Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 16 من 16

الموضوع: سنّة الآولين..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350

    سنّة الآولين..

    سنة الأولين؛ تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها - تأليف: ابن قرناس

    نبذة مأخوذة من مكتبة النيل والفرات
    جاء نسخ القرآن لعدة نسخ بعد أن دخل الإسلام ملايين الناس وتعاقبت الأجيال بعيداً عن تأثير كتاب الله. فكان البديل تشريعات بشرية هي خليط من كل ديانة ومعتقد كان يدين بها الناس في البلاد التي استولى عليها المسلمون في الربع الأول من القرن الهجري الأول، والتي عرفت طريقها لتكون التراث الإسلامي، لأن الناس لما دخلوا الإسلام ولم يعرفوا عنه سوى الشهادة والعبادات، لعدم وجود القرآن، أبقوا معتقداتهم السابقة. وجيلاً بعد جيل ظن الناس أن تلك المعتقدات إسلامية، فنسبوها إلى الإسلام على شكل أحاديث منسوبة إلى رسول الله، ولو كانت نصوصاً منقولة حرفياً من الكتاب المقدس لليهود أو المجوس أو الصابئة، أو أنها معتقدات وثنية أو خرافات وأساطير يونانية. ومع الأيام تحول ذلك التراث الهجين إلى ما يسمى بالفقه والتفسير والحديث، وتوارثه الناس على أنه شرع الله وإسلامه، وحورت معاني آيات القرآن الكريم لكي تتوافق مع التشريعات التي ابتدعها البشر.
    وقد أخبرنا جل وعلا بما سيحل بمن فعل ذلك يوم القيامة: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً. وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً (الفرقان:27-30).

    أما في الدنيا فقد سلط الله على المسلمين المحن والمصائب منذ قرون وبشكل فاق ما تعرض له بنو إسرائيل، لأن الأمتين تشابهتا في أنهما قد اختارهما الله لحلم أمانة الرسالة، وأودع فيهما كتابه. فاليهود قد أنزل عليهم الوحي على شكل توراة مكتوبة، والمسلمون على شكل قرآن كتوب، فيما كانت الأمم السابقة ينزل عليها الوحي مشافهة ولا يكتب. وقد اخفق المسلمون كما أخفق اليهود قبلهم في حمل الأمانة. فكان لزاماً أن يصيبهم ما أصاب اليهود، من تشتت وفرقة وخذلام ومهانة، وما حل بهم من المحن والمآسي، وستبقى هذه حالهم ما لم يعودوا إلى شرع الله أو يقيض الله لشرعه من يتشرف بحمل مسؤوليته من شعوب أخرى.

    هذا هو الموضوع الذي يدور حوله الكتاب، والذي يحتوي على اثني عشر باباً وخاتمة وملاحق، يتعرض الباب الأول إلى مفهوم الدين بشكل عام، وأن كل الأديان الموجودة بين الناس الآن قد تحدرت من دين واحد، حتى ما تعارفنا على نعتها بالأديان الوثنية، ليس فقط في التشريعات، بل وفي النصوص المنزلة بواسطة الوحي. لأن هنالك نسخة أصلية واحدة لهذه النصوص محفوظة بآلية لا نعرفها، سماها القرآن اللوح المحفوظ، وأم الكتاب، والكتاب المكنون، وكلها أرسل رسول من الرسل نزلت عليه نسخة من تلك النسخة الأصلية.

    وفي الباب الثاني استعراض لمواقف بعض الأمم السابقة و الذين ذكرهم القرآن العظيم للتدليل على أن مواقف الناس من الدين واحدة في كل مكان وزمان منذ خلق الله البشر على هذه الأرض. وبيان أن الدين كان واحداً عند بدء الخليقة ثم تحور إلى عقائد فاسدة جيلاً بعد آخر، فبعث الله الرسل تتراً لإعادة الناس إلى صافي العقيدة والدين الأول. لكن الطبائع البشرية الواحدة كانت تتشابه في مواقفها من الرسل، مهما كانت متباعدة عن بعضها في المكان والزمان، ولذلك تشابهت النتائج والنهايات.

    والباب الثالث يستعرض مثالاً حياً لتحول الناس عن الدين، تحدث عنه القرآن، والمتمثل في سيرة بني إسرائيل وموقفهم من الدين أثناء حياة موسى، وبعد رحيله عليه الصلاة والسلام، وكيف عذبهم الله بذنوبهم على مر العصور، ولم يهلكوا بحادثة واحدة كما الأمم الأخرى.

    ويتحدث الباب الرابع عن شخصية محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه كان بشراً سوياً لا يختلف عمن سواه من الناس في المشاعر والأحاسيس والتصرفات والخطأ والنسيان، ولكنه أكثرهم مسؤولية حيث اختاره الله سبحانه وتعالى ليكون رسولاً له لتبليغ الدين للناس، وذلك بعد أن خضع لبرنامج إلهي للتأهيل النفسي والبدني ليكون قادراً على تحمل أعباء الدعوة.

    والباب الخامس يستعرض موقف الناس ن دعوة محمد، في يثرب: اليهود والأوس والخزرج، وفيه خيبر، ومثله الباب السادس الذي يتحدث عن موقف الناس من الدعوة في مكة والطائف وبقية قبائل جزيرة العرب، وكيف أن سنة الأولين جرت على مواقف أولئك الناس من الإسلام بشكل مطابق تماماً لمواقف الأمم السابقة من رسلهم، وكيف كانت نهايات كبراء اليهود وقريش والطائف والقبائل العربية مطابقة لنهايات تلك الأمم أيضاً، وإن اختلفت أسباب الهلاك.

    والباب السابع يتطرق لحياة من أشهر إسلامه زمن رسول الله، والذين أطلق عليهم في عصور لاحقة مسمى "الصحابة". وكيف أنهم لم يكونوا على درجة واحدة من التمسك بالدين، وأن محاولة بعض المؤرخين المسلمين تنزيههم من الخطأ والقصور تجريداً لهم من إنسانيتهم، مع التدليل على ذلك بما قاله القرآن عنهم.

    ويتحدث الباب الثامن عن دولة الإسلام في صورتها النهائية التي تركها عليه رسول الله عند وفاته، وبعد اكتمال التشريعات الإلهية باكتمال نزول القرآن، والركائز الأساسية التي تقوم عليها تلك الدولة، ومن ذلك طريقة الحكم التي تختلف عن كل نظم الحكم التي عرفها العالم، قديمه وحديثه.

    ويظهر الباب التاسع المخصص للحديث عن عصر الخلفاء الراشدين، كيف بدأت العثة تنهش في جسد الدين وتشريعاته بدءاً من اللحظة التي توفي فيها رسول الله، وكيف أن اختيار حاكم لدولة الإسلام قد هدم أول ركيزة قامت عليها دولة الإسلام، وكيف أن حروب الردة والفتح ليس فقط ساهمت بالقضاء على ضوابط الجهاد التي أقرها القرآن وأعادت الناس لعادات الحروب الجاهلية، بل وهيأت بيئة مناسبة لظهور مبادئ التشريعات البشرية على أيدي من عرف بالفقهاء فيما بعد، وتبنى ثقافات متنوعة وإدخالها ضمن التراث الإسلامي، مع ابتعاد تأثير القرآن على المجتمع وانحساره في تراث المسلمين الديني.

    ومما سيعرض له هذا الباب، فتنة عثمان وكيف ساهمت في تحول الناس أكثر عن الدين، ومثلها الحروب التي دارت بين علي بن أبي طالب ومعارضي توليه الحكم، وكيف تحت الباب على مصراعيه للحكام لكي يستولوا على الحكم بقوة السلاح واستسهال قتال المسلمين وقتلهم.

    كما سيتعرض هذا الباب إلى نسخ المصاحف أيام عثمان وكيف أنه تأخر كثيراً، وكيف أن هذا التأخر ساهم بشكل كبير في دخول معتقدات من الديانات الأخرى، لتراث المسلمين ونسبتها إلى الإسلام. وهناك فصل خاص للحديث عن البيئة التي أوجدت المناخ المناسب لنشأة ما يعرف اليوم بالفقه والتفسير والحديث، التي بواسطتها دخلت المعتقدات الغريبة إلى التشريعات والتراث الإسلامي وانتسابها إليه. كما أن هناك فصل خاص للحديث عن البيئة التي أوجدت المناخ المناسب لنشأة ما يعرف اليوم بالفقه والتفسير والحديث، التي بواسطتها دخلت المعتقدات الغريبة إلى التشريعات والتراث الإسلامي وانتسابها إليه. كما أن هناك فصلاً آخر يتحدث عن ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى ونشاط الدعوة التي يقوم بها المسلمون بين المسلمين وغير المسلمين لجذبهم إلى الإسلام، وكيف أنها تروج لإسلام مذهبي وليس للدين الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

    وفي الباب العاشر يتم التعرف على عصر بني أمية، ثم التعرف على عصر صدر بني العباس في الباب الحادي عشر، لتكتمل بهما صورة أوضاع المسلمين الحالية التي استبعدت التأثير القرآني من حياتهم وتشريعاتهم، وعرفت الفقه وتقديس تشريعات الفقهاء، والحديث وتقديس الأخبار المنسوبة إلى الرسول، والتفسير وتمكين الخرافة والأسطورة كجزء من العقيدة. إضافة إلى تسلط الحكام، واستغلال تشريعات الفقهاء للقضاء على المعارضين والمنتقدين السياسيين، وتحول المجتمع المسلم من حقل مزروع فيه نوع واحد من المزروعات، لا اختلاف بين نباتاته، كما أراد الله لهم أن يكونوا، إلى طبقية منتنة، تبوأ الحكام ومن حولهم قمتها مسيطرين على كل مداخيل الدولة، بعد أن حولوها إلى ملك شخصي لهم، وطبقة من المواطنين محرومين من أبسط حقوقهم وكرامتهم، يعيشون على التسول بالكلمة والجسد لمن يدفع لهم ما يسد رمقهم.

    ويلخص الباب الثاني عشر النتائج التي ترتبت على تحول المسلمين من دين الله وكيف أثرت في حياتهم ومعاشهم وموقف الناس منهم وتعاملهم معهم.

    ليأتي بعد ذلك ختام الكتاب بالتأكيد على أن ما يعيشه المسلمون من ضياع وتشتت ومهانة وضعف وفقر وجهل وتخلف، هو نتيجة حتمية لتخليهم عن دينهم إلى تشريعات ابتدعوها من عند أنفسهم. وأن خلاصهم لن يكون إلا بالرجوع إلى الإسلام، إن هم رغبوا العزة في الدنيا والنجاة من النار في الآخرة.

    وقد ألحقت بالكتاب ملاحق قسمت إلى قسمين: القسم الأول لإعطاء أمثلة على التشريعات الفقهية، وكيف أنها تخالف ما ورد في القرآن. والقسم الثاني يعطي أمثلة على ما أدخله التفسير على دين الله من خرافات وأساطير.

    الناشر:
    حسب القرآن الكريم فإن وجود الإنساني على الأرض بدأ برجل وامرأة، ثم بعائلة صغيرة، ثم بمجتمع صغير. ويؤكد لنا القرآن الكريم أن ذلك المجتمع الأول كان يقوم على طاعة الله وإتباع دينه القويم الصافي، أو دين الفطرة، كما سماه: "فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (الروم:30).

    ولكن ذلك المجتمع الأول توالد وكثرت أعداده وانتشروا على مساحات أوسع من الأرض، مكونين عدة مجتمعات. و مع الزمن نسي الناس بعضاً من الدين ودخلت عليه تشريعات غريبة عنه ابتدعها البشر وتمسكوا بها على أنها من دين الله.

    http://www.neelwafurat.com/itempage....7&search=books

    .................................................. ......................

    سنة الأولين
    تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها

    ابن قرناس

    منشورات الجمل
    Kalmaaly@aol.com

    .....................................


    بسم الله الرحمن الرحيم
    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ.(الحجر:10-13)

    ....................................

    المحتويات

    المحتويات....................................... 3
    توطئة........................................... 4
    الدين............................................ 9
    موقف الناس من الدين عبر العصور............ 22
    موقف بنو إسرائيل من الدين.................... 41
    محمد الإنسان والرسول......................... 50
    موقف الناس من دعوة محمد.................... 63
    يثرب........................................... 64
    قريش........................................... 85
    المسلمون زمن الرسول.......................... 107
    دولة الإسلام..................................... 130
    الخلفاء الراشدون................................. 174
    سقيفة بني ساعدة................................. 176
    أبو بكر.......................................... 181
    عمر بن الخطاب................................. 189
    عثمان بن عفان................................... 197
    علي بن أبي طالب................................ 199
    كتابة القرآن وجمعه.............................. 203
    ولادة الفقه والحديث والتفسير..................... 211
    الترجمة والدعوة................................. 230
    دولة بني أمية.................................... 236
    معاوية بن أبي سفيان............................ 238
    عبدالملك بن مروان............................. 243
    الوليد بن عبد الملك............................. 245
    دولة بني العباس............................... 249
    حصاد الهشيم.................................. 259
    الخلاصة...................................... 265
    الملاحق....................................... 269
    أمثلة على التشريعات الفقهية ومخالفتها للقرآن.. 270
    أمثلة لأقوال المفسرين......................... 364

    الترقيم لا يطابق ترقيم الصفحات في النسخة الأصلية والمنشورة للكتاب..
    .....................................

    توطئة..
    يقول القرآن الكريم بأن الوجود الإنساني على الأرض بدأ برجل وامرأة، ثم بعائلة صغيرة، ثم بمجتمع صغير. ويؤكد لنا القرآن الكريم أن ذلك المجتمع الأول كان يقوم على طاعة الله واتباع دينه القويم الصافي، أو دين الفطرة، كما سماه:
    فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.(الروم:30).
    ولكن ذلك المجتمع الأول توالد وكثرت أعداده وانتشروا على مساحات أوسع من الآرض، مكونين عدة مجتمعات. ومع الزمن نسي الناس بعضاً من الدين ودخلت عليه تشريعات غريبة عنه ابتدعها البشر وتمسكوا بها على أنها من دين الله:
    وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.(يونس:19)
    فبعث الله سبحانه الرسل لتعيد الناس لدين الفطرة، أي دين النشأة الأولى للبشر:
    كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ .....
    وكانت التشريعات الدخيلة يتم تبنيها ضمن دين الله بواسطة الذين يفترض بهم أن يُحكّّموا شرع الله بينهم، وهم الزعماء " وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ "
    ومن يفترض فيهم أنهم أكثر الناس معرفة بدين الله، وهم من نصبوا أنفسهم كرجال للدين:
    وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.(البقرة:213)
    وكلما ابتعد الناس عن الدين بعث الله سبحانه وتعالى الرسل لإعادتهم للسراط المستقيم:
    يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.(الأعراف:35)
    ولكن الناس كانوا لا يستجيبون لدعوة الرسول لأن زعماءهم ورجال دينهم ووجهاءهم أصبحوا ينتفعون من وضعهم الذي وجدوا أنفسهم عليه، والذي جاء الرسول يدعوا لنبذه والتخلي عنه، لذا لم يعد الرجوع للدين يستهوي الغالبية من الناس:
    ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ.(يونس:74)
    ولأن الرسول رجل عادي يدعوا لنبذ ملذات الدنيا مقابل ملذات بعلم الغيب تتمثل بحياة ما بعد الموت، فإن أغلب الناس ينظرون للرسول على أنه مجنون وأن من يتبعه قد فقد عقله أو غم عليه:
    كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.(الذاريات:52)
    ولذلك اقتصر الإيمان بالدعوة دائماً على قلة من الضعفاء، ومن يتطلعون لوضع أفضل من الوضع الذي هم عليه:
    قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ.(الأعراف:75-76)
    أما بقية أفراد المجتمع فلن يؤمنوا ولو بقي الرسول بينهم إلى الأبد، ولم يكونوا يكتفوا بعدم الإيمان بالرسول بل يحاولون قتله وصد الناس عن الدعوة والوقوف ضد انتشارها:
    قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ.(الأعراف:88)
    وفي النهاية يهلك الله سبحانه وتعالى أولئك الكبراء، كما سماهم القرآن، وينجي الرسول والقلة الذين آمنوا معه:
    فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِين.(يونس:73)
    والقرآن الكريم ذكر عدداً من الأمم السابقة التي كانت تعيش في جزيرة العرب، وكانت قريش تعرف مساكنهم:
    أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى.(طه:128)
    ومن تلك الأمم ما جاء ذكرهم في قوله تعالى:
    كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ.(ق:12-14)
    وكلهم وغيرهم كانت مواقفهم من دعوة الرسل ثابتة، حيث يبدأ المؤمنون القلة الذين نجوا مع الرسول يتحولون عن تشريعات الدين شيئاً فشيئاً مع الزمن، فيرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً من بينهم يدعوهم للرجوع لدين الله القويم الذي بسبب التمسك به نجّا الله أجدادهم من الهلاك.
    فقريش كانوا ذرية لإسماعيل الذي يدين بدين ابيه إبراهيم، مثلما كان قوم عاد ذرية من نجا مع نوح:
    .... إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.(الأعراف:69)
    وثمود ذرية لمن آمن من قوم عاد:
    وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ.(الأعراف:74)
    ليتكرر المشهد بوتيرة واحدة لا تتغير، برغم إختلاف الزمان والمكان:
    كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.(الذاريات: 52-53)
    ولأن السنة هي الطريقة التي تُبتدع ثم يتبعها الناس، والتي قد تكون سنة ممدوحة أو سنة مذمومة. فقد أطلق القرآن على مواقف الأمم من الدين مسمى " سنة الأولين"، كطريقة سار عليها البشر بتوافق غريب، ومن هنا جاءت تسمية الكتاب...
    عُدّل الرد بواسطة alshaeb : 21-08-2006 في 09:22 AM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    توضيح ..

    نعود لقول المؤلف..
    وقد مرت بالمسلمين نفس المواقف التي وقفتها الأمم السابقة من دين الله، فلم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا قلة من الناس أغلبهم من الضعفاء والعبيد، وقد أهلك الله كبراء قريش واليهود وقضي على سلطة قبائل الجزيرة باستسلام زعمائها لدولة الإسلام، التي كانت عندما توفي رسول الله تسيطر على كامل تراب جزيرة العرب، وإن لم يمثل المؤمنون بالإسلام إلا قلة قليلة، أما الغالبية فقد بدأوا التحول عن الدين بمجرد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    ولأن السنة هي الطريقة التي تُبتدع ثم يتبعها الناس، والتي قد تكون سنة ممدوحة أو سنة مذمومة. فقد أطلق القرآن على مواقف الأمم من الدين مسمى " سنة الأولين"، كطريقة سار عليها البشر بتوافق غريب، ومن هنا جاءت تسمية الكتاب...
    إذا التعريف الذي لا يجب أن يغيب عن ذهن القاريء الكريم والمتابع..
    هو هذا التعريف تحديدا..
    بمعنى:
    إن ما سبق تكراره أعلاه, هو التعريف الذي يتم سحبه, من قبل المؤلف, وعلى امتداد فصول الكتاب, "لتعريف المسلمين".

    _ (وهو بالتالي دلالة على "طريقة" تفكير وفهم وعبادة وطقوس وتفسير, بشري قاصر لمفاهيم الإسلام الأول.(

    وهم من يشملهم القول, "المسلمين"....

    بمعنى أوضح, ليس جميع المسلمين وليس كلّ المسلمين, وهذا لا يعني أي إدانة لاجتهاد كل المسلمين في العبادة والتمسك بدين الله..
    وأيضا وبدقة إن القول..

    _ (" وهو بالتالي دلالة على "طريقة" تفكير وفهم وعبادة وطقوس وتفسير, بشري قاصر لمفاهيم الإسلام الأول. ").

    يعكس تماماً ما يقوله الكتاب وما يقصده، فهو يطلق لفظ المسلمون، بالجمع ويعني مذهباً أو جماعة من المسلمين أحياناً، ويعني جميع فرق المسلمين أحياناً أخرى.

    وفي النهاية هذا "كتاب متكامل", لا يمكن الحكم على فصل منه بعينه أو نص محدد..

    ويمكن لأي فريق من المسلمين القبول أو الرفض, ولكن يقتضي الرفض, على "فكر إسلامي", بهذا الوضوح وهذه الدقة والعلمية والجهد, أن يكون هناك ردا مماثلا له في كلّ ما سبق, ويقدم على الأقل نصا يوازيه..

    وهذا بتقديري الشخصي, عاملا ايجابيا لأصحاب المذاهب الإسلامية على غناها وتنوعها, إذ لا يمكن الرفض بدون "القدرة" على تقديم "حجة" أقوى من حجة المؤلف هنا..
    أو بينة شرعية أو تراثية أو تاريخية, على نفس الدرجة من الاجتهاد والإجماع والوضوح..

    قد تبدو "لبعض" المسلمين, بعض المفردات أو الجمل, كما لو كانت أحكام أو إدانات أو حتى إهانات..
    وهذا ليس إحساسا صحيحا وسليما, ولا علاقة للنص, بوقوعها في نفوس القرّاء الكرام, هذا الموقع.
    لأنه وفي النهاية ولو وجد من قبل "جمل" اتفق عليها السلمون سابقا, لما وصلنا أصلا, إلى ما وصلنا إليه من "فرق" و "تفرق".
    ولأن النص متزن ودقيق ومركز, ويعالج بكثافة, مواضيع هي في صلب "المقدس" الإسلامي, المختلف عليه بشدة وعدائية غير مبررة على الإطلاق, وعند المذاهب جميعها, وبلا استثناء..
    والحوار هو الدليل الوحيد, على أن المتحاورين, مقتنعون بأفكارهم, ومطمئنون لها, ويقبلون الآخرين, ومتمسكون بالتسامح الإسلامي, وبأن هذا الدين الحنيف, دين "يسر" و "معاملة".<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o></o>

    .................................................. .....................<o></o>
    _ سبق وقدمت الفصول الأولى, في المنتدى..<o></o>
    وسأتابع تقديم الكتاب من حيث انتهيت.. <o></o>
    21/8/2006 <o></o>

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    لباب الثالث

    موقف بنو إسرائيل من الدين
    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.(النمل:76-77)



    &yacute; بنو إسرائيل ذكرهم القرآن الكريم كمثال حي على عدم بقاء الناس على الدين وتحولهم عنه لمعتقدات من صنع البشر.

    &yacute; لم يتبع موسى ويخرج معه إلا قلة قليلة منهم، أما البقية ففضلوا حياة السخرة تحت حكم فرعون على إتباع موسى.

    &yacute; غالبية من خرج مع موسى لم يؤمنوا برسالته، ولكنهم تبعوه بحثاً عن أوضاع معيشية أفضل.

    &yacute; بعد نجاتهم من فرعون سرعان ما تحولوا عن دين الله وموسى بينهم.

    &yacute; بعد وفاة موسى تعاظم تحولهم عن الدين إلى تشريعات ابتدعها لهم رجال دينهم.

    &yacute; الأرض الموعودة لليهود كانت بُعيد خروجهم من مملكة فرعون، وكان مطلوباً منهم أن يُخرجوا أهلها الكفار منها، ولكنهم لم يفعلوا فحرمهم الله منها إلى الأبد وكتب عليهم التيه (التجوال) أربعين سنة كعقاب لهم.

    &yacute; بسبب ترك كتاب الله واتباع تشريعات بشرية عاقبهم الله بعقوبات مستمرة منذ عهد موسى إلى اليوم، فسلطت عليهم القوى الخارجية، وشتتوا في بقاع الأرض وكرهتهم الشعوب، ولم يُهلكوا بحادث واحد كما حصل للأمم السابقة.








    أرسل الله سبحانه وتعالى موسى بدعوتين، واحدة لبني إسرائيل تعدهم بأن كل من يؤمن منهم بالله فسيتم تخليصه من عبودية فرعون:

    وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ. مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ.(الدخان:30-31)

    والدعوة الثانية كانت موجهة لفرعون بأن يؤمن بالله أولاً ويسمح لبني إسرائيل بالخروج مع موسى ثانياً:

    وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.(الأعراف:104-105).

    ولم يؤمن فرعون بالله، وقام بملاحقة مؤمني بني إسرائيل بقيادة موسى، قبل أن يغرقه الله:

    وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ.(البقرة:49-50)

    وسبق وذكرنا في الباب الثاني بأن مواقف الناس من الدين لا تتغير في أي مكان وزمان، وأنها تمر بأربع مراحل، هي: مرحلة تصديق بعض الضعفاء وامتناع بقية الناس، ثم مرحلة استمرار الدعوة، يلي ذلك مرحلة القضاء على الكبراء، وبعدها مرحلة تحور الدين. وفي هذا الباب سنتعرض لبعض ما ذكره القرآن عن مواقف اليهود من الدين، أثناء حياة موسى وبعد موته، وكيف أن من أعلن إيمانه بدعوة موسى ونجا معه من فرعون، مع قلتهم، سرعان ما بدأوا بالتحول عن أوامر الدين ونواهيه، مع أن رسول الله لازال حياً بينهم، ثم اتسع نطاق التحول عن الدين بعد رحيله عليه الصلاة والسلام.

    وهدفنا من ذلك هو التأكيد على أن سنة الأولين جرت على كل الأمم، وعلى أن ما سنجده قد حدث للمسلمين من تحول عن الدين من اللحظة التي توفي فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام إنما هو مماثل لما حدث لليهود، وما حدث لليهود مماثل لما حدث للأمم السابقة قبلهم، كنتيجة طبيعية بناءً على تلك السنة القرآنية " سنة الأولين " التي درج البشر على تكرارها.

    بنو إسرائيل زمن موسى
    في البداية يلزم أن نذكر أن بنو إسرائيل الذين بعث فيهم موسى عليه الصلاة والسلام، هم من نسل يوسف وإخوته الإحدى عشر أبناء يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام، والذين قدموا لتلك البلاد في آخر حياة يعقوب وأقاموا فيها وتناسلوا. أي أنهم كانوا أبناء رسل وأنبياء، وبرغم ذلك – وبحكم قانون سنة الأولين - تحولوا عن الدين جيلا بعد آخر، حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم وامتحنهم بالسخرة التي فرضها عليهم فرعون.

    وعندما بعث بينهم موسى لم يتبعه منهم إلا نفر قليل، واستحب أغلبهم البقاء تحت سخرة فرعون على الخروج مع موسى، وهذه شهادة القرآن الكريم:

    فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.(يونس:83)

    ويحدثنا القرآن المجيد أنه بمجرد غرق فرعون ونجاة من تبع موسى من بني إسرائيل، ابتدأت سلسلة من المواقف التي تظهر بوضوح أن أغلب من خرج مع موسى لم يتمكن الإيمان من قلوبهم. فقد ساورتهم فكرة العودة إلى تراثهم الوثني السابق مباشرة بعد أن أنجاهم الله من فرعون:

    وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.(الأعراف:138).

    لأن تعاليم الدين التي اكتسبوها حديثاً لم تتعمق في النفوس بما يكفي لتكون بديلاً للتراث الديني المتأصل.

    وأثناء ترحالهم مع موسى، أمرهم الله أن يدخلوا الأرض التي وعدهم لتكون وطناً بديلاً لهم عن البلد التي خرجوا منها:

    وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ.(المائدة:20-24).

    ومع أن الله قد وعدهم بالنصر والاستيلاء على تلك الأرض لتكون وطناً لهم[1]، إلا أن اليهود يريدون من الله أن يقاتل عنهم ويفعل كل شيء بالنيابة عنهم. وهو ما يتشابه مع ما يقوم به المسلمون في الوقت الحاضر عندما تحل بهم نازلة، حيث يتجهون للقنوت في الصلاة وفي خطب الجمعة طالبين من الله أن يسحق أعدائهم بالنيابة عنهم وأن يفعل بهم كل ما يشتهي المسلمون، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء اتخاذ أسباب النصر من عتاد واعتقاد.

    ولم يستجب لنداء القتال سوى موسى وهارون:

    قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ.(المائدة:25)

    فحرم الله بني إسرائيل من الأرض التي وعدهم وحكم عليهم بالتيه:

    قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ.(المائدة:26).

    والتيه لا يعني أنهم ضاعوا وسط صحراء معدومة المعالم، واستمروا بالسير فيها على غير هدى لمدة أربعين سنة، لأنه لو حدث هذا فلن يستطيعوا البقاء على قيد الحياة طوال هذه المدة بدون ماء أو طعام. ولكن يحتمل أن يكون المقصود بالتية هو الترحال المستمر من مكان لآخر.

    وإذا كان التيه (الترحال) قد حدث في جنوب غرب جزيرة العرب، على اعتبار أنهم كانوا هناك بالفعل وأن فرعون لم يكن إلا حاكماً لمستعمرة مصرية في تلك البلاد، وليس في بلاد النيل، فيمكن تفهم ترحالهم الطويل هذا، لأن تلك المناطق مقسمة بين قبائل مختلفة، مستقرة تمتهن الزراعة والرعي، وكلما حط بنو إسرائيل الرحال في مكان جاءهم أهله وطلبوا منهم الرحيل، وكان يمكن أن يكون لهم وطن لو استجابوا لربهم واستولوا على الأرض التي وعدهم الله إياها، بعيد نجاتهم من فرعون، ولكنهم أبوا القتال فكان الترحال المتواصل لمدة أربعين عاماً عقاباً لهم.

    وهنا يمكن أن نستنتج أن من خرج مع موسى من اليهود كانوا عبارة عن ثلة قليلة من رجال ونساء وأطفال، غير مسلحين ولا يحملون معهم إلا متاعهم الشخصي الخفيف، هربوا خارج البلد التي يحكمها فرعون. فلما علم بهروبهم، لحق بهم في جيش مسلح، عدد أفراده أضعاف عدد قوم موسى الهاربين. وقد أكد القرآن الكريم قلة عددهم على لسان فرعون:

    فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ.(الشعراء:53-55)

    ولو كانت أعداد بني إسرائيل تقدر بستمائة ألف ماش عدا الأولاد، كما يقول الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج، لاكتسحوا كل من يمرون عليه في طريقهم، ولما امتنعوا عن قتال قلة من الناس كانوا يسيطرون على تلك البلدة التي وعدهم الله إياها لتكون أرضاً لهم. ولما طلب منهم أثناء ترحالهم أن يدخلوا قرية ليتزودوا منها بالطعام والمؤن:

    وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.(البقرة:58). لأن ما في قرية صغيرة من متاع لن يكفي ذلك العدد الهائل المزعوم.

    ولو كانت أعدادهم بمئات الألوف لسجل التاريخ ترحالهم كواحدة من أكبر الهجرات البشرية على مر العصور، ولسجلها أهل البلاد التي مروا بها في قَصصهم الشعبي، وتوارثوها جيلاً بعد آخر.

    وقد تعددت المواقف التي تظهر ضعف إيمانهم، ومن ذلك أنه أثناء تجوالهم تعرضوا لهزة أرضية، فسارعوا لموسى محتجين على ما حدث لاعتقادهم بأن الله سيهلكهم. وقد سجلت كتبهم نص الاحتجاج: وقالوا لموسى هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية. ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر.أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين كف عنا فنخدم المصريين. لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية.(الخروج: الإصحاح الرابع عشر: 11 -12). ويظهر كلامهم مدى تغلغل حياة الذل في نفوسهم.

    كما سجل القرآن ردة فعل موسى كإنسان تجاه ما حدث لقومه:

    وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.(الأعراف:155)

    وبعد فترة، تركهم موسى لمدة أربعين ليلة فقط، لتلقي التوراة من ربه بجانب الطور، أي الجبل ذو المنحدرات الشاهقة أو كثير الأشجار، كما يقول صاحب لسان العرب، وإذا ببني إسرائيل يرتدون إلى عبادة الأصنام، وكأن بقاءهم على الدين لا يعني لهم أكثر من كونه مجاملة منهم لموسى منقذهم، وبما أنه غائب فسيعودون لما اعتادوه قبله:

    وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ.(البقرة:51)

    ومع أنها المرة الثانية التي يظهرون فيها ردتهم، فقد عفا الله عمن تاب منهم:

    ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.(البقرة:52).

    لأن الله سبحانه يعلم أن دخول الناس في الدين لا يلغي من عقولهم ومن تصرفاتهم كل ما يتعلق بموروثهم العقائدي السابق الذي يحتاج عدة أجيال متلاحقة لاجتثاثه من النفوس وتأصيل تراث جديد مكانه.

    ويكون بعضهم قد عمل السوء بجهالة ليس لأنهم تعمدوا الخروج عن الدين ولكنهم عادوا لطبائع اعتادوها بحسن نية وتقليداً للغير. أما البعض الآخر فكانوا ممن تظاهر بالدين ليستفيد من الوضع الجديد المصاحب للدعوة دون اقتناع:

    إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ. وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ.(الأعراف:152-153)

    ومع أن بني إسرائيل كانوا شهوداً على معجزات موسى وعلى نجاتهم من فرعون ومن ثم نزول التوراة وما فيها من تشريع، إلا أن كل هذا لم يكن كافياً للبعض منهم ليؤمنوا:

    وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ.(البقرة:55). فكل الوعود الغيبية بالنعيم في الآخرة يصعب أن يصدق بها الإنسان. وإذا كان موسى الذي قد عاد للتو مخاطباً ربه ويريدهم أن يؤمنوا بهذا الرب، فلماذا لا يرونه هم أيضاً؟

    ولأن سؤالهم نابع من شكهم في وجود الخالق وليس لتطمئن قلوبهم كما هي الحال مع إبراهيم، فإن العذاب كاد أن يحل بهم لولا عفو الله عنهم مجدداً:

    ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.(البقرة:56)

    بل إن الله رأف بهم، حيث توفرت الظروف المناخية المناسبة لتكوّن السحب فوق المنطقة التي كانوا فيها لتحميهم من حر الشمس اللافح وهم في ترحالهم، ويسر الله لهم العثور على المن والسلوى ليأكلوا من طيبات الرزق:

    وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.(البقرة:57)

    وبرغم ذلك فقد استحب كثير منهم العمى على الهدى، فأخذهم الله بذنوبهم:

    فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ.(البقرة:59)

    وفي كل مرة يستجاب لمطالبهم كانوا يطلبون المزيد، وكان كفرهم يزيد. فما كان من موسى إلا أن خيرهم بالقبول بدين الله والصبر على المصاعب، أو العودة لمصر حيث سيجدون كل ما سألوا عنه من بقول الأرض، ولكنهم سيعودون للعبودية التي يبدوا أنهم اعتادوها فأصبحوا أذلاء مهانين:

    وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ. وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُون.(البقرة:60-61)

    ومن كثرة فسقهم وعدم طاعتهم لأوامر الدين عاقبهم الله بأن حرم عليهم بعض المأكل الذي كان حلالاً لهم:

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ.(الأنعام:146)

    وكلما مر عليهم الزمن كلما زادوا طغياناً وكفراً:

    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.(البقرة:74)

    ولم يكن وجود موسى بينهم ليمنعهم من التحول عن الدين:

    وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.(الصف:5)

    حتى أن أغلب بني إسرائيل الذين نجوا مع موسى وآمنوا بأنه رسول الله، لم يكونوا يقيمون شرع الله ولا يتبعون كل أوامره ويجتنبون كل نواهيه:

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ.(البقرة:83)

    وقد أدرك موسى حقيقتهم تلك بعد أن قضى معهم سنين طويلة خلال التيه وبعده:

    وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ.(إبراهيم:8).

    هذه بعض جوانب الصورة التي كان عليها الرعيل الأول من مؤمني بني إسرائيل أثناء تواجد موسى بينهم، والتي كان من المفترض أن تكون حياتهم خلالها وممارساتهم اليومية تحكمها العقيدة، وأن يكونوا قدوة لمن سيأتي بعدهم. فإذا كان هذا وضعهم وموسى بين ظهرانيهم، فما الذي يمكن أن يحدث بعد رحيله عليه الصلاة والسلام.

    بنو إسرائيل بعد موسى



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ذاك هو الوطن الذي وعد الله به بني إسرائيل، وكان في ذلك الوقت الذي نجوا فيه من فرعون، وليس وطناً دائماً كما يدعون الآن، وأنه يعني دولة بحجم فلسطين، بل كان قرية لأولئك المؤمنون بموسى، وبعد ذلك فلو تفرقوا أو هلكوا أو هوجموا أو هجروا قريتهم فليس لهم عهد من الله بوطن إلى الأبد.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    بنو إسرائيل بعد موسى
    بعد موسى بقيت قلة من بني إسرائيل على الحق، وكانوا:

    أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.(السجدة:24).

    إلا أن معظمهم لم يعرفوا التقوى والورع، ولم يمض وقت طويل على رحيل موسى حتى ظهرت الفرق والمذاهب التي تناحرت فيما بينها أيها كان على الحق:

    وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.(الجاثية:17)

    وأصبح كل زعيم مذهب (الحبر أو الراهب) يطاع ويسمع منه أكثر مما تطاع التوراة التي تمثل شرع الله:

    وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ.(الشورى:14)

    فتوالت الرسل إليهم ليعودوا إلى دين الله:

    وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ.(البقرة:87)

    وكان ممن أرسل لليهود بعد موسى عيسى ابن مريم، الذي كغيره من الرسل لم يؤمن به سوى عدد قليل منهم:

    وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.(آل عمرآن،:49-52)

    وبعد موته تحولت قصة ولادته بلا أب إلى أسطورة، فظنت طائفة من اليهود بأنه كان هو الله:

    لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار.(المائدة:72)

    وقال آخرون بل هو وأمه آلهة مع الله:

    َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.(المائدة:73)

    ووصل الغلو بطائفة من اليهود إلى اعتبار أحد أحبارهم وهو عزير (عزرا) ابنا لله، مثلما اعتقدت طائفة أخرى أن المسيح هو ابن الله:

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.(التوبة:30)

    ويبدوا أن الاعتقاد بأن لله أبناء كان من الأساطير الشائعة في ذلك الوقت وتبناها اليهود حول شخص عيسى وعزير.

    وحتى العدد القليل الذين آمنوا بعيسى ابن مريم، سرعان ما عدلت الأجيال التالية منهم عن الدين، ولم يبق منهم أحد يؤمن بدين الله الخالص:

    وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.(المائدة:14)

    واستمر اليهود في مواقفهم المجافية للدين، فكانوا كلما جاءهم رسول بخلاف ما هم عليه من عقائد ابتدعها رجال دينهم كذبوه أو قتلوه:

    لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ.(المائدة:70)

    فكان تاريخ بني إسرائيل نموذجاً لسرعة تحول الناس عن الدين وإتباع ما تمليه عليهم مصالحهم الشخصية، وإن تخلل تاريخهم فترات قصيرة رجع قليل منهم فيها لدين الله. ومن ذلك، تلك الفترة التي قضوها في ظل مملكة داوود، والتي صور القرآن الأحداث التي أدت لقيامها، بقوله تعالى:

    أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.(البقرة:246-251)

    وباستيلاء داوود على مملكة جالوت بعد أن قتله، تأسست أول مملكة لليهود في تاريخهم، وإن كانت عبارة عن مدينة مثل ممالك تلك الحقبة التي لا تقارن بالممالك الحالية من حيث المساحة والسكان. وعندما توفي داوود ورثه ابنه سليمان الذي أصبحت المملكة في عصره أكثر قوة، واشتهرت بعلمائها وصناعها ومهندسيها المهرة، كما أوتي القدرة على تسخير مخلوقات روحانية من غير جنس البشر(جن):

    وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.(سبأ:12-13)

    وكان داوود وسليمان يحكمان بشرع الله الذي أنزل على موسى:

    وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ.(المائدة:12)

    ولكن بعد موت سليمان حدثت انقسامات في المملكة وحروب أهلية بسبب تسلط بعض جبابرة اليهود وإفسادهم في الأرض:

    وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا.(بني إسرائيل:4)

    وبكفرهم وإفسادهم سلط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم:

    فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً.(بني إسرائيل:5).

    وكأنها إشارة لحملة الملك المصري شيشانق التي كانت ما بين (945 – 924) قبل الميلاد. حيث استولى على كل بقايا دولة سليمان، بل ومناطق شاسعة مجاورة لها في جنوب غرب جزيرة العرب[1].

    ثم كان هناك فترة سلام أنستهم ما حل بهم من محن حيناً من الدهر:

    ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا.(بني إسرائيل:6)

    ولكن اليهود لم يتعظوا ولم يرجعوا لدين الله. فسلط الله عليهم الآشوريين بقيادة الملك سرجون الثاني، الذي قضى على مملكة بني إسرائيل في العام (721) قبل الميلاد.

    ثم توالت عليهم المحن والمصائب فقضى الملك البابلي نبوخذ نصر على المملكة الثانية لليهود، مملكة يهوذا، في العام (586) قبل الميلاد، وهدم معابدهم وأماكن سجودهم وخرب ديارهم، وساق كثيراً منهم أسرى إلى بابل ليبقوا هناك مستعبدين لمدة سبعين سنة:

    إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا.(بني إسرائيل:7)

    فإذا كانت هذه الإجتياحات المتكررة ضد اليهود حدثت من قبل جيوش ممالك بعيدة عنهم ويفصلهم عنها بحار وقفار وفيافي لا يسلكها الناس إلا للحاجات القصوى، فمن البداهة أن تعود أسبابها إلى عقاب الله لهم على تحولهم عن الدينً.

    وقد أدت حروب اليهود الأهلية بعد سليمان إلى هجرات جماعية، وتكررت هذه الهجرات أثناء الإجتياحات المتكررة لبلادهم من قبل الجيوش الأجنبية الغازية. وحتى عندما أعيدوا من سبيهم في بابل، وجدوا أكثر ديارهم خراباً وما بقي منها صالحاً استولت عليه شعوب وقبائل أخرى، ولم يبق لهم في بلادهم الأصلية مكان إقامة. فنزحون إما باتجاه أقصى بلاد اليمن والحبشة، أو شمالاً ليستقروا في الواحات المتناثرة على طول الطريق التجارية الموصلة بين اليمن وبلاد الشام، مثل يثرب، خيبر، العلا، تيماء، ومنهم من وصل لفلسطين الحالية وغيرها من بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، وأبعد من ذلك. ومنهم من بقي في العراق بعدما أخذوا كسبي، ولم يعودوا لبلادهم، ومن هناك تفرقوا في بلاد آسيا الوسطى. وقد تسببت تلك الإضطرابات إلى ضياع التوراة في وقت مبكر جداً من تاريخ اليهود.

    وأثناء فترة السبي البابلي، قام أحد رجال الدين واسمه عزرا (عزير)، بالبدء بتأليف كتاب عن التاريخ السابق لليهود، ثم جاء من أضاف لذلك الكتاب بعض الأحداث الأخرى، ثم تلا ذلك كتبة آخرون على مدى مئات السنين، من كل نوع وثقافة، منهم الراعي والحرفي ورجل الدين وغيرهم، يضيفون ويحذفون وينقحون في هذه الكتابات، ولم تتخذ كتبهم شكلها الحالي إلا في القرن الرابع الميلادي[2].

    وقد تأثر الفقه اليهودي بالمؤثرات الاجتماعية والسياسية والدينية المحيطة، كما تأثر بالخرافات والأساطير والشعوذة المنتشرة في بلاد الرافدين وغيرها في الفترة التي عاشوها هناك:

    وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ.(البقرة:102)

    فأصبح السحر والشعوذة التي نقلوها معهم من العراق جزءً من ديانتهم. وتحول رجال الدين إلى مشرعين حقيقيين للديانة اليهودية:

    اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.(التوبة:31).

    واستساغ رجال الدين ممارسة سلطتهم الروحية، فحوروا الدين حسب ما تقتضيه المصالح الشخصية: لوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.(المائدة:63).

    وتمسك اليهود بما يفتي به ويشرعه رجال دينهم، واعتقدوا بأنه شرع الله وكفروا بما سواه، بل وظنوا أنهم وحدهم دون سائر الناس عباد الله المخلصين:

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.(المائدة:18).

    وأن عقائدهم وحدها دين الله:

    وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.(البقرة:135).

    وظنوا أن لن يدخل الجنة غيرهم:

    وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.(ألبقرة:111).

    وقد أعطى القرآن صورة إجمالية لحال اليهود عبر التاريخ وما آلوا إليه في سور كثيرة منها قوله تعالى:

    وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ.(الإعراف:167-169)

    حيث قطّعوا في كل أرجاء الأرض وعاشوا في جماعات صغيرة متقوقعة على نفسها وسط مجتمعات غريبة عنها في كل قارات الدنيا. ولو أنهم تمسكوا بدين الله لاختلفت أوضاعهم في الدنيا والآخرة:

    وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ.(المائدة:65-66)

    ويكون ما حدث لهم هو الذي حدث لغيرهم من الأمم سابقها ولاحقها في سرعة التحول عن جوهر الدين:

    وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا.(الكهف:55)

    وعبر التاريخ لم تتغير العقلية الدينية اليهودية وبقوا على يقين بأن ما يشرعه رهبانهم هو دين الله دون سواه، لذلك لم يؤمن اليهود برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، بل وقفوا منها موقفاً عدائياً لم يتبدل. وحاولوا أن يضلوا المسلمين:

    وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.(آل عمرآن:69)

    وقاموا بموالاة المشركين ضد المسلمين:

    تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ.(المائدة:80) حتى أصبح اليهود زمن الرسول أشد الناس مع المشركين حرباً على الإسلام: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ....(المائدة:82)

    وقد جاء موقفهم المعادي للإسلام، تكراراً لمواقفهم من دعوة موسى:

    أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(البقرة:75).

    فقد انحرفوا عن الدين وموسى بينهم برغم كل ما رأوه من معجزات ومن نعم الله عليهم، فكيف يطمع المسلمون أن يتبع اليهود الإسلام.

    ليس لأن اليهود جبلوا على الكفر، ولكن لأن البشر بوجه عام لا يبقون على الدين طويلاً قبل أن يتحولوا عنه، إما بالرجوع لما اعتادوه من موروثات جاهلية أو بالتمسك بما استحدثوه منها. فأصبح التحول عن الدين سنة متبعة في كل الأمم والمجتمعات منذ الأزل:

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ.(الحجر:10-13)

    أما من الناحية الإنسانية فاليهود لا يختلفون عن بقية الناس، منهم الصالح الذي يحمل الصفات الحسنة ومنهم الطالح الذي يظهر الصفات السيئة:

    وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْه قَآئِمًا....(آل عمران:75)

    وهناك مثل قديم مشهور في الأدب العرب يقول: أَوْفَى مَنَ السَّمَوْأَلِ، والمضروب به المثل هو السَّمَوأل بن حيَّان بن عَادِ ياء اليَهُودي. ويذكر أبو الفضل الميداني في كتابه معجم الأمثال والحكم من وفاء السّموأل أن امرأ القَيْس لما أراد الخُرُوجَ إلى قيصر اسْتَوْدَعَ السّموألَ دُرُوعاً وأحَيْحَةَ بن الجُلاَح أيضاً دورعا، فلما مات امرؤ القيس غَزَاه ملك من ملوك الشأم، فتحرز منه السموأل، فأخذ الملك ابناً له، وكان خارجاً من الحِصْنِ، فصاح الملك بالسموأل، فأشرف عليه، فَقَالَ: هذا ابنُك في يَدَيَّ، وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي ومن عشيرتي، وأنا أحقُّ بميراثه؛ فإن دفَعْتَ إلي الدروع وإلاَ ذَبَحْتُ ابنك، فَقَالَ: أجلْني، فأجله، فَجَمعَ أهلَ بيته ونساءه، فشاوَرَهم، فكُلٌّ أشار عليه أن يدفع الدروع ويستنقذ ابنه، فلما أصبح أشْرَفَ عليه وقَالَ: ليس إلى دَفْعِ الدروع سبيل، فاصنع ما أنت صانع، فذبَحَ الملكُ ابنه وهو مُشْرِف ينظر إليه، ثم انصرف الملك بالخيبة، فوافى السموألُ بالدروع الموسمَ فدفعها إلى ورثة امرئ القيس، وقَالَ في ذلك قصيدة منها:

    وفَيْتُ بأدْرُعِ الكِنْدِي إني إذا ما خَانَ أقْوَام وَفِيْتُ

    وَقَالَوا: إنه كَنْزٌ رَغِيبٌ وَلاَ وَالله أغْدِرُ مَا مَشَيْتُ

    وهذه بعض المواقف النبيلة من إسرائيليين معاصرين مما أوردته وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية:

    · ذكرت وكالات الأنباء اليوم 17/10/2003 أن المحامي اليهودي الفرنسي لوران ليفي يدافع عن حق ابنتيه المسلمتين في ارتداء الحجاب، ضد قرار فرنسا بتحريم لبس الفتيات المسلمات للحجاب في المدارس.

    · قالت صحيفة "جارديان" البريطانية في عددها الصادر الخميس 18-4-2002 نقلا عن صحيفة "هتسوفيه " العبرية، أن أحد طياري مروحيات الأباتشي الأمريكية الصنع تلقى الأسبوع الماضي أمرا من قائده العسكري بقصف منزل في قرية "دورا" الواقعة قرب الخليل بالضفة الغربية لتصفية 5 قياديين فلسطينيين يشتبه في اختبائهم داخل المنزل، غير أن الطيار الإسرائيلي رفض الأمر لأنه سيعرض حياة أبرياء وأطفال للموت.

    · في 24/9/2003 قالت مصادر فى سلاح الجو الإسرائيلي أن 27 طيارا في سلاح الجو الإسرائيلي بعثوا بعريضة إلى قائد السلاح الجوى اللواء دان حَلوتس أعلنوا فيها أنهم لن ينفذوا مهمات هجومية في الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف الاغتيال، لأنهم سيعرضون حياة الأبرياء للخطر.

    وغير ذلك الكثير من مواقف إنسانية ونبيلة صدرت من يهود بحق أعداء لهم.

    إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالدين فإن اليهود استمروا منذ زمن عزرا وحتى اليوم يعتبرون أنفسهم الناس الوحيدين الذين يدينون بدين الله الذي دان به إبراهيم ويعقوب وموسى، وأن كتبهم المقدسة هي روح، وإن لم تكن نص، الوحي الذي أنزله الله على موسى. ولن يقبل اليهودي العادي مثله مثل رجل الدين مجرد مناقشة إمكانية خطأ تقديراتهم تلك، كما لن يتقبلوا فكرة أن يكون هناك أي دين آخر غير عقيدتهم يمكن أن يكون ديناً سماوياً أنزله الله على رسول من عباده. ولو عاد موسى إلى الحياة الآن وأبلغهم أن ما هم عليه مختلف عما بعثه الله به من دين، لاتهموه بأنه مسيح دجال ولرموه بالكفر والكذب على الله ولما تبعه منهم أحد. ولن يدور بخلد أي منهم أن تكون عقيدتهم الحالية هي المبتدعة وأن دين الله بريء منها براءة الذئب من دم جدهم يوسف.

    وقد اعتمد رجال الدين على كتب مساندة لكتابهم المقدس، شرعوا بموجبها تشريعاتهم التي يسيرون عليها اليوم، وهي، المشنا والغامارة والتلمود. والغرض من هذه الكتب هو إيضاح وتفسير ما التبس من نصوص الكتاب المقدس، وإيراد نصوص وتشريعات لم ترد في ذلك الكتاب، فهي كالتفسير والحديث والفقه عند المسلمين.

    وهذا بعض ما جاء في تلك الكتب من أقوال[3]:

    لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط. وهو مماثل لأقوال رجال الدين المسلمون الذين يقولون بأن الحديث مكمل للقرآن، وأن القرآن لا يمكن فهمه بدون تفسير.

    وجاء في التلمود: التوراة أشبه بالماء، والمشنا أشبه بالنبيذ، والغامارة أشبه بنكهة النبيذ العطرية، ولذا فالإنسان لا يستغني عن هذه الكتب الثلاثة، مثلما أن النبيذ لا يصلح بدون العناصر الثلاثة المذكورة.

    وكما يحرم رجال الدين المسلمون (الفقهاء) على غيرهم أن ينقدوا أقوالهم أو يبينوا أخطائهم، ويصفون أنفسهم بأنهم ورثة الأنبياء، لكي يعطوا فتاويهم وتشريعاتهم صفة مشابهة لصفة النصوص الإلهية، وكأن ما يصدر منهم يمثل دين الله، فإن رجال الدين اليهود لديهم أقوال مماثلة، ومن ذلك ما جاء في التلمود، ونصه: من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت.

    ويشددون على تقديس تشريعات وفتاوى الحاخامات، فقد جاء في كتاب يهودي اسمه (كرافت) مطبوع في سنة 1509 ما نصه: يلزمك اعتبار أقوال الحاخامات مثل الشريعة لأن أقوالهم هي قول الله الحي فإذا قال لك الحاخام أن يدك اليمنى هي اليسرى وبالعكس فصدق قوله ولا تجادله فما بالك إذا قال لك إن اليمنى هي اليمنى واليسرى هي اليسرى.

    ويتسمى رجال الدين اليهود (الحاخامات) بالربانيين، ومفردها رباني، ومترجمة للإنجليزية بهذا الشكل" Rabbi " مثلما يحلوا الآن لبعض رجال الدين المسلمين أن يسموا أنفسهم بالربانيين.

    وقال أحد علماء اليهود المسمى (ميمانود) الميت في أوائل القرن الثالث عشر: مخافة الحاخامات هي مخافة لله.

    ومثله ما ورد في التلمود: من يجادل حاخامه أو معلمه فقد أخطأ، وكأنه جادل العزة الإلهية. ورجال الدين المسلمون يحرمون على غيرهم أن يجادلوهم.

    وقال أحد الحاخامات واسمه مناحم: إنه حتى ولو بدا أن هناك أقوال متناقضة لرجال الدين فإنها كلها من كلام الله مهما وجد فيها من التناقض! ومن لم يعتبرها كذلك فقد أخطأ في حقه تعالى. وهو مماثل لقول رجال الدين المسلمين إن اختلافهم رحمة، في أثر نسبوه للرسول.

    وذكر في كثير من كتب اليهود: إن أقوال الحاخامات المناقضة لبعضها منزلة من السماء، ومن يحتقرها فمثواه جهنم وبئس المصير. ويمكن مقارنة ذلك مع ما يقوله رجال الدين المسلمون بأن من أخطأ منهم في فتوى أو تشريع فله أجر، ومن أصاب فله أجران، وفي كلا الحالتين ما على الإنسان العادي إلا الإتباع.

    .................................................. ........................



    مصادر الباب



    القرآن الكريم

    الكتاب المقدس/ طباعة ونشر جمعية الكتاب المقدس في الشرق الأدنى.

    التلمود، من موقع على الإنترنت.

    التوراة جاءت من جزيرة العرب/ كمال سليمان الصليبي – دار الساقي –بيروت.

    معجم الأمثال والحكم/ أبو الفضل الميداني/ الناشر: دار ابن زيدون – بيروت.

    مقالات مقتبسة من شبكة الإنترنت.

    صحيفة الجارديان اللندنية / العدد الصادر يوم الخميس 18-4-2002

    Who Wrote The Bible, Richard Elliott Friedman / Summit Books– N.Y.,USA




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] رجعنا إلى الفصل 11 مسار حملة شيشانق في كتاب التوراة جاءت من جزيرة العرب، للتعرف على مسار الحملة.

    [2] The World That Produced the Bible:587-400 B.C. – Who Wrote the Bible

    [3] نقلت أقوال التلمود والمشنا من مواقع للكتاب المقدس على الإنترنت.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    <TABLE dir=rtl style="BORDER-COLLAPSE: collapse" cellSpacing=3 cellPadding=3 width="100%" border=0><TBODY><TR><TD vAlign=top height=250><!-- message -->الباب الرابع

    محمد الإنسان والرسول
    قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.(الكهف:11)


    &yacute; كتب الأخبار تصور الرسول بصور خرافية متطرفة، فهو تارة لا يعرف ماذا يفعل، وتارة أخرى وكأنه خلق من طينة غير طينة البشر، بحيث يعرف من كل علم أكثر مما يعرف عنه المختصين فيه.

    &yacute; بينما صوره القرآن الكريم على أنه بشر سوي لا يختلف عن الناس الأسوياء ولا يزيد عنهم بشيء، ويجري عليه كل ما يجري عليهم من مشاعر وأحاسيس إنسانية، ولكنه أكثرهم مسئولية أمام الله بحكم كونه مسئولاً عن تبليغ رسالة ربه للناس.

    &yacute; كل رسل الله السابقين كانوا من أولي العزم، أي الصبر على شدائد التبليغ، لأنهم جميعاً قد خضعوا لبرنامج تأهيلي إلهي جعلهم قادرين على تحمل المصاعب والعنت الذي واجههم الناس به طوال فترة دعوتهم، ومحمد بن عبد الله لم يكن بدعاً من الرسل.




    مـــا

    كتبه بعض الإخباريين[1] عن محمد صلوات الله وسلامه عليه، يصوره على أنه شخص فوق بشري، لدرجة أن المعجزات الحسية قد جرت على يديه، إضافة إلى أنه يحيط بكل علم أرضي أكثر من المختصين فيه، حتى أن الناس يتداوون بما عرف عندهم بالطب النبوي. والذي هو عبارة عن أقوال منسوبة للرسول جمعها الناس على شكل كتب تقرأ ويتعالج الناس بما فيها. أما القرآن فقد أورد صورة للرسول ليس فيها مما نقله عنه الإخباريون شيئاً، فهو إنسان عادي جداً، بالنسبة لمواصفات البشر. ولم يكن طبيباً ولا صاحب معجزات ولا فيلسوفاً ولا يحمل أي صفة مميزة من الصفات التي قالتها كتب الأخبار عنه، وهذا ما سنتحدث عنه في هذا الفصل.

    محمد في كتب الأخبار
    وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ .......... (بني إسرائيل:90-93)


    تعج كتب الأخبار بقصص خيالية عن أحداث صاحبت ولادة عبد الله، والد رسول الله، وزواجه بآمنة، أم الرسول. ومولد الرسول ورضاعته وطفولته ونشأته، وكيف أن الناس من وثنيين ونصارى ويهود قد عرفوا بولادته ونبوته قبل أن تحدث.

    ومن القصص الخيالية التي حيكت حول ولادته صلى الله عليه وسلم في سيرة ابن هشام[2] أن عبد المطلب كان قد نذر إن رزقه الله بعشرة أبناء ذكور ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، أن ينحر أحدهم لله عند الكعبة، وأنه لما وصل عدد أبناءه الذكور عشرة، أبلغهم بعزمه الوفاء بنذره فلم يحتج منهم أحد. ولكي يكون الاختيار عادلاً فقد أمرهم أن يكتب كل منهم اسمه على قداح وأن توضع في جوف الكعبة عند الصنم هبل الذي اعتاد الناس أن يضربوا أقدحتهم عنده قبل قيامهم بأي أمر. وقد خرج القداح على عبد الله والد محمد، ولكن قريش منعت عبد المطلب من أن ينحر ابنه قبل أن يأتي أحد الكهنة. فأشارت عليهم كاهنة كانت في خيبر أن ينحروا عدداً من الإبل مساو لدية الرجل عندهم، ومن ثم يضرب القداح على عبد الله وعلى الإبل، فإن خرج القداح على عبد الله زيدت الإبل ويعاد ضرب القداح حتى يخرج على الإبل، وهو ما يعني أن الرب قد رضي بالدية، فنحرت الإبل وعاش عبد الله وبر عبد المطلب بنذره.

    وعندما رجعوا لمكة رأت رقية بنت نوفل، عبد الله عند الكعبة فطلبت منه أن يجامعها وتهبه مثل عدد الإبل التي نحرت عنه، لأنها عرفت، من أخيها ورقة ابن نوفل الذي تنصر أنه سيولد له ولد سيكون نبياً، وقد رأت نور النبوة في وجه عبد الله فرغبت أن تكون أم ذلك النبي المنتظر، ولو حملت به سفاحاً.

    ولما حملت آمنة بنت وهب ابن عبد مناف من زوجها عبد الله ابن عبد المطلب، جاءها آت لم يعرف إن كان من الملائكة أو من الشياطين، ولكنه أبلغها بأنها حامل بسيد هذه الأمة، وأنها حين حملت به خرج من موضع في جسدها، نور عرفت وهي في مكانها أنه قد أضاء بصرى الشام.

    أما إحدى النساء اللاتي حضرن مولده صلى الله عليه وسلم، فقد رأت أن البيت قد امتلاء نوراً، وأن نجوم السماء قد اقتربت من الأرض لدرجة خافت تلك المرأة أنها ستقع عليها. دون أن يلحظ ذلك أحد خارج المنزل بطبيعة الحال. وفي اللحظة التي ولد فيها محمد في مكة صرخ يهودي بالمدينة مبلغاً قومه بأن نجم أحمد الذي يولد به قد ظهر، مع أن التنجيم لا يقره الإسلام.

    وقد ولد الرسول مختوناً ومقطوع السرة. وسماه جده عبد المطلب محمداً بناء على الرؤيا التي رآها قبل ولادته والتي عرف بواسطتها أنه سيولد له حفيد سيحمده أهل السماء والأرض. وغير ذلك الكثير المثير في غرابته وسطحيته مما قيل حول مولد ونشأت ونبوة محمد.

    ويبدوا أن كل هذه البشارات بنبوة محمد لم تعرف بها المرضعات، ومنهن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، اللاتي قدمن من بلاد بني سعد ابن بكر لمكة بحثاً عمن يرضعنه من أطفال قريش مقابل أجر مادي، وإلا لتقاتلن فيما بينهن لنيل شرف إرضاع رسول المستقبل.

    وفي ذلك تقول حليمة: فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله فتأباه, إذا قيل لها إنه يتيم. وذلك أنّا إنما كنا نرجوا المعروف من أبي الصبي. فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكنا نكرهه لذلك. فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري. فلما أجمعنا الانطلاق، قلت لصاحبي (زوجي): والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. انتهى الكلام المنسوب لحليمة كما ورد في سيرة ابن هشام وفي غيرها من كتب التاريخ والسير.

    وبمجرد أن أخذته حليمة إلى رحلها حتى تتالت البركات، فأصبحت أتانها الضعيفة العجفاء التي كانت تحبس الركب في المسير وهم قادمون لمكة، كأسرع ما يكون من الحمير، ودرت أضرع شارفهم (عنزهم الهزيلة) فشربوا وأطعموا. وعمت بركة الرسول مراعي غنم حليمة السعدية دون غيرها من بقية بلاد بني سعد المجدبة. فكانت أغنامها تروح خماصاً وتغدوا شباعاً لبّناً، حتى كان قومها يقولون لرعيانهم: ويحكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب. وكان من أثر ذلك الحليب المبارك أن الرسول شب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتين حتى كان غلاماً جفراً، حسب ما رواه ابن هشام وغيره من الإخباريين المسلمين عن حليمة.

    ومن التطرف القصصي المؤسف والذي لا يمكن أن يكون حدث لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ما روي عن الكيفية التي تمت بها خطوبة وزواج الرسول بخديجة، ومن ذلك ما رواه أحمد في مسنده على شكل حديث برقم (2854)، وهذا نصه: حدثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا أبو كامل ثنا حماد بن سلمة عن عمّار بن أبي عمّار عن ابن عباس ـ فيما يحسب حماد ـ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة وكان أبوها يرغب أن يزوجه ، فصنعت طعاماً وشراباً ، فدعت أباها وزمراً من قريش ، فطعموا وشربوا حتى تملوا ، فقالت خديجة لأبيها : إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني ، إياه فزوجها إياه ، فخلعته وألبسته حلة ، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء ، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة ، فقال : ما شأني ما هذا ؟ قالت : زوّجتني محمد بن عبد الله ، قال : أنا أزوج يتيم أبي طالب ؟ لا لعمري ، فقالت خديجة : أما تستحيي ، تريد أن تسفه نفسك عند قريش ؟ تخبر الناس أنك كنت سكران ؟ فلم تزل به حتى رضي.

    وكانت أحبار اليهود ورهبان النصارى وكهان العرب ودهاقنة المجوس ومشعوذي الهند قد عرفوا أمر الرسول قبل مبعثه، سواءً بما وجدوا في كتبهم أو بالاتصال بالجن والشياطين، حسبما رواه ابن هشام في سيرته.

    وعندما نزل جبرائيل على رسول الله بالوحي لم يعرف محمداً أنه أصبح رسولاً لله إلا بعد أن أخبره ورقة ابن نوفل النصراني بذلك. مع أن عقيدة النصارى تنص على أن يسوع ابن الله مات على الصليب لتخليص البشر من ذنوبهم وبالتالي فليس هناك حاجة لبعث رسل بعده لأن ذنوب الناس قد غفرت، وكان من المفترض أن تنكر عقيدة ورقة، التي نسبه إليها الإخباريون، دعوة أي رسول بعد يسوع يدعي أنه أرسل من الله. ولم يسجل التاريخ أن ورقة ابن نوفل الذي زعمت كتب الأخبار أنه كان أول من عرف بأن رسالة محمد حق قد آمن بتلك الرسالة برغم افتراض أنه أدرك بعثته، ومثل نوفل لم يسلم كل من تنبأ ببعثته صلوات الله وسلامه عليه.

    وتظهر لنا كتب الأخبار أن خديجة، زوج محمد، قد قامت بامتحان فريد للتأكد من ماهية جبرائيل، تلخص بأمر الرسول بأن يجلس على فخذها الأيسر فالأيمن وفي حجرها وجبرائيل حاضر، فلما تحسرت وألقت بخمارها اختفى جبرائيل فجأة. لتعلن خديجة للرسول: يا بن العم اثبت وأبشر فوالله إنه ملك لأنه لو كان شيطاناً لما اختفى عندما حسرت رأسي وألقيت خماري[3].

    ومن الواضح أن هذه القصة وضعت في تاريخ متأخر بعد أن بدأ الناس في الحديث عن وجوب غطاء وجه المرأة الذي لم يكن موجوداً في أول أيام نزول الوحي على الرسول.

    والقصص المذكورة تريد أن تقول بأن محمداً لم يكن ليعرف ما آل إليه أمره، لو لم يكن هناك ورقة المسيحي، ولو لم تُجر خديجة امتحانها. بل إن كتب الأخبار تؤكد فيما روته من قصص أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، كان آخر من علم بأمر بعثته، فقد سبقه لذلك كل شياطين الجن وشياطين الإنس من كهان العرب ورهبان اليهود والنصارى ودهاقنة المجوس وسحرة الهند، كما أسلفنا. وهذه القصص فيها من القدح والاستهزاء بالرسول أكثر من التقدير والإجلال.

    وقد امتلأت كتب الإخباريين المسلمين بقصص كثيرة عن معجزات حسية للرسول بعد أن بدأت حركة الكتابة والتدوين، وصلت لمئات المعجزات، منها: حديث شق الصدر، وجر الشجر، والتحدث مع الجن، وحنين جذع النخلة، والتنبؤ بالمستقبل، وغيرها من معجزات صورت رسول الله على أنه شخص يعرف في كل مجال من مجالات الحياة أكثر مما يعرفه المختصون فيه.

    وبلا شك فكل ما وصفت كتب الأخبار به الرسول لا يعدوا عن كونه خيال جامح أراد من كتبه أن يضفي على شخصية الرسول هالة من القدسية والعظمة والقدرة، تظهره وكأنه خلق من طينة غير تلك الطينة التي خلق منها البشر. طينة خلطت ببعض القدسية لكي يتمكن من مخاطبة السماء والإحاطة بعلوم ومعارف لا يعلمها البشر العاديون، وفي نفس الوقت يمكنه أن يعيش كإنسان ويتخاطب مع الناس كواحد منهم[4]. لأن الإنسان منذ الأزل يواجه صعوبة في التصديق باستطاعة إنسان عادي أن يتلقى وحياً من الله، وكان من أهم أسباب عدم قبول الناس في كل العصور دعوة الرسل:

    قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ.(يس:15)

    ولذلك كان الناس دائماً يطلبون من رسولهم أن يسمح لهم بالكلام مع الله، كدليل حسي يؤكد صحة ما يدعيه الرسول. لأنه (حسب زعمهم) إذا كان الله يكلم الرسول وهو إنسان عادي، فلماذا لا يكلمهم الله أيضاً وهم سادة القوم:

    وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.(البقرة:118)

    ولكي نتعرف على شخصية محمد الحقيقية لابد من قراءة ما وصفته به الآيات القرآنية، ونبذ كل ما وصف به في كتب الأخبار.





    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] هم كتبة الأخبار الظنية من حديث وتاريخ وسير وتفسير

    [2] فصل ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده وفصل حديث حليمة عما رأته من الخير بعد تسلمها له صلى الله عليه و سلم

    [3] سيرة ابن هشام – فصل تثبت خديجة رضي الله عنها من الوحي

    [4] وهو غلو قريب من غلو بعض اليهود بعيسى ابن مريم عندما نظروا إليه على أنه يحمل صفات بشرية تمكنه من العيش معهم كإنسان وفي نفس الوقت يحمل صفاتاً إلهية من أبيه (الأب) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

    </TD></TR></TBODY></TABLE>

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    توضيح..

    قمت بتقديم صفحات من الباب الرابع..

    وانتقل إلى تقديم الفصل الخامس..

    .................................................. ............................

    الباب الخامس

    موقف الناس من دعوة محمد
    هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً.(الفتح:28)


    &yacute; اليهود قدموا ليثرب أولاً وقد يكونوا هم من أدخل زراعة النخيل إليها، ثم قدم الأوس والخزرج وعملوا كأجراء لليهود في مزارعهم.

    &yacute; أسلم الأوس والخزرج لأنهم كانوا يمثلون الضعفاء والمضطهدين، وقد تأخر بعض زعمائهم لأن لهم مصالح ظنوا أنهم سيفقدونها لو آمنوا. ودخل بعضهم الإسلام دون أن يؤمن به واستمروا على حالهم من إظهار الإيمان وإبطان الكفر حتى ماتوا.

    &yacute; لم يؤمن اليهود بدين الإسلام، ولم يكن من المتوقع أن يؤمنوا، لأن اليهود كانت لهم مصالح دنيوية وكانوا يمثلون الكبراء، والكبراء لا يؤمنون بدعوات الرسل بناءً على قانون سنة الأولين الذي سارت عليه الأمم منذ وجدوا على الأرض.

    &yacute; وبناء على قانون سنة الأولين أيضاً كانت الخاتمة للرسول ومن آمن معه وتم سحق اليهود ونفيهم من الأرض لأنهم شاقوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فساداً عندما عملوا على حياكة المؤامرات ضد المسلمين والسعي للقضاء على الإسلام وليس لأنهم لم يؤمنوا.

    &yacute; تم إجلاء اليهود من يثرب في ثلاث مناسبات، ولكن القرآن يخالف كتب الأخبار في تاريخ تلك المناسبات وما حدث فيها.

    &yacute; نزح بعض من يهود يثرب بعد جلائهم إلى خيبر واستمروا يحيكون المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين، مما تسبب بغزو خيبر.

    &yacute; لم يحدث قتال بين اليهود والمسلمين في خيبر، لأن اليهود نزلوا على حكم المسلمين الذين حاصروها، فأجلي منها من نزح إليها من يهود يثرب، وفرض على يهودها الجزية لأنهم نقضوا عهدهم مع الرسول.

    &yacute; غزوة تبوك كانت لملاحقة فلول يهود يثرب الذين استمروا بمؤامراتهم ضد المسلمين، ولم يحدث بها قتال، لأن اليهود قد غادروها قبل أن يصلها جيش المسلمين.

    &yacute; المنافقون بقوا في المدينة بعد وفاة رسول الله، وإن خرست ألسنتهم في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام.

    &yacute; كتب السير والتاريخ والحديث وغيرها من كتب الإخباريين تجنت كثيراً على الرسول عليه الصلاة والسلام ونسبت له من الأفعال ما لا يعقل.





    سبق وذكرنا في الباب الثاني – موقف الناس من الدين عبر العصور – أنه بناءً على قانون سنة الأولين الذي ذكر في القرآن الحكيم، فأي دعوة لرسول من رسل الله الكرام، كانت تمر بأربع مراحل لا تتغير أبداً، وهي: مرحلة استقبال الناس للدعوة، ومرحلة استمرار الدعوة، ومرحلة نهاية المعارضين وانتصار الرسول ومن معه، ثم مرحلة تحول الناس عن الدين. وفي الباب الثالث أخبرنا القرآن الكريم كيف تحول بنو إسرائيل عن الدين، وقد بدأ تحولهم وموسى لازال حياً بينهم، وكيف أن الله عذبهم في هذه الدنيا بالتشتت والاضطهاد وسلط عليهم الأمم، ولم يهلكهم بحادثة واحدة كما حدث للأمم السابقة، لأن الله قد اختارهم لحمل دينه وأنزل عليهم كتابه، ولكنهم لم يرعوا المسئولية ولم يحملوا الأمانة، ورغبوا عن كتاب الله إلى تشريعات رجال دينهم. وفي هذا الباب سنرى أن مواقف الناس من دعوة محمد ابن عبد الله القرشي لم تختلف عن موقف أي أمة من الأمم السابقة من رسلها، ولكنها أيضاً شابهت موقف بني إسرائيل أكثر، فقد أنزل الله على رسوله محمد كتابه القرآن ليحمله المسلمون لهداية البشر، كما نزلت التوراة على بني إسرائيل.

    فهل حمل المسلمون الأمانة الإلهية، أم أنهم أخفقوا، وبالتالي تعرضوا لعقوبات مشابهة لعقوبات اليهود، لأنهم " أشبه الناس سمتًا وهديًا ببني إسرائيل, وليسلكن طريقهم حذو القذة بالقذة ". كما ورد في الخبر الذي أورده ابن أبي شيبة في مصنفه برقم (33167)، وأوله: حدّثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل قال: قال عبد الله....

    وسنبدأ بالحديث عن موقف أهل يثرب، الأزد منهم واليهود، ثم موقف أهل خيبر، يلي ذلك موقف أهل مكة، فموقف أهل الطائف، ثم موقف بقية قبائل شبه جزيرة العرب. وفي نهاية هذا الباب سيتضح لنا كيف أن قانون سنة الأولين كان وراء عدم إيمان أهل مكة والطائف ويهود يثرب وخيبر وبقية قبائل جزيرة العرب، بينما رحب مستضعفوا مكة والأوس والخزرج فقط بدعوة الرسول:

    سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً.(الأحزاب:62)


    يثرب
    كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. َذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ.(الدخان:25-28)


    يثرب قديمة التاريخ، ولكن تاريخها ليس مكتوباً، وبالتالي فلا يعرف عنه إلا أقل القليل مما ترويه كتب الأخبار التي دونت في القرن الثاني والثالث الهجري، والذي لا يمكن أن يركن إلى صحته. وعندما بعث رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، كان يقطنها يهوداً ويجاورهم بعضٌ من الأزد. ويتوزع اليهود على ثلاث قبائل هم، بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع، كما يقول الإخباريون، يسكنون القلاع والحصون ويمتلكون مزارع النخيل التي اشتهرت بها يثرب. فيما كان يسكن خارج القلاع اليهودية وبالقرب من المزارع فخذين من قبيلة الأزد هما، الأوس والخزرج. وهذا الوضع يؤيد الرأي السائد بأن اليهود قد سكنوا يثرب أولاً، وإن كان غير معروف متى كان ذلك، ولا من أين أتوا بالتحديد.

    وإذا كان من المحتمل أن موطن اليهود الأصلي هو جنوب جزيرة العرب[1]، فقد يكون أيضاً هو الموطن الأصلي لزراعة نخيل التمور، ومنها خرجت تلك الزراعة مع الذين نزحوا من تلك المناطق إلى عُمان واليمامة والإحساء والعراق، ويثرب والعلا ومصر وشمال أفريقيا. ويكون الاحتمال أن يهود يثرب الذين نزحوا من جنوب جزيرة العرب، كانوا أول من أدخل زراعة النخيل إلى يثرب.

    ولما نزحت الأوس والخزرج بعد ذلك، من جنوب الجزيرة أيضاً، ووصلوا إلى يثرب، وافقوا على العمل لدى اليهود في مزارع النخيل، لأنهم كانوا مزارعين في الأصل، بحكم طبيعة جنوب غرب جزيرة العرب الزراعية.

    وهكذا أصبح الأوس حلفاء وعمالاً لبني قريظة وبني النضير، والخزرج حلفاء وعمالاً لبني قينقاع، كما يقول الإخباريون. ومع مرور الوقت تزايدت أعداد الأوس والخزرج، وتزايد معها التنافس على فرص العمل المحدودة، مما أدى إلى ظهور الشحناء والنزاعات بينهم، التي تطورت إلى صدامات مسلحة، سواء بسبب التنافس على العمل كأجراء لدى اليهود، أو التنافس على امتلاك الأراضي البور القليلة التي لم يستولي عليها اليهود والتي يمكن أن تصلح لزراعة شحيحة.

    ويسجل المؤرخون عدداً من تلك النزاعات المسلحة بين الطرفين التي وقعت قبيل ظهور الإسلام، ومنها: حرب سمير، وحرب حاطب، ووقعة جحجبا، وموقعة السرارة، وموقعة الحصين بن الأسلت، وموقعة فارع، ويوم الربيع، وموقعة الفجار الأولى والثانية، وموقعة معبس ومضرس. وكان أخرها وأشرسها يوم بعاث، الذي كاد أن يدق بين الطرفين عطر منشم[2].

    وفيما يلي سنرى كيف كان موقف الأوس والخزرج ثم موقف اليهود من الإسلام.




    الأوس والخزرج
    وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. (الأنفال:63)


    عندما بعث رسول الله صلوات الله وسلامه كانت النزاعات المسلحة بين الأوس والخزرج تأكل خيرة رجالهم، وتيتم أطفالهم وترمل نساءهم، ولم يستطيعوا أن يجدوا صلحاً يرضي الطرفين، لأن دوافع الشحناء تتمثل بالتنافس على لقمة العيش. ولم يسجل التاريخ أن الأوس والخزرج كانوا يعيشون على النهب والسلب مثل القبائل البدوية في نجد وشرق وشمال جزيرة العرب، لأنهم في الأصل زراع مستقرون في بلادهم الأصلية جنوب غرب الجزيرة، ولما نزحوا منها لظروف قاهرة، قد تكون كوارث طبيعية أو صراعات سياسية، واستقروا في يثرب، مارسوا مهنة الفلاحة التي يجيدون.

    وبالإضافة للحروب فيما بينهم، كانوا يعيشون حياة فقر وبؤس وعوز، لأن مداخيلهم من العمل كأجراء في مزارع اليهود، أو من مزارعهم الشحيحة لا تدر عليهم ما يكفي لحياة كريمة.

    وكانوا يلقون العنت من المعاملة الدونية والمتسلطة والقريبة من معاملتهم كعبيد من قبل اليهود الذين يملكون الأراضي الخصبة والأموال الطائلة والحياة المترفة، ولم يكن بإمكان الأوس والخزرج الثورة ضد أسيادهم ولا حتى إظهار الكراهية لهم، أو التذمر من معاملتهم، خوفاً من أن يحرمهم اليهود من العمل في مزارعهم. وهو وضع مشابه لأوضاع العمال السود الذين كانوا يعملون في مزارع الأوربيين في جنوب أفريقيا وروديسيا أيام الاستعمار.

    وفي هذا السياق ينقل ابن كثير عن ابن إسحاق أن الأوس والخزرج كانوا يمنون النفس في مجيء يوم يتخلصون فيه من اليهود وتسلطهم، يقول ابن كثير: قال ابن إسحاق: وكان مـما صنع الله بهم فـي الإسلام أن يهود كانوا معهم فـي بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلـم، وكانوا هم أهلَ شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بـينهم شيء قالوا: إن نبـياً مبعوث الآن قد أظلّ زمانُه نتّبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرمَ.( البداية والنهاية الجزء 2 الصفحة 140)

    وبطبيعة الحال لم يكن الأوس والخزرج يعلمون بظهور النبي مسبقاً، ولكن كانوا على استعداد لأن يفعلوا أي شيء ويتحالفوا مع أي أحد للتخلص من اليهود، في الوقت الذي سمعوا فيه أن هناك رجلاً من قريش يدعوا لدين الله وتأسيس دولة للإسلام. فخرج وفد من يثرب، كما يقول الإخباريون، والتقوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويصف ابن كثير في البداية والنهاية كيف حدث ذلك، بقوله:

    بـاب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] وهو ما يؤيده القصص المذكورة في القرآن، مثل قصص ابراهيم الذي قام ببناء أو إعادة بناء الكعبة، وقصة سليمان والهدهد الذي يؤكد أن مملكة سليمان كانت مجاورة لمساكن سبأ، وفي نطاق قدرة الهدهد على الطيران إليها في نصف يوم أو أقل والرجوع. وكون كل الأنبياء الذين ذكروا في القرآن من شبه الجزيرة، واستقرار اليهود على طول الطريق المؤدية بين اليمن والشام، مما يعني أنهم نزحوا من اليمن باتجاه الشمال واستقر بعضهم في المدينة وخيبر والعلا حيث الماء واستزرعوها، بينما واصل البعض النزوح إلى الشام وشمال أفريقيا. والهجرات تكون من اليمن إلى الشمال وليس العكس، ولازال هناك يهود في اليمن وجنوب غرب الجويرة. وكون جنوب جزيرة العرب هو الموطن الأصلي لليهود يؤكده الدكتور كمال سليمان الصليبي في كتابيه: التوراة جاءت من جزيرة العرب وخفايا التوراة، ويؤيده أيضاً خلو بلاد فلسطين من أي آثار قديمة لليهود، وخلو الكتابات المصرية من ذكر اليهود في مصر والتي كانت تسمى (طاوي) أيام الفارعنة وليس مصر، ويكون الفرعون الذي غرق، حاكماً إقليمياً مصرياً لمناطق في جنوب غرب الجزيرة كمستعمرات تابعة لمصر الفرعونية. (أنظر ملحق الإسراء والمعراج)

    [2] يقال في المثل: أشْأَمُ مِنْ عِطْرِ مَنْشِمَ. يضرب في الشر العظيم.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    بـاب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم

    قال ابن إسحاق: فلـما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبـيّه، وإنـجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـموسم الذي لقـيه فـيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه علـى قبـائل العرب، كما كان يصنع فـي كل موسم، فبـينما هو عند العقبة لقـي رهطاً من الـخزرج أراد الله بهم خيراً. فحدَّثنـي عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه. قالوا: لـما لقـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: مَنْ أَنْتُـمْ؟ قالوا: نفر من الـخزرج قال: أَمِنْ مَوَالِـي يَهُودَ؟ قالوا: نعم قال: أَفَلاَ تَـجْلِسُونَ أُكَلِّـمْكُمْ؟ قالوا: بلـى. فجلسوا معه فدعاهم إلـى الله وعرض علـيهم الإسلام، وتلا علـيهم القرآن. انتهى[1]

    وليس بالضرورة أن ما روته كتب الأخبار قد حدث بالفعل، فقد يكون وفد أهل يثرب هم من بادر إلى لقاء رسول الله، وأنهم بعد أن استمعوا إليه، رجعوا للمدينة لبحث الأمر مع قومهم، وقد استقر رأيهم على أمر معين فعادوا للقاء الرسول في العام القابل لإبلاغه بموقفهم.

    وقد حضر وفد كبير منهم، يقول الإخباريون أنه مكون من امرأتان وسبعون أو ثلاثة وسبعون رجلاً. تم اختيار اثنا عشر نقيباً (ممثلاً) لهم لمناقشة الرسول حول أوضاعهم فيما لو دخلوا الإسلام، وليس كما تظن كتب الأخبار أن النقباء كانوا لمبايعة الرسول على الإسلام نيابة عن المجموعة، لأن الدخول في الإسلام يجب أن يقوم به كل شخص عن نفسه، ولا يمكن أن ينوب غيره عنه.

    والنقباء الإثنا عشر يمثل الأوس منهم رجلان هما عويـم بن ساعدة وأَبو الهيثم مالك بن التـيهان، ومن الخزرج عشرة رجال هم: أَبو أمامة أسعد ابن زرارة، وعَوْف بن الـحارث، وأخوه مُعَاذ وهما ابنا عفراء، ورافع ابن مالك. وذكوان بن عبد قـيس بن خَـلَدة بن مُخْـلِد بن عامر بن زُرَيْق الزرقـي، وعُبَـادة بن الصامت بن قـيس بن أصرم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْـم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الـخزرج، وحلـيفهم أَبو عبد الرَّحمٰن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم البلوي، والعبّـاس بن عبـادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ابن يزيد بن غنـم بن سالـم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الـخزرج العجلانـي، وعقبة بن عامر بن نابـي، وقطبة بن عامر بن حديدة[2].

    وقد إنتهت المناقشات بما يرضي اليثربيون، ويبشرهم بمستقبل أكثر إشراقاً من وضعهم الذي هم عليه، فبايعوا رسول الله على الإسلام، بما عرف ببيعة العقبة، قبل أن يرجع الوفد إلى المدينة.

    قال ابن إسحاق: فلـما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلّـمهم الإسلام ويفقههم فـي الدين. (البداية والنهاية ج2 ص 148)

    وقد يكون الرسول بعث مصعب ابن عمير ليؤمهم في الصلاة ويقرئهم القرآن، استجابة لطلب الوفد، وهذا ما يفهم مما نقله ابن إسحاق بقوله: فنزل مصعب علـى أسعد بن زرارة فكان يسمى بـالـمدينة الـمقرىء، قال ابن إسحاق: فحدَّثنـي عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلّـي بهم، وذلك أن الأوس والـخزرج كره بعضهم أن يؤمّه بعض رضي الله عنهم أجمعين[3]. أهـ

    والأوس والخزرج في يثرب كانوا يمثلون الضعفاء والمستضعفين مقابل الكبراء اليهود، ولذلك قبل غالبيتهم الدخول في الإسلام بحثاً عن حياة أفضل. بينما تباطأ بعض المنتفعين منهم في الدخول إلى الإسلام، ولم يكونوا ممن وفد على رسول الله في مكة، لأنهم لم يكونوا متأكدين في البداية من أن وضعهم سيكون مع الإسلام أفضل مما هو عليه قبله.

    ولكن الإسلام انتشر بسرعة بين الأوس والخزرج مما دفع بأولئك إلى الانضمام لركبه لاحقاً، وإن اختلفت نواياهم. ولم يعد بعض الإخباريون سعد ابن عبادة، أحد زعماء الخزرج، فيمن حضر بدراً، مما قد يعني أنه لم يسلم إلا بعد تلك المعركة، والتي أثبتت عملياً أن الإسلام سيكون له اليد الطولى على قريش، وعلى كل من يعاديه.

    ويظهر التاريخ أنه عندما توفي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ظهرت طموحات سعد ابن عبادة للزعامة عندما سارع إلى سقيفة بني ساعدة لدعوة الناس لانتخابه زعيماً لدولة الإسلام بحجة أن أغلب أهل المدينة من الخزرج، وأهل المدينة هم من ناصر الرسول وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام، وقد كان الحباب ابن المنذر من أشهر المؤيدين له، وهو الذي جادل أبا بكر في ذلك اليوم بقوله: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منّا أمير ومنكم أمير[4].

    ولكن الرياح سارت بما لا يشتهي الخزرج، وتغلب حزب المهاجرين على الخلافة، فخرج سعد مغاضباً وأقسم ألا يجتمع بهم ولا يحج بحجهم، وقد فعل حتى هلك في خلافة عمر في بلاد الشام، وقد فصلنا الحديث في هذا الموضوع في فصل سقيفة بني ساعدة.

    وممن فقد زعامته السياسية بسبب الإسلام، عبد الله بن أبي بن سلول، الذي يقول عنه ابن هشام في سيرته " أن قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم"[5]. ولكن انتشار الإسلام في يثرب حول الناس عن مناصرته، فاضطر لإشهار إسلامه بعد أن قويت شوكة الإسلام، ولم يعد يملك القدرة على مقاومته أو إظهار العداء له، ولو أنه لم يؤمن بالدين الجديد الذي حرمه الزعامة، وبقي على كفره حتى مات، يقول ابن هشام: قال ابن إسحاق : وأما عبد الله بن أُبي فأقام على شرفه في قومه مترددا، حتى غلبه الإسلام، فدخل فيه كارها[6].

    ومثل ابن سلول كان هناك رجل آخر قد كوّن لنفسه زعامة دينية، وخسرها بسبب الإسلام أيضاً، وهو جزاء بن صيفي، الذي يقول عنه ابن هشام إنه كان يسمى الراهب لكثرة تدينه، وأنه قد قابل رسول الله عندما هاجر للمدينة، وسأله قائلاً: ما هذا الدين الذي جئت به فقال (عليه الصلاة والسلام): جئت بالحنيفية دين إبراهيم ، قال (ابن صيفي): فأنا عليها فقال له رسول الله: إنك لست عليها ؛ قال : بلى ، قال : إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها ، قال : ما فعلت ، ولكني جئت بها بيضاء نقية[7].

    وليس بالضرورة أن تلك المقابلة قد حدثت، ولكنها تصور حال الرجل الذي خرج مغاضباً من المدينة إلى مكة مع أتباعه، يقول ابن هشام: فخرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول ابن هشام: فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج إلى الطائف . فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام (وفيها مات على الكفر)[8].

    وهكذا يكون الأوس والخزرج، الذين يمثلون المستضعفين في يثرب، قد دخلوا الإسلام ليعزهم ويرفع عنهم تسلط وسخرة اليهود، وتأخر منهم من كان له منافع في الوضع السابق في يثرب، وجاء الإسلام ليقوض تلك المنافع. وقد كانت العاقبة للمتقين في النهاية تبعاً للقاعدة المعتادة لسنة الأولين.

    أما اليهود الذين يمثلون الكبراء فلم يؤمنوا لأن قاعدة سنة الأولين استثناءاتها قليلة جداً، وفي الأسطر القادمة سنتبين ذلك.





    اليهود
    وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً.(الأحزاب:26 - 27)


    كان هناك ثلاث قبائل يهودية تقطن القلاع والحصون في يثرب هم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وحسب القاعدة القرآنية في مواقف الأمم من الدين، فإن دين اليهود الذي كانوا يعتنقون زمن رسول الله، قد تحور من ديانة موسى إلى عقائد وتشريعات بشرية ابتدعها رجال الدين، واقتنع بها الناس على أنها دين الله الحق. وكان من المتوقع حسب هذه القاعدة ألا يتنازل اليهود عن ديانتهم التي كانوا عليها والعودة إلى صافي دين الله، ولو بعث فيهم موسى ابن عمران، رسولهم السابق، مرة أخرى، وليس محمداً القرشي.

    ولو آمن يهود يثرب بمحمد فإن هذا سيكون استثناء من تلك القاعدة التي يخبرنا القرآن أنه لم يشذ عنها إلا قوم يونس. ولذلك اعتبروا ما يدعوا إليه محمد عبارة عن أكاذيب لا تستحق الإلتفات لها، خاصة وأن دعوة الإسلام ستنهي كل ميزاتهم التي امتازوا بها على أهل يثرب من غير اليهود، ومنها الرفعة الاجتماعية والجاه والثروات، وسيطلب منهم أن يتساوى معهم من كانوا بالأمس عمالاً وأجراء لهم، في الحقوق والواجبات والمنزلة الاجتماعية، ويشاطروهم أموالهم. ولذلك لم يسلم اليهود، إلا نفر منهم، لدفع ضرر كاد أن يقع عليهم وليس لقناعتهم بالإسلام، ومن هؤلاء ثلاثة من بني قريظة أسلموا للاحتفاظ بأموالهم ولتسلم رقابهم، وهم: ثعلبة وأسيد ابني سعية وأسد ابن عبيد، كما يزعم ابن هشلم في سيرته ج3 ص 144 نقلاً عن ابن إسحاق أن إسلامهم في الليلة التي سبقت استسلام بني قريظة للمسلمين.

    ودين الله لا يجبر الناس على اعتناقه، ولا يحارب من يبقى على كفره، ولكنه يحارب من يحاربه، ويحاول القضاء على دعوته، أو يعترض سبيل الدعوة، بنشر دعاية مغرضة ومنفرة، أو تعاون مع أعداء الدين ضده فعلياً في حرب أو بالتحريض وإمداد الأعداء بالسلاح والمال، أو بطرق غير مباشرة يمكن الجزم على أنها تصرفات عدوانية.

    ولذلك عندما قدم الرسول إلى يثرب عقد معاهدات حسن جوار وسلام بينه وبين قبائل اليهود في يثرب وغيرها. ومما جاء في تلك المعاهدات إقرار اليهود على دينهم وأموالهم، وأن يتناصر المسلمون واليهود في السراء والضراء وفي السلم والحرب ضد الأعداء. وأن لا يناصر بعضهم أعداء بعض. وإن بـينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وإنه لـم يأثم امرؤ بحلـيفه، وإن الـجار كالنفس غير مَضار ولا آثم، كما نقلت كتب الأخبار[9].

    وكان يمكن لليهود أن يقيموا في قلاعهم وينعموا بخيراتهم ومزارعهم في يثرب إلى الأبد، لولا نقضهم لتلك المعاهدات.

    والمؤرخون يقولون بأن كل قبيلة من القبائل اليهودية الثلاث في يثرب قد نقضت العهد مع المسلمين تباعاً، وفي ثلاث مناسبات، ولم ينقضوا جميعهم العهد مع المسلمين في مناسبة واحدة، وسنتناول كيف حدث ذلك من وجهة نظر المؤرخين، ومما ذكره القرآن الكريم.

    ما الذي حدث لليهود من وجهة نظر المؤرخين



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] البداية والنهاية ج2 ص 148

    [2] سيرة ابن هشام ج2 ص 65

    [3] سيرة ابن هشام ج2 ص 65

    [4] المصدر السابق ج4 ص 141

    [5] المصدر السابق ج2 ص 167

    [6] المصدر السابق ج2 ص 168

    [7] المصدر السابق ج2 ص 167

    [8] نفس المصدر والصفحة

    [9] سيرة ابن هشام / فصل هجرة الرسول - الرسول صلى الله عليه و سلم يوادع اليهود ج2 ص 106

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    ما الذي حدث لليهود من وجهة نظر المؤرخين
    يقول المؤرخون[1] أن بني قينقاع كانوا أول من نقض العهد مع المسلمين، ويوردون قصة تصور كيف حدث ذلك، ملخصها: أن امرأة من العرب قدمت بحليب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع ، وانتهى الوضع بحصار بني قينقاع ثم إرغامهم على الجلاء من حصونهم ومزارعهم، وإن سمحوا لهم بحمل ما يستطيعون من مال وعتاد، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، وبعد غزوة بدر[2].

    والقصة التي ساقها الإخباريون في سبب وقوع الشر بين المسلمين وبني قينقاع، تتشابه مع قصة أخرى كانت قد حيكت لتكون سبباً لحرب في الجاهلية، ولو كانت تلك القصة قد حدثت بالفعل، لقتل القاتل أو القتلة وانتهى الأمر، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى في الإسلام، ولا يحاسب إنسان بجريرة غيره.

    كما يورد الإخباريون قصة أخرى يقولون إنها تمثل غدر بني النضير بالرسول، ويرويها ابن إسحاق بهذه الصورة: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير، يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري ، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضوان الله عليهم. فانتدب اليهود أحدهم ليلقي حجراً على الرسول من فوق الجدار الذي كان يستند عليه.

    فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء ؛ بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم ، والسير إليهم . فحاصرهم فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها ، فنادوه : أن يا محمد ، قد كنت تنهي عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها. وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أَّن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة. ففعل. ويقولون بأن ذلك حدث في السنة الرابعة من الهجرة[3].

    وبطبيعة الحال هذه القصة كلها ثقوب كالغربال، وبالتالي لن نحاول مناقشتها هنا، ولكننا نشير إلى أن من اخترعها كان في عصر أصبح فيه نقد أي خبر كفر وزندقة، ولذلك نسب في قصته أن الرسول عرف أن اليهود يتآمرون عليه عن طريق الوحي، فلم يعد بإمكان أحد أن يناقشه في صحة القصة، التي بقيت يتناقلها المؤرخون.

    ولم يبخل الإخباريون فاخترعوا قصة لحرب بني قريظة، مثلما فعلوا مع بني قينقاع وبني النظير، وكما نسبوا للسماء إخبار الرسول بغدر بنو النضير فقد جعلوا سبب إعلان المسلمين الحرب على بني قريظة هو أمر إلهي أرسل به جبريل ولم يطلع المسلمون على حكمته أبداً، يقول ابن هشام في سيرته: فلما كانت الظهر (أي ظهر اليوم التالي لرحيل الأحزاب)، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثني الزهري ، معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال : أوَ قد وضعت السلاح يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم ؛ فقال جبريل : فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا، فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة.

    وقد تقمص جبريل شخصية دحية بن خليفة الكلبي، على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج، ومر بالمسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك جبريل، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم. (أو أن القصة كلها من خيال الزهري الذي مات في نهاية القرن الثاني الهجري.

    ويقول الإخباريون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر سعد ابن معاذ، فحكم فيهم أن تُقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتُسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.

    ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناق كل من بلغ الحلم منهم ودفنوا في تلك الخنادق، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثِّر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة.

    هذا باختصار ما نقله ابن هشام في سيرته[4] وغيره من الإخباريين في كتبهم.

    ونزول جبريل على شكل إنسان في هذه القصة أو في القصص الأخرى التي تمتلئ بها كتب الإخباريين المسلمين، ينفيها كتاب الله، في سورة النجم التي تؤكد أن الرسول لم يرى الملاك في حياته إلا مرتين وقبيل نزول الوحي أوفي أوله، كما أن الوحي كان ينزل على الرسول عن طريق نسخ النصوص القرآنية في ذاكرة الرسول دون الحاجة للقاء الملاك وجهاً لوجه. وقد بينا الحديث عن ذلك في فصل الوحي لمن رغب الرجوع إليه.

    ما الذي حدث لليهود حسبما ذكرت الآيات القرآنية
    لو تدبرنا القرآن الكريم لأمكن أن نستنتج ما حدث ليهود يثرب، أو قريب منه. فهناك سور كثيرة في القرآن تخاطب يهود يثرب وتذكرهم بأوضاعهم مع فرعون وموسى وخلال تاريخهم الطويل، وتتحدث عن علاقة يهود يثرب بالرسول والمسلمين في المدينة، وما نزل بحق أولئك اليهود من أحكام. ومن تلك السور: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأعراف، التوبة، يونس، مريم، طه، الشعراء، النمل، العنكبوت، السجدة، الأحزاب، غافر، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، الحديد، الحشر، الصف، والبينة.

    ويهمنا الآيات التي تتحدت عن علاقتهم بالرسول، والأسباب التي أدت إلى ما نزل بحقهم من أحكام وإنهاء وجودهم في يثرب. ومن ذلك:

    1. أنه حتى غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة لم يتم إجلاء أي قبيلة من قبائل اليهود، وهذا ينقض ما قاله المؤرخون من أن بني قينقاع قد أجلوا في السنة الثانية من الهجرة وفي الفترة التي أعقبت غزوة بدر وقبل غزوة أحد. وهذه بعض الأدلة القرآنية الدالة على ذلك:

    · تتحدث سورة الأنفال في مجملها عن غزوة بدر وما حدث فيها، أي أنها نزلت بعد تلك الغزوة، ولم تذكر أن يهود يثرب قد تعاونوا مع قريش في حربهم ضد المسلمين، كما لم تذكر شيئاً عن إجلاء اليهود.

    · سورة آل عمران تتحدث عن غزوة أحد التي جرت في السنة الثالثة من الهجرة، كما تتحدث عن جماعة من الصحابة كانوا يسمعون لبعض قصص اليهود وتشريعاتهم التي ابتدعوها من عند أنفسهم ولم ينزل الله بها من سلطان، وهي التي يطلق عليها الإسرائيليات والتي إمتلآت بها كتب المسلمين برغم تحذير الله للمسلمين من الأخذ بها أو الاستماع إليها. ولا تتحدث الآيات عن أن اليهود قد حاولوا إثارة النعرات الجاهلية بين الأوس والخزرج، كما يقول المفسرون[5]. يقول تعالى:

    قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ. وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ. كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.(آل عمرآن:98-115)

    والآيات تقول بأن الاستماع لتلك القصص وتبنيها يؤدي إلى الارتداد عن الإسلام، لأنها تضمين للإسلام ما ليس فيه، والأخذ بغير ما أنزل الله ارتداد عن دين الله:

    إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.

    ولعل إشاعة الإسرائيليات بين المسلمين هو أول إفساد وفساد قام به يهود يثرب ضد الإسلام والمسلمين، وجاءت هذه الآيات تحذرهم من التمادي في ذلك، وتحذر المسلمين من الاستماع لهم.

    ولكن هذه الآيات لم تأمر الرسول بقتال اليهود، ولا إخراجهم من ديارهم، ولا الحكم عليهم بأي عقوبة، وهو ما يؤكد أنه لم يصدر من اليهود أي تصرف حسي عدائي للإسلام والمسلمين حتى وقت نزول هذه الآيات التي نزلت بعد غزوة أحد.

    · هناك آية أخرى في سورة آل عمرآن تقول بأن المسلمين سيواجهون العنت من المشركين ومن اليهود، وهذا نص الآية:

    لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ.(آل عمرآن: 186)

    وكأنها تشير إلى ما سيحدث في قادم الأيام بين المسلمين واليهود، وتنفي مرة أخرى ما ذهب إليه المؤرخون حول تاريخ محنة بني قينقاع وكيف حدثت.

    · تظهر الآيات القرآنية أن إجلاء اليهود من يثرب حدث ثلاث مرات، ولكنه تم بموجب تطبيق عقوبة إلهية نزل بها الوحي على شكل آيات قرآنية. وأن أول من خرج من يهود يثرب كان بعد معركة أحد، وليس في السنة الثانية للهجرة، ثم خروج ثان بعد الأحزاب، ثم خروج ثالث بعد ذلك، وليس كما قال المؤرخون من أن أول من أخرج من يثرب كان بنو قينقاع، في السنة الثانية للهجرة وقبل غزوة أحد، وتلاهم بنو النضير في السنة الرابعة، وكان آخر من أخرج بنو قريظة بعد الأحزاب في السنة الخامسة. وإليكم بيان ذلك:

    الجلاء الأول



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] استقينا معلوماتنا بشكل رئيسي من كتاب سيرة ابن هشام التي نشرتها دار المعرفة - بيروت

    [2] أنظر على سبيل المثال سيرة ابن هشام ج3 ص 5

    [3] سيرة ابن هشام ج3 ص 108

    [4] فصل غزوة بني قريظة

    [5] تحدثنا عن هذه الآيات بتفصيل أكثر في فصل الحسبة

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    كأنني في حلم
    الردود
    98
    جزاك الله خير وفعلا شجعتني لبداية مهمة البحث عن الكتاب
    التعليم ثقافة إجبارية ، والثقافة تعليم اختياري

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    كأنني في حلم
    الردود
    98
    للأسف باأخي الشهاب لم أستطع العثور على الكتاب
    هل من الممكن أن تخبرنا بدار النشر
    التعليم ثقافة إجبارية ، والثقافة تعليم اختياري

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الجلاء الأول
    يقول الإخباريون أن سورة المائدة نزلت بعد فتح مكة، أي في آخر حياة الرسول، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كلام الإخباريين من مفسرين ومحدثين وغيرهم، على صواب، لأنه لا وجود لتسجيل مكتوب يوثق تاريخ نزول الآيات، وجاء تصنيفهم نزول السور بناءً على آراء شخصية لا يسندها برهان، بعد عقود وقرون من عصر الرسول. إضافة إلى أنه من المسلم به نزول بعض الآيات من إحدى السور في أول الوحي والبعض في مكة والبعض في المدينة والبعض الآخر في آخر حياة رسول الله. ولذلك يمكن رد تصنيفهم إذا أتضح لنا خلافه، وهذا ينطبق على آيات في سورة المائدة، والتي يبدوا أنها نزلت قبل أن يتصادم المسلمون مع اليهود لأول مرة، لأنها تتحدث عن أن اليهود أهل خيانة وأنهم لا يحترمون العهود بناءً على تاريخهم، وكأنها تهيئ المسلمين للتعامل معهم فيما لو خانوا المواثيق التي بينهم وبين المسلمين، أو أنها تتحدث عنهم بعد أن بدرت منهم خيانة ضد المسلمين، لتشرع حكماً بحقهم جزاءً لما اقترفوه.

    وتبدأ سورة المائدة بتذكير المسلمين بالوفاء بالعهود التي يبرمونها مع غيرهم:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.(المائدة:1)

    وتؤكد الآية (8) على العدل حتى مع من أظهر عداوته لكم:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

    وتقول الآية (11): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

    والمفسرون يقولون إنها نزلت في بني النضير عندما هموا بقتل الرسول ومن معه لما ذهبوا إليهم طلباً للمساهمة في دية رجلين قتلا خطأً، وقد لا يكون ما ذهبوا إليه صحيحاً.

    والآيات التالية تؤكد خيانة اليهود للعهد الموقع مع المسلمين، وتهيئ لإنزال حكم فيهم بالتذكير أن اليهود قد نقضوا العهود مراراً خلال تاريخهم:

    فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. (المائدة:13)

    ثم تستمر الآيات بالتذكير فيما فعله اليهود مع موسى وبعده وأنهم لا يحترمون مواثيقهم، بل ويفسدون في الأرض ويحاربون الله ورسله المرسلة لهم، وقد حرم عليهم القتل ونزلت عليهم آيات الله بحد القتل العمد:

    مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ.(المائدة:32)

    وحيث أنهم قد سعوا لحرب الله ورسوله والإفساد في الإرض، والمتمثل بمحاولة القضاء على الإسلام، دين الله في الأرض، سواءً بمحاولة قتل الرسول أو بتحريض الكفار على حرب المسلمين ومعاونتهم، أو بطرق أخرى، وأنهم بذلك قد نقضوا العهود والمواثيق الموقعة في الأيام الأولى للهجرة مع المسلمين، فقد صدر بحقهم الحكم الإلهي التالي:

    إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(المائدة:33-34)

    وعلى المسلمين تنفيذ أمر الله هذا.

    وتكون الآيات نزلت بسبب مؤامرة حاول اليهود حياكتها ضد المسلمين، وأن الله كف أذاهم عن المسلمين وأبطل مساعيهم. وتنسب كتب الأخبار إلى كعب الأشرف اليهودي أنه لما تيقن من قتل كبراء قريش في بدر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش، الذين أصيبوا ببدر. كما نقل ابن هشام.

    ويبدوا أن كعب الأشرف قد فعل أقبح من ذلك، مما جعل الرسول يأمر باغتياله، وقد تم له ذلك على أيدي نفر من الصحابة.

    وقد يكون مما قام به كعب ومعه قبيلته، تحريض قريش على أخذ الثأر من المسلمين، ومن غير المستبعد أنهم أمدوهم بالمال والسلاح، وواعدوهم النصرة. وبعد أن انجلت غمة غزوة أحد، وهدأت الأنفس واستوعب الناس الهزيمة، نزلت هذه الآيات على الرسول تبين له أن ما حدث من اليهود شيء قد كرروا فعله في السابق ومع موسى رسولهم، وأن عليه أن يوقع بهم العقاب الذي حكم الله به عليهم، فقتل من قتل وأجلي من أجلي منهم. فنزح بعضهم إلى خيبر، وبعضهم واصل مسيره إلى بلاد الشام. ويكون المعنيون هنا قوم كعب الأشرف، بنو النضير، ويكون جلاؤهم بعد معركة أحد.

    والملفت هنا أن الإخباريين من مفسرين وغيرهم، والذين يقولون بأن كل آيات سورة المائدة نزلت بعد الفتح، يناقضون أنفسهم ويقولون بأن الآيتين (34،33) قد نزلتا بحق نفر من عرينة وعكل، يقول الطبري في تفسيره: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس: أن رهطا من عُكل وعرينة أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أنا أهل ضَرْع ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة. فأمر لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بَذوْد وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتِيَ بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرّة حتى ماتوا. انتهى، ويضيف بعض الإخباريون بأن الرسول قد أمر بجثثهم فأحرقت. (ويزعمون أن هذا حدث في السنة السادسة)

    وهذه القصة هي التي انتشرت بين المسلمين، على عللها الكثيرة، واتهامها للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه قد انتقم لنفسه ممن سرقوا إبله وقتلوا راعيها، بكل غلظة، وبما يخالف حد القتل الذي أنزل عليه في القرآن، والذي ينص على أن القاتل يقتل ولا يمثل بحثته، وأن السارق تقطع يده ولا يمثل بباقي جسده، ثم يتجرأون على ذات الله، عندما يقولون بأن الله جل وعلى قد أنزل تلك الآيتين ليوافق الرسول على ما فعله بأولئك النفر، ويقره عليه.

    بينما الرأي الثاني الذي أورده المفسرون لسبب النزول والذي يقول بأنها نزلت " في قوم من أهل الكتاب، كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض"[1]. لم ينتشر بين الناس وتناسوه، وهو ما نظن أنه الصحيح، لأن الآيات الأخرى قبله تدعم صحته، كما بينا.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ورد ذلك في تفسير الطبري للآيتين المذكورتين وكتب تفسير أخرى



    الجلاء الثاني
    بعد أن نزل الحكم الإلهي بتلك القبيلة اليهودية على خيانتهم للعهد مع المسلمين وتأليبهم الكفار عليهم في الآيتين (33 ، 34) من سورة المائدة، وتم تنفيذه عليهم، نزلت آية في آخر السورة تذكر الرسول والمسلمين من احتمال أن يواجهوا خيانات أخرى من اليهود في المستقبل، والآية تقول:

    لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ.(المائدة:82)

    ثم جاءت آيات في سورة الأحزاب، تتحدث عن حملة الأحزاب التي اشترك فيها العديد من القبائل، وما آلت إليه ونتائجها على اليهود الذين كانوا وراء فكرة الأحزاب وإشعال فتيلها، يقول تعالى:

    وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً. وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً.(الأحزاب:25-27)

    فتفرق شمل الأحزاب وفشلت حملتهم على المدينة، أما اليهود الذين ظاهروا الأحزاب، وحسب رأي المؤرخين فقد كانوا بني قريظة، فقد أوقع فيهم المسلمون حد من يحاربون الله ورسوله ومحاولة القضاء على الإسلام التي نزلت في السابق وطبقت بحق قوم (قبيلة) من اليهود قبل سنتين من غزوة الأحزاب. فقاتلهم المسلمون، وقتلوا منهم وأسروا، وانسحب البقية إلى داخل حصونهم (صياصيهم) ولكن سرعان ما دب الذعر فيهم فاستسلموا للمسلمين، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.

    وتكون هذه هي ثاني المصادمات بين المسلمين ويهود يثرب، وقد وقعت إثر موقعة الأحزاب وبسببها، حيث كان اليهود هم من حارب الله ورسوله عندما جاؤوا بفكرة الأحزاب، وهم من شحذ همم القبائل للتجمع ومهاجمة المدينة، وهم من أمدهم بالمال والسلاح بهدف القضاء النهائي على المسلمين والإسلام، ولولا لطف الله جل وعلى، لاقتحمت الأحزاب المدينة، ولو استطاعوا، فلن يبقوا على نفس واحدة من المسلمين.

    وكما حصل في الحادثة الأولى فقد سمح لمن استسلم من اليهود بأن يجلوا من يثرب حاملين معهم ما يستطيعون من متاع ومال، فخرجوا إلى خَيْبر ومنهم من سار إلى الشام.

    الجلاء الثالث
    تأتي آيات في سورة الحشر التي نزلت بعد آيات سورة الأحزاب، لتتحدث عن إجلاء لليهود من يثرب، بدون أن يكون بينهم وبين المسلمين حرب أو حصار، يقول تعالى:

    هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ. وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ. وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(الحشر:2-6)

    ومن الواضح أن الآيات هنا لا تتحدث عما تحدثت عنه آيات سورة الأحزاب، ولا الآيات في سورة المائدة، لأن اليهود الذين تحدثت عنهم السورتان خرجوا بعد قتال وحصار، أما هنا فخرجوا بدون حرب ولا حصار، وهو ما يعني أنهم قد نقضوا العهد مع المسلمين بطريقة ما، وأنهم بمجرد معرفتهم بإطلاع الرسول على ما فعلوه أرسلوا إليه يطلبون الأمان والجلاء على ما أجلي عليه بني دينهم من قبل، بحيث يحملون معهم ما يستطيعون من مال وعتاد، وقد حصل ذلك دون حرب أو حصار وهو ما يفهم من قوله تعالى "وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ ".

    وقد خربوا حصونهم بأيديهم لحمل ما يستطيعون منها، كما خرب المسلمون ما بقي قائماً منها بعدما جلوا عنها، وما يؤيد أنه لم يكن هناك حرب ولا حصار، قوله تعالى " فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ".

    وإذا كان في يثرب ثلاث قبائل يهودية كما يقول المؤرخون، فإن هؤلاء كانوا هم بني قينقاع، ويكونون آخر من أجلي من المدينة، وبعد غزوة الأحزاب، وقبل خيبر، اي في السنة السادسة للهجرة، وهو مخالف لما يقول الإخباريون من أن بني قينقاع كانوا أول من أخرج من يثرب، وكان ذلك في السنة الثانية للهجرة.

    ويكون قد حدث بين المسلمين ويهود يثرب ثلاث مصادمات متفرقة، وإن تشابهت في الأسباب، المتمثلة بخيانة اليهود للعهد الموقع مع المسلمين، والقيام بسلوك عدائي من أجل الإضرار بالإسلام والمسلمين. كما تشابهت نتائج تلك المصادمات، حيث انتهت جميعها بجلاء من استسلم منهم من يثرب حاملين معهم ما يستطيعون من مال وعتاد. وهو ما يتوافق مع هدف الإسلام، المتمثل بالقضاء على تسلط الكفار على الدين، وليس القضاء على أشخاصهم، وسنرى ذلك يتكرر دائماً، مع أهل مكة وأهل الطائف وفي خيبر وغيرهم.

    وقد استقر بعض يهود يثرب في خيبر، بينما فضل البعض النزوح إلى بلاد الشام. وتقول كتب الأخبار إن من زعماء اليهود الذين أقاموا في خيبر سلاّم بن أَبي الحُقَيْق، وكِنَانة بن الربيع بن أَبي الحقيق، وحُيَـيّ بن أَخْطب.

    وللتدليل على أن ما كتبه الإخباريون حول ما حصل لليهود في يثرب ما هو إلا أضغاث أحلام سطرها أناس من عند أنفسهم، ولا يمكن أن يعتمد عليها كتاريخ لوصف الأحداث الحقيقية، سنورد خبراً واحداً فقط ونتوقف عند بعض ما جاء فيه.

    والخبر يتلخص بأنه بعد انتهاء غزوة الأحزاب، اتجه الرسول إلى بني قريظة، وأنه صلوات الله وسلامه عليه لما نزل بحصنهم، وكانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفراً من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أَجِيبُوا يَا مَعْشَرَ يَهُودَ يَا إِخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنَازِيرِ. فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشاً، وفي رواية أخرى: ما كنت جهولاً ولا فحاشاً. (وبطبيعة الحال فرسول الله لم يكن فحاشاً بالقول ولا بالفعل).

    ثم حاصر المسلمون بني قريظة، وبعد خمسة وعشرين يوماً نزل اليهود على حكم المسلمين، فأمر الرسول سعد ابن معاذ أن يحكم عليهم بما يرى، وقد حكم سعد عليهم أن يقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. قال ابن إسحاق: فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرَّحمٰن بن عمر بن سَعْد بن مُعَاذ، عن عَلْقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ.

    ولتنفيذ حكم سعد ابن معاذ يقول ابن هشام: ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق (أي حفر بها حفراً عميقة)، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه إرسالا(أي جماعات)، ويقول ابن هشام: وهم ستمائة أو سبعمائة. والمكثر لهم يقول: كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة.( سيرة ابن هشام - فصل في غزوة بني قريظة)

    وسنتطرق لموقفين تحدث عنهما الخبر، كما يلي:

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الموقف الأول

    يقول أن اليهود قد حكم عليهم بموجب رأي شخصي لسعد ابن معاذ، وأحكام دين الله لا يستشار فيها البشر، ولا يحكم بها بموجب رأي شخصي لبشر، ولو كان الحكم على أولئك اليهود قد تم بموجب رأي سعد أو أي بشر آخر ولو كان الرسول، فإن هذا يعني أن من أصدر الحكم نيابة عن الله قد أصبح شريكاً لله في حكمه، والعياذ بالله. وتزعم كتب الأخبار أن الرسول قال لسعد: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ. وإذا كان حكم سعد الشخصي قد وافق حكم الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فإن تشريعات سعد أصبحت موازية لتشريعات الله، والعياذ بالله.

    ولم يحكم سعد ابن معاذ فيهم بما تمليه عليه نفسه، ثم يوافقه الله عليه من فوق سبع سماوات، لأن الدين لله، والحكم لله، وهو سبحانه من يحكم لخلقه أو عليهم، وليس الله جل وعلى بحاجة لبشر ليدله على الحكم الصحيح. ويكون مخترع القصة قد تأثر بما جاء في التلمود الذي يقول : إن الله يستشير الحاخامات على الأرض عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها في السماء.

    ( قلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.(يونس:18)

    ويكون كتبة التاريخ بشر يسطرون ما تمليه عليهم ثقافاتهم وميولهم وما يتناقله الناس من حكايات وأساطير، والمؤسف أننا ورثنا منهم كتاباتهم، دون تمحيص، وجعلناها عين الإسلام، وهو منها براء.

    الموقف الثاني

    يدعي الإخباريون أن مئات من اليهود المحكوم عليهم قد دفنوا في سوق المدينة، ولو سلمنا جدلاً، أن الرسول قتل مئات من اليهود صبراً، كما تقول كتب الأخبار، فإنه سيكون من الغريب جداً ومن غير المألوف أن يأمر عليه الصلاة والسلام بحفر خنادق لدفن القتلى وسط سوق المدينة، وليس في مكان خلاء خارجها، ولو كان المقتول منهم رجلاً واحداً، وليس مئات. إذ ليس من المعقول أن يختار الرسول دفن جثثهم في المكان الذي يدوسه الناس ليلاً ونهاراً في ذهابهم وإيابهم وتسوقهم، وليس هناك حكمة في ذلك، إلا إذا كان من اختلق هذه القصة من الإخباريين قد سمع بما حدث لنحو تسعين من بني أمية الذين أمر السفاح فضربوا بالعمد حتى أثخنوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً[1]، وأراد أن يقول بأن السفاح قد اقتدى بالرسول، وتناقل المسلمون القصة دون أن يفطنوا لمغزاها.

    ولو كانت الخنادق قد حفرت وسط سوق المدينة ودفن فيها ذلك العدد الهائل من اليهود، لأصبح المكان معلماً معروفاً على مر التاريخ، ولكان بالإمكان أن يعثر على بقايا رممهم عندما نكثت أرض المدينة كلها في عمليات التوسعة لمسجد رسول الله، ولكن لم يحدث أن عثر على مقابر جماعية لا في التوسعات القديمة ولا في التوسعات الحديثة، ولن يعثر على أي مقابر جماعية لهم في المدينة، لأنه لم يحدث لبني قريظة أو لغيرهم من يهود يثرب، ما تقول كتب الأخبار أنه حدث لهم، إلا في خيال من ابتدع قصة قتلهم.

    ومن الواضح أن من اخترع القصة تعمد أن يقول بأن الخنادق كانت وسط سوق المدينة وليس خارج البلدة، لأنه لو قال بأنها حفرت خارج البلدة فسيكون عليه أن يشير إلى مكانها الذي لابد أن يبقى معلماً مشهوراً، مثلما بقيت مقابر اليهود في حش كوكب[2]، فقال بأن الخنادق حفرت وسط السوق حتى يقتنع الناس عبر الأجيال بأن معالم تلك الخنادق قد اندثرت بسبب العمران، ويصعب تحديدها بين مساكن الناس في المدينة وسوقها، ولم يدر بخلده أن الإمكانيات الحضارية ستتقدم وأن المدينة التي كانت في عصر الرسول بكاملها يمكن حفرها وإخراج كل ما فيها بسهولة، كما حدث في عمليات التوسعة الأخيرة لمسجد رسول الله الذي أصبحت مساحته الحالية تفوق مساحة مدينة رسول الله ويثرب موطن اليهود بعدة أضعاف.

    وبطبعة الحال فكتب الأخبار تمتلئ بقصص وروايات خيالية، ومما أوردوه حول ما حدث لبني قريظة، قصص بعضها وضعت بموافقة أفكار يهودية لأنها تمتدحهم وتظهرهم كأحرص خلق الله على الوفاء، وكأنها تقول بشكل غير مباشر أن القرآن الذي قتلهم بدعوى نقضهم للعهد مع المسلمين كان مخطئاً. وسنورد قصة واحدة من تلك القصص كمثال ونترك الباقي للقارئ إن أراد الرجوع إليها فسيجدها في سيرة ابن هشام والبداية والنهاية وغيرها. وهذه هي القصة كما أوردها ابن هشام، تحت عنوان:

    قصة الزبير بن باطا

    قال ابن إسحاق : وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس ، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري ، أتى الزبير بن باطا القرظي ، وكان يكنى أبا عبد الرحمن- وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية . ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان منّ عليه يوم بعاث ، أخذه فجز ناصيته ، ثم خلى سبيله - فجاءه ثابت وهو شيخ كبير ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل تعرفني (4/ 203) قال : وهل يجهل مثلي مثلك ؛ قال : إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي ؛ قال : إن الكريم يجزي الكريم . ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنه قد كانت للزبير عليّ منة ، وقد أحببت أن أجزيه بها ، فهب لي دمه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو لك ؛ فأتاه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك ، فهو لك ؛ قال : شيخ كبير لا أهل له ولا ولد ، فما يصنع بالحياة قال : فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، هب لي امرأته وولده ؛ قال : هم لك . قال : فأتاه فقال : قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك ، فهم لك ؛ قال : أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فما بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ماله ؛ قال : هو لك . فأتاه ثابت فقال : قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك ، فهو لك . قال : أي ثابت ، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحي ، كعب بن أسد قال : قتل ؛ قال : فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب قال : قتل ؛ قال : فما فعل مقدمتنا إذا شددنا ، وحاميتنا إذا فررنا ، عزَّال بن سموأل قال : قتل ؛ قال : فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة ؛ قال : ذهبوا قتلوا ؛ قال : فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم ، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة . فقدمه ثابت ، فضرب عنقه. أهـ

    وآخر القصة يؤكد على أن من قتل من اليهود سيلتقون في الجنة، وكأنها تقول بأن من يقتل مؤمناً من أهل الجنة فمأواه جهنم، وهي تشير بذلك إلى الرسول.

    وتكون تلك القصص التي يرويها الإخباريون في كتب التاريخ والتفسير والحديث عما حدث لليهود بعيدة كل البعد عما حدث على أرض الواقع، ولا يمكن التسليم بصحتها، في الوقت الذي أخبرنا القرآن بأن قبيلة من اليهود، دون ذكر لاسمها، قد نقضت العهد مع المسلمين، وحاربت الله ورسوله (شاقوا الله ورسوله) وسعت في الأرض فسادا عندما حاول أفرادها القضاء على الإسلام عن طريق المكائد والتعاون مع الكفار، فنزل بحقهم حكم الله الذي يعطي الحق للمسلمين بقتالهم وصلبهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم، أي التعامل معهم بكل غلظة، وبلا رحمة. وقد اشتبك المسلمون معهم في قتال، ولكن اليهود سارعوا للانسحاب والاحتماء بقلاعهم، فحاصرهم المسلمون، مما اضطر اليهود لطلب الأمان، على أن يتركوا يثرب، حاملين معهم ما يستطيعون من متاع، وكان ذلك قبل غزوة الأحزاب. وقد كررت قبيلة ثانية، دون ذكر لاسمها، نقض العهد مع المسلمين والمتمثل بتصرفات عدائية، حيث كانوا وراء فكرة تجمع القبائل ومهاجمة المدينة للقضاء على الإسلام والمسلمين، فطبق المسلمون بحقهم حكم الله السابق، وحاصروهم في قلاعهم، مما اضطرهم للتسليم بنفس شروط القبيلة الأولى. وكررت القبيلة اليهودية الثالثة التصرفات العدائية ونقض العهد مع المسلمين، ولكنهم لم يشتبكوا مع المسلمين في قتال كما حدث مع القبيلتين السابقتين، بل عرضوا الاستسلام بنفس شروط من سبقهم.

    وتكون الأحكام على اليهود في المناسبات الثلاث التي وقع فيها صدام بينهم وبين المسلمين، قد وقعت عليهم بموجب آيات قرآنية باقية إلى اليوم، ومن ذلك الآيتان (33 ، 34) من سورة المائدة.

    ولم تنزل هاتان الآيتان من سورة المائدة في حق من سرق إبل أو غنم، لرسول الله أو لغيره وقتل الراعي، كما تقول الأخبار، وأن الرسول قد مثل بالفعلة وأحرق جثثهم، وصلبهم، كما يزعم الإخباريون، ومن ذلك ما أورده الطبري في تفسيره: أن رهطا من عُكل وعرينة أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أنا أهل ضَرْع ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة. فأمر لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بَذوْد وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتِيَ بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرّة حتى ماتوا. فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ.

    ويقول الإخباريون بأن الرسول قد أحرق جثثهم بالنار بعد أن مثل بها. ولو صدقنا حكايات الإخباريين، فإننا نحكم على الرسول بأنه يصير أحكام الشرع على ما يرغب، فهو قتل وصلب ومثل بجثث من سرق إبله وقتل الراعي، دون أن يستند في حكمه على حكم قرآني، لأن القرآن يخلوا من أي حكم على البشر بالحرق والتمثيل بالجثث، أو بصلب من يقتل الراعي. ثم يورد الإخباريون أنه عليه الصلاة والسلام ينهى غيره بعدم التمثيل بالجثث أو حرقها بالنار، أعوذ بالله أن ينهى رسول الهدى عليه الصلاة والسلام عن خلق ويأتي مثله. والرسول لا يستطيع أن يعمل برأيه ولا أن يخالف القرآن، الذي يقول بأن القاتل يقتل، بنص آيات القصاص. كما أن من قتل راعي الرسول لم يحاد الله ولا رسوله ولم يسع ليعم الفساد في الأرض، المتمثل بالقضاء على الإسلام، مثلما سعى اليهود في محاولاتهم القضاء على الإسلام. ويكون حد القاتل القتل فقط، سواءً قتل راعي رسول الله أو قتل راعي أبو جهل. ثم إن الآية (34) تنص على أن من يتوب منهم فقد حقن دمه وماله وعرضه، وهو ما حصل لعدد من اليهود حسبما ذكرت كتب الأخبار ومنهم: ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، الذين أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفاً من أن يحكم عليهم بالقتل أو يجردوا من أموالهم. بينما لم يقل الإخباريون أن أحداً ممن قتل الرعاة قد تاب ولم يقتل، كما أنها ليست حداً لما يعرف اليوم بالحرابة، والذي يطبق بحق كل من يخرج على السلطان أو يسرق بعد أن يقتل. لأن القاتل يقتل بالحد الوارد في الآية (178) من سورة البقرة، وليس هناك حد في الإسلام على من يخرج على السلطان لشعوره بالظلم، ولكن هناك عقوبة لمن ينقض العهد مع دولة الإسلام، فصلنا الحديث عنها في فصل الجهاد.

    وهكذا خلت يثرب من ساكنيها وخربت قلاعها وحصونها التي كانت عامرة بيهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. ويكون يهود يثرب هم من بدأ بنقض العهد الموقع مع المسلمين وهم من حارب الله ورسوله بمحاولاتهم موالاة الكفار وتأييدهم لهم في حروبهم للمسلمين، مما ترتب عليه إجلاؤهم من يثرب وتخريب مساكنهم والإستيلاء على مزارعهم، كعقاب على ما اقترفته أيديهم.

    هذا في يثرب، أما في خيبر فالتاريخ يروي لنا أن المسلمين قد بادروا بالهجوم عليها وافتتحوها دون أن يذكر المؤرخون أن يهودها قد نقضوا عهدهم مع المسلمين أو بادروهم بالعداء، وهو ما يتناقض مع القواعد الإلهية التي لا تبيح قتال الكفار لمجرد أنهم لم يؤمنوا بالإسلام، ولكن القتال يكون لمن يسعى للقضاء على الإسلام أو يوالي من يسعى للقضاء عليه. فما الذي فعله أهل خيبر وأوجب على المسلمين الخروج لهم بعيداً عن أساطير الإخباريين؟




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ذكرنا ذلك في مقدمة الحديث عن دولة بني العباس

    [2] مقابر لليهود في يثرب مجاور لمقابر البقيع

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة حلم عمر عرض المشاركة
    للأسف ياأخي الشايب لم أستطع العثور على الكتاب
    هل من الممكن أن تخبرنا بدار النشر
    سنة الأولين
    تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها

    ابن قرناس

    منشورات الجمل
    Kalmaaly@aol.com

    .....................................
    الأخ الكريم..
    أهلا وسهلا ومرحبا..

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    <H2 align=right><EM><FONT face=Arial><FONT size=4>خيبر<SPAN>

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    <H2 align=right><EM><FONT face=Arial><FONT size=4>خيبر<SPAN>

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الزملاء الكرام..
    نظرا لصعوبة وضع نصوص جديدة تحت العنوان..
    أكتفي بما سبق تقديمه..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •