Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube

الموتى الأحياء

تعالوا نهد الجبال !

قيِّم هذا السجل
.

هد الجبال وفلق الصخر أسهل من تغيير معتقدات وقناعات شخص . .

تخيل أن تناقش شخص واحد دقائق أو ساعات أو أيام أو حتى سنوات ، ربما تمل وتفقد الأمل بعد ساعتين من الحوار والجدل والنقاش والحجج ، بينما ظل نوح يدعو قومه كلهم لمدة 10 قرون ( 1000 سنة ) وفي النهاية ؟ حتى أهله ، حتى زوجته خانته ، وابنه رفض أن يركب معه . . فقال الله له : فلا تبتئس . .

أتى موسى بالآيات ، فوجدوا دم وضفادع وقمل وطوفان إلخ ، فضحك فرعون وقومه ( فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ) ، ثم سحق موسى بعصاه السحر أمام أعينهم فما آمن أحد ، إلا من ؟ إلا السحرة ! الخبراء في مجالهم ، " الواعون " أن سحرهم أصلا وهم وعبث ، وما آمنوا فقط ، بل استشهدوا بنفس راضية وإيمان عميق اكتسبوه في لحظات . . بينما جحد فرعون وقومه وجنده ذلك ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ، وغرقوا في النهاية ، وظلت المقولة خالدة في القرآن عن الناس : ( وقيل للناس هل أنتم مجتمعون - لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ) . . ولا يذكر القرآن ماذا حدث وماذا حل بهم ، ماذا حدث لجمهور المتفرجين المشاهدين في المدرجات ، قد انهزم السحرة ، بل آمنوا وقتلوا ، فمن اتبع الناس ؟

أعجز محمد قريش والعرب بالقرآن ، فتحول من صادق أمين إلى ساحر أو مسحور أو كاهن أو مجنون أو معلم أو كذاب وما هنالك من أوصاف ، كفر به قومه الأقربون من قريش إلا قلة ، وكفر به اليهود من كانوا ينتظرون نبي آخر الزمان ويستوطنون المدينة خصيصا على علم مسبق ويستفتحون ببشرى هذا النبي المنتظر . . بينما آمن به ولبى دعوته ونصره غرباء من المدينة على بعد مئات الكيلومترات وبلال الحبشي وسلمان الفارسي . .

الخلاصة ؟ الخلاصة في القرآن . . كل قصص الأنبياء وغير الأنبياء والأمثال في القرآن سردت لأنك لن تخرج في حياتك عنها ، تبيانا لكل شيء ومن كل شيء مثل ، إنها إطار من المواقف المتشابهة المتكررة ، يتغير الناس ، يتبدل الناس ، يذهب الأجداد والأبناء والأحفاد ، ويأتي غيرهم ، بينما تتكرر وتتشابه المواقف . . لذلك تذكر دائما أن هناك عقبات عدة على رأسها الورث الموروث من الآباء وطريقة ومنهج السلف ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا علي أمة وإنا علي آثارهم مهتدون - كذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ( وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) . .

أنت لست نبيًا ، وليس عليك هداهم ، لن يحاسبك الله يوم القيامة أن " س " اقتنع برأيك أو أن " ص " رفض في أي موضوع كنت تناقشه فيه ، أو أن " فلان " آمن أو أن " علان " كفر . . أنت تعتقد أن رأيك حق وصواب ؟ أو أنك على الحق المبين ؟ بلغه بأفضل وسيلة وأبلغ بيان يصل لعقول وقلوب من تخاطبهم ، وباللغة التي يفهمونها لسانا وأسلوبا ، وبالحكمة والموعظة الحسنة والصبر وقبل ذلك النية الصالحة ، هذا ما ستحاسب عليه ، ثم تولى عنهم إلى الظل بعد حين فليس عليك أن يعجبوا أو يرفضوا ، أن يقتنعوا أو لا ، أن يؤمنوا أو لا ، ليس اختصاصك ، ولم يكن ذلك حتى من اختصاصات الرسل ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) ( فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) ( ليس عليك هداهم ) ، إذا لم تقتنع ارجع مرة أخرى للقرآن وستلهمك قصص الأنبياء ذلك . .

وليس عليك أن تذل نفسك حتى تقنع هذا أو ذاك برأيك ، في أي موضوع ، كان هذا في المقارنة بين ميسى ورونالدو ، أو في ثورات الربيع العربي ، أو حتى لو كنت تدعو للإسلام ( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ، قيل وكيف يذل نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يطيق ) . .

هل أنت موقن أن رأيك صحيح أصلا ؟ وماذا لو كان رأيك أو اعتقادك هذا صحيح في موضوع ما لكنه سيعود عليك بالضرر ؟ نعم الأنبياء ضحوا وتحملوا ، لكن هل رأيك واعتقادك في هذا الموضوع أو ذاك يستحق أن تتحمل من أجله الضرر ؟ ولو يستحق الضرر ، فهل أنت قبل ذلك وقبل أن تخوض وتبديه وتناقش وتصر مدرك لنفسك وإمكانياتك ؟ هل تستطيع أن تتحمل البلاء ودرجاته أم ستتفاجأ وتقول في نفسك - بعد أن تقع الفاس في الراس لا قدر الله - أني لم أكن مستعدا لهذا ولم أكن أتصور هذا ؟ رحم الله امرأً عرف قدر نفسه ، عمار بن ياسر نطق بالكفر بعد تعذيب طويل وأخبر النبي فقال له : إن عادوا فعد ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ، ولذلك كان سيد الشهداء مع حمزة رجل قام لجائر فقتل ( ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله ) . .

ليس عليك أن تذل ونفسك وتعرض نفسك لبلاء لا تطيقه ، أما إذا كنت واع ومدرك لنفسك وقدراتك على التحمل وكنت فعلا على الحق المبين فأخلص النية وتوقع احتمال أذى عظيم وتوكل واصبر وتحمل مقابل أجر عظيم كذلك ، قد يصل لأن تكون سيد الشهداء إذا قتلت ، المهم أن تعي ذاتك ولا تذل نفسك وتدرك العواقب المحتملة خيرا وشرا ، فسر النبي الخبير صلى الله عليه وآله وسلم آية ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) ، فقال أبو ثعلبة : ( أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا ) وقيل : ( أجر خمسين منكم . فقالوا : بل منهم . فقال : بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير أعوانا ، وهم لا يجدون عليه أعوانا ) . .

أختم بفقرات من كتاب ( ثورة يوليو الأمريكية ) للكاتب محمد جلال كشك وبغض النظر عن دقة عنوان الكتاب من عدمه ، يقول كشك في تصدير الكتاب بعنوان ( إلى القردة الذين دبروا اغتيالي ) :

" . . وقيل أن طائرا أبصر بعض القردة ، في ليلة باردة ، غاب قمرها ، يلتمسون نارا من يراعة ( وهي ذبابة مضيئة ) فراح يصيح بهم : لا تطلبوا المستحيل ، ولا تسألوا فاقد الشيء أن يعطيه . . وهم لا يصغون إليه . ومر به ناسك فقال له : لا تبح صوتك في نصح من لا ينتصح ، بل من يكرهون ناصحهم ويتبعون مضليهم .
قال الطائر : بل أمرنا بإرشاد من ضل ولو كره . .
قال الناسك : أخشى أن يصيبك منهم شر !
رد الطائر : ضلالتهم وجهلهم هي الشر الأكبر . .
فذهب الناس في طريقه وضاق الطائر ذرعا بجهلهم فنزل إليهم ينبه إلى خطأ ما يرجون وعبث ما يستوقدون . . فأمسك كبيرهم به ودق رأسه . . واستمر القردة ينفخون ! "

ويقول في صفحة 156 :

" في تلك الفترة الشاذة في تاريخ أمريكا والامبراطوريات عموما نُشر الكثير من حقائق الممارسات الأمريكية المخالفة للشعارات المعلنة عن المباديء والقيم الأمريكية ، مثل مذبحة " ماي لاي " في فيتنام ومثل كتاب " لعبة الأمم " ومثل دور أمريكا في الانقلاب الإيراني والانقلاب اليوناني والسوري . . ولكن القوى المضادة استطاعت أن تنظم حملة ضخمة لم تقتصر على الولايات المتحدة ، بل اتخذت طابعا عالميا ، من قبل الحكومات والمؤسسات والعملاء الذين ثاروا ضد هذا " الانقلاب " وهددوا بمنع التعاون مع أمريكا التي لا تستطيع أن تحفظ سرا . . مما ساعد على تقوية التيار الداخلي ، فأعيد الانضباط وانتهى المهرجان .
فهل نستفيد من القليل الذي تسرب في لحظة الفوضى ؟!
هيهات ! فقد استولى الثوار في طهران على وثائق السفارة الأمريكية كاملة ، وأعادوا لصقها بعدما قطعت ، وبها أسماء الكثير من العملاء ، والمثير من المعلومات . . فأين هي ؟ ومن استفاد منها ؟
ألم يشاهد قوم إبراهيم أصنامهم محطمة وملقاة على الأرض مجرد نفايات ، فهل شكوا فيها ، أو كفروا بها ، فضلا عن الإيمان بإبراهيم ؟ بالعكس راحوا يجمعون الحطام ويلصقونه لإعادة تركيب " الآلهة " وكان همهم الأول وشغلهم الشاغل هو البحث " عمن فعل ذلك بآلهتنا " لا لمكافأته على كشف الحقيقة لهم ، بل لحرقه في النار تأكيدا لإيمانهم بالنفايات الملقاة على الأرض ، بالأصنام المحطمة . . وتأكيدا لإبراهيم أن كل ما بذله لإثبات زيف هذه الآلهة لم يزدهم إلا يقينا بالأصنام الخالدة التي تآمر إبراهيم على تشويه سمعتها ! " .

هي ليست دعوة للإحباط واليأس ، فهذا ليس منهج الأنبياء لو كانوا هم مثلا دليلك الذي تتمثل به ، لكن هي دعوة تفكير في حدود الدور وحدود قدراتك وعدم حمل هم لا يعنيك وإن آلمك هذا حقًا ، أنه ربما عليك ابداء الرأي والتبيين والبلاغ والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخاصة في الأمور الهامة التي تمس جميع من في السفينة المعرضة للغرق ، ولكن ليس عليك النتيجة والاقتناع طالما أخذت فعلا بكامل الأسباب وبذلت وسعك وكان منهجك صحيح ، وأن هناك حد في النقاش والجدال والإقناع ستتوقف عنده يوما ما شئت أم أبيت مهما كانت رغبتك وحرصك وتحسرك ، كان هذا الحد عند نوح مثلا ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) فتوقف عن محاولة الإقناع وركب بدون زوجته وابنه ، يجب أن تدرك هذا الحد وتركب عنده السفينة وتنجو بنفسك حتى لو ببعض الحسرة ، فحاول ألا تبتئس ، اجتهد وثابر كما تشاء في النقاش والجدال بالحسنى والإقناع ، فإبليس في جانب مقابل أقسم بعزة الله أنه لن يترك طريقا إلا وسلكه ليأتي الناس من كل الجوانب ، ولإبليس خطوات ، فلا مانع أن تكون ذكيا ولكن قبل ذلك كن مخلصا . . فلا تحترق في الدنيا كشمعة من أجل العالم وتهدي العالم وتخسر نفسك في الآخرة محترقا في جهنم بسبب " الرياء " و " الشرك الخفي " . . فماذا يفيدك لو هديت وأقنعت العالم ، وخسرت نفسك ؟

في بداية قناة الجزيرة وحتى سنوات قريبة - لم أعد أشاهدها مثل السابق - كان هناك فاصل إعلاني تظهر فيه قطرات ماء ضعيفة تتساقط بانتظام على صخرة عجفاء صلبة ، تستمر القطرات تتساقط بتكرار وانتظام مع مرور الوقت ، وفجأة ، تنشق الصخرة . .

على أي حال . .
تعالوا نهد الجبال !


.
الاشارات الاستدلالية: لايوجد إضافة /تعديل الوسوم
فئات
غير مصنف

التعليقات