فقط .. من أجل خبز '' النان '' ! / شفرة
|
 |
 | 17-4-1428 هـ
فأنا على يقين أن جل التي نراها من أشياء تقبع تحت بند " عابر " وكفى .. حُجّة تنهى المؤمن بها بالبحث عن علاقات .. خلعت معطفي وجلست أحكي خطة الهجوم على هذه الصينيّة .. جلست وكأن على رأسي الطير خاشعا من خشية الجوع ..
قطعت بيدي من خبز " النان " الطري وأغمدتها غرقا في الإيدام , فالخطط دائما فاشلة أمام عظمة كُفر الجوع , الأمر الوحيد الذي يتقابل مع السُكْر في إذهاب العقل , إلا أنه ممارسة يومية تضعنا بين غريزة التوحش والحاجة الحقيقية لمعرفة أن لكل سبب مسبّب
رفعت الصينيّة من " كاونتر " الطلبات محملا بأطباق الإيدام بصمت وانسحبت صالة كبيرة مغطاة بسقف من حديد صدئ يحيط بها من كل مكان " أكشاك " صغيرة الطعام من جميع الجنسيات , والطعام تقريبا بالمجان مزدحم هذا المكان وضعت الصينية على طاولة كبيرة قبل أن أتهور بسؤال من قام لتوّه من المقعد , إن كان سيعود إليه أم لا .. أخذ صحنه ومضى من غير أن يجيب .. كان كل ما أحتاج إليه هو هذه الإيماءة لأنساه مدى الحياة فأنا على يقين أن جل التي نراها من أشياء تقبع تحت بند " عابر " وكفى .. حُجّة تنهى المؤمن بها بالبحث عن علاقات .. خلعت معطفي وجلست أحكي خطة الهجوم على هذه الصينيّة .. جلست وكأن على رأسي الطير خاشعا من خشية الجوع ..
قطعت بيدي من خبز " النان " الطري وأغمدتها غرقا في الإيدام , فالخطط دائما فاشلة أمام عظمة كُفر الجوع , الأمر الوحيد الذي يتقابل مع السُكْر في إذهاب العقل , إلا أنه ممارسة يومية تضعنا بين غريزة التوحش والحاجة الحقيقية لمعرفة أن لكل سبب مسبّب .. رفعت رأسي واللقمة في طريقها الساقط شبه سهوا إلى فمي المنبعج ... أقفلته على اللقمة .. ولا أكاد أمضغها مما أرى أحس الآن بضجيج المكان , الخلايا الكهروفكرية في رأسي بدأت باستيعاب العيون الفضولية التي تشير بأصابعها إلي مكاني , إلى عيني بالتحديد بيني وبين هذا الأشقر الأبيض بضعة أشبار حتى مكانه المحاط بملامح التقزز التي بيننا جعلتني أتناسى مضغ اللقمة العظيمة بالقوة المخطط لها سلفا .. اهتزت الطاولة بوقوف الياباني في أقصى الطاولة , وجهه المستدير كالصحن ونقاء بياض بشرته كان بالأمر الفاضح لعرقه الدسّاس .. ولا ضغينة مع أبناء الواق واق , وحدها المسافة كانت بيننا , هنا تعجبت من كوننا " زحمة " أكثر مما يجب , مجرد الاحتكاك مع الشعوب يجلنا في أحد أطراف العصى الذي لم يعهد الحياد فينا على مر العصور ..
رمق الأشقر الشوكة في يده , بها علمت بعد نظرات لم أفهم بعد منها سرّ اشمئزازه .. فقلت متمتما بغرور غريب وبالصوت الذي يصل إلى أطراف الطاولة : بسم الله الرحمن الرحيم . وقطعت أخرى من الخبز الطري الذي اقتادني صاغرا أجرّ أذيال جوعي إلى هذا المكان البائس .. يحمل خبز التنور في شدّة حرارته أكثر من لذّة الطعم , وعلى اعتبار أن خبز النان الهندي يختلف في الوصفة عن العربي إلا أن للخبز مجرىً في الذاكرة كمجرى الشيطان من الدم .. لأجل هذا طربت هذه اللحظة لقول التائه الغريب محمد درويش " أحنّ إلى خبز أمي " ..
الأسود بنهم بهيمي يأكل الشيء الأصفر في طبقه , وصاحبته ذات القلادة السداسية الأطراف ملتصقة به كبرغوث , أصحاب النجمة السداسية الذين أداروا القصر العثماني في آخر عهده بكل حنكة , وكرروا ذلك في إمبراطورية البحار وهاجروا مع جفاف الدم في عرق الملكية البريطانية إلى عهر بلاد العم سام , وبالشكل المصغر .. لم تختلف هذه البرغوثة عن قومها في شيء , سوى أني الآن في احتكاك مباشر مع هذا المثال .. نظرت إلي وأنا بغفلتي أتأمل شيءا آخر لا يمت لها بصلة – أو هكذا أرجو - , ويحدث كثيرا أن أركز عيني في وجه مخلوق وأنا أهيم في أمر هو أبعد من الحملقة , رفعتُ عيني إلى السقف كمحاولة يائسة للخروج من الموقف السخيف واللقمة تتبع فمي ,, لعل المشهد كان أقل من اهتمامها بي وإلا ما كنت خرجت من ذاك المأزق , ومن صاحب المنخر العملاق صاحبها .. قاطع فضولي بها وبالأسود صوت مزعج سأضل عمري أتناساه , أو لأنه الوصلة الوحيدة التي تجمعنا بالذي يدعى عزيمة , فإن اختلفت اللغة أو تغيرت الشخوص فسيبقى صوت التوبيخ واضحا لا تيه في كنهه , مهما تغيرت الشخوص واختلّت اللغة , نفسي أحد هؤلاء إن أزمعت أمرها على الذي يدعى " ضمير " ..
هذا الصيني لا ينفك يوبخ الذي معه ., ومعه العيدان البلاستيكية يضرب بها ظهر الطاولة - هيه أنت ... توقف يا لعبة .. ( knock it off toy ) يقول له الأسود الداكن العملاق ارتعدت فرائصي مع الصيني , فأنا وهو في نفس الصف والأسود مقابل لنا , يكفي أن يقوم الأسود من مكانه فجأة ليغرق كل من بصفي بصحونهم .. مثلت دور الذي لم ينتبه لشيء وأودعت يدي في الإيدام واكتشفت أنه لم يبقى سوى المرقة , أكلت القطعة على كل حال
بعد ثواني قليلة أجابه الصيني – لسمرة بشرته ولعيونه التي لا يكاد يرى من انغلاقها شيءا توقعت ذلك , أظن أنهم يرون العالم الخارجي من وجهة نظر DVD إن لم يخني الاستنتاج – قال : - ذاك الياباني من يظن نفسه , كنت أعلم أخي أن لا يقدم لليابانيين أي شيء , فقدم له عيدان طعام كانت معه .. - كلكم تتشابهون , فلماذا كل هذا الإزعاج والصياح ؟! خلال شرح الصيني لأسباب كرهه لليابانيين وما جرا من حروب بينهم , كانت كل الطاولة ترقبه وتسمع منه .. أخذت طبق مرقة الإيدام في يدي ., وانتظرت إلى أن لمحني الأبيض الأشقر وأنا ممسك أرفعه , فشربت منه كشرب كأس الماء فـعين تسبح داخل الطبق وأخرى إليه من طرف الطبق ... اغتاظ الأبيض وأسرع من وتيرة لقمته , أنهيت الصحن وقمت بسرعة الجبان المختفي تحت عباءة شجاعة ..
وليس للغريب إلا أن يكون أريبا كأسلم مقايضة مع ما يجهل .. فإن كنت جاهلا في طبائع البشر هنا فلن أكون الأحمق الذي يريد أن يتعلم في تجربة ! رمقته من بعيد وأنا قريب من الباب , أرسل لي ابتسامة بريئة صادقة .. فبادلته الابتسامة ضحكة طرف الناب الخبيثة , فالوهم علاج هؤلاء المرضى , والإيهام خلاص رخيص الثمن .. التفتّ لصوت ينادي من بعيد , فأنا في وضع حذر يجعلني ألتفت على أية نداء كإشارة انطلاق لنصف الشجاعة ! أشارت المرأة بلغة رطن غريبة , تذكرت أني نسيت المعطف على الكرسي هناك .. وتنبهت الآن للابتسامة .. عدت بشبه هرولة ولما رأيته في مكانه أعدت ترتيب خطواتي لأكذب ما تكون متّزنة , صوت داخل جمجمتي يقول لي أن أقول شيء كي لا يظن يشتمّ جهلي بما سيجري : قل شيء , قل أي شيء .... منظرك سخيف إن لم تقل أي شيء سحبت المعطف من أكتاف الكرسي : In my language , we call this dishes a "Chinese women" !!
تباً لتلاشي المسافة فهاهي مرة أخرى تصنع أطراف العصا بلا حياد
قالت لي السمراء ذات الشامة الحمراء التي نبهتني عن معطفي كلاما بالهندي وأومأت لها بابتسامة شكر سخيفة .. وخرجت وصوت الأسود يضج بالطاولة من الضحك .. كنت أريد أن أشكر السمراء ذات الشامة , إلاّ أني تساءلت من جديد والخطى تسبقني لأبتعد عن صخب الضحك من تلك الطاولة .. بماذا كان " غاندي " يفكر حين عارض فكرة خلق المسافة بين العقول المؤمنة ؟!... وما أبعدنا عن الحياد يا غازل القطن والصوف والوبر .. فحتى أنت لم تلبس ذاك النسيج ولم تفكر في نسجه ..
ابتعدت أخيرا .. وأعلم تماما أني سأعود إلى ذاك النسيج البشع , الذي يجتمع تحت مظلّة حديدية صدئة فقط .. من أجل خبز النان !!
قلم / شفرة - منتديات الساخر
| |
تقييم المقال |
 |
المعدل: 3.61 تصويتات: 13

|
|
|