Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 18 من 18
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536

    سياف الزهور (( الماغوط ))



    لا تأخذ حلوى من غريب


    كنت أعرف أطال الزمن أو قصر ، سأعود إلى الكتابة كما يعود القاتل إلى مكان الجريمة . لقد راجعت كل مكاتب الاستخدام في العالم ، فأبلغوني بأن يديّ لا تصلحان إلا للقيود .
    ***

    ولكن على الرغم مما وفّرته الحضارة الحديثة للإنسان المعاصر، من وسائل الراحة والمتعة في المأكل والمشرب والملبس، والتهوية والتكييف والتبريد، ووسائل الطباعة والنشر والسفر والتنصت والاتصالات، فإنني ما زلت أحنّ إلى الماضي البعيد، بكل ما فيه من خشونة وفراغ وشظف عيش. مثلي مثل أي انسان ما عدا الحكام، فهم لا يذكرونه ولا يريدون لأحد أن يذكّرهم به تحت طائلة القانون.

    ولكن هذا لا يمنع من أنني أتجاوب وأتقبّل كل ما هو جديد ومعاصر بكل لهفة ورحابة صدر، ما عدا دفاتر الكتابة الحديثة، فعلى الرغم من روعة تصميمها، ونعومة ملمسها، وتنوّع أشكالها ومقاساتها، وجمال الطيور والأزهار ، والأطفال السعداء المكتنزين على أغلفتها، فإنني ما زلت أحنّ إلى الدفاتر المدرسية القديمة بكل بساطتها وتقشفها، وخاصة تلك التي على غلافها الأخير صورة جدول الضرب، وعلى الغلاف الأول صورة الكشّاف أو الطالب المجدّ بكتابه المرفوع في الهواء، وخطواته الثابتة الواثقة وقد كُتب تحتها:
    إلى الأمام...
    لا إلى : مدريد .. وأوسلو .. وواشنطن.. وتل أبيب!!
    ***


    إنه مجرد حنين رومانسي لا أكثر ولا أقل، لأننا في الوقت الحاضر، لو وضعنا أمام النابغة الذبياني دفتراً على غلافه الأول صورة "الجوارح" وابن الوهاج برمحه ومهابته، وعلى غلافه الأخير صورة "الكواسر" وشقيف بجديلته ودبوسه، وبرؤية جديدة للجوارح ماذا يمكن أن يكتب أو يقول؟
    ***

    فلكي تكتب، وتقرأ ، وتسمع، وتهتف، وتتظاهر، وتلوّح بقبضتك كما تريد يجب أن تكون حراً.
    ولكي تكون حراً، يجب أن تكون قوياً.
    ولكي تكون قوياً، يجب أن تكون منتجاً.
    ولكي تكون منتجاً، يجب أن تكون مستقراً.
    ولا يمكن أن تكون مستقراً في منطقة غير مستقرة.
    وهذه المنطقة لن تعرف الاستقرار، مادام الصراع العربي – الاسرائيلي يستنزف كل طاقاتها. أكان صراع وجود لا حدود، أم مياه وسدود.

    ولا يمكن إيجاد حل لهذه المشكلة ، إذا لم يكن هناك حد أدنى من توازن القوى بين طرفي الصراع.
    ولا يمكن أن يكون هناك حد أدنى من هذا التوازن، ما دامت أميركا تمسك عن العرب وتمنع عنهم كل شيء. وتسمح لإسرائيل وتعطيها كل شيء، حتى من الحبوب العربية نفسها.

    ولا يمكن تعديل هذا الموقف إلا إذا أصبح مصير العرب وقدراتهم ومقدراتهم بأيديهم.
    ولا يمكن أن يكون مصير العرب وقدراتهم ومقدراتهم بأيديهم، إذا كان مصير الاتحاد السوفيتي سابقاً أو لاحقاً نصير العرب الأول، وقدراته ومقدراته لم تعد بيده.

    ولا يمكن القيام بأي خطوة للخروج من هذا الطريق المسدود مالم يعترف الأوصياء الرئيسيون على الحق العربي والحق الفلسطيني بهذه الوقائع والمتغيرات الجديدة، ويؤمنوا إيماناً راسخاً بأن مواجهتها تتطلب عقليات ورؤى وأساليب عمل جديدة.

    وكيف يمكن لهؤلاء أن يعترفوا بهذه المتغيرات والمعطيات الجديدة، وأن يؤمنوا بأية عقليات أو رؤى أو أساليب عمل جديدة إذا كان نصفهم لا يؤمنون حتى الآن بكروية الأرض!
    ***

    إذن قبل تحرير فلسطين، يجب تحرير العقل العربي. ومع أن هذه المهمة أكثر صعوبة من تحرير فلسطين نفسها. فلنفترض أن الجميع آمنوا بها وبضرورة العمل على تحقيقها. فمن أين نبدأ وبأية وسائل؟
    بالسيف أم بالقلم؟
    بحرية التفكير أم بحرية التكفير؟
    بالولاء للنظام أم للموهبة؟
    باستلهام الماضي أم باستقراء المستقبل؟
    بزيادة الانتاج أم بالاضراب عن العمل؟
    بالتظاهرات والمسيرات في الشوارع، أم بالاعتصام بالمكاتب والكهوف والمغاور؟
    بوحدة الصف الفلسطيني؟ أم الصف العربي؟ أم الصف الاسلامي وبأيها نبدأ؟
    وعند الاتفاق على أي خطوة لتحقيق هذا الهدف، هل نراعي ما في المنطقة من تيارات قومية، وقطرية، وشعوبية، وأصولية، وميليشيات عسكرية وفكرية، وأطماع إقليمية، ومصالح دولية؟ أم نصطدم معها؟
    وفي هذه الحالة، لكي تكتب في أي مجال، وفي أي اتجاه فأنت بحاجة إلى:
    غطاء فلسطيني.
    وغطاء عربي.
    وغطاء إقليمي.
    وغطاء دولي.
    وغطاء طائفي.
    وقبل كل شيء غطاء سياسي من النظام الذي يقيم أودك، ويستر عريك وآخرتك!
    فهل أنا كاتب أم منجّد؟
    ***

    ومع ذلك سأكتب وأكتب عارياً حتى وسطي كالعبد المساق إلى ساحة الجلد ولا شيء يحميني من المحيط إلى الخليج سوى الغطاء الجوي للكرة الأرضية.



    من:
    سياف الزهور
    محمد الماغوط
    المدى

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    نصوص العار


    1


    نحن ماسحو الرعاف والسوائل الأنفية بالجدران وجذوع الأشجار
    المستحمون عراة أو بثياب الخروج مع الخيول والبهائم في
    المستنقعات ومياه الشرب.
    أحفاد حطين واليرموك والقادسية
    وذي قار، وذات الصواري، وذات الرئة.
    بزفير الحمّى نشعل لفائفنا
    وعلى سعالنا المتقطّع
    تحدد ساعة الصفر
    في أكثر الجيوش دماراً ووحشية
    فنحن لسنا مرضى عاديين
    بل مرضى متفوقون
    من يجرؤ على مناقشتنا أو علاجنا وجهاً لوجه؟
    أو تفريقنا عندما نجتمع.
    أو تجميعنا عندما نفترق؟
    يكتشف العالم دواء ناجعاً لمرض خطير
    فنكتشف له ألف مرض أكثر خطورة، لا علاج له ولا شفاء منه
    ***

    ثم مهما كانت حال أمعائنا وحناجرنا وصدورنا ووظائف الكبد
    فينا أو مجال الرؤية عندنا .
    لا أحد مخولاً بالرثاء لنا أو التعاطف معنا .
    أسمالنا ضرب من الاحتيال .
    وأضلاعنا البارزة
    لإحباط الضواري
    وإثارة كيد الجوارح وبزاة الطير.
    وقروحنا تراجع مؤقت
    وشجاعة أُجهضت في شهرها التاسع.
    ***


    كما لا نريد لآلامنا أن تبرأ، أو تتناقص
    ولا لجراحنا العميقة أن تلتئم، ويعود الجلد إلى سابق عهده ...
    بل وبدون أقنعة واقية من الغازات
    أو معاطف واقية من خراطيم المياه
    أو كرامة ضد وابل السخرية والإهانات
    سنقوم بمظاهرات دورية ضد مبادئ الإسعاف الأولية.
    والصليب الأحمر، وأطباء بلا حدود...
    ***


    وها هي سهراتنا تدوم وتدوم
    حول اللهب المغّذي بكل ما هو أخضر أو يابس من خيرات الوطن
    وأظافرنا تطول وتطول، حتى تكاد أن تبلغ الدول المجاورة
    دون أن يعترضها أو يقف في وجهها أحد
    إنها وديعة الأمة فينا
    متى طلَبَتها وجدتْها
    ناشبة في وجهها وعنقها وعينيها !!
    ***


    2


    نحن المصطافين في الحدائق العامة ، وعلى سطوح منازلهم
    وقريباً على أعمدة الهاتف والكهرباء
    والمداخن والهوائيات المختلفة "وخاصة أسلاك الاستشعار عن بعد"
    صحيح أن هناك البزاة وجوارح الطير
    ولكنها أرحم من مناقير الأطباء في هذه الأيام
    ومن الأسنان المكشّرة
    حول كل قصيدة وثدي ، وناي، وبكارة ...
    ***


    في الحقيقة ليس هذا هو موضوعنا
    فلا الشعر، ولا الجنس، ولا الهواء النقي، أو النسيم العليل
    يعنينا بقليل أو كثير
    فأمامنا هدف واحد ومحدد بأقلام الرصاص
    على كل بقعة من بقاع الأرض:
    على بعضنا، أو أحدنا، أن ينجو بأية وسيلة
    من أية مشاجرة، أو عراك
    أو لغم أرضي، أو انفجار طائرة
    من أي وباء
    أو طوفان
    أو زلزال
    أو بركان
    أو ضربة شمس
    أو لدغة أفعى
    أو عضة كلب
    إننا قلقون جداً...
    نحن في مأزق
    فالضباب يبقى ونحن نتلاشى

    3


    ولذلك لن أنام بعد الآن
    في مكان واحد مرتين متتاليتين
    وكالطغاة أو الأنبياء المستهدفين
    سأضع شبيهاً لي
    في أماكن متعددة ، في وقت واحد
    لا لتضليل الوشاة والمخبرين، فقد صاروا آخر اهتماماتنا...
    ولكن لتضليل القدر...
    ***


    وإنني بهذه المناسبة
    أنصح هذا الوطن العجوز الخرف
    أن يقوم بنفس الشيء
    ولا ينام في "خارطته" ليلتين متواليتين.




    يتبع..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    إصابة عمل


    رغم حصافتي ، وتعقلي ، وترفعي عن الأساليب الغوغائية في التعاطي مع أي شيء، في الفكر ، والحياة ، اكتشفت فجأة بأنني مجرد بوق إعلامي، وتلميذ نجيب للفضائيات العربية، ولما تقوله وتروج له.

    إذ ما أن أسمع رأياً بمطرب أو ممثل أو كاتب، أو نصيحة طبية، أو سرقة أدبية، أو فضيحة مالية أو سياسية أو رياضية ، حتى أسارع وأنقل كل ما سمعته حرفياً ، لكل من أعرف شخصياً أو هاتفياً أو بريدياً. ويصبح ما سمعته شغلي الشاغل ، وحديثي اليومي في البيت والمقهى والبقاليات ، وعلى الطريق مع ما لا يحصى من ثبوتاتي واجتهاداتي الشخصية، حتى أسمع نبأ آخر أو فضيحة أخرى.

    وكان آخر ما سمعته في هذا المجال من إحدى الفضائيات العربية ، هو حديث طبي عن أهمية "الألياف" للجسم في سن معينة، والمواد الغنية بها من فاكهة وخضراوات، وحبوب، وأجبان وألبان. فأقبلت عليها جميعاً، هرساً، وعصراً ، وتقطيعاً ، لتعويض ما يكون قد فاتني من هذه المادة . حتى كدت في يوم من الأيام أن آكل "ليفة" الحمام.

    كما كنت لسنوات طويلة، أعتقد بأن براعتي الأدبية أرض محرمة لا تستباح، وأنه لا الحاجة ولا المادة، ولا الغربة، ولا البطالة، ولا السوط، ولا الشهرة، ولا الإهمال، يشغلني لحظة واحدة عما يجري من حولي من أحداث وتطورات ومستجدات، إلى أن خضعت لأول اختيار عملي، حيث تبين لي أن كل آرائي ومواقفي الحازمة ضد هذا الاغراء أو ذاك، ما هي إلا أوهام وترهات، وأن ثقتي بنفسي ليست عمياء وصماء، بقدر ما هي مضحكة وبلهاء.

    ففي منتصف العمر، دعيت للعمل معززاً مكرماً في إحدى صحف الخليج، فلبيت الدعوة على الفور لأسباب عديدة، وأهمها إغناء تجربتي الشخصية والطبقية، وكنت كلما سألني أحد، كيف، وأنا الثوري المتطرف في كل شيء ومع كل شيء أقبل أن اعتاش من مؤسسات وبلاد هي نقيض لذلك؟ أجيب بانفعال وعلى الفور: ماذا أفعل؟ الفم يساري، والمعدة يمينية.

    وبعد سنتين من مكابدة الصحاري الرملية والبشرية، ومخالطة الهنود والباكستانيين والايرانيين والكوريين والسنغاليين، والأفغانيين، والأفخاذيين، المتصببين عرقاً وبؤساً وغربة، ادخرت مبلغاً من المال، اعتبرته كافياً لتربية أطفالي التربية الصحيحة، واتقاء مجاهيل الكبر والشيخوخة. وقد حرت في أمر صمود هذا المبلغ المدخر في أحد البنوك كوديعة بإحدى العملات المستقرة والمضمونة والبعيدة عن الأنظار، حيث أستطيع كسر الوديعة، واسترداد المبلغ متى شئت وحيث أكون، فوافقت على الفور، وأودعت شقاء الغربة في أحد المصارف الشاهقة الارتفاع بإحدى العملات المستقرة والمضمونة، ونمت تلك الليلة نوماً عميقاً هانئاً معافى ، بعد أن شربت قدحاً من "النسكافيه" قهوة الشباب العري الناجح.

    ولكن ما إن استيقظت صباح اليوم التالي، حتى صار شغلي الشاغل هو متابعة أسعار العملات المحلية والعربية والأجنبية ، من الصحف والمجلات والاذاعات والاشاعات.
    وصرت كلما سمعت نبأ اقتصادياً مزعجاً في أية بقعة في العالم، يركبني الغم، وأفقد شهيتي للطعام والعمل، وأقرر كسر الوديعة، وكلما سمعت نبأ إشاعة مغايرة، أتنفس الصعداء وأقرر الابقاء عليها.

    وعندما وقعت بعض الاضطرابات السياسية والعشائرية في البلد الذي وضعت الوديعة بعملته، عكفت على قراءة تاريخه ومساحته ومناخنه، وعدد طوائفه وأحزابه، والتيارات المتصارعة فيه، ومن حوله، وما عليه من مسؤوليات وقروض. وكنت أرغم جلسائي بالقوة والحسنى على الحديث عنه وعن مستقبله، مؤكداً على متانة عملته وثبات اقتصاده، وأن كل ما يجري فيه ومن حوله مجرد سحابة عابرة سرعان ما تزول، لأن إرادة الشعوب لا تقهر، وإن المؤامرات الاستعمارية عليه ستفشل. وأن الرهان على العملة المتدهورة ليس خاسراً دائماً، بل العكس هو الصحيح، كما كانت الحال بالنسبة إلى المارك الألماني والين الياباني بعد الحرب العالمية الثانية. وعندما أخلو إلى نفسي أغرق في الهم والحيرة والتردد: هل أكسر الوديعة؟ أم أبقي عليها؟ وإذا كسرتها، فبأية عملة استبدلها؟

    ومرت الأيام والشهور والسنوات...
    وتغير مفهوم العمل في الصحافة والنقد والمسرح، وأساليب الكتابة والقراءة والالقاء والاصغاء.
    ونزلت إلى الأسواق عشرات الصحف والمجلات، والدواوين الشعرية والقصص والروايات الأدبية الجديدة.
    ومئات الأحزاب والطوائف والميليشيات والعشائر التقدمية والرجعية والأصولية.
    واجتاحت اسرائيل جنوب لبنان
    ونزل المارينز على شواطئ بيروت
    واندلعت حرب الخليج
    واغتيل أنور السادات
    وجرت محاولة لاغتيال نجيب محفوظ
    ومات أمل دنقل، ويوسف إدريس، وعاصي الرحباني، وميشال طراد
    وشاخ من شاخ ، وخرف من خرف
    وأنا لا عمل لي سوى التسكع في الطرقات والتساؤل: هل أكسر الوديعة؟ أم أبقي عليها؟ وإلى متى؟ لقد صارت عندي أهم من وديعة رابين... إلى أن سقطت ذات يوم في حفرة من حفر الانشاءات أو الترميم لا أحد يعلم، فكسرت يدي وقد انفقت واستدنت ضعفي قيمة الوديعة في العلاج والاستطباب.

    وقد أشار علي أحد المنظرين العرب في قضايا حقوق الانسان، بأنني لست المسؤول عما حدث، وأن المسؤولية تقع على عاتق الجهة الرسمية التي لم تحتط للأمر، ولم تضع إشارة واضحة لوجود الحفرة لا في الليل ولا في النهار، وإنه يحق لي كمواطن المطالبة بتعويض قد يصل إلى مئات الألوف. وعندما قدت الجهة الرسمية المسؤولة عن مثل هذه الحفر، ويدي معلقة بعنقي، نصحني موظف الاستعلامات بأن أنصرف فوراً، وإلا كسروا لي الثانية.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    رباعيات الخيام


    1


    إنني وحيد.. أريد جليساً
    عجوز أريد سنداً ، أو مسنداً
    مسافر أريد مودعاً ، أو مرحباً
    ملهوف أريد غوثاً
    شاحب ، أريد لوناً
    عريشة أريد جداراً
    مقاتل أريد فقضية
    هتّاف ، أريد بطلاً .
    إنني في مأزق ، أريد مخرجاً
    مقرور أريد شمساً
    إنني أشتعل أريد برداً وسلاماً
    ولو كان سلام الشجعان
    إنني متعطش للحياة تعطش القاتل للدم.

    2


    في هذه الليلة الهادئة والمهيبة كالمقبرة العسكرية.
    حيث لا حركة ولا نأمة
    سوى أنين الرياح ، وصفير السفن البعيدة
    لا أتمنى أن أكون أكثر من طبّال ، أو ضارب رقّ
    حول راقصة شرقية
    أو عازف كمان مجهول
    في ملهى ليلي من الدرجة العاشرة
    ولكن بدل "القوس" سكيناً أو سيفاً
    أذهب وأجيء به على كتفي
    حتى أقطع الأوتار وما تحتها
    حتى أصل إلى الكتف ، فالجذع
    فالأرض التي أقف عليها
    وأقطعها مثل كعكة الميلاد
    وأقدمها إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن
    مع انحناءة المايسترو المعروفة
    وأنطلق .. والسكين بيدي ..

    3


    استيقظت كعادتي كل صباح
    بحثت عن نظارتي ، فلم أجدها بجانبي
    عن خفي المنزلي فلم أجده قرب السرير.
    ذهبت لأغتسل فلم أجد المرآة
    لأعد إفطاراً ، فلم أجد المطبخ
    أن أتصل هاتفياً ، فلم أجد جهاز الهاتف
    أن أكتب ملاحظة خطرت لي في الليل ، فلم أجد القلم
    أن أدخن فلم أجد علبة التبغ
    أن أرتدي ثيابي فلم أجد خزانتي
    أن أخرج كما أنا، فلم أجد الباب
    أن أمشي فلم أجد قدمي
    أن أضمّ إلى صدري صور أطفالي الغائبين
    فلم أجد ذراعي
    أن أستغيث فلم أجد لساني
    أن أصلي، فلم أجد قبلتي
    وفتحت النافذة على مصراعيها كالمجنون
    فلم أجد الأفق...
    ...
    الكل ينأى، ويغترب، ويرفرف بجناحيه بعيداً عن الآخر
    وأنا أريد أن ألتحم مع أي شيء... ولو بالسلاح الأبيض.

    4


    منذ فترة ليست بالبعيدة
    أخذت ذاكرتي تخونني علنا كالداعرة .
    فصرت أنسى أسماء أصدقائي وأرقام هواتفهم
    وأسماء أحب المطربين والممثلين إلى قلبي
    ومواعيد وأحداث المسلسلات التي أتابعها
    وأسماء الشوارع التي أمر بها
    والمقاهي التي أرتادها
    والبقاليات التي أتعامل معها
    ومحطات النقل التي استخدمها
    ...
    ثم عناوين كتبي وقصائدي
    ثم ألوان الثياب التي أرتديها
    وألوان الطعام التي أوثرها
    ثم لون عينيّ
    ثم نسيت أسماء جيراني وحارتي
    والآن ... نسيت اسم وطني .


    >>

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    اغتصاب كان وأخواتها


    فجأة، ودون سابق إنذار، ركنوا جانباً ، قضية فلسطين، وتعثر المفاوضات على المسارات كلها، واستمرار قصف الجنوب، وحصار العراق، واحتمال تقسيمه إلى حارات وأزقة، والحلف التركي – الاسرائيلي ، وقضية لوكربي، والمذابح في الجزائر، والوضع المتفجر في البلقان، والقرن الافريقي، وقضية أوجلان، وكل ما تحفل به المنطقة من أحداث وتوقعات وانفجارات، وكرّسوا كل طاقاتهم وجهودهم للدفاع عن "اللغة العربية"، والذود عن حياضها ، وشنّ حرب لا هوادة فيها ضد اللهجات المحلية التي تتهددها.

    وعلى رأسها تعريب المصطلحات الطبية، والعلمية، والكيميائية، والفيزيائية، والعضوية، والبيولوجية، واستبدال أسماء الشوارع، والساحات، والفنادق، والمسابح، والمقاهي، والمطاعم، والملاهي، بأسماء عربية، لا عجمة فيها ولا إبهام بدءاً بدبلجة المسلسلات المكسيكية والصور المتحركة وانتهاءً ببرامج المنوعات وطبق اليوم.

    وتشكلت اللجان، ورصدت الميزانيات، وأعدت لوائح الكتبة والمؤرشفين والورّاقين، وامتلأت أروقة الإذاعة والتلفزيون ودور الصحف والمجلات من المحيط إلى الخليج. بوجهاء اللغة، وأعيان الصرف والنحو، وفقهاد البلاغة والإملاء والانشاء، مع أن أحداً لا يشك للحظة واحدة بأن سيبويه قد يصاب بالصداع النصفي أو الشقيقة في قبره، قبل أن يتفق لغويان عربيان على إيجاد بديل، أو مرادف لغوي لكلمة "أسبرين". وقد تحتل اسرائيل ما تبقى من الأراضي العربية المحتلة وكل ما عليها من مجامع لغوية، قبل أن يتفق أربابها على تفسير كلمة "احتلال" أو إيجاد الجذر اللغوي لها، وكأنهم يسمعون بها لأول مرة في حياتهم.
    ***

    في الحقيقة ، إنني أتوجس شراً من أية مبادرة سياسية كانت أم علمية أم تربوية تقوم بها فجأة أية جهة رسمية، وتذكرني بمبادرة السادات ونتائجها.

    ولكن لنفترض حسن النية ونبل المقصد من وراء هذه المبادرة ، وأن القائمين عليها هم نفسهم الملائكة الذين كان مجلس الشيوخ الروماني يبحث في جنسهم قبل الميلاد وحتى الآن، وصار لهم ما أرادوا، وقضي على اللهجات المحلية قضاء مبرماً في كل ارجاء الوطن العربي، وأصبحت اللغة العربية الفصحى هي السائدة في أي حوار أو سؤال أو جواب، في جميع الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية، وشركات القطاع العام والخاص، والجامعات والمدارس ودور الحضانة، ودور السينما والمسرح والملابس الرياضية وفي المستشفيات والصيدليات والبقاليات وأسواق الصيرفة والمال، ووسائل النقل والسائقين والركاب وشرطة المرور، والفنادق والمسابح والمطارات والسفارات والقنصليات ومراكز الحدود، والمقاهي والمطاعم وعلى ألسنة التجار والمستهلكين والباعة المتجولين.

    فإنني أسأل الملك سليمان الذي كان يفهم لغة الطيور والأسماك والحيوانات إذا كان يفهم وزير خارجية أو ناطق رسمي عربي باسم أي جهة وهو يجيب على سؤال واضح وضوح الشمس، لا عن سياسة بلاده الخارجية أو الداخلية، أو موقفها من هذه القضية أو تلك من قضايا الساعة، بل عن حالة الطقس أو الطرق في بلاده، ولو كان يتكلم بلغة جرير والأخطل الصغير والكبير.

    إنه الرعب!
    وفي هذا السياق ، ثمة سؤال لغوي بريء في غاية البراءة يتبادر إلى الذهن:
    ترى في سجون التعذيب وأقبية المخابرات الرهيبة، وهي في المحصلة – القاعدة الشعبية الرئيسية لمعظم أنظمة الحكم في الوطن العربي- حيث الصراخ والعويل من البرد والرعب والصعقات الكهربائية، بأية مفردات، بل بأي قريض أو بيان يتم استجواب المتهمين والنيل من كراماتهم وأعراضهم حتى سابع جد؟
    وهل على المهتمين الرافعي الأيدي والأرجل تحت السياط والهراوات، أن يجيبوا على أسئلة المحققين باللغة العربية الفصحى؟
    ***

    ماذا يريدون إذن من هذه المبادرة الجماعية الكريمة؟
    العودة إلى الجذور؟ لم يعد هناك جذور ولا أغصان!
    العودة إلى الجاهلية؟ إلى العصر الحجري؟
    أن أميركا لن تسمح لهم بالعودة حتى إلى العصر الطباشيري، لأن فيه بعض الصلابة!
    ***

    ثم ما هذا التوقيت العجيب، ففي الوقت الذي تشن فيه هذه الحرب الشعواء على اللهجات المحلية في طول الوطن العربي وعرضه، يتقاطر السيّاح، والصحافيون، والمراسلون، والمصورون، والمستشرقون، والرحالة، والمبشرون، والرياضيون، والراقصات والراقصون من كل أقطار الدنيا للبدء بتعلم هذه اللهجات وهم ما زالوا على سلم الطائرة.

    أسماء المدن والشوارع والقرى والأوابد الأثرية، والأهازيج البدوية والمواويل الريفية، والطقوس الجنائزية والأعراس وتقاليدها، وأسماء الطوائف والمذاهب واعدادها، والمهن اليدوية، والمأكولات الشعبية وطرق إعدادها، والآلات الموسيقية وعددها، وأسرار التخت الشرقي والمطبخ الشرقي، حتى أسماء التوابل والبهارات والنكهات. كأن هذه الأرض ستفرغ من سكانها الأصليين قريباً... وهذا لن يحدث طبعاً، لأن الراعي الأميركي لا بدّ له من وجود بعض القطعان من حوله.
    ***

    عندما لا تتاح للإنسان أياً كان جنسه ولونه ومعتقده فرصة للتعبير عما يريد ويطمح إليه، لا بالفصحى ، ولا بالعامية، ولا بالغناء، ولا بالرسم، ولا بالنحت، ولا بأية وسيلة من وسائل الإيضاح والتوضيح المتعارف عليها، يلجأ إلى التعبير بالجسد كالإنسان البدائي، أو ما يسمى الآن بالمسرح الإيمائي، وهو أرقى أنواع الفنون وأصعبها وأحقرها بالنسبة للعربي، حيث يضطره الإرهاب اللحوح المتواصل وهو في نهاية القرن، للتعبير عن أهم وأخطر قضاياه الانسانية والوطنية والمصيرية، بعينيه وحواجبه وأذنيه، أو بخصره ومؤخرته وهو الذي اخترع الأبجدية التي صُكّت بها أول شريعة لحقوق الإنسان في العالم.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    الواشي

    رغم التصحّر الذي يغزو العالم
    نبتا فجأة في المقهى
    كغصنين موفدين من أعرق وأجمل ربيع في التاريخ

    ***


    جلسا على طاولة واحدة
    وشربا من كأس واحدة
    وسمعا أغنية واحدة
    وزفرا زفرة طويلة واحدة

    ***


    يدخلان سوية، ويخرجان سوية
    يضحكان سوية، ويبكيان سوية
    حتى دموعهما كانت بحجم بعضهما
    كالثمار في المزارع التعاونية

    ***


    صفّقا للنادل، وطلبا نهراً في إبريق
    وغابة في صحن
    وتبغاً وسعالاً لأسبوع
    ومسطرة وأقلاماً لرسم ملامح المستقبل
    على خشب المائدة ومحارم التنظيف

    ***


    وعندما كان الخادم يتلكأ في طلباتهما
    أو يأكل أحد الزبائن بشراهة وصوت مسموع
    كانا يجذبانه من ياقته أو مريلته ويصرخان:
    التزموا آداب المائدة أيها المتوحشون
    واحترموا ما يقدم لكم بكل خشوع ومهابة
    فهذا الخبز كان سنابل
    وهذا الملح كان في أعماق البحر
    وهذه الملعقة المتواضعة، التي حطّ بها الزمان أمامكم
    ربما كانت الحفيد ة الأخيرة لمقصلة دانتون
    أو مطرقة لينين

    ***


    وصفقا الباب وراءهما صفقة دوّت معهما كل مطاعم الشرق
    بأطباقها وملاعقها
    وممالحها وخدمها وزبائنها.
    وفي اليوم التالي
    عاد أحدهما مستعجلاً تحت المطر
    أما الثاني
    فكان يسبح بدمه في أحد أقبية التعذيب
    لقد تذكرت :
    كان أحدهما يتحدث أكثر من اللازم
    وكان الثاني يصغي أكثر من اللازم.


    عتابا معاصرة


    الذين ملؤوا قلبي بالرعب
    ورأسي بالشيب المبكر
    وقدحي بالدموع
    وصدري بالسعال
    وأرصفتي بالحفاة
    وجدراني بالنعوات
    وليلي بالأرق
    وأحلامي بالكوابيس

    ***


    وحرموني براءتي كطفل
    ووقاري كعجوز
    وبلاغتي كمتحدث
    وصبري كمستمع
    وأطياني كأمير
    وزاويتي كمتسول
    وفراستي كبدوي
    ودهشتي كمسافر
    وحنيني كعائد

    ***


    ثم أخذوا سيفي كمحارب
    وقلمي كشاعر
    وريشتي كرسام
    وقيثارتي كغجري
    وأعادوا لي كل شيء وأنا في الطريق إلى المقبرة ،
    ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة؟

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    فقه الإرهاب


    لا تكاد تفتح صحيفة يومية، أو مجلة أسبوعية أو شهرية أو فصلية، وتقرأ افتتاحية سياسية، أو دراسة فكرية، أو مقابلة أدبية، أو فنية، أو رياضية... قصيدة عمودية أو حديثة، إلا ولها تتمة على الصفحة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، أو العاشرة!!

    من أين يأتون بهذا الكلام؟ من أي منجم أو مستودع أو اهراءات؟ لا أحد يعلم. مع أنه، في الحياة العامة أو الخاصة، قلما تجد حديثاً مشتركاً بين الأب وابنه، والزوج وزوجته، والحبيب وحبيبته. أو حتى بين طلاب الصف الواحد، وركاب الحافلة الواحدة، أو الطائرة الواحدة، أو نزلاء الفندق الواحد، أو المعتقل الواحد. الكل غارق في همومه الخاصة كالفيلسوف، وإلأ لماذا أخذ المارة يتحدثون إلى أنفسهم في الشوارع العامة كالمجانين؟

    ثم :
    في المهرجانات الثقافية
    أو الندوات الشعرية
    وفي المناسبات الوطنية والقومية
    في ذكرى احتلال أو استقلال
    انتصار او نكسة
    استقبال أو وداع
    احتفال ديني، أو حفلة تأبين، عرس أو كارثة...
    ما من محاضر يختصر قافية
    أو مطرب يختصر وصلة
    أو رجل دين يختصر موعظة أو نصيحة!
    أو ثوري ينسى هتافاً أو مقولة، ولو تساقط الحضور تباعاً، الواحد تلو الآخر، وصفّاً وراء صف، ونقلوا أمام أعينهم إلى غرف الانعاش والمستشفيات المجاورة.

    لأن كل واحد منهم، أياً كان شأنه ومقامه، يعتقد بأن جميع وسائل الإعلام مستنفرة في تلك اللحظة، لالتقاط الدرر التي يفوه بها لتحليلها كلمة كلمة، وجملة جملة، لمعرفة أهدافها ومراميها وتوقيتها وأبعادها المحلية والعربية والدولية في هذه الظروف بالذات!!
    وأنا على مدار الساعة، أقلب المقاعد، وأمزق الستائر، وأحطم الأدراج وكل ما تصله يدي بحثاً عن كلمة... عن حرف... كما يبحث المدمن عن زرقة المخدر.

    في الأيام الخوالي، أيام الإقطاع البغيض، والاستعمار الغاشم، عندما كانت طاولتي هي ركبتاي في وسط النقل، والحدائق العامة، والمقابر. كان إذا ما نفد الورق مني، أكتب على القبور، والأشجار، وخشب المقاعد. أجمل قصائدي كتبتها في تلك الأيام على القبور، وشواهد القبور، على برق العواصف وضوء النجوم!!

    والآن... أمامي كل أنواع الورق الحديث والقديم وحتى ورق البردي، وأقلام أكثر مما عند العاهرة من أقلام الحمرة والتبرج، والمصابيح الملونة تشع من كل الأركان والزوايا، وموسيقى تهز الحجر من حولي.. ومكتب أكبر من مكتب التحقيقات الفيدرالي.. ولا حرف .. ولا كلمة!!

    ساعات وأيام وشهور، والورقة البيضاء الفارغة، تحدق بي بثبات ولا مبالاة كعين الأعمى، وأنا أذهب وأجيء مشيحاً عنها، محدودبا معقود الذراعين مثل نابليون في "سانت هيلانة".

    لا يهزني نصر، ولا تذلني هزيمة. ولا يربكني احتلال، ولا يسعدني استقلال. لا تشغلني مفاوضات، ولا يؤرقني حصار، ولا يشدني مسلسل، ولا تمتعني رواية، ولا تضحكني مسرحية، ولا تطربني أغنية ولا يزعجني مواء أو عواء. لا يعنيني تراث، أو حضارة، أو موقع استرتيجي، أو ثروات طبيعية، أو نهضة عمرانية أو فنية، ولا أوابد أثرية، ولا ملاحم عربية.

    لا أتذمر من شيء، ولا أطمح لشيء!
    أي طعام آكل
    وأي لباس أرتدي
    وأي حذاء أنتعل
    ولأي طائفة أنتمي
    بأية شروط أقبل
    على أية ورقة أوقع
    وحيث يدركني النعاس أنام كالحيوان!!
    لا أخجل من شيء، لا أحن إلى شيء، ولا أبالي بشيء.
    وشكراً للثورات العربية المباركة!
    الثورات العربية: لا شكر على واجب!!

    وأنا أضع اللمسات الأخيرة لتمثال "اليأس الخالد" من كل شيء عربي، وأطرح مطرقتي وأزميلي جانباً، وأتأمل بكل فخر واعجاب وخيلاء وثقة بالنفس، عضلات الحزن والقهر والاحباط المفتولة والنافرة من العنق والصدر والفخذين والذراعين، وأكاد أقول له: انطق!! كما قال مايكل انجلو لتمثال موسى من قبل.. يأتيني فدائي مجنون، من الجنوب ... أو الشمال... ويرشق وجهي، ووجه ثمتالي، وعضلاته المفتولة والنافرة بدمه، ووحل حذائه " إذا كان عنده حذاء" ويمضي إلى غير رجعة.
    فألتقط مطرقتي وأزميلي، وأحاول من جديد!!

    فليستمروا في محاولاتهم، وسوف أستمر في محاولاتي، لنعرف من سينتصر في هذه المعركة، لأنني لن أسمح أبداً بأن ننتهي بلا غالب ولا مغلوب على الطريقة اللبنانية. لأنها معركة حياة أو موت.

    ولكن ، في سري، أتمنى لأول مرة في حياتي أن أهزم في معركة، وأجرجرَ في الساحات، والسلاسل في قدمي، مثل زنوبيا في شوارع روما قبل ألفي عام...!!

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536

    نادي العراة
    "مسؤول عربي يخطب في ساحة عامة"


    أيها الجماهير الحاشدة الصامتة في كل مكان على هذه الأرض الطاهرة المعطاء..
    دعونا الآن من منطلقاتنا السياسية، ومسلماتنا الفكرية، ومناقبنا، وقيمنا، ومبادئنا، وأخلاقنا التي باتت معروفة للجميع، ولنلق نظرة خاطفة على ما كنا فيه، وما نحن عليه الآن من نِعَم، ومباهج ومسرّات. لأن نضال الشعوب، والأحزاب، والأنظمة، والمنظمات، وكل الفعاليات الأخرى، هو في المحصلة من أجل الإنسان، وسعادته، ورفاهيته.

    بادئ ذي بدء: أين كنا نسكن ونقيم؟ في البيوت الطينية، أو الخيام المرقعة، رجالاً ونساءً وأطفالاً تحت سقف واحد مع البهائم والعقارب والأفاعي وغيرها من الحشرات والهوام. أو في الخرائب والمقابر العامة، تحت الحر والقر، وكل عوامل الطبيعة الغادرة الهوجاء والمعروفة من الجميع. أما الآن:
    فهناك قصور، وفيلات، وشقق فاخرة ، ومصاعد كهربائية، وأبواب أوتوماتيكية، وأجهزة إنذار الكترونية، وستالايت، وفيديو كليب، ومطابخ أميركية، وبرادات ، وغسالات، وجلايات، وخلاطات، وأفران غاز، وميكروويف، وكلها من الميلامين أو الستانليس ستيل الذي لا يعرف الصدأ.
    وورق جدران، وسجاد عجمي، وبورسلان، ورخام إيطالي، وكريستال تشيكي، وبانيوهات ملونة، وبرانس حريرية، وشحاطات شاموا، ومثبتات شعر، وبخاخات عطر للمناطق الحميمة من الجسم، وأحواض سباحة، وكراسي هزازة، ونظارات شمسية، وزيوت واقية، وميزان آلي لمراقبة الوزن.
    وهناك غرف استقبال، وغرف مائدة، وبار منزلي، وغرفة جلوس، وغرفة مكتب، وغرفة خادمة.
    أما غرف النوم، فحدث ولا حرج، فهي باتساع ملعب كرة قدم، وكل الأسرة والمفارش من الاسفنج، أو الصوف المعقم، أو الريش الطبيعي، ووسائد مطرزة، ومراوح صينية، ومكاحل عاج، وحلي، ومجوهرات، ولآلئ نادرة، وأرقى الاكسسوارات، مبعثرة في كل مكان.

    أما غرف الأطفال فهي كالمتاحف تماماً: حفّاضات عصرية بكل الأشكال والألوان، تمتص البلل وتمنع الرطوبة. ثم بالونات ملونة، وقطارات كهربائية، وفنادق كرتونية، وأعياد ميلاد شهرية وأسبوعية، وشموع وهدايا، ودمى ناطقة، أو باسمة، أو مقهقهة..

    أما الثياب ، للرجال والنساء والأطفال، فكلها من أرقى أنواع الحرير والكشمير والموهير، بما فيها بناطيل الجينز والفيزون. أما أحذية وحقائب السهرة، فمعظمها من جلود التماسيح والأفاعي، وغيرها من الزواحف والقوارض النادرة.

    ثم ماذا كنا نأكل من قبل؟ خضيض اللبن، والبرغل المسلوق على مدار العام، وكعكاً كالحجر، وحساء العظام في الأعياد.

    أما الآن:
    فهناك، بفتيك، سكالوب، همبرغر، شاتوبريان، كوردون بلو، فروج مسحب، شيش طاووق، سمك مدخن، ضفادع، كبد الإوز، بط بالنبيذ، وعصافير مشوية أو مقلية حسب الطلب، وكلها مع الفطر والخضار وفرق الدبكة والفنون الشعبية.

    ثم هناك... على مدى البصر... حقائب سمسونايب، سيجار، بايب، معاطف جلدية، وتليفونات لاسلكية وخليوية، وتلكس، وفاكس، وأقلام ذهبية لتوقيع الأوتوغرافات، إذا كان المعني مطرباً، أو منظراً سابقاً. وساعات سويسرية، وعقارب فوسفورية في غاية الدقة، للتأكيد على أهمية الزمن بالنسبة للعرب.
    كما صار عندنا بورصة، وأسواق مالية، ومضاربات بالأسهم، وفنادق سياسية، وأدب سياحي، وفكر سياحي، وأحزاب، وعقائد سياحية.

    ومزارع بلاستيكية، ومداجن عصرية تنتج جميع أنواع الفاكهة، والخضروات، والصيصان، على مدار السنة، والقرون، والأجيال. ومعارض رسم، ومعارض أزياء، ومايوهات، وسيارات بورش، ومرسيدس، وكاديلاك، ورولز رويس، وفيراري، وشبح، وكلها عازلة للرؤية ومصفحة ضد الرصاص والدموع.

    ثم من كان يعرف، ماذا تعني كلمة "مصيف" أو "منتجع" أو في أي فصل تكون؟
    كل ما نعرفه في الصيف : غبار، ورمد، وذباب...
    وفي الشتاء: وحل، وبرد، وسعال، ودخان...

    أما الآن: فالشتاء في الماربايا، وجزر الهاواي. والصيف على الشواطئ اللازوردية، في كان ونيس، وسويسرا.
    أما أعياد الميلاد، ورأس السنة، والسهر حتى الصباح في المرابع الليلية، وعلى موائد القمار، وشراء الهدايا، وعمليات التجميل الهامة، مثل تقويم الأسنان، والأنف، وشد "جلدة" الوجه، وتكبير الثدي وتنحيف الورك والمؤخرة، فلا تتم إلا في أميركا وباريس ولندن وغيرها من عواصم القرار في العالم.
    وكل هذا أيها الأخوة، لم يأت من فراغ، بل هو ثمن كفاحنا المستمر، ونضالنا الشرس، ضد الفقر والجهل والمرض والجوع والتخلف.

    عابر سبيل: بل ثمن فلسطين!!

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    هيتشكوك


    من كثرة الدعاية للحلويات والمعجنات والبسكويت والفواكه والبوظة المغطسة كلها بالشكولا، وبثّها على الهواء مباشرة بين كل فقرة وأخرى طوال فترة الإرسال. وجموع الأيدي والأصابع الممتدة لالتقاطها، يظنّ المشاهد أن الوطن كله أصبح مغطساً بالشكولا، والكل يريد لحسة منه قبل أن يذوب نهائياً بين أيدي الممسكين به في هذه الشمس المحرقة.

    ومنذ أدرك المصنعون العرب سبب انصراف المستهلك المحلي إلى السلع الأجنبية، ليس جودتها، وإتقان صناعتها ومصداقية مدة صلاحيتها، بل الدعاية الواسعة التي ترافق إنتاجها، وطرحها في الأسواق، والتي يبرع بها المصدّرون الأجانب لاصطياد الزبائن كأنهم صيادون على ضفة نهر، أخذت المصانع والمعامل وشركات الإنتاج المحلية تتسابق هي الأخرى إلى إبتكار الوسائل التي تغري المستهلك بالإقبال على منتجاتها والإعراض عن سواها. وكذلك تسليته وتثقيفه بما يبتكرون من فنون الدعاية والمسابقات المعقدة، والتي لا تظهر نتائجها، وهناك قطعة واحدة في الأسواق أو مستهلك ليس في المستشفى.

    مثلاً:
    كل من يشتري علبة حليب كبيرة، يحصل على علبة طون مجاناً! وكل من يشتري عشر علب طون، يحصل على علبة حليب مجاناً
    وكل من يحتفظ بقسيمة أو أكثر من محارم كذا، أو معكرونة كذا، تتهيأ له الفرصة ليربح براداً أو غسالة أو سيارة.
    وكل من يجمع خمس علب فارغة من زيت المحرك الفلاني، يحصل على دولاب إضافي لسيارته مجاناً.
    وكل من يجمع أربعة دواليب من ماركة كذا، يحصل على حادث مروّع مجاناً على أي طريق أو بقعة في وطننا الحبيب!!!

    وعلى هذا الأساس، أراهن بكل ما أملك من معنويات عالية، وثقة بالنفس، وبمستقبل هذه الأمة الباهر، أو المبهر بلغة السائقين وشرطة المرور، لأنهم صاروا في هذه الأيام يخلطون كثيراً بينه وبين أضواء السيارات والشاخصات، على أنه منذ الآن، وحتى تنتهي المفاوضات الأخيرة بين ما تبقى من العرب وإسرائيل، إلى النهاية الموعودة، هذا إن لم تكن قد بدأت وانتهت عند كثير من الدول، ستحفل المنطقة بكل ما يخطر على بال من المباريات الرياضية، والعروض البوليسية، والفنتازيا التاريخية والغرائبية، والمسابقات المشوقة والمعقدة، لتشغل بال المواطن عن كل ما يدور حوله وباسمه.

    مثل:

    بطولات الدوري الإنكليزي والأوربي، وبطولات آسيا وأفريقيا بكرة القدم، والتنس، وكرة الطاولة، والغولف، والهوكي، والروكي.
    وبطولة العالم للسباحة والغطس، بطن وظهر وفراشة، وتسلق جبال، وتزلج على الجليد.
    والملاكمة الرومانية، واليابانية والحرة ورفع الأثقال.
    والجيدو والكاراتيه، ورمي القرص، وشد الحبل والقفز العالي والجمباز على الثابت والمتحول.
    وشطرنج ، وبريدج.
    وفرق الروك، والراي، وجاز، وفالس وتانغو.
    وحفلات تنكرية، ومزادات علنية، ومزايدات خيرية
    وانتخاب ملكات جمال، وأحسن عازف، وأجمل ساقين، وأكبر قالب كاتو وأصغر مطربة، وأقصر قامة، وأطول شارب، وأجحش شعب!!

    وجوائز نقدية وعينية
    ورحلات سياحية، وإقامة مجانية في أرقى الفنادق والمستوطنات!
    ومن المرجح أن اليوم الذي ستجري فيه المباراة النهائية لبطولة العالم بكرة القدم سيصادف يوم انتهاء مفاوضات العصر، والتقاط الصور التذكارية المنتظرة، إذا وجِد مصور لالتقاطها.



    "مسابقة"


    من يعرف عدد الخطابات التي ألقاها القادة والزعماء العرب حول تحرير فلسطين، ومناسباتها وفحواها منذ اغتصابها حتى الآن، أو عدد سكان الصين وأسمائهم الثلاثية.

    أو عدد الأوسمة التي يحملها هؤلاء القادة والزعماء، ويحرصون عليها، ويعلقونها حتى وهم ذاهبون إلى دورات المياه؟

    ثم لماذا تكثر هزائمنا وتكثر أوسمتنا؟

    ما هو العدد الحقيقي لمن تبقى من الثوار العرب الحقيقيين "أحياءً" فوق الأرض وتحتها؟

    من هو الشاعر القائل: سجّل أنا عربي؟ وماذا سيسجل؟ وأين؟

    كم كان عدد الدول العربية أيام المد الرجعي والشعوبي والانعزالي؟ وما هو عددها الآن؟ وكم دولة داخل الدولة؟ وكم مدينة داخل المدينة؟ وكم حارة داخل الحارة؟ وكم طائفة داخل الطائفة؟ وكم حزباً داخل الحزب؟ وكم جهاز تنصت داخل كل جدار؟ وكم عميلاً داخل كل عميل في زمن المد الوحدوي، والنقاء الثوري، والتلاحم مع الشعوب والجماهير؟

    ما هو عدد الدول التي مازالت تحترمنا؟

    وكل من يعرف الجواب، له ولعائلته خيمة مغطّسة بالشكولا، ينصبها حيث يشاء في ربوع هذا المخيم الممتد من المحيط إلى الخليج!



    "شاخصة"


    (( الالتزام بقواعد المرور ذوق وأمانة وحضارة))
    أخي السائق: لا تعبر على ممرّ المشاة
    اعبر على المشاة.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    قطار الشرق السريع


    من يستعرض ما مرّ على هذه الأمة من أزمات وتحديات ولحظات حاسمة ومنعطفات تاريخية، وكيف تمت إدارتها واستغلالها لمصالح شعوبها، يتأكد بما لا يقبل الشك، من أن اسرائيل لو مسكت التراب لتحول بين يديها إلى ذهب. وأن العرب لو مسكوا الذهب لتحول بين أياديهم إلى تراب، وغير قابل للزراعة أيضاً.
    ***

    يُمنّ الله علينا بأزمات وتحديات يحسدنا عليها حتى أعداؤنا.
    أزمات بسيطة شفافة متكاملة، تشتهيها لنفسها أكثر الدول هدوءاً واستقراراً في العالم. عناصر قوتها واضحة كعين الشمس، ونقاط ضعفها لا تكاد تذكر، وفرص نجاتها مضمونة: شعب متعاطف. دول اقليمية منشغلة، والدول الكبرى متفهمة، والأمم المتحدة جاهزة، وفجأة:

    كلمة عابرة من هنا، وتعقيب متناقض من هناك، وخطاب تاريخي غير متوقع، وتصريح رسمي لا يود ذكر اسمه، وتنبه اقليمي، وسنارة أميركية، وطعم انكليزي. وتدخل المنطقة في إحدى الدوامات إياها...

    رحلات استطلاعية، جولات أفق، زيارات مكوكية، صفقات أسلحة، قطع غيار واحتياجات إيرانية، مناورات تركية، تحركات أطلسية، تحذيرات روسية، فمبادرة مغربية، ومناشدة خليجية، واستجابة مصرية، ودعوة طارئة للجامعة، ومثلها لمجلس التعاون الخليجي، والمؤتمر الإسلامي، ولجنة القدس. وهنا تفتح المحطات الفضائية أبوابها وخزائنها:

    الرأي الحر، الرأي الآخر، الرأي المستقل. الرأي المعاكس. وجهة نظر، نقاط على الحروف. ما قل ودل. بصراحة . اضواء على الأخبار. أخبار تحت الأضواء. البعد الايديولوجي. البعد السيكولوجي... فتختلط السياسة بالأدب بالدين بالتاريخ بالاقتصاد...

    والقضية الفلسطينية باللبنانية، بالسودانية بالجزائرية بالصومالية بالأفغانية وانهيار الاتحاد السوفياتي والقضية الشيشانية.
    وشمال العراق بجنوب اليمن، بالحرب الأثيوبية – الاريترية، ومنابع نهر النيل ومشاكل القرن الافريقي وإعادة هيكلة الجامعة العربية، وتوسيع مجلس الأمن.

    ومحو الأمية بالطب العربي، بمكافحة الإرهاب والمخدرات، باتفاق الطائف، واتفاق النفط مقابل الغذاء.
    وقضية لوكربي بأيلول الأسود، بمعركة الكرامة وتحويل روافد نهر الأردن، وسرقة مياه الليطاني بهجرة الأدمغة والتطهير العرقي ولجنة تفاهم نيسان.
    وخطر العولمة والكيل بمكيالين والتوطين وإعادة ترسيم الحدود بالانفجار السكاني ومجزرة قانا وإعادة إعمار البلقان.
    وكل هذا مع الرياضة والمسابقات والإعلانات وعروض الأزياء، بحيث لا يعود يعرف للأزمة السياسية رأس من ذَنَب!!

    وفي النتيجة، نكون من ركاب الدرجة الأولى في قطار الأحداث، بل وفي مقدمة الصفوف. هذا يتودد إلينا، وذاك يسترضينا ويستنير برأينا، ونحن نبعد الصحافة والمراسلين وننهر المصورين، ونرفض الإدلاء بأي تصريح أو تلميح بما نريد وما لا نريد، وفجأة، وبمثل لمح البصر، نقذف خارج القطار من الأبواب والنوافذ والسقف... إلى العراء... حيث هذا يبحث عن نظارته، وذاك عن غطاء رأسه، وآخر عن توصياته وأوسمته!!
    ***

    في مطلع الستينات، عندما نصح الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة أخوته الزعماء العرب وأبناءه الفلسطينيين بقبول قرارات التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948 ، ومن ثم العمل بشعاره الشهير: خذ وطالب... أقاموا الدنيا وأقعدوها على رأسه من المحيط إلى الخليج. فجيّشوا الجيوش ورفعوا اليافطات وسيّروا المظاهرات، واستنفروا الصحف والاذاعات والجوامع والجامعات، وأشبعوه شتماً وتحقيراً واتهاماً بالخيانة والعمالة والمروق والجنون. وبعد أقل من عشر سنوات، صارت قرارات التقسيم حلماً من أحلام ألف ليلة وليلة. أما الآن فهي نوع من الخيال العلمي.

    وصار شعاره الشهير على أياديهم، لا خذ وطالب، بل أعط وطالب... وبأوسمة أيضاً. وعلى هذا الأساس قد لا يكون الشعار المطروح على أية طاولة في المستقبل هو الأرض مقابل الأمن، أو الأرض مقابل السلام، بل الأرض ... مقابل الفضاء.

    باختصار بعد كل أزمة أو محنة أو مفاوضات... اسرائيل تأكل الموز، ونحن نتزحلق بالقشور. نحن نشتري أوراق اليانصيب وهي التي تربح من دون أن تكلف نفسها عناء النظر إلى لوائح السحب.

    وهذا طبيعي جداً، لأن العربي يجلس إلى طاولة المفاوضات، في مدريد أو أوسلو، أو واشنطن، وعلى ظهره ألف قضية وحلف وطائفة ومجزرة ومؤامرة. وعشرة آلاف غزو وخيمة ومخيم. بينما الاسرائيلي يجلس قبالته على نفس الطاولة وليس على ظهره سوى حمّالات البنطلون!
    ***

    ولذلك فإن الأمة العربية في واقع الحال، لا تشبه إلا سيارة باص ريفية هرمة موديل الأربعينات أو الخمسينات، مخلخلة الدواليب، مرقعة الإطارات، متآكلة الطلاء، مخلّعة الأبواب، ممزقة المقاعد، بلا مكابح أو دولاب احتياطي، أو قطع غيار، وبلا مصابيح أمامية أو خلفية وبدون نمرة، والسائق بدون رخصة. وركابها يتكدسون فوق بعضهم البعض على المقاعد وبينها، وعلى السطح والرفاريف وعلى المؤخرة وغطاء المحرك ، وهم يهزجون ويمرحون ويلوحون للمارة بحرارة، وهي تترنح بهم ذات اليمين وذات الشمال على طريق جبلية وعرة بين الصخور الناتئة والوديان السحيقة نحو هاوية لا يعلم إلا الله قرارها.

    ومع ذلك كتب على مقدمتها ومؤخرتها وعلى جميع جوانبها: عين الحسود فيها عود. أو: عين الحاسد تبلى بالعمى.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    يوميات قطيع

    1


    عندما كنت فتياً جواباً، وأنام وقدماي في الشارع، وحقيبتي أو بالأحرى "صرتي" جاهزة قرب رأسي أو على رأسي، لم أتلق دعوة إلا لتسديد فواتير الماء والكهرباء أو إلى أقرب مخفر للشرطة للادلاء بشهادة حول سرقة دجاجة أو اختفاء خروف. وكانت مثل هذه الأحداث تقيم الدنيا وتقعدها في الحارة التي تقع فيها، بينما الآن فإن اختفاء حارة بكاملها لا يعني أحداً.

    والآن بعد أن أصبحت مثل أحدب نوتردام، وعكازي يرن على أرصفة آسيا كلها، أخذت الدعوات تنهال عليّ من كل حدب وصوب للمشاركة أو المساهمة في مهرجانات وندوات واحتفالات في بلدان لم اسمع بها من قبل حتى في كتب التاريخ والجغرافيا. ومع أنني لم أحضر في حياتي كلها اجتماعاً أو ندوة من هذا النوع إلا نائماً أو متثائباً، إلا أن الاغراءات هذه المرة كانت كثيرة: طائرات حديثة، خدمة ممتازة، فنادق من الدرجة الأولى. زيارة متاحف ومعارض وحفلات موسيقية ومطاعم شهيرة أكل فيها فلان وفلان، ومقابر ملكية دفن فيها فلان وفلان. وجسور خالدة سار عليها فلان ونام تحتها فلان.

    ولكن، وفي ذروة القصف الاميركي والأطلسي عل يوغسلافيا وغيرها من دول البلقان، وعندما عمّت المظاهرات والاحتجاجات المدن الأوربية، وغصت حدودها ومطاراتها وموانئها باللاجئين والمشوهين والهاربين والمتطوعين، حزمت أمري، واعتمدت على الله وعلى جاري على سلم الطائرة متجهاً إلى فيينا، معقل الفن والجمال والاحتجاج ضد كل مظاهر العنف والظلم في العالم، ممنياً النفس بالاشتراك بمظاهرة، بمسيرة، بأي شيء ضد هذا القصف الأعمى لأكثر بلدان العالم جمالاً وصبراً وكرامة.

    ولكن ما أن ربطنا الأحزمة وفككناها أكثر من مرة، فوجئت بما لم يكن بالحسبان، وهو أن التدخين ممنوع في الطائرات والمطارات والفنادق والمتاحف والمطاعم والمعارض وفي كل مكان حتى المقابر... حفاظاً على البيئة، فحيث أشعل لفافتي ترن الأجراس الالكترونية، وتعمل الكاميرات الخفية، وتضاء وتنطفئ الأنوار الحمراء والخضراء ويهرع موظفو الفندق، أو ندل المقاهي ورجال الأمن وحتى المواطنون العاديون مزمجرين مستنكرين وأنا لا أعرف كيف أتصرف وبماذا أجيب، فدائماً أنسى جواز سفري في مكان ما، ولا أعرف اسم الفندق الذي أنزل فيه أو عنوانه. وليست معي أوراق تثبت شخصيتي، ولا أعرف لغة ، وفوق ذلك عربي ومن دول المواجهة!!

    البيئة.. البيئة .. البيئة...
    ملايين الأطنان من القنابل الانشطارية، والعنقودية والمسمارية، والفوسفورية والحرارية والجرثومية والبيولوجية والسرطانية. وقنابل النابالم وغاز الأعصاب، والبرص والرعاف والنكاف والعامل البرتقالي تغطي سماء يوغسلافيا والبلقان والعراق وما حولها، وفوقها "روث" الطيارين الأميركيين على مدار الساعة في كل أجواء الدنيا، لا تلوث البيئة بل تحميها!! ولفافتي شبه المختفية بين أصابعي الهزيلة المرتجفة هي التي تلوثها!!
    ***

    والذي ضاعف من غضبي أكثر من أي شيء آخر، واصراري على العودة بأية طريقة وعلى أي خط. هو أن المظاهرة الوحيدة التي أتيح لي الاشتراك فيها، وهتفت ودبكت ولوحت بعكازي في مقدمتها أكثر من ساعتين، كانت تأييداً للغارات الأميركية على يوغسلافيا، لا ضدها!!

    2


    كسوف جزئي، كسوف أعظمي. كسوف كلي...
    مخروط الظل، المخروط الحسكي. الخاتم الماسي
    الأشعة السينية، الأشعة تحت الحمراء. الأشعة فوق البنفسجية، الساعات الضوئية.
    تلسكوبات عملاقة. كاميرات فردية وجماعية، عدسات لاقطة، عدسات نابذة، وإرشادات طبية، وتحليلات علمية، وبراهين دينية.
    وعطل رسمية، ومنع تجول، وإغلاق نوافذ، واسدال ستائر، ومكبرات صوت، وتحذيرات متواصلة من مغبة النظر إلى الشمس مباشرة ساعة الكسوف.

    وأغلقت نافذتي، وأسدلت الستائر في التوقيت العالمي إياه، لا خوفاً من العواقب الصحية، أو انصياعاً للأوامر الحكومية واحتراماً للإرشادات العلمية والمدارية، أو استخفافاً بالفضول العالمي، وبرغبة المغامرين ومتسلقي الجبال في رؤية نجمة أو نجمتين من المجموعة الشمسية في عز النهار. بل لأنني ومنذ الخمسينات رأيت على يد الفلكي العربي الكبير عبد الحميد السراج نجوم المجموعة الشمسية كاملة في وضح النهار، وعلى رأسها نجمة داوود التي ما زالت تسطع وتتقدم حتى الآن دون كسوف أو خسوف.

    ثم لأنني في الأصل ، ومنذ عام 1967 لم أنظر إلى الأفق مرة واحدة لا مباشرة ولا مداورة.


    3


    - الشجرة قصيرة ... ولكن الظل طويل...
    - إنه الغروب...

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    الخد الأيسر


    يتركون لنا بقايات الشمس لندفأ
    بقايا الموائد لنأكل
    بقايا الليل لننام
    بقايا الفجر لنستيقظ
    بقايا الموسيقى لنسمع
    بقايا الأرصفة لنمشي
    بقايا الأصابع لنكتب
    ثم يتركون لنا الوطن من المحيط إلى الخليج، لنقاتل ونموت من أجله.
    ***

    بكوفيّتي البيضاء كإعرابي
    ومعلّقاتي السبع كجاهلي
    وسفني الجوابة كفينيقي
    ... بأظافري الطويلة والمهملة كأعشاب الخرائب
    ونظراتي التائهة كطيور الغروب
    أريد ثمن الهوان القديم من الألف إلى الياء
    ثمن كل إطراقة في المطار
    وهلع وامتقاع وجه على الحدود
    وصرخة أواهة في غرف التحقيق
    وكل صورة كاريكاتورية لأي إعرابي على جمله في صحف الغرب
    ثمن كل عصفور خرج من سماء الوطن ولم يعد
    وكل سنونو عاد إليها ، وانقطعت أخباره

    وثمن الدموع التي تعفنت في موانئها ومجاريها، لأن أحداً لا يسمح لها بالعبور أبداً خارج القصيدة، أو اللوحة، أو مغلفات الرسائل، أو الاختلاط بأي نوع من أنواع الدموع في العالم، كانها دموع موبوءة، أو تحت الوصاية،...
    أو آلام من الدرجة الثانية.

    ولذلك لن نذرفها بعد الآن على الأغاني العاطفية، والأفلام والمسلسلات العربية والمكسيكية، بل سنذرفها في المغاسل، في زجاجات وأكياس خاصة، ونلقي بها خلسة في الحاويات والآبار البعيدة، للحفاظ على قيمتها ورفع مستواها، كما تفعل أمريكا عندما تلقي بملايين الأطنان من القمح في أعماق البحار والمحيطات كل عام، للحفاظ على مستوى الأسعار، ومستوى الجوع في العالم...
    ***

    كما أريد حصتي من الشمس والقمر والنجوم، والشروق والغروب..
    من الحقول والسهول، والجبال والوديان، والحرّ والقرّ والمناخ المعتدل...
    والأنهار والسواقي والينابيع...
    والسفن والأمواج والرياح، وذرى الأمواج وقاع المحيطات...
    من الكهوف والمغاور، والأوابد الأثرية، والموقع الاستراتيجي، وملتقى الأقوام والحضارات...
    من الأبجدية والدولاب، والحدائق المعلقة إلى الأبد كدموع التماثيل.
    والجسور والمنعطفات، والساحات، والعَرَصَات، والجدران والسطوح والميازيب...
    من البرق والرعد والصواعق وأغاني الرعاة والصيادين والملاحين ...
    من الغسق والضحى
    من الربيع والخريف
    من السيول والحرائق والفياضانات
    من الماضي ، والحاضر، والمستقبل...
    أريد حصتي ، حتى من التصحّر وتلوّث البيئة !!
    ***

    ولن أقبل أبداً ببضع قطرات من الدم على محرمتي كل صباح مثل شوبان...
    أو زمهرير وجورب في كل يد، وضحكة بلهاء تحت الجسور مثل موزارت...
    أو ساق مبتورة وضماد يغطيه القمل وسلاسل العبيد مثل رامبو...
    أو بضع نوبات من الصرع أو الجنون مثل نيتشه أو دوستويفسكي...
    أو عاهرة، وأذن مقطوعة، وباقة من أزهار عباد الشمس، وفراش عتيق لا يكاد يلحظه أحد في "مصح عقلي" مثل فان كوخ...
    ***

    أما: راتب شهري... راتب تقاعدي... تعويض عائلي؟
    مكافأة أسبوعية... سنوية؟
    فهذا لا يعنيني أبداً ...
    فأنا لست رجل شهور وأسابيع وسنوات... بل رجل قرون ودهور وأجيال..
    منذ سبعة آلاف سنة، بنيت الأهرامات، ونقلت حجارتها على ظهري من أسوان إلى الجيزة، تحت لسع السياط وحريق الهاجرة،. والآن أتألم، وأشكو ضآلة الأجر وسوء المعاملة!!

  13. #13
    كم تمنيت لو أن أجد هنا "حزن في ضوء القر".


    شكرا لمجهودكم.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    ^
    ^
    ستجدها هنـــا يا عدنان
    وهنـــا المزيد
    To be or not to be
    That is the question


  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الردود
    52

    رحمك الله محمد الماغوط

    سخرية لاذعة حارقة مؤلمة جدًا جدًا

    شكرا لك أخي كزبرة

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الردود
    52
    في انتظار المزيد

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    الردود
    1
    هذه أول مشاركة لي في هذا الموقع
    لكن هناك موضوع أريد طرحه و حبذا لو تشاركوني بآرائكم الكريمة
    لقد سئمتُ هذه الأحاديث الاستهزائية .. و مللتُ من هذه الطريقة البائسة في السخرية
    لم تغير هذه اللغة العقيمة القاتلة أي شيء ..
    أديبٌ يدور حول مشكلة .. و كل يومٍ يرسمها من زاوية جديدة .. و المشكلة هي المشكلة
    و الأديب ينام على أوراقه
    و الناس كل يومٍ تجترُّ مقالةً جديدة من زاويةٍ جديدة
    الأديب ينصّب نفسه مناضلاً
    و الناس تحسبه مناضلاً حقاً
    و أذناي قد ملت من هذا النحيب

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    الردود
    581

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •