Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 4 من 5 الأولىالأولى ... 2345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 88
  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    أيها الأثرياء.. أحرقوا بيتي.. رجاء!


    لا أذكر أنني زرت مع الأولاد كثيراً من المطاعم· فبالنسبة إليهم كان العالم قرية واحدة بمطبخ واحد، يقدّم الهمبرغر· ولهذا، ما نكاد نغادر البيت متوجهين إلى مطعم، حتى ينجحوا في تحويل مسارنا واصطحابنا إلى عمّهم "ماكدونالد"، فيعودون فرحين وأعود حزينة· ثم راجعت موقفي، وأنا أرى وليّ عهد أوروبياً يدشّن سلسلة مطاعم للوجبات السريعة، ويجلس على طاولة صغيرة ليلتهم شريحة همبرغر، وحوله القوم يهرولون بعلب البطاطا المقليّة والمشروبات الغازية· اكتشفت أنّ الأولاد كانوا يأكلون أكلاً مُلوكيّاً من دون علمهم، فقررت أن أتركهم يذهبون إلى العولمة زاحفين على بطونهم·

    بعدها، قرأت عن مطعم يقع في الريفييرا الفرنسية، بالتحديد في موناكو، يدعى "القراصنة" "Les Pirates"، أظنه الوحيد القادر على هزيمة ماكدونالد لدى أولادي· فهو مطعم مجنون، لا يدخله أحد حتى تنتابه رغبة في التكسير والتدمير· فالقاعدة تقول إنّ على الزبون أن يكسر ما يحب، والمطعم الفريد من نوعه في العالم، يُباهي بالكؤوس والصحون والكراسي والطاولات التي يتم تحطيمها وتكسيرها كلّ مساء·

    الأمر الوحيد الذي جعلني أتردّد في اصطحاب الأولاد إلى ذلك المطعم، هو فاتورة "وجبة التكسير" التي تكسر ظهر أيّ عائلة عادية، وتبطح ميزانيتها لأشهر، والتي تبدأ بمبلغ 3000 دولار لطاولة من ستة أشخاص!

    هذا المبلغ الرادع لأمثالي، يعادل عند روّاد هذا المطعم من أثرياء العالم، ما يساويه بالنسبة إليَّ صحن بطاطا عند ماكدونالد· ولأن الأثرياء لا يذهبون إلى المطاعم مثلنا ليأكلوا، بل ليجوعوا، ماداموا يرتادون مطاعم كلّما قلّ فيها الأكل زاد سعره، وكلّما كبرت فيها صحون البورسلين الفاخرة قلّ محتواها، فقد أصبحوا يرتادون هذا المطعم لغاية "أنبل" من الأكل، الذي هو حاجة من حاجات بُسطاء القوم، وعامة الناس من أمثالنا·

    وهكذا، أنفق أمير موناكو ثلاثين ألف دولار خلال حفل أقامه في المطعم إيّاه لأصدقائه، الذين ردّوا على كرمه بما يضاهيه دماراً، فقاموا في نهاية العشاء بإشعال النار في طاولات المطعم وكراسيه· وبما أنّه "لا يجهلن أحد علينا·· فنجهل فوق جهل الجاهلينا"، فقد أبَى أحد أثريائنا إلاّ أن يحطّم الأرقام القياسية في التكسير والتدمير التي سجّلها روّاد المطعم وزبائنه من قبله، وخاض "أم المعارك" خلال حفل كبير، حرق خلاله كلّ قطعة خشبيّة، ودفع تكاليف بطولاته خمسين ألف دولار، لأنه حطّم نوافذ المطعم أيضاً، وحوّله خلال وجبة العشاء إلى ساحة لداحس والغبراء·

    وحدث أن فكرت في التضحية ببعض المال، كي أهدي أولادي، وهم ثلاثة صبيان، نصف طاولة بثلاثة كراسي، يسعدون بتكسيرها هي والصحون مقابل 1500 دولار، عساهم ينفقون في حفل التكسير بعض طاقتهم التدميرية الجزائرية - اللبنانية، فيرتاحون ويريحونني لأيام، عندما خطرت في ذهني فكرة عرض بيتي للتكسير والتدمير، لمن يشاء من الأثرياء، خاصة أن معظم أثاثه أصبح يحتاج إلى تغيير· فهو يعود إلى أكثر من 15 سنة، يوم اشترينا هذه الشقة أيام الخير، وقد تعرّض الفرش منذ ذلك الزمن لكثير من غارات الأولاد، وكذلك أثاث السطح الذي تركت زوابع وأعاصير فرنسا آثارها عليه، فكسرت أحواض الأشجار، وهشّمت الطاولات، ولوَت أرجل الكراسي·

    مازالت الفكرة تُراودني كل صيف، بأن أُقدِّم عرضاً إلى كلّ مَن يعنيه الأمر من الإخوة الأثرياء العرب الذين يصطافون في "كان"، والذين في لحظة إحباط أو ضجر قد تنتابهم رغبة، مبرّرة، للتكسير، أن يتفضلوا إلى بيتي ويكسروا، مشكورين، أثاثي بدل أثاث ذلك المطعم، فتستفيد من فحش سخائهم على الأقل عائلة عربيّة، بدل أن يستفيد منهم كالعادة·· الغرباء، خاصة أنني موجودة مصادفة في بناية ملاصقة للكازينو ولأحد أغلى مطاعم الريفييرا· لـــذا، أُؤكِّد على الإخوة الذين قد يخسرون، لا قدّر اللّه، مبالغ كبيرة في الكازينو المجاور، ألا يتردّدوا في إيقاظي أنا والأولاد في أي ساعة من الليل، والمباشرة في حرق أثاث البيت·

    أقترح أيضاً، تنظيم "صبحيّة تكسير" للسيدات الضجرات، والزوجات المخدوعات· في إمكاني، أيضاً، تنظيم حفلات أعياد ميلاد لأولادهن، يكسرون فيها كل شيء في البيت، بعدما قضى أولادي، هم ورفاقهم، سنوات في تكسير كل شيء من دون مقابل·

    ملاحظة أخيرة: يمكن للمصطافين العرب أن يستدلّوا على بيتي من أغنية عراقيّة، طبعاً، سأشرع في بثها على مدار النهار: "اغضب·· كسّر·· حطّم·· دمّر·· العب على أعصابي"!

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    أنا ونزار وكاظم الساهر.. وأُمّي!

