Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube

الموتى الأحياء

الآن أراك !

قيِّم هذا السجل
.

تبًا . .

ألا يمل هذا الرجل من الكلام . .
أريد أن أتناول وجبة إفطاري في هدوء وعلى عجل قبل أن تجذبني دوامة العمل . .

" لقد أخبرتك أنه لا يوجد منه أمل " . .

الخبيث ! يحاول الإيقاع بي ، هذا الهماز النمام ناكر الجميل ، تبًا له مرة أخرى . .
علمتني الحياة أنها مليئة بالأوغاد ، وعلمتني أنها ممتلئة بالدسائس . .
وعلمتني أن أصبر . . صبرت كثيرًا ، وسأصبر . .
ولكن ، قالوا للصبر حدود . .

أسمع رئيسي المباشر يحاول إقناعه أني " بتاع شغل " وأني فقط مجهد هذه الأيام . .

حقًا ، أنا مجهد . . ربما لم أعد شابًا . .
أنا متعب كثيرًا ، أتمنى أن أعود طفلًا يركض نحو أمه بخفة وسعادة . .

أريد أن أدفن رأسي في صدر أمي . . بلا أي هموم ومخاوف . .
ولا حتى أي أحلام . .

يهز رأسه : " لا فائدة ، انظر له . . إنه عبء عليك في العمل " . .

يتصاعد الدم في رأسي ، لكني أحاول التماسك والحفاظ على رباطة جأشي . .
يواصل رئيسه بحدة : " بهذا الشكل سيضيعنا وسنغرق . . العمل لا يتحمل ذلك ، لا وقت لدينا للطبطبة والتدليل " . .
الحياة صعبة ولا تحتمل هذا الأخرق المتعجرف . .
لم أنم جيدًا بالأمس وربما منذ أسبوع وهذا كفيل بإثارة جنوني . .
أحاول إكمال وجبتي ، أحاول التلذذ واستطعام أي شيء منها . .
يبدو أن رئيسي استسلم . .

يقترب مني المدير ، هذا النمام الناقم كثعبان . .
يهتف : " إنت مش ناوي تتعدل بقى ولا إيه " . .

لن ألتفت . . أخاطب نفسي : تمالك ، امسك نفسك ، استرخ . .
رأيتهم في أحد البرامج التلفزيونية الطبية ذات يوم يقولون هذا . .
آخذ نفسًا عميقًا . . وأخرجه ببطء من أنفي . .

يستشيط : " إنت مش ناوي تفوق وتتعدل بقى يا أخي ولا إيه . . قرفتنا بقى " . .

الدنيا تظلم أمام عيني ، دمي يفور في صمت ، أعصابي تحترق وتبدأ يدي في الارتعاش من الغضب . .
يصرخ : " إنت يا حيوان . . أيوة أنت بكلمك يا ( ... ) " . .
يهوي بيده الثقيلة على كتفي صارخًا بلفظ بذيء . .
كان هذا ما أذكره ، وربما كان آخر ما يذكره هو أيضًا . .

صرخت . .
لأول مرة بعد 20 سنة من العمل الدؤوب والخلق الحسن . .
صرخت وصرخت . . بغضب وبذاءة . .

" تبًا لك ، بل تبًا لكم جميعا " . .

بصقت بقوة بقية إفطاري في وجهه . .
تراجع الرجل كالمصعوق وحدق في وجهي كالمذهول ، كأنه يراني لأول مرة . .
قبل أن أعاجله بضربة على رأسه الأبله . .

صرخت وثرت بل صرت كالمجنون . .
يندفع رئيسي لينجد المدير الذي تسيل منه الدماء . .

يندفع أحد زملائي ليهدأني ، لكني سئمت كل شيء . .

صرخت في الجميع : " أيها الأوغاد الجبناء . . تبًا لكم جميعا " . .

" بل تبًا لكم ألف مرة . . وتبًا لهذا العمل ، وللحكومة وللدنيا ، وتبًا لحياة الذل يا عبيد اللقمة وعبيد الماسونية " . .

" أنا مستقيل . . ها ها ها " . .

صرخت بها وركضت مسرعًا خارج المكان ، دون أن أفكر في أي شيء . .
لا في عملي ، لا في رئيسي ، لا في كل أصدقائي وزملائي الأوفياء الطيبين . .
لا في زوجتي ، لا في أبنائي ، لا في كيفية تدبير لقمتي وأكل عيشي ومستقبلي . .

صرخت وصرخت بغضب ، وبفرح ، لأول مرة أشعري بصوتي . . لأول مرة . .
لأول مرة أشعر بالهواء البارد النظيف يتسلل إلى رئتي . .
لأول مرة أشعر بالنشاط ، وأني عدت شابًا . .
الهواء البارد يضرب أذني الآن . .

بينما أركض وأركض في الشوارع . .
سمعت من أحد المثقفين أن فيلسوفًا يونانيًا قال لتلميذه : " تكلم حتى أراك " . .
تنعكس صورتي على زجاج أحد المتاجر . .
هل أبدو مختلفًا ؟ . .

تمر بجواري سيارة ، يشير لي طفل جميل مدلل من النافذة وهو يخاطب أباه وأمه :
" بابا ، بص الحمار اللي هناك ، أول مرة أشوف حمار ماشي لوحده في الشارع وسط العربيات " . .
أسمعه يجيب : " أول مرة في حياتي أرى حمار يركض " . .
ثم يغمز ضاحكًا لزوجته المتجهمة : " ربما يركض من جزار ، لحم الحمير منتشر هذه الأيام ، ها ها ها " . .

أضحك من قلبي بصوتي الشنيع : " ها ها ها " . .

يستعيذ الرجل من الشيطان ، تنفتح الإشارة وينطلق لحال سبيله . .
أواصل سيري وركضي ومسيري ، إلى مصيري . .
إلى أين ؟ . .
إلى حظيرة كمعتقل ؟ إلى المذبح ؟ إلى جنة مفقودة وغابة طيبة لم تعد موجودة بحثًا عن لقمة عيش مجانية ؟ . .
إلى المجهول ؟ . .
لا أعرف . .

كل ما أعرفه أنه يمكنني الآن النهيق بحرية . .
ولو مؤقتًا . .

" ها ها ها " . .


* *

" مممم . . تسلم يدك يا أمي ، الغداء اليوم كان رائعًا وخصوصًا اللحم ، طعمه يذكرني بأيام زمان أيام الخير والبركة ، اللهم زد وبارك " . .



* *


" ها ها ها " . .


.

الاشارات الاستدلالية: لايوجد إضافة /تعديل الوسوم
فئات
غير مصنف

التعليقات

  1. مُقتصد's Avatar
    الأحرى أن تقول: تباً! لا تسلم ورقتي إلا في مدونة؟! .

    أفي القوم من يأتمر عليك يا صاحب العِمّة ؟
  2. مُقتصد's Avatar
    لو كان الخير في طيرانك لكنتَ إوزة