافيزيقيا خرافية. لا تسأل له أن ينجو من النار لأنهم أصلاً أحرقوا جثمانه. هو قاوم الإمبريالية، ولكنه ضعف أمام الطبيعة وأمام الديدان، فعسى أن ينطبق عليه كتاب أصل الأنواع ويتطوّر إلى دود قويّ، ثم إلى أحد الزواحف، ثم إلى فأر، ثم إلى أرنب، ثم إلى قرد، ثم إلى رفيق من جديد. للطبيعة ما أعطت وللطبيعة ما أخذت، البقاء للطبيعة، وشكرت الطبيعة سعيكم.

    جميل يا هشام، ومنطقي.