Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 88
  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    فـي تأبين تلك الأحلام الكبيرة

    استوقفني قول للكاتبة كارولين أهيم: "الحصول على دماغ يستطيع الكتابة، معناه الحصول على دماغ يعذّبك" ولو أنها خبرت لعنة امتلاك دماغ عربيّ، لأدركت نعمة عذابها، ولَقَاسَت بمقياس "ريختر" للألم فاجعة أن تكون كاتبة عربية في زمن كهذا.
    ذلك أنّ الكاتب العربي يشهد اليوم تأبين أحلامه.
    شيء ما يموت فينا، ويُشعرنا بخواء النهايات· ثمّة عالم جميل ينتهي ونحن نستشعر ذلك، وننتظر مذهولين حلول الكارثة.
    زمن انتهى بأحلامه ومثالياته ونضالاته، وقضاياه المفلسة.
    نشعر بخفّة الألم، لا خفّة مَن أزاح عن كاهله مشكلات حملها عُمراً بكامله، بعدما عثر لها أخيراً على حلول، وإنما خفّة من تخلّص أخيراً من أوهامه.
    سعادتنا تكمن في فاجعة اكتشافنا أنه لم يعد في إمكان أحد أن يبيعنا بعد الآن قضيّة جديدة، مقابل أن يسرق من عمر أبنائنا جيلاً أو جيلين آخرين. فالشعارات المعلَّبَة، الجاهزة للاستهلاك، التي عشنا عليها، انتهت مدّة صلاحيتها، وأصبحنا نعرف من أي "سوبرماركت" استوردها من روّجها، وكم تقاضى بعضهم ولايزال، مقابل تسميمنا ومنع نموّنا الطبيعي، واختراع حروب وكوارث، لإبقائنا أذلاء، فقراء.. ومرعوبين.
    رحم اللّه محمد الماغوط· نيابة عن كلّ المبدعين العرب، اختصر في جملة واحدة سيرة حياتنا: "وُلدتُ مذعوراً.. وسأموت مذعوراً". فالمبدع العربيّ، لايزال لا يشعر بالأمان في بلد عربي. وإذا كان بعض الأنظمة يتردّد اليوم قبل سجن كاتب أو اغتياله، فليس هذا كرماً أو نبلاً منه، وإنما لأن العالم تغيّر وأصبحت الجرائم في حق المبدعين لا تمرُّ بسرية، بل تدخل ضمن الحسابات التي على الطاغية أن يراجعها، إذا أراد أن يقبل من جانب الغرب.
    كيف في إمكان الكاتب العربي أن يكون ضمير الأمة، ولسان حقّها، وهو منذور لمزاجية بعض الحكام، ومزاج الرقيب وأهواء القارئ، الذي أصبح بدوره رقيباً يعمل لحسابه الشخصيّ، وقد يتكفل بإصدار فتوى تكفرك أو تخوّنك، محرّضاً الشارع عليك، فتخرج مظاهرات تطالب بسفك دمك وكسر قلمك، وتُدخلك القرن الحادي والعشرين من بوابة المحاكم والسجون.
    كثيراً ما أضحكنا برنارد شو بتعليقاته الساخرة. لكنه حين قال "الوطن ليس هو فقط المكان الذي يعيش فيه الإنسان، بل هو المكان الذي تُكفَلُ فيه كرامته وتُصان حقوقه" كاد يُبكينا نحن العرب، عند اكتشافنا ما نعانيه من يُتم أوطان لسنا مواطنين فيها. فكيف نكون فيها كتّاباً، ونحنُ نقيم في ضواحي الأدب وضواحي الحرية، خارجين لتوّنا مذعورين من زمن ثقافة الشارب العريض، والقصائد التي تلمّع حذاء الحاكم، وتُبيِّض جرائم قطّاع طرق التاريخ، لنقع في فخّ العولمة.. فريسة للثقافات المهيمنة ولطُغَاة من نوع جديد، لا يأتونك على ظهر دبّابة، إنّما يهدونك مع رغيف البنك الدولي·· مسدساً ذهبياً لإطلاق النار على ماضيك!
    الذين يروّجون لثقافة النسيان، ما سمعوا بقول أبو الطالب الدمستاني "إنّ أطلقت نيران مسدسك على الماضي، أطلَق المستقبل نيران مدافعه عليك". ولا أدري كيف في إمكاننا إنقاذ المستقبل، من دون أن نعي الواجب التأمُّلي للمبدع ودوره في حماية الهوية العربية، ذلك أن معركة الألفية الثالثة ستكون ثقافية في الدرجة الأولى، وعلينا ألاّ نكون مغفّلين ولا مستغفلين أمام هيمنة ثقافية لا يمكن أن تكون بريئة.
    إنّ المبدع والمثقف العربي، هو آخر صرح بقي واقفاً في وجه بعض الحكام، الذين لا ينتظرون إلاّ غفوة أو غفلة منه ليسلّمونا شعوباً وقبائل إلى الغرب، على طبق العولمة أو التطبيع.
    هذا المبدع الذي حدّد نفسه منذ أجيال "مبدع الضد"، أتعبته القضايا المفلسة، والمشي في جنازة أحلامه. وقد يأتي يوم لا يجد فيه قضية عربية تستحق منه مشقّة النضال. ويومها ليس وحده مَن سيبلغ عمق الكارثة.. بل الأُمّـة كلّها!

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    أخذ معه كلّ ذلك الضوء
    كلّ نيسان لا أستطيع إلاّ أن أذكره. مذ رحل ونحن نحاول إنقاذ النار، التي أشعلها فينا نزار قباني ومضى. ذلك الطفل الزوبعة، ذلك الشاعر الذي حيث يمرُّ تشتعل بمروره فتيلة الشعر.
    نقف دَهِشين أمام رمادنا بعده· لماذا خالفنا نصائحه ورحنا نؤمّن على حياتنا ضدّ الحرائق الجميلة؟ وما نفع ما ننقذه؟ وماذا لو كان الشيء الوحيد الذي أنقذناه حقاً، هو كلّ ما سرقناه من العمر، وسلَّمناه وليمة للنار.. نـــار الحياة؟
    ليس عَجَبَاً، أن يكون نزار قد أنهى حياته بطلب كوب من الماء، بكلمة "شكــراً". فنزار قبّاني حالة ناريّـة، قبل أن يكون حالة شعرية. إنه يُذكّرني بـ"بودلير" الذي كان يقول، ليُثبت غرابته، إنّ أول كلمة لفظها عندما بدأ النطق. كانت Allumette أي "كبريت". ولا أذكر أن "نيرون" نفسه قد طالب أبويه، حال وصوله العالم، بالنار، هو الذي أحرق روما في نـزوة لهـب.
    لا أدري مِن أين جَـاءَت نزار هذه النزعة النيرونية لإضرام النار في تلابيب النساء، اللائي أحببنه وأحبّهنّ في أثواب نومهنّ، وفساتين سهراتهنّ، ومناديل بكائهنّ، وكلِّ ما لبسنه لموعدهنّ الأول معه، أو ما نسينه في غرفته بعد موعد حُـبّ، ولِمَ كلُّ مدينة أحبَّها أو مرَّ بها، شَـبَّ فيها الحريق، ولم يستطع رجال الإطفائيّة، العاملون على حفظ التقاليد وضبط السلوك، من أجلها شيئاً؟
    أكان يتسلّى بألسنة اللهب، ثم يركب قطار الشعر المفخخ كبريتاً، ليُجرِّب فينا سياسة الأرض المحروقة، تاركاً الناس خلفه مفزوعين مهرولين محمّلين، كلٌّ بدلو من الماء.
    نزار لم يكتب يوماً بأصابعه، بل بأصابع "الديناميت"، التي كان يُعدّها لنا بنوايا إجراميّة، وبكلِّ عناية شعرية، كما تلفُّ النساء في كوبــا على حجورهنّ السيجار الفاخر.
    الآن، نكتشف ذلك، وقد توقّفت تلك الانفجارات التي كان يُحدثها بين الحين والآخر، فيهزّنا بها، بلداً بعد آخر، وفرداً بعد آخر· ولذا، بعد رحيله، ساد العالم صمت شعري رهيب، لا لأنّ شاعراً كبيراً مات، ولكن، لأنّ وهمنا بالشعر انطفأ، ولم يعد في إمكان أحد أن يجعل من تفاصيل حياتنا العادية حالة شعرية.
    عند رحيله، استبشر بعض الشعراء خيراً، وتوقّعوا أنهم بموته سيكبرون، وبغيابه سيتقدّمون صفّـاً. ولكنهم أخطأوا في حساباتهم· فالشعر فضّاح لِمَن دونه، وقد يجعل شاعراً يزداد حضوراً بغيابه، وآخر يصغر، على الرغم من ضوضائه· ولذا، فإنّ الشعراء الذين كانوا في حياته كباراً، مازالوا كذلك، وأولئك الذين كانوا أقزاماً سيبقون كذلك، ولا جدوى من وقوفهم في طوابير الشعر. الشاعر كائن لا ينتظر· الشعر هو الذي ينتظره عصوراً.
    نزار لم يقف يوماً في الصف، لقد كان منذ نصف قرن، وحتى بعد موته، صفّاً في حدّ ذاته، يمتد من أوّل إلى آخر الخريطة العربيّة، وعَلَمَاً شعرياً تصطف خلفه أمة بأكملها. كان صوت عصرنا الشرعيّ، وابن القبيلة والمتمرّد عليها، الذي أصبح بانقلاب شعريّ مَلِكَها.
    لقد كان نزار يقول: "إنّ المبدعين خُلِقُوا ليزرعوا القنابل تحت هذا القطار العثمانيّ العجوز، الذي ينقلنا من محطّة الجاهلية الأولى إلى محطة الجاهلية الثانية". وأثناء زرعه تلك الألغام، نسف نزار خلال نصف قرن كلَّ الشعراء، الذين ركبوا قطار الشعر من دون تذاكر، ومن دون أن يدفعوا شيئاً مقابل هذا اللقب. وحاولوا السفر معلّقين بأبواب القطارات والمهرجانات الضوضائيّة.
    لقد قضى عمره في ركلهم و"دفشهم" ومحاولة الإلقاء بهم من النافذة، دائم السخرية منهم والاستخفاف، وما سمعوه ولا صدّقوه. والآن، وقد نزل وتركهم يسافرون نحو حتفهم في ذلك القطار المجنون، نعي أنه رحل وهو يحاول إنقاذ آخر قصيدة من أيدي مرتكبي الجرائم الشعريّة. ورحل وهو يحاول إنقاذ آخر أنثى قبل وصول التتار.
    ذهب وهو يحاول إصلاح العطل الأبديّ في مولّدات الفرح العربيّ، ولذا مات بصعقة كهربائية، مُعلَّقاً إلى قنديل الشعر، أثناء محاولته إدخال الكهرباء في شارع الحزن العربيّ.
    رحل آخذاً معه كلّ ذلك الضوء.

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    نريده وسيماً وذكياً ومثقفاً ولطيفاً وثرياً.. ووفياً!

    ولو سئلنا، نحن النساء، لحظة اختيارنا رجل حياتنا، أيّ صفة من هذه الصفات يمكننا أن نضحي بها، لقبلنا التنازل عن كلّ شيء.. إلاّ عن وفائه لنا.
    ذلك أن إخلاص رجل نحبّه، هو طمأنينتنا، وزهونا وسرّ تشاوفنا على الأخريات، وعقد أماسيٌّ نلبسه في سرّنا، ويجعلنا نبدو أجمل من دون أن نكون قد وضعنا شيئاً حول جيدنا.
    لكن، تاريخ الرجال طاعن في الخيانة.. والرجل الوفيّ "حيوان ذكوري نادر" نتمنّى استنساخه لو استطعنا. غير أنّ العلماء، بَـدَل أن ينشغلوا باستنساخ بعض الذئــاب وتوزيعها على نساء الأرض، راحــوا يستنسخون لنا النعجة "دوللي".
    أما لماذا الذئــاب، فلأن الذئب هو أكثر ذكور الحيوانات وفاء، أو هكذا شُبّه للعلماء، مقارنة ببقيّة الحيوانات التي تحترف الخيانة.. المتبادلة. فحتى الكلب، هو وفيّ لسيِّده وخائن لأُنثاه، والقطة، حاشاكُم، لا تختلف عنه في نزواتها الشّبَاطيَّة" نسبة إلى شهر شباط/فبراير، الشهر الذي تتسوّق فيه ليلاً، وتمنع عباد اللّه من النوم لفرط موائها، حتى يأتي لنجدتها ما هبَّ ودبّ من قطط الأحياء المجاورة· يشهد على ذلك التشكيلة العجيبة لصغارها.
    أما الفئران والأسُود والطيور والزواحف والأسماك والفيَلَة، فبالاختصار، حسب أغنية فيــروز "مش فارقة معاها". فهل الوفاء "حماقة إنسانية" أم ميزة أخرى يتميّز بها الإنسان عن الحيوان، كتميّزه عنه بالعقل والإيمان والنطق؟ ربما لأنه نطق، وجد آدم نفسه مجبراً على أن يقول لحواء "أحبّك"، وكان يعني "أشتهيك"، وعندما بدأت حواء تطالبه بالزواج، والإخلاص، وتلاحقه بالتحرّيات والأسئلة· وهكذا وصلت الإنسانية إلى ما هي عليه من نفاق!
    المشكلة، أننا نحتاج أحياناً إلى تصديق بعض الأكاذيب والأوهام الجميلة، حتى لا نكتشف بشاعة حقيقة نظنّ أننا غير معنيين بها، وأنها لسبب أو لآخر، لا تحدث إلاّ للأخريات.
    شخصياً، آخذ حكمتي من العجائز ويحضرني قول أمي: "الرجال والزمان.. ما فيهم أمَان". ولو كان لي من نصيحة أقدّمها للنساء لكانت تلك التي كانت تُسديها إليَّ حماتي كلّما جئت بشغّالَة جديدة، وتركت لها تلقائياً كل خزائني مفتوحة، مطمئنة إلى ما يبدو عليها من صدق وأمانة. وكانت حماتي تقول: "تعوّدي أن تُعاملي كلَّ من تتعرّفين إليه، على أنه قد يكون كاذباً أو ماكراً.. أو لصاً، حتى يثبت لك العكس، بدل أن تمنحيه ثقتكِ فوراً، ثم تُصدَمي به".
    طبعاً، ما استفدت من هذه النصيحة. ذلك أنه يصعب على المرء أن يتوقّع من الآخرين الغدر أو الخيانة إن لم يكن قادراً على الإتيان بمثلها.
    كذلك الرجال، قد تستيقظ إحدانا يوماً لتجد زوجها العاقل "البيتوتي" قد أفرغ حسابه، وفتح به بيتاً آخر، وأهداه أثناء نومها الهنيء إلى أخرى، وأحياناً أثناء انشغالها الغبيّ بالتحرِّي في قضيّة وهميّة أخرى، اخترعتها لفرط هوسها. ذلك أنّ المرأة، كما يقول ساشا غيتري، تعرف كل شيء بحدسها، ولا تخطئ إلاّ عندما تبدأ في التفكير!
    الواقع، أن الزوج الخائن يرسل رموزاً وإشارات منبّهة، على المرأة التقاطها بـ"راداراتها" النسائية المتطورة، ومواجهتها بحكمة، أو بكيد نسائي، لكن من دون أن تعميها الغيرة، ويُخرجها سوء الظن من طورها، فتقطع بسكين المطبخ أحد أعضاء زوجها أثناء نومه، كما فعلت مؤخراً أخت لنا في الجنون من تركيا، بمنطق شمشون، يوم هَــدّ المعبَد عليه وعلى أعدائه.
    في المقابل، أوافق تلك الجزائرية التي قرأت أنها قضمت جزءاً من لسان خطيبها أثناء تقبيله لها، بعدما اكتشفت أنه لن يتزوجها، وأنه يُخفي عليها زواجه بامرأتين له منهما أولاد.
    بي فضول أن أعرف، ماذا سيقول هذا الزوج الخائن لزوجتيه عندما يعود إليهما، من دون لسان!

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    هل خبرتم عنفوان الخاسرين؟

    مَدينةٌ أنا لأجمل ما حلّ بي، لتلك المرات التي لعبت فيها قدري على طاولة الحياة، باستخفاف المقامرين الأثرياء، فقلت "لا" حيث كان لابد أن أقول "نعم". و"بلى" حيث كان عليَّ أن أصمت، فازددت مع كلّ إفلاس ثراءً، وأصبحت لفرط خساراتي كاتبة.
    بي افتتان بالخسارات الجميلة، تلك التي نفقد فيها ما اخترنا خسارته بتفوّق، على مرأى ممَّن سينحنون بعدنا للملمته. أمعن في جرائم الهدر، إكراماً للحظة زهو لا أُشهد عليها سوى ضحكتي.
    لا شيء يستحق الانحناء، لا خسارة تستحق الندم. هل خبرتم عنفوان الخاسرين؟
    أصدقائي المبدعين.. أصدقائي الجميلين الخاسرين.. هل أواسيكم إن قلت إنّ المبدع غنيّ باستغنائه، ثري بخساراته؟ لذا قال هنري ميشو ساخراً من فداحة ما أضاع: "ألقِ أوراقك.. أقل لك.. أنت لن تربح إلاّ في الخسارة!".

    كتب غوستاف فلوبير إلى عشيقته يقول: "كم من الرذائل كنت سأملك لو لم أكتب".
    مثله اعتقدت دوماً أنّ الكتابة تطهّرنا وتغسلنا. بينما يوجد الخُبث والقَذَارة في زوايا النفوس المريضة، حيث يكثر عنكبوت الصمت.. والكبت.
    لذا، أشعر بأن المبدع في خطر مادام هو في حالة كسل. فعندما يُجرَّد الكاتب من أقلامه، يتحوّل إلى إنسان عاديّ ضجر. والضجر كأخيه الكسل.. أبو الموبقات!

    ü أنا القادمة من الميراث التراجيدي للكتابة العربيّة، كلّ اهتمام أو تكريم يكاد يوجعني ويغتالني بأضوائه، في كلّ ضوء خيانة للكتابة، وخيانة لرفاق آخرين يزيد ضوؤك من عتمتهم، وتزيد عتمتهم من وهمك بأنّك الأهم. فالكاتب مهيّأ للغرور الأدبي. وقد ينتهي به الأمر إلى أن يأخذ نفسه مأخَذ الجد، بدل أن يأخذ الكتابة مأخذ الجدّ، وعندها تكون نهايته.. لذا، كان فولتير يقول: "إنّ الكاتب يموت مختنقاً تحت باقات الورود". ولذا مازلتُ مع محمود درويش أردّد: "وردٌ أقل.. أحبّتي ورد أقلّ"!

    أفكّر في الصديقة فاطمة حقيق، إحدى سيّدات ليبيا المتفانيات في خدمة الثقافة، التقيتها في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، فهي تدير إحدى كبرى المكتبات ودُور النشر الليبيّة.. كانت تسعد برواج كُتبي، وتسعَد لكلّ قارئ يُغادر مكتبتها برفقة كتاب. تركت لي كلمة اعتذار مقروءة عندما تعذّر عليها حضور محاضرتي بسبب وضعها الصحّي.
    امرأة نَذَرَت عمرها للكتب.. ونسيت أن تكون كتاباً.
    إنها تذكّرني بقول الكاتب عاموس عوز، أحد مؤسسي حركة "السلام الآن"، الذي يحكي أنّه كان يردّد في شبابه: "عندما سأكبر أريد أن أصبح كتاباً، فذلك أقلّ خطورة من أن تكون إنساناً• فقد تنجو نسخة منك على الأقل". لو كانت تدري أنّ مَن راقب الكِتَاب مات همّاً.. لربما غيّرت مهنتها.
    كلّما تعمّقت في قول عاموس عوز.. كبرت أسئلتي: هل الأجمل أن تكتُب.. أم أن تنكتب؟
    ثمّ، في عالَم عربيٍّ يقع فيه الكتاب كلّ يوم قتيلاً في شوارع المتنبي، ومحروقاً في جامعات فلسطين، ويُقاد كالمجرمين إلى المحاكم في أكثر من عاصمة عربيَّة لا تمارس مرجلتها وفحولتها إلاّ على الكتب.. أليس ضرباً من الجنون أن يتمنّى المرء أن يكون كتاباً.

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    مَن يُعيد لنا حق البكاء وتَاجَه؟


    أحتفظ بخبر طريف عن سيّدة استطاعت الفوز بـ"تاج البكاء" بعدما حطّمت رقماً قياسياً في النحيب المتواصل، لا بسبب مصيبة ألـمّـت بها، بل لإصرارها ألاّ يحمل غيرها ذلك اللقب!
    وكنتُ أعتقد أنّ العرب دخلوا كتاب "غينيس" على الأقل من باب النواح والعويل، تشفع لهم أنهر الدموع العربية التي جرت منذ الجاهلية إلى اليوم، منذ أيام المعلَّقات وحتى الأفلام المصريّة، وصولاً إلى النشرات الإخبارية. فعندما نزل شيطان الشِّعر على أشهر شاعر جاهليّ، ما وجد شاعرنا بيتاً يفتتح به تاريخ الغزل العربيّ غير "قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل". ومن يومها ونحن نتوارث البكائيات. فقد زوّد اللّه الإنسان العربيّ دون غيره ببطارية شجون وهموم، جاهزة لإمداده بطاقة البكاء.. أيّاً كان السبب.
    فالعربيّ يعيش على حافة البكاء، وحتى وهو يبدو متماسكاً لا يتوقف داخله مطر الدموع من الانهطال، مهما كانت نشرته الجويّة، كأنّه يستبق الكارثة، أو يخشى ضريبة السعادة، فيدفع زكاة قلبه قبل الأوان. وقد قال الإمام علي (رضي اللّه عنه): "لكلّ شيء زكاة، وزكاة القلب الحُزن". وربما كان للنظر زكاته أيضاً، وهذا ما نفهمه من قول مالك حداد: "ثمَّة أشياء هي من الجَمَال بحيث لا تستطيع أمامها إلاّ أن تبكي". تصوَّروا إذن مصيبة من ينتظر العطلة سنة كاملة كي يزور أماكن جميلة، وإذا به يقضي إجازته في البكاء.. لأنّ المكان أجمل ممّا يحتمل قلبه!
    كنت أعتقد قبل ذلك الخبر، أنّ لنا في الخنساء مفخَرَة، بعد أن لزمت المسكينة قبر أخيها حتى ماتت، فمنحتنا شرف الموت بكاءً.
    يا لغُبن الخنساء، الشاعرة التي افتتنت أنيسة بومدين (زوجة الرئيس الجزائري الراحل) بذلك الكَم من الدموع الذي ماتت بغصّته فخصصت لمأساتها بحثاً مطوَّلاً.
    كيف لها أن تعلم أنه سيأتي يوم يكون فيه للبكاء جوائز ومسابقات.. وتيجان واحتفالات؟ لو جاء مَن يخبرها بذلك وهي عند قبر صخر تنتحب، لوفّرت على نفسها دموعاً أودَت بها، مادام تاج "المرأة الباكية" سيذهب إلى أخرى اختارها نادٍ ليلي في "هونغ كونغ" بعد ليلة حامية علا فيها العويل.. على أيّ صوت.
    ولو نُظّمت هذه المسابقة في مقبرة، لَمَا وجدوا بين الثكالى واليتامَى مَن يفوز بها، لأنّ الألم الكبير لا دموع له.
    وأذكر أنّي التقيت والدة الشهيد محمد الدرَّة، بعد فترة وجيزة من استشهاد ابنها، وكان لها نُبل الألم وصمته، بينما لم يستطع المشاركون في تلك المناحَة الجامعية، أن يكفّوا عن النحيب حتى بعد إعلان اسم الفائزة باللقب، وهي نفسها لم تفد معها محاولات الآخرين بتهدئتها وإقناعها بأنه لا داعي بعد الآن لمزيد من العويل. فقد استمرّت تبكي ساعات "إضافيّة"، ربما من شدّة الفرح هذه المرّة، وانتهى الأمر بنقلها إلى المستشفى وتَاج البكاء على رأسها بعد ما أصيبت بنوبة هستيرية.

    وفي خبر آخر، قرأت تصريحاً لإيطالي يقول فيه: "كم أبكي عندما أرى ما حلّ بجبن الستلين.. أصبحوا يعملونه الآن من حليب مُعقّم يقتل الميكروبات.. التي هي في الواقع سرّ طعم هذا الجبن!".
    الإيطالي، الباكي، المتحسِّر على زمن الميكروبات، التي تعطي جبناً إيطالياً شهيراً بطعمه المتميّز، هو مؤسّس "حركة الطعام البطيء. وهو اسم يذكّرني بحركة تُدافع عن "الموت الرحيم". غير أنّ بكاءه لا علاقة له بالموت السريع أو البطيء الذي يهدّد العالم بسبب الحروب الجرثوميّة، مثلاً.. أو القنابل الانشطارية أو العنقودية. ذلك شأن آخر. فكلٌّ يبكي على "جبنته"، أو دفاعاً عن تاجه!
    وأذكر أنني في إحدى زيارتي، وبعد محاضرة ألهبت فيها القاعة وأبكيتها، وأنا أطالب بمناسبة وجودي في بلاد على حدود إسرائيل، بحقي في الصلاة في الأقصى والموت على عتباته، مادام من حق الإسرائيلي الدخول سياحاً إلى بلادنا، اختلت بي سيدة محامية، ونصحتني بالتروي في هجومي على إسرائيل. فقد كانت قبل ذلك بأسابيع تزور برفقة وفد من النساء العربيات مدينة سياحية، عندما رأت لأول مرة سيّاحاً إسرائيليين يتجولون مبتهجين بين الآثار، فأجهشت بالبكاء· وإذا برجال الأمن يحضرون ويطالبونها بأوراقها الثبوتية ويسجّلون اسمها وعنوان عملها، فسألتهم غاضبة إن كان ثمّة من قانون يمنعها من البكاء في حضرة إسرائيلي يتجوّل في بلادها، فجاءها الجواب إنها ببكائها ذاك أساءت إلى ضيوف البلاد. أمّا التوضيحات الأخرى، فقد حضروا في الغد إلى مكتبها ليقدّموها لها على حِدَة.
    أمّا وقد سُلب منا تاج البكاء، أخاف يوماً لن نستطيع فيه البكاء حتى من إهانة أعدائنا، إلاّ بذريعة النواح على جبن إيطالي، وعلينا بالمشاركة في مسابقة للبكاء ينظمها نادٍ ليلي!

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    حزنٌ علّمني الصبر والتقوى


    مُتأخِّـراً يأتي الحزن دائماً، الأحاسيس الكبيرة لا صوت لها، لا دمع لها، لكنها تملك كلَّ الوقت. لذا نحنُ نبكي دائماً في ما بعد.
    كُنتُ أحتاج إلى أن أعود إلى بيروت لأكتب هذا المَقَال. ليس سهلاً أن ترثي فتىً في عُمر ابنك، فتىً هو ابنك، لأن لأهله قَرَابَـة بكلِّ عربيّ وكلِّ مسلم وكلِّ مُحتاج. تمنّيت لو أنّ ذلك الْمُصَاب الجَلَـل لم يحدث وأنا في زيارتهم، أو لو أنني لم أعرف بيت معالي الشيخ نهيان بن مبارك، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، معرفة الأهل، ككل مَن قصدهم مرّة، فَغَدوا ضيوفه.. وغَدَا هو ربّ المنزل.
    يا لبيتهم.. لا باب له إلاّ باب القلب، لا جدران له إلاّ وتُسبّح بأسماء اللّه الحُسنى، لا سجاد فاخراً فيه، بل كلّ سجاده يُفاخر بعَدَد المصلّين عليه. لم أرَ بيتاً تَخَاله مسجداً، لفرط مصاحفه الموجودة في كلّ ركن، بكل حجم، على كلّ طاولة، على كلّ رف، والسُّبَح الموضوعة بلا حساب كلوازم أيّ مجلس نسائي، حيث لا مكان للنميمة. ولا لحديث غير ذِكر اللّه. الكلُّ يستمع إليك وهو يُتمتمُ بالتسابيح، حتى تظنّ كل شهورهم رمضان، وكل أيامهم ليلة القدر، فلا تدري فيم تُحدّثهم، فتذهب إلى الوضوء، لتكون أهلاً ولتحلّ ضيفاً.. {في بيوت أَذِن اللّه أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمه}.
    زرتهم أوّل مرّة، ذات رمضان، يوم وفاة الشيخ زايــد (رحمه اللّه)، وكنت على سفر، فاستبقوني وأهدوني حقيبة فيها كلُّ لوازم الإقامة ولوازم العبادة، فاستحيت من اللّه ومنهم. ولم أخلَع تلك العباءة طوال شهر رمضان. ومازلتُ حتى اليوم، كلّما زرت الإمارات لا أضع في حقيبتي سواها.
    في ذلك البيت الكريم، تعلّمتُ التقوى بمعناها الأصدَق، والتواضُع بصورته الأحقّ، والترفُّع عن غِوايَـات الدنيا، وأدركت معنى قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تُلهِكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكِر اللّه}. ذلك أنّ الذي امتلكناه بأرواحنا امتلكنَاهُ، وما امتلكناه بأيدينا امتَلَكَنَا.
    في ذلك البيت الذي دخلته غريبة، فَغَدَت لي فيه أُمَّهات وخالات، اعتدتُ رائحتهنّ ودعاءهنّ وخوفهنّ عليَّ. وسؤالهنّ عني إن أطلتُ الغياب، وإصرارهنّ على صيامي وقيامي كلّ رمضان معهنّ، تعلّمت الدرس الذي يحتاج إليه الإنسان في هذه الدُّنيا: درس الصبر.
    يا لصبرهم! المؤمنون الذين يتجمّلون بالحزن، ويكبرون عند الْمُصَاب حمداً للّه، تقصدهم للعزاء، فتمنع عينيك أن تدمَعَا حتى لا تصغر في حضْرَتِهِم. عيـبٌ أن تُزايد عليهم في البُكاء، هم المبتسمون عن حَيَاء وتَقْوَى لِمَا كَتَبَ اللّه لهم.
    لكنك لا تملك إلاّ أن تبكي، عندما يُبادرك معالي الشيخ نهيان بالسلام، وهو يُغادر بيته ذلك الصباح، ليُرافق فَـلـذَة كبده وابنه البِكر إلى مثواه الأخير. تفقدُ صوتك، لا تعرفُ كيف تردُّ على قلبه الْمُـنْـهَـك، المفجوع، المطعون في أُبوّته، ويحضُرك قول اللّه تعالى: {سلامٌ عليكم بما صبرتُم فنعم عقبَى الدّار}. فتنسَى أنّك في داره، وتحسده على قصر أثّـثـه في الآخرة بصبره وتقواه وصَدَقَاتِه.
    الأمير المتوّج بسموّ البساطة، لا يملك إلاّ الحمد على كلّ مُصاب، فيستحي منه الموت. ولحظتها يزيده اللّه تعالى وقاراً وبهاء، وهو يُواسي الآخرين، عن فتىً لايزال مَن رافقوه إلى الحجّ، يذكرون أنّه ما كان يجلس للطعام حتى يأكل الآخرون، وكثيراً ما نام في الممرِّ ليترك مكانه لغيره.
    ســعيــد.. الشيخ بن الشيخ بن الشيخ، ورث الخُلق والتقوى أبَّــاً عن جدّ. ما قصده أحدٌ إلاّ وجده مُلبِّياً مُضحيّاً.
    مساء ذلك الْمُصَاب الجَلَل، دخل البيت عائداً من سفر دراسي، فتركتُ مكاني لإخوته يتحلّقون حوله، لكنه أصرَّ على بقائي، وضيَّق (رحمه اللّه) من مجلسه ليترك لي مقعداً.
    كانت الملائكة لحظتها تُوسِّع له مَكَانَاً في الجنّة بين الصابرين الطاهرين، لقد اصطفته ليُجالسها.. {وما يُلقَّاها إلاّ الذين صَبَروا ومَا يُلقَّاهَا إلاّ ذو حظ عظيم}.
    مَـنْ مثلـه، يأتي دنيانـا زائـراً.. مُسلِّماً لا غيـر.

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المكان
    بذاك البلد
    الردود
    12

    Wink السلام عليكم

    حقيقة لم أقرأ المقال كامل ..
    ممم ، لكنه الان من ضمن المحفوظات في الكمبيوتر:cwm11:

    لكن بين يدي رواية احلام (ذاكرة الجسد ) ، للمرة الثانية اقراها ..
    حقيقة ، بدوي ان افرغ من قراءتها بسرعة ، لأعيد قرائتها مرة اخرى ..

    رائعة كثيرا احلام ..



    ممم
    لنا عودة ان شاء الله ..
    بعد الإمتحانات


    سلمت اخي الكريم ..


    اختكم
    زهرة

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    متعة الإقامة في مخدَع الكلمات


    أنا بنت نيسان "شهر الكذب" وليس من عادة الأسماك أن تصدق، غير أن لي نُبل الاعتراف بذلك، حتى إنني سمَّيتُ إحدى مجموعاتي "أكاذيب سمكة". ولم أتردّد في تنبيه القارئ بين جملتين إلى احتمال أن يكون ما يقرأه في رواياتي منسوجاً من دانتيل الأكاذيب.
    على الرغم من ذلك، كثيراً ما يرفض القارئ إمكانية أن يكون أمام نص مُخادِع. وينوب عن زوجي في محاسبتي، كما ناب الشعب الأميركي عن هيلاري في محاسبة بيل كلينتون.
    أكبر حماقة تقترفها كاتبة، هي التبرؤ ممّا يُحيط كتاباتها من شُبهات. فليس واجبها أن تدافع عن عفّة الكتابة وبراءتها، ولا أن تبرر مزالق أبطالها ونزواتهم. فلا أحد غيرها يدري أن الرواية هي أيضاً فن إسناد أقوالك وأفعالك للآخرين.
    الكتابة فعل إرباك واستدراج للقارئ إلى كمين لغة ملغومة بالاحتمالات، وبذلك البوح المشفّر الذي تختفي خلفه المرأة الكاتبة.
    شخصياً لا أثق ببراءة القارئ. لذا لا أقوم بجهد البحث له عن لغة معصومة.. تشبُهه. وأشارك "بودلير" قوله مخاطباً هذا القارئ: "أيها القارئ المخادع، أخي.. يا شبيهي".
    لماذا نحبُّ كاتباً بالذات؟ لا لأنه يُبهرنا بتفوّقه علينا، بل لأنه يُدهشنا بتشابهه معنا، لأنه يبوح لنا بخطاياه ومخاوفه وأسراره، التي ليست سوى أسرارنا. تلك التي لا نملك شجاعة الاعتراف بها، حتى لهذا الكاتب نفسه.
    حدث أن جاءتني صحافية، وفي حوزتها روايتي "فوضى الحواس"، وقد وضعت سطوراً وإشارات وهوامش على كثير من جُملها، حتى بَدَا الكتاب طاعناً في العمر. وعَبَثاً حاولتُ أن أستعيره منها، لأعرف ما أحبَّته بالتحديد في كتابي. لكنها رفضت، واعترفت لي بأنها تخاف إن تصفَّحته أن أعرف الكثير عنها. فقلت لها متعجِّبة: "ولكنك تعرفين عني ما يكفي ليكون لي حقّ التجسس عليك أنا أيضاً!"، فاكتفت بالضحك، وأخفت الكتاب.
    وحدث أن طلبتُ من نزار قباني يوماً، أن يطلعني على نسخة "ذاكرة الجسد" التي في حوزته، بعدما حكى لي مرة، أنه كلّما أطلع أصدقاءه على الرواية ليحثهم على قراءتها، كانوا يعجبون لعدد السطور التي وضعها تحت الجُمَل التي "كتبتها فيها".
    لكنّه، رحمه اللّه، ضحك، ولم يستجب لطلبي. ومازلت أتمنّى أن تهديني ابنته هدباء تلك النسخة أو تسمح لي بالاطِّلاع عليها. أو تصويرها، عساني أعرف بعض ما أخفاه عني نزار قارئاً.
    هذه الحادثة جعلتني أعتقد أنّ الكاتب نفسه عندما يتحوّل إلى قارئ، تنتابه أعراض الحَيَاء إيَّاها. ففي القراءة حميميّة لا تعادلها إلاّ حميميّة الكتابة.
    لذا مثلاً، يزعجنا ونحن نطالع مجلة أو كتاباً في حافلة، أن يقف أحد خلفنا ويبدأ في مشاركتنا القراءة، لأنه لحظتها يكون منهمكاً في مطالعتنا.
    ولأننا اعتدنا ألاّ نسأل الذين يقرأون لماذا يفعلون ذلك، بقدر سؤالنا الكتّاب، لماذا هم يكتبون. فبإمكاني أن أجيب مستندة إلى قول "رولان بارت": "الكتابة هي فن مزج الشهوات"، إنني أكتب لمتعة الإقامة في مخدع الكلمات، وأظنّ أنّ كثيراً من القارئات يشبهنني ويقرأنني، لأنهن يشاطرنني قدراً نسائياً لا يخلو من المراوغة الضرورية. ومن النفاق المتوارث، الذي يبدأ من التفاصيل المخادعة للحياة اليوميّة. وينتهي في مخدع "الشرعيّة". وفي كلّ مخدع نحن نحتاج إلى مكر الحواس، ومكيدة اللغة، لننجو من ورطة الواقع. فهكذا أنقذت جدتنا شهرزاد رأسها من الموت عندما راحت في مخدع الكلمات، تكيد لشهريار باللغة ليلة بعد أُخرى. منذ ذلك الحين، أصبح للذاكرة النسائية حيلٌ، إحداها الكتابة· وللرواية ذرائع.. إحداها تبييض الأكاذيب، كما يُبيِّض البعض الأموال غير المشروعة.
    ومن هنا جاء قول كاتبة فرنسية "الروائي كذاب يقول أشياء حقيقيّة". وجاء قول غادة السمّان: "العمل الإبداعي كذب مركّب". لذا لمزيد من الكذب يحدث أن أكتب لكم بعض النصوص المخادعة، التي عليكم أن تنسوا أحياناً.. أنّها تبييض لأحلام غير شرعية.

    ملاحظـــة : تم نشر هذه المقالة سابقاً تحت عنوان ( لمزيد من الكذب أكتب ) لكن السيدة احلام قامت بنشرها مرة ثانية في مجلة زهرة الخليج تحت هذا العنوان .

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    الكارثة ما عادت تحتاج إلى مُنجِّم


    "سيذكر أحفادنا بشعور من الخجل الْمُــرّ ذلك الزمن العجيب الذي كان الشرف البسيط فيه يُسمّى شجاعة".
    (يوفتُشينكو)

    **

    لا أدري أين يكون ميشيل حايك، نجم التوقّعات اللبنانية وقارئ فنجان القدر اللبنانيّ الذي يُشكِّل ظاهرة يُؤمِن بها الكبير والصغير في لبنان. الرجل الذي يتحكَّم في مِزَاج الناس، في ذعرهم وتفاؤلهم، ومشروعاتهم، وحقائب سفرهم. علَّه حزم حقيبته إلى بلادٍ أُخرى، أثناء انشغال اللبنانيين بالجواب عن السؤال إيّـاه: "هل ينتظرون السيّاح الذين خسرهم لبنان الصيف الماضي بسبب الحرب؟ أم يحزمون حقائبهم ويتبعثرون في بلاد اللّه الواسعة، بحثاً عن أقدار أُخرى خارج الوطن"؟ فاللبناني يعيش جالساً على حقيبته.. دائماً على أهبة قدر.
    سبق لميشيل حايك سنة 2006 أن بشّرنا بنفق مظلم شاهده بأُمِّ عينيه، ثمّ قرّر أن يصمُت ليوفّر علينا رعب "تنبؤاته".
    لكن "التنبؤات" نشاهدها الآن على كلّ القنوات الإخبارية، ما عادت برنامجاً ننتظره ليلة رأس السنة، ولا هي مِلْك حصري على المنجِّمين.
    الكارثة ما عادت تحتاج إلى مُنجِّم. كلُّ تاجر في لبنان، وكلّ سائق تاكسي، وكل شاب يعمل أو يُدرِّس في جامعة في لبنان يعرفها.
    ابني أخبرني، وهو يُعدُّ امتحانات تخرّجه في إدارة الأعمال، أن الأساتذة جميعهم ينصحونهم بالشروع فوراً في البحث عن عمل خارج لبنان، لأنّ لا مستقبل لهم في هذا البلد.
    كان يلزمنا أنا وزوجي عشر سنوات لاقتلاع الأولاد من فرنسا، وغرسهم في تربة عربيّة جديدة، إنقاذاً لهويتهم. لكن ما يكاد أحدهم يتخرّج حتى يأتي لوداعنا، تاركاً خلفه كلَّ الإغراءات التي نحاول استبقاءه فيها.
    شعورهم بالذنب كبير تجاه أبيهم، لكنهم يُكفِّرون عنه بنجاح أكبر في لندن. وإذا بي أنا مَن يشعر بالذنب تجاه ثالثهم، الذي أحتجزه رهينة عندي، على الرغم من علمي أنه لم يُخلق للعيش هنا.
    مؤخراً قرأتُ مقابلة مع ملحم بركات، يقول فيها على عنوان كبير: "حرام نتجوّز ونفقّس أولاد في لبنان". على الرغم من كونه مَن لَحَّـن قبل ذلك أغنية صباح "المجوَّز اللّه يزيدو ويبعتلُو إللي بيريدُو"!
    كصاحبها، كانت المقابلة طريفة وشجاعة، تحدَّث فيها ملحم عن تدهور الأوضاع المادية، التي وصل إليها اللبنانيون هذه الأيام، وعرَّج على طفولته التي كانت بائسة بسبب الفقر. وهذا في حدّ ذاته ضرب من الشجاعة النادرة في لبنان، حيث لا عيب أكبر من الفقر، حتى غَـدَا هَمّ اللبناني، لا أن يعيش بل أن يبدو أثرى ممّا هو!
    يروي ملحم بركات: "كنّا إذا اشتغل والدي نأكل، وإذا ما اشتغل ما في أكل. كانت والدتي تلفُّ لنا الساندويتشات، وتطلب إلينا أن نتناولها على الشرفة لكي يعتقد الجيران بأننا لسنا فقراء. وكانت تطلب إليَّ في حال كنت جائعاً جداً، أن أقف أمام المرآة لكي يبدو لي السندويتش سندويتشين".
    ازداد حُبِّي لملحم بركات بعد هذا البَوح الإنسانيّ المؤثّر. وخشيت إن استمرّت هذه المحنة الاقتصادية، أن يأتي يوم يشتري فيه اللبنانيون بما بقي في جيوبهم من مال، مرايــــا، حتى يبدو لأولادهم وهم يقفون أمامها أنهم يأكلون سندويتشين لا واحداً. ومَن يدري، ربما أصبحوا أيام الأحد، يتناولون غداءهم على البَلكونَات حتى يُقنع أحدهم جاره والمارة، أنّه أثرى ممّا يعتقدون!

    آخر الكلام:
    قال ميشيل حايك مُبرِّراً صمته عن هول "ما رأى" من إشارات كارثية في فنجان لبنان: "مَن يعلم كثيراً يتكلّم قليلاً". غير أنّ الكارثة الحقيقيّة، أنّ مَن يتكلّم لا يعلم.. أمّا مَن يعلَم فيعلَم كم هو مُكلف في لبنان أن تعلَم. الحقيقة تحرق كلّ مَن يضع يده عليها. ولأنّ الشباب بطبعهم لا يُحبُّون المراوغَة، ولا يقبلون بغير الحقيقة حزباً وهم دائماً أوّل مَن يغادر".
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    أَوَ كُلّما اشتهيتَ·· اشتريت؟

    عـــاد الصيف، ومعه حمّى التبضُّع الصيفيّ، وموسم التنزيلات و"التشليحات"· وحدها الْمَحال الرجالية في لبنان تعاني كساد بضاعتها· التجار الذين جازفوا باستيراد ماركات أوروبية غالية، لا يدرون ماذا يفعلون بها، وقد قضت الأوضاع الأمنيّة لصيف آخر على تجارتهم، بينما يراهن باعة الثياب النسائية على هَـوَس النساء بالموضة، واستعدادهنّ للإنفاق بلا حساب، عندما يتعلّق الأمر بمظهرهن، أيّـاً كانت ظروفهن أو ظروف البلاد·

    إحدى الفتيات صرّحت لصحيفة يوميّة: "إنّ المرأة اللبنانية حريصة على أن تكون أنيقة ومتميِّزة، وقد تجوع وتمتنع عن الأكل أسبوعاً كاملاً لتشتري فستاناً آخر الأسبوع"·

    حسدتها، وتمنيت لو أنّ لي إمكانات أقل، وهَوَسَـاً أكبر بالموضة، حتى أعثر على مُبرِّر لتجويع نفسي، عساني أفقد بعض وزني بذريعة اقتناء فستان أحلامي· لكن، لأن الحياة غير عادلة، فأنا أفتقد شهيّة الشراء·· وهنّ يفتقدن الإمكانات· وعبثاً حاولَت بعض صديقاتي، عن محبَّة وغيرة على وجاهتي، إقناعي بأنّ "واجهتي" تستحق أناقة متميِّزة، وسخاءً أكثر·

    صديقتي الجميلة تيريز، فائقة الأناقة والرشاقة، بحُكم مهنتها، والأدرى بجنوني، لأنني أهديتها دائماً كلَّ ما تمنيتُ أن أرتديه، قالت لي يوماً بحزن نسائي، وبذكاء جعل منها صديقتي المفضّلة: "أنــتِ تُهدينني ما هو غالٍ·· لأنكِ تملكين ما هو أغلى"· فحزنتُ لحدودِ سخائي العاطفيّ، وأدركتُ أنّ ما هو أغلى في الحياة لا نملك إمكانية اقتسامه·· ولا حقّ إهدائه، وحمدتُ اللّه في سرِّي لأنه وهبني ما لا يُشترى· ذلك "الشيء" الذي لا أحتاج إلى سواه لأحيا·· وأكتب!

    بالنسبة إلى التبضُّع، القضيّة بالنسبة إليَّ، هي أولاً قضية وقت· الوقت هو أغلى ما أملك، ومَاعُدتُ جاهزة لأنفقه، تائهة صباح مساء مع قطعان النساء في المحال، بحثاً عن قطعة "لقطة"· اللقطة بالنسبة إليَّ الآن، هي صفحة جميلة قد أكتبها أثناء ذلك، صفحة قد تخلد في كتاب، بينما، حتى الثوب الأغلى محكوم عليه بالفناء·

    أعترف، تنتابني أحياناً حمّى الشراء، غالباً لأسباب نفسيّة أو عاطفيّة· لكنني قلّما أفقد عقلي أمام بضاعة غالية الثمن·

    قد أبدو حمقاء، وربما كنتُ كذلك، لكنني أستحي مِن شراء شيء أدري أنني أملك أحياناً أجمل منه، وقد لا أرتديه إلاّ نادراً، بينما في إمكان ثمنه أن يردّ الغبن عن شخص، وربما يُغيِّر حياته·

    دون قصد أو قرار، أُثابر على رياضة نفسيّة تُقوّي مناعتي الخُلقية، وتحُول دون انهزامي أمام ما هو في متناول جيبي وليس في متناول ضميري· حتى غدت سعادتي في عودتي إلى البيت، ولم أشترِ شيئاً ممّا اشتهيته·

    سابقاً، كنتُ أحبُّ قولاً لكاتب فرنسي: "أحتقرُ مَن يشتهي شيئاً· أعذرُ مَن يشتهي أحداً"، حتى قرأت قولاً لعمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه)، فترك في قلبي أكبر أثر ببلاغته وحكمته، ومازلتُ منذ أسبوع أتأمّل في معانيه· وكان عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) قد صادف رجلاً عائداً إلى بيته وفي يده لحم اشتراه، فقال له (رضي اللّه عنه) بعتاب المؤمن: "أوَ كُلّما اشتهيتَ اشتريت؟"·

    في هذا العالم العربي الذي تُنفَق فيه مبالغ على الكماليات، تشهق لها الأرقام التي تتناقلها الشركات العالمية للمجوهرات، والعطور والساعات·· والنظارات الشمسية مثلاً، كم جميلٌ أن يذكر المرء، أياً كانت إمكاناته، هذا القول، حتى يُربِّي نفسه على القناعة، ويُعيد اكتشاف قيمة الأشياء· وعندها فقط تفوق سعادته بمقاومته الأشياء·· سعادته بامتلاكها·

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    دموع التمثال

    "على كلِّ شخص مات شجاعاً أن يتساءل عن جدوى هذه الميتة"•

    (مات هنون)


    كلّما أُغادر بيتي الجبليّ نزولاً نحو بيروت، يتربّص بي أسفل الجبل النصب التذكاري للشهيد جبران تويني، في مدخل الطريق الفرعي الذي سلكه هروباً من الموت، فكان الموت ينتظره عنده• هناك فجّروا سيارته، فتطايرت وانتهت بمن فيها أسفل وادي الجريمة•

    ما استطعت يوماً تجاهل ذلك النصب• هو على شمالي عندما أنزل، وعلى يميني حين أصعد الجبل• ليس كبيراً كما هي تماثيل الطُّغاة عادة، ولا منتصب القامة، كما هي نصب المشاهير من سياسيين ومبدعين• هو قلم من حجر، رأسه منغرس في قاعدة حجرية، كما لو كان يواصل الكتابة، وخلفه كتاب حجريّ بأوراق كثيرة، كُتب على صفحته الأُولى قَسَم جبران الشهير: "نُقسم بالله العظيم أن نبقى موحدين/ مسلمين ومسيحيين/ إلى أبد الآبدين/"•

    صورة جبران المنقوشة على اللوحة التذكارية تخلّد وسامته الأبدية، وذلك القلم الذي تكاد ريشته تنطق، ما استطاع نحّاته على الرغم من ذلك أن يجعله يجيب نايلة التويني وهي تسأل في الذكرى الأولى لوفاة أبيها: "جبران يا أبي•• ماذا تفعل في "الهناك"؟ هل تقرأ؟ هل تكتب؟ هل تشمّ رائحة الورق والحبر يومياً كما كنت تفعل هنا؟ هل تكتب عموداً أسبوعياً في جريدة السماء؟"•

    لا وقت لجبران ليجيب• لكن، لنا كلّ الوقت لنلقي عليه السلام، كما لو كنّا نقرأ افتتاحية جديدة له•

    كلّما أمرُّ بنصبه ذاك، أفكّر في الغالي الأستاذ غسان تويني، الذي لا مفرّ له من سلوك هذا الطريق كلّما قصد بيروت• أتراه يحزن أم يسعد كلّما مرّ من هنا، لأنّ الموت أخذ منه ابناً، ومنحه رمزاً؟ لم أجرؤ منذ تلك الفاجعة على الاتصال به، على الرغم من كونه جاري، وأنه حدث أن زرت بيته في ظروف أكثر بهجة• أفكر في صبره في مواجهة قدر بفواجع ذات وقع إغريقي•

    ما اختار أن يكون بطلاً إغريقياً• المأساة اختارته• الرجل الذي لم يبكِ أمام البشر، أأجل بكاءه لهذا الحجر؟ ربما حاول الحجر مواساته، وإقناعه، بعد أن أودع التراب آخر أبنائه• إنّ من أنجب للوطن رمزاً لا تنتهي سلالته، لكن أبوّته المفجوعة ليست معنيّة بهذا الكلام• هي تدري أنّ الحياة أهم من التمثال•

    ها نحن خسرنا رجالاً وكسبنا رموزاً• وفقدنا أعزاء، وربحنا صوراً مرفوعة على اللافتات الإشهارية• فلماذا وحدنا في هذا العالم نحتاج إلى هذه المقايضة لنبني وطناً، وإلى هذه التضحيات لنبدو وطنيين، وإلى هذه المآسي لإعمار أوطان تواطأنا مع هادميها، بينما يبني الآخرون أوطانهم في البهجة؟

    تحتاج الأوطان إلى النصب لتتذكّر• لكنها لا تُعمَّرُ بالتماثيل والأضرحة، بل بالإرادة والعدالة والقوانين• القانون الذي يحميكَ ويساويكَ بأي مواطن آخر، يحمي حياتك ولقمة عيشك•• وبهجتك• كي تُعمِّر وطناً تحتاج إلى أن تكون مواطناً قبل أن تكون وطنيّاً• ما جدوى أن تنحدر من تمثال إن كانت قدماك غارقتين في برك الدم، ويداك مشغولتين بمسح دموعك؟

    البارحة، بكَى التمثال• كانت بقايا شموع ذائبة فوق قاعدته، شموع وضعها اللبنانيون على أطرحة شهدائهم وعلى نصبهم لحظة إعلان قرار التصويت على إنشاء المحكمة الدولية•

    البارحة، بكى سعدالدين الحريري كطفل، وبكى أمين الجميل بحرقة الأب وهو يستمع مباشرة للتصويت على القرار، ودمعت عينا بهيّة الحريري، وعادت نايلة تويني طفلة وهي تزف لأبيها خبر إقرار المحكمة الدولية•

    البارحة، كلّ الذين تماسكوا أمام الموت، أبكتهم العدالة، وفكرة أن يعرفوا أخيراً مَن سرق منهم أحبّاءهم، آباءهم، وفلذات أكبادهم•• وأهداهم عوضاً عنها أضرحة ونصباً تذكارية•

    البارحة بكيت•

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    الوردة تنادي على قاطفها

    يا اللّه.. كم أتمنى لو استطعت يوماً، ولو قبل موتي بيوم، أن أوثّق للتاريخ كلّ الكمائن التي نُصِبَت لي ووقعتُ فيها، أحياناً بملء إرادتي، وبرغبة في التغابي.

    التغابي ترف ليس في متناول الجميع.. يلزمه استعداد مسبق للخسارة مقابل ابتسامة تهكُّم لا يراها غيرك.


    لا تحزنني فخاخ المال. أختي كانت تردّد: "أحب أن أدفع لأعرف حقيقة مَن أُعاشر". البعض جاهز ليخسرك من أجل القليل. قيمته تساوي بالضبط ما أعتقد أنه أخذ منك. لذا، حتى الخسارة الماديّة، هي في حقيقتها فاجعة أخلاقية.


    تحزنني فخاخ المحبَّة. فكم عرفت منها ولم أتعلّم. نحنُ دائماً ضعاف أمام المحبة في سخائها وبراءتها الأُولى. الفخاخ تأتي لاحقاً.


    احــــذروا المحبَّة العجلَى.. إنها غالباً ما تُغادر باكراً. لا وقت لها لانتظار الموسم المقبل. هي تفضّل القطف السريع.


    كنت سأنصحكم بأن تحجبوا ورودكم عن عابري السبيل، لولا أن العطر سيشي بكم. الوردة تنادي على قاطفها ليسرقها.




    الأَسرَّة الخاليّة للراحلين باكراً



    الموت أُنثى. لو لم يكن كذلك، لَمَا اختار أكثر الرجال وسامة وفتوّة وبهاء، وخطفهم من زوجاتهم وحبيباتهم وأمهاتهم بذريعة أنه يُفضّلهم شهداء.


    يبثُّ التلفزيون اللبناني هذه الأيام صوراً لأولئك الجميلين الذين ذهبوا، يغطّيهم علم لبنان، وتزفُّهم الأناشيد والورود إلى التراب: رفيـق الحريري جبران تويني، سمير قصير وبيار الجميّـل، ورفاق الخاتمة الواحدة، وكلّ الجنود الوسيمين الجميلين الْمُقبلِين على الحياة، والمستريحين الآن في مجد أبديّ ما كانوا مهيّئين له.

    يعودون كما في شريط إعلاني بعد أن كبرت سوق الموت. يطلّون علينا بين البرامج ووسطها، قبل أغنية وبعدها، ليروّجوا لبضاعة غالية الثمن تُدعى "الحقيقة".

    نحاول أن نعتذر لهم بأكاليل الورد والدموع. في كلِّ إطلالة نستحضر مآثر راحلين لا نعرفهم، ولا يعرفون أننا نبكيهم.


    نحاول أن نفهم، كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟


    أكانوا وهم يتكلّمون، ويبتسمون، ويتوعّدون، ويَعِدون، ويقسمون، ويتحدّون، لا يتحدّون في الواقع أُنوثة الموت، ولا يتحرّشون إلاّ بها، كأنهم يستدرجونها وينبهونها بما أُوتوا من غرور الرجولة.. إنهم هنا؟


    صديقتي التي مالت سابقاً إلى وسامة جبران رحمه اللّه، التي تنحاز اليوم إلى بسالة الجيش اللبناني، من دون أن تنسى وسامته.. مقارنة بجيوش أُخرى، هاتفتني وهي ترى شهداءه الذين يسقطون كل يوم ضحايا كمائن عصابات الموت في مخيم نهر البارد. قالت بغصّة البكاء الصامت: "هل رأيت جيشاً أجمل من جيشنا؟ بربّك قولي.. أرأيت مثل هذا العنفوان؟". وقبل أن أوافقها الرأي، واصلت: "الأُنثى التي كَادَتْ لهم، أخذتهم من إناث الأرض لتستحوذ عليهم هناك. قولي لي ماذا تفعل بهم حيث هم؟ (يا ضيعانهم! ".(



    أمّا وقد..

    "أيتها الأرض!

    إنّ جزيتك جدُّ ثقيلة

    تفترسين الشبيبة

    وتتركين الأَسرَّة خالية"

    من أشعار نساء البشتون


    في أفغانستان
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    الشباك الفارغة للحقيقة

    في القطار السريع الذي كان ينقلني من باريس إلى مدينة كان، تصفحت مجلة مجانيّة تقدُّمها شركة الخطوط الحديدية للنقل هدية إلى ركابها، تتصدّر غلافها مقابلة مع الكاتب الفرنسي مارك جوليفي. المقابلة صفقة إعلانية متبادلة، تعلن فيها المجلة عن آخر مؤلفات الكاتب، ويشهر فيها الكاتب حبّه للقطار السريع، الذي كتب فيه كثيراً من أعماله. حتى إنه عندما سُئل: »لو كان لأحد أبطالك القدرة على تحقيق إحدى أمنياتك، ماذا كنت ستطلب؟«. أجاب: »أن يكون هناك قطار سريع من طابقين، وأن يحمل أحد القطارات اسمي«. على غروره، يبدو لي هذا المطلب مشوقاً، فقد شاهدت طائرة تونسية تحمل اسم »أبو القاسم الشابي« على الرغم من كونه لم يستقل طائرة في حياته. وربما بعد زمن »عربة اسمها الرغبة« (عنوان ذلك الفيلم الشهير) سيأتي زمن قاطرات.. وطائرات اسمها الكتابة.

    دوستويفسكي، الذي أجاب من جاء يسأله مرّة: »كيف أستطيع أن أصبح كاتباً يا سيدي؟«. قائلاً: »أن تستقل عربات الدرجة الثالثة في القطار«، كان سيحزن لو هو قرأ اليوم هذه المقابلة، واكتشف أن نصيحته ما عادت صالحة. فحتى قاطرات الدرجة الثالثة نفسها اختفت باختفاء ذلك الفقر المدقع الذي عرفته روسيا وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وأصبح في إمكان الكاتب أن يكون كبيراً وهو يستقل القطار السريع، ويجلس على كرسي أنيق ومريح ليكتب روايته مباشرة على الكمبيوتر.
    طبعاً هذا الكاتب ليس أنا. فأنا مازلت لا أدري كيف سأتمكن من »تطبيع« علاقتي مع هذا الجهاز. ولا كيف أدخله أو أخرج من متاهته، إضافة إلى كوني مازلت على وفائي للباصات الشعبية، والحافلة الحمراء رقم 17 التي تعود بي من المتحف إلى برمّانا وسط الزحمة، من دون أن يتنبه أحد مسؤولي هذه الشركة لاستثمار اسمي في الإعلان عن باصاته، على الرغم من كون هذه الشركات تعرف عادة من أين تؤكل كتف الراكب. ومن قبلها كتف الوطن.

    في محطة القطار في باريس، عبَرني حزن مباغت، تذكرتُ كاتباً روسياً آخر، صنع مجد الرواية، وانتهى قدره في محطة القطار. تخيّلت تولستوي العظيم، بلحيته الطويلة البيضاء، وجسده الذي أنهكه التأمل في مخادعات الحياة، يلفظ أنفاسه على الكرسي المجاور لي. فهكذا مات صاحب رائعة »الحرب والسلام« وهو يحتضر وسط صفير القطارات. وكان قد قصد المحطة منهَكاً ليموت فيها، بعد أن استدعى عشية موته، ابنه »سيرج« ليقول له بصوت منهك: »سيرج.. إنني أحب الحقيقة كثيراً.. أحب الحقيقة«. وكانت تلك كلماته الأخيرة.

    ذلك أنه منذ الأزل والكُتّاب يطاردون الحقيقة، مشياً على الأقدام حيناً، وحيناً على ظهر حصان، قبل أن يركبوا السيارات والقطارات والطائرات والبواخر، بحثاً عنها. فالكاتب يسلّم خطاه للمصادفة، مدركاً تماماً، أن »الحقيقة عابرة سبيل لا شيء يستطيع أن يعترض سبيلها«، كما كان يقول إميل زولا.

    تلك الحقيقة التي نبلغها غالباً في آخر المطاف، وقد تأخّر الوقت كثيراً. أيعثر الكاتب عليها وهو صاعد.. أو نازل سلّم الحياة، في قاطرات الدرجة الثالثة.. أم في قطار عصري سريع يحمل اسمه، ويجلس فيه في الدرجة الأولى؟

    أتراني بلغت الحقيقة أم سرابها، وقد ركبت بعد هذا العمر الطويل معظم وسائل النقل الشعبية منها، والأُخرى التي ما كان حلمي بأن أركبها يوماً، من سيارات فارهة وطائرات خاصة وقصور عائمة دعتني إليها صديقة مولعة بالأدب برفقة كتّاب وأساتذة آخرين. مرّت سنوات على تلك الرحلة التي لم يتوقف فكري أثناءها عن مجادلة دوستويفسكي، الذي كان يعتقد أن وحده الاحتكاك بالبسطاء يغذّي الأدب، بينما أصبحت قناعتي أن لا شيء يضعنا أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، كمقاربة عالم مناقض تماماً لعالمنا.

    فالكاتب كما المفكر يحتاج، لسبر أغوار النفس البشرية، إلى الاصطدام بما يغذي تأملاته من متناقضات هذه الحياة.

    أمام سيارات الفيراري المكشوفة، تذكرت فرنسواز ساغان التي كانت مولعة بقيادة السيارات السريعة، وهي حافية القدمين، ومن دون حزام أمان يقيها الصدمات، وتساءلت: هل الحقيقة توجد بالنسبة إلى الكاتب في المقاعد الآمنة؟ أم في سيارات لا سقف لضوابطها؟

    وأمام البحر الذي كانت اليخوت تشقه بغطرسة، تذكرت همنغواي الذي كتب »العجوز والبحر«، واقفاً! وعندما حصلت روايته على جائزة نوبل، أهدى الجائزة إلى أصدقائه الصيادين، فقد كان يدري أن البحارة وحدهم يملكون الحقيقة، لأنهم يذهبون إلى البحر بزوارق متواضعة وشباك فارغة.

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    اعزائي اتمنى ان اكون قد تركت أثراً طيباً عبر هذه الزاوية و غيرها
    سأترك المنتدى و ذلك احتجاجاً على حذف موضوعي الذي حمل عنوان " يوم تعثر بك قدري .. فأقمتِ " و الذي تحدثت فيه عن كتب احلام مستغانمي
    و هاجمني شباب و صبايا الموقع و اتهمونني بانني أسوق لروايات فيها مجون و دعارة و بأنني شخص لا اتقي الله و كل ذنبي انني اعشق احلام مستغانمي
    و هنا اقول : غن كان عشق احلام جريمة ...فانا المجرم الاول في العالم
    و ان كانت كتبها خطيئة ..... فنعم الخطايا هي .

    تحياتي

    و
    وداعاً
    تقول سيدة الأدب العربي أحلام مستغانمي :

    ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك·........


  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Aug 2004
    الردود
    89


    هل هناك طريق لكلام آخر .. ؟ غير هذا القرار ؟!

    أرجو ذلك ..

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    هناك
    الردود
    30

    للاسف

    عندما تعرفت عن هذا المنتدى كان عبرك يا ابو ميشال كنت انتظر دائما جديدك كانت انت البداية
    واتمنى ان لا تكون النهاية
    جمعتنااحلام وادعو ان لا تفرقنا

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    مع عودة موضوعي المحذوف
    أعود

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    ما لم أقله لكم•• من فوق الشجرة

    مازلتُ أقضي عطلتي من دون تلفزيون• فقد تعطّل، وقرّرت، رأفة بأعصابي، أن أستغني عنه• لكن، لا يكفي أن تقاطع الفضائيات العربية لتشفى من داء العروبة، وأخبارها التي لا يمكن أن تنقل إليك سوى ما يصيبك بالهمّ والغمّ والإحباط• هذا إذا لم يلحقك من جرّائها مرض عُضال، فتنتهي حسب قول المرحوم أبو عمّار "شهيداً شهيداً شهيداً"، في حروب لم تخصها إلاّ "مشاهداً مشاهداً مشاهداً" لنشرات الأخبار•

    مات نزار قباني وفي نفسه شيء من ذلك السؤال:

    "أنا يا صديقي متعَب بعروبتي
    فهل العروبة لعنة وعقاب؟"

    لأن السؤال مازال قائماً، والجواب عنه في متناول حتى أطفالنا، في إمكانكم المشاركة في أي برنامج للفوازير العربية، وستربحون المليون حتماً•• أو ما يعادل وزن الصحف العربية من ذهب•

    ذلك أن الصحف، أيضاً، أصبحت مصدر بلاء ووباء• فمنذ الصفحة الأولى، تُشهر في وجهك كل الكوارث والمصائب والمجازر العربية، بشيء من السعادة المستترة، لصحيفة عثرت على ما يكفي من الدم، لتلوين صفحتها الأولى•

    لذا، بسبب تناقُص مناعتي في التعاطي مع أخبارنا الكوارثية، قررت أن أضيف إلى برنامج علاجي مقاطعة الصحف العربية•

    صدّقوني، لن تخسروا شيئاً إن أنتم أقلعتم عن مشاهدة الفضائيات، أو مطالعة الصحف• ثمة ثلاثمئة مليون صيني لا يملكون جهاز راديو، ولم يمنعهم هذا من الحياة ولا من السعادة• فهم يعتمدون على 82 مليون مكبِّر صوت لإيقاظهم بالموسيقى والإعلانات ونشرة أخبار موجزة•

    أمّا النعمة الحقيقية، فتتمتع بها بلدة أفغانية لم تعرف حتى اليوم التلفزيون ولا الصحف، ولا حتى مكبّر الصوت• كل وسائل إعلامها السمعية والبصرية، تُقتصر في قرن ثور يمتلكه قاضي البلدة، الذي يعمل "مذيعاً" أيضاً• وهو يستعمل بوقه هذا للتشهير بالمجرمين، وإذاعة الأحكام التي اتُّخذت في حقهم، ولا يحتاج سكان البلدة إلى معرفة أكثر من هذا عن العالم• فمنذ أن أصبح العالم "قرية كونية"، صار ترف القرية، أن تغدو عالماً في حدّ ذاته في غنى عن الكون!

    الذي يتعذّر عليه اللجوء إلى أهل الكهوف في أفغانستان، هرباً من التلوث السياسي والإعلامي، الذي نعانيه بسبب فائض الفضائيات العربية، في إمكانه أن يغزو كهفاً ويعلنه منطقة محررة ومنبراً إعلامياً حراً، كذلك الجزائري الذي عاش قبل ثلاث سنوات لعدّة أشهر في مغارة مهجورة "احتجاجاً على فشل الحكومة في التكفُّل بانشغالات المواطنين"، متعمداً أن يبقى معتكفاً في كهفه إلى حين رفع المظالم عن الناس أو تغيير الحكومة• وكان جزائري آخر قد سبقه بنحو عام إلى ابتداع وسيلة إعلامية جديدة، جاعلاً من النخيل "منبر من لا منبر له"•• فقد صعد الرجل إلى أطول نخلة في مدينة بسكرة جنوب البلاد، ومكث هناك أسابيع عدة، "احتجاجاً على الشر المنتشر في الأرض"، غير معنيٍّ بالصعوبة التي وجدها الصحافيون والتلفزيون في التحاور معه، نظراً لوجوده "فوق النخل•• فوف"!

    كيف فاتنا أن نفكر في الأشجار كمنابر احتجاج واعتصام؟ خاصة أن الدفاع عن البيئة يجعل تسلق شجرة لإعلان رأي من علوّها، أكثر تحضّراً من قطعها لصُنع أوراق نكتب عليها خُطبنا ومقالاتنا، التي قد لا يقرأُها أحد•

    ثمّ•• حدث أن فكّرت في الأشجار كملاذٍ للكتابة، خاصة أنني شاهدت مايكل جاكسون في أحد التحقيقات يتسلّق شجرة كبيرة في بيته، سمّاها "شجرة الزمن"، قال إنه كتب أجمل أغانيه وهو "معربش" فوقها، غير أنني عدلت عن المشروع لكوني لا أنحدر مباشرة من القرد، وليست لي قرابة بطرزان• وأثناء ترددي في اتخاذ قرار، كان الأسمنت يغتال الأشجار في جبل "برمّانا" ملتهماً غابات "لبنان الأخضر"•

    أعذروني إذن• لي كلام كثير تمنيت أن أقوله لكم من علوِّ شجرة، لولا أنهم يغتالون أيضاً الأشجار في لبنان•
    في كل حرب، أثناء تصفية حساب بين البشر، يموت جيل من الأشجار في معارك يتجاوز منطقها فهم الغابات•

    في استطاعتنا أن نبكي• حتى الأشجار ما عاد في إمكانها أن تموت واقفة، فكيف لها أن تكون منبراً لنا؟

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    "مواسم لا علاقة لها بالفصول" :

    هنالك مواسم للبكاء الذي لادموع له
    هنالك مواسم للكلام الذي لا صوت له
    هنالك مواسم للحزن الذي لا مبرر له
    هنالك مواسم للمفكرات الفارغة
    والأيام المتشابهة البيضاء
    هنالك أسابيع للترقب وليالٍ للأرق
    وساعات طويلة للضجر
    هنالك مواسم للحماقات..
    وأخرى للندم
    ومواسم للعشق..
    وأخرى للألم
    هنالك مواسم.. لا علاقة لها بالفصول
    ***
    هنالك مواسم للرسائل التي لن تكتب
    للهاتف الذي لن يدق
    للاعترافات التي لن تقال
    للعمر الذي لابد أن ننفقه في لحظة رهان
    هنالك رهان نلعب فيه قلبنا على طاولة قمار
    هنالك لاعبون رائعون يمارسون الخسارة بتفوق
    ***
    هنالك بدايات سنة أشبه بالنهايات
    هنالك نهايات أسبوع أطول من كل الأسابيع
    هنالك صباحات رمادية لأيام لا علاقة لها بالخريف
    هنالك عواصف عشقية لا تترك لنا من جوار
    وذاكرة مفروشة لا تصلح للإيجار
    ***
    هنالك قطارات ستسافر من دوننا
    وطائرات لن نأخذنا أبعد من أنفسنا
    هنالك في أعماقنا ركن لا يتوقف فيه المطر
    هنالك أمطار لا تسقي سوى الدفاتر
    هنالك قصائد لن يوقعها الشعراء
    هنالك ملهمون يوقعون حياة شاعر
    هنالك كتابات أروع من كتابها
    هنالك قصص حب أجمل من أصحابها
    هنالك عشاق أخطأوا طريقهم للحب
    هنالك حب أخطأ في اختيار عشاقه
    ***
    هنالك زمن لم يخلق للعشق
    هنالك عشاق لم يخلقوا لهذا الزمن
    هنالك حب خلق للبقاء
    هنالك حب لا يبقي على شيء
    هنالك حب في شراسة الكراهية
    هنالك كراهية لا يضاهيها حب
    هنالك نسيان أكثر حضوراً من الذاكرة
    هنالك كذب أصدق من الصدق
    ***
    هنالك أنا
    وهنالك أنت
    هنالك مواعيد وهمية أكثر متعة من كل المواعيد
    هنالك مشاريع حب أجمل من قصة حب
    هنالك فراق أشهى من ألف لقاء
    هنالك خلافات أجمل من ألف صلح
    هنالك لحظات تمر عمراً
    هنالك عمر يختصر في لحظة
    هنالك أنا
    وهنالك أنت
    هنالك دائماً مستحيل ما يولد مع كل حب ..

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    زوجوني•• لكن لم يُسكتوني

    ربما كنتُ من القلائل الذين تحتفل فرنسا جميعها بذكرى زواجهم، وتَعتبر ذلك التاريخ عيداً رسمياً مدفوع الأجر، ومناسبة تُنظَّم فيها العروض العسكرية، والحفلات الشعبية، ويرقص فيها الفرنسيون حتى ساعة متأخرة من الليل في الساحات•

    ولأن ذلك التاريخ يُصادف كلَّ عام وجودي في جنوب فرنسا، فأنا محكوم عليَّ بالفرح، كما حُكم على ماري أنطوانيت في التاريخ نفسه، بالشنق• ولا أذكر أنني نجوت مرة من هيصة المناسبة، ولا من تسابق الفنادق والشواطئ•• والبلديات على إطلاق أسهمها النارية•• لمشاركتي بهجتي، في ذكرى نكبتي•

    ذلك أنّ المصادفة أبَت أن تمنحني متعة النسيان، التي هي حق لكلّ إنسان• فقد تزوجت في باريس ذات 13 يوليو• المساء السابق لعيد الثورة الفرنسية•

    وهكــذا، كنت أسقط في فخّ الزواج، ليلة سقوط الباستيل• وبينما كان السجناء يغادرون السجن القلعة في ليلة كهذه من سنة 1789، كنتُ أنا بملء إرادتي، وبكامل قواي العقلية، أجيب عن سؤال رئيس بلدية الحيّ السادس عشر في باريس: "هل تقبلين هذا "المخلوق" زوجاً؟" بـ"نعم"، وأدخل معتقل المؤسّسة الزوجيّة، وأشرع فوراً في تفريخ الأولاد وفتح ورشة الأمومة وأنا في مقتبل العمر الجميل• كلّ هذا أثناء مواصلتي العمل على إعداد أُطروحتي الجامعية، حى لا أُطرد من فرنسا، التي دخلتها بذريعة الدراسة• فالقانون الفرنسي، لا يسمح بتجديد بطاقة إقامتي، إلاّ إذا كانت مشفوعة ببطاقتي الجامعيّة، وبما يُثبتُ جدّية عملي•

    وأمام المأزق القانوني، ما وجدت لي مَخرجاً، على الرغم من كسلي، إلاّ الانكباب على نصف قرن من الأدب الجزائري، وما يعادله من كتب في علم الاجتماع• وهكذا غدوتُ، بعد 4 سنوات، خرِّيجة السوربون•• لأسباب بوليسية!

    وعودة إلى الثورة الفرنسية، فقد كانت ثورتي تتمثل في الزواج "خطيفة"، وإقناع أبي بأن أرفع التحدّي في وجه عميد كلية الآداب آنذاك، الذي تحت ضغط بعض الأساتذة (الأدباء••) رفض السماح لي بمواصلة دراساتي العليا في الجزائر، خشية أن أنقل عدوى أفكاري إلى الطلبة!

    حصاري أعاد أبي مناضلاً من جديد• وقف معي ضد الجميع، وضد نفسه أيضاً، وقَبِل فكرة أن أتحداهم بالسفر إلى باريس، التي لصغر سني لم أكن قد زرتها من قبل، قصد مواصلة دراستي، مادام ذلك في السّوربون، وتحت إشراف البروفيسور جاك بيرك، شيخ المستشرقين وأكبرهم•

    لم أتوقع، وأنا أُوافق على أحلامه، أن تُسهِّل لي الحياة تلك المعجزات، التي أُولاها قبول جاك بيرك بي طالبة، وأنا في الثانية والعشرين من عمري، بعد أن اطّلع على مؤلّفيّ الصغيرين "على مرفأ الأيام" و"الكتابة في لحظة عُري"• وهكذا راح أبي يزوّدني بالأوراق الضرورية للجامعة، من دون أن يدري أنها الأوراق التي كانت تلزمني في فرنسا•• لعقد الزواج!

    وحتى لا أُخيِّب ظنّ أبي مرتين، أنجزت من أجله وحده عملاً يبدو لي الآن خرافياً، حتى إنني أذكر، أنه عندما أعلنت اللجنة بعد المناقشة، منحي الدكتوراه بدرجة جيد جداً، أجهشتُ بالبكاء• ومازلت أجهل، إن كنت حصلت على تلك الدرجة عن جدارة، مكافأة عن ستمئة صفحة وضعتها أمامهم، سرقت مني ليالي وأياماً لا عدّ لها، أم بسبب بطني المنتفخ أمامي، في شهره السابع•
    سارعتُ بعدها إلى الهاتف أزفّ الخبر إلى أبي• فوحدها فرحته كانت تعنيني، ومن أجله قررت أيضاً ألا أستعمل لقب "الدكتورة" كي أُشعره بأنني حصلت عليه هديّة له•• لا هديّة لنفسي•
    مناسبة هذا الكلام، غداءٌ أقامه على شرفي في الجزائر، الصديق عبدالقادر بن صالح، رئيس المجلس الوطنيّ الشعبيّ (مجلس النواب)• فقد ذكّرني بأنه مَن جمعني لأوّل مرّة بزوجي في الجزائر سنة 1975، غير متوقِّع نتائج فعلته•

    ولأنّه كان آنذاك رئيس تحرير جريدة "الشعب"، فقد ذكّرني أيضاً بأنّ مقالاتي كانت تزيد من مبيعات الجريدة كل أربعاء، لكنها تُسبّب له متاعب• إذ ابتداءً من العاشرة صباحاً كانت الهواتف تأتيه مطالِبة بإسكاتي•

    استنتجت مازحة، أنه عندما لم يستطع إسكاتي، قام بن صالح بتزويجي، عسى غيره يتكفّل بذلك•

    كان رهاناً خاطئاً•• فقد تزوّجت في توقيت أُم الثورات•• الثورة الفرنسية!

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •