الأمــة .. يا لها من كلمة رنانة .
حتى أنك عندما تنطقها لا تخرج من فمك إلا بعد لأي ! ، وتنتهي بأشبه بالتنهيدة .
الأمــة : وينهمر سيل من الذكريات ، لا تملك أمامه إلا أن تغمض عينيك ..وتستسلم في خشوع .

يا لتأثيرها من كلمة !
تبعث في النفس شعورا لا يضاهى.. بالعزة ، والمكانة ، والسؤدد والمجد .
تمحو كل ما رسم اللصوص من خطوط خضر أو حمر أو زرق كالشياطين ، زرعوها على أرض الأمة وسموها حدودا .. فكانت اسما على مسمى .
أرادوها حدودا للجغرافيا ، أو هكذا يبدو ، فكانتها .. وأكثر.

هذه الحدود التي أشبهت مشرطا ، يعبث طولا وعرضا في جسد الأمة ، يخترق الجلد واللحم ، لينفذ للقلوب ، ويقتلع منها معاني الإخاء والوحدة ، ويبذر الفرقة والشقاق .

الأمــة : ويشع نور من مكة ، أم القرى ، لينبعث فيما حولها من القرى ، ويغطي العالم المأهول في ربع قرن .. إنجاز كالإعجاز !
الأمــة : ويرتسم أمامك صف ، بل صفوف ، يتقدمها أبو بكر العربي ، قد التصق منكبه بمنكب بلال الحبشي ، بمنكب صهيب الرومي ، بمنكب سلمان الفارسي .. في وحدة شعورية ، لا تتخلها حدود ، أو حواجز !
الأمــة : ويتهاوى إيوان كسرى ، وينهد عرش قيصر ، وتخمد نار المجوس ، وتفتح البلاد أبوابها مشرعة .. للحياة : للإسلام ، وأمة الإسلام !
الأمــة : وتنداح دمعة سخنى من عين كل غيور ، يرى ما آل إليه هذا الغثاء ، الذي كان ذات يوم .. أمة .

الغثاء : الذي جاوز عديده ألف مليون ، ونصف ألف .. جلها أصفار ، تستجدي (واحدا) يقف بحذائها لتكون رقما ، أي رقم ، فلا تجد !
الغثاء ، الذي يتكاثر كالأرانب ، ويتناسل كالفئران .. هم أرانب عند الفرار ، فئران .. لتجارب الأمم !
الغثاء ، الذي يولد ليموت ، ويكبر ليشيخ ، ويأكل ليشبع ، ويدرس ليحصل على (كرتونة) مختومة ، ولقمة عيش ! ، وهذا مبلغ علمه .
الغثاء الذي نصب الموت أعلامه فيه ، وأنشأ الجلاد معسكرات لحصد الأرواح في نواحيه .. وأسلم رقبته للسكين ، وباع دمه .. بلا ثمن !
الغثاء/القصعة ، الذي تداعت عليه الأكلة من الأمم ، كل يريد نصيبه من هذه اللقمة السائغة ..
( بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) .

نعم .. التاريخ لنا ، والمستقبل معنا ..
وما الشكوى إلا من هذا الحاضر ، الذي قد غص بالغثاء !