Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 42
  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jul 2002
    الردود
    8,690
    نشكرك على هذا الجمال الذي نقلته لنا

    جميل ليتك لا تقطعين عنا هذه العادة

    أخوك
    سلام

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533


    الفصل السادس

    جبران .. الحب الوحيد



    هل أحبت مي جبراناً ؟ وهل أحب جبران مياً ؟!

    هذا هو السؤال الذي طرحه الكثيرون وحاولوا العثور على إجابة له . ولم تكن الإجابة سهلة لأن علاقة مي وجبران علاقة فريدة في تاريخ الأدب العربي .. وكأنها إحدى أساطيره الغامضة !

    أسماه البعض بالحب السماوي الذي يحلق عالياً في فضاء الفكر والسمو والعفة .. ووصفه البعض بأنه محض "خيال" أو وهم جميل عاشه العاشقان عن بعد دون أن يرى أحدهما الآخر ولو لمرة واحدة في حياته !!

    ورغم كل ذلك فقد تركت هذه العلاقة الفريدة العجيبة تراثاً أدبياً رفيع المستوى تمثل في تلك الرسائل الرائعة المتبادلة بين مي .. وجبران .

    إنها ثروة أدبية حقيقية من نصوص كتبها أديبان توهج قلباهما بالحب .. واحترق بالغربة .. وتعذب بالحرمان .

    وفي هذه الرسائل إجابة عن الكثير من التساؤلات الحائرة عن مي الإنسانة .. المرأة .. الحبيبة التي ظلت لغزاً غامضاً أمام الكثيرين من معاصريها .. وكذلك من الأجيال التالية لجيلها.

    فقد سبقت مي عصرها بفكر متوثب وإبداع متوهج لكنها رغم ذلك ظلت _ حتى آخر يوم في عمرها _ امرأة شرقية محافظة حتى النخاع . فلم يستطع التحرر الفكري والثقافة المنفتحة على ثقافات العالم أن تنتزع ولو قليلاً من التزامها الأخلاقي أو الديني . ولم يمنحها نبوغها ترف أن تخرج على تقاليد وعادات الشرق . فقد كانت صارمة جداً مع نفسها .

    أما هذا الحبيب الذي صنعته من وهم وحرمان ورغبات مكبوتة .. أقصد الأديب والشاعر والفنان اللبناني جبران خليل جبران فكان مختلفاً كثيراً عنها من حيث التركيبة الفكرية والإنسانية . رغم توحد مشاعرهما وتقارب معاناتهما في الغربة والوحدة ورهافة الإحساس التي تميزت بها مي كما تميز بها جبران .

    جبران الذي عاش حياته حيث هاجر إلى الولايات المتحدة الامريكية . فتعود الحرية في كل شيء ومارس التعبير عن ذاته وإطلاق العنان لمشاعره دون تحفظ أو خوف . كان يريدها أن تحبه بنفس طريقته .. بلا تحفظات .. بلا تردد أو تعقل بل أن تعيش الحب بجنونه وتستجيب لنداء القلب والروح والجسد .

    وكان قد رأى ذلك كثيراً وعرفه في الحياة الغربية التي عاش داخلها معظم رحلة حياته .. وكانت له صديقات في غربته , وعاش قصص حب قبل أ، يقع في حب مي .. لكن الحب كما عرفه ومارسه لم يكن هو ذلك الحب الذي عاشه مع مي من خلال رسائل تحمل مشاعر إنسانية استثنائية في كل شيء حتى في عواطفها !

    ونما الحب في قلبيهما .. وتأجج ولم يكن هناك إلا الأوراق المتبادلة بينهما هي من مصر .. وهو من الولايات المتحدة الأمريكية .. طوفان من المشاعر المشتعلة بالحرمان .. المصطدمة دائماً بحائط المستحيل !

    اللقاء الأول بينهما كان لقاءً على الورق .. بدأته مي برسالة من قارئة وأديبة إلى أديب كبير . كانت قد انتهت من قراءة قصة جبران خليل جبران " مرتا البانية" فكتبت إليه خطاباً تعرفه بنفسها أولاً ثم تعلق على هذه الرواية فماذا قالت له مي في هذا الخطاب :

    أمضي مي بالعربية وهو اختصار اسمي , ويتكون من الحرفين الأول و الأخير من اسمي الحقيقي الذي هو : ماري . وأمضي " إيزيس كوبيا" بالفرنجية , غير أن لا هذا اسمي ولا ذاك , إني وحيدة والدي وإن تعددت ألقابي.

    حدثته في هذا الخطاب الأول الذي أرسلته له في عام 1912 عن ديوانها الشعري الأول " أزاهير حلم" الذي كتبته بالفرنسية وكلمته عن حياتها في مصر التي استقرت فيها مع والديها وعن مقالاتها في الجرائد والمجلات العربية.

    وتلقى جبران رسالة مي الأولى بفرح , وكتب إليها مشجعاً استمرار المراسلة بينهما , فأهداها روايته الجديدة " الأجنحة المتكسرة ".

    لم تصدق مي نفسها وهي ترى مظروفاً مكتوباً عليه اسم " جبران خليل جبران " .. وتفتحه لتجد خطاباً منه بخط يده ونسخة من روايته موقعة على إهداء رقيق من الأديب الكبير إليها . طارت من الفرحة وجلست مع روايته .. بل غرقت بين سطورها تحاول أن تدخل في أعماق الحرف وثنايا الكلمة.. ربما وجدته وأمسكت بهذه الروح البعيدة التي تشعر بها قريبة جداً إلى قلبها وعقلها معاً .

    انتهت الرواية , ولكن روايتها هي مع هذا الغريب القريب بدأت بخطاب منها تكتب فيه رأيها في الرواية بصراحة وتتوقف عند نقاط الاختلاف الرئيسية بينها وبين جبران " إننا لا نتفق في موضوع الزواج يا جبران , أنا احترم أفكارك , وأجلّ مبادئك لأنني أعرفك صادقاً في تعزيزها , مخلصاً في الدفاع عنها , وكلها ترمي إلى مقاصد شريفة, وأشاركك في المبدأ الأساسي القائل بحرية المرأة , فالمرأة يجب أن تكون كالرجل مطلقة الحرية بانتخاب زوجها من بين الشباب .. لا مكيفة حياتها في الغالب الذي اختاره لها الجيران والمعارف , حتى إذا ما انتخبت شريكاً لها تقيدت بواجبات تلك الشركة .. أنت تسمي هذه " سلاسل ثقيلة حبكتها الأجيال" وأنا أقول إنها سلاسل ثقيلة , نعم , ولكن حبكتها الطبيعة التي جعلت المرأة ما هي , فإن توصل الفكر إلى كسر قيود الاصطلاح والتقاليد فلن يتوصل إلى كسر قيود الطبيعة لأن أحكامها فوق كل شيء .. عند الزواج تعد المرأة بالأمانة , فعندما تجتمع سراً برجل آخر تعد مذنبة إزاء المجتمع والواجب والعائلة .

    يقف هذا الخلاف الفكري حاجزاً بينهما .. ورغم ذلك تظل الأديبة الفريدة بثقافاتها المتعددة وموهبتها الأصيلة ورؤيتها الناضجة بلونها المميز في الأسلوب .. ومذاق كتاباتها الخاص الذي يجمع بين تعبيرات الغرب ومفردات الشرق ووجدانياته. يظل هذا كله مركزاً للجذب الشديد بينهما . فهذا الذي بينهما ليس حباً بالمعنى البسيط للكلمة .. بل ان علاقتهما كانت علاقة مركبة .. يتداخل فيها القرب الوجداني مع المتعة الفكرية في الحوار المكتوب بينهما.. وتمتزج المشاعر النابضة في القلب بالإعجاب الصادر من العقل. إنها علاقة فريدة .. وبديعة .. ومعذبة بقدر روعتها !

    تتوقف مي عن الكتابة إلى جبران عامين كاملين بعد أ، تسلل إليها الخوف من أن يتعلق به قلبها وتتحول الصداقة الفكرية إلى حب معذب ثم تعاود المراسلة وتحكي عما أصابها في رحلتها إلى لبنان في الصيف حيث كسرت يداها أثناء ركوبها الخيل هناك.

    ويرد عليها جبران معاتباً : " حضرة الأديبة الفاضلة .. لقد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت دون خطاب منك , لكنه لم يخطر على بالي كونك شريرة .. لنعد إلى متابعة الحديث الذي بدأناه منذ عامين كيف أنت ؟ وكيف حالك ؟ هل أنت بصحة وعافية ( كما يقول سكان لبنان؟).

    ويجيبها جبران عن أسئلة كثيرة جاءت في خطابها إليه فيقول لها :

    صحتي أشبه بحديث السكران , وقد صرفت الصيف والخريف متنقلاً في أعالي الجبال وشواطئ البحر , ثم عدت إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم لمتابعة الأعمال , ومصارعة الأحلام ( تلك الأحلام الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي إلى أعماق الوادي ).

    وتقوم الحرب العالمية الأولى فتتوقف المراسلة بين مي وجبران من 1914 حتى 1919 .. ثم تبدأ مي في إرسال مقلات نشرت لها في جريدة المقتطف .. ويرد جبران عليها في خطاب أرسله مع بداية عام 1919 يقول فيه :

    وجدت في مقالاتك سرباً من تلك الميول والمنازع التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت أحلامي . إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة إطلاعك , وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب .. وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية , ولكن لي سؤال أستأذنك بطرحه : ألا يجيء يوم يا ترى تنصرف فيه مواهبك السامية عن البحث في ماضي الأيام إلى أسرار نفسك واختباراتها الخاصة؟ أليس الإبداع أبقى من البحث في المبدعين .. أنا كواحد من المعجبين بك أفضل أن أقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون, فإنك تدلينني على شيء عمومي عقلي .. إني أشعر بأن الفن , والفن إظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح , هو أحرى وأخلق بمواهبك النادرة في البحث ".

    ويدفعها جبران إلى الكتابة الإبداعية التي يراها أبقى وأهم من الكتابة عن الفنون وعن المبدعين فيقول لها " ليس ما تقدم سوى شكل من أشكال الاستعطاف باسم الفن , فأنا أستعطفك لأنني أريد أن استميلك إلى تلك الحقول السحرية , حيث أخواتك اللواتي بنين سلماً من الذهب والعاج بين الأرض والسماء . أرجو أن تثقي بإعجابي وأن تتفضلي بقبول احترامي الفائق والله يحفظك المخلص جبران خليل جبران ".

    ويصدر جبران خليل جبران كتابه الجديد " المجنون" .. وكالعادة تكون نسخة مي الموقعة بإهدائه واسمه على رأس قائمة النسخ المهداة . وفور وصوله إليها .. تقرأه ليس بعينيها وفكرها .. بل بكل نبضة في كيانها .. فكتاب جبران هو الجزء الوحيد المادي الذي يجسد هذا الإنسان الهلامي بالنسبة لها .. تقرأه بكل تركيز وغوص .. وترد في خطاب إلى جبران على ما جاء في هذا الكتاب :

    لك أجد في كتابك ملاذاً سماوياً بل أثار في الرهبة والخوف أهذه هي كهوف روحك ؟

    فيرد جبران عليها في خطاب : ماذا أقول عن كهوف روحي ؟ تلك الكهوف التي تخيفك , إني التجئ إليها عندما أتعب من سبل الناس الواسعة وحقولهم المزهرة وغاياتهم المتعرشة , إني أدخل كهوف روحي عندما لا أجد مكاناً آخر أسند إليه رأسي , ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعة لدخول تلك الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع على ركبتيه وهو يصلي .

    وتعود " مي " إلى التوقف والتراجع عن الاستمرار في هذه العلاقة التي أصبحت تسيطر على وجدانها .. وتؤثر الإنسحاب من هذا الحب المستحيل .. تتوقف عن المراسلة لمدة ثلاثة أشهر حتى يصلها كتاب جبران " المواكب" مع رسالته التي تحمل سطوراً قليلة في 10 مايو 1919 يقول فيها : " والعمل كما تجدينه حلم لم يزل نصفه ضباباً والنصف الآخر يكاد يكون جسماً محسوساً , فإن استحسنت فيه شيئاً تحول إلى الحقيقة , وإن لم تستحسني عاد إلى مثل ما كان عليه.

    وتكتب إليه معجبة بأشعاره في المواكب : " رائعة قصائدك في " المواكب" سأستظهر أبياتها ذات الصور الآخاذة . أنتم أهل الفن تبرزون البدائع بقوى أثيرية احتفظتكم عليها ملوك الجوزاء , فنأتي نحن الجمهور وليس لدينا ما نتفهمها بها سوى العجز ".

    ويسافر جبران في أجازة طويلة .. ثم يعود ليجد ثلاث رسائل من مي في انتظاره فتحضنها عيناه من الفرحة .. ويغمره الحنين برؤية حروفها وكلماتها وخطها الدقيق المرسوم.. فيقرأها مرات ومرات .. يتنفس في رائحة الأرواق رائحة مي وأنفاسها العذبة.. ويجلس منفرداً ويكتب لها أجمل خطاب .. تنطق كل كلمة فيه بمعنى الحب والحرمان والافتقاد .. وتتدفق مشاعر الكاتب الفنان صادقة .. صارخة .. متوسلة بقاء الحبيب .. وعدم القطيعة أو البعاد .

    10 / 7 / 1919 .. رسالة جبران إلى مي :


    رجعت اليوم من سفري فوجدت رسائلك الثلاث بل هذه الثروة الجليلة قد وصلت , فانصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري مصغياً إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة والتعنيف , لأنني وجدت في رسالتك بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم لتألمت منها , ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالنجوم ؟ وكيف أحول عيني عن شجرة زهرة إلى ظل من أغصانها ؟

    إن حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام لا ولن يتحول إلى عتاب أو مناظرة , فأنا أقبل بكل ما تقولينه لاعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا ألا ضيف متراً واحداً إلى هذه المسافة الشاسعة بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش إلى الخالد , يكفينا يا صديقتي ما في هذه الأيام وهذه الليالي من الأوجاع والتشويش والمتاعب والمصاعب , وعندي أ، فكرة تستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لا تزعجها كلمة جاءت في كتاب أو ملاحظة أتت في رسالة .

    "ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها , فهي مثل نهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنحاً في وادي أحلامي, بل هي كالأوتار ..".

    كلمات في رسالة جبران يطغى عليها الفرح لعودة المراسلات بينه وبين " مي" بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى .. يرسل إليها خطابه ومعه كتاب " المجنون" فترسل مي خطاباً عنيفاً تنتقد فيه كأديبة وناقدة إسلوب جبران الذي جاء على لسان بطل روايته .. وتنهي خطابها بجملة شديدة العنف " أهذا هو المجنون .. هو أنت المجنون ..".

    ولا يغضب جبران من عنف مي في رسالتها .. فهو يفهم جيداً أن ما كتبته جاء من الأديبة وليس من الحبيبة الساذجة التي تمتدح الإنسان الذي تحبه بمناسبة وبدون مناسبة . فمي الأديبة والناقدة تحب بشكل مختلف .. وتحاور هذا الحبيب الأديب بلغة الفكر المشتركة بينهما وهي على ثقة إنه سيفهمها ولن يغضبه نقدها مهما كان قاسياً .. فهو يعلم جيداً أن تلك القسوة هي التعبير عن منتهى حبها له وحرصها على أن تخرج أعماله الإبداعية في أكمل صورة .

    ويجيب جبران مبرراً : " المجنون ليس أنا بكليتي , واللذة التي أردت بيانها بلسان شخصية ابتدعتها ليست كل ما لدي من الأفكار والمنازع , واللهجة التي وجدتها مناسبة لميول ذلك المجنون ليست باللهجة التي اتخدها عندما أجلس لمحادثة صديق أحبه وأحترمه . وإذا كان لا بد من الوصول إلى حقيقتي بواسطة ما كتبته فما عسى يخدمك عن اتخاذ فتى الغاب في كتابه " المواكب" لهذه الغاية بدلاً من " المجنون؟".

    ويعيش الأديبان العاشقان مشاعر فرحة عودة الحبيب إلى الحبيب بعد فترة انقطاع طويلة سببتها الحرب العالمية الأولى وقطع سبل المواصلات بين مصر والعالم وكانت رسائل جبران في تلك الفترة من أروع الآثار الأدبية في أدب الرسائل .. فكتب يقول :

    لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خري وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها مركباً إثر مركب . تلك الاشباح التي ما ثار البركان في أوربا حتى أنزوت محتجة بالسكوت , وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله !

    هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي , هنالك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا , قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس .

    فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم إتخذت بلادي بلاداً لها وقومي قوماً لها , هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كلما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إليّ , وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة.

    وتعود مي إلى التوقف عن المراسلة لفترة خوفاً من أن تغوص أكثر في أعماق تلك المشاعر المستحيلة .. وعندما تفتقد تلك الشحنات القادمة عبر المحيط .. رسائل جبران .. يتحرك داخلها الحنين إلى أوراقه وسطوره وكلماته الرائعة .. فتكتب له لتحاول استعادة هذه العلاقة الفكرية والأدبية بينها وبين جبران .. وأن تجمد الجانب الآخر .. الجانب الذي كانت تراه معذباً ومستحيلاً بالنسبة لتركيبتها الخاصة .. وظروفها العائلية كوحيدة والديها .. وخاصة ان ارتباطها بوالديها كان قوياً وعميقاً .

    وتقول مي لجبران في خطاب كتبته لتوضح فيه كل ذلك .. وتحاول استبقائه في حياتها على الأقل في خانة : الصديق العزيز . تقول مي :

    لما كنت أجلس للكتابة أنسى من وأين أنت , وكثيراً ما أنسى حتى أن هناك شخصاً , ان هناك رجلاً أخاطبه فأكلمك كما أكلم نفسي وأحياناً كانك رفيقة لي في المدرسة . أنما كانت تطفو تلك الحالة المعنوية عاطفة احترام خاص لا توجد عادة بين رجل وفتاة . أتكون المسافة وعدم التعاون الشخصي والبحار المنبسطة بيننا هي التي كانت تلبس حقيقة ذلك التراسل ثوب الخيال ؟ قد يكون .

    غير أن مكانتك في اعتباري وتقديري كانت مصدر هذه الثقة التي ظهرت منذ نشأتها كأنها فطرية بديهية لم تنتظر الوقت لتقوى ولا التجربة لتثبت ؟ فوصلت الرسالة التي سبقت " النشيد الغنائي ". وكنت في الاسكندرية إزاء البحر الذي يجلب التأمل وينمي حب الاختلاء . ولم أشأ أن أجعل لمعنى النشيد أهمية خطيرة فكتبت أقول : أنا أردت أن تحصر مراسلاتنا في مواضيع فكرية . فقلت لك صريحاً أنني ألتمس في رسائلك الفائدة التي أطلبها في كل مكان ...

    وتبرر مي موقفها لجبران فتقول :

    أنت قيدتني ( مذنبة) في دفترك , وقمت تشكو لأني كلما " حدقت في شيء أخفيه وراء القناع , وكلما مددت يداً أثقبها بمسمار ".نعم فعلت ذلك متعمدة . تعمدت قطع تلك الأسلاك الخفية التي تغزلها يد الغيب وتمدها بين فكرة وفكرة وروح وروح وصرت أحرف المعاني وأمسخ الأسئلة وأضحك عند الكلمات التي تملأ العينين دموعاً . وهل كان لدي وسيلة أخرى لأحولك عن هذا الموضوع وأذكرك إني وحيدة أبواي ؟

    قد لا يكون في العائلة الغربية إلا ولد فيقذفون به من إنكلترا إلى الهند , أو فتاة واحدة فترحل من فرنسا إلى الصين بلا جلبة ولا ضوضاء . ولكن أين نحن من هؤلاء , ونحن شرقيون .

    تعمدت ذلك خصوصاً لأوفر على نفسي عذاباً هي في غنى عنه ولأتحايد كل كلمة تقربني من ذلك الموضوع الذي ملأ روحي شوكاً وعلقماً في هذه السنوات الماضية . ففهمت ما أريد وإنما في غير معناه الحقيقي , وفهمته على وجه لم أقصده . ثم سطت عليك الكبرياء . كبرياء الرجل , فنسيت أن السكوت لا يحسن بيننا على هذه الصورة نحن اللذين تكاتبنا أبداً كصديقين مفكرين . نسيت أن الموضوع الآخر جاء عرضاً . وما دام إنه لم يكن الأصل فقد كان له أن يتلاشى دون أن يؤثر في علاقاتنا الأدبية الفكرية .أما صدق القائلون إن صداقة الرجل والمرأة رابع المستحيلات . آلمني سكوتك من هذا القبيل , وأرهف انتباهي , فاعلمني انك لم تشاركني إرتياحي إلى تلك الصداقة الفكرية لأنك لو كنت سعيداً بها مثلي , لما كنت رميت إلى أبعد منها .علمت إنني كنت وحدي حيث كنت أظننا اثنين .. وقدرتك أنك لم تحسب تلك سوى مقدمة وأنا كنت أقدرها لذاتها . وصار معنى سكوتك عندي " أما ذاك وأما لا شيء .. وأنت أدرى بأثر هذا في نفسي ".

    ويتوقف جبران عن مراسلة مي .. ثم ينشغل في كتابه الجديد .. فينتاب مي القلق والخوف .. وتبدأ في لوم نفسها .. لقد كنت عنيفة مع جبران أكثر مما يجب ! لماذا أنبته كل هذا التأنيب .. وماذا فعل معي حتى يستحق كل هذا ؟! أنا المخطئة ولا بد أن أكتب إليه .. وأطلب منه العفو والغفران عما بدر مني في تلك الرسالة الشديدة اللهجة .

    وعندما وصلت رسالة " مي" إلى جبران ابتسم.. وأمسك بالقلم على الفور ليرد على رسالتها :

    لقد ابتسمت كثيراً منذ هذا الصباح . وها أنا أبتسم في أعماقي , وابتسم بكليتي , وابتسم طويلاً , وابتسم كأني لم أخلق إلا للابتسام .. أما العفو فلفظة هائلة أوقعتني متهيباً خجولاً . إن الروح النبيلة التي تتواضع إلى هذا الحد لهي أقرب إلى الملائكة من البشر ..

    أما المسيء وحدي , وقد اسأت في سكوتي وفي قنوطي .. لذلك استعطفك أن تغفري لي ما فرط مني وأن تسامحيني .

    ****

    To be or not to be
    That is the question


  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    المتمردة

    صدقتِ عزيزتي
    وأنا لم أنقل هذا الكتاب سوى لمتمردات الساخر العزيزات
    شكراً لك ولكلماتك الجميلة





    غاوي مشاكل

    شكراً لك ولحضورك الأروع
    أرجو لك وقتاً طيباً في القراءة




    سلام

    أشكرك على حضورك الجميل
    وأتمنى أن يعجبك الكتاب

    أهلاً بك
    أختك أوفيليا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    الردود
    12
    بسم الله الرحمان الرحيم
    أ ستأ ذن يا أوفيليا في إ بداء إ عجابي بهذ ا السرد الرائع...
    وهل يوجد في الكتاب مقتطفات من أوراق الورد ورسائل الأ حزان لمصطفى صادق الرافعي ..؟
    أتمنى لو تمكنت من عرض بعض منها ..فقد كنا نسمع أنها من أنبل وأجمل ما كتب في الحب..

    تحياتي لك

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    بعد هذا دخلت علاقة مي وجبران مرحلة أكثر انفتاحاً من ناحية مي . بدأت تعبر عن مشاعرها بحرية وتفك قليلاً من القيود القاسية التي كانت تضعها في يدها وهي تمسك بالقلم وتكتب إلى جبران .. وظهرت التلميحات الصريحة بالحب في هذه المرحلة ويبدو ذلك في بعض رسائلها إليه .. ورسائله إليها .. وهذه بعض منها :

    رسالة من " مي" إلى جبران في نهاية عام 1923 تقول فيها :

    " .. وبعد , ماذا أنت فاعل هذا المساء .. وأين تقضي سهرتك . أطلب إليك أن تشركني الليلة في كل عمل تعمله وأن تصحبني أنى ذهبت .

    فإذا اعتليت السطوح لترسل النظر في العوالم التائهة في الانهاية فخذني معك إلى قلب الله وإذا مضيت إلى ناد أو سهرة أو اجتماع أو مسرح فخذني معك إلى قلب البشرية . وإذا بقيت مع نفسك عاكفاً على أفكارك وخواطرك خذني معك إلى وطني .."

    وفي رسالة أخرى تصرح مي .. لجبران بحبها أخيراً .. مباشرة وبلا تلميحات .. فتكتب له :

    ما معنى هذا الذي أكتبه؟؟ إني لا أعرف ماذا أعني به. ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. إني أنتظر من الحب كثيراً فأخاف أن لا يأتيني بكل ما أنتظر .أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير.ولكن القليل في الحب لا يرضيني . الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير.
    كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا وكيف أفرط فيه! لا أدري. الحمد لله أنني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به. لأنك لو كنت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلاّ بعد أن تنسى.

    حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحياناً لأني بها حرة كل هذه الحرية . أتذكر قول القدماء من الشرقيين : أنه خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب ؟ ها قد صح عليَّ ارتيابهم وصدق فيَّ سوء ظنهم .. لا تقل إن القديس توما يظهر هنا . وليس ما أبدي هنا أثر الوراثة فحسب , بل هو شيء أبعد من الوراثة . ما هو؟

    قل لي أنت ما هو هذا؟ وقل لي ماإذا كنت على ضلال أو على هدى . فإني اثق بك وأصدق بالبداهة كل ما تقول . وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة , فإن قلبي يسير إليك وخير ما في يظل حائماً حواليك يحرسك ويحنو عليك .

    غابت الشمس وراء الأفق . ومن خلال السحب العجيبة والأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة . نجمة واحدة هي الزهرة , إلهة الحب . أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويشوقون ؟ ربما وجد فيها من هي مثلي , لها واحد جبران , حلو بعيد بعيد , هو القريب القريب. تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء , وتعلم أن الظلام يخلف الشفق, وأن النور يتبع الظلام , وأن الليل سيخلف النهار , والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة , قبل أن ترى الذي تحبه , فتتسرب إليها كل وحشة الليل فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد : جبران !.

    بعد هذا التصريح بالحب بدأت الخطابات تعكس الانعتاق من أسر الخوف عند مي .. ففي أحد خطاباتها إليه في عام 1925 تحكي له كيف أقنعها مصفف الشعر بأن تقص شعرها القصة الجديدة في ذلك الوقت " ألاجرسون " . فكتبت تقول :

    لقد قصصت شعري . وعندما ترى من صديقاتك بعد هذا اليوم يا جبران من هن في هذا الزي يمكنك أن تذكرني وأن تقول لهن في سرك إنك تعرف من تشبههن . كنت راغبة في التخلص من هذه الذوائب التي يقولون أن لطولها يداً في قصر عقل المرأة , وهو محض افتراء طبعاً . ولكن عندما رأيت شعري بحلكته وتموجه الجميل وعقاربه الجريئة مطروحاً أمامي تداعبه يد المزين شعرت بأسف على هذه الخسارة , غير أن المزين طيب خاطري بعبارات تكسرت فيها الكلمات الالمانية والايطالية , وهو روماني على ما يقول , فهل كان في وسعي أن أضحك ؟ فمضى يصف لي جمال الشعر القصير ومنافعه ومميزاته لا سيما وأنه , على ما زعم المزين القناع , يليق لي كثيراً .

    وسألته إلى كم امرأة يقول كل هذه الكلمات , فأجاب إنني فيلسوفة وأين تلك الفلسفة والفتاة المذكورة تحدث بهذا الحديث عن شعر قاتم هو شعر البداوة والسمرة تحدث فناناً شاعراً شغف بشعر الحضارة والشقرة . فهو لا يروقه إلا الشعر الذهبي . ولا يحتمل في هذا الوجود إلا الرؤوس ذات الشعر الذهبي .

    وهي رسالة تظهر فيها مشاعر المرأة الحريصة على أن تتجمل وتتزين من أجل الرجل الذي تحبه .. كما تلمس مي بأسلوبها الساخر جبران وكلماتها الموحية بالغيرة الأنثوية المحببة من بنات امريكا ذوات الشعر الذهبي (!).

    ويكتب لها جبران :

    "يا ماري...كنت في السادس من هذا الشهر( من أول عام 1925 ) أفكر فيك كل دقيقة بل كل لحظة، وكنت أترجم كل ما يقوله لي القوم إلى لغة ماري وجبران , وتلك لغة لا يفهمها من سكان هذا العالم سوى ماري وجبران ... وأنت تعلمين طبعاً أن كل يوم من أيام السنة هو يوم مولد كل واحد منا."

    وفي خطاب آخر يكتب جبران " لمي" :

    أفكر فيك يا مي كل يوم وكل ليلة , أفكر فيك دائماً وفي كل فكر شيء من اللذة , وشيء من الألم , والغريب أنني ما فكرت فيك يا "مريم" إلا وقلت في سري : تعالي واسكبي جميع همومك هنا , هنا على صدري .

    وفي بعض الأحيان أناديك بأسماء لا يعرف معناها غير الآباء المحبين والأمهات الحنونات , هأنذا أضع قبلة في راحة يمينك , وقبلة ثانية في راحة شمالك طالباً من الله أن يحرسك ويباركك , ويملأ قلبك بأنواره , وان يبقيك أحب الناس إلي .

    وفي خطاب آخر إليها يكتب جبران :

    أنت ابنة صغيرة في السابعة تضحك في نور الشمس , وتركض وراء الفراشة وتجني الأزهار , وتقفز فوق السواقي , وليس في الحياة شيء ألذ وأطيب من الركض خلف الصغيرة الحلوة والقبض عليها , ثم حملها على منكبي ثم على كتفي ثم الرجوع بها إلى البيت لأقص عليها الحكايات العجيبة الغريبة , حتى تكتحل أجفانها بالنعاس وتنام نوماً هادئاً سماوياً .

    ويكتب جبران إلى مي :

    ما قرأت لك قطعة إلا وشعرت بنمو وتمدد في قلبي , وما قرأتها ثانية إلا وتحولت عمومياتها إلى شيء شخصي , فأرى ما لم يره سواي وأقرأ بين السطور سطوراً لم تكتب إلا لي , أنت يا مي كنز من كنوز الدنيا وأكثر من ذلك .

    ما اجتمعنا بين سواد الحبر وبياض الورق إلا رأيتك , ورأيتني أرغب الناس في الخصام والمبارزة العقلية بالقياسات المحدودة والنتائج المحدودة .

    ويكتب لها في رسالة مليئة بالشوق إليها والفرح بوصول رسالتها إليه بعد طول انتظار :

    حلت رسالتك ألف عقدة في حبل روحي , حولت الانتظار وهو صحراء إلى حدائق وبساتين . لذلك أسير اليوم بجانب خيال أجمل وأظهر لبصيرتي من حقيقة الناس كافة , أسير وفي يدي يد حريرية الملابس , ولكنها قوية وذات إرادة خاصة , ولينة الأصابع لكنها تستطيع رفع الأثقال وتكسير القيود .

    وتتوقف رسائل " جبران" كثيراً لأول مرة منذ سنوات وينتاب القلق مي فتكتب إليه معبرة عن هذا الافتقاد الشديد إليه . فتقول :

    صديقي يا جبران , لقد توزع في هذا المساء بريد أوروبا وأمريكا , وهو الثاني من نوعه في هذا الأسبوع , وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك . نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل , ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل .

    لا أريد أن تكتب إليَّ إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا , ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على صناديق يفرغ فيها جعبته ! أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل , حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح , فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه .

    ولتحمل إليك, رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا , وتؤاسيك إن كنت في حاجة إلى المؤاساة, ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا .

    وتسافر مي إلى روما تحاول أن تنسى أوجاعها .. لكنها لا تجد السكينة ولا السلوى فتكتب مقالة عن ينابيع روما تقول فيها :

    كم طلب عطشي الارتواء من المثول لديك يا عيون روما وكم سألت خريرك أن ينسيني نفسي الجريحة !

    نسيت نفسي , يا للرغد ويا للهناء ! لكني أعود فأذكرها ويشتد عطشي الملهب العميق , لحظة ليس غير ! رجعت بعدها إلى حالي فما ارتويت بقطرة إلا كانت لهيباً في الأوام الذي لا يرتوي , وما فزت بفهم جديد إلا كانت الخاطرة المستحدثة وقوداً لعذاب فكري , وما نعمت بنفحة عطف إلى كانت زكوة لعاطفة الحنان التي لا تشبع فيّ , ولا تكتفي !

    وتصل رسالة أخيراً من جبران .. يخبرها فيه أنه كان مريضاً .. وهو لا يحب الشكوى , ولا يريد أن يقلقها عليه .. فيقول في خطابه :

    أنا أستصعب جداً الشكوى من علة تلم بي فإذا مرضت رغبت في أمر واحد وهو الاختفاء عن عيون الناس حتى عن عيون الذين أحبهم ويحبونني , وفي شرعي أن أحسن دواء للداء هو الانفراد التام .

    وقد وجدت في المرض لذة تختلف عن كل لذة نفسية , تختلف بتأثيرها عن كل لذة أخرى , بل وجدت نوعاً من الطمأنينة يكاد يحبب إليّ الاعتلال , إن المريض لفي مأمن من منازع وأغراض الناس والوعود , والمواعيد , والمخالطة والمنازعة والكلام الكثير , ورنين جرس التليفون .

    وزادت هذه الرسالة من قلق مي على " جبران" فقد شعرت من سطوره أنه يريد تطمينها عليه والتخفيف من حقيقة مرضه حتى لا يزعجها . ومع مرض جبران بدأت معالم النهاية المأساوية لحياة مي تتشكل .. مع توالي الأحداث الأليمة .

    ففي عام 1929 مات والدها .. وفقدت السند الحقيقي لها في الحياة .. واهتزت مي بشدة لهذا الحدث.. وشاركها جبران ولكن عن بعد كعادته ! فأرسل لها هذا الخطاب :

    عرفت اليوم أن والدك قد ذهب إلى ما وراء الأفق الذهبي , وأنه قد بلغ المحجة التي يقصدها الناس كلهم , فماذا يا ترى أقول لك ؟

    أنت يا ماري أبعد فكراً وسمعاً من تلك الألفاظ التي يقولها الناس معزين مواسين , ولكن في قلبي الرغبة والشوق إلى الوقوف أمامك وفي قلبي الحنين إلى ضم يدك صامتاً شاعراً بكل ما يغمر روحك الحلوة عن قدر ما يستطيع الغريب أن يشعر بما تشعرين . والله يباركك يا ماري , والله يحرسك كل يوم وكل ليلة . والله يحرسك لصديقك : جبران .

    كانت مي تقرأ خطابه بينما أعماق نفسها تريد أن تصرخ وتقول : لقد مات أبي يا جبران .. وأمي مريضة ولم يبق لي سواك سنداً في الحياة . إنني أحتاجك يا جبران .. فلماذا لا تأتي وتنقذني من هذا الجحيم ؟!

    وتبدأ نغمة الرحيل تعلو في كلمات جبران في خطاباته إلى مي .. فيكتب إليها :

    أتعلمين يا مي أني ما فكرت بالانصراف الذي يسميه الناس موتاً إلا وجدت في التفكير فيه لذة غريبة , وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل ؟.

    وكانت رسالته الأخيرة إليها قبل وفاته بأسيوعين واسماها " الشعلة الزرقاء " .. كتبها إليها في مارس 1931 وبها بعض من أبياته كتبها قبل الرحيل :

    شاخت الروح بجسمي وغدت *** لا ترى عني غير خيالات السنين

    فإذا الأميال في صدري *** فبعكاز اصطباري تستعين

    والتوت مني الأماني وانحنت *** قبل أن أبلغ حد الأربعين

    تلك حالي : فإذا قالت رحيل *** ما عسى حل به ؟ قولوا الجنون

    وإذا قالت أيشفى ويزول *** ما به ؟ قولوا ستشفيه المنون


    وبموت جبران أسدل الستار عن قصة حب غريبة وفريدة في التراث العربي . قصة لم نسمع مثلها .. ولم يتخيل إنسان أنها حقيقية حدثت بالفعل .. وعاشت لأكثر من تسعة عشر سنة كلها على الورق !! خطابات تحمل نبضات تختلج بالحب .. وتتأجج بالمشاعر المحرومة والآمال المحلقة . وكلمات تتوجع لوحدة أصحابها وتنطق بأحاسيس تصطدم دائماً بحاجز المستحيل .

    وبموت الحبيب الوحيد في حياة مي تفجرت جراحها كلها دفعة واحدة .. القديمة والحديثة .. وكان المشهد الأخير بالغ القسوة في حياة الأديبة .. النابغة مي !!
    To be or not to be
    That is the question


  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    seid1532

    أهلاً وسهلاً بك

    للأسف لا يوجد في الكتاب ما ذكرته
    حول علاقة مي بالرافعي يوجد فقط كلمات قليلة في الفصل الرابع من هذا الكتاب إن قرأته
    أعتقد أن الكاتبة لم تركز على الرافعي لأن الكتاب عن حياة مي نفسها وكما تشرح الكاتبة فمي لا تبادل الرافعي نفس المشاعر لذلك بقيت رسائله شيء متعلق به وحده .. وليست كرسائل جبران التي كان لها الأثر الأكبر في حياة مي .. أما ما ذكرته فهو عبارة عن كتب خاصة بالعقاد كما أشارت الكاتبة :

    وعن مي كتب الرافعي ثلاثة كتب من أروع ما كتب هي : " رسائل الأحزان " .. " أوراق الورد " .. و " السحاب الأحمر " .

    ورغم ذلك فقد أصبحت لدي رغبة بالحصول على شيء مما كتب الرافعي وإن تمكنت من ذلك فسأنقلها لكم على الفور بإذن الله ...

    وشكراً لمرورك
    To be or not to be
    That is the question


  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    شكرا لك على هذا النقل الذي أسعدني كثيؤا وان كنت لم استطع قراءة الفصيلين الأخيرين لانشغالي فقد حفظتهما لأعود لهما ان شاء الله .....
    أوراق الورد ورسائل الأحزان والسحاب ....مسؤليتي بعد اذنك ان شاء الله وابدأ بأوراق الورد ان اذنتم واسعفني وقتي

    دمتم بخير....


    مدونتي



  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    الفصل السابع

    ليالي العصفورية !



    الفصل الأخير في حياة مي كان حافلاً بالمواجع والمفاجآت ! بدأ بفقد الأحباب واحداً تلو الآخر .. والدها عام 1929 . جبران عام 1931 . ثم والدتها عام 1932 .

    وعاشت مي صقيع الوحدة .. وبرودة هذا الفراغ الهائل الذي تركه لها من كانوا السند الحقيقي لها في الدنيا . وحاولت مي أن تسكب أحزانها على أوراقها وبين كتبها .. فلم يشفها ذلك من آلام الفقد الرهيب لكل أحبابها دفعة واحدة .

    فسافرت في عام 1932 إلى انجلترا أملاً في أن تغيير المكان والجو الذي تعيش فيه ربما يخفف قليلاً من آلامها .. لكن حتى السفر لم يكن الدواء .. فقد عادت إلى مصر ثم سافرت مرة ثانية إلى إيطاليا لتتابع محاضرات في جامعة بروجية عن آثار اللغة الإيطالية .. ثم عادت إلى مصر .. وبعدها بقليل سافرت مرة أخرى إلى روما ثم عادت إلى مصر حيث استسلمت لأحزانها .. ورفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة .. وأنها في حاجة إلى من يقف جانبها ويسندها حتى تتماسك من جديد .

    وجلست مي المليئة بالشفافية وحسن النية بالبشر تكتب إلى ابن عمها الدكتور جوزيف في لبنان وتخبره بحالتها ..

    وقالت مي في خطابها للدكتور جوزيف :

    عزيزي جوزيف ...

    منذ مدة طويلة لم أعد أكتب . وكلما حاولت ذلك شعرت بشيء غريب يجمد حركة يدي ووثبة الفكر لدي .

    إني أتعذب شديد العذاب يا جوزيف , ولا أدري السبب , فأنا أكثر من مريضة , وينبغي خلق تعبير جديد لتفسير ما أحسه فيّ وحولي . أني لم أتألم أبداً في حياتي كما أتألم اليوم , ولم أقرأ في كتاب من الكتب أن في طاقة بشري أن يتحمل ما أتحمله . وددت لو علمت السبب على الأقل . ولكنني لم أسأل أحداً إلا وكان جوابه : لا شيء , إنه وهم شعري تمكن مني .

    لا , لا , لا , يا جوزيف . إن هناك أمراً يمزق أحشائي ويميتني في كل يوم , بل في كل دقيقة. لقد تراكمت عليّ المصائب في السنوات الأخيرة وانقضَّت عليَّ وحدتي الرهيبة – التي هي معنوية أكثر منها جسدية – فجعلتني أتساءل كيف يمكن عقلي أن يقاوم عذاباً كهذا . وكان عزائي الأوحد في محنتي هذه مكتبتي ووحدتي الشعرية , فكنت أعمل كالمحكومة بالأشغال الشاقة لعلي أنسى فراغ مسكني , أنسى غصة نفسي , بل أنسى كل ذاتي .

    إنه ليدهشني حقاً كيف أني استطعت أن أكتب هذه الرقيمة . ولعل الفضل في هذا يعود جزئياً إلى اللفائف التي أدخنها ليل نهار – أنا التي لا عهد لي بذلك – أدخلتها لتضعف قلبي , هذا القلب السليم المتين الذي لا يقاوم ...

    واسلم لابنة عمك
    ماري

    وتعطي مي – بكل أسف المفتاح لابن عمها ليفتح عليها نار جهنم بهذا الخطاب الذي كتبته في لحظة ضعف تستنجد بأقرب من بقي لها في الدنيا .. على قيد الحياة .

    يعرف الدكتور – ابن العم – بأن مي تنوي التبرع بمكتبتها النفيسة إلى الأمة المصرية بعد وفاتها عرفاناً منها بفضل مصر عليها .. كما أرادت أن تهدي النسخ المزدوجة من كل كتاب إلى الأمة اللبنانية .. وبدأت فعلاً تبحث عن المحامين لوضع هذه الوصية في سياق قانوني . فما كان من الأقارب الذين تحولوا في هذه الحالة إلى "عقارب" إلا أن أرسلوا إلى " مي" من يجمع المعلومات عنها .. وعن وضعها المالي وأملاكها في مصر !

    ثم جاءها ابن عمها من لبنان بعد وفاة زوجته التي كانت مريضة .. وطلب منها أن تصحبه إلى لبنان لتغير جو الكآبة الذي تعيش فيه .. ووعدها بأن الدفء والناس الذين يحبونها في لبنان سيعوضونها عن فقد الأحباب ومشاعر الوحدة التي تعيشها في مصر بعد الحياة المليئة التي كانت تعيشها كنجمة في سماء الأدب .

    وتحكي مي بنفسها ما حدث لأمين الريحاني أحد أصدقائها المقربين .. الذين وقفوا معها في هذه المحنة الكبرى في حياتها .. فتقول :

    كان ابن عمي يحيك لي الدسائس وينصب لي الفخ وهو يظهر بمظهر الصديق الوفي والأخ البار . يراسلني من حين إلى حين فأرد على رسائله بسرور . ولما سألته الحضور إلى مصر . رد عليّ بخطاب كله عطف واهتمام ووعدني بالحضور عند تحسن صحة زوجته . على أن زوجته توفيت بعد قليل ولم يطل حتى جاء مصر . أليساعدني ويخفف من مصيبتي ؟ هذا ما يزعمه . على أن الحقيقة هي أنه هرع ليستكشف أعمالي وماليتي ويقف على كل شيء في حياتي . وكان أنه خاطبني برقته المألوفة في تعيينه وكيلاً عني ليخدمني ويطمئن بالي .

    فأجبت بأن لا أملاك لي في مصر وأن أعمالي المالية منظمة تنظيماً لا يحوجني إلى مساعدة أحد . فألح وقال : فكري في هذا إكراماً لي . قلت : سأفعل وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى التفكير .

    وبعد هذا الكلام بيوم واحد جاءني مع رجلين من انسبائه كانا يلازمانه في بيتي وفي الخارج طول مدة إقامته بمصر يتبعهم باشكاتب محكمة عابدين ووكيله على ما قيل لي . وفتح الباشكاتب دفتراً كبيراً جداً وسحب الدكتور جوزيف من جيبه قلمه الحبر وقدمه لي طالباً أن أوقع في الدفتر . وأي تأثير سيطر علي في تلك الساعة ؟ كيف لم أعجب لمجيء الباشكاتب دون أن استدعيه وكيف لم أرفض التوقيع ؟ لست أدري .

    بحركة ميكانيكية تناولت القلم ورفعت نظري إلى الباشكاتب استفهم عن المكان من الدفتر الذي اكتب فيه اسمي . فنظر إلي نظرة طويلة كأنما هو عالم بما سيجره علي هذا التوقيع من المصائب . ثم أشار إلى مكانين اثنين فوقعت مكرراً , مي زيادة , وتحته ماري جبران . وأخذوا بعدئذ يعدون الحقائب للسفر وأنا أعلن بثبات إني لا أترك البيت ولا أغادر مصر .

    فقال الدكتور أن البيت يبقى على ما هو وكل شيء فيه في مكانه ريثما أعود من لبنان بعد شهرين. فإنما ما أحتاج إليه على قوله هو تغيير الهواء وتغيير المحيط .

    وفي لبنان لا أكون وحدي , بل يحيط بي أعضاء عائلتي الذين سينسيني حنانهم ومحبتهم إني وحيدة وإني حزينة . وأقسم الدكتور بأولاده وبشرفه أن يردني إلى مصر حتى بعد أسبوع واحد فيما لو صارحته برغبتي في ذلك .

    وتكمل مي من قصتها الباكية .. بعد سنوات المجد والشهرة .. فتقول :

    أخرجوني من بيتي قبل الساعة الرابعة بعد الظهر وأوصلوني إلى مكاني في القطار وغابوا عني فبقيت جالسة حتى عاد الدكتور والرجلان الآخران . وعندئذ قام القطار إذ نحن في منتصف الساعة السادسة . ومنذ الأسبوع الأول في بيروت ذكرت الدكتور بوعده وقلت إني أرغب في الرجوع إلى بيتي . فطيب خاطري .. وأبقاني عنده شهرين ونصف شهر على مضض مني وأنا أطالبه بالعودة . حتى استكمل برنامجه في أمري , فأرسلني إلى " العصفورية".

    كيف حدث هذا ؟ كيف وضعت الأديبة العربية النابغة في مستشفى الأمراض العقلية بلبنان .. وهي واحدة من أندر العقول العربية وأبدعها .. تعالوا نسمع من مي الحكاية !

    جاء الطبيب المعالج في " العصفورية" مستشفى الأمراض العقلية – تصحبه ممرضة - وكانت تلك في تاريخ العصفورية أول مرة خرج فيها طبيب إلى بيت مريض ليحمله إلى " المارستان" . وعندئذ حنان أقاربي ووفائهم وحرصهم على صحتي وكرامتي , كلها ظهرت في أجلى المظاهر إذ كتفني طبيب العصفورية بجاكت المجانين تساعده الممرضة ونفحني بإبرة مورفين بساقي وأنا أصيح من فرط الوجع وأستغيث .

    واه يا بيروت ؟ كيف احتملت أن أجتاز شوارعك في ذلك الموكب المشين الأليم ؟ كيف احتملت الدموع التي سكبتها في تلك السيارة وأنا بين ذلك الطبيب وتلك الممرضة أشعر بوحدة رهيبة في الدنيا وأرى القدر المروع المعد لي دون أن أدري لماذا ؟

    بحجة التغذية وباسم الحياة ألقاني أولئك الأقارب في دار المجانين أحتضر على مهل وأموت شيئاً فشيئاً . لست أدري إذا ما كان الموت السريع هيناً . أما الموت البطيء طيلة عشرة شهور وأسبوع من التغذية القهرية تارة من الفم بتقطيع لحمة الأسنان وطوراً من الأنف بواسطة التبريح ليصب ما يصب من الداخل نزولاً إلى الحلق فالصدر . فذلك موت لا أظن أن إنساناً يحتمل الإصغاء برباطة جأش إلى وصفه . ومع ذلك فكان أقاربي في زيارتهم النادرة يستمعون إليّ بسرور وأنا أصف نكالي وشقائي راجية منهم عبثاً أن يرحموني ويخرجوني من العصفورية .

    وأهملوني هنالك لا سلوى ولا تعزية . وكان الدكتور يزعم إني سأموت جوعاً إذا ما أخرجني من العصفورية إلا أنه اضطر إلى نقلي إلى مستشفى ربيز فوصلته شبحاً . فإذا بهم هنا يستعملون في تغذيتي القهرية الملقط الحديدي الخاص بالعمليات الجراحية مما لا تفلح معه مقاومة . نقلوني إلى هذا المستشفى أقيم أياماً ريثما يعد لي منزل أسكنه لأنه ليس معقولاً أن يقطن الإنسان بالمستشفى طول حياته ولأن قلبي يحترق على الإقامة في منزل لي كسائر الناس , على أن البيت المزعوم لم يعد لي في عشرة شهور . كما جاءوا بي أصطاف في لبنان شهرين وما زلت أصطاف في قلب الشتاء وبعد اثنين وعشرين شهراً .

    وجاء الفرج أخيراً بعد عامين من أقسى العذاب . جاء الفرج على يد الصحافة والصحفيين من أبناء مهنتها .. فقد كانت قضية إدخال مي زيادة مستشفى الأمراض العقلية " العصفورية" هي حديث الصحف والموضوع الذي يحتل مساحة كبيرة من اهتمام القراء في بيروت والقاهرة وأيضاً في بلاد المهجر . وشنت جريدة " المكشوف" حملة كبيرة حول هذا الموضوع .. وتابعت قصة مي خطوة بخطوة حتى استطاعت في عام 1938 أن تكشف المؤامرة ونشرت في الصفحة الأولى :

    وأخيراً استطاع " المكشوف" أن يلفت أنظار الأدباء ورجال القضاء إلى المؤامرة التي وقعت الأديبة مي في شباكها , بفضل حملة قام بها في هذا السبيل دامت أربعة أشهر .

    وقد لاقى "المكشوف " من أجل الكشف عن هذه الدسيسة ما تلاقيه كل صحيفة حرة من تهديد ووعيد . فقد اتصل أمر الدسيسة بالنيابة العامة عن طريق مكتب الاستاذين حبيب أبو شهلا وبهيج تقي الدين وكيلي الآنسة مي فأجرت تحقيقاً في الحجر على حرية الأديبة الكبيرة وأمرت بنقلها إلى المستشفى الأمريكي حيث تعيش في جو مشبع بالعطف , بعيد عن كل ضغط , وحيث زارتها لجنة من الأطباء لتقرير مصيرها . فكان تقريرهم في غير مصلحة المغرضين .

    وقد لفتت الضجة التي أثرناها حول مأساة مي الصحف اليومية الكبرى , فراحت تتحدث عن تطورها حديثاً مما سيكون له أثره الطيب في إنقاذ مي من محنتها ولو أنه جاء متأخراً .

    وفي مقدمة هذه الصحف الزميلتان " الحديث" و " صوت الأحرار" اللتان ننقل عنهما بعض ما نشرناه في هذا الصدد :

    حديث الكاتب الصحفي سعيد فريحة .. ونشر في جريدة " الحديث" ببيروت .. وهذا نصه .

    بدأت مي تتكلم بلغة فصحى ممزوجة باللهجة المصرية , وبطلاقة لسان مدهشة . وأوقع شيء في النفس كان صوتها العذب , وإخراجها الكلمات هادئة بنبرات موسيقية حزينة .

    قالت : أردتم أن أكلمكم بصراحة عن سبب كرهي لرجال القانون , نعم أنا أكرههم لأني لم أغادر مصر , ولم يؤت بي إلى لبنان , ولم أدخل إلى العصفورية , إلا بفضل القانون ورجال القانون , بل أنا صرت مجنونة قانوناً.

    وأما الأطباء هؤلاء الذين يؤتمنون على أرواح الناس , هؤلاء الذين ينحنون على أسرة السماء , هؤلاء الذين يقسمون اليمين على السير في طريق الشرف والكرامة والاستقامة , وعلى تخفيف محن الناس , وويلات الإنسانية , هؤلاء الأطباء أكرههم لأني صرت مجنونة طبياً ووقعت في شرك المؤامرة بفضل الطب والأطباء .

    بقي الصحافيون , وكرهي لهؤلاء أشد , يوم نشروا خبر جنوني , وأوجدوا عند الناس في الشرق وفي الغرب فكرة بل اعتقاداً بأن مي مجذوبة , ولو أن إساءتهم لي اقتصرت على ذلك لهان الأمر , ولكن هناك ما هو أمر وأفظع. أنا صحافية , وبنت صحافي , ولقد كان على الصحافيين في لبنان , إن لم يكن إكراماً لي بل إكراماً لوالدي , أن يبدوا شيئاً من الواجب نحو زميلهم , ابنة زميلهم , أن يسألوا عنها أو يقوموا بزيارتها عندما سمعوا بخبر عنها لمعرفة ما في هذا الخبر من الصحة .

    إنكم معشر الصحافيين تتحرون الحقيقة في كل مكان . إنكم تهتمون بالرجال وما يقولون النساء وما يلبسن , إنكم تبحثون أحياناً عن أتفه المواضيع وتخرجونها إلى قرائكم , أنتم يا زملائي وزملاء والدي لم يوجد أحد يسأل عن " مي" ويتحرى حقيقة جنونها , فلا يوجد واحد بينكم يفكر بزيارة هذه الأديبة الصحافية , النابغة التي تخنق الأطفال وتكسر الحديد !!

    وقد تقولون إن هذا الذي أشيع عني كان كحقيقة راهنة عندكم , فلم تشأوا زيارتي حتى لا تحزنوا على مصيري .. قد يكون ذلك صحيحاً . ولكن هذا الاعتقاد وتلك " الشفقة" لا ينبغي أن تضع حجاباً من الإهمال والنسيان بين الصحافيين والأدباء وبين زميلتهم " مي" .

    إن " مي " لا أهل لها . إن أبي وأمي وأهلي هم الصحافيون هم الأدباء , هم رجال القلم , أفما كان يجدر بكم أن تحيطوني ببعض العناية عسى أن تخففوا عني وطأة الجنون أنا التي أكسر الحديد , وأخنق الأطفال .

    أين رجال الأدب في لبنان ؟ أين رجال القانون ؟ أين الجمعيات النسائية ؟ أين نصيرات المرأة ؟ ألم يوجد بينهن واحدة تدافع عني أنا التي قضيت السنين الطوال أدافع عن حق المرأة , ووقفت قلمي على خدمة بنات جنسي , ورفع مستواهن ورد الظلم عنهن ؟

    أجل , أين هؤلاء وأولئك ؟ بل أين لبنان , لبنان الذي طويت ضلوعي على حبه , لبنان الذي تغنيت في الجرائد والكتب والمجلات ومن فوق المنابر , بجماله , بجباله , ببنيته , لبنان الذي ما حلت به محنة إلا انهمر الدمع من عيني , لبنان هذا لم يوجد فيه واحد يبكي على محنتي التي انطوت على محن كثيرة .

    تلك هي مكافأة لبنان لابنته مي : إهمال مفجع , وتغاض مخجل عن أحط مؤامرة جاءت بي من مصر , وألقتني مدة سبعة شهور في العصفورية أتفرج في النهار على مواكب النساء العاريات , أسمع ألفاظاً ما كنت أعلم بأنها موجودة وإن في البشر من يتلفظ بها , وأسمع في الليل عواء الذئاب وأصوات ابن آوى . أسمع وأرى كل هذا وليس هناك من يسمع صوتي , أو يرى محنتي فيبادر إلى إنقاذي .

    سبعة أشهر قضيتها في " العصفورية" في لبنان على هذه الحال , وفي تلك الغمرة من الألم واليأس والعذاب , دون أن يهتز عرق بالشفقة أو لسان بالسؤال .. ولهذا اسمحوا لي أن أقول بكل ألم , وبكل أسف وخجل أيضاً إني كنت أردد , وأنا على تلك الحال , في كل يوم وفي كل ساعة : لعنة الله على لبنان ..

    وهكذا بكت " مي" بكاء ممزوجاً بالألم والحقد ثم مدت يدها إلى تحت الوسادة فأخرجت منديلاً ومسحت به دموعها , وبعد أن سكنت آلامها قليلاً استأنفت الكلام فقالت :

    - نعم لقد كنت ألعن وطني , وعندما يلعن المرء من يحب يكون الألم واليأس قد يرحا به , ولكن هل يكفر لبنان عن إساءته إلى " مي" ؟ وهل يعيد إلى ضلوعها أقدس ما كانت تنطوي عليه وهو حبها للبنان ؟!

    أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي ودواتي وكتبي ودراساتي , وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المثل الأعلى , وهذه الحياة " الايدياليزم" التي حييتها جعلتني أجهل ما في هذا البشر من دسائس ومحاولات , أجل كنت أجهل الدسيسة , وتلك النعومة التي يطهر بها بعض (؟) الناس ويخبئون السم القتال , ولو كنت على معرفة بهذا النوع من أخلاق الناس لكنت قاومت الدسيسة بمثلها , وقاومت المحاولة بمحاولة , ولما كان قادني حسن ظني إلى الاستسلام , والاطمئنان , أو بالأصح إلى هذه المحنة التي لا يمكن أن يكون أن يكون التاريخ الإنساني طوى على أوجع وأفظع منها .

    ويكتب سامي الكيالي في مجلة " الحديث" صورة ناطقة لـ "مي" بعد خروجها من مستشفى " ربيز" لتقيم في منزل برأس بيروت حيث التف حولها بعض من صمد من الأصدقاء القدامى وقلة من أصدقاء كسبتهم في محنتها ومن هؤلاء الأصدقاء : أمين الريحاني والنحات ويوسف الحويك والسيد حسين إدريس والسيد الخوري والشيخ فؤاد حبيش والأميرتان سامية وزهراء الجزائري والدكتور منصور فهمي ولطفي حيدر وفليكس فارس وسامي الكيالي ..

    وكتب سامي الكيالي .. يقول :

    - ولولا هذا الشحوب البادي في وجهها , وهذا الشيب الذي دب في شعرها , وهذا الجرس الحزين الذي ينساب من ثنايا حديثها لما تغيرت عليّ صورة " مي" الشاعرة الأديبة الموسيقية .. وهي في صالونها الأدبي في مصر تستقبل زوارها من الساسة والعظماء والأدباء .

    لقد ضمت جلستنا هذه الأديب والمحامي والفنان والطبيب ودارت شتى المناقشات في أدق المسائل وأعمقها في الأدب والتاريخ , في الحياة والإنسان , وقد تباينت الآراء , فكانت " مي" -علم الله – هي التي تقرب بين وجهات النظر وتقول كلمتها الهادئة المتزنة بعد أن تأتي بالمثل تلو المثل , وبالفكرة تلو الفكرة , فمن قصة أدبية إلى ظاهرة اجتماعية , إلى رأي بهذا يناقض ذاك إلى أن تهدأ ثورة الجدل .

    نعم كانت في هذه الجلسة أشبه بالمعلمة الكبرى تهدي تلاميذها إلى مواطن الصواب بإسلوب أخاذ وآراء منسجمة وبيان غاية في الدقة والروعة .. صفاء ذهن وزكاوة نفس وحس عميق وإشراقة تفكير ودعابة ناعمة حيث تدعو الدعابة , وجد حيث يدعو الجد , هذه هي "مي" التي اختلف الناس في يقظة وعيها وصحة عقلها وانتهى أمرها إلى المحاكم !

    ولولا هذه الجلسة الممتعة لتركت بيروت وأنا أشد الناس إيماناً بجنون "مي" !
    To be or not to be
    That is the question


  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    نشيد الربيع


    سنكون في غاية السرور والامتنان لنقلك بعض ما كتبه الرافعي...
    بالنسبة لهذا الكتاب فقد بقي فصل واحد فيما يخص حياة مي .. بعد ذلك ربما أبدأ بشيء من كتاباتها أو رسائل جبران لها .. كما طلبت ...

    شكراً جزيلاً لك
    و دمت بخير
    To be or not to be
    That is the question


  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    الفصل الثامن

    المشهد الأخير في
    حياة "مي
    "


    ويجيء أصعب موقف في حياة مي !

    تقف في " ست هول" بالجامعة الأمريكية في بيروت لتلقي محاضرة أمام جمهور غفير من قرائها الذين جاءوا بدافع الفضول , يريدون معرفة الحقيقة بأنفسهم بعد كل ما قيل وكتب عن مأساة مي وجنونها .

    البعض جاء وهو على يقين من جنونها .. والبعض كان بين الشك واليقين .. والقليل جداً كان من المؤمنين بكذب هذه الدسيسة.

    أما هي .. فعليها أن تستجمع كل قدراتها على الإقناع والخطابة التي تميزت بها وطالما أبدعت .. كان عليها أن تقنع جمهور جاء مليئاً بالشك في جنونها .. بأنها ليست كذلك .. وأن تدفع عن نفسها كل الأقاويل الباطلة التي حاصرتها .

    وقفت "مي" بشجاعة ظاهرية وقلب كسير تتحدث في 22 مارس 1938 إلى جمهور كبير جاء ليستمع إليها .. ووسط هذا الجمع الغفير كان يجلس راعي النائب العام .. الذي جاء لهدف آخر تماماً .. فقد كان يصغي باهتمام , ويراقب كل ما يحدث استكمالاً لتحقيقاته في القضية المعروضة أمام المحكمة بالحجر على "مي" !

    ولم تكد مي تنتهي من محاضرتها التي سحرت الجمهور انبهاراً بقدراتها التحليلية , وثقافتها الطاغية , وملكاتها الناطقة في ربط الأفكار التي تطرحها بعضها ببعض ببساطة , ورؤيتها الحكيمة السابقة لعصرها . حتى ضجت القاعة بالتصفيق المتواصل الذي يفيض بالحماس والحب والتعاطف مع الأديبة والمفكرة المظلومة !

    انتصرت مي في هذه الجولة الصعبة .. ولكن الشروخ التي أصابت نفسها وقلبها ازدادت عمقاً . والإحساس بالأسى سيطر عليها وتمكن منها .

    واحتلت التعليقات والمقالات الصحفية التي تتحدث عن "مي" ..وعن المحاضرة التاريخية التي أثبتت كذب كل ما قيل عن جنون مي مساحات واسعة في كل الجرائد المصرية واللبنانية .

    ثم تحولت إلى مستند قانوني قدمه ممثل النيابة العامة في قضية الحجر على مي .. وكان حديث العدل والحق مؤثراً وموجعاً في آن واحد .. قال في مرافعته :

    " إن هذه القضية المبسوطة أمامكم هي قضية خطيرة جداً تختلف عن غيرها من القضايا التي يتناولها اختصاصكم , فهي لا تدور حول سند يطلب الحكم بقيمته المعترف بقبضتها نقداً وإثبات الحجز الملقى أو صك البيع , بل هي قضية حجر , والحجر هو حجر الدماغ والروح وموت أدبي ويد هائلة تضغط على الإنسان الذي بلغ من العمر عتياً فتخلع عنه ثوب الأربعين أو الخمسين الذي ألبسته إياه السنون وتعيده غلاماً قاصراً وتقيم له وصياً .

    ويزيد في خطورة هذه القضية من حيث موضوعها ونتائجها أن من يطلب منكم الحجر عليه فتاة ليست كسائر الفتيات , وثبت بها العبقرية إلى قمم الأدب والعلم والفن الخالد , وعلا نجمها في سماء العربية ورفع لواؤها الخفاق فوق كل قطر من الأقطار الناطقة بالضاد وتجاوبت بأصداء آياتها أرجاء النيل وجبال لبنان وسهول سوريا وصحارى العرب , فهي حديث العرب في كل صقع وواد , وهي بنفسها دولة في دولة الأدب , ونور من أنوار الشرق , وقلم من أقلام الخلود , وعجيبة من أعاجيب الوحي والإلهام , كانت دارها في وادي النيل كعبة الأدباء ومحج العظماء , تكتب فيقال كتبت مي, وتحدث فترهف لها الأسماع وتنصت لها القلوب , وتخرج الكتاب فتتلقفه الأيدي , وهي تتكئ على مكتبة لها فيها الألواف من الكتب , وتسكب من عبقريتها في الأرواح وفي الكؤوس سحراً ومجداً ووحياً وهياماً وأملاً ورحيقاً.

    أيها القضاة !

    بعد أن قرأت هذه القضية وما فيها من لوائح وتقارير , وبينما أنا أقلب كتب الشرع وأبحث في الحجر وأسبابه ونتائجه , وبعد أن كنت حائراً متردداً لا أعرف أين وكيف أضع رأييي وعقيدتي وفي أية كفة في الميزان ألقي مطالعتي , طلع شهاب في سماء هذه القضية , وطرأ على هذه الأوراق طارئ قلبها بطناً لظهر وظهراً لبطن وطاح بكل شيء في هذا الملف وأعاد الحق إلى نصابه والحقيقة إلى عرشها .

    فقد أرسلت البطاقات تدعو الناس إلى استماع محاضرة تلقيها الآنسة مي في نادي " العروة الوثقى" في " وست هول" من على منبر الجامعة الأمريكية . وأخذ الناس يتساءلون : أتقوى مي على إلقاء محاضرة؟ هي إذن تقرأ وتكتب , فكيف قال عنها الأطباء في تقاريرهم أنها لا تكتب ولا تقرأ ؟ وهي إذن تجمع في القرطاس حكماً وآيات فكيف قيل أنها لا تجمع إلا رماداً , وهي إذن ذلك الطائر الغريد فكيف قيل إنها فقدت تغريدها وصوت إحساسها , وهي إذن ذات أوتار فكيف قيل أن قيثارتها تحطمت ؟

    وجاء موعد المحاضرة فهرعت إلى قاعة الجامعة الأمريكية والواجب يستحثني والضمير يلح علي بتلمس الحقيقة في مصدرها وينبوعها . فلقد كنت ظامئاً إلى معرفة الحقيقة التي من أجلها نحن نرتدي هذه الأثواب والقلانس ونطبق القانون .

    هرعت إلى قاعة الجامعة الأمريكية , وكلي شوق إلى جس النبض الذي تنبض به هذه القضية ورؤية الوجه الذي قيل أنه وجه مجنون وسماع الكلمة التي قيل أنها كلمة من اختل شعوره واضطرب عقله وفقد إرادته . هرعت إلى قاعة الجامعة الأمريكية مساء البارحة فإذا هي تغص بالخلق يدفع بعضهم بعضاً , يشرئبون بالأعناق ليروا إذا كانت " مي" أميرة الأدب وصناجة العرب ما تزال لدولتهم ولهم .

    ودقت الساعة الثامنة .. فإذا مي تطل على المسرح وقد لعبت بها الأهوال . فلعب الشيب برأسها. ووقفت على المنبر وأخذت تتدفق بذلك البيان الساحر الذي تعود العالم العربي أن يسمعها تنقر على أوتاره الخلابة بريشة لو رآها رافايل وروبنس لأدعيا أنها ريشتهما وأن مي اغتصبتها في حين أنها ريشتها التي وضعها الله في يدها منذ كونها في أحشاء عجيبة من عجائب الفن , ومعجزة من معجزات الأدب .

    وانقضت الساعة الثامنة الكاملة الكاملة بدقائقها وثوانيها , وهي تلقي الدرر , وترصع جيد اللغة العربية بجواهر من الزمرد والياقوت والماس . فضج كل من في القاعة ضجة الإكبار والتعظيم , ووثبت القلوب واهتزت الجدران للتصفيق الداوي المستمر الذي لم تشأ الأيدي أن تكف عنه , وأخذ الناس يقول بعضهم لبعض : أتكون هذه الفتاة مجنونة وقد جننا بها , وإذا كانت هي المجنونة فهل نحن العقلاء ؟!.

    لقد زالت حيرتي وزال ترددي بعد هذه المحاضرة الساحقة واقتناعي أن الآنسة مي لا يحجر عليها . فالفتاة التي ألقت هذه المحاضرة لا يحجر عليها , ولا تحجر حريتها وعبقريتها , فهي أسمى من أن تطالها يد القصر , وأكبر من أن تمسها يد الحجر .

    إن الحجر على هذه النابغة هو حجر على الأدب العربي وعلى الأمة العربية وعلى عبقريتها العربية , فلا تعدموها بسطرين من قلمكم . وهي عاقلة فلا تجعلوها بحكمكم مجنونة !

    هكذا جاءت كلمة الحق أخيراً بعد أن تأخرت كثيراً .. وحاولت مي بعد ذلك لملمة نفسها التي بعثرتها الكوارث المتلاحقة في الفصل الأخير من حياتها .

    وقررت العودة إلى مصر حيث موطن ذكريات حياتها ورصيد أيامها الحقيقي .. المكان الذي شهد تفجر مواهبها .. واحتفى بريادتها ونبوغها . والوطن الذي سجل لها شهادة التفرد في الأدب والثقافة والخطابة .. وشهد بإنجازها الأدبي غير المسبوق في إشعال ومضة الفكر .. وإضفاء مناخ يتفاعل من خلاله المثقفون والمبدعون هذا الانجاز هو الصالون الأدبي الشهير الذي جمع أهل الفكر والفن والثقافة والإبداع مساء كل يوم ثلاثاء في صالون "مي" .

    عادت مي عام 1939 إلى مصر بعد ثلاثة سنوات من العذاب قضتها في لبنان في مستشفى العصفورية لمدة عامين , ثم في مستشفى "ربيز" ثم في منزل ببيروت .

    ولم تكن مي زيادة التي عادت من بيروت هي نفسها مي التي سافرت إليها في عام 1936 . لقد آثرت "مي" الجديدة العزلة , وأغلقت حياتها تماماً على نفسها وقلة قليلة جداً من الأصدقاء. كانت قد اكتشفت عند عودتها أن مكتبتها قد سرقت , ولم يبق منها إلا ألف وخمسمائة مجلد فقط , كما كان عليها أن تبحث عن مسكن جديد تسكن به , وأن ترفع الحجر عليها في محاكم مصر كما فعلت في محاكم لبنان . كل هذا أصابها باليأس والانسحاب من الحياة كلية .. ويصف عميد الأدب العربي وحدة مي وعزلتها في السنتين الأخيرتين من حياتها فيقول :

    مضت مي في طريقها إلى العزلة مضياً رفيقاً , أو قل إنها تدرجت تدرجاً بطيئاً في أول الأمر , ولكنه سريع ملح آخر الأمر . أخذ ميلها إلى العزلة يظهر بعد أن فقدت أبويها , وبعد أن غمر الحزن نفسها المشرقة , ولكنها لم تقطع صلتها بالناس فجأة , وإنما قللت لقاءهم , وتجنبت ما يدعو إلى هذا اللقاء , وكنت بين الناس الذين شرفتهم بصداقتها , فكنت ألقاها بين حين وحين , فنستخلص لأنفسنا من الدهر وأحداثه ساعة أو ساعات نتحدث في الأدب والفلسفة , جادين حيناً ومازحين حيناً آخر , وكان سكرتيري ثالثنا في هذه الاجتماعات , وكان لنا رابع يحضرنا دائماً , ولكنه لم يكن يفهم عنا .. ولعلنا كنا نفهم عنه كثيراً , وهو ذلك الإبريق الذي كان ممتلئاً دائماً من شراب الورد . والذي كنا نستسقيه غير مرة في هذه المجالس العذبة المرة .

    ذلك أن مي كانت في طور الحزن اللاذع , والألم الممض , والتشاؤم الذي كان يسرع إليها كما كانت تسرع إليه . وطالما دافعت عن هذا التشاؤم , وطالما حاولت أن أرد عنها هذا الحزن المهلك , ولكني لا أكاد أدنو إلى النجاح إلا ليردني الإخفاق عما كنت أريد رداً عنيفاً .

    وكنت أريد أن أستنقذ مي من تشاؤم أبي العلاء كما كنت أريد أن أستنقذها من الإسراف في التأثر برجال الدين , ولكن أبا العلاء ورجال الدين كانوا أقوى مني ومن غيري أيضاً .

    وقبل وفاتها بفترة بسيطة اتصل بها الدكتور طه حسين تليفونياً , وطلب أن يلقاها, وقال لها : سأزورك اليوم .. فقالت : لا ..
    قال : سأزورك غداً
    قالت : لا ..
    قال : إذن متى أزورك ؟
    فقالت : لا تزرني أبداً !
    قال : لماذا يا سيدتي ؟
    قالت : هل تريد أن تعرف السبب؟
    قال : نعم
    قالت: لقد قررت ألا أقابل أحداً من الناس إلا رجال الدين .. إذا أردت أن تراني فكن قسيساً .

    فضحك الدكتور طه حسين وقال:

    - سيدتي .. يعز علي ألا أراك , ويستحيل أن أكون قسيساً !

    والبعض يقول إن "مي" قرأت وكتبت في عزلتها هذه عدة أعمال ومنهم أحد الصحفيين المقربين لها طاهر الطناحي .. فقد ذكر في كتابه " أطياف من حياة الآنسة مي" أنها أنجزت منذ سفرها إلى لبنان إلى أن توفيت كتاب : " ليالي العصفورية" وهو يحوي وصفاً لما رأته وعانته في مستشفى العصفورية ببيروت وكتاب " في بيتي اللبناني" وهو وصف لحياتها بعد خروجها من المستشفى وإقامتها في بيت خاص ببيروت و " المنقدون" رواية باللغة الفرنسية .

    و " علاقة فينيقية بمصر " أدب وتاريخ .. و "مذكراتي" ويحتوي على مشاهداتها وذكرياتها في مصر ولبنان وأوروبا, وتكتب فيه عن كبار العلماء والأدباء الذين عرفتهم , والذين كانوا يحضرون صالون الثلاثاء , وما كان يدور بينهم من نقاش وطرائف.

    وانطوت مي على نفسها .. وغرقت في استدعاء صور الماضي واستحضار ذكرياتها مع الأحباب الذين رحلوا وتركوها فريسة للدسائس والمؤامرات . وهدفا للطامعين الذين استغلوا نظرتها المثالية للحياة والبشر.

    وبدأ الانسحاب التدريجي من الحياة .. بفقدان الرغبة في كل شيء الطعام .. الشراب.. الحياة الاجتماعية . وهزل الجسد .. وبدأت أجهزته تصاب بالإنهيار إلى أن خمدت ودخلت مي في غيبوبة .. ونقلت إلى مستشفى المعادي بالقاهرة حيث بذلت جهود مكثفة من الأطباء لإنقاذ حياتها .. لكن القدر كان قد كتب كلمته .. ونفذت إرادة الله .. وفاضت روح مي الطاهرة في التاسع عشر من اكتوبر عام 1941 .

    وأسدل الستار على قصة حياة فريدة ذاقت الوحدة وتعذبت بقسوتها منذ طفولتها المبكرة حتى آخر يوم في عمرها القصير . وغاصت في بحور الثقافة والفكر والفن والأدب وكانت كالفراشة التي تمتص رحيق الإبداع من كل بساتينه .. وتمكنت من إتقان عدة لغات تجولت من خلالها في مختلف الثقافات والآداب والفنون العالمية .

    وكتبت بالفرنسية .. ثم بالعربية .. ودرست القرآن والشريعة . وكانت شعاع الفكر والمعرفة الذي جمع أكبر مفكري وأدباء عصرها .

    وعاشت مي تقرأ .. وتكتب .. وتعزف سيمفونيتها الخاصة في الحياة . وتذوقت الأديبة الكبيرة طعم المجد والشهرة وتألقت ببريق التوهج الفكري والإنساني فأصبحت محط الأنظار ومركز الاهتمام في الوسط الأدبي والثقافي في عصرها .

    ورغم التحرر الفكري والانفتاح على ثقافات العالم ظلت مي في داخلها امرأة شرقية محافظة للغاية . فعاشت حباً فريداً مع الأديب جبران خليل جبران دون أن تراه ولو مرة واحدة في حياتها .. حباً على الورق !

    وعندما فارقها الأحباب تباعاً : الأب .. الحبيب .. الأم .. ثم الأصدقاء الذين وقفوا معها في محنتها الأخيرة أمين الريحاني وفليكس فارس . استسلمت تماماً .. واستعدت للنهاية بنفس راضية .

    وبهذا انتهت قصة حياة إنسانة فريدة في كل شيء ! في طفولتها البائسة .. في شبابها المتوهج بالعبقرية والنجاح والشهرة .. في حبها المحروم .. في انسحاب الحياة بكل جمالها وبريقها من تحت قدميها فجأة .. ثم في نهايتها المأساوية التراجيدية المحزنة .

    وهي قصة لسيرة حياة تستحق أن تروى .. وأن تقرأها الأجيال ...!
    To be or not to be
    That is the question


  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533


    الفصل التاسع
    مقتطفات من كتابات مي



    ما هو الرصيد الذي تركته مي ؟

    الإجابة على هذا السؤال سوف تكون - حتما - بعيدة عن لغة البنكتوت وحسابات البنوك .. فهي لم تترك شيئاً من هذا !

    لكنها تركت رصيداً أدبياً يعد ثروة حقيقية تعكس قيمة هذه الأديبة الفريدة .

    فقد تركت مي حوالي أربعة عشر كتاباً هي :

    باحثة البادية " عن ملك حفني ناصف" - عائشة التيمورية - بين المد والجزر - سوانح فتاة - الصحائف - كلمات وإشارات - ظلمات وأشعة - ابتسامات ودموع - أزاهير حلم " شعر بالفرنسية" - المساواة - وردة اليازجي - غاية الحياة - الحب في العذاب - رجوع الموجة .

    كذلك تركت عدداً كبيراً من المقالات في مختلف الجرائد والمجلات التي كانت تصدر في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي ومنها : مجلة "الزهور" و "المقتطف " و " الهلال" و " النهضة النسائية " و " المرأة المصرية ".. كما كتبت في صحيفة " المحروسة " و" الأهرام " وكان عام 1930 و 1931 من أخصب أعوام مي في الكتابة .. ومن بين أهم المقالات التي نشرتها بجريدة الأهرام في هذه الفترة مقال تحت عنوان : " جبران خليل جبران يصف نفسه في رسائله" ونشر بعد أحد عشر يوماً من وفاة جبران 1931 .

    ويذكر أصدقاء مي المقربون أنها تركت أعمالاً مخطوطة أهمها : " ليالي العصفورية" وفيها تسجل تجربتها في مستشفى الأمراض العقلية بلبنان .. ويذكر جميل جبر أن " هذه المخطوطة بقيت حتى اليوم مجهولة المصير " بينما تقول سلمى حفار الكزبري إنها ما زالت محفوطة عند أقاربها في لبنان وهم يرفضون السماح بجمعها ونشرها ".. وتشير سلمى إلى مخطوطة أخرى بعنوان " المنقذون" كانت مي قد حدثت عنها الكثيرين.. وفيها تسجل كلمة حق عن الأصدقاء الحقيقيين الذين وقفوا معها في محنتها الأخيرة في لبنان .. كما يقل إنها كانت تعد في السنوات الأخيرة قبل وفاتها دراسة عن الفينيقيين في أشعار هوميروس , وكذلك كانت تنوي ترجمة كتاب المستشرقة الانجليزية مارجريت سميث عن رابعة العدوية إلى اللغة العربية .

    وقد رأيت أن أقدم في نهاية هذا الكتاب مقتطفات من كتابات "مي" حتى يتعرف القارئ على أسلوب ورؤية كاتبة من أهم كتاب القرن العشرين هي .. مي زيادة.. أو الآنسة مي .. والآن تعالوا نقرأ لها ..
    To be or not to be
    That is the question


  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533



    ( من كتاب " الصحائف")



    فجر جديد يرسل أشعته وألوانه. ولا بد للجيل الجديد أ، يترجم فيه عن الوحي الجديد.

    **


    الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا . وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا كأن الهواء لم يتم استعداده لتلقي نبراتها.

    **


    النقد من أخص خواص عصرنا . في السياسة , والإدارة , والقانون , والتاريخ , والآداب , والاجتماع , ترى النقد شائعاً بمختلف اللهجات والأساليب . حتى الاكتشافات العلمية وانقياد عناصر الطبيعة لخدمة الإنسان جاءت عن طريق النقد .

    **


    الثورة ككل جرأة : في وقتها ومكانها عبقرية وانتصار , وفي غير ذلك حماقة واندحار .

    تحديد الخطأ والصواب أساس في نقد العلوم الرياضية والطبيعية واللغوية . أما النقد الأدبي فلا إطلاق فيه . وعمل الناقد البصير هو التحليل لتقرير ماهية كتاب أو أثر . فينبئ الناقد بذلك نفسه , وينبئ المؤلف أو المنشئ , وينبئ الجمهور معنياً نزعة من نزعات العصر .

    **


    نحن في حالتنا الأدبية الحاضرة أشبه ما نكون بالعبرانيين في صحراء التيه . فأنى لنا الدليل الخبير ليسير أمامنا في النهار عموداً من السحاب وفي الليل عمود نارِ يضيء لنا ؟

    **


    حتى ولو سار العمود أمامك يهديك سواء السبيل فلا بد أن تكون لنفسك المصباح والدليل .

    لعل كلمة " نقد" هي التي أوهمت معالج النقد وأوهمت الناس أنه لا بد من الطعن والتحامل ليكون النقد "بارعاً". فلو وضعنا " تمييز" مكانها كانت أوفى بالغرض .

    **


    عاطفة واحدة قد تكفي لتكون شاعراً وفناناً . أما للناقد قلا أقل من عاطفتين اثنتين : إحداهما للشعور مع موضوعه , ومثله, وبدرجة انفعاله . والأخرى للتميز عنه , والعودة إلى شخصيته , ( الناقد ) يستمد منها قوة التبين والحكم .

    **


    بسبب هذا التضاعف الفني وهذا الازدواج في الشخصية نرى أن أعاظم الشعراء والفنانين لم يكونوا في نقدهم دونهم في غررهم الابداعية. والذي لا يعرف أن يعجب بنفائس الفن عند دانتي مثلاً , وبتراركا وميكلانجلو وفاجنر وجوتي وهايني . يستفيد مما تجلى من طبيعتهم في عميق البحث , ونافذ البصر , وواسع الاطلاع , وعالي الحكم .

    **


    لا يحتاج الشاعر إلى أكثر من الشعر ولا يحتاج العالم إلى غير العلم . أما الناقد فإن لم يكن ذا إلمام بالعلوم والتواريخ , جامعاً بين الفطانة والصدق , ذا مقدرة لمسايرة أبعد شاعرية وتفهم أدق فكرة وقبول كل نظام , والتقمص في كل فرد , والخضوع لكل تأثير , إن لم يكن كل ذلك تصحبه مواهب أخرى , فلست أدري ماذا يكون . ولا هو يدري كيف يتصدى للنقد العام .

    **


    تجتاز الأرواح النسرية آفاق جيلها كعجائب خارقة , كظواهر بسيطة ساحرة في رؤى طويلة الأمد .

    **


    الوصف على ثلاثة أنواع : وصف الخطوط الظاهرة من الحوادث والأشخاص والأشياء . ووصف تلك الخطوط بعد أن تكون أفرغت في الأشياء والأشخاص والحوادث من دماء جراحك , ونبضات قلبك , وتحليق خيالك , ولهب أفكارك , ومرارة اختبارك , وعجيب بداهتك , وحلاوة أملك . ووصف آخر ليس فيه حتى ولانسخ الخطوط .

    قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن يعرف أن ينفث في الجماد حياةً

    أقرأ أحياناً ما أسائل نفسي عنده : أأنا أمام صراحة جرئ مقدام ؟ أم هذه جسارة من يفتقر إلى التثقيف ؟

    **


    يظهر للبيب من جهلك ومعرفتك وحكمتك في ما لا تقول في بعض المواقف أكثر مما يظهر لذي الفكر العادي في ما تقول وتشرح .

    **


    بعض الناس غير موفقين في ألسنتهم: فإن أثنوا جاء الثناء إهانة , وإن فخموا جاء التفخيم مهزلة , وإذا سردوا حكاية أثبت مغزاها عكس ما أرادوا , وإذا صاموا وصلوا قطع عنهم المن والسلوى .

    **


    في عالم المحسوس تهدم أولاً ثم تشيد . أما في عالم المعنى فالهدم يتم إذا شئت وأنت تبني .

    **


    يأبى جيلنا التحصن في الأساليب الماضية لأنها لا تكفيه . إلا أنه لم يهتد إلى أساتذته السائرين في طليعته حتى اليوم.

    النقد وحي لأنه يدرك الوحي ويحتضنه . وحرية لأن لا تمييز في العبودية


    **



    كان عصر النهضة في أوربا فجراً للإلهام الأدبي والابداع الفني, والنقد والحرية . وجميعها تسير في موكب واحد .

    **


    أنشأ النقد الحصيف يظهر هنا وهناك في أنحاء العالم العربي. إنه كثيراً ما يُضل وكثيراً ما يخطئ . ولكنه سينمو. لأن براعم الإبداع والحرية آخذة في النمو .

    **


    من الكتاب من هو ملخص جلسات ومدون وقائع ومنهم كولمبس جاء لاقتحام البحار وركوب الأخطار واكتشاف عوالم مجهولة .

    **


    من ظريف النكات في الثناء على المرأة الذكية قولهم " إنها تجاري الرجال" . ولماذا لا تكون مجارية نفسها التي تكشفتها كل يوم ؟

    لا عجب أن يخاطب الكاتب الأجنبي قومه بلا شرح ولا تعليق . أما نحن فعلينا أن نشرح ونعلق لأن جمهورنا جماهير , عدا إنه أقل اطلاعاً من الجمهور الغربي . وما يعرفه المتلقى دروسه بالإنجليزية عن تاريخ أمريكا وإنجلترا وحودثهما ورجالهما يجهل أكثره المتعلم بالفرنساوية المتضلع في تاريخ فرنسا وآدابها . وقس على ذلك .

    **


    نحسب أن ما يمكن حصره وتعريفه هو غاية الغايات . ما أيسر الإحاطة بالبركة والحوض , بينا لن نقوى على سبر غور البحر ولا في ناحية من نواحيه!

    **


    لقد كان هوغو ظالما يو قال: " إن الحسود وصاحب الغرض هما اللذان يوحدان بين الشيء العادي والفريد ". فقد يصدر هذا عن نفوس موفورة الفطنة والشعور والانصاف لأننا بني الإنسان كالشمس : هي منبع الضياء والحرارة ومع ذلك فلا تخلو من بقع الجمود والظلام .

    **


    كأن القافية من شعرنا نقشت في عقولنا كذلك . فصرنا ما ذكرناه شخصاً . أو أمراً . أو حادثاً إلا حشرناه في بحر ووزن وقافية .

    **


    النقد التحليلي أقل حظاً في الانتشار من الهجو والطعن وحب التقول. ولكن له من لا يرضى بغيره , ولله الحمد !

    **


    لا يقوم الحاضر إلا على قاعدة الماضي , فليذكر هذا أولئك الذين يقولون بالهدم " المطلق" !

    **


    الجمال في الآداب كما في الأشخاص على أنواع :منها الجمال الذي هو لطف باسم ملون وكل ما فيه واضح جلي : جمال الصباح , ومنها جمال هو روعة الليل الزاخر بالأنس والجلال معاً , الزاخر بالأضواء والأسرار والأكوان والعجائب .

    **


    الحب الذي يجعل العالم هيكلاً حيث تتخشع النفوس فتجثو للعبادة والصلاة والاتحاد الروحي مع جميع قوى الكون - هو هذا الذي نعنيه عندما نتكلم عن الحب ,ونعظم عواطف الحب .

    للعقول والنفوس كما للأجساد مناخ . ألا ترى كثيرين يمرضون في الأمكنة المرتفعة أو على الواحل ولا يستريحون إلا في الأمكنة المعتدلة الهواء ؟

    **


    مراعاة لصحتهم يغادر ذوو الحول والصول المرتفعات فتظل كما كانت من قبل : مسرحاً للغزلان , ونزهة للأسود , وموطئاً للنسور , وعروشاً للتجلي .

    **


    وراء الشرقيين إرث عظيم : إرث الأديان والنبوات . لذلك يتصور بعضهم أن الكاتب لا يكتب , وأن الخطيب لا يخطب إلا ليعلم ويهذب .

    **


    للأسلوب التهذيبي وقته ومكانه . وهو لا يؤدي رسالته سواه وإن كره دعاة " الفن للفن " وأنصار " الحياة للحياة" . على أن القول الذي يرفع النفوس إلى باريها في محافل الصلاة من الواعظ الديني , ويرغب في حميد الأخلاق من الخطيب المدني , يتغير معناه ويفقد قوته يوم يصمم امرؤ على أن لا يكتب الا ليرسله , وأن لا يخطب الا ليؤيده .

    من أفعل أساليب التهذيب والاصلاح, الأساليب غير المباشرة لأن القيود ألذ ما تكون للبشر عندما يوثقون بها وهم مقتنعون بأنهم لم يصلوا يوماً إلى مثل هذه الحرية .

    **


    كأن أعظم صيحة يلقيها العبقري في الناس , وإن هو جهلها , هي كلمة قالها السيد المسيح للمخلع " قم احمل سريرك وامش !".

    **


    ينهض الجمهور , أو أفراد منه , لمباراة السابقين ويمضي هؤلاء في تحليقهم المألوف لهم فتظل المسافة متشابهة , أو هي تتزايد اتساعاً , بينهم وبين المتسلقي آفاقهم . وهنا ينفذ نظام بقاء الأصلح في صورة من صوره المسارعة : فالضعيف يندحر ويهبط, ويتحكم . وذو الكفاءة يرتفع إلى أعلى مرتبة يمكن أن يدركها .

    **


    وهذا الاندفاع إلى الأمام لا حد له ولا نهاية .

    **


    وراء كل أفق أفق ينفسح . كذلك الحياة دوماً في تكرر والفكر في تنوع , والفن في تجدد .
    To be or not to be
    That is the question


  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    طالت المدة منذ كتبت لنا آخر فصل في حياتها ... ولعل ألم الحزن الذي قرأنا به هذا الفصل شغلنا أن نبحث عن الوفاء بوعدك . . . وكنت لما رأيت الموضوع يسير به نهر الحديث (حديث المطابع ) فانزوى بعيدا ..كنت قد عزمت على أن أكتب شيئا ..ليبقى الموضع في المقدمة يؤنسني مرآه فهو اول موضوع قرأته على الساخر بل ربما لأجله اشتركت في ناديكم الكريم ....

    وشغلني ما علمتم من حالي ...حتى فرغت . ووجدت الموضوع عاد ...ووجدت اسمك صاحبة آخر رد ..فعلمت أنه الوفاء ....فأسرعت إليه اسراع النهر المشتاق للبحر الحاني (ولعل مشرفنا صاحب التوقيع لو أدرك النهر أن البحر مبتلع ...أمواهه ما جرى يوما وما عذبا ...يعجب من هذا الرأي ...لكنني كذا أراه ...أحيانا طبعا) المهم ....

    رائع هو هذا الاختيار ....أعجبتني فيه أمور كثيرة أخشى من عدها أن أنقل الموضوع هنا مرة أخرى !!

    كنت قد قرأت من زمن كتابها باحثة البادية ...ملك حفني ناصف ..ربما كان أول ما قرأت لها ...أعجبني كثيرا أن تكتب فتاة عصرية متحررة(مع التحفظ في الكلمة )عن سيدة محافظة ((كذا قالت كما أذكر في مقدمتها ) وكل ترى بعض الأمور مرأىً خاصا ...ربما ....كانت تكتب وشعرت بحبها لهذه السيدة ...وعلى فكرة خرجت من الكتاب وكلي احترام لكلتيهما .. أنا الآن للأسف لا أجد في ذهني من الكتاب إلا أثره ..وإلا لفصلت فيه رأيي .....

    أما عائشة التيمورية ..الشخص لا الكتاب فجزء من خبرها في كتاب رجال من التاريخ ...

    شكرا .إن وفّى الشكر حقا ....


    مدونتي



  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    نشيد الربيع
    من ناحية إكمال ما وعدت به فلا تقلق .. بإذن الله سأنقل كل ما أستطيع نقله
    وأعتذر إن تأخرت قليلاً بالفترة الأخيرة ..
    وكل عام (و) أنتَ بألف خير ..
    لم أفهم ما قصة الواو ؟؟؟

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    القصة أن أصل المثل كل عام أنتم بخير ...لا كل عام وأنتم بخير ..كما درج..والأمثال تروى كما هي !!!
    مش فارقه كتير ..!!!!!بس (على فكرة "بس " من العامي الفصيح) أنا أحسها بدون الواو أجمل ربما أبلغ ...مش عارف ...تعجبني ولا شيء أكثر

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    شرَرٌ وحبَبَ



    • حكمة اليوم في مذكرتي تقول إن الدعة أقدر من الحدة , كما إن أعظم الدهاء يكون أحياناً في البساطة .

    • كيف أشفق على الذي يبدد ألمه في الشكاية والتظلم فلا يبقى منه ما يستدعي الشفقة ؟ كل شفقتي تتجه إليك أنت الذي لا تشكو مع إن ألمك صامت لا حد له ولا نهاية .

    • هل من سبيل إلى حل عقدة تستوجب القطع , وكلما لمستها علمت أن خيوطها من نياط قلبك ؟

    • لا يضعف الثناء والطعن كالكلام الحماسي والتبجيل في ما هو عادي والكلام الفاتر في ما هو عظيم جليل .

    • تتهيب المرأة أمام مقدرة الرجل لاعتقادها أنه أبرع منها في الإلمام بالأمور من جميع جهاتها فما أشد خيبتها يوم ترى الرجل الذكي الحساس لا يدرك ولا يريد أن يدرك من الحسنات أو السيئات إلا وجهاً واحداً فقط !

    • كم نتذرع بالذكاء والعلم لنقول كلاماً سخيفاً " بأستاذية"!

    • من خساسة النفاق أنه يتكلم بلهجة تحاذي الصدق ويتلون بلون الواقع المحسوس.

    • أليس من المدهشات أن مظاهر الباطل أقدر في الإقناع أحياناً من مظاهر الحق؟

    • كنت أحسب الباطل مركباً معقداً والحق بسيطاً واضحاً أما الآن فقد بدأت أرتاب وأتساءل لماذا ترى الناس أقرب ما يكونون إلى اعتناق الباطل؟

    • لا تلمس الحق البسيط الجلي إلا النفس البصيرة الرفيعة.

    • ترى أي صدق وأي حق يظهر براءتك أمام أناس وطدوا النفس على تجريمك والحكم عليك ؟

    • الألم الكبير تطهير كبير.

    • أخرج من بعض الاجتماعات شاعرة بأن الناس أخذوا مني شيئاً كثيراً أقضي أسابيع في الاستيلاء عليه من جديد – دون أن أعرف ما هو .

    • ليس ما يحمل على تقدير الحياة وحبها كشهامة الرجل الشهم.

    • يخيل أحياناً للمتأمل باستئثار المرتبة والمجتمع أن الفرد آلة لهما لا إنهما للفرد ومنه.

    • القلب الكبير الذي يحوي العالم يضيق بالقلب الصغير يوم يزعم هذا السيطرة عليه وتنظيم عمله.

    • لا يتيسر التساهل مع القلوب المحدودة, والعقول الصغيرة , والمقاصد الركيكة إلا وهي بعيدة.

    • بعض الباحثين طويلاً عن كلمة ظريفة يفاجئون بها العالم – لا ينقصهم ليكونوا ظرفاء إلا أن يكونوا ظرفاء.

    • ما أثمن نصيحة صديقك المخلص الحكيم عندما تشط عن طيش أو عن قلة مبالاة!

    • ألقى روماني شهير إلى الجاهل بهذه النصيحة : " انظر واسمع واسكت !" والذي يفهم هذا ويحققه في حياته لا يكون جاهلاً بل هو العليم الحكيم.

    • أجل- لكل منا حق على الحياة والحرية والراحة . ولكن ليس على راحة الآخرين ولا حياتهم ولا حريتهم.

    • الاختبار والعلم يصقلان العبقرية ولكن لا يقومان مقامها.

    • للنبوغ مؤمنون وكافرون.

    • لو أرغمت على قبول أحد الثلاثة فأيهم تختار : الذي يعاديك علناً ويرجمك صراحاً مؤولاً كل حسنة فيك ومنقصاً لك كل فضل؟ أم العدو المتقمص بثوب الصديق الذي يدس وراء كل ثناء ظاهر ضعفه من الطعن؟ أم الذي يبدأ بالثناء عليك أجمل الثناء ليصدق الناس بعدئذ افتراءه بحجة ذلك الثناء المضلل؟

    • قبل أن تمزقنا ظلماً أظافر الحياة نشفق على الذين يموتون ونحسبهم محرومين من جمال الكون وهناء العمر وبعدئذ – بعدئذ يوم تقسو الحياة على شبابنا وقلوبنا وأفكارنا وآمالنا نغبط الذين مضوا ونعلم أنهم من المختارين المحبوبين.

    • الألم محسن كبير لأنه يجردنا من الغرور والدعوى .

    • يحسب بعضهم أن السدود التي يجتهدون كثيراً في إقامتها تكفي لإطفاء نور الشمس وتضيق رحاب الفلك.

    • ما أشقى المحسود وما أحراه بالعطف! وما أشقى الحسود وما أحراه بالعطف .

    • في المٌعذِّب والمعذَّب لا تجد إلا الإنسانية المتسلقة طريق جلجلتها راسفة في القيود, دامية الجراح, وفي صميم قلبها عتاب للحياة التي لم تسمح أن تكون صالحة كما كانت تود أن تكون.

    • لو كانت السعادة متعلقة بشأن أو شأنين من شؤون الحياة لتيسرت لجميع الناس دهراً بعد دهر ولكنها , كالشقاء, تتألف من جميع عناصر الحياة, ووقع كل من تلك العناصر يختلف باختلاف الأمزجة لذلك تجد البحث عنها متواصلاً والتساؤل عنها متجدداً في كل قلب ينبض ويتألم.

    • جبار هو ذاك الذي يكون شعاره في الحياة : " سأتألم , ولكني لن أغلب !".

    • كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه.
    To be or not to be
    That is the question


  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    أعتذر أشد الاعتذار على التأخير ...



    جبران خليل جبران
    يصف نفسه بيده في رسائله


    من الناس من يعيش للمال , ومنهم من يعيش للمجد , أو لخدمة الوطن أو للعلم ، ولخدمة نفسه والسعي وراء مسرته . ومنهم من يعيش لقلبه نائحاً على حب مضى منتظراً حباً مقبلاً . ومنهم من يعيش يومه ليومه وساعته لساعته ومنهم من يعيش لأسرته أو لبعض أفرادها ولو على حساب الأفراد الآخرين . غايات لا عداد لها تتنوع باختلاف الناس وباختلاف استعداداتهم ومداركهم . فلأي شيء كان يعيش جبران خليل جبران ؟

    إن الذين تتبعوا كتاباته قد كانوا يظنون أنه يعيش لفنه الثلاثي : من أدب باللغة العربية , وأدب باللغة الانجليزية وتصوير يدوي ورسم . ولكنه في الواقع لم يكن يعيش لشيء من هذا . ها هو ذا يصف نفسه – وبأية بلاغة نادرة فريدة ! – في رسائل لم يفكر يوماً في أنها ستنشر عند وفاته ولا أنا تخيلت مرة أني سأنشر شيئاً منها وبخاصة في مثل هذا الظرف :

    " .. صحتي اليوم أردأ نوعاً مما كانت عليه في بدء الصيف . فالشهور الطويلة التي صرفتها بين البحر والغاب قد وسعت المجال بين روحي وجسدي . أما هذا الطائر الغريب ( يعني قلبه وقد كان مصاباً فيه ) الذي كان يختلج أكثر من مئة مرة في الدقيقة فقد أبطأ قليلاً بل كاد يعود إلى نظامه الاعتيادي . غير أنه لم يتماهل إلا بعد أن هد أركاني وقطع أوصالي . إن الراحة تنفعني من جهة وتضر بي من جهة أخرى . أما الأطباء والأدوية فمن علتي بمقام الزيت من السراج . لا , لست بحاجة إلى الأطباء والأدوية , ولست بحاجة إلى الراحة والسكون . أنا بحاجة موجعة إلى من يأخذ مني ويخفف عني , أنا بحاجة إلى فصادة معنوية , إلى يد تتناول مما ازدحم في نفسي , إلى ريح شديدة تسقط أثماري وأوراقي . أنا , يا مي , بركان صغير سدت فوهته فلو تمكنت اليوم من كتابة شيء كبير وجميل لشفيت تماما . لو كان بإمكاني أن أصرخ صوتاً عالياً لعادت إلي عافيتي , وقد تقولين " لماذا لا تكتب فتشفى لماذا لا تكتب فتتعافى ؟"

    وأنا أجيبك " لا أدري . لا أدري . لا أستطيع الصراخ وهذه هي علتي . هي علة في النفس ظهرت أعراضها في الجسد .
    " وتسألين الآن " إذن ما أنت فاعل ؟ وماذا عسى تكون النتيجة؟ وإلى متى تبقى هذه الحالة ؟"
    " أقول إنني سأشفى . أقول إني سأنشد أغنيتي فأستريح . أقول إنني سأصرخ من أعماق سكينتي صوتاً عالياً . بالله عليك لا تقولي لي " لقد أنشدت كثيراً وما أنشدته كان حسنا " لا تذكري أعمالي ومآثري الماضية لأن ذكرها يؤلمني , لأن تفاهتها تحول دمي إلى نار محرقة , لأن نشوتها تولد عطشي , لأن سخافتها تقيمني وتقعدني ألف مرة ومرة في كل يوم وفي كل ليلة . لماذا كتبت تلك المقالات وتلك الحكايات ؟ لماذا لم أصبر ؟ لماذا لم أضن بالقطرات فأدخرها وأجمعها ساقية ؟ وقد ولدت وعشت لأضع كتاباً – كتابا واحدا صغيرا – لا أكثر ولا أقل . قد ولدت وعشت وتألمت وأحببت لأقول كلمة واحدة حية مجنحة , لكني لم أصبر , لم أبق صامتا حتى تلفظ الحياة تلك الكلمة بشفتي . لم أفعل ذلك بل كنت ثرثارا فياللأسف وياللخجل ! وبقيت ثرثاراً حتى أنهكت الثرثرة قواي . وعندما صرت قادرا على لفظ أول حرف من كلمتي وجدتني ملقى على ظهري وفي فمي حجر صلد .

    " لا بأس .. إن كلمتي لم تزل في قلبي وهي كلمة حية مجنحة ولا بد من قولها . لا بد من قولها لتزيل بوقعها كل ما أوجدته ثرثرتي من الذنوب . لا بد من إخراج الشعلة ..."

    هذا ما يقوله ذاك الذي لم يكتب يوماً إلا الكلمة المجنحة الحية المحيية . هذا ما يقوله ذاك الذي لم تكن كل كلمة كتبها إلا شعلة منفصلة عن شعلة روحه أي عبقري لا يخجل بكتاباته السالفة , نظرا لسرعة التطور المكتسح كيانه ؟ إن العبقرية الحقة كثيرا ما تقاس بهذا الخجل الذي ينتاب صاحبها , ولو هو حاز بكتاباته إعجاب العالم .

    كتب رسالته تلك بعد إصدار كتابه " النبي" الذي تناولته بالترجمة إلى لغاتها عشرة شعوب مختلفة وكانت مجلات العالم وصحفه تتناقل كلمات جبران , ابن الشر ورسومه التي لا تضاهى . رسوم وكلمات لا يأتي بها إلا ذو المواهب الفذة , الذي جرده تهذيبه لفنه من كل زهو وكل دعوى , فسار شوطا بعيدا في جادة الوحدة الرهيبة التي لا يقوى على سلكها إلا الخلاق المبدع من بني الإنسان .

    إن جبرانا لم يكن ليسير وحده , بل كان شبح الموت يماشيه أنى ذهب . كان يعرف نفسه مقبلا على الرحيل بينما هو يصدر كتبه بالانجليزية " المجنون" و" السابق" و "النبي" و " رمل وزبد" و" يسوع ابن الإنسان" تحفة تلو الأخرى , فضلا عن كتبه العربية التي نعرفها جميعا وفضلا عن مجموعات رسومه التي كانت مفخرة العبقرية الشرقية بين أقوام تعرف معنى العبقرية ولا يفوتها من خصائصها شيء . وكان آخر كتبه الانجليزية كتاب " آلهة الأرض" الذي نعكف اليوم على مطالعته – وبأي حزن ! – وقد تلقيناه يوم إذاعة نعيه في مصر , وفيه اثنتا عشرة صورة من رسم يده . تلك كانت شيمة جبران في مؤلفاته الانجليزية وفي بعض رسائله الخاصة أيضاً إذ كان يلخص الجملة والمعنى رسما على هامش القرطاس في الغالب , أو هو يشرحه في صورة عجيبة تشغل الصفحة بحذافيرها . ليعود مرة بعد مرة إلى رسم شعاره التصويري الذي يمثل يدا تقدم كل حياتها وقوداً , وتظل اللهب خارجة من تلك اليد الكريمة وصاحبها يفكر في الحياة كما يفكر في الموت . فيقول في خطاب آخر كتبه بعد شهور طويلة .

    " أتعلمين , يا مي , أني ما فكرت في الانصراف ( الذي يسميه الناس موتاً ) إلا وجدت في التفكير لذة غريبة وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل . ولكني أعود فأذكر أن في قلبي كلمة لا بد من قولها فأحار بين عجزي واضطراري وتغلق أمامي الأبواب .

    "لا " لم أقل كلمتي بعد , ولم يظهر من هذه الشعلة غير الدخان , وهذا ما يجعل الوقوف عن العمل مرا كالعلقم . أقول لك , يا مي , ولا أقول لسواك إني إذا انصرفت قبل تهجئة كلمتي ولفظها فإني سأعود ثانية لتحقيق أمنيتي . سأعود لأقول الكلمة التي تتمايل الآن كالضباب في سكينة روحي .

    " أتستغربين هذا الكلام ؟ إن أغرب الأشياء أقربها إلى الحقائق الثابتة . وفي الإرادة البشرية قوة واشتياق يحولان السديم فينا إلى شموس ..."

    إننا ننحني أمام ضريح جديد بعيد نام فيه ذاك القائل :" إن حنيني إلى الشرق يكاد يذيبني . فمتى , متى أعود إلى بلادي ؟". ننحني أمام القبر الذي ينام فيه رجل هو بروحه للإنسانية كلها ولكنه بجسده غريب بين الغرباء . أننحني لنقول كلمة الوداع ؟ لقد جزنا هذا التطور من الغفلة فصرنا نعلم أن الناس إلى الدار الأخرى متتابعون ...

    فهنيئا لك برحيلك , يا أخي , لقد أعطيت كثيرا , وإن أغاظتك هذه الكلمة , لقد أعطيت كثيرا وقال فيك الشرق للغرب " هاأنا ذا !" كما قال فيك الشرق الناهض لنفسه " هاأنا ذا ! ها أنا ذا !" حسنا فعلت بأن رحلت !

    فإذا كان لديك كلمة أخرى فخير لك أن تصهرها وثقفها وتطهرها وتستوفيها في عالم ربما كان يفضل عالمنا هذا في أمور شتى ...

    حسنا فعلت بأن رحلت , يا أخي ! ففي ذمة الله وفي رحمته التي تسعنا جميعا أحياء كنا أو أمواتا !

    ميّ

    To be or not to be
    That is the question


  18. #38
    العزيزة اوفيليا .... جهد جميل و تلخيص جذاب حتى اني و قعت في حب مي المتمردة على الواقع العاشقة بسمط الثائرة بجنون.
    اود الحصول على نسخة الكتاب ان امكن و اعمال مي زيادة
    شكرا يا اوفيليا الثقاة
    اسير على درب الذين بالامس علقوا على اعواد المشانق

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    حيث تحتضر كل الأمكنة !
    الردود
    96


    لا أعرف متى بدأت القراءة هُنا وكيف انتهيت منها
    استمتعت فعلاً بمروري وكان الكتاب سلساً للغاية

    كل الشكر أوفيليا

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    على النت
    الردود
    138

    وأنا كذلك غاب عني إحساس الوقت وأنا أقرأ

    كم هي مؤلمة هذه الـ ميّ

    لك أو فيليا

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •