Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 15 من 15
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000

    رواية " غُـبـار " للرائع محمد الحميد

    تُنشر هنــــا على حلقـــــات

    الرواية تم نشرها للمرة الأولى بموقع جسـد الثقـــافة ..... أعجبتني ، فأحببت أن أشرككم قرائتي لها :


    ( كاتبها روائي سعودي ، وهي روايته الأولى )


    قدمــها ( هناااااااااك ) هــكــذا :


    عكس أقبية المطابع، عكس المربعات الكرتونية في ال DHL وجوارب التوزيع، عكس شقق النقاد الغير مفروشة، عكس عقارب الاندفاع الأول للأعمال، عكس نظرية الأصدقاء في التخلص، عكس التلعثم الظاهر في آخر خطوة من تقديم الذات، عكس كل شيء، أقذف بالعمل السردي الأول هنا، من نافذة بعيدة ودون أي امتعاض من صوت ارتطامه...
    باتجاه النسيان فقط.



    (إن من يبدأ بالشك في التفاصيل الصغيرة، يتوصل في نهاية المطاف لأن يشك في الحياة بحد ذاتها)
    ميلان كونديرا
















    الجميع على شفا ذرة غبار
    لكن من يقرأ في الغبار صنوه













    الفصل الأول



    افسحوا لي الآن..
    في أي مكان..
    في حقائبكم الجلدية، في جيوب معاطفكم، في شقوق الكراسي، في الدائرة المفتوحة من الرقم 9 أسفل بطاقاتكم الثبوتية..
    لا يهم، المهم أن أستريح الآن فقط..
    تعبت من كل السنوات التي وقفتها متنقلاً من طاولة إلى أخرى، كذبابة لا تكف عن الطنين، كلما جاءها نبأ عن منفذ لقمامة..
    لا أريد أن أظل كإبرة نسيتها خياطة عجوز، بطرف قماش، كنتوء زائد يربك حتى الكلمات التي تتشبث بالنواجذ كي تظهر..
    يابس هذا المساء ككل الأيام التي انتهي من أوزارها حاملاً كوباً من الشاي أدلقه في فمي وأمضي إلى سريري منهك الأعصاب لألتقي بشياطين أعرفهم جيداً كل صباح..
    خمسة،عشرة،خمسمائة ولتذهب كل البورصات حاملة أرغفة الصغار والمعوزين وأصحاب الفاقة،وليعش ما سواهم، سدنة البذخ،الذين تتأرجح معاطفهم من ثقل المال..
    لم أكن حسوداً يوماً من الأيام،كلا ولم أكن قنوعاً،كان يكفيني في كل يوم أن أعرف كم على هذا أن يبذل وعلى هذا، وعلي بعد كل هذا أن أجمع قسمة هذا وقسمة ذاك الذي يمضي، وهو يشير إلي بإصبعه الأوسط، ليخبرني أنه لم يعد لي الحق أن أطلب منه ما ليس من حقي سلبه، ثم أسلمها إلى الرجل الجلف الذي يأخذ الجباية مني عن يد وأنا صاغر، وكأنه يمسك بكتاب يملي عليه مثل هذا التعسف الطلبي.
    اللعنة لا تكفي لكي أكون على مقربة من نفسي، في كل يوم أفقد مني جانباً كنت أهيئه للرجوع يوماً ما.
    اللون البني الفاتح، رائحة القهوة، المفتاح الذي علي أعتني به كما يعتني بشاربه هذا الشرطي، القابع أمامي كل يوم، المصابيح التي يبدأ عدها التصاعدي بمجرد دخولي هذا المكان المقفر بالنسبة لي، المليء بالضحك والنكات القذرة معية كل طاولة بالنسبة لهم.
    هنا عليك أن تفصل بين ما( هُم) وما (أنت)، يجب أن تدرك جيداً أن عليك أن تبدل سحنة وجهك في الدقيقة الواحدة ثلاثين إلى أربعين مرة تقريباً، عليك أن تحيي هذا بوجه مشرق، وأن تظل محتفظاً بسحنتك المتأثرة حينما يشير لك هذا العجوز بأنه نسي محفظته كعادته دوماً، تتذكر في اللحظة ذاتها أن حذائك ضيق وأنك لم تزل ربطة الحذاء قليلاً كي يريح قدمك التي نتأت عظمة المقدمة من الجانبين، لتسبب لك الآلام التي تكرهها من جديد، كل شيء هنا معرض للاستبدال حتى أنا وإن كنت أبدو كثور عتيد لا يكف عن الدوران كلما رأى لوناً احمر يلكز به أظلافه، مع فارق بسيط بيني وبينه، هو أنني أقسم شعوري بين النيل واللانَيل بحفنة من النقود، لا تكفي حتى لغسل وجهي بصابون جيد مدة شهر بأكمله، معرض لسبابة تشير لي أن أرحل دون صوت،الحياة ليست سوى روائح كلما انتقلت من رائحة جذبتك رائحة أخرى لتصاب في النهاية بحساسية في الجيوب الأنفية/الموت وفي أحسن الأحوال المرض.




    بذر الريح
    اليوم يا أبي أخبرتني أمي، أن علي أن أساعدها، وأني منذ اللحظة قد خرجت من نفق نحو آخر أكبر سعة منه، نفق اسمه الشباب..
    لا أدري أين سمعت كلمة نفق، لكني أحس أن الحياة كلها أصبحت نفقاً منذ ابتعدت عنا، لو كنت هنا يا أبي لعلمتني ما أفعل بهذا السائل الأحمر، أو تلك الكدرة الصفراء التي تخرج مني، ولا أملك لها جواباً؛ لأنه وباختصار شديد لا يوجد أحد أستطيع أن أصارحه سواك.
    اليوم يا أبي رأيت في نافذتي، عصفوراً جريحاً، لم أساعده كما علمتني، ربما تعلمه الحياة أن يعيش وحيداً، وأن يعالج نفسه بنفسه، كما أنا مع غيابك.
    صرت أكره الصباح، رائحة القهوة، اللون الأزرق، الكتب ذات الأغلفة الجلدية، لأنها جميعاً تذكرني بك وبما كنت تحبه بالقرب مني.
    عندما ذكرت اسمك بالأمس، ضربتني أمي، وأمرتني ألا أذكره مرة أخرى، هل رأيت يا أبي كيف أعيش النفق جيداً.
    حتى أنت لن تعرف هذا!!!



    لماذا؟
    عُدّل الرد بواسطة إبراهيم عادل : 19-08-2006 في 02:48 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000
    الفصل الثاني


    ككل الأشياء التي تتراكم داخل سياقها الوجودي، وجدتني هنا دون أي مبرر، أو سبب حقيقي يدعوني لكل هذا العنت اليومي، أفكار مثل هذه لا تساورك إلا وأنت تقضي حاجتك في دورة المياه، ربما لأنه الوقت الوحيد الذي تتصالح فيه مع نفسك وتتوحد مع حاجاتها، دون أن يقاسمك الآخرون بوصايتهم الكريهة ونظرياتهم المقززة، ما تفكر به وتُسَيِّر به حياتك، لا يوجد الوقت لتقول لنفسك لماذا أنا الآن هنا، ولماذا بالذات بعد ثلاث سنوات من العمل، ستنتهي أفكارك بمجرد أن تغسل يديك وتخرج من دورة المياه بجسد خفيف وعقل مليء بكل الأعباء العملية التي ستخوضها وستظل تخوضها في اليوم أكثر من أربع وعشرين ساعة.
    آخر مرة أخذت فيها نفساً، كان حينما وقعت مداهمة لهذا الحي، وتفرق الناس إلى أفواج مسرعة، فارين إلى بيوتهم، حينها فقط، استطعت أن أجمع أفكاري وأبدأ بعصر كل هذه السنين، كثيراً ما أسأل: من قال بأن اليوم 24 ساعة فقط، أنا أعمل في اليوم أكثر من ثلاثة أيام للفرد الواحد، أستيقظ في الخامسة صباحاً، لأكمل مسح وجهي في المقهى، وألبث هناك النهار كله، حتى الواحدة بعد منتصف الليل، وهكذا دون أن يكون لي الحق أن أسأل: لماذا؟ لأن المال سيجيبني بالنقص، كم هو مبهج أن تكون قيمتك بضعة دراهم، لتدخل في مساومة مع نفسك تنتهي بخسارتكم جميعاً.
    أنت هنا ملك الوقت، وحدك من يعرف كم يكون لكل الأشياء مدة زمنية، حين يطلب منك أحدهم قهوة سوداء، فإنك مباشرة تتذكر الرقم ثلاثة، أي ثلاث دقائق، دقيقة لتحريك يديك محركاً الآلة أو محضراً الأكواب، ودقيقة لتسخن القهوة، ودقيقة لذهابك ورجوعك، كل شيء في ذهنك له وقت محدد، لا ينقص ولا يزيد، فتح الإضاءة يحتاج إلى ثانيتين، وحين تكون مرهقاً فإن ثانية جديدة ستدخل في حسابك، وهذا يسبب لك ضيقاً كبيراً لخرقك قيمة الوقت المفروض عليك، الشاي المغربي يحتاج إلى خمسة دقائق، الماء يحتاج إلى ربع دقيقة، الكروسان، الدونات تحتاج إلى ثلاث أرباع الدقيقة، وإذا ما خالفت الآلة ترمومترك الزمني، فإن بقية اليوم ستكون في اتصالات مكثفة مع المسئولين في الشركة، والتي خصصت موظفاً مستقلاً لمثل هذه الاضطرابات لك وحدك، لا لشيء سوى أن تكف عن إشغالهم عن أعمالهم الأصلية، هذا الوقت لا يهم أحداً سواك، لأن هذه الأشياء ببساطتها الفائقة تعني أنك ما زلت قادراً على التلذذ بكل تفاصيل الحياة، حتى الزمن الفاصل بين أن تنحدر القهوة إلى الفنجان، هذا الخيط الرقيق من السائل، هو في النهاية الغاية الوحيدة التي أسعى لأن أعرف كم تتأثر المدة خاصتها حسب حركة اليد المسببة لهذا الصب.
    إننا حين نعرف كيف يسير كل شيء حسب وقته المخصص له، فإنا ندرك معنى أن هذا الشيء قبل أوانه، أو قد فات أوانه.
    هنا تماهيت مع كل التفاصيل، حتى تلك التي تتكوم أسفل المقاعد كنت أعيش معها لحظات السقوط من الملابس أو من طرف الطاولات، لكل جزء من هذا المكان رواسب في نفسي، ربما لن تخرج، وربما حين يكون أوان البوح قد ابتدأ، بالأمس نسي أحدهم علبة سيجارته لمجرد أنها انتهت، أستغرب من هؤلاء كيف يتركون تفاصيلهم نهب القمامة، أو في متناول الآخرين، الآن عندي مثل هذه 60 علبة جمعتها خلال أسبوعين فقط، هذا يعني أني بدأت أعرف كم على كل واحد من هؤلاء، أن يستهلك من التبغ بحسبة بسيطة، لا تستغرق سوى عدة دقائق، في علب السجائر أخبئ قصاصات الأوراق التي أكتبها كل يوم كمحصلة نهائية من حصاد الأيام الذابلة، كتبت مرة:
    " حين يمرون، يتركون سحناتهم البائسة على الأكواب، لأظل الليل بأكمله أعالج وجوههم بالصابون وبالذاكرة، ويستعصي الأمر كلما وجدت كدمة تظلل وجوههم"
    ومرة:
    " الباب ليس ما يدخله الناس، الباب ما ينسونه من أياد تطرق الذاكرة أبداً"
    حتى إذا ما امتلأت العلب بالقصاصات، مخبرة عقلي بأنني قد عشت ستين يوماً بذاكرة كتابية، ابتسمت وألقيتها في صندوق معدني مخصص لبقايا الذاكرة التي تنسى في مدينة كهذه، وبدأت أكمل العلب بقصاصات أخرى، لكل شيء من هذا الوجود منفعة مستترة، بمجرد أن تُقلب تتحول إلى عبئ إضافي، ومن ثم فلا يتبقى سوى النسيان أو التهميش رديفاً لهذه الجماليات المستترة في باطن هذه السطحيات.
    الزبائن هنا ليسوا بمعزل عن كل هذا الانتماء للتفاصيل إلا أنهم مجرد عابرين يتركون على مقاعدهم أكوام الغبار لألعق بأصابعي ما بقي منه، الغبار سيرة كاملة، هذا اللون الرمادي المتدرج نحو الأسود، كان رديفي منذ اللحظة الأولى من تواجدي في هذا المقهى، في أول يوم أتيت هنا، لم أكن لأحسن التعامل مع طبقات الناس وخصوصاً أولئك المتعجرفين الذين تسحقك نظراتهم بمجرد تنظر إلى وجوههم مباشرة، ومن دون تذلل، حينما انفض مجلسهم وحان موعد ذهابي، أغلقت الباب ورائي، وذهبت لأكمل دورة الليل وحدي، في الصباح كان أول ما لامس أنفي رائحة الغبار، النافذ من شق الباب بعد ليلة عكرة، لمست أول كرسي بسبابتي وجلست دقائق طويلة أنظر إليها، شعرت بها تخاطبني، أحسست بأن ليلتي لم أكن نديمها الوحيد، كان هناك أيضاً من لا ينام إلا حين نمسه نحن، لنميته، الغبار حياة الأثير، لكن من يملك للأثير حقوقه؟ لم أجرب يوماً أن ألعق هذا الغشاء الرمادي الداكن، لا استقذراً كلا، بل لأني أخشى موته فأتركه لبقية يومي حتى أضطر لغسله حين يكون علي أن آكل، والذي لا يأخذ منه جوفي سوى وجبة واحدة في منتصف النهار.
    الزبائن قادمون، هكذا تحدثني وقع أقدامهم، هذا الوقع الموسيقي الذي التحمت به، فأصبح تسليتي الوحيدة، أعرف أن هذه أقدام خالد أو رائد أو ذاك البائس الذي لا يفتح لي مجال الحديث معه، فقط يشير إلي من غير كلام لما يريد، مع أني أتربص بعينيه التي تحاولان فتح الحديث معي، لولا وجود هؤلاء الزبائن المرتكزين على كراسيهم، كملك يخشى إفلات مملكته لمجرد ذهابه إلى نزهة قصيرة، مع هذا فإني غير مستعجل لهذا الحديث؛ لأن مجرد هذا التواصل البصري كاف لإزالة العوائق بيننا، حتى إذا ما تم الحديث كنا قد قضينا النصف الأول الساذج من كل علاقة، والذي يسرف فيه الكذبة ليبرهن كل واحد للآخر، بأنه أكثر رزانة وبصيرة بالعلاقات الإنسانية.
    هذه الأيام لا أدري أي شيء أصابني لأصبح بكل هذا الامتلاء الذهني في الفترة القصيرة التي تفصل بين فتح المقهى صباحاً وبين حضور أول مرتاد لهذا المكان القصي.
    الأمكنة وكما أعلم لا تخضع لأي نظام ذوقي، سوى المصلحة الشخصية والتي ترتفع فوق أي سقف اجتماعي أو أخلاقي أو ثقافي أو اقتصادي، لذا فإن هذا المقهى يقع على شارع عام، مكتظ بالمشاة والسيارات، دون مراعاة للأثر الذي يسببه مثل هذا الموقع والذي لا يصلح إلا كمضمار للمشي أو للدراجات، لكن أسئلة كهذه هي كالغيبيات التي لا يحق لنا أن نتكلم بها أبداً، ساحة متوسطة الحجم يبلغ عرضها من 5 إلى 6 أمتار تتوسطها واجهة بزجاج مُطَعَّم بالديكور الخشبي، على شكل أمواج من الأسفل و من الأعلى يأتي كإطار ينحدر تحته الزجاج إلى أدنى نقطة من الواجهة، تترامى في الخارج 12 طاولة من الخيزران وطاولات من الزجاج ذات الحواف المعدنية، ثم في الداخل توجد خمسة أرائك مفردة واثنتان مزدوجة، ومن ثم طاولة بنصف دائرة تتمدد في المنتصف، تتعامد معها عدة كراسي من الصنف الطويل، والتي تخصص سابقاً لأولئك الذين يَدَّعون " الكيف " والآن لمن يعشقون النظر لتصليح القهوة وباقي المشروبات، تمر علي كل يوم أصناف البشر بأسرها، ومن هنا يبدأ فرز كل شخصية للتعامل معها في النهاية بحياد تام، أميل لأصحاب البشرة السمراء ربما لأنهم يتركون في جيبي كثيراً من الابتسام والحلوى الروحية، التي أخبئها كي أكمل معها بقية الليل وما يساورني من كدر، أخاف طوال القامات والقصيرين كحد سواء، يذكرونني بأن ما قارب الأرض زاد شره والتبست نيته، وأن من قارب السماء اكتنفت أرواحهم الفراغ كالسنابل التي تعلو بقامتها وهي مصفرة غابرة، أحب التعميم، أعشق تلك الأحكام التي أخضعها على الأصناف جميعاً من أجل أن أبرهن لنفسي صدق حدسي بكل هؤلاء، الحدس هو الآلة الوحيدة التي يتخذها الغرباء كعكاز يتكئون عليه في وحدتهم المريرة، الليل، والماء، والنساء اللاتي يمررن من أمامي، كل هؤلاء يعززون معنى أن تحدس فتصيب.
    الثرثرة مع الذات، السبيل الأمثل لتجاوز أي عرضة للإصابة بمرض نفسي أو وسواس، أو حتى العيش في أكثر من مكان وأكثر من زمن وأكثر من شخص، الحياة تبقى في ريعان تجذرها فيك، ما لم تصبك بعارض من النفس، فتنساك الدنيا، لتودعك قفص الانطفاء البطيء، لأجل هذا أهتم بهذه الأوعية الفخارية التي تقف في وسطها أنواع من النباتات الخضراء والتي تقارع بأغصانها الريح، كما أفعل أنا تماماً مع هذه الغربة.
    بين رائحة القهوة ورائحة سجادة أمي، ما بين راحتي اليمنى وقدرتي على لمس الفقرة الثانية من عمودي الفقري، المسافات لا تعد مشكلة في هذا العالم، كل مكان هو أقرب للآخر إذا اصطفيت له وسيلة نقل، كافية لمثل هذا الوصول، لكن مع هذا تفر منك إمكانية مثل هذا الحلم لمجرد تذكرك أنه لا مكان سوى هذا يستقبلك ويريق عليك بعض المال، الذي يقيم أودك لإكمال الحياة بسلام، مبدأ بعض الحريق أهون من بعضه، هو البيدق المتاح في رقعة الحياة هذه، تقاس شروط عيشك دائماً وفق عنصر مرتبط مباشرة بمكان عملك، هنا لا مكان للمرض أو لالتواء الكاحل، أو لتمزق في أربطة الركبة إثر سقوط آلة القهوة عليها، حينما كنت تنظف ما تحتها، لا رحمة في مثل هذه الأمور، لذا عليك أن تكون مستعداً لأن تبدو كحصان سباق وأنت في أشد حالات ضعفك، إن لم تبدو كفراشة تنتقل من طاولة نحو أخرى وإلا فإن المكان لا يحتمل جوامد أكثر من هذه القطع التي تملأ فضاء المقهى، أجمل ما يُكَوِّنه هذا العمل: التجربة، ستجرب كيف تخلط البيرة مع القهوة السوداء، أو عصير الليمون مع القهوة المثلجة، ستتمدد على رخام المحل ورجليك تحملان كرسياً، ستحاول أن تجرب أن تضع رأسك إلى أسفل ورجليك تتشبثان بمقعدة الكرسي الطويل بوضعية مُعَلَّقة، ستتصالح مع نفسك بقدر الجنون الذي تمارسه، لا أحد باستطاعته كشف ما تفعله، أنت وحدك من يجري كل شيء هنا باستثناء، الاستفراد بكل المال. الأربع ساعات اللاتي أنامها في حجرتي الباردة تبقى هزالاً لا يسمن ولا يغني من أرق، أعلق النعاس بعيني ثم لا ألبث أن أطرده، الأرق هو أن تتجاوز موعد نومك دائماً، لتجد أنك في النهاية قد تلبست وضعية الصحو في كل أحوالك، تكتفي بقليل من النوم، مع كثير من فقد أعصابك التي كانت معروفة ببرودها التام.حين تخترع لك قوانين مجنونة لأيامك فإنك تتلذذ بكل دقائق حياتك، حين أستيقظ من نومي صباحاً، يحلو لي أن أمارس الكتابة على المرآة، أفتح صنبور الماء الحار، وأبدأ بكتابة الأشياء التي علي أن أفعلها في هذا اليوم، وتحقيقاً لرغبتي في قتل الروتين فإني أهتم بأن أضيف لي شيئاً جديداً كل يوم، أكتب مثلاً:
    " جرب أن تموت، تظاهر أن تموت وأنت تضحك، مارس رياضة الجري في مكان لا يتجاوز متر ونصف، أضف على كل جملة تقولها للزبائن كلمة (واحد)، لا تهتم إذا زاد منسوب الماء من أعلى فوهة الأصيص"، وإذا امتلأت المرآة بالكتابة، فتحت الصنبور من جديد، وهكذا حتى أكتب كل ما يكفي ساعات العمل، يعجبني القلم الأحمر، لا لأنه كان رفيق علاماتي في كل سنوات الدراسة، ولا لأني أحب الدم، الأمر يتجاوز هذا كثيراً، اللون الأحمر يذكرني بوصايا جدتي حين كانت تقول:
    " كن مثل النافذة، إن أغلقتها اكتفيت بنفسك، وإن شرعتها امتلأت بالضوء، احترس أن تكون باباً، الأبواب شيء قذر فتحه وغلقه واحد، حين تنام لا تطفئ الإضاءة، تابع خيوط الضوء وستجد أنها توصلك إلى عمق النوم، لا تهتم بما يقوله الآخرون، اهتم بما تقوله يدك، اليد مكان السر، والسر بوصلة الدرب..."، أتذكر أني كنت أستمع إليها وأغرق في تلاطم هواجسي، اللون الأحمر هكذا يجعلك تجوس ذاتك، تحفر عن كل ما تخبئه عن اللون الأسود أو الأزرق أو حتى الأخضر الذي يبعث في نفسك الشعور بأن هذا اللون لا يصلح لغير النبات، الأحمر ذاكرة وأجمل ما في الإنسان ذاكرته، هل باستطاعتنا أن نمضي دون ذاكرة، لو كان بإمكاننا، لرسبت رؤوسنا في الوحل ولامست أرجلنا الهواء، وبتنا نسير بوضعيات فانتازية، بالذاكرة ثرثرت حتى نسيت أني أتحدث عن نفسي وعن نفسي فقط.





    بذر الريح

    ليس الآن يا أبي..
    ليس الآن وأنا في أقسى حالات الوحدة يعبرني طيفك، لماذا يا أبي كلما حاولت قبرك في تربة النسيان، أقبلت من جديد، وفي كل مرة تجيئني بزي مختلف، المرة الأولى حين أتيت، كان الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، أتيت تحمل في يدك ثمار المانجو، ترتدي بزة رمادية، وتعتمر قبعة بنفس اللون، لم يتسنى لي أن أنظر إلى حذائك مع أني كنت أول من يبادر لمسح أحذيتك الجلدية، والتي تهتم بأن تكون دائماً بذات اللمعان حين ابتعتها أول مرة، اليوم أتيتني في الواحدة ظهراً، لم أسمع من قبل بأن هناك زواراً يأتون في النهار، كل أولئك الذين يأتون والذي أنت من ضمنهم لا يأتون إلا في ساعات متأخرة من الليل، لماذا يا أبت أتيت في هذه الظهيرة القاتلة، هل أصابك شيء، لن تعرف أن ابنتك قد تُركت في بيت جدتها لأبيها، وأن أمها تخلت عنها بعد أن تعذرت بانشغالها بعملها الجديد، لن تعلم أن أمك والتي أتفانى في مساعدتها، لا تفتأ تذكرك ، وأن الحرَض والهلاك باتا أقرب إليها من نفَس صدرها، كل هذا يأتي بعد رحيلك يا أبي، هل ستصدق أن الذي كانت الدنيا تتمايل بجدائلها عنده، أصبح مجرد عابر في الذكرى، ولا أحد يعرف ما الذي دفعه لكل هذا، أتيتني اليوم وأنا أسبح في عرَق الوحدة، بعد أن باتت الشمس لا تؤثر سوى في سحنتي المتآكلة التي تأخذ كل يوم ملمحاً جديداً من اللون الأسود.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    !
    الردود
    163

    Thumbs up

    حالم
    كعاادتك لاتنتقي إلا المميز
    بإنتظار التتمه


    تحياااتي بس لاتتأخر بالباااقي
    <<--ماتحب تنتظر
    (((,,,,,,)))

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    بين الكتب
    الردود
    315
    كل الشكر حالم
    بانتظارك
    أعلل النفس بالآمال أرقبها # ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000

    مشـاعل :) تحياتي /// أناغيم ( أي خدمة ) ... نتابع مــعــًا

    الفصل الثالث
    :

    لم يسقط برج إيفل، كلا ولا حمائم مدريد، لم تمت أيضاً مساحات التشيك الخضراء، كل ما هنالك أني نتأت هكذا، أتتبع ذبالات المصابيح، حين يكون أول كائن حياتي أراه، هو هذا الضوء الذي يملأني بالسكينة، ومن ثم ألكز قدمي وأتجول في هذه الشوارع الخالية إلا من مرتادي الليل.
    يسمونني البومة، وتسميتهم هذه قائمة على المفهوم القاصر للبوم، وهو التوقيت الليلي للخروج إلى أي مكان، لكن لم يعلموا معنى البوم الحقيقي، وهو مراقبة كل ما يتحرك أمامها، وحفظه في ركن قصي عن متناول الحكي أو الزلاَّت اللسانية، من هنا بدأت حكايتي مع هذا الليل، الليل الذي تتعرى فيه المدن بكل شرود، الليل وفورة الرغبات المكتومة، الليل وسرَّاق الفرح، الليل والمواربة الفجة، الليل وهو ينسى نفسه في نفسه، حكايات الليل لا تنتهي، وفي مدينة كهذه فإن لليلة الواحدة ألف حكاية، تكفي سرد تاريخ كامل من الدهشة، ولأننا موتى، فإنا لا نشعر بأن لسان الليل قد لعق كل أطباق انتباهنا للتفاصيل، ومنه بدأ الليل يتمدد حتى جاوز اللسان إلى اليد.
    سيكون من الساذج أن أحكي عني، لأني دوماً أترك مثل هذا للآخرين، لأنهم يتلذذون بسرد شرودي وهذياني المتواصل، فقط لكي أوصلك إلى خيط تستدل به علي، حال هروبي منك، هو أنهم يقسمون أني مجنون وأن عقلي قد سرقه جني نسي مفتاح حصنه في الريح، ومن ثم استمر محبوساً هناك حتى يجد المفتاح أحد ما، أو يجيء موتي، أكتفي مع كل هذا بصمت مطبق لأني أعيش في عالمي الخاص، دون أن أتماس مع أحد منهم سوى واحد، ربما شعرت أنه يستهوي انتباهي لشيء ما، وهذا له قطع كثيرة من الروح، لست جاهزاً لأن أتكلم عنها على الأقل الآن.
    خيوط حذاءه المتدلية لم يكن من المتوقع أن تكبده خسارة سن واحد، شرخ في منتصف الرأس، ودم كبير كانوا يستعطفونه أن يتبرع به لعمه المسكين، أن تسير هذا شيء، أما أن تسقط فهذا شيء آخر لم تستعد له، هكذا كان يقول وهو يبكي، الجميع يسقطون، ولم ولن يكون هذا أول وآخر متعثر بنفسه، لكن ما استفزني لحالته، فداحة الفلسفة التي ظل يهذي بها هذا المصاب، مما جعل الناس يهربون من عنده، لأجد نفسي في النهاية مجبراً على التعاطف كي أظفر بقصته، وهل كان هذا الهذيان نتيجة الصدمة، أو أنه أمر طبيعي يسير على ما كان عليه قبل الحادث، حين جاءت سيارة الإسعاف، أصررت على مرافقته، مما جعلهم يحذرونني من خطر مثل هذا، وأنه سيضطرني للمسائلة أكثر من مرة، إلا أنهم رضخوا للأمر، بعد إصراري الشديد:
    " سن واحد يعني ذكرى كاملة سقطت، دم كثير يعني أن أمي لن تسمع صوتي لأكثر من سنة، شرخ في الجمجمة يعني أن السائق سينسى صنبور الماء مفتوحاً ، وستغرق النباتات التي في المنزل، لأكثر من مرة أخبرتهم أن الأحذية متى ما طال مكثها، فإنها تحقد على صاحبها وتلقي به في متاعب كثيرة، ابتداء بآلام القدم وانتهاء بسقوط مفزع مثل هذا، أنا لا أندم لأني سقطت، أو لأني فقدت سناً من أسناني التي أهتم بتنظيفها كل يوم، أو لذلك الشرخ الذي اعتلى جمجمتي، ما يزعجني هو أني انتقلت من شخص مسالم إلى شخص مستفز حتى للجماد، وهذا يعني أني أحتاج إلى جلسات طويلة مع النفس، كي يخرج في النهاية واحد منا لا أكثر، تعدد الشخصيات شيء سيء حقاً، وهو دليل على إمكانية الإصابة بأكثر من عطل نفسي، ينتهي بي إلى مصحة نفسية، لا بد أن شيئاً آخر حدث في هذا الصباح، أتذكر أن ابن جارنا استنجدني لأن أخرج له كرته العالقة في أغصان الشجرة، لكني كذبت عليه وأخبرته بأن الكيس الذي في يدي، سيفسد بمجرد أن أتركه بضع دقائق معلق في الشمس، أتذكر أن زوجتي حين أمرتني أن أذهب بها إلى زيارة أختها المريضة، تعذرت بأن وقود السيارة انتهى وأن المحطة مغلقة للتعبئة، بمثل هذه الأعذار الواهية جداً، ابتدَأ صباحي، هل يكون لمثل خطأين فقط، كل هذا العقاب، ربما، لابد أن أعرف الآن حسبة كل خطئ ومن ثم قسمته على عدد الإصابات، ثم طرح الباقي كزيادة مني، تبرعاً لأي عابر سبيل سيخرج لي، أحياناً الإصابات لا تقدر بوقعها الحسي والمعنوي، بل تقدر بحجم الحسابات الخاطئة في القناعات والمبادئ، لهذا فإن مجرد التأخير في مدة بقاء الحذاء داخل الرجل، كان كافياً لمثل هذا، مع أني لا زلت أحس بأنه كان من حقه الذهاب بي إلى مرحلة متقدمة من الألم، كأن يجعل في طريقي نتوءاً حاداً من البلاطات التي أمشي عليها كل يوم في مضمار المشي، لأقع مباشرة على وجهي، هكذا كمثل قطعة عجين في طاولة المطبخ، لأجد أنفاً مهشماً، وأسناناً أمامية كاملة قد سقطت، كان رحيماً هذا الحذاء بحق"
    حين أحسست بوعيه، جرَّاء نظراته المستفهمة عن سبب تواجدي، سألته:
    - من أين تُؤكل الكتف؟
    - من حيث ينتهي خط (الهُم) ويبدأ خط (الأنا).
    لا شك أني حين سمعت جوابه، علمت أني لست المجنون الوحيد في هذه المدينة بل هناك الكثير الكثير من هذا الصنف، الذين يترمدون في منافض اللمز، بعد أن تلوكهم الألسن فيذبلون في الوحدة.
    الذين يعبرون، لا يتركون رائحة، ولا حتى لون، كل ما يتركونه شرارة في الذكرى، تخرج كلما أوغلنا في نسيانهم، هكذا هم العابرون أبداً، ولأن الكل يتنكر لحياتهم، فأنا أصر على أن أملأ ليلي بهم، لأن الحياة تستمد منهم ومنهم فقط.
    يستفزني هذا الليل، أصر على أن أطرق رأسه بيدي ألف مرة على الأقل في الليلة الواحدة، اليوم لم أستطع أن أطرقه بيدي سوى مرتين، كنت مشغولاً مع ذاك النحيل، تتأمل ظله أكثر من جسده؛ لأنه لا يحمل سوى مسميات حواس أما الحواس الفعلية بشكلها العام، فهو شيء يشبه، مسرحيات السيناريو الصامت، ترى لكن لا تسمع ولا ترى كما يرى الآخرون في مكان آخر، وجدته يقلب نظره في الأرض، مرة يميناً ومرة شمالاً، حتى إنه لم يهتم بيده التي ضربت مؤخرتي، حين عبرت أمامه، التفت وأنا أراقب تصرفه الغريب، سألته هل تبحث عن شيء؟ تعلق برقبتي، وبدأ يصرخ، لم أفهم كلمة واحدة منه، كان كلامه أشبه بطاحونة للقهوة، في محمصة مكتظة بالنسوة، بالكاد سمعت كلمة (مفتاح)، أريته مباشرة مفتاح صندوق بريدي، استجمع نفَسه، ثم جلس على طرف الرصيف، وأشار لي بيده أن أجلس بالقرب منه، حين جلست، خرج صوته، كخرير لا تسمع مثله في مدينة مثل هذه أبداً، حتماً ستسمع صوتاً أجشاً، أو آخر مبحوحاً، لكن بمثل هذه الحدة الملائكية لن تجد، دخلت مباشرة في تضارب في العقل، قبل قليل لم أسمع من صراخه سوى صوت أشبه بآلة موسيقية قطعت أوتارها وبقي واحد يعالج نشازه المتبلد، والآن صوت يأخذك إلى حيث بيتهفون أو مارسيل خليفة، قال لي بعد أن أمسك بكتفي، حين تسأل أحداً عن مفتاح ضائع، فإنك تخبره بأن يده ليست يد بشر على الإطلاق، بل يد اصطناعية رُكِّبت حين داهمه حادث مروري، ولأن الأغلب لم يحصل لهم حوادث مرورية، فإنك تكون قد تعديت على حياتهم، وهذا ما لا يرضاه أحد، كنت أفتح فمي حتى كاد فكي أن ينكسر من صدمة الدهشة، ما دخل المفتاح باليد، وما دخل اليد بالحوادث وبالأطراف الاصطناعية، لم يتركني أكمل هواجسي، قال:
    " لكل شيء رابط في هذا الحياة، ربما أنت لا تعلم أن رابطك هو أنك مهووس بمتابعة الرسائل، وأن المفتاح يعني لك مباشرة صندوق البريد، أنا بخلافك، المفتاح يذكرني بقفازات كرة القدم، والتي أرتديها دوماً بوصفي حارس مرمى فريق مدينتي التي أنتمي إليها، وحين يضيع المفتاح، وتسأل أحداً عن هذا، فإنه يظن أنك تهزأ منه وتصمه بأنه لا ينتمي للرابط الذي، تعيش ذاكرته وأعماله عليه، حين أخبرتك أنك بمجرد سؤالك عن مفاتيحهم الضائعة، فإن هذا يعني أن أيديهم اصطناعية، لك أن تقول ولماذا التعميم، إذ ليس الناس أجمعهم هم حراس مرمى، هذا لا يحتاج إلى تفسير أو إلى تبريرات، الأمر يتجاوز هذا التعميم، الأمر يشبه كونك في طابور لتفتيش أمني، ثم يؤخرك هذا الشرطي الذي يلبث عند كل سيارة أكثر من ثلاث دقائق، وبمجرد تقدير سريع، فإن أمامك الآن ست سيارات على الأقل، وهذا يعني 18 دقيقة كحد أدنى، ستجمع كل غيظك لترشقه في وجه الشرطي المسكين الذي يؤدي واجباته النظامية كإجراء أمني، حين تصل له لا تترك في قاموسك أي كلمة سيئة إلا وتدسها في تجاويف وجهه المملوءة بالجدري، ينتظر أن تصمت وأنت لا تصمت، وحين تتأكد أنك نافحت عن نفسك جيداً، وأن هجومك سيجعل منك بطلاً يرضي قلوب كل أصحاب السيارات التي ورائك، يجيبك ببرود:
    - ممكن إثباتك لو سمحت؟
    ستتحرك يدك مباشرة إلى جيبك، وأنت تلعن هؤلاء الذين يشبهون الحمير، حتى بعد أن تملأهم بالتقريع، فإنهم يظلون في أماكنهم دون حراك، اللعنة، أين المحفظة، ستتجمد يدك في جيبك، وسينقلب وجهك بدلاً من اللون الأحمر الخاص بوقت الخوف أو الخجل، إلى أسود فاحم يشبه زيت سيارة، نسي صاحبها تغييره لمدة طويلة، سيبتسم لأنه يعرف إجابتك، ويأمرك بأن تنتحي الجانب الأيمن من الشارع وتنتظره حتى يأتي، لست ألفت انتباهك بعد كل هذا المثال إلى قيمة الحرج، أو الموقف التافه الذي وضع السائق نفسه فيه، بل إلى أن الشارع الذي وقف فيه كان مليئاً بالسيارات المخالفة، فهم جميعهم واقفين، لكن مخالفة كل واحد منهم غير الآخر، ولهذا كان من الطبيعي أن أقول أنك حين تسأل شخصاً عن مفتاحه الضائع، فإنك تصفه بأن يده اصطناعية، لابد أن تكون لكل حبة في حياتك، بيدر تضعه فيها، حتى توائم بين كل هذه المتضادات التي تمارسها بكل بلاهة، انتبه مرة أخرى أرجوك، فليسوا جميعاً مثلي، يشرحون كل شيء يمر بهم، انتبه الآن أرجوك" أحسست بصفعة واحدة في أول حديثه، ثم ما زال يصفعني في كل كلمة يقولها، قمت وأنا أحدث نفسي عن كل هذا الجنون من قِبل البشر، لم أكن أسأل كيف يعيش هؤلاء، بل كنت أسأل كيف يمكن لي أن أصل إلى العيش من خلال هذه الأنماط المختلفة من التفكير، لم أعلم وقتها سوى أن يدي قد حركت الكرسي بغضب، مما جعل سيقان الكرسي المعدنية تصدراً صوتاً مزعجاً للغاية، لتتحول أوجه كل رواد المقهى إلي بسحنات مملوءة بالغضب، هذه المرة لم أشر إلى ما أريد كعادتي مع هذا النادل، قلت له بنبرة هادئة:
    - قهوة سوداء دون سكر
    - حاضـ ـ ـ ر
    كان كل حرف يخرج من لسانه أشبه، بجهاز تسجيل فقدت بطارياته شحنها، لم أعر له اهتماماً له إذ كنت مشغولاً بما فيه الكفاية عن مثل هذه التفاهات والتي لا تهمني أبداً، ماذا يعني أن تعيش مختلفاً عن الآخرين، ثم ماذا حقاً لو كنت مثلهم، الأمر سيَّان، مع أن معايشتي لهؤلاء الغرباء واقعهم، تشعرني بأنهم يعتقدون أنهم يمارسون شيئاً مختلفاً عن المجتمع الذين يندمجون معه في كل تفاصيله، الدقيقة منها قبل الكبيرة، أنظر إلى كوب القهوة وأتذكر، أن هذا السواد هو أيضاً يعيش حياة غير حياتنا، إنه يمر أولاً عبر الشفتين، ليرى كيف تبدو من الداخل مفارقة للجمال الذي يكون في الخارج، ثم تتفحص الأسنان المليئة بالتسوس، وربما اقترحت دون صوت أنه يتحتم الذهاب إلى الطبيب بمجرد أن ينتهي من شرب الفنجان، ستقرأ المكتوب على اللهاة، ثم دون أن تشعر تسقط في البلعوم ثم إلى الأمعاء، لتكون قد علمت كل صغيرة وكبيرة في جسم الإنسان، لا أصدق أن كل هذا يمر بنا دون أن يُكتب عنه، أو يقوله الأصدقاء مع أصدقائهم، مرعب كل هذا التهميش للتفاصيل، والمرعب أكثر أن يستمر النظر إلى الشخص المختلف عنهم، على أنه مجنون أو أنه كاذب، وحين تبدأ الفكرة بالتسلل إلى العقل، يصدونها بكلمة خرافة، كل شيء في هذه اللحظة يسوده الركود، سوى همهمات من المقاعد المقاربة لي، ترتفع تارة وتنخفض في أغلب الوقت، أن تكون وحيداً، مصطحباً معك فنجان قهوتك، تقلم أظافر الوقت اللانهائي، تأخذك الهواجس إلى بحار غير نائمة أبداً، تعيد مشاهدك التي مررت عليها، وحين تنتهي تبدأ بالعد تنازلياً من ألف حتى واحد، ثم تأخذ الصحيفة التي لا تحبها وتقرأ، تسقط عينك من كثرة التقليب، تساعدها على الهدوء، بأن تغمض عينيك قليلاً وتنتقل إلى مشاهد أقل فزعاً، كأن ترتحل إلى جزر الهاواي وتتخيل نفسك تتسلق، نخلة جوز هند، أو تقود دراجة بين الطرق هبوطاً من الطريق الجبلي، دون أن تجد أحداً يلمزك بأنك تقود دراجة، والتي هي من العيب في مدينتك، أفكار مثل هذه جيدة لاستعادة انتباهك لتقوم من جديد للبحث عن عناصر أخرى من البشر، تساعدك على مواصلة بحثك عن ذاتك لتكون مختلفاً بدرجة متقدمة جداً، أحياناً هناك أشياء لا تدعك تكمل هدوئك بسلام أبداً، تلفتك دائماً إلى أنك أكثر من تافه حين تشرد عن تفاصيلها، باتجاه تفاصيل أخرى أقل منها، سقطت قارورة السفن أب الزجاجية محدثة بشظياها المدببة فزع الجالسين، كانت جميع الأنظار معلقة على الطاولة التي سقطت من الزجاجة، والتي لم يكن يستقل كرسيها سوى كهل، بذقن مهمل، وأسنان مشوهة بالتبغ، وعصا يحركها في الهواء، كان يصرخ في الجميع، وهو يردد أن مثل هذا العمل ليس سوى واجب على كل من انتهى من شرب هذا المشروب الكاذب، كان يردد بصوت يعلو كلما استمر في الكلام أكثر، وكأن أحداً ما يحرك نبرات صوته، أعلى وأعلى وأعلى، عاد الجميع إلى سكونهم بعد أن نظروا إلي ونظروا إليه، ثم أشاروا إلى السماء كي تحفظهم من شر مجنونين يجلسان بالقرب منهم، استغليت مثل هذا الارتباك، وأخذته إلى طاولتي، بعد أن طلبت له شاياً منعنعاً، عَلَّ فورة غضبه تسكن، أخبرته مباشرة عن الأدوات التي أستخدمها في قص شاربي، ونوع المعجون الذي أستعمله في كل شهرين مرة وتحديداً وقت العصر، حيث يخف دفق الوجبات الرئيسية في مثل هذا الوقت المنتصفي، كان يستمع بكل سكينة، صرت أسرد عليه أشياء دون مقدمات ودون خواتيم، ومع هذا كان جاداً في سماعه لكل هذا ولم أجد منه لحظة شرود واحدة، بل لاحظت عليه تلك العلامات التي أشاهدها في برنامج تلفزيوني، يتناول التربية والتعليم في البلدان النامية، والتي غالباً ما يتفق المستضافون على بكائياتهم وسردهم التراجيدي، فينتظر أحدهم ليضيف الآخر مباشرة، وكأنها أحاديث فضفضة نفسية لا أكثر، هكذا وجدته متأهباً للحديث، قال بصوت واهن:
    " هذا الجيل لا يفقه في صناعة الأشياء شيئاً، هل تصدق أن زجاجة سفن أب تنتهي، هل وصل بهم تقييد حيواتنا حتى هذه الدرجة، أفي كل شيء حد ائتماني، الهاتف، الهاتف النقال، الأطعمة، ال..ال، حتى السفن أب، لماذا وحده البترول من يملك كل هذا الزخم التناسلي، أم لأن لونه يشبه القطط التي تتوالد بالثواني لا بالأيام، حين كنت تفحصت رقم 7 في كلمة (سفن) تعجبت من الانحناء التي تَكَوَّن في آخر الرقم، مثل هذا الانحناء غير مبرر أبداً، الانحناءات التي تكون في الأشياء هي لا تُعَبِّر إلا لمعاني لا تصلح لمشروب مثل هذا، مثلاً الانحناء الذي يصاحب الدائرة هو انحناء مبرر لأن نقطة البدء ونقطة الانتهاء في الرسم واحدة، كذلك الانحناء الذي يصاحب أعلى الأصابع، هو انحناء مشروع، لأنه يفسر نظريات الصعود إلى الجبال ثم السقوط مباشرة في أدنى قعر من هذه الأرض، أما انحناء في مثل هذا المنتج فغير مبرر أبداً، يا ولدي، حين تبدأ بالشرب، لا تنظر إلى وقت فراغك من الكأس، فكر دوماً بكيفية إعادة ملأ الكأس وأنت تشرب، لست أطلب منك أن تضع النادل رهن شربك، كلا المسألة أبعد من هذا، المسألة أنه يجب علينا أن نقوم بمظاهرات تنديدية لمثل هذا العمل الساذج، انتهاء الشيء في عصر المعرفة والتكنولوجيا، يعني أن السوس قد بدأ ينخر في الأشياء الصغيرة أولاً، متربصاً بالأشياء الكبيرة، لذلك تجد أن الأماكن الصغيرة تمتلئ بالناس أكثر من الأماكن الكبيرة، لأن الباب لم يعد يتسع لأحد، وهذا القانون تصالح عليه البرلمانيون، وبعد ذلك كان كل شيء على ما يرام وأن..."
    دفعت فاتورتي بسرعة، وهربت من هذا المجنون الذي تجري الكلمات على فمه دون حواجز مرورية، أو فلترة من نوع ما، الحقيقة أن أجمل ما في كلامه، كلمة "يا ولدي" ذكرتني بعصور قديمة تلك التي كانوا يستخدمون فيها شيئاً حاداً، والذي لم أره إلا في الأفلام، يشبه أسماء بعض الناس، والصدق أنه لو لم يكن يشبه في لفظه أسماء أشخاص، لكان في مهب ذاكرتي، ذاك الذي يدعونه "سيف"، أعاد لي قولهم" أنعمت صباحاً" وتلك الأسماء التي تحتاج إلى ترجمة لترجمتها كـ"صعصة"، ربما هي أكلة شعبية، أو رقصة لخيل ما، فهم يربطون كل شيء بواقع حياتي صِرف، هل حقاً كان العرب سابقاً مجانين، ربطهم كل التفاصيل بأسماء ذواتهم، ربما قوَّى هذا الشك في نفسي، وهذا يجعلني في قمة الراحة، أن ينقلب السحر على الساحر، فهذا كل ما ترجوه النفس، إذاً الجنون صفة فطرية، تنتقل من زمن إلى آخر، وحتى لا نُحَجِّم هذا الأمر، فإنا نقول - بوصفي مكتشف لمثل هذا الأمر فلا بأس من تعظيمي بضمير الجمع- أن الجنون يمكن أن يكون صفة مكتسبة بالمران والتدريب، لا كما يرى الشعراء بأن الشعر إنما هو شيء فطري، يتخلق مع الإنسان وقت قطع مشيمته، هذا يعني أن كل هؤلاء الذين يسيرون على هذه الأرض هم مجانين وأن العقل الذين يدعونه، هو جنون آخر، لكنه جنون سلبي، لا إيجابي كسابقه، الأمور تبدأ بالتعري كلما أصررت على أن يكون لك يد في كل شيء، وبما أن ( كل القضايا سقطت، فإنه لا أكثر من ملامسة التفاصيل، والخفايا) والضرب أسفل الحزام كما يقوله عمي البائس، ليس هناك من مكان تسكن إليه في هذا الليل، وأنت قد أكلت تفاحة النوم خلال وقت النهار بأكمله، إذاً لا بد من العودة إلى المقهى، خصوصاً أن قول النادل:"حاضـ ـ ر، كان مرتبكاً دون سبب، ولعلي أختم به ليلتي هذه، بحديث يجمعنا، سهَّل هذا الحديث أن الزبائن يقلون بعد الثانية عشرة، فيتبقى لنا ساعة كاملة، تكفي لأن أعرف كل شيء عنه، لكن لا بد من التأكد بأن المجنون الأكبر قد رحل، طاولة واحد بعيدة يجلس على كرسيها شاب، يبدو من ملامح وجهه والكتاب الكبير الذي يحمله، بأنه يدرس كيمياء، لأن أولئك الذين يدرسون الكيمياء، تبدو على ملامحهم عوامل الانصهار، والبدء في الذوبان تدرجياً، طلبت فنجانين قهوة، وسط دهشة النادل، إذ لا يوجد على الطاولة سوى أنا وأنا، مع ذلك لم يستفهم عن أي شيء ومضى، حين أحضر طلبي، أمرته بالجلوس ففعل، ابتسم وبادرني:
    "اليوم أحسست وأنا أكتب على المرآة بأن شيئاً ما سيكون على خلاف الأيام الماضية، ولأول مرة منذ مجيئي إلى هنا، تركت عادة الكتابة، وتركت لليوم أن يفسر نفسه، كانت دهشتي كبيرة، حين طلبت فنجان القهوة السوداء بصوتك خلافاً لعادة إشارتك وملامحك الجافة، بعدها علمت أن المساء سيكون مخبئاً لي فرحة كنت أترصد لها منذ زمن بعيد، كنت أقسم بيني وبين نفسي، أن ما بيننا أقرب من أن نشيح عن بعض، وأن يمارس كل واحد منا بلاهة عدم إحساسه بانتماءه للآخر، مرة كتبت في قصاصة لي:
    "هذا العابر والذي يجلس بمجرد الليل وينتهي بمجرد الليل، هو أنا الذي يتحول إلى شخص آخر"، دائماً ما نكون موزعين بشكل ما غير مرئي في آخرين يشبهوننا في كل شيء سوى تفكيرنا، مع هذا فإنا نندمج معهم، غير آبهين بالفرق الذي يفصل تفكيرنا وتفكيرهم، لأن النهاية واحدة، التفاصيل.
    لكل شيء وقته المحدد، متى ما تقدم أو تأخر فإنه يفقد طعمه الأصلي، ويتحول إلى مجرد هامش، غير محسوب من ممارسة الحياة، كنت أتتبع تلك العلامات التي تلوح على قسمات وجهك، أترصد كريختر شعوري كل ردَّات الفعل التي تكون غالباً في العينين والحواجب، كل هؤلاء الذين يتسمرون في هذا المقهى، ليسوا سوى مسامير زائدة في عدد هذه الكراسي، يتركون كل أشيائهم هنا، حتى روائحهم النتنة ينسون أخذها معهم، لأدخل مع الكراسي في سجال تنظيفي مضنٍ، لكن مع كل هذا الكدر، كنت أرى أن انسلاخي الوحيد هو مع هذه التفاصيل التي تملأ المقهى، وجلساتك التي تضفي عليها بصَمتك هالة كارزمية، تجبرني على مراقبتها، متى ما تسنى لي هذا"
    المتعة ليست أن ترى ما تفعل، المتعة أن ترى نفسك في عيون الآخرين، بحيث تشعر أنك تمارس كل دهشتهم، وكأنك تخلع حذاءك أو ترتدي ثوبك، ولأزيد من ذبذبته، أخذت أنظر في ملامحه، وخصوصاً في أنفه، حين تنظر في أنف شخص ما، فإنك تفقده توازنه، ظل ينظر لي ببرود وهذا ما كنت أتمناه منه، كي أضمن من أنه يصلح لي، وخصوصاً أن كلماته التي سربها، لم يكن فيها مدح أو ذم، كان مجرد استهواء جعله يفكر أكثر من مرة في صياغته إلى تفكير ومن ثم إلى قناعات مسبقة، ما زلت أكرر بحثي لهؤلاء الذين يخطون في هذه الحياة، نقاطاً تسير حياتهم فيها عكس التيار، لتكون لكل منهم جنته الخاصة، التي لا يمكن لأحد أن يشاركه فيها، إلا أولئك الذين يفهمون معنى أن تكون حياتك وفق معاييرك أنت لا معايير الآخرين، من هنا صرت أسأله أسئلة متواصلة، ما إن يخبرني بإجابته حتى أنتقل لسؤال آخر، وهكذا، حتى إذا ما انتهت بي أسئلتي عدت وسألته عن السؤال نفسه طالباً منه أن تكون الإجابة مختلفة هذه المرة، حتى الآن لم أشاهد أحداً يتلاعب بالألفاظ مثله، نظرت في عينيه مباشرة وسألت محاولاً إرباكه:
    - منذ متى وأنت تموت؟
    - الموت شيء، والسؤال عن الوقت شيء آخر، حين تفهم معنى الموت فإنك تعلم، أن الوقت لا دخل له في مثل هذا المفهوم.
    - ومتى يكون للوقت فائدة؟
    - حين يكون لك القدرة على الاندماج في أكثر من زمن.
    - أليس الزمن وقتاً؟
    - ترادف في معنى، لكن تباين في النتيجة.
    - لن أحرص على أن أفهم، ما هو الفهم؟
    - أن تنظر إلى القهوة باعتبارها إنساناً متخثراً.
    - وما التخثر؟
    - النائمون في يقظتهم القصوى.
    - هل أنت شاعر؟
    - لست آلة على الأقل.
    - أكره الإجابات المختصر، متى ستعطيني إجابة وافية؟
    - السؤال فخ، والفخ تمويه، والتمويه تسلسل غير منتهي من الاضطرابات الشعورية، بعدها لا يكون سوى كلمات قليلة، قادرة على استحضار ردة الفعل المناسبة للجواب.
    - ما الفهم إذاً كإجابة مختلفة عن سابقها؟
    - أن تعيد السؤال وتنتظر إجابة أخرى، يعني أن تعيش ذات الحياة وتتطلع إلى نتائج مختلفة.
    - هل تقرأ؟
    - نعم، الغبار، الكراسي، الحقائب، المطارات، السيارات، تبدو كافية لأن أفلسف كل شيء على مزاجي.
    - هل تريد أن تضيف شيئاً على ما قلت سابقاً؟
    - حين تسأل، لا تفكر في السؤال الذي يسبق الإجابة، فكر بالإجابة التي سبقت السؤال، كل جواب هو سؤال لجواب آخر.
    - هل تعلم أني أكرهك الآن؟
    - ربما هو عارض سيزول عما قريب.
    - أتستهزئ؟
    - الاستهزاء نوع من وفاء الآدمي للببغاء.
    أعترف أني تعبت من كلماتك، وأن كل ما مر علي من مشاهد وأحداث، ليست بوقع أجوبتك المخيفة والتي تترسب الآن في عقلي الباطن، ستتحمل أي نتيجة تنعكس سلباً على حياتي، أقسم أني أتمنى أني لم أكن قابلتك، الحياة تكون ممتعة ما لم تقابل أولئك الذين يفصدون أوردتك، ثم يخبروك أن لون دمك لم يكن رائعاً بالدرجة الكافية، وأن الشريان الأيسر كان من المفترض أن يزيد لون اخضراره خارج الجلد، ثم في الأخير، يمضون حتى دون أن يرفعوا قبعاتهم إلى أعلى وينصرفون، كم هي تافهة حياتنا أمام هؤلاء، إنهم يعرون ذواتنا أمامنا، ليخبرونا في النهاية أن علينا، أن نحفر قبورنا وننتظر الموت بدل هذا العيش الزائد، طفقت أتابع خطواته وهو يبتعد مبتسماً، يجمع الأغطية، والعلب الفارغة، والأكواب، ثم يبدأ بمسح الطاولات، يلح علي السؤال، شخص مثل هذا، كيف يمكنه حصر كل الحياة في كلمات قليلة، هل حقاً تلبس التفاصيل، تصنع من الإنسان شخصاً خرافياً على الأقل في ذاته، وفيمن يحسون بنشوة مثل هذه الأعمال، السؤال طُعم السؤال، والصنارة لا تخرج لسانها المسموم، كي تصطاد إجابة كافية، فيبقى الفِكر مشغولاً حتى أوان الإجابة، هل علي أن أبدأ الآن بطرق رأسي على هذه الطاولة، حتى أرى الدم أحمراً قانياً، ومن ثم داكناً أكثر، حتى درجة التخثر، بعدها أحمل رأسي إلى المنزل، أو يحملني الآخرون إلى المستشفى"


    بذر الريح

    أخاف المطر كثيراً..كثيراً يا أبي..
    وربما يصل الخوف إلى درجة الكراهية، حين تمطر السماء، يكون للفتيات صدور رحبة عند آبائهم، حتى إذا ما ابتلوا، كانت أيدي الآباء مناشف تتجفف بلل أجسادهن، أما أنا يا أبي، فلا أحد يجفف بلل قلبي، بلل دمعي، بلل جسدي، حياتي كلها بلل، و لا أحد يعرف كيف يجف هذا البلل، مرة كنت أقرأ في كتاب لك تحبه وجدتك قد وضعت خطاً تحت هذه العبارة:
    " حين تبتل أوراقنا، نبكي، وحين تبتل معاطفنا نضحك، لكنا لا ندري ما نفعل حين تبتل غرفتنا الوحيدة"
    هذا أنا لست أدري أي شيء أفعله في هذا الفراغ، يئست تماماً من مجيئك أو الاستدلال عليك، لكن ما زلت أحبك يا أبت.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000
    الفصل الرابع


    جلباب والدي كان فضفاضاً حين أتيت، لم تكن باستطاعة الريح أن تقشر جلدي، كنت أمارس اللعب معها دون أن أُخدَش، حتى الأتربة والتي غالباً ما تمطرني بحرارة ذرَّاتها، كانت مجرد عارض ما يلبث أن يزول، دون أن يترك في وجهي نتوءاته القبيحة، مع هذا كنت أعلم أن أبي لم يكن سوى محطة لأداء دور أولي، ومن ثم أنتقل إلى وضعية أخرى، غير هذه الحياة التي أمارسها بمحدودية، الطبيعة حدس، وأبناء الطبيعة قلَّ أن يخطئ حدسهم، كان من السيئ أن أعيش دوماً معلقاً في ساعد أبي الأيمن، حتى وإن كان أبناء القبيلة كلهم مثلي، إلا أن استمرار هذا الشيء، يتحول من متعة الأمان، إلى الشعور بفقد الثقة بالنفس، حيواتنا حين تتحول من النشأة المطلقة، إلى تقييد الملاذ، فإنها ببساطة تفقد الحصة الرئيسية من متعة الأنا الوجودية، مع هذا ظللت على ما أنا عليه أنتظر ما يخبئه القدر في خَرْجه، أبي لم يعد يكلمني، كان كثيراً ما يبكي، ويبكي أيضاً بلون أخضر، يتحول هذا الدمع مرة بعد أخرى، ما شاهدته كان أخضراً، يشبه ورق أشجار جارنا الكهل، وحين يأخذه البكاء إلى مبلغ مفزع، يبدأ بهرش ساعده حتى يخرج منه دم أبيض لزج بكثافة متوسطة، لم أكن أقترب منه حين أشعر أنه وصل إلى هذه المرحلة من الحزن، ولم أجرؤ أن أسأله عن سبب ما يفعله بنفسه، في الليلة الماضية، أحسست وأنا نائم بيد تتلمس وجهي بهدوء، لم أفتح عيني مباشرة، تناومت، ثم فتحتها قليلاً، بحيث لا يشعر بي المقابل، كم كانت مفاجأة حين رأيته، لم يكن أحد سواه، كان أبي لكن هذه المرة دمعه ودمه يذرفان، وحين اختلطت على كفه لونا النزيف، خفت عليه، لكني أكملت تظاهري بالنوم، وطفقت أنظر إلى وجهه وكفه، كان يهتز كما تفعل الأغصان حين العاصفة، كنت أرى الخوف في عينيه، وبعد مجهود ومحاولات كثيرة، قبلني في جبيني وقام، أحسست بعدها أن للصباح رائحة ستكون مختلفة بعد هذا المساء، تركت عيناي تجوسان المكان، ثم أغمضتها بقوة محاولة أن أنام ولامناص، اندلعت وساوسي، هل تراه سيموت، أم أنه كره مكثي الطويل فاضطر إلى السفر بعيداً عني، لكن كيف له أن يفصلني منه، أم أن للآباء طُرقاً يستطيعون بها فصل أبنائهم، دون عمليات فصل السيامية الجديدة، أحسست بألم حاد يتغلغل في جزء رأسي الأخير، فجأة وجدتني في لجة الشمس صباحاً، دون أن أشعر أني نمت، أو فقدت الوعي، كان كل شيء قد تغير، وجدت أبي مربوطاً بحبال كثيرة، رأيت عليه ألواناً طباشيرية بعلامات وحروف لم أفهمها، رأيت أني كنت في حبل أقصر من والدي، لكن دون علامات، حاولت أن أبكي، لكن كل شيء رحل، حتى خفقات قلبي تلك التي كان الهواء يتسلى بسماع دقاتها ساعات الوحدة، كانت قد انطفأت، شعرت أن جسدي بارد، وأن أطرافي قد تنمَلَّت تماماً، هل مُتّ، هل هذا هو الموت الذي أخبروني عنه، هل هذه الدوائر السوداء هي ذات الدوائر التي تأتي أوقات النزع، شيء مرعب أن تكون أنت بكل تفاصيلك، لكن في برزخ آخر وواقع لست ممارساً له، دون انتماء هكذا تجد نفسك، مسربلاً بكل الهلاميات التي تشبه خيالات الجدَّات، والكهنة، استفزتني تصلبات شرايين أبي، خشيت أن تكون ميتته أقسى من ميتتي الهادئة، حاولت أن أتحرك، لكن دون فائدة، حينها سلمت للأمر الواقع، وتركت نفسي تتأمل منظر الموت، سابقاً كنت أظن أن الموت رجل أسود، بمنجل متعرج الأسنان بلون فضي يبرق كلما تحرك في يده، لكن أن يكون لطيفاً إلى هذا الحد فهذا ما لم أتوقعه أبداً، لكن لماذا لم يخبروني سابقاً أنه هكذا، تركوني أسير موصولة عنقي بحبل من الخوف، كم هو جميل هذا الموت، وخصوصاً بهذه الرائحة التي لم أشم مثلها أبداً، أحسست فجأة أني أنتقل من مكاني، ثم أتعلق في الهواء، ومن ثم وجدتني داخل صفيح معدني بلون صدئ، بدأت أنظر يمنة ويسرة، بدأت أميز غرباء بملابس مغايرة لمرتادي هذه المناطق، كانوا جميعاً من ذوي السحنات المختلفة، تلك التي تراها أحياناً في تجمعات سنوية، تحمل مخيمات، لكن أن أراها بالقرب هذا، فشيء لم أتوقعه أبداً، كانت أيديهم تفك حبالنا، أحدهم بشارب أشقر، ويد خشنة، جذب الحبل الملتف على جسدي بسرعة وفظاظة، مما جعلني أعرف مسبقاً أنه قد غُصِب لمثل هذه المهمة، لكن حاجة ما كانت تستدعي مشاركاته، لذا لم أحقد عليه، حين علمت أنهم حطّابون من نوع مختلف، ربما كان حضارياً أكثر من أولئك الحطابين الذي يفجرون أدمغتنا بفؤوسهم، علمت وقتها لماذا كان أبي يبكي، ويهرش ساعده، وكم كانت خيبة ظني كبيرة، حينما علمت أن الموت لم يكن قد حضر بعد، وكم تمنيت أن يحضر ولو بأي وصف، وبأي بشاعة، سيكون حتماً أقل من منظر كهذا، سمعت بعد زمن أصواتهم القذرة، بدأت حواسي تستعيد نشاطها من جديد، وأن ما حصل ليس سوى أنَّا فقدنا التربة التي كانت تجمع جذورنا الممتدة حتى مسافات طويلة، لم أنتبه أني قد انفصلت عن أبي، وأن آثار المنشار الحديدي قد اجتث جنبي الأيمن، بدأت أصرخ بصوت عالي وأنا أتقلب من مكان نحو آخر، وأبي يكتفي بأن يشيح عني، كي لا يشعر بحجم القهر الذي حل به، بعد أن كانت شجرتنا يضرب بها المثل في الظل، كان البشر إخواناً لنا، يعلقون على أكفنا قِرَبهم وأسلحتهم، لكن أن يتعرضوا لحياتنا، فهذا ما لم يكن في حسباني مطلقاً، لعنة الأشجار أنها لا تموت، بل تنتقل من حياة نحو أخرى، حسب ما يقترح هؤلاء القتلة، وأسوأ حياة هي أن تغدو رماداً، بعد أن تكون مجرد دفئ لليلة شاتية، تزدحم أكفهم على احتراقك، دون أن تبتل وجنة أحدهم بدمعة رأفة، أبي كان يقول:" لا تهتم لهؤلاء، يبيعك أحدهم، لمجرد حفنة دراهم"، كنت أستغرب حقد أبي، لكني الآن أعلم أنه كان رحيماً في طلق الوصف معهم، أشعر بكمد وأنا اصطدم من جانب إلى جانب، محدثاً هذا الصفيح في رأسي شروخاً، ليس لأحد أن يضمد جراحها، كنت أتتبع نظرات أبي التي تتشبث بالفراغ، لم أظفر حتى بنظرة أتبين منها شعوره، كان السطح الذي تسير عليه هذه الناقلة وعر للغاية، نسيت خلال كل هذا السفر أن أنظر إلى ما حولي من أماكن لم أرها من قبل، دوماً حين تكون الفجيعة مفاجأة، ينسى كل ما سواها، حتى ولو كانت هذه الفجيعة على سطح القمر، الفضول لا يتحرك إلا إذا استرخت الأعصاب تماماً، كنا قد بدأنا الارتفاع قليلاً نحو الأعلى، مما جعلنا نتحرك نحو مؤخرة الناقلة، تتراكم أجسادنا فوق بعض، بدأت أفقد توازني مرة أخرى، وأشعر أني أخذت أدخل في ذات الدوائر السوداء، لكن بزيادات أخرى، ارتفعت كثيراً، ثم بدأت أتدرج بسرعة على سطح الهواء حتى ارتطمت على الأرض، فقدت وعيي مدة غير قصيرة، لأجدني في ظلام دامس، تلفني الحلكة من كل مكان، وكأنها قد خرجت من جسدي، كان الليل مخيفاً كما لم أعهده من قبل، صرخت منادياً أبي، صرخت ثانية، ثالثة، المرة الألف، وصوتي يرتد إلي مرة بعد أخرى، علمت وقتها كم هي الوحدة شاقة، خصوصاً إذا كانت هذه الوحدة غير مبررة أبداً، توسدت الحصاة التي كنت أطفو بدمي عليها، وبدأت استرسل في النوم، الخلائط دوماً تمنحك شعوراً في تصنيف الأمور، حين بدأت أدخل في الدوائر السوداء،توقعت أني حطابين آخرين يأخذوني من حطاب، الشمس لم تكن قد أشرقت بعد، لكن حجاب الصباح كان قد نشر أزقة الضياء في المدى أزرقاً غامقاً، كأنه خليط التربة التي اندمجت بها يوماً، أثار في المنظر شجوناً، وبدأت أتذكر أنه كان لي أب، وقبيلة، وسلالة متوارثة، تمتد بوجود هذا الإنسان، بل هي سابقة له، سمعت في البعيد حداء لرجال بأفواه عذبة، تلمست الأمان من خلالهم، مع أني كنت للتو خارجاً من لعنات متتالية لهذا الصنف من المخلوقات، بدا الصوت بالتقدم، وكأنه يستعد ليفجأني بأنه قد وقف على جسدي،وتهم يداه بأخذي، كنت أرى خطواتهم تمتد في هذه الأرض المتوالية الاتصال، كنت قد ثملت بأصواتهم التي تتلون في هذا الأفق كما يتلون هذا الخط الشفيف من شمس الصباح الأولى، لا أدري لماذا أحببتهم، وتمنيت لو تلقفتني يد أحدهم، ولو ليجعلني مسنداً ليده في السيارة، كانوا يتقدمون بخطواتهم وأنا أتقدم في أمنياتي، لم أعد أفكر بأبي الذي فقدته، ربما تكون هذه الحياة الجديدة مهما كانت قاسية، أجمل من أن تتعلق بجلباب أبيك زائداً دون فائدة، كانوا خمسة حين جاؤوا ووقفوا علي، أخذني أحدهم بيده، وساعده أحدهم على حملي، ثم بدؤوا يقلبونني بين أكفهم، وهم يتعجبون من نوع الشجرة التي انفصلت عنها، ولم يظفر واحد منهم بالاسم الذي سماني إياه جدي، ولم أخبرهم حتماً به، فهمت من همهماتهم أن نوعية خشبي فاخرة، ولم أتمكن من تداخل الأصوات ما إذا قرروا شيئاً يفعلونه بي، أخذوني معهم، حتى وصلنا إلى سيارة أحدهم، والذي تبدو من هيئته بأنه صاحب حس فني رائع، ولمسة يدوية فاخرة، لفني بقطعة من القماش منتهٍ بخيط غليظ يربط في نهاية القماش، أشبه بالكيس، دخلت في عتمة جديدة، ومضى على هذا عدة أيام دون أن أفتح عيني على غير هذه العتمة، بعدها استيقظت على يده، وهو يضعني على منضدة بنية اللون، تبدو من هيئتها أنها فخمة وغالية القيمة، أخذ مجهراً وبدء يتفحص جسدي ويستخدم يدي في تفحصه للنتوءات أو التجاويف التي تسكنني، أخذ منفضة وبدأ يمسح عني الغبار، ثم أخذ قطعة إسفنجية وبدأ يغمسها في محلول، ثم يدهن بها سطحي، استغرقت منه هذه العملية قرابة الساعتين، ثم بدأ يقشر أطرافي، بعدها شعرت أني بدأت أغيب عن الوعي جرَّاء الرائحة التي تبخرت من المحلول، كان كل شيء قد انتهى من المرحلة الأولى، جسدي عار من كل شيء، بدأ يضيف كمية المحلول، ثم طفق ينقش على سطحي، نقوشات كثيرة متداخلة، وبحرفية بالغة انتهى من النقش بعد أربع ساعات متواصلة، ظللت عدة أسابيع وأنا معلق بطرف شرفة، أتلمس فؤاد الشمس وهي تغمس يدها فيَّ، وأنتهي في الليل وهو يسقط علي كسف الهم والوحدة، في الأماكن التي تنعدم من المخلوقات، وهي ما يسمى بالمعامل، وليست أية معامل بل تلك التي تكون خاصة، وليس لأي أحد أن يدخلها، هناك يكون لكل نَفَس طعم الموت ربما كان هذا هو الموت الذي أخبرني عنه أبي، لكن هل يمكن أن يكون للموت مراحل بطيئة ومتسلسلة، لا أظن، فقط كنت أنتظر وأنتظر، أعُد كم يجب علي أن أفقد كي أتدرج في تنصلي من هذا الوقت المتوقف، بعدها دخل علي رجل ملثم، غير الأول، أخذني وذهب بي إلى مكان فسيح يتجمع فيه رجال كثيرون، وسط آلات مختلفة وبأحجام مخيفة، كانوا جميعاً بأكمام طويلة، وبعضهم قد شمَّر عن ساعده، الكل هنا بسحنة واحدة، كمامات، قفازات، بزة زرقاء، كنت أنتقل من آلة إلى آلة ومن يد إلى يد إلى أن وصلت لرجل دقيق الملامح، نحيل الجسم، بارز الوجنتين، أخذني وبدأ يقسم أطرافي إلى أجزاء، خلال يومين كاملين، ظل يقيس أطوالي، ثم يقصها، في اليوم الثالث وجدت جسدي قد تجمع بأربعة أرجل، ومسندة ظهر مجوفة، علقت علي ورقة كتب عليها" خاص بالسيد أحمد"، علمت فيما بعد أن اسمي كرسي، لم تكن هذه التسمية تروق لي، لأن حرف الكاف والذي رأيته وهو يكتب على زجاجة بمادة بنية، تسمى كافين والتي سمعت أنها تجعل من شاربها يقظاً، أكثر من المدة المقررة لجسده، لكن التسميات دائماً ما تكون دون أخذ آرائنا، وإن كنا نحن الذي سنعتاش على هذا الاسم بقية عمرنا، وضعوني أمام الرجل الأول الذي أخذني بسيارته من الغابة، كان في أقصى درجات ابتسامته، كنت أحس بنشوة انتصاره وهو يلمس ساعدي وأرجلي ووجهي الذي بدا مجوفاً بشكل لا أرضاه لنفسي، ظل يمدح نوعية خشبي، ويردد اسم " أحمد "، وأنني سأكون هدية مختلفة عن بقية الهدايا التي قدمها الأصدقاء لأحمد، لست أعرف أحمد، ولا مناسبة الهدايا التي يتكلمون عنها، حاولت جاهداً أو قل مجبوراً على مثل هذه الحياة الجديدة، حسناً لا بأس أن ينتهي بي وضعي كرسياً في غرفة، في لجنة تحكيم، في بهو استقبال لأحد الفنادق، لكن هل سأختار الذين سيجلسون علي أم لا، مقزز أن أجعل لقذر لم يغسل جسده لأكثر من أسبوع أن يجلس علي، أو لعامل بناء أسلمه التعب إلى جذعي، مثل هذا يجعلني أموت عشرين مرة في اليوم، الآن أقسم أن الموت يأتي في صورة رائحة كريهة ليأخذني، حملني أحدهم ووضعني في سيارة كبيرة، وقد ربط أرجلي في إلى الأعمدة البيضاء الصغيرة التي تستقر في صندوق السيارة الخلفي، لأول مرة أرى الشارع، راعني جمال اللون الأسود في الإسفلت، أحسست بأن الوحيد الذي يستفيد من مذاق الإسفلت هو هذه الإطارات التي تلعقه في اليوم الواحد كثيراً، ومن دون أن تفقد طعمه الأول، كل شيء يتمتع بحياته الخاصة، لكن حياة واحدة لمثل هذه الأشياء، أجمل من حيواتنا جميعاً، أحسست بطعم الحرمان الذي كنت أقاسيه في الغابة معلقاً بساعد أبي، الآن باستطاعتي أن أغوي حسناء للجلوس علي، أو وجيه للاستمتاع براحتي، الآن أستطيع أن أعيش في الليل دون خوف، كم هي جميلة هذه المدينة، أرتال الحديد الذي يسير، الكثافات البشرية التي تتكدس داخل الباصات أو السيارات أو على الشارع، أدهشتني اللوحات وتسمياتها الغريبة، كم أتمنى أن يتركوا لي حرية تفحصها جميعاً، فقط لأعلمهم كم يجنون على الحروف حين يخلطونها مع بعض، ثم يزجون بها في قالب كلمة أو جملة، دون أن يكون للمعنى نصيب من التفكير، أشياء غريبة مثل" ملحمة الأناقة، مشغل قوت القلوب للخياطة النسائية...الخ"، تسميات مثل هذه تسبب لك الغثيان من شدة تناقضها، دخلنا شوارع كثيرة، وأزقة أكثر، أعجبتني فكرة الإشارات المرورية، لكن لا أدري لماذا اختاروا هذه الأوان الثلاثة(أصفر، أحمر، أخضر)، هل يدل الأخضر دوماً على إمكانية الشيء، الربيع أخضر ممتد، لكنه لا يسمح لك أن تمر أمامه هكذا دون أن تأخذ منه شيئاً، الأحمر أيضاً لا يدل على المنع المطلق، حتى الأصفر المسكين قلبوه من جماله الحيوي إلى مرحلة في المنتصف متذبذبة، الكل يخاف من هذا اللون، لأنه الدقيقة الفاصلة بين أن تسجن أو لا، حركة عيونهم وهي تتحرك في كل الاتجاهات، شتات فضولهم، الفضول ليس بدرجة واحدة في هذه المدينة، الأب له فضول خاص به، وكذا الأم، والراصد فقط، يهتم بجانب الفضول عند كل واحد منهم، لا أدري أي قدرة يملكها البشر في متابعة كل ما يجري على سطح هذه الأرض بأسرها، بينما أنا بالكاد أستطيع التركيز على ما أشاهده في هذه البقعة الصغيرة من المدينة الكبيرة، من الدولة، من العالم، من الكون، يا لعجب البشر، يبحثون حتى عن ما لا يعلمون ولن يعلموه، مخافة ألا يعلموه، أخيراً أوقفوني عند مكان مكتظ بالناس، أقبل إلى السيارة رجل مربوع القامة، بسحنة مائلة إلى الهدوء، تشرب منها ملامحها بسهولة، دون أن تغص بأنفه مثلاً أو بجبهته العريضة، صافح صاحب السيارة، وتحدث معه عدة دقائق، ثم فك وثاقي وأخذني وهو يحملني كما يحمل طفله الأول، كنت مرعوباً من المكان الذي سأقدم عليه، أحسست بأن هذا المكان سيكون محطتي الأخيرة، لذا حاولت أن أحفظ المكان بأسرع وقت ممكن، كي أُوَطِّن نفسي عليه، أخذت صورة سريعة على محتويات المقهى من الخارج، لكن ما إن دخلت حتى وقفت شرايين جسدي من كمية البكاء الخارجة من الجدران وأطراف السقف، كانت أصواتاً جنائزية، أكثر من كونها نواحاً، رأيت ابنة عمي، وعمتي، وابن عمي، وابن أخ زوج خالتي، كانت أطرافهم ممزقة، وقد ألصقت بخازوق مدبب، حاد، يسمونه المسمار، كانت يد النادل تأخذني إلى مكان مظلم، سرعان ما تكشفت تفاصيله حين أدار مفتاح الإضاءة، فبان في وسط الغرفة المكتظة باللوحات الفنية، مكتب أسود من المعدن الفخم، وبسطح زجاجي شفاف، يقبع خلفه كرسي من الجلد الأسود، عن يمين المكتب كانت توجد طاولة بطول مرتفع نوعاً ما وبعرض أقل منه بكثير، وكأنها مكان لوضع التحف عليه أو تلك التي يضعون عليها "الفازات"، في مقابل هذه الطاولة وضعني، فبدت أطوالنا متوافقة لحد كبير، وكأنا توائم من فرط تشابه اللون والنوعية، فكرت لوهلة أن هذا أبي، لكن لو كان هو لبدأني بالتحية، حين هممت أن أتكلم، همس لي بالسكوت، وأنه يحسن لمن هو جديد مثلي أن يتأدب بآداب التحية، لأن لكل مكان عاداته وتقاليده، وأي خرق لهذا النظام هو تعد على شرعية المكان، من هنا نشأت النفرة، ولم أعد أهتم بوجوده، مع كثرة ما يثرثر علي هذا المسن الخشبي، راق لي هدوء المكان، وخصوصاً تلك اللوحات السريالية التي تشعرني بالكثير من الطمأنينة، لأني بدأت أحلل كل لوحة بتحاليل نفسية، أربطها مرة بهذه الطاولة المسنة، أو بالنادل، بعد أكثر من ثلاثة أيام لا أدري تحديداً في أي وقت، سمعت ضجة في المقهى، وأصوات خطوات سريعة، جاء النادل وفي يده مقشة، وأخذ ينظف الغبار العالق على ملابسنا وأقدامنا وشعورنا الشعثة التي طالت من فرط الإهمال، بعد ربع ساعة دخل رجل بملبس أنيق ورائحة عطر ساحر، مصحوباً باثنين يبدو من هيئة أحدهما أنه مدير أعماله والآخر يبدو حارساً شخصياً أو ربما سائقاً، نظر إلي الرجل الأنيق وابتسامة لا تغادر محياه، بعد أن ثنى ثوبه جلس علي، وأخرج هاتفه النقال، وهاتف أحدهم وشكره على جمال الهدية، وأنه تمنى أن يكون عنده مثل هذا الكرسي منذ أعوام عديدة، وقتها عرفت أن هذا هو " أحمد" الذي كتبوا الورقة في المصنع وعلقوها علي، كان دمثاً في التعامل معي، خصوصاً وأن رائحة عطره كانت نفاذة مما جعلها تعلق بجلدي أياماً كثيرة، علمت أيضاً أنني الكرسي الشخصي للسيد أحمد، وأن له طقوساً معينة في التعامل من أشياءه الخاصة، مما جعلني أمني نفسي بحياة مرفهة ووقت ممتع، خرج بعدها السيد " أحمد"، تبعه وصيفاه ومن ثم النادل الذي كان يرقبني بحرص شديد، أقبل النادل وأطفئ الإضاءة ومضى، كنت أفكر في أقربائي الذين سمعتهم يبكون، هل هذا يعني أني محظوظ بتواجدي هنا، وأنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباتوا في قبضة مسمار لا يرحم، سبب لي هذا الشعور كآبة رهيبة ، وأنا أشعر بحجم التضاد في العائلة الواحدة، قضيت ليلتها بين تفكيري بما أنا عليه وما هم عليه، تذكرت أبي، لكني ما لبثت أن ابتسمت لأني أعرف عناده وصبره، وأنه لا يبكي، البكاء ليس الدموع ضرورة، البكاء هو التضاد بين الفعل والترك، لا أتذكر أني نمت طويلاً، النوم في مكان كهذا يشبه النزول من الدور الثالث عشر إلى الطابق الأرضي، عبر شرفة معلقة في الهواء، دخل النادل مسرعاً وتوقف عندي مباشرة، مسح على شعري، وقال:
    " من اليوم سيكون اسمك أدهم، وستكون صديقي، سأخبرك بكل شيء، وسأطلب مساعدتك في كل شيء، ستقترح علي لون حذائي، وستحل لي مشكلة شعري الذي يتقصف، لا تدري أي بركة أنت حين أتيت، بالأمس أعطاني صاحب المقهى، والذي يدعى أحمد، علاوة مالية، لأنك أبهجته كثيراً، منذ زمن وأنا وحيد هنا، وحيد بأقصى معنى يمكن أن تتصور، يقولون أن الإنسان كان يوماً شجرة، لذا فإني سأفهمك حتماً وأنت تحكي لي، ولن أجد أي صعوبة في التعامل معك، بل على العكس سيكون هذا محرضاً الجذر الوراثي على الخروج بعد كل هذه القوقعة، كل هؤلاء الذين تراهم أمامك من معدات، وأرائك، وجدران، وإضاءات قد تكلمت معها، واندمجنا سوية روحاً وجسداً، مع هذا شعرت نفسي وحيداً، الوحدة هي أن تشعر بالانفراد، رغم امتلائك بالآخرين حد القيء، ولهذا مذ رأيتك وأنا أمني نفسي بأن تقبل صداقتي وتصطفيني من بين كل هذه الأشياء، لنعيش حياة مستقلة، بعيدة عن هؤلاء الأموات، سأعلمك كيف تصنع القهوة من حاسة الشم، سأجعلك تفرق بين القهوة البرازيلية والقهوة الفرنسية، ستعرف ما هو البندق وما هي القرفة، ستلمس بيدك قطع الكعك، وستتذوق خلطتي السرية في صنع المثلجات الباردة والتي يحبها الأطفال خاصة، سنعشق الحياة سوية، ونترك ما سواها لحينه، سأحدثك عن المجنون وعن الكهل، وعن العابرين الذين تتزلزل الأرض حين تَكَلُمِهم، لا بد أنك الآن قد مللت الحديث عن هؤلاء وتريد معرفتي أنا، لن أخبرك يا صديقي، كل شيء هنا يحكى بطريق المخاطب لا بطريق الأنا، سأحدثك عن النوم ربما:
    "متأخراً حين يبدأ كل شيء يكتسب ضوء الله، أبدأ بكتابة القصاصات التي تكونت خلاياها عبر مشاهد اليوم، أتطلع إلى الجدار وأبدأ أصلب عليه كل ما مر بي من مشاهد وأحوال، الجدار هو الشاهد الذي تأسن الحكايا على كتفه دون أن يمل أو يتكدر، الجدار تاريخ أفقده التهميش صيغته الأصلية، حين صنعت الكاميرا، كانوا يظنون أن حبس الظل الذي تقوم به هو أول اختراع من نوعه في هذا المجال التقني، وغفلوا أن الجدار كان عبر كل التاريخ، الكاميرا التي لا تنسى المشاهد أبداً، لكن استنطاق هذا الجدار هو الجزء الأصعب من تأريخه، أبث أجزاء المشاهد عليه، وأرى انعكاس ظلها على الجدار، من الظِل أتبين عدد الخطوات التي يمكنني أن أقوم بها بعد كل حادثة، أحتاج إلى كثير من التركيز كي أخرج من كل قصة بوفرة معرفية وتجربية جديدة، كل هذا ليس قاصراً على تنمية الجانب العقلي فيَّ، لكنه أيضاً الطاقة الجسمية التي أسير بها، حين أضع كل ما يلوب في رأسي على هذا الجدار، فإني بذلك تخلصت من جميع الأعباء التي يمكن لها ن تسبب لي الأرق أو الصداع، وبهذا تبدأ العين بالتخلص من توترها، ليسري الاسترخاء في جميع أجزاء البدن، أدخل بعد كل هذا في المرحلة الفاصلة بين الصحو والنوم، تلك التي تكون أشبه بالنشوة، أو الإحساس بصعود الروح لتستقر في أحد طبقات الهواء، في هذه المرحلة تحديداً، تكون ابتسامة كبيرة قد ارتسمت على وجهي، لأدخل في مرحلة العفو العام، لن أجد غضاضة أن أُقَبِّل الشاب الذي هرب دون أن يدفع حسابه الخاص، لا بأس أن أشتري هدية وأعطيها الشرطي الذي حرر لي غرامة مالية، لأني سمحت لبعض الزبائن أن يقفوا في طرف الرصيف دون أن أمنعهم من ذلك، سأغفر للقط الذي حرك ساعد الحامل المعدني لتسقط المزهرية وتنكسر، حتى السجناء والذين لم يشملهم عفو عام، أصدرت حكماً بأن يطلق سراحهم، بشرط أن يرتدعوا عما عملوه، بعدها أنظم شوارع المدينة، أخبرهم أن الشوارع هي أول ما يقع عليه نظر الإنسان فور صحوه من النوم، وأن أي خلل في تنظيم الشوارع يعني إعادة الإنسان إلى كوابيس لم تأته في منامه، فيصبح متخبطاً في مرحلة اللاإدراك، مثل هذه الأشياء وإن بدت تافهة، فإنها تأتيني على هيئة هلامية، أشبه بالنبوءات أو الاصطفاء الذهني، عبر كل هذه التحولات أكون قد استغرقت تماماً في النوم، أثناء نومي لا يمكن لك أن تتنبأ بما إذا كان هذا القابع أمامك قد مات أو توقف نفسه، من شدة الاسترخاء الذي أبدو عليه، كثيراً ما يظلم الناس النوم، حين يغلقون عيونهم ويطلبون منه أن يغرقوا مباشرة فيه، وكأن دوره يأتي جبرياً دون إلهام منه، تذكر أنك حين تجعل للنوم قيمة روحية، فإنه يتحول من كائن طلبي إلى كائن ذاتي، ينبع من أقصى درجات روحك رضى"





    بذر الريح

    نقتات على الحلم، ونترك بواقيه في جيوبنا ساعة الكآبة، كل الطرق باتت مقطوعة الأطراف، منقوصة الأرصفة، تتلاقفني رجوم الشياطين، أعد أصابع الخوف من المجهول واحداً واحداً، وفي كل مرة ينبت إصبع جديد لم أكن قد تهيأت له، تكاثرت الأظافر علي، فمن كثر الدماء، لم أعد اهتم بهذا السائل القاني،
    مجدولة روحي على أجنحة العنقاء، وابتهالات الأساطير، تلمساً لدرب يؤدي إليك أو نسيم يدلني عليك، كل شيء مستحيل، هكذا يقول الهواء، وهو يُحكم علي قبضة النفَس، لأختنق في كل ساعة مرة أو مرتين، ولا هم يشعرون، هل ترى عيناك فترت يا أبي، هل زاد مد النمش على وجهك، هل تباطأت أقدامك فلم تقو على السير إلا بعكازة صدئة، تعروني الذكرى فأتشرنق في خُدَّاج الألم، بالأمس بكيت طويلاً، للحد الذي خشيت علي صديقتي كثيراً، جاءتني صديقتي وأرتني دفترها الخاص، وهي تكتب عليه دم قلبها، بينما كنت أقلبه إذ وقعت عيناي على هذه الجملة:
    " تخيل! كل أمنياتي أن أصلح لك شاياً بالنعناع، وأغسل الكوب بعد أن تنتهي! أشياء بمثل هذا الصغر في خفة عبورها، مع ذلك استحالتها توجع!" يا لله يا أبي..
    إني أطلب أقل من هذا، هذا زائد على من هي بمثل حالتي، لا أريد سوى أن أراك ولو للحظة واحدة..
    فقط أريد أن أراك.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    !
    الردود
    163

    Wink ??

    إمممم ايه ياعم حالم مو ناوي تكمل ؟؟

    قلت لك لاتتأخر علينا بالاجزاااء أنا متاابعه
    ((بسرعه قبل يبرد كوب الكابتشينو))
    تحياتي
    (((,,,,,,)))

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000
    الفصل الخامس


    حتى لو فقدت فردة حذائي فإني سأكمل السير، ربما لأنني أشعر أني أسير وسط ضباب قاتم، أحس عبره بكل من حولي، لكن دون أن يشعر بي أحد، شيء مخيف أن أشعر بهذا بعد كل هذه السنوات التي قضيتها متنقلاً بين المدن، أحمل لوحاتي وأقلام الرصاص التي أرسم بها غالباً، أنني كنت غائباً في دواخل كل هؤلاء الذين أتخالط بهم، صرت أحس في الفترة الأخيرة بأني موجود وغير موجود، لست خائفاً من الشك، أبداً، الشك أول باب اليقين، لكن المدهش، هو تلك القتامة التي تظهر حين أسير، أكاد أحدس أن كل من أمر بهم لا يشعرون بي أبداً، هذا لا يعني انتفاء حضوري الحسي، أو اختفاءه وسط هالة سحرية، كلا الأمر يتجاوز هذا كثيراً، إنه الغياب وسط الحضور، الحضور الذي يشبه عدم الانتباه إلى طرف الأريكة ذا اللون المغاير للقماش الموضوع عليها، هل علي أن أقول الآن لنفسي بعد كل هذه الأيام التي أقضيها في هذا المقهى المتوغل في الذاكرة، بأنني لم أكن حاضراً حتى على الأقل في عقل هذا النادل الذي أتتبع كل خطوة يخطوها، وأرصد انفعالاته النفسية، هو والزبائن الذين تحيا أرواحهم على تربة هذه الأكواب من القهوة المرة، أتفحص الآن ما إذا كنت حقاً في المكان ذاته، دون أن يلتبس علي التواجد المكاني والزماني، أربعة أواني فخارية كبيرة، تتصعد نباتات خضراء إلى أعلى، طاولتان عن يميني مباشرة، كوب قهوة على صفحة الكوب الجانبية آثار لقهوة منسكبة، أنا الآن هنا لا أشك في هذا وإلا فماذا يفسر لي وصفي لهذه الأشياء، هذا الأحمق الذي ينظر إلي وكأنه ينظر إلى فراغ، الغيمة التي أصبحت أقرب إلى اليد منها إلى السماء، والتي تبدو مكتظة بسكانها من المطر، إلا أنها وكعادة مدينتي، تفيض شكلاً، لكن دون أن تتكبد عناء السقوط لأي مضمون كان، أحتاج لبعض الهدوء، حسناً أتدرب الآن على أخذ نَفَس عميق أخرج بعده إلى وضعي الطبيعي، صوت هذا النادل:قااااادم، يغرس في الروح رماح تلك الندبات التي تنبت في أحشاء الذاكرة ليوم مضى، اليوم الأول الذي حملت فيه لوحتي الأولى لأرسم، هذه السلسلة اللامتناهية من التشابك الذي توزعه ذاكرتنا الواحدة على لحظة واحدة أيضاً، هو مصدر الرعب الذي يتأجج في هذا الفرد/الوهن على خطوات اليوم المتواصلة، كان علي أن أكون، فقط أن أكون، وبعدها لأترك للأيام أن تقرير مصيري، كنت أقاوم كي أظفر منه بالسماح لي أن أرسم، وأن أخرج من هذا الظِل، أتذكر تماماً تقطيبات وجهه، وأنا أخبره بقراري، والتنهدات التي كان يطلقها، كناية عن تخييب أمله، كابن كان المفترض أن يحمي إرث والده المهني، كقائم في مؤسسته، لم ينبس ببنت شفة، أشار إلي أن أذهب، وهذا يعني أنه سيناديني فيما بعد، مضيت وأكوام من الكآبة تحتل كل أجزاء صدري المنقبض، كنت أمسك في غرفتي بموس، وأكشط به الجدار، محدثاً صوتاً مزعجاً، لا يكاد يحتمل، إلا أنه كان علي أن أزعج نفسي بأي شكل كان، المهم ألا تنهشني الوساوس التي تتنبأ برفض والدي، ناداني بصوت أقرب إلى الفحيح، صرخت دون أن أشعر قااااادم، تعثرت بالدرجتين الأخيرتين، لأقوم من جديد، وهو يبتسم، ويمد لي يده، ويعلمني أنه أن هكذا أرادني دوماً، فقط أن أكون. هذا النادل أصبح يشكل حياتي، ويربطني بأناي أكثر مني أنا ذاتي، أحتاج إلى الكثير..الكثير، كي أكون وفياً معه في داخلي، الأصدقاء ليسوا هم الغائرون في الحضور اليومي، الأصدقاء هم أولئك الذين تحرك رياح أرواحهم بوصلة أرواحنا دوماً، حتى ولو لم تكن هناك معرفة أصلاً، تختلط أوراقي، بين ذات تتمزق في الشك، وبين يقين خاضع لدلالات هذا النادل، الذي ترافقني صورة وجهه بمختلف مراحل انفعالاته الداخلية، في كل مكان أسير فيه. اللوحة ذاكرتنا حين لا تتواصل ذاكرة الأفراد مع بعضها، من هنا انطلقت أرسم الأوجه والأوجه فقط، حين أرسم وجهاً ما، فإني أقرأ روح المرسوم، ربما حللت له مشكلة، أو ساعدته في شراء حاجيات المنزل، اتصال تام بالعالم الداخلي للإنسان، حتى وإن كان هذا الرسم من الخيال، فهو ولابد يرجع إلى صورة حقيقية لروح ما، لكن هذا لا يعني سهولة هذا الأمر من الناحية النفسية، أبداً، أتذكر جيداً ذلك اليوم، الذي دخلت فيه معهد الفنون، تحديداً في المرسم، حيث فاجئي وبمجرد دخولي المكان الذي تتناثر فيه ألواح الرسم، ويدأب الرسامون على صياغة أعمالهم، صوت ذاك الثلاثيني الذي كان يصرخ في وجه فتاة تمسك بفرشاة أمام وجه لم تكتمل ملامحه بعد، انطلقت مباشرة ودون شعور مني كي أنقذها، ولو من نظرات زملائها الباقين، أشار لي أن أبتعد، ثم أقبل علي، قال وهو يمسك كتفي، وبصوت عال:
    " حين ترسم وجهاً فإنك تحظى بامتلاكه، لكن حين تخطئ، فإنك تنتقل إلى مرحلة الإضرار بالشخص المرسوم، لأنه لا يرضى أن يشوهه أحد، حتى ولو أضاف الرسام لمحة جمال لا يستحقها، الأوجه هي العناوين الوحيدة لأي أحد، ولا تصل رسالة ما، والعنوان خاطئ، بزيادة أو بنقص، كلا الحالتين، هي تجني لا مبرر له، بل يستحق التأنيب والندم من بعد ذلك"، كانت كلماته تتردد في فراغ صدري كلما هممت بأن أرسم وجهاً تصوغه عيناي أو تصوغه الذاكرة، أو المخيلة، الرسم تماهٍ تام مع الروح المتصلة في الجانب الورقي، أحس بطقس غريب وأنا أرسم، ربما مخافة أن أخطئ، لكنه شعور أقرب إلى الاندماج مع الذات، لي أن أسميها تصوف فني، وبدرجات الصدق في رسم الملامح، يكون تأثير الصور على المشاهد، مع هذا فإن أحداً لم يحس بي منذ عبوري هنا في هذا المقهى، سوى تلك المعارض التي أقوم بها من حين لآخر، والتي غالباً ما تكون متباعدة بشكل كبير، أقسى ما يمكن أن تبلغه روحك تلك القسوة وأنت تدرك أنك وحدك من يفكر بك، ومن سواك هم في منأى تام عنك، بحيث يصبح غُدوك ورواحك مجرد زيادة، غير محببة للأرصفة المنثورة في جدب هذه المدينة. هذه الطفلة التي يرعى الهواء شعرها، فينثره على وجهها لتعيده من جديد، وهو يمارس معه لعبة مناورة جذلة، يمكن لي من هذه الطفلة أن أستعيدني، وأبدأ من جديد بجمع شتاتي الذي ذهب مع رماد السجائر، وبقايا القهوة في الأكواب البيضاء، الأكواخ لم تكن لتخرج من البراويز التي تملأ هذا المقهى من جميع الجهات، الأبواب موصدة، والطَرْق أمنية لم تزل معلقة الانتظار، استمالة الثرثرة تدعوني لأن أهرش الذاكرة، أود لو استعدت على الملأ ما عايشته من جلل مع هذا النادل المجنون، حركات أصابعه تستحق جائزة أوسكار لوحدها، لا بأس إن انضم إليها شيء آخر، إتقانه للغة جسده، فمه حين يتكلم، كل هذه حكايات أخذت مني تفكيري، من أول يوم ولجت فيه قدماي عتبات هذا المقهى الذابل دونه، لم تتدحرج أكوام ذكرياته، إلا في اليوم الذي أريته أول لوحة رسمتها لوجهه، كان يتطلع بخوف، بدأ يتحسس منطقة فمه، كنت أقرأ في أصابعه إرادة نتوء خارج من شفتيه، ليتأكد إن كان هو، حين هممت بأن أتكلم، ضمني إلى صدره، لم أكن أقوى على الكلام،كان كل شيء في حضرة الصمت أكثر منطقية، وفصاحة من الكلام، مرر بأصابعه من جديد على أهدابه، يكتفي بابتسامة لذيذة، تنتهي بأصابعه المرتعشة، ليبدل مواقعها من جديد حتى انتهى من وجهه كله، كنت أحاول فك رموز أصابعه، كان لكل أصبع تاريخ مع اللمس، لأول مرة علمت أن للأصابع لغة، أسأل ببراءة، هل هو أول من علم هذه اللغة، سألته إن كان يعني بوضعية كل أصبع حين اللمس، شيئاً محدد، أو معنى مختلف، قال بعد أن وضع الخرقة المتسخة على فخذه:
    " لن أبجل أبي، كلا ولن أسرد تفاصيلي، كبطل، سأخبرك فقط، ولك أن تفسر ما أقوله على أي وجه للقرش المعدني، إلا أني لم أرد بها سوى الجواب، ولا شيء آخر، كان أبي يستدعينا كل يوم بعد صلاة العشاء، يتفحص أصابعنا، يتأكد من كون جميع الأظافر قد قلمت، وأن الأوساخ لم تمد يدها عليها، كان يقرب وجهه من وجه كل واحد منا، ويخبره ما يفعل بأصابعه، حين يصل دوري بعد ثلاثة إخوة، يقرب وجهه بشكل مرعب، وكأنه سينهش أنفي، كنت أحس بأنفاسه حارة، ونفسه بطيئ، يهمس لي: ستحتاج إلى أصابعك يوماً من الأيام، الأصابع يا بني لا تخون، فقط استمع لما تقوله لك، تذكر أن الإبهام هو مكان التوازن حين يفجأك أي شيء، منه تنطلق إلى أي ذكرى، اجعل فيه كل ما تريد، كل ما يرهقك، بكل هذا التناقض، ستجد الحل دائماً في الإبهام، فقط تحتاج أن تضغطه على بطن راحتك، لتجد كل شيء قد تعرى أمامك، الإبهام هو سرك، وإياك أن تبوح بأسرارك حتى للأصابع الثانية، انسى أمر السبابة، لا تهتم بهذا الأصبع أبداً، كل ما تستطيع فعله بهذا الأصبع هو الإشارة إلى شخص ما، وأخبرتك منذ الصغر أن الإشارة إلى أحد ما هو إهانة للذات قبل أي أحد آخر، لذا تذكر أنه نقطة الضعف دوماً، ومنه تكشف ما تخبئه في الإبهام، لذا حاذر، اعلم بني أنه ما كل ما جاور شيئاً اكتسب صفات السابق له، الأصبع الوسطى هي جسر التأكد لأي أمر أنت مقدم عليه، منه تسري طمأنينتك متى ما قدمته بين يدي أمرك، يكفي أن تجعله مقرفصاً بعض الشيء ثم اتخذ بعده وضعية إغماض عينيك، بعده لتسر قدماً، فدربك ورد، هذه الثلاثة هي مواطن الروح المتصلة، لا ينفك جدوى أحدهما إلا بتواطئ مع الآخر، حتى من دون أن تعلم، أما التوأمين الأخيرين، فهما انعكاس مخيلتك البصرية، الكثير ينسى ما يشاهد، هنا ستشاهد كل ما رأيته، فقط أجعل أحدهم فوق الآخر، كن تلميذاً لهذين الإصبعين، المشاهد يا بني لا تنتهي، ومن يتنكر لمشهد واحد، تتنكر له المشاهد أجمع، البنصر مكان استقبال الضوء، ومن ثم تقسيمه إلى خلايا تتجه إلى المخ، بعد ذلك يتكون خيالك، ستكون الدهشة قائمة، لقدرتك على تفكيك الألوان، ستجد أن لكل لون وحدات كثيرة لا يعرفها الناس، احتفظ بهذه الوحدات لنفسك، لأن الناس سيصمونك بالجنون بمجرد أن تحكي أن هناك ألوان لا يشاهدونها، حين تريد دمج أي لون مع آخر، لترى فاعلية الاندماج، اضغط بإبهامك ظهر البنصر، وسترى إن كان هذا المزج صحيحاً أو مناقضاً لذوقك، التكامل بين الروحي والمحسوس يولد مثل هذا الشعور الحي، بالبنصر يمكنك عمل الكثير، لن تحتاج إلى رأي زوجتك أو أحد معارفك في اختيار لون الستائر، أو خلفية اللوحات التي تنوي أن يرسمها أحد لك، سيكون كل شيء مبهر بمجرد أن تضع يدك عليه، تحتاج إلى هدوء فقط، ومن بعد تشرع في عملك بسرعة وإنجاز كبير، ستواجه صعوبات كثيرة مع الخنصر، لأنه المحرك الآخر للبصريات التي تراها في كل حياتك، في الفقرة الثانية من الخنصر هناك نبض استشعار، يستطيع أن يربط بين ما كان موجوداً وغير موجود، لن يضيع لك شيء بعد ذلك، كل الأشياء ستكون مسيطرة من قِبَلك، ببطء اقبض خنصرك نحو باطن كفك، وستجد كل شيء أمامك يمر عبر ذاكرتك، كل الأشياء التي هي مقاربة للشيء الذي تريده، وبدقائق معدودة تجد أنك عرفت أين تختبئ الأشياء أو المواعيد، حاول أن تستخدم هذا الأصبع في الأخيرة خصوصاً، تذكر أن من يفقد مواعيده، يفقد ثقته بذاته، ومن ثم بالآخرين، وهم بنفس الشعور، حين نفقد أشياءنا بسهولة جراء إفراطنا في تنظيم أمكانها المخصصة لها، فإن تناسينا لمواقع تواجدها، جزء من الانتحار البطيء لنا ومن دون أن ندري، ولأن هذا الوجود ليس سوى منظومة متكاملة، فإن كل شيء حين يفقد مكانه الطبيعي، ويدخل بعد ذلك في دائرة النسيان، فإنه يثأر لنفسه، ويبدأ بخلخلتنا من الداخل، شيئاً فشيئاً، هذا الخنصر والذي يعتبره الناس مجرد تكميل لجمال الكف، هو الخيط السري للتصالح مع موجودات الحياة بكل أنواعها، الحياة يا بني أكثر من مدهشة ما إن تعرفنا على خواصها، وما يحمل كل جزء فيها من خصائص وامتيازات، بهذا تغدو مثالياً.
    رغماً عنك ستُشدَه لمثل هذا التفكيك لكل أصبع، هذا شيء من أشياء كثيرة علمنا إياه والدي، أحب الرسم كثيراً، أجلس مع صديقي أدهم، الكرسي الوفي، ونبدأ بتناول الحديث عن الرسم، نحب كل شيء هو خارج عن المألوف، الفن المتجاوز، ذلك الذي يتحول من مجرد جماد محسوس إلى روح تتأجج في الداخل، مفجرة في صدورنا الكثير من مترابطات الحياة، كنت أراقبك حين تمسك بقلمك الرصاص وتبدأ بتحديد الأجفان، أحاول الارتفاع، كي أتلتقط كل أجزاء يدك وهي تصنع مثل هذه الأوجه، من وجهي إلى وجه المجنون إلى ذاك العجوز الذي يتوكأ عجزه قبل عصاه الخشبية ذات اليد المعقوفة، كنت أشعر بكل ما تعانيه وأنت ترسم، خصوصاً حين تصل إلى وضع الحواجب، كنت أرى العرق وهو يكاد يغسل الورقة، وأنت تعالجه بسرعة بمسحه بمنديل فاتر، أتسائل كثيراً، ماذا لو علم المرسوم بهذا الرسم، أي شيء سيكون عليه أمره، بعد هذا الظِل المقسوم من وجهه، لأجد أني لم أكن أتسائل سوى عن نفسي، لأجد وجهي الآن أمامي، ودون أن أحس بأي شعور كنته بعد أن رأيته مرسوماً بلون حيادي، لكن خوفي من عملي أكثر من خوفك من رسمك، حين أغلط في صنع قهوة أو أي مشروب، فإن شاربه، سيكون رهن عملي، برشفة يكون قد بلغ المستشفى القريب، مستقراً في بطن السرير الأبيض، وبرشفة يكون قد بلغ النشوة من المذاق، مع ذلك فإني كثيراً ما أحب عملك، وإن كنت لا أطمح لأن أكون كذلك، الرسم يعني الوحدة، أن أكون رهن التفاصيل المتاحة للرسم، لكن بانفصال تام عن الواقع الموازي لهذه التفاصيل، النادل هو جزء من التفاصيل، لكن بتفاعل تام مع ما حوله، ولهذا تجدني الوحيد الذي يعمل في هذا المكان، طالما نافحت كي أبقى وحيداً هنا، لأن أي نادل آخر سيأتي، سيفسد علي كل شيء، بدءاً بأرضية المقهى والتي تعودت على الطريقة الهادئة في التنظيف، إلى اللوحة التي أنفض عن وجهها الغبار بمنفضة ريشية، حتى أنا أتوقع أصاب بالكثير من المتاعب، بمجرد أن يتغير النظام الذي كنت أسير عليه، مثل هذا يشبه تعود الجسد على السير في رصيف ما، فجأة وبعد عشرين سنة من السير في نفس المكان، يسقط في حفرة حتى دون أن يحسب حسابات لمثل هذه المفاجأة، هل جربت استعادة الوقت، سمعت في صغري أن ما مضى يذهب ولا يعود أبداً، هنا فقط بمجرد أن أنظر إلى الساعة تتوالد الدقائق، أرى ما كنت أعمله قبل سنة، وما عملته أمس، وما عملته ذات ظهيرة قاتمة مليئة بالغبار، لا أستعيده ذكرى فقط، بل ممارسة جسدية، أحس بها الأشخاص الذين كنت معهم، وربما حادثتهم، كنت أستغرب صمتهم، صمتهم المخيف، وجلوسهم على الكراسي، حتى دون أن أستطيع مطالبتهم بطلب شيء أو الانصراف، كنت أراني جالساً على الكرسي المرتفع أتطلع إلى الجدران، أفتش في ثنايا الأرقام على الساعة الحائطية ما إذا كان هناك تأريخ ضائع، أو يوم مفقود، كل شيء معطل، الآلة، يداي، يكفيني أن أتمتع بخاصية الرجوع، حتى ولو لم أكن قادراً على التعامل التام مع ما كان، أليس كافياً أن ترى كل شيء وكأنك تنظر إلى شريط (فيديو)، الحياة هنا غنية، لكن الوقت قليل، الوقت لا يكفي لأن أعيش كل التفاصيل، هذا النيون الكبير التي تخرج منه يافطة المقهى، بإضاءته العالية من بعيد، الهادئة كلما اقتربت من المقهى، القاف في كلمة (مقهى)، انظر كيف تبدو الدائرة خاصتها، أليست تشبه غضبنا، أنظر كيف يتكلم ذاك الرجل في الطاولة الثالثة على يميننا، إنه يكرر ذات الألفاظ التي يقولها،دون أن يشعر، لا يعلم أنه كرر كلمة(غبي) عشر مرات، هكذا دائرة القاف، ليست دائرة تامة، فيكون التكرار دائماً، بل هي دائرة في مكان معين، مما يجعل التكرار غير كبير جداً، الألف المقصورة في آخر الكلمة تذكرني بالضياع، حين تستوي أطراف الأمور، لتبقى للحلول أمكنة المنتصف، تدور في فراغها، دون أن يكون لها جدوى الخروج من المتاهة، أرأيت كيف يرتبط حرف القاف مع الألف المقصورة، وارتباط الغضب مع الضياع، الحروف ليست في رسمها ونقاطها، بل في بعدها الفلسفي، وتواصلها التام مع المضمون المعنوي، هل سألت مرة نفسك لماذا يحب الناس اللون البني في الخشب، حتى أولئك الذين يحبون اللون البني لم يعرفوا سوى أنهم يميلون إلى هذا اللون، دون أن تكون لهم رؤية بما يحبون، هل رأيت أحداً يحب اللون البني إذا تقشر، أبداً، لأنهم وبكل بساطة لم يرتبطوا من الداخل بهذا اللون، ومن ثم يرضوا بكل متغير يطرأ عليه، الناس يعلمون أن أرواحهم تتبدل وتتقشر طلاءات نفسياتهم، أشد مما يكون عليه الخشب إذا تقشر، مع هذا فإنهم يغفرون لأنفسهم هذا دون أن يغفروا للخشب مثل هذه العملية الطبيعية، اللون البني هو الجزء الخفي من ذواتنا، هذا اللون القاتم، بمواربته، أنظر إليه في النور الخافت، لن تجده سوى لون أسود، دون معنى خاص أو صفة ذاتية، انظر إليه في إضاءة صارخة، ستجد أنه فقد لونه الأصلي وبات يتقلب في الأعين المختلفة، ستجد أن كل إضاءة تعمل على خصائصه بصفة مختلفة عن الصفة السابقة له، هكذا نحن، لكن دون أن نقلب ذواتنا في إضاءات الصدق، والمحاسبة الجادة، اللون البني هو نحن إذ نخفي أنفسنا عن نحن، ولذلك ما إن يتقشر هذا اللون، ويتبين لنا المعدن الأصلي، المتغير بفعل المؤثر الطبيعي، نهجره، ونبحث عن لون أكثر قدرة على إخفاء العيوب، وأكثر دربة على ارتداء الأقنعة، هنا على العكس أنظر إلى اللون البني في المقهى كصفة حميدة، لأن كمال الإنسان ليس سوى نقص في مكان آخر، أنظر إلى نقصي في هذا اللون كمرآة لداخلي، ومن ثم أمسح الندوب التي تتكون بعوامل الحياة بسياقها الطبيعي، متى ما حاولنا إصلاح ذواتنا في ظرف إنساني ملح، فإن هذا النقص المتكرر هو الكمال الذي ينشده الناس أجمع، فقط حينما تعتنق ذاتك عقيدة، وتسمو بروحك عن كل ما حولك من قوالب جاهزة وأحكام مسبقة، فإنك تكون ملاكاً في دنيا الآلة، هي فقط مجاوزة ما هو مألوف وتحويره إلى كائن مقدس، تتعامل معه على وفق ذاتك الدائبة في الخروج من سلك عقدهم المنفرط، هل رأيت أيديهم وهي تسرع في إدخال الظروف الملونة، بأحجامها المختلفة، اقرأ كيف تكون أوجههم وهم يضعون قلوبهم بكل ما فيها، في هذا الصندوق الأصفر أو الأزرق المقارب له، هنا أب يضع دم قلبه ليطمئن على زوجته التي تركها قبل أن تضع ابنه البكر، هناك عامل يستوصي أهله بالمال القليل الذي دسه في ثنايا الرسالة، أن يقتصدوا في صرفهم كي لا يزيدوا عناءه عناء أكبر، ماذا لو تركنا هذا الصندوق الحديدي يتكلم، ماذا عساه يحكي عنه، أيتكلم عن هذا العراء، وتعرضه لكل الطقوس في هذه المدينة، التي تكتنفها الطقوس الأربع في يوم واحد، هل يقول، أن اللون الأصفر لا يناسبه، وأن القفل المعدني خانق للغاية، ولا يسمح له بالتمتع بالنظر جيداً في أوجه المرسلين، بأي شيء ينطق والسيارات المجاورة في الشارع العام لا تترك له فرصة النعاس، فضلاً عن التفكير بالنوم، أم ينتقل بالحديث عن مضمون الرسائل التي تلقى في جعبته، المشروع المليء بالمال، كاتلوجات السفر والسياحة والأماكن المضمخة باللون الأخضر وبهرجة الماء بكل أشكال مصباته، ومناطق تواجده، رسائل التهديد، الاتفاق على جريمة ما، رسائل الحب، حياة كاملة لو نطق بها هذا الصندوق الصغير، لكشف خبايا هذه المدينة من أقصى سر لها حتى آخر سر، هل من هنا تنطلق يداك فترسم، أم تراها مجرد حرفة امتهنت حراكها، فصرت كالمضطر إلى المواصلة، لا أحب أن أسأل، أكره السؤال، إنه كنافذة تطل على شارع خلفي مملوء بالعلب الصدأة ، والأغطية المخرومة، والقمامات العطنة، بأكياسها السوداء، كفم هذه المدينة، إلا أني أحس بالحاجة إلى أن أسمع صوت يدك وهي تتكلم ببطء، وكأنها رجل واثق، يضع رِجلاً فوق رجله الأخرى، على أريكة فاخرة، كل شيء معد له ليتكلم، ويأخذ الإسهاب طريقه في الكلام، لأن الكل يلتقط الكلمات بتشهٍ واهتمام، لا تتصور أي شيء يصيبني وأنا أنكث رمل ذاكرة أخرى، حين نمضي بزورق صادق في بحر ذاكرة الآخرين، فإن شِباك عقلنا الباطن يتلقف كل اللآليء، كل ما يمكن أن يفيدنا ذات يوم،وحين تنعدم الحيلة في المقبل من الأيام، تنبجس هذه البواطن، كضماد يسقط على جرح مريض في أول النزف، ثرثرت كثيراً يا صديقي، لكن عليك أن تضاعف هذه الثرثرة من قبلك"
    هل حقاً باستطاعة أعضائنا أن تتكلم، أنت مخيف، وأكثر من مخيف، مذ بدأت تتكلم عن الأصابع وأنت تخضعني لعوامل المنطقة الفاصلة بين أن تبلغ الفهم وألا تفهم، إلا أن إرادتك ليدي أن تتكلم، تمحو جميع ما سبق، لأني حتماً لم أستدع مثل هذا الشعور من قبل، أعرف أني أمارس الرسم بإيمان، ومن تصور تام لما أريده، ومعايشة لكل نبض يخرج من باطن الورقة، لكن لأستمع أنا وأنت للكائن الذي يسكن لوحاتي، من هو، لونه، لغته، مبدأه:
    " كهذه السماء، التقطت من كل شيء ذرة، وكونت ذاتي دون أي شيء، خلقتني الطبيعة بكل أصنافها، ثم انتلقت إلى طور الآلة، والمصنوعات، اقترفت جريمة استنساخ الذوات في ذاتي، لم أُمنح مِنة لأحد، ولا أنكر فضل أحد، هكذا يمكن أبدأ، دون أن أصنف كمتواضع أو متكبر، لأن كل شيء يدخل حيز التفسير، يظل في الذهنية أكثر تقلصاً، وينكمش كلما حاول هذا المُفَسَّر أن يخرج من قمقمه، لهذا أتركني هلامياً، أترك للغير أن يصنفني، ويشرق هو بهذه التسمية، لكني لن أسمي نفسي، ربما كنت يوماً ابن الطبيعة، وأحياناً كنت ابناً للآلة، والصنَّاع، إلا أني في النهاية فنان، ولا شيء أكثر وصفاً من هذا، لا لون لي، لن أكذب، الألوان خداع البصر، وإلا فاللون هو عمى، نحن لا نرى اللون، نحن نرى رسم اللون، لك أن تجرب في قطعة لوح، عدة أصباغ، حاول أن تدحرج الصبغ ككرة مهملة، يركلها صبي يتعلم المشي، انظر وقت فراغك من التلطيخ إلى اللوحة، صدقني لن تجد سوى الشكل المرسوم في ذهنك، الرسم الأقرب إلى الذاكرة، الرسم المتولد من انفعالات، سأعطيك تجربة أسهل، ارسم خطاً بلون، ثم ائته حال انتهائك، وانظر تفسيرك له، ثم ائته بنفسية أخرى، كرر هذا أكثر من مرة، ستجد أن النتائج مختلفة، ودون أن تشعر، نحن تحكمنا انفعالات اللحظة، لذا فإن اتفاقنا على لون هو كذبة، ستقول هذا أصفر، نعم هو كذلك، لكن هل درجته وقت سعادتك مثل وقت غضبك، حتماً، ألم أخبرك أن التسمية مأزق، فقط ولأننا لا نقدر أن نقول هذا ليس أصفر، حتى لا يتهمنا الناس بأنا مجانين، فإنا نقول أن هذا اللون أصفر، لغتي هي لغة الشجر، لغتي هي لغة كل شيء، تتكسر الأسماء على ذات واحدة، لكن في النهاية هم مجمعون حال الترجمة على معنى واحد، هكذا أريدني في نفسي وفي أعين الآخرين، لكن هذا التعريف لن يمر دون أثر، لن أعبر هكذا، وجيبي مغرق بالفراغ، أو أن التفت إلى الخلف، وأجد أن الأوجه كسراب، يتراءى دون أن تتواجد دِلاءه، يحسبني الرسام دوماً، مجرد اتصال لذاكرة واحدة، وأن الخيال، أو المشهد البصري هو القادر على خلقي، لا أظن هذا دقيقاً، بل لأكن أكثر جرأة، لقول إن هذا خاطئ، ظِلي هو مجموع الظِلال لكل شيء مر ولم يمر، حتى الخيال، أحياناً كثيراً غير قادر على الظِل المنسكب على الورقة، مشكلاً رسماً مدهشاً أو مخيفاً، أو بأي نمط كان، مبدأي الفوضى، وحدها الفوضى من تمنح الفن حريته، إنها تذكر ذواتنا الجامدة بالطين، هذا القطعة الرجراجة من خواص مختلفة، ومواد معقد للغاية، هذا التراب اللدن، حين يتحول بحسب منسوب الماء، إلى قطع مخيفة في التلون، الفوضى هي قطف الثمرة حتى من الغبار، أن نأخذ من كل شيء، حتى بقايا الأظافر تلك التي يستقذرها الناس، يمكن أن تكون يوماً قطعة فنية، يتنافس الناس على اقتنائها مسألة الروح الوثابة، الروح التي تصنع كل شيء بإذن رغبتها، حين أنظر إلى هذا المخلوق الورقي كان أو أي كائن معد للرسم عليه، هذا اللون الخائف، اللون الذي بلا ذاكرة وبلا ترقب، ألم أقل أنه لا لون لي، اللون هو فقد للذاكرة، ارتجافة ملامحه، وتأكدي دوماً من استقامة ملامحه، كي أمر بكل سهولة، وتمضي أشكالي دون أن تعتريها عوائق تكف انسياب هذا المخلوق المرسوم، مع ذلك فإنه يأبى أن يرمش بعينه، هولاً من هذا السادي المتجبر، الرسم هو نوع من الغزو الذي نمارسه، دون أن ترف أعيننا لفظاعة مثل هذه العمليات، أستمع كثيراً للورق، لا يئن، الورق صلب، حتى ولو بدت فرائصه ترتعد، كل شكواه هو أنا لا نهيئه لأن تمارس عليه الأشياء، ليكون أكثر قابلية للظهور بمظهر لائق، لماذا أكثر أعمالنا تصنف على أنها نشاز، ومجرد فراغات معبئة، كجلد مملوء ببثور،لا تدري أيها يظهر أكثر، تداخل ساذج، حين نعرف كيف نداعب الورقة، كيف نضع في فمها قمح البدء، ثم بعدة طرقات أولى، يسمح لنا الدخول بعدها إلى هذا العالم الواسع، العالم المتفضل بكل هذه الدهشة، ماذا لو أغلق كل ما يكتب أو يرسم عليه، ماذا نصنع من دون ذاكرة كهذه، هل سيكون هناك عقائد، أم هل ستكون هناك حياة، شيء مخيف يجره مثل هذا الجحود، غير وارد على الإطلاق في ذهنية كل من يمارس لعبة الفن المكتوب، وبعد كل هذا نجد أن هذا الضحية يكتفي بانكماشات بسطية، نقيم الدنيا عليه ولا نقعدها، لأن الحق معنا فقط، لنأخذ ذواتنا على وجه المحاكمة، أليست تمارس علينا الكثير من الأوامر، والتي لا يمكن لنا حيالها سوى الاستجابة، بكل رضا، أليست الحياة كلها قائمة على الطلب والرد، فلماذا إذاً تطبق أشياء دون أشياء، وتقام اعتبارات لكرامات دون أخرى، حتام نمضي ونحن نرى كل ما يمر بنا، على أنه مجرد خدمة لنا، لكن دون أن ننزل يوماً ونخدمه، ابتسامة واحدة ولو كاذبة كافية، لأن أنسجم تماماً مع مكان الرسم، لكل شيء طبيعته الخاصة في تناول الرسم، لنبدأ بالورقة، هذا المخلوق الفضفاض، بعباءته القصيرة جداً، دوماً ما يكون محكماً في قبضتنا، خصلاته الجامحة، ملامحه الصلبة، تقطيبه الدائم، كل ما تحتاجه هو مس لا لمس، على جميع أطراف جسده، ثم فقط انتظر بعد ذلك كل ما تريد، وما لا تريد من الجنون، لننتقل إلى الزجاج، تغريك لمسته الناعمة، يعجبك سطحه اللزج، لكنه حرباء، خداع، لا يمكن أن يعطيك قبل أن تعطيه، أبعده عن مواطن الغبار، وعن الضوء الحارق، انتظر منه استجابة أول لمسة، وإلا فاعلم أن محاولاتك ستبوء بالفشل دون شك، هذا الزجاج، يترك لنا مساحة أن نعبث به كيفما نشاء، يترك لنا أن نعتبره مجرد صلصال، تتشكل تضاريسه بمجرد فكرة ولو كانت صغيرة، وتافهة، ولا تقدم أي معنى يستحق الاحتفاء، أو التداول، لكن ما إن نتجاوز فواصل الأدب معه، لنظفر بما نريد فإنه يتمنع بشدة، ويصيبنا بنوبات غير متوقعة من الغضب، هل رأيت يوماً رساماً يحاول النقش بألوانه على زجاج ما، فانزلق اللون ليعيث في القطعة فساداً، هل رأيت يديه وهي تلتقط شعره بكل جنون، هل رأيت ملامحه وهي تتفحم، هل رأيت رسالة اليأس، وهي تنير أكثر من ضوء، أن هنا تكون الدوامة، الزجاج يتحرك وفق قانون اللحظة، ألسنا مجرد لحظات متكدسة، كل هذه الثقافات والفنون ليست سوى نتاج لحظة تجلي، خرجت دون أن يأخذها إعصار فيحجبها عنا، الزجاج يجازينا بمثل هذا العمل، تماماً، اللحظة التي يفترض أن تكون هي المترقبة للبهجة، تتحول إلى جحيم، وذكرى سيئة لا تمحي،كل ما يريد الزجاج هو أن تعده بأنك ستتقن العمل جيداً، لأنه لا يقبل أنصاف المتعلمين، وأرباب التجارب غير العميقة، لنذهب إلى الجلد، بمجرد أن يذكر اسمه، وتقشعر الملامح، وتجري الأحكام المسبقة عليه، لارتكان الذهن فوراً إلى أنه جلف، كثور ينافح مصارعاً أسبانياً، إلا أنه على العكس من هذا، هادئ ورزين، وفطن أكثر من أي نوع آخر، يهتم بالمظهر أكثر من أي شيء سواه، تهمه البراويز، أو الخشبات النحيلة التي تزين به أطرافه، بإمكانك أن تسند أمامه ما تريد من إطار له، ليكون كل شيء بعده قد أعد نفسه بنفسه، ثم لا يتبقى عليك سوى البدء، لنذهب إلى الجدار، حين نتعامل مع الجدار فإن نتعامل مع كينونة كاملة، لها حياتها الخاصة، وطرقها في تداول العيش، الشاهد الذي لا تغيب عن ناظريه المشاهد، ننسى دوماً أنه موجود، وهذا ما يريده، يبدو كضباط مباحث، يتسلل في شقوق المنافذ فقط لتكون له الدراية بكل شيء، حتى تلك التي ينسى الإنسان أنه قد عملها ذات سهو، فإنه يعرفها ويسجلها أيضاً، ويحاسب ربما عليها، كأداة للضغط، هذا الجدار، الانفراد المذهل، القشعريرة التامة، الفضاء المحدد صورياً، خطبه التي لا تنتهي، عذاباته التي لا تزول ، أخلاطه المتضادة، المكان الوحيد الذي لا يخضع لأي محاولة لاستمالته، الجدار هو اللحظة المستحقة لأن يمارس عليها كل أنواع الظلم، الجدار أكبر مجرم يخبئ في جلبابه سكاكين التهديد، لأنه التأريخ بكل ما تحمل هذه الكلمة من دلالات، حين نرسم على الجدار، فإنا نتحول إلى ثائرين حقيقين، لكل أسرار العالم المكشوفة، حين يُفضح أحد ما، فإن السبب هو هذا الجدار، بوشاية منه، أو بأفراده الآخرين، الأسقف، الأرضيات، كل ما دنا من هذا الجدار هو خادم له، نحن ذاتنا خدام لهذا الجدار، أيكون للجدار شأن حين لا يكون هناك بشر، ماذا لو كنا في العراء، هل سنعيش بأمان، جدلية الجدار دوماً تتلبسها المواربة، خوفاً أو تقازماً، لكن آن الأوان لأن نفضح هذا العميل، والمسبب الأكبر لكل معاركنا، الفردية والجماعية، نحتاج فقط إلى رسومات ثائرة، نحتاج إلى خروج تام عن العقل، نحتاج إلى تدريب على يد مراهقين، وقتها يكون لنا الحق بمد أرجلنا دون توجس أمام هذا المخلوق القذر، باقي الأشياء المتاحة للرسم، تطلب منا جهداً ذاتياً، لكل فرد منا طريقته في استمالتها، حين نمنح للأشياء حقها في الحضور على ما تريد، فإن الفن يتحول إلى ذات مشتركة، تتخالط فيها أنواع كثيرة من تفاعلات الحياة، لنخرج بالدهشة الأولى، الدهشة التي يراها صبي، يرى الكعبة لأول مرة أمام ناظريه، الرسم هدف، ولا هدف دون خطة، حين نحكم الخطة وفق خطوات مدروسة بدقة، نضمن الوصول إلى ما نريد، ليس الوصول هو الغاية، الغاية هي إقامة الدهشة الأولى، الدهشة هي رهان الفن، الدهشة أن نخلق ذاكرة مستقلة بكل عمل نعمله، ونغرس هذه الذاكرة كفسيلة في حقل كبير، لكن الدهشة ثمن ولكل ثمن سلعته المحددة، متى ما ظفرنا بالسلعة المستحقة، سهلت علينا عملية الامتلاك، من أجل هذا أعبر السلم وأمكث في كل درجة وقتاً طويلاً لأجاوزه إلى الدرجة التي تليها، لأن القدم ستظل محفورة على كل درجة، وسيسألني الوصول إلى الضوء، عن كيفية هذا الصعود، ومن بعد سيحكم علي بالبقاء أعلى، أو بركلي مباشرة، يليه السقوط، ومحاولة الصعود أخرى، لكن بفاعلية متلاشية، وانهزامية مقيتة، أبدأ من حيث تكون نقطة السحر، بالنظرة الأولى إلى الشيء، في المنطقة التي تفصلنا بين الدهشة والنظرة المباشرة، الرسم يبدأ دوماً بالومضة، حين أرسم وجه فتاة، فإني أبدأ بعينيها، ألسنا نقول حين نشاهد فتاة ما، عيناها ساحرة، العين منفذ مفتاح القلب السري، والفتاة هي جذر الآخر الملتبس بكل أحواله، بكل رغباته، برهافة حسه، وتشفقه للحنو، كل هذا ستراه جيداً في عينيها، العازف أبدأ بيديه، اليدين التي تكونان كسفينة معلقة بأشرعتها، أو كطفل يرتدي حضن أمه، الوجه المترقب بالخطوط المتعرجة حول فمه، أبدأ شفتيه، لكل صورة موضع حساس، منه تنفذ جميع الأسرار، وتفتضح كل تلك المناطق المختبئة، حتى أولئك الجامدون، الذين يعرفون كيف يخبئون انفعالاتهم، حين نرسمهم، تبدو ملامحهم ساذجة، خصوصاً في منطقة العين، لكن ربما سيرد عليكم سؤال، عن أولئك الذين تبدو عليهم ملامح الخوف، مع أنهم أكثر من طبيعيين، الإجابة لمثل هذه الأصناف سهلة، ستتكفل الريشة أو القلم ومن دون قصد على إزالة هذه الشوائب، لأن الاتصال بيني وبين الريشة هو داخل المرسوم لا ظاهره، تبدو عملية معقدة مثل هذه، لذا أقف طويلاً عندها، لكنكم أنتم من بدأ السؤال، ولهذا فإنكم ستتحملون كل كلمة أقولها، على الرغم منكم، ألاقي الآن أشد عذاباتي وأنا أسرد مثل هذه الأشياء، أتمنى أن يقول أحد، كف عن هذا، أتمنى أن تنقلب الطاولة، وتبقى الأذهان معلقة في كيفية إصلاح مثل هذا العطب، لأهرب من جديد، لماذا بعد أن يمر على الشيء وقت طويل نرجع إليه، لنسأله عن الخطوة الأولى، ألم يكن الأجدى أن تحمل الأقدام في رصيف واحد، من باب المخاض الأول، وحتى انعدام التواجد المكاني، تبدأ معركتي الهادئة مع الورقة بانتصار كبير، حين تبدو الخربشات الأولى، الخربشات التي منها يلد الرسم وهاجاً، قادراً على كسب استدامة الأنظار إليه، أحدد بعدها تحديد الخطوط الأكثر توازناً، الخطوط التي يفتقر كل رسم لها، مادام هناك خطوط تفصيلية، فباستطاعة الناظر، أن يتأكد من وجود تواصل روحي بين الرسم، وبين المرسوم، الرسوم التي تفقد خطوطها الأصلية، تبدو مُقَنَّعَة، زائفة، كاذبة، أكره تلك الرسوم التي هي مجرد جماد، صورة منطفئة، لأشياء لا تبرر أي تواجد، سوى بعض الملصقات على الحائط، حين أرسم أنطلق مباشرة إلى مكامن البوح فيه، الخط المنحني الذي يصطف كرؤية هلال بكامل انحناءه، هذا الانحناء هو الموصل إلى كل أجزاء حدقة العين، المربوطة بشكل مباشر مع الخلايا العصبية، التي تفرز استجابة القبول أو الرفض، لكن ويل لمن يقاطع شرودي التام، وانفصالي الكلي عن الواقع الملموس، والانفراد مع الرسم، أقصى درجات النشوة وأنا أتابع الخطوط المنحنية، والتفاوض مع كل انحناء بما سيعطيني إياه كغريب بعيد كل البعد عن الرسم، حين أنتهي من رقصي على هذه الخطوط، آخذ الفرشاة أو القلم وأبدأ بنسج كتل من الظل حولها، هكذا ينفخ في روح الرسم الحياة، يكتمل هذا الإحساس حين أجد يدي ملطخة بالأصباغ أو باللون الرمادي، المنبعث من قلم الرصاص، لا بد أن ألمس اللوحة، وأحنو عليها، وأسقيها من لبن امتزاجي بها، حين يتم الرسم لا أنزلها من المسند الخشبي وأمضي باسماً، لأني ظفرت هذه المعركة دون عقبات، الانتهاء من الرسم انتقال إلى المرحلة الأهم بعد الرسم، هي لحظة المحاسبة، لحظة القطف، اللحظة التي تبدو حاسمة بين أن يستحق هذا الرسم الخلود أو لا، القلق في هذه المرحلة، والخوف أيضاً في هذه المرحلة، أجمل ما يحكيه لك الرسم، جدلية الملامح، الملامح التي يختلف الناس عليها، الملامح التي تنطق بكل شيء ولا تنطق، لأنها تريد استنطاقاً صادقاً، ومتمرساً في الوقت ذاته، الهزيمة أن يطالعك الوجه ببلاهة، هذه السحنة الغبية التي تشبه سوقاً فارغاً تصطف أمامه عربات مستهلكين كثر، ذات الخيبة هي من يجعلني أمضي وأنا أشتمني لأني لم أكن متلبساً بشكل جيد حالة الرسم الشعورية، كثيراً ما مزقت رسومات استغرقت كثيراً من (البيبسي الدايت)، وقطع(الكتكات)، لأنها وبكل بساطة لم تخبرني شيئاً، ظلت تحدق بي كشاب اكتشف أن ثوبه كان مقلوباً وفي مكان عام كهذا، أو تلك النظرة المنكسرة بغباء، كتلميذ يقدم الكذبة وراء الكذبة أمام معلمه، وهو يعلم أن الجميع يعتبره كاذب، الوجوه متباينة، لكل وجه ثيمة خاصة، ليست كل الوجوه كريمة، هناك وجوه لا تعطيك سوى بذرة سيئة لأن تحطمها، وهناك وجوه تعرف انك لن تنصفها، قبل أن تشرع في جريمة تشريحها على تلك المائدة البيضاء، وأن التظليل الكثيف الذي ستلجأ إليه لإضفاء الغموض المثير للفضول، سيزيد العتمة في بوحها، وستكون أشبه بخداج بصري، لا ينتمي لأي ردة فعل، ولا يمكن له إسداء خدمة للرائي، سوى بعض الغثيان المصاحب لدوار خفيف، ينتهي لألا ينظر إلى رسم البتة، الظفر أن يلاقيك وجه تجرع منه كل ما تريد بسلاسة، الظفر الذي يأتي على صورة ابتسامة تشق فمك الصغير، أو بدمعة تعبر قدر الصراع الذي بذلته لتصل إلى هذا النموذج من الرسم، هكذا تسند كفك أسفل خدك وتنظر، تسدد نظرك في كل خط رسمته، في كل رعشة نبض سرت بصماتك عليه، النَفَس الذي تأخذه وأنت تريح ظهرك باسترخاء تام على المقعد، لست محتاجاً أن تنظر عن يمينك أو شمالك، سيخلط الفرح كل تلك الجهات، ستكون أنت الجهة الأولى والأخيرة، تفرقع أصابعك، تحاول قراءة ما خفي عليك أثناء الرسم، تنسى العيوب، تبحث عن محاسن لم تكن تتوقع أن تظهر، تستنطق أعشاب الرسم قبل أوان ربيعها، جمال هذه اللحظة في الطعم الذي سيسيل على فمك، لن تفكر يوماً أن الأصباغ أو مادة الرصاص في القلم، ستتذوق طعمها، لكنك ستشعر وقت انتهائك من هذا، أن المواد سيكون له طعم آخر، الطعم الذي يجهش بأناك، وماذا بعد هذا، ماذا عساكم أن تقولوا خصوصاً أنت، سكنتك طويلاً ولم تسألني، حتى سألك هذا النادل النابه، ماذا عساك أن تقول أجبني"
    "

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000
    الضباب ليس ما يفصل بين حواسنا وبيننا، الضباب هو أن يتلبد طقس جسدك، فتخرج حرارة غير معتادة من كل أعضائك، لتدخل في صراع طويل، تحاول جاهداً أن ترى ما أنت فاعله، الآن وما الذي ستفعله بعد قليل، لكن الضباب ذاته لم يكن يسير في جسد الرسام، كانت براكين تتأجج في صدره تحديداً، حاول أن يبكي فلم يستطع، حاول أن يهب واقفاً فلم يفلح، حاول إعادة الذاكرة ولم يتح الأخير له فرصة ذلك، كانت كل الطرق قد أقفلت في وجهه، أحس بيد النادل وهي تمسك بكتفه، لم يكن يسمع ما يقوله، النادل، متأكد أن فم النادل كان يتحرك بكلام غير مفهوم، لم يكن غائباً عن الوعي، إلا أنه لم يكن في الواقع أبداً، كانت هذه اللحظة تشبه تلك اللحظة التي أخبره النادل، حين كان يستعيد الوقت، لكنه أبداً لا يستعيد شيئاً، يحس أن كل شيء قد توقف فجأة، وأنه وحده يصارع كل هذه العوالم الغريبة، دون يفلح في تأكيد، ما إذا كان هذا معايشة حقيقية، أو كابوساً ككوابيسه اليومية، حين تأكد من كون كل شيء في مكانه، وبدأ رويداً رويداً بسماع أصوات من حوله، وميز وجه النادل الذي أخذ بالاصفرار تدريجياً، قام وبدأ يسير، كان يلتفت في كل مرة، يريد التأكد إن كان قد نسي يده أم لا، كانت يده ثقيلة بشكل لا يوصف، حاول حملها، فلم يفلح، مضى قدماً في سيره، وهو يلتفت في كل خطوة ليتأكد إن كان قد نسي يده أم لا، كان النادل يلوح له بيد كبيرة جداً، أقسم في سره أن النادل قد أخذ يده


    بذر الريح

    لا أدري إن كنت نجوت من غفلة أمي، أم أنك ما زلت تحت مشنقتها، تتزيا بالكوابيس كل ليلة، مضطربة يا أبي، أحس بأن عاتقي تمزق من طول الحنين، وأن يدي تشققت لكثرة ما فتحت من المظاريف الوهمية...
    متى تعود فيرجع كل ركن إلى جداره.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    بانتظار وطن !
    الردود
    2,042
    بورك فيكم أستاذي .. شكراً على هذا المجهود .. ننتظر التتمة ..

    أتمنى أنكم تجاوزتم مشكلة سرقة الإيميل ..


    .


    *
    إلى هنا وانتهت المهمــة .. تواصٍ بالخير وإلهاب للمشاعر بحمله ..
    فإن زللنا فمن أنفسنا والشيطان .. وغفر الله كل ما كان ..
    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك ..

    *

  11. #11
    شكراً ابراهيم روايه رائعه بالفعل
    فرأتها على جسد الثقافه لكن بسبب اقفال الموقع لم استطع اكمالها...


    لذلك...هل تكرمت بأكمالها

    لك مني جزيل الشكر...

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000

    وحي ، و بقايا أمنيـة ، أعتذر عن التأخر :)

    الفصل السادس


    لم أكن آخر الغسق، مصحوباً بقوافل بدو، يقرأون أثر الرمل، لم أكن نديم الليل ألقي في جعبته نرد الحداء، أجلجل في العتمة، أتلمس فوهات النجوم لأدس في لمعتها بواقي الحكايات، وآخر ما تتركه الأمهات في جدائل الرجال، أصوات البنادق وهي تعيد للنائم طعم الصحو، الغارات والأعين التي تنسى أنها خلقت لرمشة واحدة على الأقل، أنباء الماء، وكلأ ينتظر أسناناً تحصد خضرته، عادات الصقر، واحات النقاهة، ألوان الشفق، كل هذه لم أكن منتمياً لها لفترة من الفترات، أمي لم تكن شيرازية، ولا كان أبي سيامياً، ولدت هكذا دون ذاكرة، أعلم أني مجرد قط، لا يساوي شيئاً في مدينة كهذه، ربما لو كانت ظروفي أفضل، لكنت في أحد شوارع منهاتن، مكرماً في يد شقراء، تعتني بي أكثر من اعتنائها بنفسها، سيكون لي مصروف شهري لا يخضع لحد أعلى، لكن حتماً لن ينقص عن ما يوضع لي في حال من الأحوال، لا وقت لي لأخرج، جميع الأوقات بين يدي، كل ما هنالك أني أتحين وقت إلقاء قمامة ناضجة، والمهم ألا تكون الشمس قد أنزلت أشرعتها بحرارة غير مطاقة، أغلب أوقاتي أقضيها متسكعاً من شارع إلى آخر، ومن زقاق نحو آخر، لو لم توجد أزقة خلفية، ترمى القمامات في حجرها، لمت من الجوع، لم أعقد أي صداقة مع أبناء جنسي، ولم أتشاكس مع أحد أبداً، كنت أشعر أني مختلف، حتى ولو أكلت من القمامة، فالغاية تبرر الوسيلة أحياناً، ومتى ما وجدت ظروفاً أكثر راحة من هذا العناء اليومي، فإني سأتقبله بصدر رحب، ودون أية شروط، يكفيني مكان مظلل، وببرودة معتدلة، وتسع وجبات في اليوم، الطمع سيء، ولذا أنا هنا لأظفر بأية فرصة يلقيها القدر في إنائي، أتأذى حين أعلم أني ابن شوراع، أو حين التعريف بي عند طبيب بيطري: ( قط محلي)، أريد اسماً أكثر قدرة على الوصف، اسم جيد يمكنني من خلاله أن أستلم حراسة زقاق ضيق، أو باب لمدخل بناية، أما أن أكون هكذا متساوياً مع أي قط آخر، فهذا ما تأباه نفسي العزيزة، لكن يكفي أن أكون في ذاتي مختلفاً، ويبقى اعتراف الناس أو أبناء جنسي غير ذي أهمية، لا أحب أن أقول أني وحيد، أو أتباكى كهؤلاء البشر، أعيش اللحظة بكل ما فيها، مؤمن أنه سيجيء ليوم الذي تتلاشى هذه الغربة، وأجد من أقاسمه بعض عظام قليلة، نحن لا نفكر إلا في المنطقة التي تحوينا، بينما القدر يرسم دوائره في البعيد، ليست من عادتي أن أتجول في وقت الظهيرة، هذا الوقت الذي ينسى الناس أنفسهم فيه، لتصبح أدمغتهم، مجرد خلايا تغلي وبدرجة عالية جداً من الحرارة، وخصوصاً حين يكون أغسطس، الضيف اللامرحب به أبداً، لا أحد في هذه المدينة يمارس عاداته الحسنة في هذا الوقت من اليوم، هذا الوقت يعد يكرس لكل العادات السيئة، حتى النوم والذي يهرب الناس إليه في مثل هذا الوقت، يفقد طعمه اللذيذ ويتحول إلى شريان يضخ دماء وكوابيس، تجعل فترة العصر، مجرد غربلة لما كان من أمور، وكوارث غير محببة أبداً، إلا أني في ذلك اليوم الخارج عن سيطرتي، ألزمت نفسي على المسير، لست أحمل خف بعير يتحمل باطن حرارة أرض كهذه، ولم أكن أحمل مظلة شمس، تقيني من زخات الشمس اللاسعة، لا أهتم بضربات الشمس، ولا أحدس أني سأكون رهن سرير أبيض، ومغذ شفاف تخلل أمعاءه سوائل صفراء، إلا أني كنت أحس بتعب طفيف جراء هذا السير في وقت غير مناسب كهذا، لكني أبيت إلا المسير، أمثالي لا يعرفون أنواع القهوة، أبلغ ما تصل النفس إليه مياه معقمه تنسكب في أرض غير ملوثة، والتلوث لا يعني عندنا، الخلو التام من أي مواد أخرى تفسد طعم المياه، شرط الماء الغير ملوث، هو ألا يختلط بتراب كثيف ومن ثم يتحول إلى طين يتبقى بعض بلله، بدوائر صغيرة من المياه، طالما كنت أحب لوني البني الفاتح، هذا اللون الذي لم يفلح صانعوا الخشب من إيجاده بالدرجة التي أبدو عليها، لا بد أن تقصر عني الدرجة أو أن تتجاوزني، لكن استحالة أن تصل إلى ما أنا عليه، مع ذلك كنت أحب اللون البني الغامق، لم يذكرني هذا اللون بلحظة تواجدي الأول على هذه المدينة، ولا تلك الضربة التي تلقيتها من صاحب المنزل الذي كنت أختبئ وراء حجرته الخارجية، إلا أني كنت أحبه، لذا أعجبني وجود هذا المكان بأخشابه الكثيرة بنية اللون، والبراد المنبثق من داخله، ما كنت أخشاه حقاً هو أن يأتي نزق ويقفل الباب، مما يعرضني للمهانة الكبيرة، وخيبة الظن، لأن وصولي لهذا المكان لم يكن عادياً البتة، حين نخرم يوماً روتين حياتنا، ومن دون شعور، فإن هذا يعني حدثاً ما مختلفاً سيكون، لست أهابهم، هؤلاء المتغطرسون من بني البشر، لا أفسح لأحد طريقه، ما دام هناك فسحة للنفاذ، إلا أني لا أتحمل تعدياً من أحدهم، فبمجرد أن يحاول أحد أذيتي فإني أنزاح عنه وبهدوء، كي أفسد عليه لذة انتصاره، أحسست بالظل وقت وقوفه علي، لم أتلفت، كنت أتتبع ظل يده، وانتظر وقت رفعه لها، أو حركة رجله، فقط لأنزاح قليلاً وأترك لملامحه استفهامات الخسارة، سكونه التام، ووقوفه المتصلب، أكد لي أول تنبئ بأن هذه الظهيرة تحمل لي شيئاً مختلفاُ غير ما أعهده في باقي ظهيرات هذه المدينة المتصلبة الأوردة، حين التقت إليه، كان في أشد حالات سعادته، ارتبت من هذه الابتسامة، توقعت حدوث شيء سيء بعدها، كعادة هؤلاء، الذين تتلون أرواحهم في الدقيقة الواحدة، فلا تظفر بنبأ صادق عما يضمرون، وإن كانت ترى سحناتهم وهاجة تنبع بالبراءة وحسن المعشر، لم أتحرك وقت تحركه هو، تركته يقرر إن كان يريد الشر بنفسه إن اقترف جرم الإساءة، نزل حتى صافحتني ركبته المكورة بشكل تام، ابتسم أكثر، راح يتفحصني شبراً شبراً، قلت أنني سأكون غداء جيداً لواحد يحمل في جيناته جيناً يربطه بالتايلنديين أو أي شعب يستطيب لحم القطط، تذكرت كيف يكون الطبخ في الإناء، استسلمت للفكرة تماماً، رأيت كيف يكون جسدي بارداً بمجرد أن ينتهي من شنقي، لم أحبذ أن أرى كيف سأكون وقت الموت، حاولت أن أعرف كيف سأكون بعده، يكذب من قال أني بسبعة أرواح، لست أملك سوى ربع روح، تتأثر بمجرد أن أرى ظل سيارة مسرعة، لأني أكون قد أعدد قبري مسبقاً، ودون أن أدفع فاتورة التابوت، كيس من النايلون الأسود، ولا يشترط أن يكون أسود، يكفي كيس أزرق، وصغير أيضاً، استغربت طريقته في سلخي، مررت المشهد بسرعة، كان هذا المشهد تحديداً مقززاً للغاية، كان السؤال الذي يلح علي طوال تلك الفترة، سبب كون القدر كبير، مع أن لحمي كان قطعاً قليلة، هل سيضيف إلي قط جديد، أو سيحضر أكثر من نوع، انتفضت أجزائي لمجرد أني لن أكون وحيداً، أكره أن يشاركني أحد، حتى ولو كان هذا الشيء هو موتي وطريقة موتي، كانت يده تمسك بظهري فعلاً، لكنها كانت ناعمة بشكل غريب، ربما هي غواية الموت، الدغدغة التي تكون مباشرة لها حشرجة مفزعة، كنت أعيش في ضباب قاتم، لا أكاد أتميز شيئاً مما حولي، وابتسامته مازالت تتمدد في مساحة فمه الصغيرة، كنت أردد ما يقول ببلاهة:
    ( تشبه ميمون، هل أنت ميمون، هل أنت ميمون القط الذي كان ينام في غرفتي قبل أن أسافر هنا، لكن من ضربك في وجهك، هل تتذكرني، لكن من أتى بك هنا، أشتاقك يا ميمون، لماذا تأخرت، أم أنت تأتي ككل الأشياء التي تأتي بعد أن نفقد الأمل، وتتلاشى فينا الرغبة بمعايشة ما كنا نحلم به قبْلاً، ماذا عساي أن أخبرك به يا ميمون، حتى ولو لم تكن أنت ميمون، فإنك لا بد وأن تأتيني كل يوم بعد صلاة الظهر، هذه الفترة العقيمة، التي لا تنجب فرحاً قط، تشبه ميمون في كل شيء، لولا هذه الندبة التي تحتل جزء وجهك الأيسر، حتى جرأتك وعدم هروبك من البشر لم أرها سوى في شخصية ميمون، سأخبرك عن ميمون، وعن سبب تسميته بهذا الاسم، سأحدثك عن مشاكساتنا، ستعرف ماذا عليك أن تفعل حين تغضب مني، أريد أن تعيد لي كل ما كان يعمل معي ميمون، كنت أشك أن ميمون كان إنساناً في يوم من الأيام ومسخ إلى قط، مع أنه لم يعاشر بني إسرائيل، حتى فكرة مسخه تبدو ساذجة، لأنه لم يكن خنزيراً أو قرداً، هو مجرد قط، لكنه كان نبيهاً، بل ووفياً، لذا سميناه ميمون، ميمون يا صديقي الجديد، عصامي لا ينتسب لأي أحد، والد ذاته وولدها، غريب الطباع، كنت أرقبه حين كان يتكئ على عتبة الدار الداخلية، يتفرج علينا ونحن نلعب الكرة، لم تكن الكرة تخيفه حين تمر من أمامه أو بالقرب منه، بل ولما أن رأى أيدينا لا تصل إليه، تجرأ وحاول أن يزيح الكرة عن مكانها محاولة منه أن يلعب، بعدها اعتدنا عليه كجزء من البيت، كنا نطعمه معنا، نحاول أن نكثر له من أرجل الدجاج، وربما تركنا له مزية الصيد، بأن نطلق له دجاجة ونجعه يلاحقها، حتى يغنم أو يغرم، وفي كلا الحالتين، كنا نصفق لكل واحد منهما رغبة في مزيد من الإثارة، حين مضت الأيام ولم نلمح منه قذارة، أو عملاً سيئاً، اصطحبته إلى غرفتي، كان رزيناً أكثر منا نحن البشر، لم يكن أول ما فعله حين الدخول إلى الغرفة، تقليب ناظريه، ونبش ما على الرف، وما دنى السرير، كان ينتظر إشارتي له، لنطلق مباشرة إلى حيث أشير له بطاعة وانصياع تام، أصبح توأمي الذي أساقيه كؤوس البوح، نثمل كثيراً خصوصاً حين يكون طقسي مائلاً إلى البكاء، أو الغضب، كنا نتدارس الليل جيداً، حتى إذا جاء امتحان الصباح، غرسنا فيه فسيلة العتمة، ومضينا نتتبع ذبالات الشمس، آه لأيام ميمون، ليتك تعيد لي تلك الأيام، ما رأيك لو دخلنا قليلاً وتحدثنا، كي لا يسمعنا أحد المارة، فيشيعها في المدينة، النادل مجنون، ومثل هذه المدن التي تتشهى خبراً مثل هذا، ينبغي عليك أن تحتاط لنفسك أكثر من مرة"
    كنت أستمع لثرثرته، أحببت شيئاً منها، لكن أزعجني اسم ميمون، لم يكن الاسم بحد ذاته معضلة، الأسماء دوماً متجاوزة، الكل يحمل اسماً مغايراً لما يريده، المزعج هو المقارنة بيني وبين قط آخر، لإيماني بأنه لا يوجد قط مثلي، لم أتبعه، ولم أكن راغباً بالسير خلفه، تركته يلتفت دون أن أبدي أي حركة، حينما علم أني لم أفهمه، قدم قرباناً عله يشفع له شيئاً آتيه من أجله، مع ذلك ظللت متمنعاً، سحب كرسياً وقعد، أخذ يتطلع فيَّ، يحرك يده تارة، وتارة، يتمتم، حين وجدته متماسك الأعصاب أقبلت عليه، لا ينبغي أن نكون ساذجين للحد المتدني، الإحسان كثيراً ما يكون طعماً لمصيدة محكمة، لذا فإن منطق التروي، هو الفاصل في هذه المسائل، قدم لي خبزاً فتته بيده، وقليلاً من الماء، كان هذا أشبه بمقبلات، لأن قائمة الطعام في مكان كهذا يعج بأصناف كثيرة، وقلما يكمل المرء هنا أكله، كنوع من (البرستيج)، حتى الحاجة تلك التي يفترض أن يكتنفها أنانية كاملة، يتخلون عنها بدعوى(البرستيج)، أكلت أقل القليل، ثم اتجهت إليه، حمل الطبقين الصغيرين، ومضى قليلاً، ثم عاد، كنت راضياً عنه، وكان راضيا ًعني كثيراً، بدأ بلمس فروي، أخذ يمرر يده بحنو، ثم حملني، لم يقبلني، ولم أكن لأدعه، يفعل مثل هذا، خصوصاً وأننا في أول الطريق، وأمامنا مضمار كامل يمكننا أن نختبر بعضنا، ثم لتسقط الكلَفة بعد ذلك، كانت أقدامي متسخة من فرط المشي، أدخلني وبدء يغسل جسدي بماء فاتر، استغرق غسل قدمي وقتاً طويلاً، ثم تركني أرتاح في ركن صغير، في الممر الذي يفصل بين مكتب السيد أحمد، حيث يجلس صديقه أدهم، الكرسي الذي أحببته أكثر من النادل، مع أني لم أجالسه سوى بضع ساعات، لكني علمت من حديث النادل أن أدهم صاحب ذائقة جبارة، وأنه مخيف في تعريته للأشياء وخصوصاً البشر، لا أدري لماذا تستمر الأشياء بتعريتها لهذا الإنسان، مع معرفتها أنه لا يقدم لها أي شيء، وأنه لا يرتدع عن عمل ما هو قبيح، أو أن يسائل نفسه عما إذا كانت حياته تسير وفق طريق قويم، أو درب متلكئ، تتلقفه الأماكن وهو يفغر كله لها، دون صمام أمان يحميه من سيئ النتائج، راقتني حكاياته، فيما بعد، خصوصاً حين أطلق علي اسم ميمون، وأن ميمون الأول لابد أن مات، وهذا يخولني أن أرثه، بوصفي أحد أفراد الأسرة القططية:
    " هل حدثتك عن الأماكن يوماً ما، الأماكن التي تنغرس كنبتة يابسة، ثم تتحول إلى بذور لنبتات أخر، هوس المكان، هل حدثتك عن الناس الذين يشربون المدن وهم فارغون من المكان ذاته، أناس هذه المدينة، هم معاصرون لأمكنة عدة، دون أن يتخالطوا بمكان محدد، هم يدعون أنهم يعيشون في هذا المكان وأنهم لا يمكنهم أن يغادروا هذا المكان إلا وهو يجمع عظامهم لحد وفاء، مساكين أبناء مدينتي يا صديقي، إنهم يخدعون أنفسهم، كيف تريد لمن يعيش مدينته بخلفية مدن مختلفة، أن يكون وفياً لشيء لم يعايشه فعلياً، المكان هنا قديم، واللغة قديمة، والقدم هو المحرك لمثل هذه اللغة البائدة، لكن ما زالوا يرددونها، أترى حياتهم ستكون على ما هي عليه لو أنهم واكبوا معنى المكان، وظروفه الزمانية، كل مربع مساحي هو مكان مستقل، له ظروفه وقانونه، حتى وإن قلت هذه الظروف، إلا أن صياغة العيش مع هذا المكان لها شأنها الخاص بها، لا تتدخل بها أي مقومات لمكان آخر، ومن هنا عليك أن تعرف كيفية مخاطبة المكان، أنا هنا أخبرك كي تتجاوز وحشة المكان الأولى، منذ اليوم الثاني، وأنا عاقد مع هذا المكان خصائص خاصة، وساعة بيولوجية محددة، وجدت الراحة في تطبيق هذا الشيء لكل مكان أذهب إليه، ألسنا نتذمر دوماً من الأماكن، المكان هو فضاء النفس، لا فضاء الجسد، ومن ثم فإن أي مخالفة بين أنماط الروح وأنماط المكان، تأثر فعلياً في المزاج، وردات الفعل، وتوقيت المرض، نفقد صوتنا في أماكن، ونجدنا في أماكن أخرى أقرب إلى الثرثرة، وفي أماكن يكون كلامنا أقرب إلى التوجس، كلام رزين، هادئ، الأماكن هي اللغة الضائعة منا، المكان هو الجزء الضائع من أنفسنا، إلى أي شيء نفزع حين يصيبنا أي شي، حتى في أبسط تراكيبنا النفسية، ألسنا نذهب إلى المكان ومن دون أن نشعر، نحن في مكان أبدي واسع، لكننا دوماً نذهب إلى المكان الذي نريد، المكان الذي نكمل أنفسنا به، هنا حاول أن تعرف أين يكمن نقصك، أين يجب أن يكون مكان نومك، مكان أكلك، لكل من هذه الأشياء ثرثرتها الخاصة ومكانها المختلف، أترى كان لوقوف العرب على الأطلال مجرد شواهد دارسة لا أكثر، مجرد وقوف أصم غير مكتمل، تبادل لبكاء من طرف واحد، كلا، كانت عملية معقدة، بين ذات ناقصة، وذات ميتة، والبكاء هو الرابط بين هذه الذاتين، هذا مكانك يا صديقي، اترك باقي الأمكنة، هنا سيكون مكاننا أنا وأنت وأدهم"
    أشعر بصداع شديد، لا أحب الفلسفة، أحب أن تفسر الأشياء نفسها دون مساعدة منا، هذه الهرطقة الغير مبررة أرهقتني، للأشياء بوحها الخاص، ولكل كائن طريقة في عرض بوحه لكائن آخر، لكن هؤلاء البشر لا ينون في اقتحام أسوار لا يجيدون منها إلا اللفظ، سأترك الأمكنة جميعاً لي مكان، وأوطن نفسي على الوفاء لذاتي أولاً بعيداً عن ما سواها، نحن أبناء الحاجة، خلف حياتنا نسير وفي كل الأمكنة، حتى ولو كنت مشابهاً للبدو، فإني لم أكن يوماً مصحوباً بقوافلهم، وأفئدتهم المغسولة بالمطر"







    بذر الريح

    عندما يأتي ذكراك أشعر بمزيتك عمن حولك، لست أعني الضوء الذي يغسل قلبي، ولا الروزنامات التي تشي بقرب عودتك، هناك شيء أقوى من كل هذا، لكن ليتني أعلمه.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000

    الفصـل الأخييييييييييييير

    الفصل السابع


    من حيث ننتهي نبدأ دوماً، تذكر أن أول مرة سمعها وهو في العشرين من عمره، حين حاول الدخول عليه في المكتب حافياً، بعد أن علق حذاءه على الحبل الممدود في صالة المنزل، استغرب التصرف الجديد الذي صار الأب يمليه على أبنائه، وحين سأله، أخبره بأن المنزل هو جنة أولى، وأن تدنيس هذه الجنة بحذاء، يجب أن يتجنب، سبق هذا القرار تغيير جذري في المنزل، السجاد الذي اختار له الأب اللون الأخضر الفاتح، والذي هو من النوعية ذات الأطراف الشَعرية، المفتولة كجدائل صغيرة مما يكسبها شكل العشب، هذا التوحيد الغريب لكل أرضيات البيت، جعل الجميع يستهجن هذا الذوق الجديد للأب، إلا أن الأخير لم يكن قد اهتم بما يجول في أفكارهم، لأنه يعرف أنه بفعل خطبه الشهيرة في المنزل، قادر على تغيير أفكارهم المسبقة، والتي يحاربون بها كل جديد، لمجرد أنها خالفت ما تعودوا عليه، حين انتهى من قلب كل ما يريده، وحوله إلى ما يريد، علق الحبل في الصالة، مباشرة بعد الباب الفاصل بين المنزل والباحة الخارجية، كان حبلاً من النوع الغليظ، مصنوعاً من ألوان كثيرة من الصوف، جعل خليطها الكثير، يبدو بشكل جميل، يتحول إلى عدة ألوان بمجرد أن يتغير مكان الجالس، يومها أمرهم جميعاً بالجلوس، بعد أن أعد بنفسه حفل شاي مصغر، مصحوباً بشطائر الجبنة المحببة للجميع، والتي لا يعملها الأب إلا في أقصى حالاته النفسية رضا، ويحن أراد مشاركتهم له فيما فعل، وجه السؤال مباشرة للأم، كيف رأت هذا التغيير في نفسها هي فقط، دون أي تأثير من الأبناء، تلعثمت الأم كثيراً قبل أن تجيب كعادتها المقتضبة دوماً في عدم إحسانها إخراج ما تحس به، قالت: أنها تشعر أن هذا الشيء سيء دون أن تعلم كيف يكون هذا،وسكتت، وجه الأب الكلام إلى الابنة الكبرى التي بدأت مباشرة:
    في عام 1985حين كنت في الثالثة والعشرين من عمري، قالت لي صديقتي: ما رأيك أن نذهب إلى السوق، لم أكن وقتها معتادة على الذهاب إلى السوق في مثل هذا الوقت، كانت الشمس تقترب من الغروب، وفي مثل هذا الوقت أكون نائمة، لتعبي الشديد، بعد صباح مملوء بالعمل، والكدح وراء العميلات في البنك، قبلت الذهاب معها، مع أن السماء كانت تنبئ عن مطر كثيف، يُؤذن بالهطول، اصطحبت مظلتي، والتي لا تتحرك إلا فترة شهر واحد على الأكثر في السنة، لأن المطر في مدينتي أقل من أن يحتاج إلى مظلة، يكفي ما يعبئ حقائبنا وجيوبنا من أثقال، حين ركبت مع صديقتي، كان كل شيء فيها تغير، لون عينيها، ملابسها، صوتها، نوعية الكلام التي تبادلناه، أحسست بخوف شديد، لم أكن أهتم بما يفعله الناس غالباً، ولا أن أتدخل في شؤونهم الخاصة، لكني أدركت أن كل تغيير يخلو من تخطيط مسبق، ونتيجة مجدية، هو تغيير ساذج، يحمل في طيه كثير شؤم، أكثر من كونه فأل خير، لكني الآن لا أشعر بالخوف فقط، بل تعدى هذا إلى الاعتقاد أن ما تفعله، هو محاولة لعيش لن تعيشه، ولعمر جديد أنت لم تدركه بعد، أخافتني كثيراً فكرة أن أتخطى الزمن، هي ذاتها الفكرة للعيش على فكرة عودة الزمن، مثل هذه الطرق من التفكير غالباً ما تنتهي بنا إلى طريق مسدود، وإلى شك كثيف، مصحوب بإنهاك شديد، ليزج بنا في النهاية إلى هوة الجنون، لا أتخيل أبداً أن نتحول إلى بيت مجنون دفعة واحدة، صمتت ثم أضافت: يمكن أن يكون ما تقوم به جديراً في حالة واحدة فقط، لكني لن أقولها، سأتركها مفاجأة لي، إن كانت مكتوبة في كتاب القدر، ربما سأكون حينها أقل خوفاً وأكثر فرحاً، هناك سأعلم أنك كنت سبرت أفكاراً كثيرة للقيام بعمل مثل هذا. انتقل الحديث للابن، أجاب بأنه يعشق دوماً أي شيء يصب نهاية لتغيير روتين ما، ويحاول التجديد، لكن ما يراه وهو غرق في روتين متسلسل بل أشد وطأة من أي روتين، لأن المكان يحمل صفة واحدة، الغرف واحدة، الأثاث واحد، اللون واحد، هذا يعني أننا سنعيش ذاكرة واحدة، ومن ثم تبدأ الأشياء كلها تأخذ المسمى ذاته، لننسى بعدها العالم الخارجي، الذي تنطلق أكبر مسمياته من البيت الصغير، رفع الأب كوب الشاي، وأمرهم بالشرب وتناول الشطائر، كان الدور قد وصل إلى آخر العائلة: الابن الصغير، ذا الأفكار الجنونية والأحاديث التي لا تمل، يعلمون جميعاً أن أفكاره دوماً بعيدة عن سياق الحديث الأصلي، إلا أن قدرته على تذكر كل شيء، وعدم نسيان التفاصيل، تجعل من أتفه الأشياء، أشياء ذات متعة كبيرة، وكثيراً ما كان الأب يأخذه إلى القرية، حيث يمتنع الجميع عن الذهاب إلى أماكن بائدة، كل ما فيها بقايا بيوت متهدمة، وكثير من الأحراش التي يسميها من يقطن تلك القرى: مزارع، ومع أن القرى كانت دوماً تقسم إلى قسمين، قسم يتكون من الإرث الماضي دون تعديل أو إعادة بناء، إلا من بعض أصحاب المال الوفير، وقسم حضاري جديد، بكل مرافق المدن، لكن على نطاق أصغر من المدينة، إلا أن أحداً من الأبناء لم يكن ليذهب مع والده سوى ذاك الصغير الذي كان ظل أبيه، مع أنه لم يفهم بعد شيئاً في الحياة، سوى ما تسربه له على أنها متعة مطلقة، ظل صامتاً يقلب ناظريه في كل من حوله، بدأ بأوجه أهله، توقف طويلاً أمام وجه أبيه، استمر في التحديق في وجه أبيه، غير والده انفعالات وجهه رغبة في استمالته إلى أي نتيجة تمكنه من التحدث، إلا أن أياً من هذه التصرفات لم تكن لتزيح نظرات ولده الغريبة عن وجهه، انتقل إلى أخته، ثم عاد إلى أمه، وكأنه تذكر أنه تجاوزها، انتقل مباشرة إلى الأخت، كان ينظر وهو في حالة أشبه بالشفقة، تلك النظرات التي تأتي مترددة، ذابلة، تخفي أكثر مما تبدي، حين انتقل إلى وجه أخيه، تدحرجت ابتسامة كبيرة على فمه، كان الجميع ينتظر أن يتكلم، وهو من غير إرادة منه كان يحرك أعصابهم على سيخ محمى من نار، ماذا تراه سيتكلم، هل سيخبرنا عن فعله مع ابن الجيران حين تخاصموا، ولم يفلح صراخ الأمهات فيهم، ليكفوا عن شجارهم، أم هل تراه يحكي عن العمال وهم يعانون الشمس، وأنه رأى العرق يبلل ملابسهم، أم عن مغامرته وهو يحاول الوصول إلى عش الطائر في أعلى الشجرة، إلا أنه خيب جميع التوقعات حين وجه كلامه إلى والده: كيف تسألنا يا أبي وأنت فعلت كل شيء، ماذا يفيد هذا العمل، هل تتذكر حين ذهبنا إلى مدير المدرسة حين ضربني فراس في الصف، ولم تفلح أنت في إقناع المدير بوجوب معاقبة فراس، لمجرد أنني لم أتكلم مباشرة وقت الحادثة، وأني أجلتها حتى فات موعدها، كنت تقول لي يا أبي: حين يفوت موعد الشيء تبقى أي محاولة لتغييره غباء، لم يكن على الأب تبرير موقفه، أو محاولة الهرب، فإنه يعلم كيفية ملاحقة ولده لمثل هذه الأشياء، لكنه قال ببرود شديد، أنا أسألك الآن، وجميع أهلك قد أجابوا وعدم إجابتك ستعتبر تسفيها لإجاباتهم، تململ الابن وبدء يحرك بعصبية كُم قميصه، كان سكوته هذه المرة أكثر وقتاً من سابقه، ودون أن يزيح نظره عن طرف الكم، كانت الانفعالات تأتي على وجهه فيتحول لونه إلى الشحوب، كان الجميع يسدد نظرته إلى الأب، وكأنه يستنكر عليه هذا الإلحاح، خصوصاً وأن حساسية الابن تجاه هذه الأمور كبيرة، لينتقل الشعور من مجرد انفعالات إلى وساوس كثيرة بفقدانه ذاته، إلا أن وجه الابن ما لبث أن استعاد لونه الأصلي، وابتسم للجميع وقال بصوت هادئ: أنا أحب ما فعله والدي، لأننا جميعاً نكون عشنا نفس الأشياء، لماذا يعيش أخي أفضل مني، لماذا ينام على سرير غير سريري، ولماذا أبي يجلس على أريكة غير أريكتي، حتى الكرسي التي تتبختر أختي بالجلوس عليه في الشرفة، كان علي أن أجلس مثلها عليه، الآن يمكنني أن أحكي لأصدقائي أن منزلنا غير موجود عند أحد سوانا، وأنني أعيش كما يعيش أبي تماماً، وأن السن لن يعود بعد الآن سوى محطة لتغيير الملابس، لأنها الشيء الوحيد الذي لا يمكننا أن نتحد به، صعق الجميع لهذا التصريح الغير متوقع، قام الأب وقبل الابن بين عينيه، وقال: ستبدأ أنت أولاً بتعليق حذائك على الحبل، ثم أتبعك أنا ثم أمك، ثم أختك ثم أخوك، من الآن ستكون أنت رجل البيت الأول، يستأذنك الجميع قبل الخروج إلى أي مكان، لكن عليك ألا تكون قاسياً مع أحد، ضحك الصغير ضحكته الدائمة، التي تجلجل أركان البيت، علق حذائه ثم تبعه البقية، أخبرهم الأب أنه غداً سيعلمهم عن سبب ما فعله، وأنهم سيقررون أشياء كثيرة حول الأيام القادمة، لم ينم الصغير ليلتها، كان قد أخرج قلماً وورقه، وبدأ بترتيب الأشياء، وضع قائمة طويلة بما يحتاجه المنزل، اهتم بالفناء الخارجي ووجوب زرعه باللون الأخضر، ووضع ملعب للكرة، لكي يتمكن من استضافة أقرانه، ثم أخذ يجمع من ذاكرته، أصناف الحلوى التي يمكن أن تكون ضمن مشروع الاستضافة اليومية، حين أصبح الصباح كان الجميع قد استيقظوا، كي يكملوا ما بدأوه في الليلة الماضية، ما عدا الطفل فإنه قد دخل للتو في نومه العميق، مضى الصباح كأي صباح آخر مذ بدأت الإجازة، بتغيير طفيف، أنهم أحسوا بألفة في المكان لم تكن تظهر من قبل، حين جاء موعد الغداء، كان على الابن الصغير الاستيقاظ، ليروي لهم الحلم، مما جعل الغداء يبدو ذو نكهة مختلفة، يعلمون جيداً أن يقظة هذا الصغير تدخلها الفانتازيا من كل مكان، كيف وهو الآن يدخل في عالم الأحلام، بدا الأمر مبهجاً للغاية، وكأن كل شيء قد تواطأ معهم، كان الجميع قد لبسوا ملابس جديدة بعد أن استحموا، مرت لحظات قصيرة، كان الجميع فيها يستعد لما يمكن أن يحدث، استمرت هذه الدقائق الغير متواطئة، إلى خمس دقائق، قطعها الصغير بقوله:
    رأيت أنني أهرب من أسد، وأن هذا الأسد لم يكن سوى نمر، ثم تحول إلى خفاش، ثم انتقل شكله إلى فراشة، ثم إلى نملة، توقفت فجأة لأجده نسراً يحاول أن يمسك كتفي، هربت بسرعة وهو يرتفع تارة، وينخفض تارة أخرى، لكنه ظل يلاحقني بهيئته الأخيرة، حاولت الاختباء، لكن المكان بدا مقفراً خالياً من أي شيء يمكنني الاحتماء به، ظللت أركض، وظل هو يلاحقني، فجأة توقفت دون أن أعلم أي سبب دعاني للتوقف، حين التفت وجدت أن ورائي مدينة كاملة، وهذه المدينة ترتدي قالباً كبيراً من الثلج، أسرعت بالعودة، أحسست أن المدينة تركض نحوي لا العكس، حين وصلت
    وجدت طفلة مدت يدها لتصدني عن الدخول، حين سألتها عن هذا الصد، أخبرتني أنه ينبغي علي أن أقدم هدية مناسبة لمدينة الثلج، أخبرتها عما جرى لي، وأني خائف ولا أدري ماذا حصل لي قبل قليل، أصرت على موقفها، وأصررت على إعادة سرد ما حصل لي، بعدها اتكأت على الباب وظللت أنتظر أي شيء يمكنه أن ينقذني، مر بي أناس كثيرين، لم أقدر على تبين ملامحهم، شيء أشبه بالضباب يلف وجوههم، وفي كل مرة كانت تأخذ منهم شيئاً ما، وتدسه في الصندوق الصغير الذي يقربها، بت أفكر في كيفية احتمال الصندوق لكل هذه الأشياء، لأنها مهما كانت صغيرة، فإن عددهم كان كثيرا، لم تكن تنظر إلي وقتها وتتصرف وكأني غير موجود، حين مللت، أخبرتها بأنها غير جديرة بالاحترام، وأني سأخبر عنها كل من يلاقيني، بأنها بخيلة، وأنها تستغل الجميع لكي تظفر بثروة لم تتعب في جمعها، ابتسمت لي، وأخبرتني أن علي الآن العودة، وأني كنت صادقاً فيما قلت، من وجود حيوانات تتغير أشكالها كلما زدت في الركض، فإني سأدخل هذه المدينة دون أن تراني هي، أو يعترض أحد سبيلي، أخبرتها بأني لم أعد أهتم بها، وأني سأعود إلى منزلي، وهناك يمكن لي أن أشكوها عند أبي، حين عدت وجدت كأس الماء الذي وضعته أمي بجانبي، وأن دراجتي التي أصررت على وجودها بالقرب مني كانت مقابل سريري، بدا كل شيء في غرفتي في مكانه، علمت وقتها أني كنت أحلم، استيقظت ولم أميز أشياء أخرى رأيتها بعد صحوي من الحلم، لأفاجأ أني أستيقظ ثانية، وأبدأ بإعادة ما حصل، كيف يرى الإنسان في حلمه أنه كان يحلم؟
    كانت الكلمات الأخيرة التي قالها الابن كفيلة بأن تحجب كل الضحك الذي كان مستعداً للخروج بمجرد انتهائه، نعم كيف يحلم الإنسان بأنه كان يحلم، من هذه التساؤلات الغير متداولة، يأتي الألم على جرعات مكثفة من التفكير، أطلقت الابنة ضحكة عالية على هذا الصغير الذي قلب الضحك وجوماً، لينتبه الجميع إلى البلاهة التي سيطرت عليهم، حين حاولوا تفسير شيء لا يفسر، إلا أن الابن كان قد أدرك أن سؤاله سبب لهم كثيراً من الأذى، مما اضطره إلى سؤالهم، عن سبب صمتهم، وعدم ضحكهم المباشر، أخبروه بأن مثل هذا الحلم لم يسمعوه من قبل، وأنهم تعودوا على أحلام خيالية لكنها تنتهي بخيالاتها، دون أن يتبعها صحو من حلم، لم يفهم مما قالوا شيئاً، إلا أنه أكمل أكله ومضى ليسبق الجميع إلى غرفة الجلوس، حين انتهى الجميع بعد التعاون في غسل الأطباق من كل شيء، خطرت على الأب فكرة الخروج من البيت بصحبة العائلة، إلى أي مكان يختاره رجل البيت الجديد، بعد تفكير طويل وتقليب أمكنة، كان محل الآيسكريم هو ما يريده الابن، ولم يكن لهم سوى الموافقة، أراح هذا الاختيار الأب كثيراً، خصوصاً وأنه لن يضطر وهو يتكلم عن سبب تغييره للمنزل، أن يتصادم مع نظرات أفراد العائلة، وأن الوضعية التي سيكونون عليها أثناء قيادته السيارة، والتي تصطف في خط أفقي، فكما تقول الدراسة أنها تمتص الكثير من متقبل الرأي الآخر، وتنفذ بسهولة قلب السامع، استغل هذا الوضع في قول كل ما يريده أمام عائلته، بدأ بالأحذية قال:
    بالأحذية ينتهي بنا المسير، ومنها يبتدئ من جديد، ولأن البيت ليس سوى جنة أولى، فإن تدنيسها بالحذاء يبدو غير لائق بعائلة تحاول الوصول إلى حياة مختلفة عن الآخرين، حينها وضعت الحبل المعلق في مدخل المنزل ليكون الابتداء الذي ننتهي منه.
    يتذكر الآن كل ذلك اليوم، بكل تفاصيله، وكيف استمر الحفاء سمة في تعاملاته الواضحة، ومن ثم في حياته الخاصة بعد أن انتقل عن أهله.
    هذا اليوم هو محتاج لأن يستعيد هذه الحادثة التي مر عليها أكثر من 10 سنوات، بدأ صباحه بكوب قهوة سوداء، وقطعة من الجبن القليل الدسم، مع ربع رغيف من الخبز المحمص، تأخرت الشمس عن صعودها السماء، بفعل الغيوم التي استولت على أشعة الشمس، ولم تترك لها حق الشروق، كان هذا دافعاً جيداً لكي يمارس هوايته اليومية المؤجلة إلى المساء، لكن بما أنه يمكن له تقديمها إلى الوقت الأحب إليه بفعل الغيوم، فإنه سيمارس رياضة المشي التي يدمن على مزاولتها يومياً في هذا الصباح الجيد لكل العادات الحسنة، ارتدى شورتاً أسود، وتي شيرت من النوع المخرق من كل الجهات، والذي يسمح للجسد أن يكسب كل النسيم المار من الهواء، حين عاد، كان عليه المضي إلى الاجتماع المضروب له في الساعة التاسعة، والذي تم أخذه في الشهر الماضي، مع مدير شركة الإنتاج التي يهفو الجميع لكي يقوموا بالانضمام إلى سلك التمثيل فيها، لا من خلال المال المستفاد فقط، بل من الأدوار الرائعة التي يمثلها الفنانون، ارتدى ثوبه، وتعطر بعطره المفضل ثم ذهب إلى حيث يكون مكان الاجتماع، ما إن دلف المكتب، حتى بادر بخلع حذائه، مما جعل المدير يذكره بأنه لا حاجة لأن يفعل مثل هذا، وأن الأرض ليست نظيفه ، وكلازمة يكررها دوماً، خرجت كلماته: ( من حيث ننتهي نبدأ دوماً)، وسرد للمدير سر هذه الكلمة، وكيف أن هذه الكلمة بارتباطها المباشر مع الفعل، كانت ملازمة له في كل حياته التي قضاها من بعد هذه الكلمة وحتى دخوله إلى هذا المكان، أحس المدير أن هذا الشخص هو المناسب للقيام بدور الممثل للعمل الذي يريده، لكنه كان محتاجاً لبعض الوقت، ليتأكد من صحة حدسه، أخضع ضيفه إلى اختبار صارم للشخصية، والثقافة، والقدرة على تمييز الأشياء، وكيفية تقليبه لبديهيات الحياة، أو تلك التي تكون بمعزل عن التفكير:
    - إذا اسيقظت من نومك، أي شيء تفكر به في مثل هذه اللحظة الفاصلة بين النعاس والصحو؟
    - قدرتي على رفع ظهري من وضعية الاستلقاء إلى وضعية الجلوس.
    - لكن ماذا إذا كان نعاسك ضارباً عليك عينيك؟
    - النعاس يأخذ الساهرين، أما أنا فقسط نومي معلوم الابتداء والانتهاء.
    - بأي شيء تستطيع أن تخبرني عن قدرتك في العيش بصورة مختلفة؟
    - حين ترى قطاً نائماً، فإنك تحاول المشي على طرف أصابعك، كي تمر دون أن يلحظك، لكنه مع كل محاولاتك لمثل هذا الفعل، يستيقظ، ويكون عليه حين إذ التفكير وتحديد إذا ما كان عليه الهرب، أو الإطلاع ببلاهة إلى مصدر الإزعاج، هكذا أنا أعمل مع كل شيء وفق هذا المنطق، لذا أجدني مختلفاً، لأني أخضع كل شيء إلى معياري أنا في تحديد الانفعال.
    - إلى أي حد تتلبسك الأشياء الصغيرة؟
    - في يوم زفافي، أخذت إلى غرفة النوم كل ما أمكنني جمعه من أحذية وملابس ارتديتها أيام طفولتي وشبابي، ووضعت لها مكاناً خاصاً أريه زوجتي كل يوم، وأخبرها عن عمر كل قطعة، وحين أنتهي من جميع الملابس، أرجع إلى كل قطعة، لأتذكر ما أمكنني التقاطه من أحداث مارستها مصحوباً بهذه الملابس، جميع حياتي تتكون من هذه التفاصيل الصغيرة، لأنها تمتلك ذاكرتي، وبذاكرتي الأولى أعيش التالية وهكذا.
    - حسناً. إجابتك تروق لي، لكن هذا الدور ليس كأي دور من الأدوار التي قام بها أحد، إنه دور عرض على أكثر من 10 ممثلين، وفي النهاية لم يتقبله أحد، لذا أنا أتركك مع نفسك ثلاثة أيام تقرر هل باستطاعتك تأديته، أو لا، وآمل أن تكون بقدر ما أظنك عليه.
    مضى ويديه تختصم رزمة الأوراق التي كان عليه أدائها، توجه مباشرة إلى مكتبه، و هناك أخذ كوب قهوة، وبدأ بقراءة العمل، منذ السطر الأول أدرك أنه مقدم لا محالة على طقس تمثيلي غير مألوف، بدأ من حيث انتهى، كان ابتداء غير متوقع، أخذت الشخصيات تتلبسه رويداً رويداً، كان خلال هذه الأيام يعتزل في مكتبه، ولا يسمح لأي أحد أن يتقدم أمام الباب إلا زوجته وهي تقدم له الوجبات الثلاث، وهي تنظر له بشفقة بالغة، وتحاول رمي جملة لتمضي بعدها خائفة من غضبه: (انتبه لنفسك)، في اليوم الثالث كانت الشخصيات تتسابق إلى ذهنه، أحس بمن يشج هامته بحجر مدبب، تبعته رعشة شديدة البرودة، توجه إلى الأريكة، تمدد وخوف كثيف يحتل ذهنه المتشتت، بدأ يهذي بكلمات غير مفهومة، ثم ببعض الجمل التي قالتها الشخصيات، خلط كل شيء، لم يعد يعرف هل هذا كلام هذا، أو كلام ذاك، ما يتذكره جيداً أنه كان عليه القيام بدور:
    ( نادل،بنت تفقد أباها، مجنون، كرسي، رسام، قط)، وأن عليه اليوم إصدار الكلمة الأخيرة بالقبول أو الرد.

    الرياض
    صباح الثلثاء 18/7/2005

    تمت الروايـة بحمد الله


    أتمنى لكم قراءة ممتعـة ... و تعليقًا أهم

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    الرياض
    الردود
    130
    رائع هو اسلوب الكاتب..
    ولا ننسى روايته القارورة..
    شكرا لما قدمت..
    وبإنتظار المزيد..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة حـ..روف! عرض المشاركة
    رائع هو اسلوب الكاتب..
    ولا ننسى روايته القارورة..
    شكرا لما قدمت..
    وبإنتظار المزيد..

    عزيزي (حروف ) ... كاتب هذه الرواية شـاب في العشرينات .... ، وهذه أولى محاولاتـه الروائيـة وهذه مدونته دخـــان

    و كاتب القارورة هو ( يوسف المحيمـد )

    شكرًا لـــك >>>>>>>>>>>>>> أيضـــًا

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •