انكببت في الآونة الأخيرة كباً على مجالس شعراء العصر الجاهلي، باحثاً بهمة، منقباً بخفة في تراثهم القديم، بغية أن التمس من احدهم ما يكفيني ذل السؤال، على أمل أن أغدو من بعد ملاحقتهم غنياً بما يكفيني مؤونة فصل الشتاء كمداً ونكداً...

وبما أنني إنسان أريب – أي أروبة – كما تؤكد بعض المصادر المطلعة، فقد كنت اعلم علم اليقين إنني لن أجد مرادي هذا، عند غير هؤلاء!
لهذا وضعت همي داخل جعبتي، وطفقت أطوف راجلاً على منازل شعراء القصيد الجاهلي، متلمساً وقع كلِمّهم على أنفس المحبطين المحيطين بهم من أمثالي!

المهم، انه، ولسبب ما لا اعلم كنهه تحديداً، كان أن جذبني عمرو بن كلثوم، فأخذت نفسي بنفسي إليه، حاملاً بين يدي كلمات ليس كالكلمات!

حتى إذا ما أقبلت عليه، وقد رأيته يطارح مقلتيه في الهوى سهداً لا قِِبلّ لي به، حتى أشفقت على حاله من حيث لا ادري شكواه، فقلت له ملتاعاً بلوعته:
- أزيك يا عمرو يا بن كلثوم!

فما كان من الرجل إلا أن نظر لي شذراً، وقد تمخضت عيناه في قرف شديد لرؤيته لي ضيفاً ثقيل الظل على قلبه، قبل أن يستغرق في تفحصي من قمة رأسي حتى أخمص قدمي، إلى أن قال في تعاسة، وقد تقوست جل ملامحه إلى أسفل:
- أوجز يا فتى، وأفد، وإلا فعد من حيث أتيت!

فأدركت عندئذٍ أن الأخ عمرو بن كلثوم، قد لا يختلف كثيراً عن بقية إخواننا الشعراء، إذ إنه
من المعروف سلفاً، أن معظم هؤلاء الشعراء قد تصيبهم لعنة الغواية في نظرتهم الخاصة تلك - من علو - إلى عموم الرعاع من أمثالنا!
عموماً، كان الله في عون إخواننا، فهم إما مشغولين في نظم قصيدة جديدة، أو تأمل صخرة يتيمة!
لله في خلقه شؤون!

مع ذلك، قلت لابن كلثوم، وقد تمخضت عينايّ عن ذرات رمل مبللة بالدموع:
- جئتك يا أخ عمرو أشكو قلبي، وقلة حيلتي، و....

فقاطعني الباشمهندس عمرو كبزنس مان مش فاضي لشغل العيال، وكأنه ينهي صفقة خسرانه، قائلاً وكأنه يكنسني:
-علاجك عندي يا أخ، لقد قصدتني، ووالله لا أردك إلا ناجياً!

عندما قال ابن كلثوم ذلك، قلت استغل الموقف، خصوصاً وإنني كنت اعلم أن ثمة خلاف قديم بينه وبين الملك عمرو بن هند (ألد اعدائه)، لذا قلت مستغلاً الموقف كعادة الوصوليين من أمثالي، متمنطقاً في أرتياح:
- هبني أليك يا أخ عمرو، فبعضي كله بين يديك، جعل الله من بيت اللي يزعلك خرابة ترتع في جوانبها فئران الملك ابن الست هند!

مع ذلك، لم يبدو على الرجل كثير حماس أو فهم، حتى خلت إنني ربما حدثته بلغة أخرى غير العربية!
لكن عرفت إنني ظلمت الرجل، اذ سرعان ما رأيت بؤبؤي عينيه تجولان حولي بحثاً عن شيئاً ما، إلى أن سمعته ينشد غزلاً في تخليد ذكرى "الأخت" خاصته:
تريك إذا دخلت على خلاء
وقد أمِنت عيون الكاشحينا
ذراعي عيطل أدماءَ بكرٍ
هجان اللون لم تقرأ جنينا

و(؟؟) مثل حق العاج رخصاً
حَصَاناً من أكف اللامسينا
ومأكمة يضيق الباب عنها
وكشحاً قد جُننت به جُنوناً

عندئذٍ - وبطريقة ما - تأكدت ظنوني في عمرو بن كلثوم من بعد تلاوة أبياته أعلاه، فالرجل – ولا بد – كان يبحث عن حشيشته المفضلة، والتي يبدو انه خبئتها في مكان ما، قبل أن يستعصى عليه تذكر أين وضعها!

الحقيقة، إنني لم أكن لأقوى على سماع الأخ ابن كلثوم يسترسل في إنشاده الفضائحي هذا، قبل أن أعرف منه معنى كلمة "مأكمة"؟
الحقيقة أيضاً – والحق دوماً يُقال – إن الرجل قد قام مشكوراً بشرح مرادف الكلمة لي، والتي باستطاعتي تجاوزها قصراً، وحرصاً مني لا أكثر – يا أيها القارئ الفضولي - على مشاعرك، تاركاً هذه المهمة لأخونا أبو تراب، إن كان حياً في دنيانا أو يتنفس!

لكن، دعني أخبرك - أيها القارئ الطموح - في إيجاز اضافي مريب، أن "مأكمة" في حد ذاتها، تعد منطقة استراتيجية ذات حيثيات مهمة عند الأخت عشيقة الأخ ابن كلثوم - الله يسامحه- !

الحقيقة - والحق يقال كل شويا - إنني اكتشفت أيضاً أن الرجل – أي عمرو بن كلثوم – كان رجل فاسد بالفطرة!
كما أن هذه الأخت عشيقته، ليست أكثر من أنموذج بشري عبقري في الاستهبال وقلة الأدب!

فشعر ابن كلثوم وحده في هذه المرأة، يشرح لنا بروية، إي امرأة كانت هي!
فمن تطلب الخلوة في الخلاء، بمثل ابن كلثوم الصايع وحدهما، بل وبعيداً عن أعين الكاشحينا، لا بد وأن تكون امرأة ضليعة في فن الصياعة والضياع!
هذا أمر...
الأمر الآخر، إنني بت اشك – فعلياً - في سلامة هذا الرجل العقلية...
وإلا فهل لأحدكم أن يشرح لي – باستفاضة إن أمكن - كيف أنه كان لـ عمرو بن كلثوم أن يكتب غزلاً، بل وفضائحياً في مثل هذه المرأة الصايعة البدينة!

بل شديدة البدانة كذلك، بحسب وصفه لمفاتنها حين قال غزلاً ترائبها، وذلك منذ ما يربو عن 1400 سنة!
(ومأكمة يضيق الباب عنها)... تخيلوا؟!
حتى إن الباب نفسه يضيق عنها، لدرجة تعجز هي معها عن المرور من خلاله!

الحقيقة - والحق يقال عمّال على بطال - إن زوجتي أنا الآخر بدينة بما لا يقاس، كما إنني مغرم بها بنفس مقدار ما اتنيل الاخ ابن كلثوم بعشيقته!
مع ذلك - والله على ما أقول شهيد - لم أجرؤ يوماً على ارتكاب المدح أو الثناء في بدانة زوجتي...
فهذه جريمة قد لا اغفرها لنفسي أبداً... أبداً!

مع ذلك ولله الحمد - ولا يحمد على مكروه سواه - فإنني لم ولن "اجن - ببدانتها - جنونا" في أي يوم، كما فعل الأخ ابن كلثوم العبيط، مع عشيقته البدينة تلك!

المهم، وهذه الحقيقة - والحق أمره لله فينا - إنني قد ذقت بالرجل ذرعاً بسبب قصيدته تلك، حتى إنني لم اعد أطيق سماع صوته!

ولهذا، ولأنني عطوف – وبالمتهورين رءوف – قررت آخذ بطاري منه...
فكان أن أخبرته - بعد ست محاولات باءت كلها بالفشل – بما آل إليه حال الشعر والشعراء من بعده، فضلاً عن أخبار ما تقدم وما تأخر من أحوال شعراء عصرنا الحداثيون...
فما كان من الرجل المسكين - أي عمرو ابن كلثوم - إلا أن تضاعف حزنه في مرارة – لحسن الحظ – وسقط في غيبوبة إصابته في مقتل نهائي!
حدث ذلك، بعد ان رأيته يترنح عجباً بما يكفي، وقد أصابه الهول حزناً على حال شعراء عصرنا!
***

فاضت روح ابن كلثوم التعيسة إلى بارئها الرحيم بغير ندم منه على الموت... "هكذا اعتقد"!
وإلا فإن الرجل كان ليموت كمداً على أية حال، فور اطلاعه على مآكمكم يا شعراء الحداثة الغريبو الأطوار!
***

والآن...
دعوني انطلق بكم، باحثاً لكم عن شاعر جاهلي آخر... كي نأكله معاً!

(انتهى)
ابن الأرض

مغلق