Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube

القادم من وراء اليأس

تجربةُ حبٍّ في يوم جمعة !

قيِّم هذا السجل



تجربةُ حبٍّ في يومِ جمعةٍ!

يا سادة !


لقد كان لي في يوم جمعةٍ في زمنٍ سالفٍ حكاية أخرى !


أذكر أنّي كنتُ في الصف الأوَّل متوسط، كنّا على مشارف موسم الزراعة، في ذاك اليوم لبستُ أحسن ثيابي: بنطلوناً، ورداءً أبيضاً، ومعطفاً أحمراً من الصوف، لم أكن أعرف في ذلك الزمن أنّ الأحمر هو اللون الذي يحضر في الليالي الحمراء !


في ذاك العهد أذكر أنّ المدرسة التي كنت أدرس بها جاءتها الكتب المدرسية المقررة من الإدارة التعليمية، كان هناك نقص في بعض المواد، اتخذت إدارة المدرسة قراراً يقضي بتوزيع الكتاب بين طالبين، ولأننا ترافقنا في الدراسة مع الطالبات من الأيام الأولى في الدراسة، فقد تقاسمنا معهن الفصل بالتساوي.


ومراعاة من مربي الفصل لذلك الجنس اللطيف فقد بدأ بتوزيع الكتاب لهنَّ، وأعطى لكل طالبة الخيار في أن تقتسم كتابها بينها وبين زميلتها، أو بينها وبين أحد الطلاب.


لقد اختارت إحدى الطالبات أن يكون كتابها بينها وبيني !



لقد كان عند هذه الطالبة ثمت خيارات أن تختار طالبة أخرى ممن مسكنها قريبا من مسكنها، لكنها أصرَّت على أن أكون شريكها في ذلك الكتاب، لقد انتابني ذاك اليوم زهو كبير ! وأصبحتُ محلّاً لتندُّر زملائي وتعليقاتهم اللاذعة، وربما حسدهم الذي لا يخفى على بصيرٍ مثلي ! لقد أصبحت خطيراً -حدَّ قولهم-.


لأول مرةٍ شعرتُ أنّ المرأة قد تكسب قلباً في جولةٍ واحدةٍ !
يا لبراءة ذلك القروي كيف وقع في شباكها في لحظةٍ على حين غفلةٍ من الزمن!


غفر الله لي ولكم !


مالي ومالِ الحب والأيام الأولى، والليالي الحمراء ! وقد جئت اليوم أخبركم عن أمرٍ آخر تماماً.


يا سادة !


في يوم الجمعة ذلك الذي لبستُ فيه معطفي الأحمر، ولويتُ على القرية مراراً من أجل أن ينظرن لي زميلات الدراسة، جعلت ألوي على الأودية والحقول -أيضاً- حتى تنعم برؤيتي من لم تكن رأتني من قبل من على شرفات بيوتهنَّ.
في ذلك اليوم كنتُ قد ماطلتُ والدي -رحمه الله- كثيراً على أن أنقل (الزبل) إلى حقلنا البعيد بعد صلاة الجمعة خشية أن يتسخ معطفي الأحمر، وبنطالي الجديد الذي لم يكن عليه سوى رقعة واحدة، ويفوِّت عليَّ تلك النزهة التي حسبتُ أن زميلات الدراسة قد وضعنا أيديهنَّ على أنفاسهنّ يترقبن مروري !


يا سادة !


لقد اكتشفت بعد زمنٍ ليس بالقريب أنَّ شيئاً من ذلك لم يكن ! وأنَّي كنتُ أعيش صدى موقف صاحبة الكتاب وحسب!
بعد صلاة الجمعة كان لي ممَّا ليس لي منه بدٌّ ولا حيلةٌ أن أنجز ما وعدتُ به والدي: أن أنقل (الزبل)، و (الزبل) لمن لم يبتلِه اللهُ مثلي بذلك، هو: مخلّفات الحيوانات، وعلى وجه الخصوص الأبقار التي كنّ في بيتنا.
وقد يقوم إليَّ واحد منكم الآن، وقد كان متَّكِأً على أريكته، ويسألني: هل الذين في (هولندا) و (بلجيكا) و (الدنمارك) ممن يمتهنون تربية المواشي الأبقار ينقلون هذه المخلفات يوم الجمعة مثلي ؟
بيدَ أنَّي لا أعرف الإجابة عن ذلك بالتفصيل، وفي غالب ظني أن ذلك يكون يوم الأحد كونه يوم إجازة مثل الذي حصل لي !


مع أن تضع في بالك - يا رعاك الله ! - أننَّا نجمع هذا (الزبل) بطرقٍ متوارثةٍ: بمسحاةٍ وزنبيلٍ قد شهد عهود ثلاثة أئمة من أئمة الدولة المتوكلية في اليمن قبل الجمهورية، واذا ما اختفى عليك هذا الزنبيل يوماً ما بين ركامات مخلفات الأبقار فاستفد من الوقت، وباشر ذلك بيدك، وهذا مما نتميز به على الهولنديين والبلجيكيين والدنمركيين الكفرة في عملنا هذا !


وحتى لا يأخذنا الحديث عن (هولندا) و(بلجيكيا) و (الدنمارك) عمَّا جئتُ أخبركم عنه:


فقد جلستُ أتملّق لأخي الذي يكبرني بثلاث سنوات أن يساعدني في عملي بعد أن قضى ما عليه في الصباح، وبعد وعودٍ كاذبةٍ أنَّي سأساعده في ما يريد مني في قادم الأيام فقد وافق على أن نحمل ذلك فوق عربة يدوية، على أن يدفع تلك العربة في المرتفعات وأنا أساعده في حبل أسحب معه.


وبعد أن وصلنا إلى حقلنا، ووضعتُ هذا (الزبل) البغيض إلى نفسي، لم أصدِّق أنّي قد تخلَّصتُ من ذلك، فقد جعلتُ أسوق هذه العربة اليدوية بسرعةٍ كبيرةٍ، وأرفع صوتي بما يشبه الغناء، ولم يكن ذلك غناءً لسببٍ واحدٍ: وذلك لأنَّه ليس لديَّ مسجلٌ في البيت حتى أسمع، فقد كان ذلك يكلِّف والدي قيمة بطاريات للمسجل، وهو لم يكد يفي بما يتطلبه الراديو ليسمع إذاعة لندن، ثم يختم نشرة الأخبار تلك التي تذيعها بلعنةٍ يوزِّعها بالتساوي على زعماء العرب !


كانت قد لاحت في الأفق سحابة سوداء، كان أخي أكثر ذكاءً مني، فقد حثَّ خطاه، وسابق المطر بعد أن ابتلَّ بعض ثيابه، أما أنا فقد بدا لي أن استكنَّ من المطر تحت شجرةٍ من شجر الطلح، اشتدَّ المطر، ولم تعد تغني عني تلك الشجرة ! أرتأيتُ أن انتقل إلى تحت شجرةٍ أخرى هي أكبر منها، وبعد أن خفَّ وابل المطر خرجت أمشي.


كان على مقربةٍ مني بيت له كلب مربوط بسلسلة من حديد يحرسه بنباحه فينتبه أهله من كل قادم إليهم، كان هذا البيت على مقربة من المقبرة.


في ذاك المساء، وتحت وطأة ذالك الوابل استطاع الكلب أن ينفكَّ من قيوده، ما إن رآني يا سادة ألا وجعل يخبُّ المسافات التي تفصل بيني وبينه خبَّاً !
لقد كنتُ برئياً حدَّ الغفلة، كنتُ أظنُّ أنه يبحث عن مكانٍ يستكنُّ من المطر، لم أكن أعرف أنّه يبحث عن فريسةٍ يفترسها !


وسأبوح لكم اليوم بسرٍّ كتمته من ذلك الوقت:


لقد كان الكلب يحرص جاهداً أن ينال من وجهي وبطني، وكنت أدافعه أشدَّ المدافعة، وماذا عساي سأقول لصاحبة الكتاب بعد يهزمني كلبٌ في أقصى القرية !
لقد كان ذاك الكلب قويَّاً اعتنى به أهل البيت عناية فائقة، لقد ظلّ يناوشني وأناوشه حتى وقعتُ بين يديه من أثر الزلق والطين، لم يبقَ معي إلا رجلاي أحاول أن اتقيه بها، سمع أهل البيت بأمري وأمر الكلب، تدخل ثلاثة منهم مع أمهم علَّهم يحولون بيني وبين هذا الكلب، ولم يفلحوا إلا بعد مرور أكثر من نصف ساعة، وكان الكلب قد خارت قواه.


يا سادة !

لقد رجع معطفي الأحمر الذي طوَّفتُ به القرية في صباح ذلك اليوم قطعة واحدة من الطين والزلق، ولم أنعم بذاك المعطف يوماً واحداً، ونسيتُ أن أخبركم أنَّ بنطالي الأنيق ذا الرقعة الواحدة لم يسلم من أنياب الكلب ومخالبه !
لقد كان نصيبي من عضَّات ذلك الكلب اللئيم إحدى وعشرين عضَّة التي كُتِبتْ في التقرير الطبي غير الثلاث العضَّات التي رآها الطبيب بعد أن كتب التقرير.


يا سادة !


قد تظنَّون أنَّي أبالغ !
ولكن: والذي لا يقسم إلا به أنَّ ذلك كان ما حصل لي !


وهل تظنون - يا سادة - أنَّ صاحب الكتاب سيسرُّه أن يستكثر من هذا الأمر فيزيد في عدد عضَّات ذلك الكلب له؟
لقد وزَّع الكلب عضاته في كلِّ جسده سوى وجهه وبعض أجزاء بطنه، وما منعه أن يعدل في ذلك إلا أنّي حاولتُ أن أقف في وجه عدله الذي عمَّ جسدي بيدي هاتين الضعيفتين !


يا سادة !


لقد كان هذا ما حصل لي في يوم جمعةٍ في سالفِ الدهر، فلذا لا تلومنني أنَّي أصبحتُ لا أحبُّ الحبَّ ومشتقاتة في يوم الجمعة، لعلمي أنَّه لولا المعطف الأحمر، وتسكُّعي على ردهات القرية في صباح ذلك اليوم، ومحاولة الاستعراض أمام صاحبة الكتاب وزميلاتها ما أخَّرتُ عملي ذلك إلى المساء، وما أصابني ما أصابني!


ولكن قدر الله سابق ! وحظَّي من الحبِّ هو حظّ ذلك القروي الذي كان نهاية حبِّه على يد ذلك الكلب المتخم بالانتقام !


#ماهر_فيروز
يوم الجمعة 18جمادى الثانية 1438 هجرية.
المدينة المنورة.
الاشارات الاستدلالية: لايوجد إضافة /تعديل الوسوم
فئات
غير مصنف

التعليقات