Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 41

الموضوع: صدام الحضارات..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350

    صدام الحضارات..

    الكرمل..
    فصلية ثقافية..
    العدد 53 / خريف 1997..
    رئيس التحرير: محمود درويش..
    الملف..
    _ الهوية الثقافية بين الخاص والعام:
    قل ما أثارت مقولة نظريّة ذلك الجدل الواسع الذي أثارته مقولة "صدام الحضارات", وهو الجدل الذي ما زالت أصداؤه تتردّد حتى اليوم, شرقا وغربا, شمالا وجنوبا.....
    وقد أثارت هذه الأصداء الواسعة لمقال يحتل أقل من 30 صفحة من فصليّة "فورين أفيرز" الأمريكية, صيف عام 1993
    (لاحظ أن أغلب النقاش لمقولة هنتنجتون اعتمد على الأفكار الواردة في المقال, وليس على تلك الواردة في كتابه "صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي" الذي ظهر في ديسمبر عام 1996)
    ضجر الكثيرين الذين أشاروا إلى القيمة الفكريّة والنظريّة المتواضعة لهذا المقال الذي أقام الدنيا ولم يقعدها حتى الآن. ولكن القضيّة هنا ليست القيمة الفكريّة لما يقول به هنتنجتون, وإنّما هي أهميّة ما يقوله في إطار مشروع المؤسّسة الحاكمة الأمريكية لإدارة العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

    فكما يوضح ادوارد سعيد في مقاله المنشور في هذا الملفّ: "في اللبّ من مقال هنتنجتون يكمن هذا الحسّ بعدم أهميّة العديد من التفاصيل, وأكوام الدراسات الجادّة والخبرة المتراكمة, واختزال كل هذا إلى القليل من العبارات الجذّابة سهلة التذكّر التي يمكن تقديمها كوصفة حكيمة ذات فائدة عمليّة واضحة."
    (وربّما يكون هذا هو السبب وراء الاستجابة المتحمّسة من صنّاع القرار في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لهذا المقال)

    فنحن هنا بصدد وصفة لإدارة الصراع (عبر فبركته أيضا) تماما كما كانت نظرية جورج كينان عن "الاحتواء", والتي ظهرت, أيضا على شكل مقال في فصليّة "فورين أفيرز" منذ نصف قرن, هي وصفة لتصنيع ثمّ إدارة الحرب الباردة. فقد تنبّأ كينان في مقالته الشهيرة عام 1947 بأّن الاتحاد السوفييتي الخارج منتصرا من الحرب العالميّة الثانية لا بدّ وانه سيسعى إلى التوسّع, ومن ثمّ لا بدّ من احتواء الخطر السوفييتي عبر خلق قوة مناوئة واستخدام هذه القوّة في التصدّي له على نطاق العالم.
    وقد كانت نظريّة "الاحتواء" هذه هي العمود الفقري للدبلوماسيّة الغربية منذ يالطا وحتى انهيار منظومة الدول التابعة للاتحاد السوفييتي عام 1989.
    والقول بأنّ أطروحات هنتنجتون تمثّل وصفة لإدارة الصراع لا يعني بالضرورة أن هذه الأطروحات لا تتماس مع قضايا حقيقيّة وحيويّة, بل على العكس, فإنّ حسن اختيار القضايا القابلة للتوظيف هو شرط ضروري لفاعلية استراتيجيات إدارة الأزمة. فسؤال الهوية الثقافية بين العامّ والخاصّ سؤال ملحّ تتعدّد حوله الاجتهادات الفكريّة, وبخاصة في العالم الثالث, قبل هنتنجتون وبعده.

    ولعلّ أنور عبد الملك واحد من أكثر المفكّرين العرب اهتماما, على مستوى التنظير, بسؤال الخصوصيّة الثقافيّة_الاجتماعية. تشهد على ذلك أعماله المنشورة منذ أوائل الستينيات, بدءا من "مصر مجتمع عسكري" (1962), "الاستشراق في أزمة" (1963).....
    فأنور عبد الملك يلاحظ في ورقته المنشورة في هذا الملف,
    (التي ألقاها في المؤتمر التاسع لعلم الاجتماع الذي انعقد في السويد عام 1978)
    : "تزايد عدد المشاكل المحوريّة التي يتم إدراجها الآن تحت لافتة "حالات استثنائية" (...) ومنها دور الجيش في السياسة, وانبعاث البعد القومي وخاصة ذلك الذي يكمن تحت غطاء العديد من الظواهر القومويّة, والتطور الذي طرأ على الأديان, وحوّلها إلى ظواهر"أيديولوجيّة_فلسفيّة_ثقافيّة", والتطوّر العكسي أيضا, والوعي المتزايد بنقاط الالتقاء والتّماس التي تجمع بين أشكال متنوّعة من نظم إدارة المجتمعات والحفاظ عليها, وهي النظم التي تبدو على المستوى الشكلي جدّ مختلفة, مثل نظام الدولة الأوتوقراطي, ونظام التعدّدية السياسيّة, ونظام الإجماع الذي يعتمد على المشاعر الشعبويّة أو القبليّة."
    وهكذا فإن هدف الورقة النظريّة التي تفضّل أنور عبد الملك باقتراح ترجمتها لهذا الملف تهدف إلى:
    "الإشارة, وإن بصيغة موجزة, إلى مجموعة من المواقف التي يمكن انطلاقا منها الإحاطة بالقضايا المحوريّة حول أداة مفاهيميّة أساسيّة: مفهوم الخصوصيّة."

    وبينما يرى أنور عبد الملك في مفهوم الخصوصية المنطلق النظريّ لفهم ظواهر المجتمع, نجد مفكّرا عربيّا آخر هو سمير أمين يرى في مقالته المنشورة هنا
    (والذي أعده المؤلّف لجريدة "الأهرام ويكلي" القاهريّة التي تصدر باللغة الإنجليزيّة)
    : "إنّ نظريّات الخصوصيّة الثقافيّة مخيبة دوما للآمال, حيث تقوم عادة على تحيّز مسبق ينظر إلى الاختلاف باعتباره العنصر الحاسم, بينما يرى التشابهات نتيجة للمصادفة المحضة. وتحدّد نظريّات الخصوصيّة الثقافيّة هذه برنامجها البحثي على أساس هذه الفرضيّة المسبقة, على الرغم من أنّ الكثير من أوجه الاختلاف التي تعتمد عليها لا تصمد أمام أيّ تحليل عميق للظواهر الاجتماعيّة."
    ووجهتا النظر هاتان ليستا بالضرورة متعارضتين, وإن كانت القراءة الكاملة لمقالي الكاتبين تبيّن قدرا كبيرا من الاختلاف بين موقفيهما, على الأقل على مستوى ترتيب الأولويّات.

    أما مقال ادوارد سعيد في هذا الملفّ
    (وهو ورقة عمل غير منشورة أعدّها المؤلّف واعتمد عليها كمادّة أوليّة في عدد من المحاضرات التي ألقاها في بعض العواصم الشرقيّة والغربيّة حول مقولة صدام الحضارات)
    فهو يتضمّن مجموعة من الملاحظات النقديّة على مقولة صدام الحضارات, ويناقش قضية التواطؤ بين المعرفة والسلطة, حيث يرى, ويتّفق معه سمير أمين في هذا, أنّ سيناريو صدام الحضارات, كما يقترحه هنتنجتون, مثال على هذا التواطؤ.....
    وعلى الرغم من أنّ كلا من إدوارد سعيد وسمير أمين يتّفقان على اعتبار حالة صمويل هنتنجتون, وحالة فرنسيس فوكوياما صاحب مقولة "نهاية التاريخ"
    (التي ظهرت أوّل ما ظهرت في صيف 1989 بعد سقوط حائط برلين مباشرة في مجلّة فصليّة أمريكية أخرى هي "ناشونال إنترست")
    نموذجا لتواطؤ الأكاديمييّن في خدمة السلطة السائدة, ألاّ أنهما يختلفان في أشياء كثيرة بعد ذلك.
    فمقولات إدوارد سعيد تحتل موقعا متوسّطا بين ما يقول به أنور عبد الملك, الذي يعطي للخصوصيّة الثقافيّة موقعا محوريّا في كافّة العمليات المجتمعيّة, وبين أطروحات سمير أمين التي تميل, في كثير من الأحيان, إلى تغليب العامّ المشترك على حساب الخاص.
    ومن الطبيعي ان يكون لإدوارد سعيد, الذي يعتبر أحد الأعمدة التأسيسية في حقل نظريّة الثقافة نظرة مختلفة تسعى إلى التوفيق بين الخاصّ والعامّ في إطار نظريّات تعدد المنابع الثقافيّة داخل الثقافة الواحدة, ونظريّات "اختراع التقاليد", و "الهجنة الثقافية".
    ويحتوي هذا الملف على حوارين مع كلّ من صامويل هنتنجتون, وفرانسيس فوكوياما, تم نشرهما في جريدة "الأهرام ويكلي" خلال شهري يناير وفبراير من هذا العام (1997).
    .....

    فواقع العرب السياسيّ المعاصر, من النكبة الفلسطينيّة وحتى حرب الخليج, يمدّنا بالعديد من الأدلة على رغبة "الآخر" القوي والمهيمن في طردنا خارج التاريخ.
    ولكن, وكما ينبهنا ثلاثة من كبار المثقّفين العرب الذين يحتوي هذا الملفّ على بعض إسهامهم الفكريّ في تفنيد مقولة حتميّة الصّدام الثقافيّ, ليس الآخر كتلة صمّاء متجانسة, كما أننا أيضا لسنا بكتلة صمّاء واحدة. فداخل معسكر "الآخر" هناك آخرون, والحوار بين الآخرين من كلّ الثقافات هو أحد شروط تجاوز الأزمة.
    منى أنيس
    القاهرة
    .................................................. ..............
    الملف..
    العناوين التي ستلي:
    _ نحو استراتيجية للتحرر / سمير أمين
    _ صدام المفاهيم / إدوارد سعيد
    _ ملاحظات حول مفهوم الخصوصية / أنور عبد الملك
    _ إخفاق التحديث وراء التطرف الأصولي / فرانسيس فوكوياما
    _ النتوء الديموغرافي سبب الاحتكاك بين الغرب والإسلام / صمويل هنتنجتون
    2/9/2006

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    في اللا أين
    الردود
    252

    دمت موفقاً

    نتمنى منك المزيد

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الهيكل عرض المشاركة
    دمت موفقاً

    نتمنى منك المزيد
    اهلا وسهلا ومرحبا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الكرمل..
    فصلية ثقافية..
    العدد 53 / خريف 1997..
    رئيس التحرير: محمود درويش..
    الملف..
    _ نحو استراتيجية للتحرر..1 .
    سمير أمين
    ......................................
    مقدمة..
    واجه النظام الاقتصادي_الاجتماعي الحديث, منذ نشأته وحتى الآن, تناقضات لم ينجح قط في التخلص منها, بل على العكس, فإن هذه التناقضات تتزايد مع كل نجاح تحققه الرأسمالية في إطار نموها. إن مرونة هذا النظام, بمعنى تكيفه مع الابتكار الاجتماعي للمتغيرات, التي أحيانا ما تطرح كبدائل لمنطقه, قد سمح له, بالتأكيد, أن ينجو من العديد من الأزمات الناتجة عن تفجر التناقضات المختلفة. ومع ذلك, فإن هذه الحلول الجزئية, التي تبدّت كاستجابة لتحديات معينة, كانت تبرز دوما, على المدى الطويل, عنف التناقضات الكامنة في قلب الرأسمالية.
    إن المنطق الذي يعمل تراكم رأس المال في إطاره, يتناقض مع المصالح الاجتماعية الأساسية لمعظم البشر على مستويات ثلاثة:
    أولا, يتناقض إخضاع العمال لمفهوم الربحية مع طموح البشر ليكونوا سادة مصيرهم. ولقد أجبر العمال والشعوب, عبر نضالاتهم, الرأسمالية على التكيف, ولو جزئيا مع منطق مصالحهم الاجتماعية, حيث فرضت هذه النضالات زيادات في أجر العمل, فرديا وجماعيا, بالتوازي مع الزيادة في الإنتاج. كما أن هذه النضالات سعت إلى توظيف المبادىء الديموقراطية من أجل توسيع نطاق عملها كي تشمل مجالات اجتماعية, لم تكن الديموقراطية السياسية, في الأصل, معنية بها.
    فالإصلاح الديموقراطي والاجتماعي ليس بالضرورة الناتج الطبقي لفعل التوسع الرأسمالي, بل على العكس, فهو مفروض ضد منطق هذا التوسع. وهذه الإصلاحات, في التحليل النهائي, غير قادرة على حسم تناقضات الرأسمالية مرة والى الأبد, بل إنها تؤدي إلى احتدام التناقض في كل مرحلة جديدة. إن الشعوب تطمح, الآن, إلى أكثر من تحسين شروط العمل المادية, واحترام حقوق الإنسان, إنها تريد, ببساطة, أن تكون سادة مجتمعاتها, أي بكلمات أخرى أن تحرر نفسها من "الاغتراب الاقتصادي" الأساسي, الذي تخضع له.

    ثانيا, تتعارض قواعد الحساب العقلاني الاقتصادي الرأسمالية المحددة بفترة قصيرة (فمن المستحيل تخيل اختيارات لفترة تزيد عن 15_30 سنة) مع مقتضيات ضمان مستقبل الحياة على الكرة الأرضية. وسوف يبقى هذا التناقض, بطبيعته, بلا حل داخل إطار المنطق الذي يميز الرأسمالية كنظام تاريخي. فليست هناك طريقة "خارجية لاستبطان التكاليف" في مواجهة هذا التحدي. حيث ان نمو قوى الإنتاج (التي في الوقت نفسه المدمرة للبيئة) هو معيار نجاح الرأسمالية. وهذا التحدي يكتسب الآن أبعادا لا يمكن مقارنتها بما كانت عليه في الماضي.

    ثالثا, هنالك, ذلك الاستقطاب المتنامي في حدته بين مراكز الرأسمالية الغنية وأطرافها البائسة. وهذا الاستقطاب ليس نتاج شروط وظروف خاصة بمناطق العالم المختلفة, كما تصوره الأيديولوجيات السائدة, ولكنه نتاج المنطق الخاص للرأسمالية الذي يعمل على أساس عولمة رأس المال وسوق المنتجات, وتجزئة أسواق العمل, التي تظل حبيسة أطر الدول السياسية القائمة.

    لا بد للخطاب الإيديولوجي السائد أن يتجاهل, من حيث المبدأ, التناقضات الخاصة للرأسمالية, تلك التي لا تجد حلا إلاّ إذا وضع منطق النظام ذاته في دائرة التساؤل. فالتعرّف على هذه التناقضات يؤدي إلى تعطيل قدرة هذا الخطاب على أداء وظيفته في إعادة إنتاج النظام, حيث يصبح ذلك التعرّف معادلا للتعرّف على الطبيعة التاريخية للرأسمالية_ أي كذب الادعاء بأبدية الرأسمالية.
    تلجأ الأيديولوجيات السلطوية, دائما, إلى استخدام منظومة قيم "عبر تاريخية", وتجاهل أي معايير للحكم على الظواهر في إطارها التاريخي. وبعض تجليات هذه الأيديولوجيات تتحدث بسذاجة تبعث على الدهشة, كما في حالة "فرنسيس فوكوياما" ومقولته عن "نهاية التاريخ", على سبيل المثال.
    ففوكوياما لا يرى أي شيء باعث على الضحك في أقوال على غرار: "لقد وصلنا إلى النقطة الأخيرة من تطوّر الفكر الإنساني", أو : "إن الديموقراطية الغربية الليبرالية هي الشكل النهائي لنظام الحكم". و"فوكوياما" الذي يعلن نفسه "هيجيليا", يتناسى أن هيجل العظيم نفسه كان مخطئا عندما قرر ذات يوم أن الدولة البروسية هي الشكل النهائي للتطور السياسي.
    إنّ "فوكوياما" يقرر, دون إلقاء نظرة-حتى ولو خاطفة- على واقع هذا العالم أنه لا توجد أية تناقضات جوهرية لا يمكن حلها في سياق الليبرالية الحديثة. هذه العنجهية هي التي تجعل "مستشار" الإدارة الأمريكية هذا يظن أنّ فكرة "نهاية التاريخ", التي يقول بها, فكرة جديدة مبتكرة, بينما هي, في الواقع, قديمة قدم التاريخ نفسه.
    فالأيديولوجيات السائدة هي بالضرورة, أيديولوجيات محافظة: فإعادة إنتاج المجتمع تتطلّب أن يرى النظام نفسه "أبديا".
    وجميع الأيديولوجيات المهيمنة تشترك في هذا الأمر. إن أيديولوجيات رابطة الدم في مجتمعات المرحلة الأولى (التي أسميها مشاعية), وأيديولوجيات رابطة الدين في المجتمعات الخراجية (المرحلة الثانية) هي, أيضا وبالتحديد, أيديولوجيات مبنية على فكرة "نهاية التاريخ".
    أليس كل دين, في تصوره عن نفسه, هو الإجابة الحاسمة والنهائية ؟
    إنّ فكرة نهاية التاريخ, وقد أخذت شرعيتها من دين سابق, تبحث اليوم-في العالم الرأسمالي- عن مصدر شرعيتها في الفعالية الاقتصادية (التي هي "السوق" باللغة المبتذلة الشائعة في كل أيديولوجية مسيطرة).
    لكن "فوكوياما" مثله مثل الكثيرين من مروّجي الخطاب الأيديولوجي السائد الآن, لا يدرك أن انتقال مصدر المشروعية من مجال العقيدة إلى المجال الاقتصادي هو في ذاته انعكاس لتحول آخر,هو التحول من نظام الدولة الخراجي السابق إلى النظام الرأسمالي, وظهور الاغتراب الاقتصادي "الاقتصاد يحكم كل شيء" وقد حلّ محلّ الاغتراب الديني "الدين يحكم كل شيء".
    مرة ثانية, وبسذاجة مدهشة, "يكتشف" "فوكوياما" الاغتراب الاقتصادي, الذي يعتقد أنه صفة جوهرية للماركسية (وهو هنا يعتمد على الصيغة المبتذلة للماركسية التي تعرفها وتقدمها وسائل الإعلام على غرار صحيفة وول ستريت جورنال). إلا أن ملاحظته للاغتراب الاقتصادي هذه لا تؤدي به إلى التساؤل عمّا إذا كان هذا الأمر يشير إلى شيء جوهري في طبيعته الأيديولوجية الرأسمالية السائدة, وهو أنها قائمة بالتحديد على الاغتراب الاقتصادي.

    يستمد الخطاب المحافظ السائد أقصى قوة له لدى نجاحه في عملية "الدمج التلفيقي" لمجموعة من القيم, يتظاهر بأنها تنتمي للحداثة, وتحميها أيضا. وهذا المزيج التلفيقي عادة ما يقذف إليه بعناصر شتى: مبادىء التنظيم السياسي (الشرعية, الدولة, حقوق الإنسان, الديموقراطية), والمبادىء الاجتماعية (الحرية, المساواة, الفردية), ومبادىء التنظيم الاقتصادي (الملكية الخاصة, السوق الحرّة).
    إنّ عملية المزج تسمح للمرء أن يفترض أن هذه القيم تشكل كلا لا يتجزأ ينبعث من ذات العملية. وهو بذلك يربط الرأسمالية والديموقراطية, مثلا, كما لو أن هذا أمر طبيعي. لكن التاريخ يشير إلى العكس: إنّ التقدم الديموقراطي أمر مكتسب وليس نتاجا طبيعيا تلقائيا للتوسع الرأسمالي.
    والتحليل النقدي هو الذي يسمح لنا بتحديد المضمون التاريخي الحقيقي للقيم موضع البحث-الديموقراطية مثلا وبالتالي أبعادها وتناقضاتها وأيضا وسائل تقدمها.
    ..............................
    لا شك أن لغة النص معقدة..
    ولا يمكن تبسيطه, وخصوصا أنه يتناول وبتكثيف فكري عالي, الموضوع الأهم والأخطر, "سياسيا وثقافيا واقتصاديا", "صدام الحضارات"...
    قمت بحذف بعض الفقرات التي تتضمن مصطلحات لا أستطيع ان اشرحها بكفاية.. ولا توجد لها هوامش مرافقة "تعرفها"..
    يهمني جدا تكرا هذه الجملة في نهاية النص:
    وهو بذلك يربط الرأسمالية والديموقراطية, مثلا, كما لو أن هذا أمر طبيعي. لكن التاريخ يشير إلى العكس: إنّ التقدم الديموقراطي أمر مكتسب وليس نتاجا طبيعيا تلقائيا للتوسع الرأسمالي.
    3/9/2006

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الكرمل..
    فصلية ثقافية..
    العدد 53 / خريف 1997..
    رئيس التحرير: محمود درويش..
    الملف..
    _ نحو استراتيجية للتحرر..2 .
    سمير أمين
    ......................................
    لا بد, إذن, من تجاوز الرأسمالية, وإلاّ فقد تصبح فعلا نهاية التاريخ, بمعنى نهاية تاريخ البشرية والكرة الأرضية عبر تدميرهما.

    ولكن التاريخ قد يثبت أنّ المرحلة الرأسمالية, مقارنة بالمراحل التي استغرقتها الأنظمة السابقة (الآف السنين) لتنتشر قبل أن تستنفد إمكانياتها التاريخية, لن تتجاوز كونها فاصلة قصيرة في هذا التاريخ, تم خلالها إنجاز الأعمال الأولية للتراكم, لتمهد الطريق أمام نظام اجتماعي بديل يتميز بعقلانية راقية غير مغتربة, قائمة على إنسانية كوكبية أصلية.
    بكلمات أخرى, فإن الرأسمالية, في حقيقة الأمر, قد استنفدت إمكانياتها الايجابية التاريخية مبكرا جدا, وتوقفت عن أن تكون الوسيلة التي يشق التقدم طريقه بواسطتها, على الرغم من المقولات الأيديولوجية السائدة التي تضفي المشروعية على الرأسمالية, على أساس القول بالدور التقدمي الذي تلعبه آليات السوق. إنّ هذه الآليات نفسها هي العقبة الأساسية في سبيل استمرار التقدم, الذي لم يعد الآن ذلك الناتج الذي يرتبط تلقائيا بتوسع رأس المال, بل على العكس حيث ترتبط شروط تحقق التقدم بمعايير تتناقض مع منطق الرأسمالية في سماته الثلاث (الاغتراب الاقتصادي, التدمير البيئي, والاستقطاب العالمي).
    ولعلّ هذا هو السبب في أنّ تاريخ الرأسمالية, ومنذ بدايتها, يتكون من حركات متباينة متلاحقة, بعضها يتسم بسيادة قوانين التوسع الرأسمالي, بشكل شبه مطلق, حتى تجيء مرحلة متباينة أخرى تفرض أشكالا أقل تدميرا من توسع رأس المال, وذلك بسبب تدخل القوى الاجتماعية ذات المنطق المضاد لمنطق الرأسمالية.
    وينتمي القرن التاسع عشر إلى حقبة من التوسع الرأسمالي المدمر والمتوحش تميزت بتوسع ظاهرة الاستعمار والبلترة. لكن, وعلى الرغم من الترنم بعظمة رأس المال, فإن عنف التناقضات الحقيقية للنظام كان يدفع التاريخ الحقيقي, ليس إلى نهايته كما كانت البيانات المزهوة ل "العصر الجميل" تتباهى, ولكن إلى حروب عالمية, وثورات اشتراكية, وتمردات الشعوب المستعمرة.
    إنّ الليبرالية المنتصرة, بعد إعادة تأسيسها في أوروبا, إثر الحرب العالمية الأولى, وبعد بتر روسيا السوفيتية عنها, أثارت الفوضى ومهدت الطريق للاستجابة الزائفة الإجرامية التي قدمتها الفاشية بعد ذلك فلا يجب أن ننسى أن مرحلة التوسع والانتشار "المتحضّر" للرأسمالية بدأت, أساسا, منذ عام 1945, بعد هزيمة الفاشية, وبالتفاعل مع ثلاثة حلول وسط تاريخية (السوفيتية, والاشتراكية الديموقراطية, وحركة التحرر الوطني). ولم يحدث أن قامت أي من هذه القوى الثلاث بإحداث قطيعة كاملة مع منطق الرأسمالية (بما في ذلك التجربة السوفيتية التي نجمت عن الثورة الروسية, على الرغم من الوعي الزائف للذات الذي نتج عن هذه التجربة).
    ولكنها جميعها فرضت شروطا وضعت, بدورها, حدودا على تفاقم التناقضات الناتجة عن الاغتراب الاقتصادي والاستقطاب على صعيد عالمي. بيد أن فعالية هذه الحلول الوسط الثلاثة, التي توزعت بين منطق الرأسمالية الخالص, من جانب, ومنطق تلبية المصالح الاجتماعية المتناقضة مع منطق الرأسمالية, على الجانب الآخر, قد تآكلت تدريجيا, ثم تهاوت بأفول الأنظمة التي استمدت هذه الصيغ التوفيقية الشرعية منها.
    إنّ العودة إلى خطاب الليبرالية المتغطرس, وإعلان "نهاية التاريخ" مرة أخرى, هما, في حدّ ذاتهما, تكرار مأساوي لمشهد من مشاهد دراما التاريخ المتتابعة, مشهد يمهد, مرة أخرى, لسيطرة السوق سيطرة مطلقة. ولنتأمل الآن, بعد مرور أقل من عقد على هذا الإعلان المدوي, حصاد المشهد: فراغ أيديولوجي, وفوضى سياسية, وتناقضات متفاقمة, تتجلى في احتدام الفقر والاستقطاب على الصعيدين المحلي والعالمي.
    الشعوب_ضحية كل هذا_ سيكون لها رد فعل بالتأكيد, بل إنها تمارس التصدي في كل لحظة, ولكن السؤال يبقى:
    أي منطق ستطوره حركات التصدي هذه في مواجهة منطق رأس المال ؟
    وما نوع الحلول الوسط التاريخية التي ستفرضها عليه ؟
    وفي أقصى الفرضيات الراديكالية, ما هي الأنظمة التي ستستبدل بالرأسمالية ؟
    وبسبب الافتقار إلى تجديد الاستجابة للعناصر الجديدة للتحديات الرأسمالية الدائمة, فإن الاستراتيجيات التي دارت حركات التعبئة الشعبية في إطارها في الفترة السابقة (الاشتراكية والبناء الوطني) قد فقدت مصداقيتها في الظروف الجديدة. وثمة مقولات جديدة ظهرت, بالفعل, حتى تملأ الفراغ الناجم عن فقدان مصداقية الاستراتيجيات القديمة, منها مقولة الديموقراطية التي ترتبط أحيانا بخطاب يدور حول أشكال مختلفة من التضامن الجماعي غير الطبقية والوطنية (إثنية, ودينية أحيانا). وتكتسب هذه المقولات مشروعيتها من مبدأ "حق الاختلاف", وأحيانا من مقولات تتعلق بالوعي البيئي, أو مقولة الخصوصية الثقافية, والدينية بشكل خاص.
    إن القول بأن الاختلافات الثقافية ليست فقط واقعية ومهمة, ولكن جوهرية (بمعنى أنها تخفض إلى "الصفر" القاسم المشترك عبر الثقافي الذي يسمح لنا بالتحدث عن تاريخ البشرية بشكل عام), وبأن هذه الاختلافات أبدية وراسخة (بمعنى أنها عبر تاريخية), ليس قولا جديدا, بل على العكس, فهذا القول الشائع هو أساس التعصب في كل الأزمنة. فالعقائد الدينية تقوم, من حيث المبدأ, على فكرة "نهاية التاريخ", باعتبارها الإجابة الحاسمة والنهائية. لذلك يمكن القول بأن التقدم في التفكير النقدي الاجتماعي والتاريخي, والتقدم العلمي, وبناء علوم المجتمع, يتحقق من خلال الكفاح المنهجي ضد التعصب القائل بالثبات الثقافي. والتحدي الحقيقي ليس أن نثبت, مرة أخرى, تعارض هذه النظرة الثبوتية مع التاريخ الحقيقي, بل ان نتعرف على الأسباب التي تعطي لهذه الفكرة العبثية اليوم قوة الإقناع الكبيرة هذه, ثم بعد ذلك فهم النتائج السياسية لتوظيف هذه الفكرة.
    والإجابة على السؤال المطروح هنا تتطلب نظرية عامة للثقافة قائمة على مفاهيم متماسكة, كما تتطلب ربط هذه النظرية للثقافة بالأوجه الأخرى للتحليل الاجتماعي, إذ تؤثر المجالات المختلفة للواقع الاجتماعي (الاقتصاد, السياسة, الثقافة... الخ) على بعضها البعض بشكل جدلي.
    ولكن نظريات الخصوصية الثقافية مخيبة, دوما للآمال, لأنها قائمة على التحيز القائل بأن الاختلاف هو العنصر الحاسم, بينما التشابهات هي نتيجة للمصادفات المحضة. وهي تحدد برنامج أبحاثها على أساس هذه الفرضية المسبقة, على الرغم من أن الكثير من أوجه الاختلاف التي تعتمد عليها مثل هذه النظريات لا تصمد أمام أي تحليل عميق للظواهر الاجتماعية.
    ولنأخذ مقولة "هنتنجتون" عن "صدام الحضارات" مثالا.
    يقول "هنتنجتون" إن للاختلاف الثقافي طابعا "جوهريا" لأنه : " يحدد العلاقات بين البشر والإله, وبينهم وبين الطبيعة والسلطة".
    وكل ما يؤدي إليه مثل هذا "الاكتشاف" هو إغلاق الأبواب المفتوحة, واختزال الثقافة واعتبارها مرادفا للعقيدة الدينية, وافتراض أن كل ثقافة بالضرورة تطور مفاهيمها الخاصة للعلاقات موضوع البحث بطريقة جد مختلفة عن الثقافات الأخرى. ولكن التاريخ الفعلي للبشر يبين أن المفاهيم الدينية تتمتع بدرجة عالية من المرونة, أكثر بكثير مما يفترض. فقد اندرجت العقائد الدينية نفسها داخل أنظمة أيديولوجية يتشابه بعضها ويتباين البعض الآخر طبقا لظروف مستقلة عن المفاهيم الثقافية ذاتها.
    لقد فسّر دعاة النزعة الثقافوية السيئون _هل يوجد دعاة خيّرون ؟_ التخلف الصيني بالأمس, وتطوره المتسارع اليوم بالكونفوشيوسية ذاتها. والعالم الإسلامي الذي بدا لكثير من المؤرخين في القرن العاشر, ليس أكثر بهاء, ولكن أيضا أكثر قدرة على التقدم من أوروبا المسيحية أثناء الفترة نفسها, كيف يمكن تفسير انقلاب الأوضاع فيه ؟ هل هو الدين (أو بدقة أكثر تفسيره الاجتماعي), أم شيء آخر, أم كلاهما معا ؟ وكيف تتفاعل هذه العناصر المختلفة للواقع مع بعضها ؟ وما هو العنصر الفاعل المحرّك لباقي العناصر ؟ أسئلة كثيرة لا تبالي بها النزعة الثقافوية حتى في صيغها الأكثر انضباطا من الصيغة التي يقدمها "هنتنجتون", وهي بالمناسبة صيغة شديدة الابتذال: "الثقافات هي الثقافات, وكل ثقافة منها تتسم بالخصوصية والاختلاف, انتهى".
    ولكن أي الثقافات نتكلم عنها ؟
    هل هي تلك التي يحددها الفضاء الديني, أم فضاء اللغة, أم فضاء الدولة الوطنية, أم فضاء الأقاليم المتجانسة اقتصاديا, أم الأنظمة السياسية ؟ لقد اختار هنتنجتون بوضوح "الدين" كأساس للمجموعات السبع التي يحددها:
    _ غربية (كاثوليكية وبروتستانتية).
    _ المسلمون.
    _ أتباع كونفوشيوس (مع أن الكونفوشيوسية ليست دينا).
    _ اليابان (ويبدو أنه لا يعرف كيف يميّز بين الكونفشيوسية والشنتوية).
    _ الهندوس.
    _البوذيون.
    _ المسيحيون الأرثوذكس.
    يبدو واضحا أن التبويب الذي يقدمه "هنتنجتون" يلائم الاعتبارات السياسية في عالم اليوم. وهذا هو السبب, بلا شك, الذي جعله "يفصل" اليابانيين عن أتباع كونفوشيوس الآخرين, والمسيحيين الأرثوذكس عن الغربيين (لأن الإستراتيجية الأمريكية التي يعمل "هنتنجتون" في خدمتها ترى قضية اندماج روسيا في أوروبا كابوسا حقيقيا), ويتجاهل وجود الأفارقة, سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو وثنين, مع أن لديهم خصوصياتهم (هذا السهو يعكس اللامبالاة العلمية والتحيز العنصري السافر الذي أعماه عن وجودهم), ويتجاهل حتى سكان أمريكا اللاتينية (وبما أنهم مسيحيون, فهل هم غربيون كالغرب ؟ إذن, لماذا هم متخلفون ؟).
    ومن الصعب بمكان أن يستعرض المرء قائمة التصنيفات السخيفة في هذا العمل الرديء الذي يعتمد على القص واللصق, والذي ينبغي التعامل معه كخطاب مركزي أوروبي من الدرجة الثالثة.
    "فهنتنجتون" يبذل جهدا جهيدا للوصول إلى الاكتشاف العجيب بأن ستا من المجموعات السبع في تصنيفه تجهل القيم الغربية, والتي يدرج "هنتنجتون" في إطارها خليطا من القيم المتباينة, بعضها يرتبط بالرأسمالية (السوق), والبعض الآخر يرتبط بالديموقراطية. لكن هل السوق أسوأ في اليابان غير الغربية عن ما هي عليه في أمريكا اللاتينية المسيحية, أو في المناطق المسيحية جنوب الصحراء في أفريقيا ؟
    ألا يعلم الجميع أن آليات السوق وممارسة الديموقراطية ظاهرتان حديثتان في الغرب نفسه ؟
    هل تجد المسيحية في العصور الوسطى نفسها في هذه القيم المسماة بالغربية ؟
    لا شك أن الأيديولوجيات _وخاصة الدينية منها_ ظواهر اجتماعية هامه, لكن هذا القول ليس أكثر من قول بديهي.....
    وأنا مقتنع بأن سيادة الثقافة الرأسمالية (وليس الغربية) هي التي أفرغت الثقافات القديمة "الخراجية" من محتواها. فالثقافة الرأسمالية الحديثة حلت محل الثقافات القديمة (بما فيها مسيحية القرون الوسطى في أوروبا وأمريكا الشمالية والكونفوشيوسية في اليابان) في بلدان المركز التي اتخذت الرأسمالية فيها أشكالا مركزية متطورة. إلاّ أن انتشار الرأسمالية في مناطق الأطراف لم ينجح تماما في إلغاء أثر الثقافات القديمة, أو في توظيفها توظيفا شاملا على غرار ما تم في المراكز.
    وهذا الاختلاف لا يعود إلى خصوصيات ثقافية محددة (قدرة الثقافات "غير الغربية" على الصمود) بقدر ما يعود إلى أشكال التوسع الرأسمالي الذي أنتج أساسية جديدة بين مراكز المنظومة الرأسمالية وأطرافها.
    كشفت الرأسمالية, في توسعها العالمي, عن تناقض شديد بين قولها بالعالمية, وبين الاستقطاب الذي تنتجه في الواقع المادي. وقد أدى التناقض إلى إفراغ القيم التي تتحدث الرأسمالية الحديثة عنها باسم العالمية (الفردية, الحرية, المساواة, العلمانية, حكم القانون, إلخ) من أي مضمون حقيقي, حتى بدت هذه القيم لضحايا النظام كأنما هي أكاذيب, أو قيم خاصة "بالغرب" فقط.

    إن الاستعمار والنزعة الثقافوية رفيقا فراش منسجمان. فالاستعمار يعبر عن نفسه في الثقة المتغطرسة بأن "الغرب" قد وصل إلى نهاية التاريخ, وان الصيغ التي أبتكرها لإدارة الاقتصاد (الملكية الخاصة, السوق) والحياة السياسية (الديموقراطية) والمجتمع (الحرية الفردية) نهائية وغير قابلة للتجاوز. وهو لا يرى التناقضات الحقيقية التي يمكن ملاحظتها في كل مكان, وعندما يراها فإنه ينسبها إلى فعل القوى "غير العقلانية" التي ترفض عبثا الخضوع للعقلانية الرأسمالية.
    وفي هذا السياق يصبح الخيار أمام كل الشعوب الأخرى هو: إما قبول القيم الغربية بشكلها المتحقق في الرأسمالية القائمة, أو الانعزال داخل الخصوصيات الثقافية الموروثة.
    أي أن الخطاب الاستعماري هو الذي يحدد شروط الخيار بحيث يضمن لنفسه الفوز في جميع الأحوال, طالما أن انعزال الشعوب غير الغربية داخل خصوصياتها لم يمكنها من مواجهة تحدي العصر.
    والرهان في هذا الصراع ليس بالرهان الحقيقي: فالغرب سيفوز دوما بينما يخسر الآخرون دائما.
    وهذا هو السبب ليس في التسامح الغربي مع الخطاب الثقافوي فحسب, بل في تشجيعه أيضا, فهو يشكّل, فقط, "تهديدا للضحايا".
    4/9/2006

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    لقد اختار هنتنجتون بوضوح "الدين" كأساس للمجموعات السبع التي يحددها:
    _ غربية (كاثوليكية وبروتستانتية).
    _ المسلمون.
    _ أتباع كونفوشيوس (مع أن الكونفوشيوسية ليست دينا).
    _ اليابان (ويبدو أنه لا يعرف كيف يميّز بين الكونفشيوسية والشنتوية).
    _ الهندوس.
    _البوذيون.
    _ المسيحيون الأرثوذكس.
    يبدو واضحا أن التبويب الذي يقدمه "هنتنجتون" يلائم الاعتبارات السياسية في عالم اليوم. وهذا هو السبب, بلا شك, الذي جعله "يفصل" اليابانيين عن أتباع كونفوشيوس الآخرين, والمسيحيين الأرثوذكس عن الغربيين (لأن الإستراتيجية الأمريكية التي يعمل "هنتنجتون" في خدمتها ترى قضية اندماج روسيا في أوروبا كابوسا حقيقيا)
    ........................... رأي..
    كان تقسيم قبرص الأرثوذكسية بداية الهجوم على روسيا الأرثوذكسية "الشيوعية".. وبالتالي اليونان الأرثوذكسية "الاشتراكية".. والأهم يوغسلافيا الأرثوذكسية "الشيوعية"..
    انهار الاتحاد السوفييتي..
    وبقية يوغوسلافيا متماسكة, ثم تم تقسيمها.. كساحة بديلة.. في الصراع بين منطقة اليورو الاوربية ومستقبلها.. ومنطقة الدولار العالمية.. وجاء هذا التقسيم احياء, لنظريات قديمة في الصراع بين المسيحية الشرقية "الارثوذكسية".. والمسيحية الغربية.. عبر الصياغة الجديدة.. نظرية "صدام الحضارات".. كأول تطبيق سياسي_عسكري.. لها.
    وكان فرح "المسلمين" بالتدخل الامريكي_الاوروبي.. في الصراع الديني "المزيف".. لصالح مسلمي البوسنة والهرسك.. فرحا مخادعا للغاية.. فقد كان الإسلام هو الهدف التالي لنظرية هنتنغتون.. صدام الحضارات.. وهكذا كان.
    واسقاطا على وضع الأرثوذكس في لبنان.. حاليا..
    ورهان قياداتهم اللاتاريخية.. السياسية والدينية..
    لقد كانوا أول الضحايا.. ولكنهم لا يزالون يراهنون.. على جلاديهم..

    .................................................. .................................................. ...............

    وفي هذا السياق يصبح الخيار أمام كل الشعوب الأخرى هو: إما قبول القيم الغربية بشكلها المتحقق في الرأسمالية القائمة, أو الانعزال داخل الخصوصيات الثقافية الموروثة.
    أي أن الخطاب الاستعماري هو الذي يحدد شروط الخيار بحيث يضمن لنفسه الفوز في جميع الأحوال, طالما أن انعزال الشعوب غير الغربية داخل خصوصياتها لم يمكنها من مواجهة تحدي العصر.
    والرهان في هذا الصراع ليس بالرهان الحقيقي: فالغرب سيفوز دوما بينما يخسر الآخرون دائما.
    وهذا هو السبب ليس في التسامح الغربي مع الخطاب الثقافوي فحسب, بل في تشجيعه أيضا, فهو يشكّل, فقط, "تهديدا للضحايا".
    ........................... رأي..
    مدخل حقيقي لقراءة الواقع السياسي الإيراني.. والصراع على تقنيات نووية.. وخيارات وطنية.. واستقلالية.. ومستقبل.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الكرمل..
    فصلية ثقافية..
    العدد 53 / خريف 1997..
    رئيس التحرير: محمود درويش..
    الملف..
    _ نحو استراتيجية للتحرر..3 .
    سمير أمين
    ......................................
    وبالتعارض مع اللحنين المتلازمين في الخطاب الأسطوري حول "نهاية العالم" و "صدام الثقافات",

    فإن التحليل النقدي يسعى لتحديد الرهانات والتحديات الحقيقية: إن الرأسمالية, ملغزة بتناقضات لا يمكن تجاوزها بمنطقها الداخلي الخاص, ولهذا فإنها تظل, وبرغم كل شيء, مجرد مرحلة في التاريخ.....
    إنّ الخطاب الغربي المعتد بنفسه, يتجاهل عمدا أي حديث عن التناقضات الكامنة في قلب الرأسمالية. أما خطاب دعاة النزعة الثقافوية من ضحايا هذا التناقض فإنه لا ينتبه, أيضا, لهذه التناقضات, حيث ينقل الصراع خارج ميدان الرهانات الحقيقية, ويستسلم للعدو بحثا عن ملجأ في فضاء ثقافي متخيل.....
    إنّ النزعة الثقافوية المنتشرة اليوم, مثلها مثل الفاشية بالأمس, تقوم على مجموعة من الأكاذيب, إنها في الحقيقة أداة لإدارة الأزمة الرأسمالية على الرغم من تظاهرها بأنها الحل.....
    في الوقت ذاته, فإن الموروث الثقافي, يفرض دائما نفسه. ففكرة تحديث أوروبا لم تكن ممكنة دون النقد الذي أخضع له الأوروبيون دينهم وماضيهم. كما أن النهضة الصينية الحديثة لم تكن ممكنة دون نقد الماضي, خاصة الفكر الكونفوشيوسي, وهي المهمة التي كرست الماوية نفسها لها؟ بعد ذلك اندمج الموروث الثقافي بالتأكيد _المسيحي في أوروبا الكونفوشيوسي في حالة الصين_ داخل الثقافة الجديدة, ولكن بعد التحول الراديكالي الذي خضعت له هذه الثقافة من خلال النقد الثوري للماضي.
    من ناحية أخرى, نرى في العالم الإسلامي, الرفض العنيد لأي نقد للماضي, مصحوبا _ليس بالمصادفة بالتأكيد_, بالتدهور المستمر لمكانة هذه البلدان داخل النظام العالمي التراتبي.
    والآن, وبعد استعراض سمات الوضع الراهن, يمكن أن ننتقل إلى مناقشة احتمالات تطور هذا الواقع.
    ثمة منهج شائع في إلقاء الضوء على هذه الاحتمالات. وهو منهج السيناريوهات.....
    لكن هذا المنهج يسمح للباحث بدرجة عالية من الحرية في تحديد المجموعات محل التناول, ولهذا فإنه محدود الفائدة في التكهن بالعثرات والتحوّلات التي تنتج بفعل الصراعات المختلفة.....
    لذا فإنني أفضل طريقة تبدو أقل انضباطا, وان كانت قادرة على الاستفادة من "دروس التاريخ" والتركيب الحدسي بشكل أفضل من ذلك الذي تسمح به الطريقة التي تعتمد على منهج السيناريوهات السابق ذكره.
    والتحليل الذي أقترحه يعتمد على ثلاث مراحل متتابعة:
    1_ تحديد الأهداف الاستراتيجية للقوى السائدة في البنى المختلفة, وتضافرها مع المرحلة الحالية خاصة, والوسائل المعتمدة لتحقيق هذه الأهداف.
    2_ تحليل احتمالات ردود فعل القوى الشعبية المختلفة والضحايا المحتملين لهذه الاستراتيجيات السائدة, انطلاقا من فهم هذه القوى للتحديات, وتداخلها, والتناقضات والصراعات التي تثيرها, وما يترتب على ذلك من احتمال تحالف قوى مختلفة تتناقض مع القوى المهيمنة, واستبعاد تحالفات أخرى.
    3_ فتح نقاش حول ماهية الاستراتيجيات الشعبية القادرة على معارضة النظام بفعالية, مع تحديد الأهداف المرحلية والقدرات التي يجب تعبئتها من أجل الوصول إلى الغاية المنشودة.
    إن التآكل التدريجي للحلول الوسط التي صاحبت التوسع الرأسمالي فترة ما بعد الحرب العالمية, فتح مرحلة جديدة, يحاول رأس المال فيها, متحررا من أية ضغوط,إخضاع الجميع لمشروع يدير العالم كله بالاتساق مع المنطق الأحادي لمصالحه المالية.
    وقد قادتني هذه الفرضية الأولى إلى التوصل, في بحث سابق, إلى أن الهدفين الجديدين لاستراتيجية القوة المسيطرة هما:
    _ تعميق العولمة الاقتصادية.
    _ تدمير قدرة الدول والقوميات والشعوب على المقاومة السياسية.
    إن "إدارة العالم كسوق" ينطوي على أقصى تجزئة للقوى السياسية, أو بكلمات أخرى, التدمير الفعلي لقوى الدولة, من خلال نقدها بلا هوادة وعلى كافة الأصعدة, بهدف إضفاء المشروعية على الممارسات التفتيتية المقصودة. ولذلك نرى القوى الاستعمارية تسعى إلى تفجير الدولة الوطنية لصالح جماعات تحت أو فوق قومية (عرقية, دينية, أو أي شيء أخر).
    فالوضع الامثل بالنسبة للاستعمار هو وضع تتلاشى سلطات جميع الدول فيه حتى تنفرد الولايات المتحدة, وقد أصبحت الشرطي العالمي الوحيد, بالتحكم عالميا في السياسة, بينما تنحصر سلطات القوى الأخرى في أعمال متواضعة تخص إدارة السوق يوما بيوم. وأنا أزعم أن هذه العملية لا تمارس في أطراف المنظومة الرأسمالية فقط, بل في أوروبا أيضا.
    فتصميم مشروع الاتحاد الأوروبي ذاته يندرج في إطار هذه الرؤية, فهو لا يعدو كونه إدارة مشتركة لسوق مندمجة لا أكثر. هذا في الوقت الذي تستمر فيه المساعي إلى تجزئة قصوى للدول الأوروبية الواقعة خارج حدود هذا الاتحاد مباشرة (يوغوسلافيا, الاتحاد السوفييتي, روسيا نفسها). أما شعارات "الديموقراطية" و "حقوق الإنسان" فهي تستخدم بشكل انتقائي من أجل إضفاء المشروعية على عملية التفتيت والتجزئة هذه, بما يفرغها من مضامينها الحقيقية. وفي هذا الإطار يكتسب الثناء على الخصوصية والاختلاف أهمية خاصة, حيث يمهد الطريق للتعبئة الأيديولوجية حول أهداف تحت_قومية (إثنية), أو فوق_قومية (ثقافوية), وهذه التعبئة هي التي تؤدي بدورها إلى ظهور أشكال عقيمة من العصبيات العرقية والشموليات الدينية.
    في إطار هذا المنطق _وهذه الأهداف الاستراتيجية, فإن "صدام الحضارات" يصبح ممكنا, بل مرغوبا فيه. وفي رأيي الخاص فإن مداخلة "هنتنجتون" في هذا الموضوع لا بد وأن تقرا بهذه الطريقة. ف "هنتنجتون" لا يحدثنا باعتباره مثقفا, وإنما يتحدث كمستشار للحكومة الأمريكية, جلّ همّه إضفاء المشروعية على استراتيجية الولايات المتحدة السياسية. وقد سبق له أن نشر نصوصا تدعوا إلى تأييد النظم الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية تحت شعار "أولوية التنمية", وهو الشعار الذي لم يعد رائجا الآن, بعد أن حل شعار إدارة الأزمات بالديموقراطية محله. وها هو يخرج علينا بنص جديد يصبغ المشروعية على الوسائل المستخدمة الآن في "إدارة أزمة" الرأسمالية, عبر تصعيد الصراعات حول فكرة محورية تقول "بعدم توافق الثقافات". وهذه الفكرة, في رأيي, ليست إلا استراتيجية لتمكين الغرب من فرض ساحة الصراع التي تسمح له بتحقيق النصر, كما أشرت سابقا.
    وللأسف فإن سير الأحداث يؤكد فعالية استراتيجية العدو, على المدى القريب. لكن هل يعني ذلك الأمر صحة مقولة الصراع الثقافي "الطبيعي"؟, لقد أبديت أكثر من مرة تحفظات قوية حول هذا الموضوع. فالتأكيد القوي على "الخصوصية", نادرا ما يكون النتاج التلقائي للشعوب المعنية, بل هو, في الأغلب, دعوة تنشأ في أوساط الطبقات الحاكمة المأزومة, أو في أوساط أقليات تسعى إلى الاستيلاء على السلطة. فالطبقات الحاكمة, التي أصبحت أكثر هشاشة في إطار عولمة النظام, هي تلك التي تلجأ صراحة إلى هذه الاستراتيجيات العرقية أو الثقافوية.
    هذه هي حال دول أوروبا الشرقية, التي أصيبت بجائحة مؤسساتية ذات أبعاد غير عادية, ولكنها, أيضا, الحال في العديد من البلدان الإسلامية, والدول الأفريقية جنوب الصحراء, التي شطبت من قائمة المنافسة في الأسواق العالمية للمنتجات الصناعية لتحتل هامش الهامش في النظام العالمي.
    وعلى العكس من ذلك, نرى المجتمعات التي تواجه تحدي العولمة بقدر من الفعالية, تعيش "خصوصيتها الثقافية" بعيدا عن العصاب, ولا تجعل منها المحور الرئيسي لتوكيد إيديولوجيتها وشرعية اختياراتها السياسية.
    هذه هي الحال مع الصين _التي هي كونفوشيوسية بلا ريب_ فليست لديها مشكلة في الاستعارة من الغرب, وهي أحيانا تفكر حتى فيما وراء الحدود التي فتحتها الغرب. ولم يضعف هذا قوميتها, بل إن قوميتها في هذه الحالة لعبت دورا ايجابيا في التصدي للقوى المهيمنة داخل النظام الرأسمالي (خاصة الولايات المتحدة).
    من ناحية أخرى, فإن النزعات القومية التي تغذيها طبقات تطمح إلى الوصول إلى السلطة, عادة ما تنحصر في مواجهة الأطراف الضعيفة الأخرى, وليس التصدي للقوى المهيمنة داخل النظام العالمي. وهذه النعرات القومية السلبية مفيدة تماما من منظور إدارة الأزمة الرأسمالية. والمساعدات التي جرى تقديمها من قبل الاستعمار لحركات كتلك التي قادها "سافمبي" في أنجولا, "وحكمتيار" في أفغانستان, "وتودجمان" في ويوغوسلافيا السابقة, خير دليل على ذلك.
    إنّ الثقافات المحلية, في خصوصيتها, وعلاقتها مع النظام العالمي, والثقافة الرأسمالية السائدة, لا تنتظم في شكل واحد يمكن أن يسمح باستنباط نظرية عامة للثقافة كما تفترض النزعة الثقافوية, ذلك أن الأسباب الحقيقية القادرة على تفسير الاختلافات بين مناطق العالم, توجد خارج ميدان الثقافة. فلا يوجد أي صدام منهجي بين الثقافات: هناك صراعات أساسية ذات طبيعة أخرى, يتضمن بعضها جوانب ثقافية.
    ولكي نحدد استراتيجية للنضال الشعبي, يجب أن نبدأ بتحليل تناقضات الرأسمالية والأشكال التي تتخذها في المرحلة المعينة التي نعيشها. وأهم ما في هذه الاستراتيجية بالتحديد, هو النضال ضد الاغتراب الاقتصادي, وتخريب مصادر الثروة, والاستقطاب العالمي, والنضال على مستويات مختلفة, محلية وقومية, في كل مكان على اتساع العالم, لا بد وأن ينتظم في إطار مترابط, تلخصه عبارة : "التفكير بأفق عالمي, والعمل على الصعيد المحلي".
    لم يكن هدف هذا المقال تحديد استراتيجيات عامة للتحرر, فهذه الاستراتيجيات لا بد وأن تتوافق مع الشروط المحددة لبلد معين في لحظة محددة من تطوره. وكل ما أقترحه هنا, بتواضع أكثر, هو إثارة النقاش حول هذه الاستراتيجيات على ضوء أربعة من التحديات الأساسية التي تواجه الشعوب في اللحظة الراهنة:
    1_ تحدي السوق:
    ينبغي التصدي المستمر, والرفض المبدئي, لكل أشكال ما يسمى باقتصاد السوق.....
    2_ تحدي العولمة:
    ينبغي في هذا المجال الابتعاد عن الجدل العقيم القائم على التعارض الزائف بين محاولة تحسين وضع المرء الخاص في النظام التراتبي الذي يتكون منه النظام العالمي.....
    3_ تحدي الديموقراطية:
    ليس الهدف أن نرى في أشكال الديموقراطية البرجوازية المعاصرة (المسماة بالليبرالية) نهاية التاريخ, ولا أن نستبدلها بالممارسة الشعبوية. إنما القضية أن نعزز الديموقراطية السياسية (أساسا حقوق الإنسان, الحريات, التعددية, حكم القانون) والمعنى الملموس للحقوق الاجتماعية (حق العمل, السيطرة على صنع القرار الاقتصادي) التي تحدد قوانين تأطير السوق.
    4_ تحدي التعددية القومية والثقافية:
    لا ينبغي في هذا الإطار اعتبار أي وحدة مجتمعية متجانسة (المجموعة القومية أو العرقية أو المجتمع الديني) الأساس المرجعي الوحيد لممارسة السلطة, وفي الوقت نفسه لا ينبغي تجاهل حقيقة أن اعتبارات التعددية تتطلب من السلطة الديموقراطية احترام الخصوصية والاختلافات.
    ترجمة: أحمد عمر شاهين
    .............................
    أقدم في مرحلة تالية : "_ صدام المفاهيم / إدوارد سعيد"
    5/9/2006

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    الامارات
    الردود
    241
    التباين الثقافي بين الطوائف والجماعات أمر طبيعي جدا ..وليس فقط في الجانب الثقافي ولكن في شتى الجوانب ..
    لأوضح نظرتي في كيفية التعامل مع هذا التباين .. سأشرحه بمثالين بسيطين ..
    1_ فعلى مستوى المذاهب الفقهية مثلا .. وجود مذاهب وأراء متمايزة في المسائل أمر طبيعي وصحي .. وللتواصل فيما بين هذه الاراء المتباينة هو الحوار الهادئ .. لكن أن يصل هذا التغاير في الرأي إلى درجة التباغض والتعادي والتشاجر والتقاتل .. حين ذاك يقع الأطراف في الصدام فيما بينهم ..فذلك الأمر غير الطبيعي وغير الصحي .. ومن الخطأ أيضا فرض وإلزام جميع الناس برأي مذهب واحد كما أنه من الخطأ فرض ثقافة واحدة على جميع شعوب العالم ..
    2_ المواطنة لفرد تجاه وطنه لا تعني بتاتا الصراع والتناحر ضد كل ما هو خارج عن نطاق الوطن .. فالتعامل مع أفراد خارج الوطن أمر صحي ومطلوب لأن التواصل الحضاري وسيلة لتناقل الخبرات والاستفادة من تجارب الآخرين..فتحقيق المواطنة لا يعني إالغاء وعداء كل ما هو خارج الوطن ..كما أنه يعتبر خيانة وتناقضا مع المواطنة عندما يتعاون المواطن مع قوى خارجية ضد مصلحة الوطن ..
    وكذلك الأمر على المستوى الثقافي الحضاري .. الانتماء لثقافة معينة لا يعني العداء لغير هذه الثقافة كما لا يلغي التواصل مع أصحاب الثقافات الأخرى ..
    وللتأكيد على هذا الأمر جانب ديني أيضا ..
    فقوله تعالى ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) فيه تأكيد على أن وجود الشعوب والقبائل والتمايز فيما بينها أمر طبيعي والأكثر طبيعية أن التمايز هو السبب للتلاقي والتعارف! إذ من خلاله يستفيد كل جانب ما يفيده ويهمه مما وصل إليه غيره من خبرات وتجارب ..
    وقوله تعالى قبل ذلك ( يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ) فيه تأكيد على أن التمايز أو خصوصية كل قوم لا يعني ازدراء ورفض خصوصيات الآخرين .. ويؤكده تصديرها (يأيها الذين آمنوا) لأنه قد يتوهم المؤمنون بالقرآن وما تحققت لهم من خصوصية من هذا الإيمان بأن لهم مزية تجعل لهم الحق في هضم أو ازدراء الأقوام وخصوصياتهم ..
    كما ان آية التعارف بين الأمم صدرت بقوله (يأيها الناس) للدلالة على أن ذلك حقيقة فطرية في كل بشر ..
    ومن خلال إدراك ذلك .. يتبين أن صراع الحضارات ليس بمنطقي وأن الإيمان به هو مدعاة لتطرف صاحب كل ثقافة وحضارة على حساب الآخرين .. مما حدا بخلق مسوغ للأمريكان لمحاربة ثقافات الآخرين ومحاولة فرض وأخضاع غيرهم لثقافتها ..

    في انتظار مرحلة إدوارد سعيد
    وشكرا جزيلا
    إن ما يصلح تفسيراً لكل شيء لا يفسر أي شيء

  9. #9
    في مايسمى " صدام الحضارات "


    د.فواز الجابري
    - جدة - المملكة العربية السعودية

    لفت نظري منذ فترة تنوف عن عامين, وفي غمرة استعدادات الدولة الاكبر في العالم ل"محاربة الارهاب" في أفغانستان , عنوان كتاب ل"صموئيل هتنغتون" وهو من مثقفي هذه الدولة يدعى" صدام الحضارات". بدأ,لم يثر العنوان اهتماما في , حيث انه كان مذكورا بأيجاز شديد في صفحةداخلية لصحيفة عربية تصدر في أوروبا. لكن تطورات الاحداث آنئذ في أفغانستان ثم العراق وبقاع أخرى من العالم, مع مارافقها من ظهور عالمي لتنظيمات جديدة أخذت تشرّع نفسها بلغة سياسية-دينية أسوة بالقوة الاكبر , جعل الريط بينها-أي الاحداث- وبين محتوى الكتاب أمرا لامناص منه. وجاءت قناعتي بكتابة هذا المقال بعد أن أرسل صديق لي عبر البريد الالكتروني مقتطفات باللغة الانكليزية من الكتاب المذكور مشفوعة باعجابه الشديد بالكتاب فكرة وموضوعا ومحتوى مع قناعته باحتوائه(أي الكتاب) على كثير من الحقائق. هنا, كان لابد من وقفة لوضع نقاط على حروف ولاستيضاح بعضا من تعريفات ضاع معناها الحقيقي في زحام الحرب الاعلامية المستعرة حاليا:

    أولا: في تعريف الحضارة:
    1- الحضارة civilization : يقصد بالحضارة أو التمدن(الترجمة الحرفية للمصطلح اللاتيني) الانتاج الفكري والمادي والسلوك العام لمجموعة معينة من الناس في حقبة زمنية معينة. يشمل الانتاج الفكري كافة النشاطات العلمية والادبية والفلسفية بينما يشمل المادي انشاء البنى التحتية والفوقية والثراء المادي للفرد والمجتمع, أما السلوك العام فيمثل العادات والتقاليد والقيم الفكرية والاخلاقية والمفاهيم الاجتماعية للمجتمع والسلطة الحاكمة لهذا المجتمع.
    2- منابع الحضارةresources : يستنتج من التعريف السابق ضرورة وجود مصادر مادية وفكرية لتكوين وبناء الحضارة في بلد ما . بالنسبة للمصادر المادية تمثل الثروات الطبيعية كالماء بكافة أشكا! له الطبيعية والنفط والمعادن والتربة الصالحة للزراعة أهمها بالاضافة للقوى البشرية الضرورية لاستثمار تلك الثروات في انشاء البنى التحتية والفوقية وفي التبادل التجاري. اما المصادر الفكرية فيمثل الدين والفلسفة والعلوم التجريبية والترجمة أهمها بالاضافة - بالطبع - الى العقول البشرية اللازمة لحفظ وتطوير ونشر تلك المصادر في المجتمع وفي المجتمعات المجاورة.
    3 - نرى اذا - وبداهة - ان العنصر البشري هو العامل الاساسبي والمشترك لبناء كافة أشكال الحضارة مادة وفكرا. ومن هنا تبرزأهمية المحافظة عليه وتربيته وتنشئته بطريقة صحيحة جسما وعقلا ليؤد دوره كاملا في بناء المجتمع وتكوين الحضارة والارتقاء بها.
    4- محطات للحضارة: عرفت البشرية على مر تاريخها الطويل الذي يقدر بملايين السنين أشكالا مختلفة من الحضارة, لكن كانت هنالك محطات رئيسية ومفصلية في مسيرة قطارها حيث أحدثت تلك المحطات تغييرات جذرية في الحضارة الانسانية واعطتها دفعات كبيرة الى الامام كما ونوعا. اهم هذه المحطات هي:
    اكتشاف النار, اكتشاف وتصنيع أدوات الصيد, أكتشاف الزراعة والري ,أكتشاف العجلة, أكتشاف الكتابة وتطور أدواتها وأسلوبها, أكتشاف الرقم صفر والكشوفات الرياضية والفيزيائية والكيميائية الاخرى,الكشوفات الجغرافية والفلكية الكبرى, الثورة الفكرية فالصناعية وأخيرا-وليس آخرا-المعلوماتية.
    هذا غيض من فيض من فترات حاسمة أعطت للنتاج الحضاري الانساني دفعات كبيرة للأمام,وبنظرة سريعة وشاملة لسلّم تطوّر الحضارة نلاحظ انّ شعوبا وأمما عدّة ساهمت في صنعها وأدلت بدلوها فيها بغضّ النظر عن انتمائها الجغرافي أو العرقي أو الطائفي.
    5- مفاهيم مشتركة للحضارة: كالأبنية المتماثلة حجما وتصميما في شارع واحد والمختلفة والمتنوعة محتوى , هي المظاهر الحضارية عند مختلف الامم والشعوب,فقد تطابقت الأمم في أسس تكوين الحضارة من بنى تحتية وفوقية ولغة وقوانين وأنظمة حكم وأنتا! ج علمي وأدبي وفنّي بفروعه المختلفة, وتنوعت في مظاهرها, فالادب-على سبيل المثال- مفهومه واحد لم يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان لكن اختلفت لغته واختلف شكله وأسلوبه واتّخذ خصوصية تدل على الامة التي انتجته وكذلك بالنسبة للموسيقى ولجميع فروع الآداب الاخرى.
    أما الانتاج العلمي فلا خصوصية له, فهو مشترك بين جميع الامم البائدة والحاضرة تقريبا, ويمكن تشبيهه بكرة الثلج التي تكبر عندما تتدحرج من مكان الى مكان, حيث يغتني عبر الازمنة والامكنة بمفاهيم جديدة وتتعدل أخرى وذلك يمساهمة كل شعب وكل أمة بنصيب في ذلك الاغناء. اما طرق هذا النقل فهي عديدة وتشمل الحروب بين الامم والممالك, طرق التجارة, السفارات بين الامم والبعثات العلمية والتجارية, الكتابة والكتب وأخيرا وسائل الاعلام والمعلوماتية المعاصرة.
    6- نتائج مهمة: يجب ذكرها قبل أن نورد أسباب نفي صدام الحضارات وهو الهدف من مقالنا هذا:
    أ- لايستطيع أي شعب أو أية أمة أو جماعة في أي! زمان أو مكان الادعاء باحتكار أي أنتاج حضاري
    أيا كان نوعه أوهدفه وبالتالي ادعاء التفوق على أقرانهم من باقي الشعوب والامم, اذا فالحضارة
    والعنصرية لايجتمعان وهما يتاقضان بعضهما تماما.
    ب- أن الصراعات بين الامم والدول - وهي احدى وسائل الاحتكاك بين الشوب كما تقدم - هي التي تسهل
    انتقال واغناء الانتاج الحضاري وليس العكس كما ذكر هذا الكاتب المرموق(الحروب الصليبية,حملة
    نابليون على مصر,الفتوحات العربية الاسلامية, غزوات البرابرة للامبراطورية الرومانية).

    ثانيا: العنصرية أداة ولها أدواتها:
    1- تعريف العنصرية: Racism : هي تعصب فرد أو فئة من الناس لجنس أو عرق أو قبيلة أو عشيرة أو دين أو طائفة أو معتقد أو حتى لون بشرة واباحة قتل أو اضطهاد أو حتى ازدراء الفئات الاخرى بدون وجه حق أو سبب واضح سوى انها تختلف عنه في جنسها أو عرقها أو طائفتها أو لون بشرتها(زنوج وهنود أمريكا,القبائل العربية قبل الاسلام, فكرة الحروب الصليبية, الحركة الصهيونية,النازية,التحزّب والحزبية,الصدامات العرقية والطائفية المعاصرة, مصطلح محاربة الارهاب).
    2- تربة العنصرية Environment: من التعريف السابق نصل الى نتيجة بالغة الاهمية هو أن الفكر العنصري يزدهر في المجتمع الجاهل والبيئة غير المتنورة, نتيجة عدم معرفة الفرد أو تلك الفئة من الناس بالطبيعة الانسانية وبحضارات وتاريخ الآخر وكذلك - وهو الاهم حتما -! الجهل التام أو الجزئي بالقيم الدينية والاخلاقية والنواميس الالهية التي لاتتغير على مرّ العصور. اذا: الجهل مرادف للعنصرية وبكلمة أخرى : الجهل عدو الحضارة.
    3- الفكر العنصري كأداة للصراعات: بما ان الفكر العنصري مناف للعقل والحضارة كما تقّدم, ويجد في المجتمعات المتخلفة فكريا وصحيا واقتصاديا مرتعا خصيبا له,فلايدّ اذن من وجود مستفيدين وأصحاب مصلحة في وجوده ثم استمراره في مكان وزمان معينين وذلك عبر استخدامه كستار لخدمة وتحقيق مصالحهم الفردية والمادية فقط . لذا, يمكن اعتبار الفكر العنصري كأداة فعّالة في يد أصحاب طموح السلطة والنفوذ والجاه على مرّ العصور واختلاف الامكنة(نفس الامثلة التي ذكرتها في تعريف العنصرية). ويقتضي التنويه للاهمية البالغة هنا بأن أصحاب الفكر العنصري والمستفيدين منه ليسوا مجموعة واحدة متجانسة يورثون فكرهم وسلطتهم لاحفادهم أو منتسبي مجموعتهم فقط (كما يعتقد بذلك أصحاب نظرية المؤامرة), بل هم موجودون ومنتشرون في كافة البلدان وعلى مرّ العصور, والشواهد التاريخية كثيرة جدا لايتسع المجال لذكرها هنا.
    4- أدوات الفكر العنصري: حالما تتوافر التربة الملائمة لنمو الفكر العنصري ويتواجد من يستفيد منه كما تقدّم, يبدأ البحث عن وسائل لنشره وترويجه وتشريعه بين أكبر عدد ممكن من الناس على أنه المعيار الحقيقي لاسباب الصدامات بين المجتمعات الشرية. هنا, يبدأ تشويه التاريخ ونتشأ مصطاحات جديدة مغلوطة, ويتغير تفسير أخرى معروفة منذ قدم التاريخ المكتوب لتلائم هذا الفكر الخطير. أما أهمّ مظاهر وأدوات الفكر العنصري فهي - الترتيب حسب الاهمية - :
    أ- تشويه الفكر الديني وجعله بخدمة طبقة من الساسة والطامعين بدل أن يكون هو الموجه لرقي وصلاح المجتمع والفرد ولدفع مسيرة الحضارة. من أبرز مظاهر هذا التيار: قادة الحركة الصهيونية, الاباطرة البيزنطيين,ملوك فرنسا وألمانيا وانكلترا في العصور الوسطى, بعض القادة" والخلفاء" المسلمين وخاصة العثمانيين وقادة الثورة "الاسلامية في ايران ,الاحزاب والمنظمات الدينية المعاصرةالتي شوهت مفهوم الجهاد والخلافة في الاسلام وابتدعت مصطلح الصليبية العالمية وذلك خدمة لاهداف الولايات المتحدة في ربط المقاومة الفلسطينية واللبنانية المشروعة بالارهاب والعنصرية وبالتالي محاربتهما.
    تتجلى هنا "ثقافة الطائفة" بأسوأ صورها حيث تبيح هذه "الثقافة" رفض وأحيانا الالغاء الجسدي (ان لزم)
    لأفراد من طوائف اخرى وذلك خدمة فقط - وثم فقط - لاصحاب المصالح- من الاقطاعيين والملوك في
    العصور الوسطى- وليس لعامة النلس الذين سيكتشفون لاحقا بانهم " طلعوا من المولد بلا حمّص"....!!!
    ( الحروب الصليبية, حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا,الصراعات بين الامبراطورية النمساوية وروسيا
    القيصرية والدولة العثمانية).
    ب- تشويه الفكر القومي: نشأ هذا المنحى في عصور لاحقة (العصور الحديثة بالتعريف التاريخي والتي تبدأ مع مطلع القرن 15 حتى اليوم) بعدما بدأت الامبراطوريات القديمة بالتهاوي(البيزنطية، الرومانية المقدسة ثم
    الاسبانية, البرتغالية والهولندية) والتي كانت قائمة على التحالف المشبوه بين الاباطرة ورجال الدين(وليس الدين)
    وحلّت محل أصحاب القرار نخبة من الصناعيين وكبار التجار التي مافتئت تزيد ثرواتها من خلال امتصاص
    دماء شعوبها وشعوب مستعمراتها الآخذة في التوسعّ. تلك النخبة كانت تبحث عن " تشريع" legalization
    وتبرير لحروبها الاستعمارية, فاستخدمت النعرات القومية والاثنية لذلك واستغلت الفروق والخصائص القومية
    والحضارية الموجودة اصلا بين الشوب والامم على مرّ العصور واختلاف الامكنة لتحقيق مآربها الشخصية من مادية واسترتيجية (نابليون,المانيا,ايطاليا,فرنساوبريطانيا في القرن التاسع عشر الى الحرب العالمية الثانية,
    الاحزاب القومية المعاصرة في شتّى بقاع العالم).
    ج- تشويه الفكر الانساني: وذلك باستخدام معايير انسانية وأخلاقية ثابتة ومطلقة لتبرير وتغطية التوسع والهيمنة:
    كالدفاع عن الحرية والديموقراطية, محاربة الارهاب(وهو بيت القصيد في مقالي هذا).
    د- استخدام نظريات ومصطلحات ماتت مع موت أصحابها: كالماركسية, الاشتراكية الخيالية, الهيغلية, المكيافيللية الفوضوية,......الخ.
    ه- ابتداع نظريات وفلسفات خاصة لتغطية وتبرير التوسع والهيمنة: كالنازية, الفاشية, الصهيونية, و العلمانية.
    5- اعود للتنويه والتركيز على أن الفكر العنصري بكافة أشكاله وادواته المعروضة سابقا هو أداة وليس هدفا في حدّ ذاته, حيث لم يكن يهم أصحاب القرار السياسي تحقيق الهدف المعلن لهم والذي شرّعوا على أساسه عدوانهم أو حربهم ضد الآخر بل كان يهمهم تحقيق أكبر كسب مادي واستراتيجي على حساب الاطراف الاخرى المتصارعة(الحربين العالميتين الاولى والثانية, انشاء دولة اسرائيل).

    ثالثا: الاديان,الحضارة والعقل:
    عودة الى تعريفنا السابق للحضارة ومقوماتها, حيث ذكرت بان العقل البشري هو أحد المقومات الرئيسية لصنع الحضارة وان الاديان هي أحد المصادر الفكرية الرئيسية لها.
    بمحاكمة منطقية بسيطة وبعيدا عن السفسطائيات نصل الى نتيجة عظيمة في الاهمية وهي : حيثما يوجد عقل سليم يعمل نجد حتما تطبيقا سليما للدين وبالتالي نجد الحضارة. اي أن العقل والدين والحضارة توائم ثلاثة لاتنفصل مطلقا على مرّ العصور وباختلاف الامكنة, وان أي غياب لاحدها يعني حكما غياب الاثنين الباقيين.
    وبمحاكمة مماثلة نستنتج أنه حيثما يوجد الفكر العنصري وأدواته وزبانيته يغيب العقل والدين الصحيح والحضارة.
    لكن, هل ينطبق هذا الاستنتاج على الواقع التاريخي قديما وحاضرا؟ وبعبارة أخرى؛ ! هل حدث وتعايش في مكان واحد وزمان واحد الفكر العنصري مع بيئة حضارية متنورة أم لا؟
    الجواب؛ نعم حدث في أكثر من زمان ومكان أن تعايش الفكر الجاهل العنصري مع الفكر الحضاري المتنور. هذا واقع تاريخي لايمكن انكاره, وهو يناقض- ظاهريا على الاقل- النتيجة التي توصلنا اليها منذ قليل,لكن بقليل من الدراسة المتأنية لمعظم الدول والحضارات البائدة والسائدة نتبين انكفاء الجهل والفكر العنصري(وليس غيابه نماما) في حال ازدهار الحضارة كما نلاحظ ازدهاره في فترات انكغاء الحضارة والعقل, وهذا مايفسر وجود طبقات السياسيين والاقتصاديين المغامرين والطامعين الى الثروة والسلطان حتى في أعتى الدول قوة وأكثرها حضارة( بسمارك وهتلر في ألمانيا, نابليون في فرنسا, لينين في روسيا واتحاد الصناعات العسكرية والمافيا في الولايات المتحدة), كما يفسر أيضا وجود جمهرة مفكرين وكتّاب متنورين حتى في أشد المجتمعات تخلفا وظلامية. اذن, انه صراع أبدي وتوازن بين العقل والجهل, بين الحضارة والتعصب, وبعبارة أخرى: بين الخير والشرّ.

    رابعا: الشرق والغرب:
    سأكتفي بسرد مثالين مرتبطين ببعضهما ارتباطا وثيقا منذ قدم التاريخ شكّلا- ومازالا يشكلان حتى اللحظة الراهنة_ محور الصراعات العالمية أو مايعرف ب" الصراع بين الشرق والغرب" وهما: الحضارة العربية الاسلامية والحضارة الغربية الحديثة:
    كان لظهور الاسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي الاثر الاعظم في نقل المنطقة بأسرها من حالة الجهل والتخلف والعنصرية القبلية وعبادة الاوثان وتقديس الطاغوت الى عبادة الاله الواحد وازالة الفروق بين البشر. حمل الاسلام كافة المفاهيم الانسانية الى ثلاثة محاور رئيسية: محور علاقة الفرد مع خالقه(العبادات), محور علاقة الافراد والمجتمعات ببعضها بعضا(التشريع الاجتماعي والاخلاقي والاقتصادي), ثم محور علاقة الحاكم بالرعية وأسلوب الحكم.
    لم يتسامح الشرع الاسلامي في اهمال اي محور من تلك المحاور وشدد على تطبيق الكل, وهذا مانراه واضحا في سيرة الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- والصحابة والخلفاء الراشدين- رضي الله عنهم_ حيث شددوا في كل مناسبة على تلازم هذه المحاور بحيث يكون المسلم مسلما في كل شيء ابتداء من سلوكه الشخصي فسلوكه مع محيطه وأخيرا اسلوب حكمه(اذا كان حاكما).
    النقطة التي تهمنا هنا هي "اسلوب الحكم في الاسلام". فبحسب النصوص الشرعية والكتب الكثيرة المختصة بهذا الشأن, قام الحكم في الاسلام على ثلاثة دعامات رئيسية: العدل, التسامح وتكافؤ الفرص. أما العدل فيقصد به اعطاء كل ذي حق حقّه من ثواب أو عقاب بغض النظر عن صفة اعتبارية أو لون أو عرق أو دين. وأما التسامح فيعني حرية المعتقد والاتجاه السياسي. وأخيرا يعني تكافؤ الفرص وضع الرجل المناسب في المكان المناسب واتاحة الفرصة أمام جميع الرعايا لممارسة عملهم ونشاطهم اقتصاديا أكان أم اجتماعيا أم علميا.
    كان لتطبيق أسلوب الحكم الذي ذكرته آنفا والنابع لاشك من ايمان ديني عميق الاثر الكبير في انطلاق الحضارة العربية الاسلامية واشعاعها على العالم كله في ذلك الوقت. انقلبت موازين وتغيرت مفاهيم ودالت دول الى غير رجعة وزالت طواغيت الى الابد في فترة زمنية قصيرة لاتنوف عن الثلاثين عاما منذ أنزل الوحي على الرسول- صلى الله عليه وسلم- لاول مرّة , وتتابعت الانجازت الحضارية التي كان الشرع الاسلامي دعامتها ومنبعها وملهمها دائما. كانت الفترة التي طالت حوالي ستمائة عام تقريبا فترة عقل وتنوير وانفتاح بحقّ. ولم يجد العلماء والمفكرين المسلمين وغيرهم ممّن انضووا تحت لوائها حرجا من الاستفادة من كل ماوقع تحت ايديهم من علوم واكتشافات وحتى فلسفات لشعوب اخرى بغضّ النظر عن دينها أو عرقها حيث لم يخرج ذلك عن نطاق النصوص الشرعية الاسلامية التي أمرتهم بالبحث عن المعرفة اينما وجدت.
    بالطبع, لم تعدم تلك الفترة وجود الطامعين السياسيين واصحاب المصالح المادية البحتة, ولم تعدم وجود الباحثين عن السلطان والجاه والنفوذ, غير ان الوعي الديني الصحيح بين كافة فئات الناس من خاصة وعامة ومن علماء وباحثين ومستشارين وادباء وحتى عامة الناس, هذا الوعي كان يحبط دائما الانحراف في مسيرة الحضارة تلك.
    في الفترة ذاتها(العصور الوسطى: 500-1500 م)كانت القارة الاوروبية غارقة في الجهل والتخلف والعنصرية. كان يحكمها خليط من امبراطوريات ادّعت خلافة الامبراطورية الرومانية ومن اقطاعيات عديدة متفرقة وصغيرة انتشرت في انحائها. وكان اصحاب السلطة والنفوذ من أباطرة واقطاعيين وأمراء يتحالفون مع رجال الدين لاضفاء الشرعية على سلطتهم. ولم يجد اولئك مقاومة تذكر من الشعوب التي حكموها آنذاك كونها(اي الشعوب) كانت غارقة في الفقر والجهل والمرض الذي بدأ يدبّ في أوصالها في السنين الاخيرة للامبراطورية الرومانية. لم تنفع محاولات قسطنطين (في القرن الرابع الميلادي) من اعلانه المسيحية دينا رسميا للدولة ثم تقسيمه لها الى شرقية وغربية في بعث الروح في جسد الامبراطورية الميّت بل عجّل -على العكس - في نهايتها, حيث حوّل بخطواته تلك تسامح المسيحية الاصولية وعالميتها كما نادى بها السيد المسيح- عليه السلام- وحواريه الى تعصب ديني وصل الى أوجه مع بداية الحروب الصليبية.
    ظلّ نجم الحضارة للشرق العربي الاسلامي في صعود وللغرب الاوروبي في هبوط حتى ارهاصات القرن الثالث عشر الميلادي. فمع توسع مساحة الدولة الاسلامية وانطواء شعوب كثيرة تحت لوائها,كثرت المطامع السياسية وعادت المناحرات القبلية الى الظهور وخاصة مع ازدياد ثروة ورخاء الامّة, فكان التقسيم السياسي لها الى دويلات يحارب فيها الاخ أخيه(الاخوة أميري دمشق وحلب قبيل الغزو الفرنجي)مما أثار شهوة الدول والشعوب المجاورة ايضا والغير متحضرة(المغول البداوة والفرنجة الاقطاعيين), هنا بدأ نجم العقل والدين وال! حضارة يأفل ويفسح المجال لانحطاط بدأ سياسيا وانتهى دينيا واجتماعيا وفكريا واقتصادي الانزال نعيش اثاره لليوم(حلقة الجهل والفقر والمرض)....لكن:
    لم تأب الحضارة العربية الاسلامية أن تختفي وتضمحلّ قبل أن تفسح المجال للأوروبيين بان ينهلوا منها, فكيف؟.
    كانت الاندلس وصقلية وجنوب ايطاليا ثم الممالك الفرنجية في بلاد الشام الجسور التي عبرت منها الحضارة العربية الاسلامية وشعّت الى الغرب الاوروبي, حيث تدفّقت الانجازات الحضارية بكل اشكالها من علم وفلسفة وأدب ولاهوت عبر مناطق التماس تلك الى الشعوب الاوروبية سواء بالبعثات الدراسية أو بالترجمات المكثّفة أو الدبلوماسية أو بالتجارة أو بالحروب, ووجد في الغرب من يتبنّى التنوير ويعتبره فرصة للخلاص من نير وتسلّط الحكام والامراء ورجال الدين وخاصة في المدن التجارية الايطالية(البندقية, بيزا وجنوا)التي احتفظت على الدوام بعلاقات جيّدة مع الشرق الاسلامي.
    شيئا فشيئا استبدلت بخارى والري وبغداد ودمشق والقاهرة والقيروان ومراكش وفاس وقرطبة كمراكز اشعاع فكري وحضاري في العالم المعروف آنذاك ببادوا وسالرنو و بولونيا وفلورنسا وبالرمو ثم لاحقا لشبونة وروما ومدريد ومونبيلييه وباريس وبرلين ولندن, وكانت نقطة البداية هي كسر القاعدة التي وضعها رجال الدين والقائلة بعدم دراسة فكر الشعوب الاخرى غير المسيحية باعتباره " زندقة وكفرا ومروقا على الدين".
    استمر الصراع حادّا- وبالتوازي - بين الفكر الظلامي والفكر التنويري في أوروبا لمدة تزيد عن ثلاثمائة عام, حيث لم يسلّم الحلف المكوّن من! الملوك والامراء ورجال الدين مواقعه بسهولة. عرفت القارة موجات عارمة من التعصب الديني والطائفي والعرقي وعانت من حروب داخلية مدمّرة, لكنها عرفت في الوقت نفسه حركات اصلاح ديني وفكري واجتماعي واقتصادي كثيرة تّوجت بالثورة الفرنسية والانكليزية ثم الوحدتان الالمانية والايطالية, وعرفت على الصعيد العلمي تتابع الاختراعات والاكتشافات حتى يومنا هذا..
    كانت النهضة الفكرية الاوروبية بدورهاسببا رئيسيا في الكشوف الجغرافية الكبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي خلقت طبقة من كبار التجّار ثم الصناعيين بفعل الثروات المادية المتدفقة من المستعمرات, وهذه, بالاضافة للثورة الفكرية والعلمية, ساهمت في ادخال القارة في دوامة الحلقة الحضارية التي كان الشرق الاسلامي قد دخلها قبلها بحوالي 800 عام وهي حلقة الغنى والعقل والصحة.
    أفسح اضمحلال طبقة الملوك والاقطاعيين ورجال الدين وزوال التحالف بينهم المجال لظهور طبقة جديدة في مراكز القرار وهي طبقة تحالف الشرك! ات الصناعية والتجارية الكبرى مع رجال السياسة الذين تبدلت ألقابهم وتغيرت مسمياتهم, اذ كان لابد للصناعات المتنوعة التي استحدثت بفضل التقدم العلمي والثروات الهائلة من المستعمرات المكتشفة حديثا أن تبحث لها عن أسواق لتصريف منتجاتها ,الى يد عاملة رخيصة والى- وهو الاهم- مواد أولية خام ضرورية لتلك الصناعات, فاشتد التنافس الاستعماري بين الدول الاوروبية الاكثلر تطورا واتصف لاول مرة في التاريخ - ومن الآن فصاعدا- بالعالمية لانه لم يعد مقتصرا على الحدود البرية المشتركة بين بلدين -كما كان سابقا-بل شمل كل البقاع التي وصلتها أساطيل وجيوش تلك الدول.
    وصل التنافس الاستعماري بين ساسة وصناعيي الدول المتطورة الى ذروته خلال النصف الاول من القرن العشرين, وحاول كل طرف تحقيق مكاسب استعمارية جديدة على الساحة العالمية المفتوحة وخاصة بعد انضمام لاعبين جدد للنادي الاستعماري(المانبا, ايطاليا, بلجبكا, الولايات المتحدة,اليابان والاتحاد السوفياتي). وفي حين شهدت الحرب العالمية الاولى زوال آخر الامبراطوريات الاقطاعية -اللاهوتية القديمة ( النمسا,هنغاريا , الدولة العثمانية,روسيا القيصرية) شهدت الحرب العالمية الثانية زوال القوى الاستعمارية الامبريالية المتطورة (فرنسا,بريطانيا,المانيا,ايطالياواليابان) وصعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الى المسرح الاستعماري العالمي كقوتين عظميين وحيدتين تصولان وتجولان كما يحلو لهما عبر ماسمي "بالحرب الباردة", اذ لم يحدث صدام عسكري مباشر بينهما بل حدث عبر حروب ساخنة شتّى في العديد من بلاد العالم الثالث( كوريا, فييتنام, لاوس, كمبوديا, لبنان, فلسطين, القرن الافريقي, كوبا, نيكاراغوا, أنغولا....الخ). وقد اتخذت هذه الحروب ذرائع شتى من قومية وطائفية وقبلية وايديولوجية اذكت اوارها الآلة الاعلامية الضخمة للقوتين العظميين بالاضافة للتنظيمات والانظمة التابعة لها في تلك البلدان وايضا الجهل والفقر والمرض المتفشي بين شعوبها(اي شعوب العالم الثالث).!
    شهد العقد الاخير من القرن العشرين انكفاء الاتحاد السوفياتي كقوّة عالمية وتفرّد الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في الساحة العالمية. تجلّى ذلك في اكتسابها مواقع استراتيجبة جديدة في شتّى بقاع العالم عبر اثارة الحروب الاهلية والاعمال الارهابية مباشرة أو بواسطة منظمات وأنظمة تعاديها ظاهريا, ثم التدخل عسكريا بحجة ايقافها واعادة الامن والاستقرار. كان هذاواضحا في يوغوسلافيا السابقة,بنما,القوقاز, أفغانستان,العراق.... والبقية تأتي.....!!

    خامسا: الحركة الصهيونية, الهيمنة الامريكية وصدام الحضارات؛ نتيجة
    هل هنالك ثمة علاقة بين الفكرة الصهيونية ونظرية" صدام الحضارات"؟
    للاجابة على هذا السؤال يلزمنا العودة الى بعض التعريفات والمحطات التاريخية.
    تعرّف الحركة الصهيونية بانها حركة تهتم بتجميع يهود العالم أجمع في "وطن قومي" أو "دولة يهودية" عبر جميع الوسائل الممكنة, وقد لخص روّادها هذه الوسائل " بالتجمّع والاقتحام", حيث قامت منظمات صهيونية عديدة بتجميع السكان اليهود من كافة بلدان العالم وتقديم التسهيلات المادية والاجتماعية لهم مقدمة لارسالهم الى فلسطين,ومن هناك, وبعد توفير عدد كاف منهم وتدريبهم تدريبا عسكريا مكثفا, قاموا بتثبيت أقدامهم في "الارض الموعود" ومن ثم تأسيس " الوطن القومي" ثم الدولة في عام 1948 م.
    اعتمدت الحركة الصهيونية منذ نشأتهاعلى الاساطير الدينية التي لاأساس لها من الصحة كغطاء لعملها ولاعطائه الشرعية اللازمة,
    لم تستطع الحركة الصهيونية منذ نشأتها في عام 1897 م وحتى اللحظة الراهنة- مرورا بكافة مراحل انشاء الدولة اليهودية- العمل منفردة ومن دون دعم مادي وسياسي وعسكري وبشري, فكان اعتمادها على بريطانيا وفرنسا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ومن ثم انتقل السند الى الولايات المتحدة التي ماتزال تعتمد عليها حتى الآن. ومن جهتها وجدت هاتان الدولتان في تلك الحركة ورقة رابحة عظيمة الاهميّة لتحقيق اهدافها الاستعمارية في المنطقة العربية خاصة بهدف تمزيقها الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي(اهمية وحدة مصر والشام في تكوين دولة قوية في المنطقة).

    بناء على كل ماسبق نخلص للنتائج التالية:
    1- الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية خالصة اعتمد خطابها على تفضيل اليهود على ماسواهم من البشر وتصويرهم للعالم على انهم المضطهدين والمساكين تمهيدا للقيام بأكبر عملية استعمارية استيطانية في التاريخ.
    2- اتفق المضمون العنصري للحركة الصهيونية مع تفكير بني اسرائيل الاول حين حوّلوا الشريعة الالهية التي نادى بها موسى عليه السلام من توحيد الهي وعالمي لكل البشر الى عنصرية يهودية خاصّة بهم(شعب الله المختار).
    3- تزامن ظهور الحركة الصهيونية عام 1798 م مع بداية ظهور الولايات المتحدة الامريكية كقوة استعمارية عالمية عام 1898 م ذلك وخلال الحرب الاسبانية-الامريكية التي جرّدت اسبانيا من معظم مستعمراتها في العالم.
    4- اعتمدت الولايات المتحدة منذ ظهورها كقوة عالمية جديدة تسعى الى الهيمنة, أساليب وتشريعات عديدة لتبرير تدخلها الاستعماري ومنافسة القوى الكبرى المعروفة آنذاك أسوة بكل القوى والنظم الاستعمارية على مرّ التاريخ)كما ذكرت قبلا). وكان توافق المصالح بين الحركة الصهيونية من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة اخرى, واعتماد تلك الحركة كليا عليهما, كان ذلك مقدمة للزواج الابدي بين الحركة الصهيونية ومراكز صنع! القرار في الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة.

  10. #10
    أمّا الاساليب والخطابات التبريرية التي اعتمدها الثنائي "الصهيونية-الولايات المتحدة" حسب التسلسل الزمني فكانت كما يلي:
    1- نقاط الرئيس الامريكي ويلسون الاربعة عشرة بشأن حق الشوب في تقرير مصيرها بنفسها(عام 1919 غداة انتهاء الحرب العالمية الاولى) وماتبعها من انشاء عصبة الامم ثم اعطاء الدول الاستعمارية الكبرى مايسمّى ب" حق الانتداب" لتهيمن به على الشعوب المستضعفة بحجة مساعدتها على بناء نفسها وتقرير مصيرها حيث ان هذه الشعوب غير مؤهلة للاستقلال بعد.....!!!!
    2- محاربة النازيّة والفاشية والآلة العسكرية اليابانية باسم الحرية والديموقراطية وذلك في فترة مابين الحربين العالميتين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية وانشاء محاكم "نورمبرغ" لمحاكمة" مجرمي الحرب النازيين" كما ادّعوا.
    3- محاربة "الشيوعية" المتمثلة في القوة العظمى الثانية(الاتحاد السوفياتي)التي ظهرت الى المسرح العالمي قبيل الحرب العالمية الثانية.وقد استمرّ هذا المنحى حتى تفكك الاتحاد السوفياتي السياسي نهاية عام 1991 م.
    4- محاربة الارهاب: وهو مصطلح قديم حديث بدأ الكلام عنه في بداية السبعينات من القرن العشرين مع تصاعد المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الوجود الاسرائيلي في فلسطين(وليس فقط ضد الاحتلال الاسرائيلي لاراضي مابعد حرب 1967).اذ روّعت المقاومة الفلسطينبة(وقبلها الجزائرية والفيتنامية والدومينيكانية والبوليفية وبعدها الافغانية ضد الاحتلال السوفياتي واللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي) دوائر صنع القرار في الثنائي الامريكي-الصهيوني ووجدت نفسها أمام عدو حقيقي اعتمد الفكرة والاسلوب الصحيحين في مواجهة الظلم والطغيان. لم تتبن المقاومة الفلسطينية- وبعدها اللبنانية- أي مشروع عنصري أو طائفي في صراعها مع عدوّها, كما لم تخرج قيد أنملة عن قتال من يجب قتاله(وهو الجيش المحتلّ فقط), فكان أن كسبت احترام العلم كله بمصداقيتها بمثل ماحققت من مكتسبات على صعيد التحرير وارباك العدو وترويعه ناهيك عن افقاده مصداقيته ومشروعيته. لقد حققت حركات المقاومة هذه بعض ماحققه نور الدين زنكي وصلاح الدين الايوبي قبل حوالي ثمانمائة عام في صراعهما ضد الغازي الفرنجي(وليس النصراني)رغم محاولات الفرنجة اضفاء الشرعية على غزوهم للشرق الاسلامي.اعتمد نور الدين وصلاح الدين الاسلوب ال! حضاري والصحيح في مقاومة الاحتلال ومحاربة قوى الظلام والعنصرية مشفوعا بالايمان الديني الصحيح وهو ماأدّى-حكما- الى نجاحهما.
    لم يكن أمام الولايات المتحدة من خيار أمام تصاعد حركات المقاومة تلك واكتسابها تعاطفا شعبيا عربيا واسلاميا وعالميا, وخاصة بعد دعم الاتحاد السوفياتي لبعضها في سياق الحرب الباردة(وليس بالطبع لحسن نيّته), لم يكن أمامها من خيار الاّ البحث عن وسائل جديدة لتطويع المقاومة الشعبية ضد قوى الهيمنة والظلام , فكان اللجوء الى ثقافة العنف الطائفي والارهاب ومحاربة الارهاب, فكيف؟
    اعتمد استراتيجيو البنتاغون لهذا ثقافة كاملة بدأ نشرها عبر وسائل الاعلام المتعددة و خطابهم السياسي بشكل مكثّف منذ منتصف السبعينات وهي ثقافة "الطائفة" حيث حلّت المسميّات الطائفية والاثنية محل المسميات الدالة على الظلم, الاستبداد, التحرر والمقاومة وتحول وصف الصراع في ايرلندة الشمالية من صراع بين الوحدويين والانفصاليين في اذاعة ب.ب.سي. باللغة الانكليزية الى صراع بين البروتستانت والك! اثوليك في نفس الاذاعة باللغة العربية......!!!...... ساعدهم في ذلك بشكل رئيسي كثير من الانظمة والمنظمات والحركات والاحزاب في العالم الثالث التي استحدث بعضها و"حدّث" بعضها الآخر خصّيصا لتلك الاغراض. شكّلت الحرب الاهلية اللبنانية التي دامت ستة عشر عاما(1975-1991 م) أكبر مثال على ذلك حيث برزت ثقافة الطائفة والاقليمية والاثنية بشكل واضح فيها, كما شكلت الحرب الاهلية الافغانية التي دارت بين "المجاهدين" الافغان في العقد الاخير من القرن العشرين المثال القبيح لثقافة القبلية والطائفية.
    وفي الواقع, فان تمرير ثقافة الطائفة لغايات استعمارية لم يكن جديدا في العصور الحديثة. فقد استعمل بشكل واضح في القرن التاسع عشر من قبل القوى الاستعمارية الكبرى في ذلك الوقت في الشرق العربي والهند . حيث تسابقت تلك القوى- وبدعوى حماية طائفة معينّة من التصفية على يد الطائفة الاخرى(ياللعجب....!!)- الى التدخل المتزايد في تلك البلدان واقتسام تركة الدولة العثمانية المريضة , حيث ادّى ذلك الى تقسيمها ! بعد استقلالها الى كيانات سياسية عديدة,كما ادّت تلك السياسة في الهند الى تقسيمها لثلاثة دول كان التوتر هو الغالب على علاقاتها ببعضها لغاية الآن.
    استعمل سلاح "ثقافة الطائفة" بشكل فعّال كذلك في وأد الاتجاهات التنويرية التي ظهرت في مصر والشام والصين والهند والبلقان وروسيا القيصرية في القرن التاسع عشر. اذ حّجم مشروع محمد علي باشا في مصر لبناء دولة اسلامية حديثة منفتحة وعصرية وقوية,واثيرت الحركات الاثنية والطائفية ضده. كما صّور كثير من كتاب مصر والشام المسلمين وغير المسلمين المتنورين كملحدين مارقين وعملاء "للغرب الصليبي" وللمستشرقين الاوروبيين. تمّ هذا بمباركة السلطات العثمانية والدول الاستعمارية الاوروبية التي كانت تفَضّل وجود دولة مريضة ظالمة في الشرق تمهيدا للانقضاض عليها في اللحظة المناسبة,.هكذا,وبدلا من قيام ثورة عامة ضد الظلم والاستبداد في كافة ارجاء الدولة العثمانية ومن كافة شعوبها بدون استثناء (كما بشّر الكواكبي في كتابه"طبائع الاستبداد"), قامت ثورة "عربية" غير واضحة الاهداف متعاونة مع البريطانيين في وجه حكم طوراني متعصّب ساهمت بريطانيا نفسها في صنعه.....!!!!
    توافق استعمال سلاح"ثقافة الطائفة" مع مضمون الحركة الصهيونية من أساسها كما ذكرت سابقا, ووجدت الحركة في تلك السلاح تشريعا أساسيا لوجودها ولوجود الدولة العبرية المصطنعة , ومن جهة أخرى, ونظرا لحاجة الولايات المتحدة الدائمة لتبرير استعمارها وهيمنتها و الحاجة لوجود عدو ايديولوجي دائم تحاربه(كما تدّعي), تم اعتبار الارهاب كعدو أول للديموقراطية والحرية الامريكية بعد سقوط الشيوعية ومن قبلها النازية والعسكرية اليابانية,ووجدت في الانظمة والمنظمات التي استعملت العنف الديني والقومي ضالتها فأخذت تشجعها وتدعمها تمهيدا لعصر جديد من الهيمنة العالمية.أما الحركات والمنظمات التوّاقة الى الحرية والتنوير فقد أخذت تضمحل شيئا فشيئا وأصبحت توصف بالارهاب أسوة بالمنظمات الارهابية الفعلية الاخرى التي كان للولايات المتحدة الدور الكبير في صنعها.
    وأخيرا كان للصبغة الدينية أو الاثنية لتلك المنظمات الايحاء الاكبر(لدى شعوب العالم الثلث خاصة) بان الحروب التي يخوضها الثنائي الصهيوني الامريكي هي حروب دينية وأثنية لاعلاقة لها مطلقا باية مصالح استرتيجية أو اقتصادية, وهو بالضبط ماأراد هذا الثنائي ايهام العالم به ! واظنه نجح الى حدّ ما في ذلك......للأسف.

    سادسا: هل يوجد صدام للحضارات؟:
    بعد كل ماتقدم, هل نستطيع أقرار وجود صدام للحضارات؟
    هل يعقل أن تدمر حضارة ما حضارة أخرى اذا كان السلام والامن أحد ركائزها؟

    وهل من المنطقي أن تدمر الحضارة نفسها بالحروب بينما اسمها وتعريفها يعنيان "البناء والازدهار"؟
    وهل ثقافة العدل والتسامح ونشر المعرفة تؤدي الى العنصرية والاحتكار والطغيان؟
    وهل تحضّ تعاليم السماء حقا على قتل الانسان للأنسان لمجرد اعتقاده؟
    وأخيرا, هل من الممكن أن تصارع الحضارات بعضها اذا كان وجود كل واحدة منها سبب للأخرى؟
    هل يريد السيد هتنغتون أن نصدّق أن البروتستانتي والكاثوليكي يقتلان بعضهما بسبب المعتقد في بلفاست بينما يشربان البيرة سوية في احدى بارات لندن أو ليفربول؟
    وهل يريدنا أن نصدّق ان الغرب "المسيحي" والشرق "المسلم" يكرهان بعضهما لدرجة الموت بينما عشرات الرحلات الجوية ومثلها البحرية الشرعية وغير الشرعية تنتقل كل يوم ناقلة "الشرقيين" الباحثين عن الامن الاقتصادي والاجتماعي الىالغرب المتطوّر من جهة وناقلة الغربيين الى الشرق المليء بالتاريخ والحضارات والمغامرة الفكرية والفلسفية؟
    وهل يطلب منّا أن نوافقه القول باستحالة تعايش الماليزي المسلم والصيني البوذي والهندي بكافة طوائفه وأديانه في ماليزيا ويبنون معا بلدا متطورا وحضاريا منفتحا؟
    هل يطلب منّ الاطباء والعلماء العرب بعدم اعتماد المراجع الاجنبية في دراستهم وابحاثهم بحجة انتمائها(أي المراجع) لحضارة مغايرة؟
    وهل كان يتصوّر نهضة أوروبا في نهاية العصور الوسطى من دون الاحتكاك المستمر بالعرب والمسلمين؟
    وهل في اعتقاده أن حضارة بلده(الولايات المتحدة) قد نزلت من السماء ولم تأت عبر الاطلسي من أوروبا نفسها ومن العقول الجبارة لابناء العالم الثالث المهاجرون اليها؟
    هل يريد السيد هيتينغتون أن لايعرف غير الامريكي بأرنست همنغواي وأن لايعرف غير الروسي بليون تولستوي وغير العربي بنجيب محفوظ؟ وبناء عليه هل يريد ألغاء الترجمة ورمي القواميس في البحر نظرا لانتفاء الحاجة لها في عصر صدام الحضارات؟
    ان الحضارة ياسيد هتنغتون ليست سيوفا ورماحا ودبابات وطائرات وصواريخ تفني بها أمّة سواها من الامم, وهي ليست مطامع مادية واس! تراتيجية وسياسية. ان الحضارة تعني العقل, والعقل لايعرف سوى العقل, والفكر لايعرف سوى الجدل والدين لايعرف سوى التسامح, والثقافة تقول دائما لنظرائها :" هل من مزيد"؟
    اذا كان هنالك مايسمّى فعلا "صدام الحضارات" فلماذا انتشرت الكتابة المسمارية من جنوب مابين النهرين صعودا حتى "ايبلا" (جنوب حلب) والى أوغاريت(شمال اللاذقية)؟, ولماذا انتشرت الابجدية الكنعانية وحروفها الى كافة انحاء أوروبا ثم العالم كله عبر الابجدية اللاتينية؟. لماذا سمّى العرب المسلمون " أبوقراط الاغريقي" بأبي الطبّ وترجمت كتبه وكتب جالينوس الى العربية؟. كيف انتشرت صناعة الورق من الصين الى أوروبا مرورا بالشرق الاسلامي؟.و لماذا ظلّت مؤلفات الرازي وابن رشد وابن زهر وابن سينا تدرّس في الجامعات الاوروبية حتى نهاية القرن الثامن عشر؟ . لماذا ألّفت المستشرقة الالمانية(الشرقية الشيوعية) "زيغريد هونكه" كتابها المشهور " شمس العرب تسطع على الغرب" ؟,ولماذا اتجه معظم المثقفين والعلماء من كافة انحاء العالم الى باريس (عاصمة النور)ولندن وبرلين للدراسة والتحصيل ابتداء من القرن التاسع عشر؟. وأخيرا, لماذا يتمنى مئات الملايين من سكان ه! ذا العالم البائس الاقامة في الولايات المتحدة سواء للعمل أو للتحصيل العلمي في عصرنا الحالي؟.
    أذا سلّمنا بوجود ما يسمّى"صدام الحضارات" فكيف نفّسر الحروب اللانهائية التي شهدتها دول أوروبا"المسيحية" فيما بينها على مدى ألف وستمائة عام؟ وكيف نشرح الفتن السياسية والطائفية التي شهدتها بلاد الشام والعراق ومصر والاندلس "الاسلامية" عندما بدأت منذ ألف وثلاثمائة عام ولازالت؟؟!!... بماذا ننظّر حرب استقلال الامريكيين "البروتستانت" عن بريطانيا " البروتستانتية" ثم الحرب الاهلية الامريكية(بين الامريكيين البروتستانت انفسهم) في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ؟...وهل كانت الغزوات الهمجية لتيمورلنك "المسلم" في العراق والشام " الاسلامية" أوائل القرن الخامس عشر تعتبر صداما حضاربا؟؟!! وكيف نفسّر الستعمار الاوروبي "المسيحي" الدائم لافريقيا "المسيحية" وامتصاص ثرواتها ودماء شعوبها وتركها فريسة للمجاعات والجهل والمرض؟.
    وأخيرا كيف نفسّر وجود دولة اسرائيل بذاتها على أساس ديني (كما ادّعوا) بينما يتواجد ثلاث! ة أرباع يهود العالم خارجها(خاصة يهود الدول المتطورة), بينما تعاني تلك الدولة المصطنعة من علل الهجرة المعاكسة والتمييز الحاد بداخلها بين يهود الاشكناز والسفارديم....!!!؟.

    سابعا: لماذا" صدام الحضارات"؟
    ماهي الأهداف اذا من تعميم نظرية "صدام الحضارات" وماشابهها من نظريات "كالصراع الديني والعقائدي" ," الحروب الصليبية الجديدة(كما نطقها السيد بوش ) وانتظار قدوم المسيح الدجّال, "نظرية المؤامرة والثورة العالمية"...الخ؟.
    اذا عدنا لما جاء سابقا في المقال , سنجد أن الاهداف من تعميم تلك النظريات تتلخص في النقاط التالية:
    1- اضفاء الشرعية على انشاء دولة "اسرائيل" ذات الطابع العنصري والتي هي اصلا أداة بيد سياسيي واقتصاديي الدول الاستعمارية على مدى تاريخ وجودها.
    2- ابعاد الانظار عن الاهداف الحقيقية للتدخلات الاستعمارية في كافة بقاع العالم وهي كما أثبت ويثبت لنا التاريخ كل يوم أهداف اقتصادية واستراتيجية(النفط خاصة)بحتة, وأودّ التنويه فقط بان احصائية نشرت في منصف عام 2002م أظهرت بان الشعب الامريكي وحده والذي يشكلّ تعداده 1/ 25 من التعداد العالم! ي يستهلك 1/4 الانتاج اليومي العالمي من النفط...!! أليس هذا سببا كافيا؟؟
    3- ايقاع الشعوب المقهورة والباحثة عن حرّيتها وكرامتها بفخ الصراعات الوهمية التي تهدف الى الالغاء الجسدي للآخر( تشجيع الفكر العنصري).
    4- تشويه التقييم التاريخي الصحيح للأفراد ولأنظمة الحكم والدول والحقبات الزمنية وغيرها, بحيث يتمّ تقييمها في هذه الحالة على أساس انتمائها الطائفي أو العرقي أوالقومي وليس على أساس نتيجة عملها وبمقدار ماساهمت به في الحضارة الانسانية.
    5- الخلط بين حركات التحرر من جهة وحركات الارهاب من جهة اخرى واعتبارها كلّها ارهابا مصدره حضارة معيّنة يجب مواجهتها بحضارة اخرى(الارهاب الاسلامي والتمدن الغربي....!!).

    ثامنا: مواجهة الفكر العنصري:
    عودة على بدأ, وكخاتمة لمقالي هذا, هل هنلك من سبيل لمواجهة الفكر العنصري؟
    الجواب: نعم, وهذا دور يقع على عاتق المثقّفين والمتنوّرين في جميع انحاء العالم. فبما أنّ تعلّم أية لغة يبدأ بتعلّم حروفها الابجدبة وتمييزها ونطقها نطقا صحيحا, كذلك هي الطريقة التي تجب فيها مواجهة الفكر العنصري ونظر! يات" صدام الحضارات" التي هي أحدى افرازاته.
    لقد استعمل منظّرو الفكر العنصري التاريخ بشكل رئيسي لتمرير أفكارهم معتمدين على جهل وعدم معرفة معظم العامة والخاصّة به على مرّ الازمنة واختلاف الامكنة. وكما رأينا سابقا فان الجهل يشكّل الوعاء الخصب لنمو الفكر العنصري وترعرعه. اذا, وكنتيجة منطقية وحتميّة يعتبر استخدام العقل الدواء الناجع لمرض الفكر العنصري هذا ولاحد أهمّ اعراضه وهو "صدام الحضارات".
    ادعوا جميع متنوّري العالم وخاصّة العرب والمسامين منهم الى اثبات تنورهم وعقلانيتهم وعدم تحيّزهم. ادعوهم الى حكم صحيح ماأمكن على التاريخ اذا أرادوا مستقبلا أفضل. ادعوهم الى فرز الغثّ من السمين من زحام المصطلحات المشبوهة التي حفل بها حاضرنا, وليتذكروا دوما انّ التاريخ واحد لايتغيّر مهما حاول دعاة الفكر العنصري تجييره لصالحهم وانّ حكمه هو الاصحّ على الدوام مهما طال الزمن.
    دعونا - ان كنّا مثقفين ومتنوّرين حقّا - نقتدي بسيرة الرسول محمّد - صلّى الله عليه وسلّم - والخلفاء الراشدين وغيرهم من عقلاء الامّة واليشرية كلّها. دعونا نقتدي بنور الدين وصلاح الدين اللذان ل! نتصرا على العنصرية الصليبية بالعقل والتسامح والرحمة وليس بالرمح والسيف فقط. لنتذكّر دائما أبا ذر الغفاري وابن الحلاّج والمتنبّي الذين قاوموا الطاغوت ونطقوا بوجهه كلمة الحقّ بدون خوف أو وجل. دعونا نقتدي بديكارت الذي قال:" أنا أفكّر اذا أنا موجود" وفرنسيس بيكون صاحب المنهج التجريبي وجان جاك روسّو صاحب "العقد الاجتماعي", ولنضع نصب أعيننا دائما كلام العالم الايطالي غاليليو الذي همس لمساعده بعدما وقّع على وثيقة أمام قوى الجهل والعنصرية يتراجع فيها عن قوله بدوران الارض, اذ قال:" ومع ذلك فهي تدور"....!!

    والله أعلم

    منقول من صيد الفوائد

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الزميل الكريم..

    للنشر تعميما للفائدة..

  12. #12
    المقالات المتسلسله التي
    قمت بنشرها ..
    ماهي أهميتها بالنسبه لنظرية صدام الحضارات ؟

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الذيب سرحان عرض المشاركة
    المقالات المتسلسله التي
    قمت بنشرها ..
    ماهي أهميتها بالنسبه لنظرية صدام الحضارات ؟
    الاهمية تاريخية بالتأكيد..
    النص عبارة عن ملف سأقوم قريبا باضافة نظرة المفكر الفلسطيني_الامريكي ادوار سعيد وصولا الى مقابلتين هامتين للغاية مع منظري صدام الحضارات..
    هنتنغتون وفوكوياما..
    وهذا الملف..
    يضع القاريء العربي في السياق الصحيح والتاريخي لنشوء هذه النظرية وتطورها وأهدافها وتوظيفاتها السياسية..
    واراء مفكرين عرب من تيارات مختلفة فيها..
    وخصوصا أن اغلب من كتب حول صدام الحضارات لم يشير مثلا الى ان حرب يوغوسلافيا.. كانت تطبيقا مباشرا لهذه النظرية..
    النص هام للغاية.. وسياسي بامتياز..
    صدام الحضارات ..
    يطبق حاليا في العراق وفلسطين ولبنان.. وعلى المقاومات في تلك البلدان..
    ويستعمل مبررا لعمليات ابادة جماعية ومجازر بحق العرب المسلمين في تلك الدول..

  14. #14
    مجزيء ومشكور ...
    لكن الأسلوب صعب !!

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الذيب سرحان عرض المشاركة
    مجزيء ومشكور ...
    لكن الأسلوب صعب !!
    بالتاكيد..
    اللغة صعبة في النص الاصلي..
    حاولت تبسيطها قدر الامكان..

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الكرمل..
    فصلية ثقافية..
    العدد 53 / خريف 1997..
    رئيس التحرير: محمود درويش..
    الملف..

    _ صدام المفاهيم.. 1 .
    إدوارد سعيد
    .......................................
    ظهر مقال صمويل هنتنجتون "صدام الحضارات ؟" في صيف عام 1993 في فصلية "فورين أفيرز" معلنا دخول "السياسة على نطاق العالم كله مرحلة جديدة". وما يعنيه هنتنجتون بقوله هذا هو أن الصراعات الدولية التي كانت تدور حتى الماضي القريب بين معسكرات أيديولوجية متحاربة, الأمر الذي نتج عنه انقسام العالم إلى ثلاثة عوالم: العالم الأول, والعالم الثاني, والعالم الثالث, تدخل الآن مرحلة جديدة يدور الصراع فيها بين حضارات مختلفة. وهو يفترض حتمية تصادم هذه الحضارات حيث يقول: "سوف يتمحور الانقسام الأساسي داخل المجموعات البشرية حول العوامل الثقافية, التي ستصبح المصدر الرئيسي للصدام... إنّ صدام الحضارات هو الذي سيحتل مركز الصدارة من السياسة العالمية".
    ويوضح هنتنجتون لاحقا كيف ان هذا الصدام المتوقع سوف ينشأ بين الحضارات الغربية, من جانب, والأخرى غير الغربية, على الجانب الآخر, لينطلق بعد ذلك في استهلاك الجزء الأكبر من المقال في شرح الاختلافات الأساسية (الواقعة والمحتملة) بين ما يسميه هو الغرب من جهة, وبين الآخرين (الحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية على وجه الخصوص) من جهة أخرى.
    هذا ويولي هنتنجتون الإسلام اهتماما تفصيليا أكبر من ذلك الذي يوليه لأية حضارة أخرى, بما في ذلك حضارة الغرب. وفي رأيي أن الكثير من الاهتمام الذي لاقاه مقال هنتنجتون هذا يجيء في المقام الأول من توقيت ظهور المقال وليس مما ورد فيه. فكما يذكر هو نفسه, كان هناك العديد من المحاولات النظرية والسياسية في نهاية الحرب الباردة لرسم خريطة جديدة للأوضاع الدولية الناجمة عن نهاية الحرب الباردة.
    ومن ضمن هذه المحاولات مقولة فرنسيس فوكوياما "نهاية التاريخ" (1989), ومقولة "النظام العالمي الجديد" التي ظهرت في الأيام الأخيرة من حكم الرئيس جورج بوش. ولكن أطروحات أخرى ظهرت بعد ذلك التاريخ, مثل تلك التي قال بها بول كنيدي, وكونر كروز أوبراين, وإريك هوبزباوم, وهي أطروحات تسعى إلى تفحص الأوضاع الدولية على مشارف الألفية المقبلة بشكل أكثر دقة ومسئولية, وذلك في إطار محاولة البحث عن سبل لتجنب إمكانات الصراعات المستقبلية. هذا بينما تدور الفكرة المحورية لهنتنجتون (وهي بالمناسبة فكرة تفتقر إلى أي إبداع) حول صراع وصدام مستمر, ينزلق بشكل كسول إلى ساحات سياسية أصبحت خاوية بعد النهاية غير المأسوف عليها لحرب الأفكار والقيم التي سادت في ظل مرحلة الثنائية القطبية, التي كانت الحرب الباردة تجسيدا لها.
    وعليه فإنني لا أعتقد أنه سيكون من التبسيط المخل أن نقول أن هنتنجتون يحاول في مقاله (خاصة وأن الجمهور الذي يتوجه له هنتنجتون بالأساس هو جمهور صنّاع السياسة الذين يعتمدون على فصليّة أل "فورين أفيرز" كمصدر هام لطرح الأفكار الخاصة بالسياسة الخارجية الأمريكية) تقديم نسخة منقحة من مقولات الحرب الباردة مفادها أن الصراعات في عالم اليوم, والغد, ستظل صراعات أيديولوجية بالأساس, وليست اقتصادية أو اجتماعية. وإذا كان الأمر هكذا, فإن أيديولوجية واحدة (أيديولوجية الغرب) ستبقى دائما, من وجهة نظر هنتنجتون, المحور الذي تدور حوله كافة الأمور. وهكذا تستمر الحرب الباردة, ولكن على جبهات متعددة هذه المرة, حيث تتصارع وفقا لمقولة هنتنجتون هذه العديد من أنظمة القيم والأفكار (مثل الإسلام والكونفوشيوسية) من اجل الصعود والسيطرة على الغرب. ولهذا فإنه من غير المستغرب أن ينهي هنتنجتون مقاله باستعراض موجز لما يمكن للغرب أن يقوم به للحفاظ على مكانته الأقوى والإبقاء على خصومه المحتملين ضعفاء ومنقسمين.

    فوفقا له ينبغي على الغرب: "استغلال الخلافات والصراعات بين الدول الإسلامية والكونفوشيوسية, ومساندة الجماعات المتعاطفة مع قيم ومصالح الغرب داخل هذه المجتمعات, وتدعيم المؤسسات الدولية التي تعكس وتضفي الشرعية على المصالح والقيم الغربية, وتسهيل ارتباط الدول غير الغربية بهذه المؤسسات".

    إن نظرية هنتنجتون تصرّ بقوّة وإلحاح على أن الحضارات غير الغربية لا بد وأن تصطدم بالغرب, وإلحاحه هذا يكتسب طبيعة عدائية وشوفينيه عندما يتطرق إلى ما ينبغي على الغرب عمله لكي يظل في الصدارة, إلى الحد الذي يجبرنا على استنتاج أن جل ما يعنيه هو استمرار بل وتوسيع نطاق الحرب الباردة بوسائل جديدة, وأنه غير معني على الإطلاق بتقديم أية صيغه تتفهم الظروف الراهنة في العالم, أو تسعى لإجراء مصالحة بين الثقافات المختلفة. فصراع الحضارات هذا الذي يبشر به "هنتنجتون" ليس فقط صراعا مستمرا, بل أن هذا "الصراع... يشكل المرحلة الأخيرة من مراحل تطور الصراع في العالم الحديث", كما يقول في الصفحة الأولى من مقاله.

    وفي الواقع فإن هذا المقال ينبغي أن يفهم باعتباره دليلا موجزا, وإن كان رديء الإعداد, على الكيفية التي يتمكن بها "المواطن الأمريكي" من المحافظة على حالة الحرب حية في ذهنه.

    بل أنه, أكثر من هذا, ينطلق من نقطة محددة هي ذهنية صناع القرار داخل البنتاجون والمؤسسة العسكرية, الذين فقدوا مؤقتا مبررات بقائهم بعد نهاية الحرب الباردة, والذين يعنيهم الآن خلق مبررات جديدة لهذا الوجود.

    ولكن, وعلى الرغم من كل هذا, تبقى لمقولة "هنتنجتون" ميزة واحدة هي أنها تؤكد أهمية العنصر الثقافي في صياغة العلاقات بين الدول والتقاليد والشعوب المختلفة.
    ولكن المحزن في مقال "صراع الحضارات" هذا هو أنه أداة في تضخيم وتعقيد المشاكل السياسية والاقتصادية بحيث تبدو عصيّة على الحل. فمن السهل على أي إنسان أن يرى, على سبيل المثال, جدوى مقال كهذا في إذكاء نيران العداوة لليابان, حيث يتحدث المقال عن الأفكار الخبيثة الخفية للثقافة اليابانية, بالطريقة المستخدمة نفسها في خطاب المتحدثين الرسميين الأمريكيين, أو كيف أنّ الشعار الممجوج عن "الخطر الأصفر" أداة صالحة للتوظيف في مناقشة المشاكل التي قد تنجم في مواجهة دول آسيوية أخرى كالصين, أو كوريا مثلا. هذا في الوقت الذي تساعد المقولات الواردة في مقال كهذا على نمو ممارسة عكسية في دول آسيا وأفريقيا, يتحول "الغرب" بمقتضاها إلى كيان أحادي البعد, لا يبين منه شيء غير العداء لكل ما هو غير أبيض, أو غير أوروبي, أو غير مسيحي.
    ولأن هنتنجتون معني في الأساس بتقديم وصفة لإدارة الصراعات في مجال السياسة الخارجية أكثر مما هو معني بالتاريخ, أو التحليل الدقيق للتشكيلات الثقافية, فإن ما يقوله والطريقة التي يقولها بها مضللة للغاية.
    فهو يعتمد في الجزء الأكبر من تحليله على مصادر غير أولية مستقاة من مادة مستهلكة لا تولي أية أهمية للتقدم الذي تم إحرازه على مستوى الفهم النظري أو العيني للآليات التي تحكم مسيرة الثقافات المختلفة, أو التغيرات التي تطرأ على هذه الثقافات. وأي نظرة سريعة على الآراء التي يعتمد عليها هنتنجتون في حججه توضح على الفور أن الصحافة والمقولات الديماغوجية الشائعة هي مصدره الأساسي, وليس أي مصدر أكاديمي أو نظري.
    فعندما يعتمد المرء على مواد غير موثقة كتلك التي يقدمها تشارلز كراثهامر ؟؟؟ وسيرجي ستانكفيتش وبرنارد لويس, فمن غير المستغرب عندئذ أن يأخذ النقاش اتجاها متحيزا لصالح الصراع والتنافر بدلا من البحث عن سبل التفاهم والتعاون بين الشعوب المختلفة. فهنتنجتون لا يعتمد في تحليله على فهم الثقافات التي يتناولها, بل يعتمد على آراء حفنة ممن كتبوا عن هذه الثقافات, يلتقطهم عمدا, لأنهم جميعا ينقبون عن عدائية ما كامنة في قول مجتزأ لهذا الشخص أو ذاك, من المنتمين للثقافات الأخرى.
    وفي رأيي أن عنوان مقال هنتنجتون يفضح نواياه, فالعنوان: "صدام الحضارات" مستمد من عبارة لبرنارد لويس في مقال ظهر في مجلة "أطلنتيك منثلي" (وهي مجلة معتادة على نشر مقالات تتناول بالوصف ما تزعم أنه جنون ومرض وهمجية العرب والمسلمين), في شهر سبتمبر عام 1990, بعنوان "جذور السخط الإسلامي".
    يقول برنارد لويس في المقال سالف الذكر: "يجب أن يكون واضحا لنا الآن أننا نواجه مزاجا عاما وحركة تتجاوز بكثير السياسات والحكومات التي تنفذ هذه السياسات. فإن ما يحدث الآن ليس أقل من صدام بين الحضارات, إنه الاستجابة غير العقلانية, والتاريخية في الوقت نفسه, للخصومة القديمة الموجهة ضد إرثنا المسيحي_اليهودي وحاضرنا العلماني, والتوسع على مستوى العالم لهذين العنصرين. ومن الأهمية بمكان, أن ننتبه كي لا نقع بدورنا في رد فعل تاريخي, وغير عقلاني أيضا, في مواجهة خصمنا هذا."
    وأنا لا أريد أن استغرق طويلا في مناقشة الجوانب المثيرة للعداوة لمعتقدات برنارد لويس. يكفي هنا أن نلاحظ كمية التعميمات الكسولة والتشويهات غير المسئولة التي يتناول بها برنارد لويس التاريخ, حيث يقوم باختزال حضارات بأكملها إلى مقولات تبسيطية كمقولة "الحضارات غير العقلانية" أو "السخط على الحداثة".
    والواقع أن لا أحد عاقلا يستطيع الآن أن يتحدث بمثل هذا التعميم المخل الذي يتحدث به لويس عن ما يربو على البليون مسلم الموزعين على خمس قارات على الأقل, وما لا يقل عن دستة لغات وتقاليد وتواريخ مختلفة. عن كل أولئك يقول لويس أن السخط يتملكهم جميعا ضد الحداثة الغربية, وكأنما أولئك البليون رجل واحد, وكأنما الحضارة الغربية جملة أسمية بسيطة.
    ما أود مناقشته في مقالي هذا هو:
    أولا كيف اعتمد هنتنجتون على مفاهيم لويس في ما يتعلق بالحضارات ككيان أحادي البعد ومتسق قليلا بلا أي تناقضات داخلية.
    وثانيا كيف يعتمد هنتنجتون مرة أخرى على لويس في افتراضه بعدم إمكانية إحداث أي تغيير في ثنائية "نحن" و "هم".

    15/9/2006

  17. #17

    من يعمل على إذكاء الصراع ؟

    في كل مجتمع عقلاء ومجانين ...
    العقلاء يسعون إلى تجنب صراع الحضارات ...
    والمجانين يستميتون باستعجال صراع الحضارات ...
    وأس المشكلة عندما يكون المجانين في الصف الأول ، تأملوا أين يقف هؤلاء المجانين :
    البابا الجديد ...
    جورج بوش ...
    رامسفيلد ...
    ديكشيني ...
    توني بلير ...
    جون هاورد ...
    .... مع الاعتذار لباقي المجانين الذين لم أذكر أسماءهم .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    الكرمل..
    فصلية ثقافية..
    العدد 53 / خريف 1997..
    رئيس التحرير: محمود درويش..
    الملف..
    _ صدام المفاهيم.. 2.
    إدوارد سعيد
    .......................................

    ما أود مناقشته في مقالي هذا هو:
    أولا كيف اعتمد هنتنجتون على مفاهيم لويس في ما يتعلق بالحضارات ككيان أحادي البعد ومتسق قليلا بلا أي تناقضات داخلية.
    وثانيا كيف يعتمد هنتنجتون مرة أخرى على لويس في افتراضه بعدم إمكانية إحداث أي تغيير في ثنائية "نحن" و "هم".

    فمن المهم, أولا, التأكيد على أن صمويل هنتنجتون, مثله مثل برنارد لويس, لا يتصدى لموضوعه بشكل حيادي وموضوعي, فهو متحيز سلفا ويستخدم في بلاغته الحجج التي تدعم مقولة الحرب الشاملة بل يدعو لها أيضا. فهو ليس حكما بين الحضارات المختلفة بل هو ممثل لطرف ما وداعية لنصرة حضارة ما ضد الحضارات الأخرى. وهنتنجتون, مثله مثل لويس, يعرّف الحضارة الإسلامية بشكل شديد الاختزال وكأنما الشيء الأساسي في هذه الحضارة هو عداؤها المفترض لهذا الغرب.
    وإن كان لويس يحاول إعطاء مجموعة من الأسباب وراء تعريفه الخاص بالحضارة الإسلامية:
    (لم يتمكن الإسلام من تحديث نفسه, كما أنه لم ينجح في فصل الدين عن الدولة, ولا في فهم الحضارات الأخرى).
    فإن هنتنجتون لا يهتم بإعطاء أي أسباب على الإطلاق. فوفقا لهنتنجتون فإن الإسلام والكونفوشيوسية وخمس أو ست حضارات أخرى (الهندوسية, اليابانية, الأرثوذكسية السلافية, أمريكا اللاتينية, وأفريقيا) تتواجد, جنبا إلى جنب, من دون أي اتصال, الأمر الذي يزيد من احتمالات الصراع بينها. وهنتنجتون يتحدث من منطلق كيفية إدارة هذا الصراع وليس كيفية حله, فهو في الواقع يتحدث كأحد خبراء إدارة الأزمات وليس كدارس للحضارات أو شخص مهتم بالتوفيق بينها.
    ففي اللب من مقال هنتنجتون, وربما يكون هذا هو السبب وراء الاستجابة المتحمسة من صنّاع القرار في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لهذا المقال, يكمن الحس بعدم أهمية العديد من التفاصيل, وأكوام الدراسات الجادة والخبرة المتراكمة, واختزال كل هذا إلى القليل من العبارات "الجذابة سهلة التذكّر" التي يمكن تقديمها باعتبارها معلومات ذات فائدة علمية واضحة وحكيمة. ومن الطبيعي أن يتساءل المرء عمّا إذا كانت هذه هي الطريقة المثلى لفهم العالم المحيط بنا, وعمّا إذا كان من الحكمة أن ينزل خبير أكاديمي بنفسه إلى مستوى رسم خريطة مبسطة للعالم وتقديم هذه الخريطة للجنرالات وصنّاع القرار كوصفة لفهم العالم والتصرّف حياله على أساس هذه الوصفة.
    ألا يؤدي هذا المنهج إلى إطالة عمر الصراع وتعقيده وتعميقه.. ؟
    وهل نحن معنيون بإشعال هذا الصراع بين الحضارات, أم بالحد من فرص نشوئه.. ؟
    وألا يجدر بنا أن نتساءل عمّا إذا كان من المفيد تعبئة المشاعر القومية بشكل عدائي.. ؟
    ولماذا نفعل هذا ؟ أمن أجل الفهم, أم للقيام بفعل معيّن, لوأد إمكانيات الصراع, أم لزيادة إمكانيات حدوثه.. ؟
    أريد الآن أن أستعرض بشكل سريع الوضع العالمي لألاحظ في هذا المجال كيف يتسع حاليا نطاق الحديث عن كيانات مجردة وضخمة وغامضة كالغرب أو الثقافات اليابانية أو السلافية أو الإسلامية أو الكونفوشيوسية, وهي كلها تجريدات قابلة للاستخدام بشكل مغرض. كما أن مثل هذه المسميات المجردة عادة ما تجر وراءها توصيفات أيديولوجية لديانات وأجناس وأعراق بطريقة تتفوق في إثارتها وقبحها على ما كان يقول به عتاة العنصريين من أمثال جوبنيو ورينان منذ 150 عاما.
    وعلى الرغم من أن هذا النوع من التناول السيكولوجي, لجماعات كبيرة, السائد حاليا قد يبدو جديدا إلا انه ليس كذلك, كما أنه بالتأكيد تناول شديد الفقر. وعادة ما تسود مثل هذه الاتجاهات في أوقات الأزمات العميقة, أي عندما تتقارب جماعات كبيرة من البشر أو الشعوب بعضها من بعض ويهدد إحداها الأخرى وعادة ما ينجم مثل هذا الوضع بسبب الحروب والاستعمار والهجرات الواسعة, كما أنه ينشأ بسبب حدوث تغير كبير لا سابق له.
    وسأتناول هنا القليل من الأمثلة لتوضيح هذا الأمر. ظهر الحديث بلغة الهوية الجماعية بشكل واسع منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهايته, وكان هذا تجسيدا لعقود من المنافسة الدولية بين القوى الغربية العظمى على تملك المستعمرات في أفريقيا وآسيا. ففي آتون المعركة على القارة العذراء أو القارة السوداء كما كانت أفريقيا تسمى, لم تلجأ القوى الأوروبية الفرنسية والبريطانية وأحيانا الألمانية والبلجيكية إلى السلاح فقط, بل لجأت أيضا إلى منظومة من النظريات والصيغ البلاغية لتبرير نهبها للقارة. ولعل المفهوم الفرنسي عن "المهمة الحضارية" يكون اشهر هذه الصيغ. وتكمن في اللب من هذا المفهوم فرنسيّ الأصل فكرة مفادها أن بعض الأجناس والثقافات تمتلك أهدافا أسمى في الحياة من أجناس وثقافات أخرى, وأن هذا يعطي الأجناس الأكثر قوة وتقدما وحضارة الحق في استعمار الآخرين, ليس باسم همجية القوة أو النهب, وإنما باسم هدف نبيل.
    ويحدثنا جوزيف كونراد في روايته الأشهر "قلب الظلام" عن احد التجليات المخيفة, والمليئة بالمفارقة أيضا لهذه المقولة. فبطل الرواية, مارلو, يقول: "يعني فتح أرض جديدة أساسا الاستيلاء عليها من اناس ذوي بشرة تختلف في اللون أو أنوف مفلطحة أكثر من أنوفنا, وهذا في حد ذاته ليس بالأمر الذي يبعث على السرور إذا ما تأمله المرء بإمعان. ولكن ما يجعل هذا الأمر مقبولا هو الفكرة نفسها وراء هذا الاستيلاء. وهي فكرة لا علاقة لها في جوهرها بأي ادعاءات عاطفية, وإنما فكرة تعتمد على إيمان كريم بشيء يمكن أن يعلي المرء من شأنه, ينحني أمامه, بل ويقدم له الأضاحي".
    وفي مواجهة منطق كهذا يحدث أمران:
    _ أولا, تقوم القوى المتنافسة باختراع نظرية ثقافية أو حضارية عن مصائر البشر لكي تبرّر أفعالها خارج بلادها.
    لقد كان لبريطانيا نظرية كهذه كما كان لألمانيا وبلجيكا نظريات متشابهة, وبالطبع, في مجرى اختراع نظريات المصير هذه, فإن الولايات المتحدة أيضا ظهرت على الساحة بنظرية مشابهة. وكل هذه النظريات أو الأفكار تعلي من شأن ممارسة المنافسة والصراع, والذي هو في الأساس, وكما رآه كونراد بوضوح, صراع على السلطة والغزو وتكديس الثروات وإعلاء قيمة الذات بلا حدود.
    ولعلني لا أكون متجاوزا إذا ما قلت أن الكثير من الحديث الدائر اليوم عن الهوية الذي يضع جماعة إثنية أو دينية أو قومية أو ثقافية في القلب من العالم, إنما هو مستمد من مقولات حقبة التنافس الاستعماري في نهاية القرن التاسع عشر.
    إن مثل هذه النظريات عادة ما يستتبعها إثارة فكرة "العوالم المتحاربة" التي تكمن بداهة في لب مقال هنتنجتون. وفكرة الحرب الدائرة بين عوالم مختلفة وردت بتجسيد مخيف في أقصوصة ه. ج. ويلز "حرب العوالم" التي كما نذكر قامت بتوسيع نطاق هذه الفكرة لتشمل عالمنا هذا وعالم آخر خارج كوكب الأرض.
    أما في مجالات الاقتصاد السياسي والجغرافيا والأنثروبولوجيا والتأريخ, فإن نظرية العوالم المتعددة المغلقة على ذاتها, حيث يكون لكل جنس وحضارة مصير خاص وسيكولوجية خاصة وعواطف خاصة....... وكل هذه الأفكار, وبلا استثناء تقريبا, تعتمد على إثارة النزاعات والصدامات بين العوالم المختلفة وتغض النظر تماما عن إمكانية التوافق أو التناغم بين الجماعات المختلفة.
    هذا ما نراه في أعمال كتلك التي كتبها جوستاف لوبون مثلا (العالم في ثورته), وأعمال أخرى أصبحت منسية الآن ككتاب ف. س. مارفن: "الأجناس الغريبة والعالم", 1920, وكتاب جورج هنري لين_فوكس تريفير "صراع الثقافة واتصال الأجناس", 1927.
    _ أما الأمر الثاني فهو, وكما يعترف هنتنجتون نفسه, أن "الأجناس الأقل" تردّ على العدوان الكولونيالي بمقاومة سيطرة الرجل الأبيض, وهي مقاومة تبدأ لحظة أن يطأ المستعمر أرضها كما رأينا في الجزائر وأفريقيا الشرقية والهند والعديد من الأماكن الأخرى. وقد أعقبت هذه المقاومة الأولية مقاومة منظمة في شكل حركات سياسية وثقافية تسعى من أجل الاستقلال والتحرّر من السيطرة الاستعمارية. ففي اللحظة نفسها من القرن التاسع عشر التي سادت فيها نظرية المهمة الحضارية وسط القوى الأوروبية والأمريكية لتبرير نهبها, ظهرت وسط الشعوب المستعمرة "الواقعة تحت الاستعمار" نظريات وأفكار الوحدة الأفريقية أو الوحدة الآسيوية أو الوحدة العربية كسبل للاستقلال وحق تقرير المصير.
    ففي الهند على سبيل المثال ظهر حزب المؤتمر في عام 1882, ومع نهاية القرن نجح هذا الحزب في إقناع الصفوة الهندية بأن التحرّر السياسي لن يتحقّق ألاّ بالاعتماد على اللغة الهندية والصناعة الهندية والتجارة الهندية. هذه أشياؤنا, وأشياؤنا وحدنا, لن ننجح في الوقوف على أقدامنا ما لم ندعم عالمنا الخاص في مواجهة عالمهم, كان هذا هو منطق الرعيل الأول من حزب المؤتمر الهندي. كما أننا نجد منطقا مشابها لهذا في اليابان خلال فترة الميجي. إنه المنطق نفسه الذي يكمن في اللب من العديد من حركات التحرّر الوطنية التي نجحت في الحصول على الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية, والتي استطاعت ليس فقط تقويض دعائم الإمبراطوريات الاستعمارية الكلاسيكية, وإنما أيضا إنجاز الاستقلال السياسي في العشرات من البلدان: الهند, واندونيسيا, وأغلب البلدان العربية, والهند الصينية, وكينيا. كل هذه البلدان وغيرها خرجت في أعقاب الحرب العلمية الثانية من اسر الاستعمار, بعضها بسبل سلمية, أو حتى بفعل تطورات داخلية (اليابان), وبعضها الآخر عبر حروب التحرّر الوطني التي خاضتها.
    وفي كل الأحوال, سواء في الإطار الكولونيالي أو في مرحلة ما بعد الكولونيالية, كانت هناك صيغ بلاغية عامة عن الخصوصية الثقافية أو الحضارية.
    وقد سارت هذه الصياغات في مسارين مختلفين: أحدهما طوباوي يتحدث عن التكامل والتناغم بين الشعوب, والآخر يتحدث عن خصوصية كل حضارة وتفردها وبالتالي حتمية الغيرة والحروب بين هذه الحضارات. واللغة التي سادت داخل منظمات الأمم المتحدة التي قامت في أعقاب الحرب العالمية الثانية مثال على المسار الأول, فقد شهد العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية محاولات عديدة لإقامة نوع من الحكومات العالمية, وهي فكرة تعتمد على مفهوم التعايش والتقليص الطوعي من حدود السيادة ليتحقق التناغم والتكامل بين الحضارات المختلفة.
    أما المثال على المسار الثاني فيتمثل في ممارسات الحرب الباردة, وحديثا في القول بأن الصدام بين الحضارات حتمي, إن لم يكن ضروريا, في عالم يتكون من أجزاء متنافرة.
    ووفقا لهذه المقولة فإن الثقافات والحضارات تشكيلات منفصلة بطبيعتها.
    وفي العالم الإسلامي ينتعش الآن العديد من الأفكار والحركات التي تقول بعدم إمكانية التوفيق بين الإسلام والغرب, كما تسود في أماكن متعددة من القارة الأوروبية والقارة الأفريقية والقارة الآسيوية حركات عديدة تدعو إلى استبعاد الآخر غير المرغوب فيه. نظام الأبارتهايد السابق في جنوب أفريقيا كان مثالا على هذا, كما أن العديد من دعاوى المركزية الأفريقية, أو الاعتماد الكلّي على الحضارة الغربية, الموجودة في كل من القارة الأفريقية أو الولايات المتحدة الأمريكية مثال أخر.
    والغرض من هذا الاستعراض القصير لتاريخ فكرة صدام الحضارات هو توضيح كيف أن هنتنجتون هو نفسه "نتاج هذا التاريخ" وكيف أن تربيته الفكرية تشكلت في إطار كتابات معينة تكرس هذا التاريخ.
    فاللغة التي يستخدمها في وصف هذا الصدام لغة تتخللها اعتبارات القوة والسلطة: إنها اللغة التي يستخدمها القوي لحماية ممتلكاته وتبرير ما يقوم به.
    وفي الوقت نفسه فإن أولئك الذين لا يمتلكون أسباب القوة يستخدمون اللغة نفسها في سعيهم لتحقيق المساواة والاستقلال, أو حتى التميز النسبي في مواجهة القوة المهيمنة على مصائرها. وهكذا فإن أية محاولة لبناء إطار مفاهيمي لفكرة "نحن في مواجهة الآخر" تنتهي في الواقع إلى القبول بالزعم القائل أن الاعتبار الأساسي اعتبار إبستمولوجي وطبيعي (حضارتنا معروفة ومقبولة بينما حضارتهم مختلفة وغريبة), بينما يثبت الواقع أن هذا الإطار الذي يفصلنا عنهم إنما هو إطار ذهني تحدّده أوضاع معينة وليس ثابتا بشكل أبدي. ففي داخل كل معسكر حضاري توجد النسخة الرسمية المعتمدة لهذه الثقافة والتي يروّجها أولئك الذين يعتبرون أنفسهم متحدثين رسميين باسمها ومنتجين للأفكار الخاصة بجوهر ما يميز جماعة ما عن أخرى. ولكن هذه الأفكار الماهوية تستلزم قدرا كبيرا من التقليص والاختزال والمبالغة وهكذا.
    وعلى المستوى المباشر فإن أي حديث عن ماهية "ثقافتنا" أو ما ينبغي أن تكون عليه هذه الماهية يتضمن وبالضرورة تعارضا في التعريفات.
    وهذا القول ينطبق على مقولات هنتنجتون الذي يقول ما يقول به في لحظة تاريخية معينة, حيث يحتدم في الولايات الأمريكية جدل شديد حول تعريف الحضارة الغربية.
    والمناقشات التي دارت على سبيل المثال في جامعتي ستانفورد وكولومبيا لم تكن مجرد مناقشات أكاديمية, بل كانت مناقشات شديدة الأهمية والاتصال بالواقع, لأن القضية هنا تتعلق بتعريف الغرب وبالتالي ماهية ما هو أمريكي.
    16/9/2006

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    350
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة كراع النمل عرض المشاركة
    في كل مجتمع عقلاء ومجانين ...
    العقلاء يسعون إلى تجنب صراع الحضارات ...
    والمجانين يستميتون باستعجال صراع الحضارات ...
    وأس المشكلة عندما يكون المجانين في الصف الأول ، تأملوا أين يقف هؤلاء المجانين :
    البابا الجديد ...
    جورج بوش ...
    رامسفيلد ...
    ديكشيني ...
    توني بلير ...
    جون هاورد ...
    .... مع الاعتذار لباقي المجانين الذين لم أذكر أسماءهم .
    الجدران.. دفاتر المجانين..
    وعلى جدران الوطن.. صورهم واسماؤهم.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    3
    بسمه تعالى
    السلام عليكم ورحمة الله
    اخي الكريم دمت معطاءا .........
    شكرا لك .....

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •