Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube

الموتى الأحياء

العميلة " نغم " . .

قيِّم هذا السجل
.

تطوح يدها . .
عبثا تحاول ألا يجرفها التيار . .
المياه الباردة تغمرها ، يتسرب الماء لأنفها . . تختنق . .

" رباه . . إني أغرق " . .

ترتجف قليلا من الماء البارد ، وكثيرا من فكرة الموت . . كيف حدث هذا ( لم أكن مستعدة لهذا ) . .
عشرات المشاهد والأسئلة المفاجئة التي لا وقت لها . .
تخور قواها . . يجرفها التيار كلوح خشبي تافه لا وزن له . .
شيء ما بداخلها يصر على أن تحاول ، ألا تستسلم ، أن تتشبث بقشة لا وجود لها . .
تخور قواها أخيرا . . ترفع يدها كأنها تودع الحياة ، إنها النهاية . .
لم تعد تحتمل . .
تغمض عينيها وتتحشرج أنفاسها . .

- " تماسكي . . "

( هل تهلوس . . ؟ )

- " تماسكي . . اصمدي قليلا " . .

يد صلبة دافئة تطوق معصمها . . شيء ما بداخلها يستيقظ . .
" لا تتركني " . . تنطقها بهمهمة مبللة بالماء المالح . .
تجذبها اليد بقوة ، تنتشلها من أعماق الماء . . تتنفس أخيرا . .
تسعل بقوة . . تحاول أن تبصر . . المشهد ضبابي غائم . .
" من أنت ؟ " . .
يتسمر الوجه الضبابي لثوان . . ثم يبدأ كل شيء في التلاشي . .
تستعيد قواها ببطء فتهتف : " من أنت ؟ " . .
يستمر كل شيء في التلاشي مع الضوء الباهر . . شعور الخدر يسري بجسدها . .
تسعل عدة مرات . .
" هه .. ؟ " تسعل بقوة ويرتجف جسدها . .
تبدو الستائر ، تتحرك مع الريح سامحة لضوء النهار بالدخول . .
تستعيد وعيها ، إنها في غرفتها . . تتصبب عرقا باردا . .

" يا إلهي . . كان حلمًا آخر ، كان كابوسا " . .
لا زالت تلتقط أنفاسها .


* *


- " سئمت ذلك . . لا ، لن أؤدي تلك الأغنية وتلك الكلمات وتلك الحركات الغبية " ، تهتف بغضب . .
- " كما تشائين ، ولكنك تعلمين العواقب " .

يغادر متجهما ، هو أحد كتّاب أغانيها ، تتبعه ببصرها إلى أن يغلق باب الاستديو . . تراه عبر الفاصل الزجاجي وملامحه تتحول كالحرباء ، يتخذ " الشكل السعيد " . . ابتساماته مع الرفاق وضحكاته التي تخفي تحت هذا المظهر أحد ضباط المخابرات المسؤولين من قسم الشفرات . .

" يا إلهي يا له من ثعبان " . .
تطرق برأسها في صمت . .
إنها تعرف أنها ستؤدي هذه الأغنية المطلوبة صوتا وصورة . .
تعرف أن اعتراضها اليائس البائس ليس إلا محاولة حياة وليدة يتم وأدها ، عبرها أيضًا . .

ترفع نظرها إلى " الثعبان الضاحك " كما تتخيله عبر الفاصل الزجاجي . .
لقد عشقت الموسيقى والغناء منذ كانت طفلة ، وأدخلتها موهبتها وشخصيتها المجال من أوسع أبوابه لكنها حمقاء - تلوم نفسها - لم تكن ترى سوى الفلاشات والابتسامات ومظاهر السعادة والمال ، بينما هذا قمة جبل يعلم الله ما يخفى منه . . تماما كما يتخيل الجمهور أن النجم يعيش في الجنة المفقودة . .

يدلف مؤلف الأغاني / الضابط ثانية ليسألها :
- " هل لا زلت عند رأيك ؟ " . .

تمد يدها ، رأسها مطأطأ دون أن تنظر إليه ، تبدو أمام نفسها كشحاذة في رصيف الميناء . . يناولها الورقة ويغادر دون أي كلمة زائدة .

تطالع الورقة بعيون زائغة . . نصف الكلمات - فضلا عن الحركات - لا تفهم مغزاها ولكن أخبروها أن هذا لمصلحتها وأن المعرفة على قدر الحاجة . .

" تبًا لهذا العالم القذر " . . تمتمت ، قد تكون شفرات عمل إرهابي - معلومة عن شيء ما - تمويه - لا شيء . . أي شيء ، لا تعرف ولا تريد أن تعرف ولكن يخيفها بشدة أن تكون أداة . .
إنهم وحوش حقيقية لا تعرف الرحمة ، وفي كل مكان كالأخطبوط . . هذا ما أدركته متأخرا ، هذا العالم - بل كل العالم - يعج بالأجهزة الاستخبارية والمنظمات والمنظمات المضادة . . كل ما يهمها ألا تتسبب في أذى لأحد ، لكن ما سيقتلها حقا لو رفضت وعاندت ثم أصيبت والدتها أو ابنها بمكروه . . ( كيف سأسامح نفسي ؟! ) . .

تتمنى أحيانا لو أنهم أنهوا حياتها تحت ستار " الانتحار " كما فعلوا مع غيرها من النجوم فتنطفيء همومها وترتاح للأبد وتأمن على عائلتها . .
إنها ليست مثالية . . لكنها تخشى الانجراف . .
في قرارة نفسها تخشى كثيرا من أن تصبح عبدة كاملة العبودية . . أن تتحول تماما إلى دمية مسلوبة الإرادة حتى دمى المانيكان لها قيمة حقيقية أكثر منها . .
لقد اختطت لنفسها خطوطا حمراء ، وتخشى يوما أن يجبروها على تجاوزها . .

" يا إلهي ، ساعدني " . .
تعتصر يدها الورقة أكثر .


* *


عدة أغاني في هذه الجولة ، ساعة من الغناء على المسرح ، يتفاعل معها الجمهور . .
تختم بأغنية ( رسالة في زجاجة ) . .
من الأغاني " الحرة " كما تسميها والتي يسمحون لها باختيارها أو كتابتها كنوع من التنفيس ولإبقائها ككائن حي . .
تذكر كيف كتبتها بنهم على مدار أسبوعين ، وكأنها تكتب نداء استغاثة عاجل وتأمل أن يمر من تحت أعين وآذان القراصنة . .
رغم قصر مدتها والتي لا تتجاوز الخمس دقائق ، إلا أنها شعرت أنها دهر . .
كانت تحدق في وجوه الجمهور تارة وفي فرقة العزف تارة ولا تراهم ، كان جسدها معهم إلا أن ذهنها في مكان آخر حتما . .
لم تشعر أنها انتهت إلا عندما شعرت بدمعة ما أو أكثر تتسلل على وجنتيها . .
تنهمر دموعها وسط التصفيق الحاد . .

دموع الفرحة والنجاح والمجد . . كما سيصفها النقاد ، وشركة الإنتاج . .
دموع التأثر . . كما يراها الآن الجمهور اللاهي المبتهج دوما . .
دموع الأداء التمثيلي . . كما سيصفها ضابط المخابرات المكلف بها والذي يطلق عليها لقب " سيدة الشفرة الناعمة " . .
وحدها تعرف أنها دموعها هي . .
تخصها وحدها . .
ووحدها تعرف سببها .


* *


قلما تستقل القطار . . تفاديا للمعجبين وهربا منهم ، ولكنها في بلدة أخرى صغيرة الآن والوقت صباحا . .
لن تجد الكثير من المعجبين هنا وفي هذا الوقت . .
إنها مختنقة من كل شيء . .
وتهرب . . ( ممن ؟ وإلى أين ؟ ) تسأل نفسها . .
تتخذ مقعدا بجوار النافذة . .

تتأمل الطريق ويجول ذهنها مع الأشجار وأعمدة الإنارة العابرة سريعا . .

- " هبطت إليكَ من المحل الأرفعِ " . .

تتموج الصور المسرعة في ذهنها ، تسرح أكثر بالنظر من النافذة . .

- " ورقاء ذات تعززٍ وتمنعِ " . .

شعور بالراحة ينتابها تدريجيا ، الراحة التي لم تجدها منذ زمن في بيتها أو مع رفاقها ، تلتفت . .
أمامها يجلس شاب ، يضع ساقا فوق الأخرى ممسكا بآلة موسيقية وترية . .
يعزف ويشدو بينما يستمع ركاب العربة في صمت . . كل وجه شارد . . كل وجه في عالمه . .

- " محجوبةٌ عن كل مقلة عارفٍ " . .

كل وجه ينظر في اتجاه ، ومن ينظرون من النافذة ربما لا يرون الطريق العابر . .

- " وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ " . .

شاردون ، لكل منهم قصته . . يتسرب اللحن لأسماعهم حثيثا . .

- " وصلت على كره إليكَ وربما ،، كرهت فراقك وهي ذاتُ تفجعِ " . .

- تلتفت وتسأل الشاب : " معذرة . . ما هذه اللغة ؟! "
يجيب بهدوء : " إنها العربية يا سيدتي " .
- " وما الأغنية . . ؟ "
- " قصيدة شعرية . . لعالم وطبيب مسلم اسمه ابن سينا عاش في القرن العاشر " .
- " جميلة . . وماذا تقول ؟ "
- يبتسم ويهز أوتاره : " ربما هذا شيء يطول شرحه يا سيدتي ، هل عندك وقت ؟! " . .

تحييه بابتسامة وهزة رأس ، تسند رأسها للخلف . .
تمر الصور المسرعة بالنافذة وتختلط ببعضها . .
تتسرب الموسيقى لأذنيها . .

تغمض عيناها ، يغالبها النعاس . . فيما يتواصل النغم . .

" أنفت وما ألفت فلما واصلت ،،
أنست مجاورة الخراب البلقعِ . .
وأظنها نسيت عهودًا بالحمى ،، ومنازلًا بفراقها لم تقنعِ . .
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ،، من ميم مركزها بذات الأجرعِ . .
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ،، بين المعالم والطُلول الخُضّع . .
تبكي وقد نسيت عهودًا بالحمى ،، بمدامعٍ تهمي ولما تُقلعِ . .
وتظل ساجعةً على الدمنِ التي ،، درست بتكرار الرياح الأربع . .
إذ عاقها الشرك الكثيفُ وصدها ،، قفصٌ عن الأوج الفسيح المربعِ . .
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى ،، ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسعِ . .
سجعت وقد كُشف الغطاء فأبصرت ،، ما ليس يدرك بالعيون الهُجعِ . .
وغدت تغرد فوق ذروة شاهقٍ ،، والعلم يرفع كل من لم يُرفعِ . .
فلأي شيء أُهبطَت من شامخٍ ،، عالٍ إلى قعر الحضيض الأوضعِ . .
إن كان أهبطها الإله لحكمةٍ ،، طويت على الفطن اللبيب الأروعِ . .
فهبوطها إن كان ضربة لازبٍ ،، لتكون سامعة بما لم تسمعِ . .
وتعود عالمةً بكل خفيةٍ ،، في العالمين ، فخرقها لم يُرقعِ . .
وهي التي قطع الزمان طريقها ،، حتى لقد غربت بعين المطلعِ . .
فكأنها برق تألق بالحمى ،،
ثم انطوى فكأنه لم يلمعِ . . "


* *


" تماسكي . . "


.
الاشارات الاستدلالية: لايوجد إضافة /تعديل الوسوم
فئات
غير مصنف

التعليقات

  1. غدير الحربي's Avatar
    تماسكت ، ثم ماذا ؟
  2. والي مصر's Avatar


    الاحتمال الأول :

    " بنينا من ضحايا أمسنا جسرا ،

    وقدمنا ضحايا يومنا نذرا ،

    لنلقى في غد نصرا ،

    و يـمــمـنا إلى المسرى ،

    وكدنا نبلغ المسرى ،

    ولكن قام عبد الذات يدعو قائلا: 'صبرا' ،

    فألقينا بباب الصبر قتلانا ،

    وقلنا إنه أدرى ،

    وبعد الصبر ألفينا العدى قد حطموا الجسرا ،

    فقمنا نطلب الثأرا ،

    ولكن قام عبد الذات يدعو قائلا: ' صبرا' ،

    فألقينا بباب الصبر آلافا من القتلى ،

    وآلافا من الجرحى ،

    وآلافا من الأسرى ،

    وهد الحمل رحم الصبر حتى لم يطق صبرا ،

    فأنجب صبرنا صبرا ،

    وعبد الذات لم يرجع لنا من أرضنا شبرا ،

    ولم يضمن لقتلانا بها قبرا ،

    ولم يلق العدا في البحر، بل ألقى دمانا وامتطى البحرا ،

    فسبحان الذي أسرى بعبد الذات من صبرا إلى مصرا ،

    وما أسرى به للضفة الأخرى "

    أحمد مطر



    الاحتمال الثاني :

    - " صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة " . .

    - " أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا فجلس محمرا وجهه فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون " . .

    وقد يكون هناك احتمال ثالث . .