كان لابي شجرة صغيرة، لا تورق أو تثمر، مع ذلك كان يوليها جل رعايته واهتمامه، فتراه قائماً على شذبها، وريها، فضلاً عن انه لا يحلو له الاستظلال بغير أسفل جذعها!

ربيع 1985، عندما كنت غصناً!
كنت في التاسعة من عمري عندما سألته:
- ليه يا أبويه ما نستأصل الشجرة دي من أرضنا ونستفيد بتمن خشبها؟

عندئذً كان يجيب بعد أن يستحضر روح سقراط قائلاً:
- لان لهذه الشجرة روح، وصوت!
- طيب، بس ليه برضه ما نقطع الشجرة دي ونستفيد بتمن خشبها؟!
- لان لهذه الشجرة مولد، وتاريخ!
- كويس، والله أنا فاهم، بس ليه ما نقطع الشجرة دي ونستفيد بتمن خشبها؟!
- لأنك حمار!
- همممم، دلوقتي بس فهمت، شكراً يا ابويه!
***

ربيع 1990، بينما الأجواء حالمة:
خمس سنوات مرت، وما زلت مستمتعاً بمراقبة أبي وهو يولي جل عنايته بالشجرة العجوز، دون أي طائل منها، أو فائدة!
في هذه الفترة تناسبت الأمر برمته... مكتفياً بتأكيد أبي إنني حمار في كل مرة أسأله عن سر اهتمامه بالشجرة!
غريب أمرك يا أبويه!
***

ربيع سنة 2000، بينما الأجواء مريبة!
عشر سنوات أخرى مرت سريعاً...
تبدل الحال فيها إلى عموم ما يبدله القدر، غير أن حال الشجرة واهتمام أبي بها ظل كما هو لا يتغير، وإن كان أمرها قد أضيف إلى مهامي العديدة، بعدما شاخ ساعد أبي وهرم.

مع ذلك، كنت إرضاء له – لا للشجرة - أُحسن الاهتمام بها ورعايتها عن غير قناعة مني أو سرور!

وظللت على ذي الرعاية سنيناً طوال، إلى أن عدت يوماً للأرض متلمساً حاجتها، مراقباً فيها ما استجد من شأنها، فكان أن رأيت الشجرة العجوز وقد سقطت ميتة، وجذعها للسماء!
لم أكن ذا بال بموتها، وإن هالني كيف أزف لأبي خبر رحيلها، وأنا اعلم قدر اهتمامه بها!

لكني، وبعد تفكير لم يطل، قررت أن اخبره بما كان من شأن شجرته، مزمعاً أن افتك بنفسي قدر المستطاع قبل أن يفعل غيري!
-الزرع النهاردة عال العال، الأرض مروية، والطرح بخير!
-ربنا يبارك فيك يا محمد يا ابني، المهم تكون سقيت الشجرة القديمة، ووعيت عليها.
-لا، النهاردة ما سقيتها، ولا وعيت عليها!
-ليه يا ولدي؟!
-لأني رحت لقيت جذعها فاسخ من تربتها!
-ح تقول إيه يا ولدي؟
-الشجرة نشفت، وماتت يا حاج!
***
ومرت أيام...
استغرقت فيها في حزن أبي العميق، وكلي عجب من أمره، متسائلاً في ذاتي:
- أمِن أجل شجرة لا تثمر، يتبدل شأنك يا أبي!
غريب أمرك يا أبويه...

حتى جاء ذلك اليوم، الذي أخبرتني فيه أمي بسر غرام الشجرة، قائلة إثر حداد أخير:
- "أبوك بيعتبر الشجرة متل أخته تمام، لان ستك أم أبوك الله يرحمها، قالت إن سيدك أبو أبوك الله يرحمه، كان زرع هذه الشجرة في نفس اليوم اللي أتولد فيه أبوك الله يطول عمره!"
- دلوقتي فهمت، أبويه بيعتقد إذن انه كما الشجرة، كلاهما له نفس العمر...!
غريب أمرك يا أبويه!

ثم انطلقت ابحث عن أبي، متلبساً للحزن، جامعاً للفزع والذهول في محيايّ الكئيب، مترحماً على روح الفقيدة أختنا الشجرة، مواسياً له!

لكني، وبعد طول بحث، وجدته – أي أبويه - يقف عند شجرة أخرى غير الشجرة المرحومة!
الغريب انني رأيته يتأملها في إعجاب وسرور!
(الويل لي إن كانت هذه الشجرة هي ابنة عم الشجرة المرحومة)... هكذا فكرت!

مع ذلك قلت، هذا أفضل للجميع...
لعل أبي بغرامه الجديد للشجرة اليافعة، ينسى ماضيه مع الشجرة القديمة!

ثم اقتربت منه، متصنعاً الإكبار في جلالة حضور الشجرة الفاتنة، حتى قال:
-شايف يا ولدي هذه الشجرة!
-شايفها يا أبويه!
-شايف إيه فيها؟
-شايف إنها شجرة!! (اللهم اجعله خير)
-إيه رأيك فيها؟
-بخيرها، وطرحها مميز، وورقها كثير!
-هذه الشجرة يا محمد، عمرها 24 سنة!
-والله كويس، عمرها 24 سنة بس؟!
-ايوه، 24 سنة، بس أنت مش فاهم؟
-لا، مش فاهم يا أبويه!
-لأنك حمار يا ولدي!
-شكراً يا أبويه.

ثم قال أبويه، بعد أن اكتملت سعادته بحموريتي:
-هذه الشجرة يا ولدي زرعتها لك في نفس يوم ولادتك!
-يعني إيه يا أبويه؟
- يعني عمرها من عمرك يا ولدي!
***

صيف 2005، القلب حاسر والعين منتفخة!
وخمس سنوات ملبدة بالغيوم قد ولت إلى غير رجعة...
ترونني الآن مستغرقاً أيما استغراق في العناية بشجرة مولدي الحزين، بينما الشجرة مرتجفة الأغصان منبهرة بي!
مجيباً على المتسائلين عن سر غرامي المريب لها، قائلاً لهم متقصماً روح إخيليوس:
-لأن لهذه الشجرة صوت، وروح!

مردداً في قاع أوردتي:
-الله يسامحك يا هكتور!

(انتهى)
ابن الأرض