    العزيــز ربيـــع هنيـدي، زميلي دائب النشاط كنحلة، صاحب الأفكار الجديدة، والأخبار المثيرة في عالم الفن، فاته رصد ذلك الحدث الذي كان ينوي توثيقه بالصوت والصورة، كما يوم جَمَعَني قبل سنوات لأوّل مرّة مع الفقيد مصطفى العقّاد، والفنان القدير دريـد لحــام•

    لم يحضر ربيــع هنيدي إذن، لقائي الأول في الجزائر مع كاظم الساهر• ففي آخر زيارة لي للإمارات، ألحّ هنيدي لتأجيل عودتي يوماً واحداً كي يتسنّى له جمعي مع كاظم الساهر في دبي• لكن الغائب الأكبر، كان حتماً نزار• كانت أمنيته، قبل دخوله في تلك الغيبوبة، أن يجمعني بكاظم• ما توقعت حين عرض عليَّ آنذاك الحضور إلى لندن للقائه، أنّ الموعد سيتأخّر بعدها•• عشر سنوات!

    أذكُر أنه قال لي وقتها: "هذا شاب نقيّ وموهوب•• من وقت عبدالحليم ما طلع حَدَا بهالموهبة وهالأخلاق!"

    كان واضحاً أنّ نزار وجد له في كاظم الساهر ما يحتاج إليه من عنفوان، ليُواصل اكتساح القلوب والآذان، واجتياح العالم العربي، حيث حَدَث لقصائده أن صُودِرَت وهي في طريقها إلى الناس•

    كانت الغنيمة متبادلة؛ فقد أعطى نزار بدوره لكاظم مجداً وشهرة ما كان ليبلغها لولاه• يُذكّرني الأمر بدعَابَة نزار حين كان يقول لي أحياناً ممازحاً، ومُلمّحاً إلى الكلمة التي كتبها على غلاف "ذاكرة الجسد": "الفرق بينك وبين الأُخريات•• كَوْنكِ المرأة التي قَذَفَت بي إلى المجد!"• وكان يعني طبعاً، أنّـهُ أهداني المجد! فقد كان نزار يعي تماماً أنّ قصيدة (أو شهادة) منه قادرة على تغيير قدر مَن يهبه إيّاها• لذا كان ظنينا في شهاداته كما في "هداياه"، غيوراً على اسمه، لأنه يتماهَى مع كلّ مَن يشاركه إيّاه في أغنية، أو قصيدة• وأعتقد أنّه لو استطاع لَمَا تَرَك لغيره مجد غناء قصائده، خاصة أنّ أشعاره، حسب ما قال لي، كانت تُولَد "مُـلَحّـنَـة"، حتى إنّه كان ينقلها على الدفتر وهو يُدندنها•

    لكنه قبل بأُم كلثوم وفيروز وعبدالحليم ونجاة الصغيرة حَنَاجر لصوته، لأنّ في أسمائهم، وفي أدائهم قِيمَةً مُضافَةً إلى اسمه•

    يوم حدّثني عنه في التسعينات، كنّا في زَمَن الصُّعود الصّاروخي الأوّل لكاظم، بتلك الأغاني العاطفيّة الراقية التي افتقدناها بفقدان عبدالحليم، مذ روائعه "قارئة الفنجان" و"يا مالِكَاً قلبي" (اللّه ما أجملها!) و"ضيّ القناديل" و"فاتت جنبنا أنا وهو"، لم يهزّنا مُغنٍّ كما فعل كاظم الساهر• الوصفة السحرية لذلك النجاح الخُرافـي، كانت قائمة على خلطة نادرة: روائع نزار، وصوت كاظم المشحونْ بالشَّجَنْ العراقي، وذلك اللّحن الذي يستند تارة إلى الحزن وأُخرى إلى البهجة، ويهزّك في الحالتين•

    في الجزائر، التي قصدتها لزيارة عائليّة، طلبني الصديق الأخضر بن تركي، مدير الديوان الوطنيّ للثقافة والفنون، ليقول لي إنّ كاظم في "جميلة" ضيفاً على مهرجانها، وإنه سيطلبني حين يكونان مَعَاً، لأنه يودّ أن يُسلِّم عليّ•

    لم أتحمّس للمشروع• الهاتف في هذه الحالات، يغتال كثيراً من الأحاسيس الجميلة، ثم تأخّر الوقت كثيراً، ونزار ما عاد هنا ليسعد• وحدها أمي كانت جالسة إلى جواري في المقعد في الصف الأوّل لحضور حفل كاظم• وحين فَاجَأتني مُقدِّمة الحفل بتحيتي على "الميكروفون"، وكذلك فعل كاظم الساهر قبل الشروع في الغناء، انتقلت إلينا الأضواء، ولازمتنا بين الحين والآخر، ما جعل هاجس أُمي يتحوّل إلى ثيابي التي على جَمَالها لم ترق لها!

    بعد الحفل، قادوني إلى قاعة الضيوف لأُحيي كاظم• وجدتني لارتباكي أُصافحه، بينما راح هو يُقبِّل أُمِّي! تذكّرت ما قاله لي نزار، ذات مرّة: "قبّلي أُمّك عنّي، إذا كانت أُمّك فهي أيضاً أُمّي"• قلت بالمنطق نفسه، لقد غَدَت أُمّي أُمّ كاظم أيضاً• وعندها أشفقت عليه، فهي حتماً ستقول له بعد كلِّ حفل: "لماذا ترتدي دائماً بدلة أصغر مِن قياسك؟ أَمَا رأيت بدلات الذين معك في الفرقة؟ بهدلتَنَا قدَّام الناس•• راح يحسبونك ما عندكش فلوس•• شوف راغب علامة واش لابس!"•

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    مرافعة ضدّ النوم

    العنوان ليس لي· إنه عنوان ديوان جميل للشاعر الليبي فرح أبو شينة، تذكرني به معركتي الليلية، ضد هذا المجرم الذي على يده حبر نصوص مغتالة كنتُ سأكتبها، وأحاسيس جميلة كنت سأُوثّقها في أعمال أدبيّة كان يمكن أن يُكتب لها الخلود ربما، لولا أنه يكيد لي كلّ ليلة، ويغريني بالاستسلام للنعاس، محبِّباً لي الأحلام والكسل اللذيذ·

    كثيراً ما خسرتُ قضيّتي ضدّ النوم· وكيف لي أن أربحها وأنا أخوض معركتي ضدّه في عُقر داره، لكوني لا أكتب إلاّ ليلاً·· وفي السرير؟ ثم، كيف لمحامٍ يُرافع ضدّ النعاس وهو في ثياب النوم·· أن يهزم خصمه؟

    أذهب إلى الكتابة مدججة بما أُوتيتُ من أسلحة مضادة للنعاس: الشوكولا، وإضاءة "ألوجين" قويّة، عساها تُبقيني مستيقظة· أحاول أن أطيل ذلك "الأرق اللذيذ" ما استطعت، وينتهي بي الأمر غالباً إلى النوم محاطة بالأوراق وأقلام التلوين المدرسيّة السيالة، التي أكتب بها دائماً وأنساها غالباً مفتوحة، فأستيقظ وعلى شراشفي بُقع خضراء أو حمراء أو - كما الآن - زرقاء· زوجي يُمازحني أحياناً حين يفاجئني منهمكة في تغيير الشراشف· يصيح بي: "إوعي تغسليها· بكرة هايدي الشراشف بتسوَى أغلى من المخطوط· ر ح يطلع شي مجنون يشتري كل شي عليه حبر في هالبيت· خَلِّي رزقة للأولاد·· كل واحد خلّيلو شرشف رواية·· إن شاء اللّه ما تكوني غسلتِ شراشف "ذاكرة الجسد" و"عابر سرير"·· وخربتي بيتنا"·

    أضحك وأذهب بالشراشف إلى غرفة الغسيل، كي أنقع البقع في الحليب، حتى يزول الحبر منها تماماً· نصيحة أنجدتني بها صديقة، عندما رأت آثار حبر على كنبة الشرفة·

    فأنا حين أجلس للقراءة·· يحدث أيضاً أن أنسى قلماً مفتوحاً إلى جانبي أو على حِجري·

    ولكوني، ككل الجزائريين، متعلّقة بالحليب تعلُّقاً مَرضيّاً (ربما بسبب ما نعاني منه في الجزائر من نقص عاطفي· فنحن شعبٌ لم يبلغ بعدُ سنّ الفطام)، فقد تضاعف استهلاكي للحليب منذ تلك النصيحة· إذ أصبحتُ أشرب نصف علبة الحليب قبل الشروع في الكتابة، وأحتفظ بنصفها الآخر لنقع آثار بقع الحبر، التي علقت بشراشفي وثيابي بعد الكتابة!

    الحليب الذي كان يلزمني، كما لو كان سيجارة أو قهوة·· أصبح بالنسبة إليَّ أنا، التي لا أدخن ولا أتعاطى مشروباً سواه، ضرورة يومية لتوازني لحظة الكتابة· حتى إنني، كلّما راودتني فكرة مهمة لرواية أو نَصٍّ، هُرِعتُ إلى المطبخ أعدُّ كوب حليب ساخن مع "نسكافيه"· أما الآن، فقد غدا ضرورة إبداعية، ومنزلية أيضاً·

    عندما أذهب لأفرغ الوعاء الصغير الذي نقعت فيه بُقع الشرشف، يستوقفني منظر الحليب الذي لوّنه الحبر بلونه، وأرى في تلك الألوان ما سرقه النوم مني من نصوص، يا له من حبر مهدور! إنه حبر أخطأ طريقه· كان يمكن أن يأخذ مجرى التاريخ، لكنه أخذ طريق المجاري·

    مساءً، وأنا في سريري للكتابة، تبدأ مرافعتي ضدّ النوم، بما كتبه ماركيز في وصيَّته: "لو نسي الربُّ لِثانية واحدة أنني مجرّد دميّة من أسمال، وأهداني من الحياة قطعة، فسوف أنام أقلّ وأحلم أكثر· واعياً أننا في كلّ دقيقة نغمض أعيننا نفقد ستين ثانية من النور· وسوف أسير عندما يتوقّف الآخرون، وأستيقظ حين يرقدون، وأسمعهم حين يتكلّمون·· وأستمتع جداً بلذّة آيس كريم الشوكولا"·

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    تتسوّق المرأة انتقاماً مِن الرجل


    تُنفق المرأة دولاراً لتشتري شيئاً ثمنه دولاران، على الرغم من كونها لا تحتاج إليه، بينما ينفق الرجل دولارين لشراء شيء ثمنه دولار لكنه يحتاج إليه·

    لكأنّ حاجة المرأة إلى التبضُّع، تفوق حاجتها إلى البضاعة التي تشتريها· هي كائنٌ استهلاكي بامتياز، لكونها تنفق في الأسواق كلَّ مشاعر غضبها أو فرحها، معتقدة أنّ في ذلك الكَمّ من الأكياس الذي تعود به إلى البيت حلاًّ لمشكلاتها الوجدانية· لــذا، ما رأيت امرأة تسير في الأسواق مُحمَّلة بأعداد كبيرة من أكياس المشتريات الفاخرة، إلاّ وأشفقت عليها· حتماً هي تحمل في قلبها ما يوازي حمولتها من ضجر وحزن، لا تعرف هي نفسها مكمنه ولا سببه· فالطفرة الشرائيّة أحد أعراض الجوع العاطفي·

    أغرب وأطرف دليل، دراسة أُجريت في بريطانيا، أظهرت أن 45 في المئة من المشارِكات، يفضّلن التبضُّع على الجنس!

    وفي الاستطلاع نفسه، أعربت نصف النساء عن حزنهنّ، لأن الرجال لا يفهمون شعورهن· وأعتقد أنّ في الجواب الأخير ما يُبطل عجبنا من الجواب الأول· فالمرأة التي تعتقد أنّ علاجها متوافر في السوق ويُمكنها شراؤه بمزيد من الإنفاق، ستُغرّر بها السوق وتهديها نشوة لم تحصل عليها في مخدعها· فهي لا تصبح أُنثى إلاّ وهي تقتني لنفسها الأغلى، كي تثأر لأُنوثتها الْمُهَانَــة· فهل يدري الرجل أن الاستماع للمرأة وإمتاعها، أقلّ تكلفة من الانشغال عنها؟ فالذي لا يدفعه الرجل من قلبه، يدفعه من جيبه· من دون أن يكون قد حلَّ المشكل·

    صحيح أنّ "الكآبة السريريّة" التي تصيب النساء، هي التي تصنع ثروة أصحاب المحال التجارية، وبَاعَــة البهجة الوهميّة، والسعادة التي لا تُعمِّر طويلاً· لكن للإنصاف، لابدّ أن نقول إنّ هجوم المرأة على الأسواق، وولعها بالتبضُّع، ليسا دائماً تعويضاً عن تقصير الرجل تجاهها في واجباته اليوميّة، أو الليلية، بل أيضاً لأسباب جينيّة· فحسب دراسة قامت بها صحيفة "دايلي مايل" البريطانية، فإن حبّ التسوّق يدخل في جينات المرأة· فقدرة المرأة على الظَّفر بصفقة أو العثور على سلعة، أو معرفة المكان الذي يتعيّن عليها البحث فيه عن حاجاتها، خلال زيارتها المتاجر الكبرى، لها علاقة بتطوّرها الجينيّ، وهي ميزة لا تتوافر في الرجل· فالمرأة يمكن أن "تشمّ" وجود صفقة ما، وتعرف مداخل ومخارج أماكن التسوق والأقسام التي تريدها بأسرع من الرجل·

    ولعلَّ تطويرها هذه الحاسّة التجاريّة، هو الذي أهّلها لتتحوّل من مستهلِكة إلى سيّدة أعمال ناجحة في كثير من البلدان، بما فيها الدول العربيّة· فقد أحصَت مجلة "Forbes" الأميركية، في العالم العربي وحده، قبل سنة، 50 سيدة أعمال حققن مكاسب باهرة·

    أثناء ذلك تنبّه الغربيون إلى أنّ دماغ المرأة مؤهَّل أكثر للتفاوض من دماغ الرجل، فسلَّمُوا المرأة شؤون وزارة الخارجية (أو حلّ المعضلات الدبلوماسيّة والإنسانية، كما مع سيسيليا ساركوزي·&#183·

    وما يعنيني هنا، هو ما ينتظر العرب، وقد أصبح قدرهم موضوع مفاوضة ومقايضة ومفاصلة بين امرأتين: كوندليزا رايس·· وليفني، اللتين سيصعب حتى على عزرائيل مفاوضتهما، حسب ذلك الكاتب الفرنسي، الذي قال: "يقبض عزرائيل على روح الرجل في ثانية، وعلى روح المرأة في ساعة·· لأنها تُفاصله"·

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    لك في عيدنا الذي لن يكون



    سأسألك يوماً ما:

    لماذا ذبحتني بسيفٍ

    كان مثلوماً؟

    أيتها الفتاة

    من أجل عينيك

    أشعل حطب الخريف كلّه

    في مساء واحد




    الشاعر الكردي طه خليل




    قالت:

    لك وحدك

    كانت كلماتي تخلع خمارها

    والقلب تحت خيمتك

    يجلس أرضاً

    ضيف حبّ

    تطعمه بيدك




    ***
    كم•• احتفاءً بي

    نحرت من ذبيحة

    ثمّ•• ذات غيرة

    بيدك تلك•• جُوراً نحرتني


    ***



    أبداً لن تنساني

    أبدٌ من الندم ينتظرك

    من أضاعني

    مات وحيداً كحصان

    لا مربط بعدي لقلبه





    ***



    قال:

    بك رأيتُ

    ومن دوني لا تُرَيْن

    إنّي أحبّكِ

    حتى لا تَريني في أحد

    إنّي أحبك

    حتى لا يراك أحد

    أنا

    من ملأتُ بعيون النساء جيوبي

    ولا رأيتُ قبلك امرأة•



    ***




    قالت:

    الحبّ

    ليس ألا ترى عيناك أحداً سواي

    بل أن أكون بينك

    وبين من ترى

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    هل تريدون مني شيئاً قبل أن أنام؟

    أُحــاول منذ مدّة إعادة النظر في علاقتي بالنوم• أحياناً يُصيبني الأمر بالذعر، فثلث حياتنا يمضي في النوم•

    هل الموت راحة؟ أم هدر للعمر و"موت صغير"؟ أذكر عنوان فيلم شاهدته قبل عشرين سنة: "سيكون لنا مُتَّسع مِن الموت للنوم"•


    في الإسلام، النوم هو أخو الموت، حتى إنّ الرسول (صلّى اللّه عليه وسلّم) كان إذا استيقظ صباحاً قال: "الحمد للّه الذي أحياني بعدَمَا أمَاتني وإليه النشور"•

    لا أحد يستطيع أن يمتنع عن النوم، سواءٌ أكان نبياً أم قائداً عسكرياً، فقيراً أم غنياً•

    وكما الموت، لا نستطيع شيئاً ضدّ النوم•

    إنه آية اللّه في خلقه، كلُّ الكائنات محكومة بتلك الدورة الحيويّـة اليوميّـة، التي تشمل الأرض ومَن عليها {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} - (صدق اللّه العظيم)•


    قد نقاومه ونحتال عليه، لكنه يهزمنا في النهاية لأننا بَشَـر، ووحده {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْم}•

    يبقَى أنَّ ثَـمَّـة مَـن بَرْمَج نفسه للاستفادة مِن كلِّ ساعات عمره، وسرق من نومه ليُطيل يومه• وثَـمَّـة مَـن يُضيف مِن يومه لليله•• فكأنّـه يعيش لينام•

    مِن النموذج الأول تحضرني مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة• فلم تكن "المرأة الحديديّة" تنام أكثر من أربع ساعات، بينما كان نابليون يكتفي بساعتين من النوم، ليتمكّن من غزو العالَم•


    وطبعاً، هناك الوليد بن طلال، الذي تمنّى لو أنّـه استطاع إضافة هاتين الساعتين إلى بقيَّة مكاسبه، لولا أنّـه، على فُحش ثرائه، فقير إلى النوم، كأيّ إنسان• كثيراً ما حَسَدْته على حُسن توظيفه وقته، مُقارنَـة بـ"ثروتي" المهدورة عن كَسَل في النوم• عزائي آينشتاين، الذي كان ينام عشر ساعات•

    ماذا لو كان النوم أبا الاختراع وأُم الإبداع؟ فكثير من الاختراعات وُلِدَت أحلاماً•


    أمّا أجمَل الإبداعات، فتلك التي يُمليها الحُلم ويكتبها العقل• طبعاً، أنا أُبرِّر بهذه الفتوى كَسَلي وحُبِّي للنوم، ولا أرى لمصيبتي مِن خلاص، إلاّ في اختراع طريف منحه العلماء (الذين عكس ما نتوقّع، يتمتعون أيضاً بروح الفكاهة) الجائزة الأُولى، خلال حفل دَرَجُـوا على إقامته بموازاة جوائز "نوبــل" لتوزيع جوائز موازية لها، لكن•• لأطرَف وأغرَب الأبحاث والاختراعات!

    الجائزة مُنِحَـت هذا العام مُخترع مُنبِّه يدقّ ثمّ يركض ليختبئ، حتى لا يقوم مستخدمه بإغلاقه والعودة إلى النوم•

    وهو ما أفعله كلَّ يوم، حتى انتهى بي الأمر إلى وضع المنبّه خارج غرفتي، وتركِ الباب مُوارَبَــاً كي أُضطر إلى الذهاب بضعة أمتار لإيقاف زعيقه• لكنني كلَّ مـرّة أُوقفه وأعود إلى النوم•


    وأنا بالمناسبة أكتب هذا المقال بعد عودتي من الإمارات، وأهم ما أحضرته فـي حقيبتي، مُنبّه كبير أحمر، بصوت قوي يتزايَــد زعيقه حَــدّ إيقاظ بناية، كنت أستعين به في رمضان للصلاة أو للسحور، واستأذنت مُضيفتي في أخذه إلى بيــروت•

    ويحدث لصديقتي الدكتورة هنادي ربحي، أن تُهاتفني من الإمارات، فتُفاجأ بأنني نائمة في ساعة غير متوقّعة• وقُبيل أن أشرح لها أنني أحتاج إلى قيلولة صغيرة كي أستطيع السهر، لكوني كائناً ليليّاً، تَــرُوح فـي مُعَاتبتي بشراسة جزائرية: "قومي•• ليس مِن حقّك النوم والنعاس• أنتِ فتحتِ بيوتاً بكتاباتكِ••

    كيف تخلدين إلى النوم••

    إذا كانت النساء يضفرن ليلاً ضفائرهنّ••


    فأنتِ عليكِ كل مساء أن تضفري جدائل الكلمات••



    للأدب عليكِ حقّ يا امرأة!"•



    هكذا تتكلّم هنادي بفصاحة تأسرني، ثمّ تعود فجأة طبيبة نفسية، وتصيح بي في المرة المقبلة: "أنتِ ممنوعة من استعمال الوقت•• لابدّ من تجريدكِ من ساعتكِ ومفكّرتكِ"•


    هنادي عرفتني كاتبة، وكانت تُعالِج مرضاها بكتاباتي• ثمّ، حين تعرَّفـت إلـيَّ، عَجَزت عن معالجتي• لكنها مازالت، على الرغم من تهديدها بتجريدي من ساعتي، كلّما التقتني أهدتني ساعة!

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    سعادة من الكريستال..

    حينها فقط••

    وحدها تلك التي ستأتي بعدي

    ستنصفني

    وأنت تراها تفرغ جيوب قلبك

    ستدرك كم كنت ثرياً بي•
    لإدماء يديك•• ليس أكثر

    سعادة من الكريستال

    تلملمُ منها ما تهشّم

    لإدماء يديك•• ليس أكثر

    لا يمكن إنقاذ الألم

    إلاّ بمزيد من الألم

    هو وقت مضى

    في الحبّ•• ليس ثمّة ماضٍ

    ثمة وقت مضى

    وعشّاق تخلّت عنهم اللهفة

    على قارعة الوقت

    مسرعاً إلى نهايته

    أشجان ماطرة

    بغزارة سيول شتوية

    وغيابك

    خلف النافذة أراه يهطل

    يغسل منك نوافذ قلبي

    ويمضي

    مع السواقي المسرعة إلى نهايتها

    توضيح أدبي

    أوراقي المقطوعة من شجرتك

    ليس لها من نسب

    سوى قلمي

    هكذا هو الأدب!

    لياقة عاطفية
    سيّدي••
    لم أصفق الباب خلفي

    تركتُ رياح الندم

    تفعلُ ذلك بعدي

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الردود
    28
    سأبدأ القراءة من البداية. يبدو الملف ثريا

  9. #69
    تحية إلى الجميع،
    لست من هواة الأدب الحديث، رواية وشعرا، خاصة إن كان نسائيا. ولكن حين قرأت ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي وأنا أحيا لليلى بعلبكّي، جشيت أن أغيّر رأيي. شعرت أنّي أحيى عصرا أدبيا جديدا وممتعا بدأت فيه المرأة ترسم لنفسها شخصية جديدة وتنحت معالمها.

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    أغــــار..

    قال:
    أغارُ
    مِن العيد لأنّكِ تنتظرينه
    مِن ثياب أفراحك
    مِن اشتهائك لها
    مِن اقتنائك ما سيراك فيه
    غيري
    مِنْ غيري
    لأنّه لا يدري كم أغار
    مِن غريب يراكِ

    ***
    أغارُ
    مِن بهجة في نهاية السنة
    تُزيّنُ بابكِ
    مِن بابكِ
    لأنّه يحرسُ سرّكِ
    مِن مفاتيح بيتك
    لأنّي قفلك ومفتاحك

    ***
    أغارُ
    مِن الشجرة المقابلة لبيتك
    لا أحد يسألها
    مَن منحها حق العيش
    بمحاذاتك
    من جرس بابك
    لأنّه يُنبُّهكِ أنّ أحدهم جاء
    ولأنّ الذي يأتي
    لن يكون يوماً أنا

    ***
    قالت:
    أغار
    مِن حبل غسيلٍ ينفردُ بثوبك
    من الشمس التي تتلصص عليه
    فتكشف سرّك
    مِن ملاقط الغسيل
    التي تطبق عليه ذراعيها
    مِن الريح التي تهزُّه
    فينتفضُ قلبي في بلاد أُخرى
    خوفاً عليك

    ***

    في نومي
    أغارُ مِن نومك
    أستيقظ لأتفقّد أحلامك
    أُحدّق طويلاً فيك
    كلّما خلدت للنوم
    باشر قلبي نوبة حراستك
    خشية أن تُغري الموتَ وسامتُك
    فيطيلَ نومك

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الردود
    1
    اشتقنا لاشتراكك يا "ابو ميشال"..

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الردود
    43
    استمر عزيزي

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    Paris
    الردود
    54
    رائع اخي الكريم هذا الاخيتار ... والشئ من اصحابه لا يستغرب

    بالتوفيق ان شاء الله

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    عليك اللهفة•• كم انتظرتك!



    في قصيدة الحُب الأُولى

    التي قرأتها لنزار

    في ديوان "أنتِ لي"

    في أوّل قبلةٍ أربكتني

    في فيلــم "ردَّ قلبــي"

    في البيانو الذي كان يعزف

    لحناً لم يفارقني••

    "أهواك•• وأتمنّى لو أنساك"

    مِن قبل حتى أن أراك

    في كلِّ قصَّة حُب

    كنتُ أقول لك "أحبّك"




    **




    في الرجولة الفاتنة لكاري غرانت

    في العنفوان المعتّق لأنطوني كوين••

    في دور "زوربا"

    في أسى هند أبي اللمع في "عازف الليل"

    في حزن سعاد حسني

    في دموع إديث بياف حين تغنّي

    ما بَكَت امرأة مِن حُب رجل

    إلاّ وكنتَ مَن أبكاها•



    **



    في ضحكي مِن أدوار إسماعيل ياسين

    في دموع صباي يوم هزيمة 1967

    في كلِّ حفرياتي العاطفيّة

    وفي كلِّ الطبقات الجيولوجيّة لقلبي

    في ساعة نبضي•• وساعة معصمي

    مُذ ساعتي الأُولى•• وحتى قيام الساعة

    ما مِن ساعة امتلكتها

    إلاّ وكنتَ عقاربها



    **



    في أوّل مدرسة قصدتُها

    في أوّل حافلة أخذتني

    إلى ثانوية عائشة أُم المؤمنين

    في أوّل طائرة ركبتها

    إلى "مهرجان الشباب العالمي في برلين"

    في الحقيبة الأُولى لغربتي

    في مطار أورلي الدوليّ سنة 1976

    في أوّل ميترو أخذني للسوربون

    في الباص 42 في باريس 15

    على مدَى رحلتي••

    كنتَ سائق الباص•• وقائد الطائرة

    كنتَ الغريب

    الجالس على المقعد المجاور للحبّ

    وكُنتَ وجهتي•

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الردود
    35
    hey i love a7lam i read all his books i wish u put them all there

  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    أيها الكاتب.. لا تأكل ولا تَنمْ، أنت أسير الخلود

    إذن هكــذا، بعدما كنت قبل سنوات أسعد بكلّ دعوة غداء أو عشاء توجُّه إليَّ، وأقيسُ مكاسبي بمنطق الزوجة التي لن تطبخ يومها، وستُهدي زوجها وليمة تُقَام على شرف الإبداع . أصبحت بمنطق الأدب أرى في كلّ دعوة خسارتي، وضياع بضع صفحات من كتبي.

    تدريجياً اكتشفت ما اكتشفه الكبار من قبلي: رعب الوقت، وذلك الخيار الصعب الذي يواجه الكاتب، بين أن يحيا أو يكتب.

    أمام هذا الخيار لا يصمد إلاّ الكتّاب الحقيقيون، أعني الزاهِدين، وعلى الأصح الزاهِدون في كلِّ شيء. وهو ما جعل "فلوبير"، صاحب "مدام بوفاري" يقول: "إن كنتَ كاتباً عليك أن تختار بين المجد وقبول دعوة إلى الغداء". وكان في إمكانه أن يقول "بين دعوة إلى الغداء.. وجُملَة". فلقد اشتهر "فلوبير" بالعمل على جملته إلى حَدِّ قضائه أحياناً أياماً في إعادة صياغة جُملة واحدة.

    قول لـ"كافكا" وقعتُ عليه مؤخراً، ذكّرني بقول "فلوبير" هذا. فقد جاء مُطابِقَــاً له. كتب "كافكا" في مذكراته يوم 13 مارس 1915: "لم أذهب إلى البيت للعشاء. الأسباب فقدان الشهيّة، الخوف مِن العودة في المساء متأخراً. لكن، قبل كلِّ شيء، التفكير في أني لم أكتب البَارِحَــة شيئاً".

    كلُّ مُذكّرات "كافكا" تدور حول هاجس واحــد: الوقت، حتى إنّه كتب الكثير ليشرح للفتاة التي كان سيتزوجها أنه "لا وقت له لذلك".

    كلُّ الكِبَار أصابهم رعُــب الوقت. أعني الكِبَار، الذين تركوا لنا أعمالاً كبيرة، تشهَد على تضحياتهم الكبيرة أيضاً.

    يحضرني نــزار قبّاني، رحمه اللّه، كان الوقت عنده أثمَن ما يملك. قال لي مَــرَّة، إنّــه لا يملك وقتاً حتى لأقاربه، فكيف يقبَل دعوات أو يستقبل أحداً في بيته.. "إنِّي مُتفرِّغ للكتابة كما لو كنتُ موظفاً بدوام كامل، ولو فعلت غير ذلك، لَمَا كتبتُ خمسين كتاباً. الكتابة زُهــدٌ فـي الحيــاة". وكان هذا أغرَب ما سمعته مِــن نــزار، الذي كانت كِتَابَاته تبدو احتفاءً بها.

    ذات مَــرَّة، قال لي تلك الجُملَة، التي لم أنسها، لأنها ظلّت لسنواتٍ محوَر سؤالي ككاتبة. قال لي، رحمه اللّه: "أُحبُّـك لأنّكِ تُشبهينني. لو خُيّرتِ بين ورقة ورجل لاخترتِ الورقة". كان يعني بالرجل الحيـــاة، وبالتحديد الحُــبّ. لكنني أجبته ضاحكة: "أنــتَ تمزح حتماً!".

    كَـمّ مَــرَّة، وأنَــا غارِقَــة فـي الكتابَــة، يذهب قلبي إليه. أتمنى لو عــاد لدقائق، كي أقول له بصوت تلميذة مُذنبة: "نــزار.. لم يبقَ أحد. لم يبقَ ثَـمَّـة شيء، إلاّ هذه الأوراق البيضاء على طاولتي. فَقُـل يا مُعلِّمي الجميل: أبِهَذَا الكَـمِّ مِن الفاجِعَة سأُصبح كاتبة؟".

    ثـمَّ.. هل تُصدِّقُـون أنني أكتب هذا الْمَقَــال في ساعة متأخِّـرة مِن ليلة عَاصِفَـة، انقطعَت فيها الكهرباء في بيــروت، لكنني قـرّرت أن أتحدَّى العتمَـة بإشعال شمعَدَان، وأن أُلقي القبض على الوقت بِمَا أملكُ مِن وقت، عَـمَـلاً بنصيحة الشاعر والكاتب الروسي الكبير "باسترناك"، صاحب رائِعَــة "الدكتور زيڤاغو"، مُتوجِّهاً إلى الكاتِب:

    "لا تَنَمْ، لا تَنَمْ، اشْتَغِل

    لا تَتَوقّف عن العَمَل

    لا تَنَمْ، حَارِب النُّعَاس

    كَمَا النَّجْمَة، كَمَا الطَّـيّـار

    لا تَنَمْ، لا تَنَمْ أيُّـهَـا الفَنّان

    لا تستسلِم للنّومِ،

    أنت - رهينة الزّمَن

    أنت - عند الخُـلُـود أسِيـر".

    تَمَامَـاً، ما كان يقوله لي الصديق الكبير إبراهيم الكوني، صاحب الأعمال الضَّخمَة والجوائز العالميّة الكبرَى، حين يَرانِي أتَكَاسَــل: "إنَّ اللحظات الهَارِبَــة ليسَت لَـنَـا. نحـنُ نملِك اللّحظَات الخَالِــدَة

  17. #77
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    مـزاج جــزائــري...

    مـزاج جــزائــري عكس السياسيين الذين يتقنون فن التزلج على الأسئلة، وتفادي المطبات بالقفز عليها إلى


    جواب آخر، أذهب طوعاً نحو كل فخ يُنصب لي في مقابلة، غير نادمة على دفع ثمن عفويتي فالمبدع


    كائن تلقائي، وليس مرشحاً سياسياً هو إنسان ساذج، شرفه في كونه أعزل أمام مكايد



    الحياة... وغالباً ما يكمن في ضعفه هذا سر إنسانيته.. وحدها الثعالب والتماسيح تملك
    كلمات


    مختارة مدبرة كمكيدة..

    أذكر أن صديقة تعمل في الحقل السياسي وشوشتني بمحبة قبل سنوات ˜يا أحلام، تعلّمي من


    السياسيين ألا تتوتري... فوّتي عليهم فرصة استفزازك…

    وقبلها بعشر سنوات، فاجأني الدكتور غازي القصيبي، بما عُرف عنه من تواضع، برسالة موجزة

    وجميلة، بعد أن شاهدني لأول مرة في برنامج تلفزيوني، قال لي فيها ˜كأخ كبير لك، أنصحك

    بألا تضعي نفسك أبداً في موقف الدفاع، حوّلي كل سؤال يستفزك إلى نكتةŒ...ز

    نكتة؟ هو نسي حتماً أنني جزائرية...

    وحدث للدكتور فتحي البس، نقيب الناشرين، وأحد الناشطين في فلسطين، أن عرض عليَّ قبل بضع

    سنوات، أن أكون ضيفة الشرف في ˜معرض الكتابŒ في رام اللّه وتحمّست للفكرة، لفرط ما حدّثني

    عن شعبيتي ˜الكاسحةŒ في فلسطين، حتى إنه كان جاهزاً لتأجيل المعرض بضعة أيام حتى يتناسب مع برنامجي غير أنني حين سألته بعد ذلك عن تفاصيل الوصول إلى ˜فلسطينŒ،


    وهل سأمر بحواجز إسرائيلية؟ قال لي ˜طبعاً، لكن لا تهتمي، أنتِ معكِ جواز فرنسيŒ.. صحت.. ˜لكن دمي جزائري.. أنا امرأة مفخخة، سأنفجر حتماً أمام أول حاجز، لا أدري ماذا سأفعل إن رأيت جنوداً إسرائيليين، أحدنا سيقتل الآخر حتماً...


    ألغيت المشروع، لثقتي بأنني لو ذهبت لمتُّ قهراً، حتى قبل أن يطلقوا النار عليَّ يكفي أن

    أتذكر النساء اللاتي أنجبن على الحواجز الإسرائيلية، والجرحى الذين ماتوا في سيارات الإسعاف

    بعد ساعات من الانتظار، والإهانات والظلم، والجوع والبرد، ومذلة الاستجداء من عدوك ومحتلك

     أنا امرأة تقتلها الإهانة، بقدر ما يأسرها الإنصاف عندما يأتي ممّن يُفترض أن يكون عدوك


    لذا، لو اجتزت تلك الحدود سالمة، لَمَا أخلفت اللقاء مع الشاعر الإسرائيلي ˜بني تسيبارŒ،


    الذي حدث أن نشرت له في هذه الصفحة أكثر من مقال، يدافع فيها عن الفلسطينيين، كما ما عادوا هم أنفسهم يدافعون عن قضيتهم، ولكنت ضممت بحرارة المايسترو العالمي دانيال


    بارنبويم، الذي يوم أصدر قبل سنتين كتابه المشترك الشهير مع المفكر الفلسطيني الراحل

    إدوارد سعيد، صرخ في وجه مراسلة إذاعة الجيش الإسرائيلي ˜إنني لست مستعداً لأن أتحدث إلى

    صحافية ترتدي البزة العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيليŒ...

    الموسيقار الذي مابرح اليمين يطالب باعتقاله، حدث أن قذفه الإسرائيليون في المطاعم

    بالطماطم وكم تمنيت لو كنت يومها بصحبته لأشارك زوجته مواجهتهم بمحتويات صحنها من

    السَّلطة، وأكسر صحون المطعم على الطريقة اليونانية على رؤوسهم، وأحلف يميناً أن يرافقني الموسيقار وزوجته إلى البيت لتناول الغداء معناوبعد القهوة، من المرجح أن أشكرها على شجاعتها في زمن الجُبن العربي وأبكي وسأحار ماذا أهديهما، فأعرض على زوجته هلينا

    خزانة ثيابي ولوحات أختي ثم، لأن هذا الموسيقار العظيم يعتبر نفسه ابن العالم لا ابن


    إسرائيل، قد تأخذني الحال في هبلة وجدانية وأتخلى له عن بيتي…


    لذا قال لي زوجي مرة... ˜لا يمكن أن أكتب البيت باسمك.. ربما أعطيته في نوبة جنون لأحد..

  18. #78
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الردود
    47
    أحلام عابره القارات للابداع الروائي

    سيده الروايه العربيه بلا مناااااااااااافس

    اعشقها بجنون

  19. #79
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    مقايضة هاتف يدق.. بآخر يخفق


    أفكر في الحذاء المرصّع بالياقوت، الذي يُعرضُ في أحد متاجر اليابان، في انتظار أقدام نسائية غبية تنتعله مقابل مليون ونصف المليون دولار.

    أتساءل: هل تضمن المرأة التي ستشتريه، أنها ستذهب به إلى موعد حُـــبٍّ جميل؟

    وهل خطاها المرصّعة بالأحجار الكريمة، لن تتعثّر بحجارة الأقدار، فتحُول دونها والوصول إلى هدفها الأجمل؟

    وماذا لو كانت السعادة في متناول الأحذية المهترئة، والأقدام المشقّقة، والخطى اللهفَى التي لا ينفع معها الكعب العالي، وعليك أن تحمل فيها حذاءك في يدك، كي تستطيع اللحاق بلهاث أحلامك؟

    كان بيكاسو يقول: »اذهب إلى الحب حافياً كما يذهب مسلم إلى المسجد«. ربما كان في انتعال حذاء بمليون ونصف المليون دولار، كُفراً بالحب، وإهانة له، لابد أن يردها الحب بجعل مَن أقدم عليها منتعلاً الملايين، يعود بخُفي حنين.

    ولي صديقات من الثراء، بحيث يملكن في كل بلد، وفي كل بيت غرفة كاملة من الأحذية الفاخرة الأنيقة المرصوصة على رفوف على مَــدِّ النظر، لا أظنهن انتعلنها يوماً للذهاب إلى موعد عشقي، يستحق الذكر. فما رأيتهن إلا بائسات. وكثيراً ما سألنني عن مقاسي، وكنت بدءاً أحزن لعدم استطاعتي الاستفادة من فائض خُطاهن الضائعة، ثم وجدت في ذلك نعمة. ماذا لو انتقلت إليَّ لعنة أحذيتهن الأسيرة البائسة، ونسيتْ قدماي الطريق إلى الحب؟

    ولو أن شغالتي تفهم في الشعر، لقرأتُ عليها رائعة غنتر غراس، التي يقول فيها »أحذيتي الفارغة مليئة بخطى السفر، وجميعها تعرف الطريق إليك«، عساها تكفّ عن مُطالبتي بالتخلص من أحذيتي القديمة، التي أحتفظ بها في الخزانة، إكراماً لكعبها الذي اهترأ في دروب الحب الوعرة.

    ❊❊

    أفكر في شركة »الموبايل« التي طرحت في الأسواق جهازاً مرصعاً بالألماس بسعر 3400 دولار »للفقراء«، المولعين بآخر صَرَعَـة للتليفونات. أمّا الأثرياء، ففي وسعهم اقتناء جهاز يزن 213 غراماً من البلاتين الصافي، وثمنه 37000 دولار، فقط لا غير، تُراهن الشركة على بيع عشرات النسخ منه في العالم.

    وفي ما يخص الجوال بالذات، في إمكاني أن أقول إن قلبي أصيب بسكتة هاتفية، مذ تلقّيت قبل أشهر، كهدية، هاتفاً نسائياً أنيقاً، مرصعاً بمربّع من الأحجار الثمينة، التي أصابتني بالنفور إلى حد تطيّري عاطفياً منه. فقد كنت أكثر سعادة بهاتفي البدائي البسيط، في المظهر المتقشّف، الذي بتوقّفه توقّفت ذبذبات الحب.

    كيف لم أحتَط من السعادة الباذخة، المفخخة بالحزن، وبمكر الأشياء، لحظة تبدأ في التنكيل بأصحابها، عندما يقومون بتغيير دورها في الحياة، فيحولون الحذاء إلى مصاغ تحرسه الكاميرات، ينتعله المرء، لا برفقة حبيب، بل مع »بودي غارد« يحرس خطاه، ويتحول الهاتف من وسيلة اتصال إلى وسيلة تشاوف يُشهَر كإشاعة ثراء.

    أعترف بأنه حدث أن حسدت نساء بسيطات المظهر، يتحدثن بِولَع على جهاز هاتف بسيط مع حبيب في الطرف الآخر من الخط، وكدت أعرض عليهن جهازي النقّال الفاخر، واثقة بأنهن إن قبلن صفقتي، سيقمن باستثمار عاطفي سيئ!

    ملاحظة: مازال هاتفي الأنيق معروضاً للمقايضة بهاتف بسيط لا يدق.. بل يخفق!

  20. #80
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المكان
    سوريا
    الردود
    460
    الكاتب الذي أغبط

    ربما كان الروائي الليبي الكبير إبراهيم الكوني، الفائز بجائزة الشيخ زايــد للرواية، لهذا العام، أقرب روائي عربي إلى قلبي.

    قبل أن أُعجب بعمقه الفلسفي، أُعجبت بخُلقه وتواضعه. ما نسيت له كلَّ ذلك الوقت الذي كان يقضيه معي على الهاتف ليحثني على الكتابة. فالوقت كل ثروته. ومن أجل إنقاذ هذه الثروة المتناقصة مع العمر، زهد الكوني في كل شيء، وأصبح ناسك الأدب. زرته قبل أعوام في بيته الجبليّ النائي في سويسرا، عرّفني إلى الغابة التي يُصاحبها، والوديان والسهول التي يُصادقها، وأقنعني بأن الكتابة مرتهنة بفقدان المرأة، أي كل ما يشوّش على عمل المبدع. غير أنّ ما يستنزف أعصاب المبدع وطاقته، ليس العلاقات العاطفية وحدها، في مدّها وجزرها، بل متطلبات الحياة وهمومها، والبحث عن مصدر دخل يُمكّن الكاتب من العيش بكرامة في عالم تزداد احتياجاته.

    مأساة المبدعين العرب تُختصر في الشاعر الجزائري أبو بكر زمّال، الذي عرض كليته للبيع لكي يستطيع تدبير معيشته، وفي مبدع مصري كبير يواجه خطر الحكم بسجنه، لأنه لم يسدد للمستشفى نفقات عملية جراحية، وفي حرقة الراحل الكبير محمد ديب، الذي كان مؤهَّلاً، لو توافرت له الظروف اللائقة، لأن يكون مرشحنا لجائزة "نوبل". ولكن صاحب "الحريق" مات بحرقته في الغربة بعد أن بخلت عليه الجزائر بدفع ثمن حقوق مؤلفاته بالعملة الصعبة، فترك وصية ألاّ يُدفن فيها.

    العالَم العربي طاعن في تقاليد التنكيل بمبدعيه، وإنكار قيمتهم، حتى يوم يموتون، فيستحوذ عندها على جثامينهم ويُباهي بهم.

    أعترف بأنني أغبط إبراهيم الكوني، لا على الجوائز العالمية التي نالها، وما أكثرها، وهو أهل لها، بل لأنه وجد في رئيس بلده، وليس في غيره، رعاية شخصية وحماية لقلمه وفكره. فمنذ عشرين سنة، والزعيم القذافي يؤمّن للكوني ظروف الكتابة والإقامة في سويسرا، ويضع تحت تصرّفه سيارة ومرافقاً، كأيِّ دبلوماسيّ، ويحميه من هموم الحياة كي يتفرّغ لكتابة ملاحمه الروائية. ولولا رعايته لَمَا استطاع إنجاز ستين كتاباً تُرجمت إلى أَربعين لغة.

    ولو كنت إبراهيم الكوني، لاقتسمت مع القذافي جوائزي، وأهديته نجاحاتي. ولكن، العلاقة الخاصة التي تجمع بين الرجلين، والشبيهة في نظري بعلاقة فيدل كاسترو بغارسيا ماركيز، صادقة وحميميّة، إلى درجة لا تحتاج إلى أضواء. فإن كان الكوني لا ينكر في مجالسه الخاصة ما قدّمه له القذافي من رعاية، فالقذافي أكبر من أن يعلن فضله عليه.

    كلاهما ابن الصحراء. تحت الخيمة يلتقي الرجلان ليتحدّثا عن الأدب. يقول الكوني، إن مجالسة القذافي مُمتعة ومُريحة، لأن الرجل تلقائي ونقيٌّ. ويُحكى أنّ للزعيم الليبي مكتبة تضم خمسة آلاف كتاب، يعود لبعضها عند الكتابة. وأتساءل: هل الكتابة هي التي جعلته يشعر بمحنة الكاتب، أم أنه، ككثير من الملوك والحكام عبر التاريخ، اكتشف أن أجمل العلاقات وأصدقها هي تلك التي تُبنَى مع الكتّاب والمبدعين خارج أوكار السياسة ودسائسها؟

    يذكر التاريخ القريب، أنّ وفاء الجنرال ديغول وفرنسوا ميتران لأصدقائهما الكتّاب كان وفاءً خرافياً. وقد بادلهما الكتّاب الولاء والوفاء، بعضهم حتى الموت. مثل أندري مالرو وجان كوكتو، الذي اختار ديغول ليكتب إليه آخر سطرين في حياته: "جنرالي أُحبك.. إني مُقبل على الموت".

 

 
الصفحة 4 من 5 الأولىالأولى ... 2345 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •