Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536

    شاعر الهند (( طاغور ))




    شاعر الهند
    رابندرانات طاغور



    مائة عام تمضي على مولد الشاعر الهندي (رابندرانات طاغور) ويحتفل العالم كله بذكرى الشاعر العظيم .

    أفما خالستْك النظر ، من قبل ، قصيدةٌ له منشورةٌ في مجلة أو ديوان ؟

    بلى . وانك لتذكر معنىً نادراً إنسانياً عميق الغور قد نغش له فؤادك ورفّت اليه نفسُك ، وتذكر أنك أعجبت بطاغور ، وظللت ، بعد هذا ، تلوب على قصائده وكلماته ، لتلهج بها وتوسدها شغاف قلبك.

    فاذا التمست عيناك صورة (طاغور)، مطلاً عليك بطلعته المهيبة، فإن في ميسور نظراتك أن تستشف وهي راكعة أمام خطوطها ، كل ما يزخر به قلب هذا الإنسان الشاعر من محبة وطيبة وحكمة.

    وإنك لتراعي جُمّتَه ، تنزلق من قمة رأسه إلى قذاله وتنثال على كتفيه ، وحفةً بيضاءَ ، كأنها حزمةٌ من الأشعة طريةٌ ، ثم يلتقي بسبال لحيته وشاربيه وتحيط بوجهه الأسمر ، كإطار من غيوم ، لتعانقه ، لتحبوَ عليه ، لتستمدّ منه صفاءً جديداً ترفد به بياضها .

    أما عيناه السوداوان الغائمتان بالحنان والرأفة فتبدوان في بهرةِ هذا البياض اللُجّي ، نبعي نورٍ يفيضان أغانيَ ومعانيَ ، تترفّقُ منسابةً إلى قرارة نفسك ، لتهب لك طمأنينةً سابغةً قريرة .

    هذا هو الشعور الذي يخالجك ، إن اتفق لك أن تجيل طرفك في صورة (طاغور) ، فكيف كنت تشعر لو أن الحظ أسعدك فاجتمعت إليه ؟ لعلك كنت تردد ما أورده الكاتب الفرنسي (رومان رولان) الذي جلا لقاءه بالشاعر الهندي بهذه الكلمات:

    "حين تقترب من طاغور، يناسم نفسك شعورٌ انك في معبد ، فتتكلم بصوتٍ خفيضٍ، وإن أتيح لك، بعد هذا، أن تتملى قسمات وجهه الدقيقة الأبية، فإنك واجدٌ خلف موسيقا خطوطها وطمأنينتها ، الأحزان التي هيمن عليها ، والنظرات التي لم يداخلها الوهمً ، والذكاء الجريءَ الذي يواجه صراعَ الحياة في ثبات".

    ***




    بين رفيقات لي كثيرات ، كنت وحيدةً منصرفة
    إلى أعمال البيت اليومية الغامضة .
    لِمَ اخترتني ، فاخرجتني من الملاذ الرطب ، ملاذ
    حياتنا المشتركة ؟
    إن الحب المكتوم لحبٌ مقدسٌ ، إنه يتلألأ كجوهرة ،
    في غيهب القلب الخفي ويبدو على نور النهار الفاضح ،
    قاتماً جديراً بالشفقة .
    آه لقد مزقت شغاف قلبي ، وجررت حبي إلى
    بهرة الساحة المنفسحة ، محطماً إلى الأبد ، ركنه الظليل ،
    حيث كان يواري عشه .
    وتظل النساء الأخريات كما هن دوماً .
    لم ينفذ إنسان إلى أعماق ذواتهن وإنهن ليجهلن أنفسهن
    سرهنّ .
    إنهنّ يبتسمن في رقة ، يبكين ويثرثرن ويعملن ،
    ويقصدن المعبد ويشعلن مصابيحهن ويجلبن الماء من النهر.
    كنت أرجو لحبي الخلاص من خجله وهو يرتعش
    وليس ثمة من يحميه ، بيد أنك جعلت تشيح وجهك
    عني .
    أجل إن الطريق تمتد لاحبةً أمامك، ولكنك قطعت
    سبيل عودتي وتركتني عريانةً أمام الناس ، تحدّق إليّ
    عيونهم ، ليلَ ، نهار .
    ***



    مهلاً . يا قلبي ، ليكن وقت الفراق عذباً .
    لا تدعه يصبح موتاً بل تتمة .
    ليحر الحب إلى ذكرى ، ولينقلب الألم إلى أغنيات .
    ليتناه الرفيف في السماء إلى إنطواء الأجنحة حول العش .
    لتكن آخر لمسةٍ من يديك رقيقة كزهرة الليل .
    توقفي أيتها النهاية الرائعة ، لحظة ، واذكري ،
    في صمت كلماتك الأخيرة .
    إنني أنحني لك وأرفع سراجي لأنير لك الطريق .



    ***



    تراه نداؤك الذي يوافي من جديد .؟
    لقد أهلّ المساء ، وتشبث بي التعب كانه أذرع
    الحب الضارعة . أتنادينني ؟
    لقد منحتك نهاري كله ، يا سيدتي القاسية ، أتريدين
    أن تنهبي مني ليلي أيضاً ؟ ومع هذا ، فإن لكل شيء
    نهاية، وإن عزلة الظلام هي ملك كل إنسان . ولكن ،
    أيجب على صوتك أن يمزقها ويلفحني ؟
    أليس للمساء موسيقا نوم مهدهدة على بابك ؟
    ألا تتسلق أجنحة النجوم الصامتة السماءَ فوق برجك
    الجبار ؟
    ألا يتهاوى الزهر على تراب حديقتك في ميتة ناعمة ؟
    ألا يتعين عليك أيتها القلقة أن تناديني ؟
    دعي عيون الحب الحزينة تسهر وتذرف الدمعَ دون
    جدوى .
    دعي المصباح يشتعل في الدار الموحشة .
    دعي الزوارق ينقل الحراثين المكدودين إلى بيوتهم .
    إنني أهجر أحلامي وألبي نداءَك .



    ***



    - لِمَ انطفأ المصباح ؟
    - لقد أحطته بمعطفي ، ليكون بمنجىً من الريح ،
    ولهذا فقد انطفأ المصباح .
    - لِمَ ذوت الزهرة ؟
    - لقد شددتها إلى قلبي ، في شغف قلق ، ولهذا
    فقد ذوت الزهرة .
    - لِمَ نضب النهر ؟
    - لقد وضعت سداً في مجراه لأفيد منه وحدي ،
    ولهذا فقد نضب النهر .
    - لمَ انقطع وتر المعزف ؟
    - لقد حاولت أن أضرب عليه نغماً أعلى مما تطيقه
    قدرته ، ولهذا فقد انقطع وتر المعزف .



    ***



    أنا لا اظفر بالراحة .
    أنا ظامئ إلى الأشياء البعيدة المنال .
    إن روحي تهفو ، تواقةً ، إلى لمس طرف المدى
    المظلم .
    إيه أيها المجهول البعيد وراء الأفق ، يا للنداء الموجع
    المنساب من نايك .
    أنا أنسى ، أنسى دوماً أنني لا أملك جناحاً لأطير ،
    وأنني مقيد دوماً بهذا المكان .
    إنني متّقدُ الشوق ، يقظان ، أنا غريبٌ في أرضٍ
    عجيبة .
    إن زفراتك تتناهى إليّ ، لتهمس في أذني أملاً
    مستحيلاً .
    إن صوتك يعرفه قلبي كما لو كان قلبه .
    أيها المجهول البعيد ، يا للنداء الموجع المنساب من نايك !
    أنا أنسى ، أنسى دوماً أنني لا أعرف الطريق وأنني
    لا أمتلك جواداً مجنحاً .
    أنا لا أظفر بالطمأنينة .
    أنا شارد ، أهيم في قلبي .
    في الضباب المشمس ، من الساعات الضجرة ، ما
    أبهى مرآك العظيم يتجلّى في زرقة السماء !
    أيها المجهول البعيد ، يا للنداء الموجع المنساب من
    نايك !
    إنني أنسى ، أنسى دوماً ، أن الأبواب كلّها موصدة
    في البيت الذي أفزع فيه إلى وحدتي .



    ***

    عن كتاب
    روائع طاغور
    في الشعر والمسرح
    نقلها إلى العربية
    الدكتور بديع حقي

    يتبع..
    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    لو أعلم أن كل ما يجول بخاطري بيبقى واقع في المطابع كدة كان الواحد فكر في حاجة تانية .. مليون جنيه مثلا .

    لكن نعمل ايه بقى . فَقَري .

    ما علينا . أهو برضو طاغور يستاهل .


    مدونتي



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    في دُنيا .. من الغجرِ .. !!
    الردود
    1,686
    آخر كلام وصلنا إلى شعراء الهند

    يستر بس (من مشرفين المطابع ) (أعتقد آخر شيء ستحضرون لنا أدباء من عطارد أو ربما زحل ))


    كم أحسدكم على ثقافتكم الواسعة ...
    ( تحياتي وتقديري)
    يُعْنَى بِالإِنْسَان .. كَقِيْمَة تَنتهِي عندها كُلُّ الْقِيْم !َّ



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    في 6 مايس عام 1861 ، في قصر (جوروسنكو) الشامخ القائم في مدينة (كلكتا) رزق المهارش (أي القديس في اللغة البنغالية وقد لقب به والد طاغور لما أثر عنه من ورع وتقى) (دافندارانات طاغور) سليل أسرة هندية عريقة في النبل وشرف النجار – رزق صبياً هو أصغر اخوته السبعة فسماه (رابندرا) أي الشمس، تيمناً بأنه سيشرق كالشمس وبأن الأرض ستنعم ، ذات يوم، بنوره الوضيء.

    وعرف طاغور في فجر طفولته بُلَهْنيةَ الحياة وهناءتها ، واستمد من الجو الذي عاش فيه ، كل ما كانت نفسه الطّلعةُ تتشوف إليه ، فقد شدا أفراد أسرته كلهم فنوناً مختلفةً ، بين رسم وغناء وشعر ، وعبّ طاغور من هذه الينابيع الثرّة ، مستصفياً أطيبها وأعذبها وألصقها بروحه .

    وكان أبوه أحد أعلام نحلة (اليوبانيشاد) الدينية التي تركت في الهند ، أثراً صوفياً بالغاً ، وكان يفزع إلى العزلة أحياناً ، ليرتّل أناشيده البرهمية بصوته الهادئ العذب .

    واتمثّل (رابندرانات) طفلاً صغيراً ، يعدو في أرجاء القصر الرحب ، لاعباً لاهياً ، ثم يستوقفه صوت أبيه يلهج بنشيده الديني ، ويتسمّت الطفل اللحن الشجيّ ، ويمثل أمام حجرة أبيه ، ليجده قد انتبذ ركناً منها ، ينغّم نشيده خاشعاً متبتِلاً .

    وترتشف اذناه الواعيتان ، هذه الأناشيد الصوفية العميقة وتمتزج أنغامها بروحه ، لتنبجسَ ذات يوم وتوشّيَ شعرَه وألحانه وأغانيه .

    ويغازل الطفل الحرف والوزن والقافية وهو بعد في منبلج عمره ، ولم يكن آنئذٍ ، قد بلا الحزنَ وعرف الألم ، فقد كان أبواه يرعيانه بالحب والحنان .

    لم يكن له اذن بدٌ من تجربة عاطفية تحرك الوتَر الغضّ من موهبته الوليدة وتطلق النغمَ المبدع وتستلّ نسمات الشعر المهيمنة المتململة في أغوار نفسه.

    وتعرض له هذه التجربة .. ولعلها أن تحملنا على الابتسام ونحن نستمع إليه يقصها من كتاب ذكرياته :

    "قبض ذات مرة على لص في دارنا ، فحملني التطلع الممزوج بالخوف على أن أخفّ إلى مكان الحادث لأرشق اللص بنظرتي الطُلعة المتسائلة ، فاذا أنا أجد انساناً كالآخرين ، وما إن رأيت البواب يجذبه بعنف وقسوة ، حتى شعرت برأفةٍ تمسُّ شغاف قلبي ، واشتهيت أن أنفض رأفتي شعراً ، وكانت تجربتي الأولى التي حملتني على النظم ، وجعلت أقرزم أبياتاً من الشعر ، مردفاً كلمةً في إثر كلمة ، كيفما اتّفق لها أن تأتي ، والآن حين أذكر تلك الأبيات المسكينة وأقسو عليها فإن الرأفة تجاذبني ، كما جاذبتني حين بصرت بذلك اللص المسكين".

    ***


    وسهر أبوه على تعليمه فندب له بعض المعلمين ، ليقدموا إلى ابنه المعرفة ، باشراف منه ، إذا لم يكن يتوفر في المدارس الهندية آنذاك ، التعليم الصحيح الضروري للطفل .

    ولم يجتزئ ابوه بالدراسة النظرية يزوّد بها ابنه ، بل حرص على أن يفسح آفاق معرفته بالتنقل والسفر فاستصحبه في رحلات كثيرة كان أبعدها أثراً في نفس الطفل النابه رحلته إلى جبال (الهيمالايا).

    ها هو ذا يتوقّل مع أبيه في شعاف الجبل الشامخ، وتتلقف ذراه الذاهبة في الفضاء، نظرات الطفل المتطلعة المعجبة.

    وبذل الجبل العملاق لعينيه تهاويله الساحرة الوحشية ليدرك الطفل الشاعر عظمة الكون وجماله، واستمسكت ذاكرته الغضة بالصور المذهلة الرائعة تترادف في حواشي الأفق، بالطيوف المهوّمة في القنن السابحة مع قزعات الغيوم، بالظلال الرهيبة تجثم في شعاب الجبل وغيرانه . والتأمت الصور والطيوف والظلال ، متناغمة ، مؤتلفة ، لتتسابق ذات يوم في قصائده ولوحاته إلى قلمه الصناع وريشته الملهمة.

    وكذلك عبّت عينا الطفل الظامئتان ، من مناظر الطبيعة ، وانعقدت بين نظراته الرقيقة البرية وبين الكون ألفةٌ وانسجامٌ ، فهذه شجرة (البانيان) التي كانت تنتصب في فناء الدار وهذه النخلة السحوق التي كانت تنتصب خلف جدار القصر كانتا تحدثانه عن الصداقة الخالدة التي تهبها الاشجار للانسان ، وكانتا تهمسان في مطاوي نفسه نداء الطبيعة الصافي العميق.

    وأخذ قلبه الصغير ينبض بالشعر ويهزَجُ به ، وقد احتفظت ذاكرته ، حين تقدم به العمر هذا البيت من قصيدة :

    وينساق ، في الجو ، همس المطرْ ... ليرعش بالحبِّ غُصن الشجرْ


    يقول طاغور :

    - "حين أفكر في الغبطة التي تبعثها هذه الكلمات في عِطْفيّ ، أدرك قيمة الدور الذي يؤديه الجرس اللفظي والقافية في القصيدة، إن الكلمات تفيء إلى الصمت، ولكن موسيقاها تظل ممتدةً ، ويبقى صداها موصولاً بالسمع ، وهكذا فإن المطر ما يزال يهمس وأوراق الأغصان ما تني ترتعش حباً ، حتى الآن في ذاكرتي".

    ويكبر الطفل ويصلب عوده ، ويصبح في مقدوره أن يذهب إلى الصيد مع أخيه (جيوتيريندرا) ، وكان هذا ، إلى ولعه بالغناء والموسيقا ، فتىً شجاعاً كلفاً بالقنص والطِراد ، وكان يحلو له ، وهو يمتطي فرساً من صافنات الخيل، أن يردف أخاه (رابندرانات) خلفه ، لينطلق به في المدى الرحب المنفسح أمامه.

    وقد صحب (رابندرانات) أخاه ، ذات مرة ، في رحلة لصيد نمر ، وضربا معاً في قلب الغابة الموحشة، حتى اقتربا من وِجار النمر ، فلم يكد يبدو مزمجراً متوعداً، حتى سدد إليه (جيوتير) رصاصةً قاتلةً فأصماه وجندله. وكان الفتى الصغير خلف أخيه الجريء فلو لم يقتل النمر لافترسهما كليهما ، ولانطفأ ذلك النور الذي قُدِر له أن يمنح الألق والخير.

    وكذلك تعشّق طاغور من صغره الحرية مهما تكن محفوفةً بالأخطار .

    ***



    إيه أيتها الدنيا لقد قطفت وردتك .
    وضممتها إلى قلبي فوخزتني شوكتها .
    ولما جنح النهار إلى الزوال ، وامتدت العتمة ،
    ألفيت الوردة ذاويةً ، بيد أن ألم وخزتها ظل باقياً .
    إيه أيتها الدنيا ، سوف يوافيك الورد بشذاه وعنفوانه .
    ولكن أوان قطف الورد الذي كنت أتحيّنه قد فاتني ،
    وفي الليل الحالك ، لم اعد أظفر بوردة فيما عدا ألم وخزتها
    الباقي .



    ***



    لقد همس : "يا حبيبتي ارفعي طرفك إليّ "
    وأنّبته ، في عنف ، ثم قلت له : "امضِ " ولكنه
    لم يرم من مكانه .
    ووقف قبالتي وأمسك براحتي ، فقلت له : "دعني" ولكنه
    لم يذهب .
    ودانى وجهه من أذني ، وخالسته النظرَ ثم قلت له :
    " واخجلتاه " ، بيد أنه لم يتحرك .
    ولامست شفتاه خدي ، فارتعشت وقلت له : "إنك
    تتجرأ كثيراً " غير أنه لم يشعر بالخجل .
    وعلق زهرةً بشعري فقلت له : "لا جدوى من
    ذلك " ولكنه ظلّ جامداً .
    وتناول عقدَ الزهر من عنقي ومضى . إنني أبكي
    وأسائل قلبي : لِمَ لا يعود ؟



    ***



    إنني أتشوّف إلى أن أردد لك أعمق الكلمات التي
    ينبغي أن أقولها لك ، ولكني لا أجرؤ على ذلك مخافة
    أن تضحكي مني .
    لهذا فإنني أضحك من نفسي ، وأنفض سري ،
    دعابةً ومزاجاً .
    وأستخف بألمي لئلا تستخفي به أنت .
    إنني لأصبو إلى أن أردد لك أصدقَ الكلمات التي ينبغي
    أن أقولها لك ، ولكنني لا أجرؤ على ذلك ، خشيةَ ألا
    تؤمني بي .
    لهذا فإنني أوشّيها بالكذب ، ذاكراً غير ما أفكر فيه .
    إنني أدع ألمي يبدو مستحيلاً لئلا تريه أنت مستحيلاً .
    إنني أتوق إلى أن ألهج بأثمن الكلمات التي يتعين علي
    أن أقولها لك ، ولكنني لا أجرؤ على ذلك ، خشية ألا
    أحظى بما يعدل قيمتها .
    لهذا فإنني أزجي إليك أسماءً قاسيةً وأُزهى بقوتي
    العاتية.
    وأؤلمك خشية ألا تعرفي أي ألم .
    إنني لأتمنى أن ألزم جانبك صامتاً ، ولكنني لا أجرؤ
    لئلا تخون شفتاي قلبي .
    لهذا فإنني أهذر وأثرثر ، في هينةٍ ، موارياً قلبي
    خلف كلماتي .
    وأقسو ، في عنف ، على ألمي ، لئلا تقابليه أنت
    بالقسوة .
    إنني لأرجو أن أبتعد عنك ، ولكنني لا أجرؤ خشية
    أن تري إلى جبني .
    لهذا فإنني أقدم إلى مجلسك ، شامخ الرأس ، غير
    مكترث بشيء .
    إن نظراتك النافذة المتصلةَ المرسلةَ من عينيك تجدد ألمي دوماً .


    ***


    To be or not to be
    That is the question


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    وأبى القدر إلا أن يمتحنه وهو بعد فتى، حين ماتت أمه الحبيبة، وخلّف موتها ألماً لا يمّحي في نفسه، وقد قص طاغور ذكرى وفاتها في هذه الكلمات الغميسة بالأسى:

    "كنا قد أوينا ليلة وفاتها إلى النوم، وقدمت في ساعة متأخرة خادمٌ عجوزٌ، وهي تنشج باكية وتردّدُ :
    - "ايه يا أطفالي لقد فقدتم كل شيء".

    فأسكتتها زوج أخي وصرفتها لتجنبنا وقع الفاجعة ونحن في موهنٍ من الليل، وكنت نصف يقظان، وأحسست بقلبي يذوي وينهار بين جنبي، دون أن أعي، على نحوٍ ظاهرٍ واضحٍ ماذا جرى، فلما انشقّ الفجر، ادركت معنى الموت الذي كنت أسمع بخبره.

    ولما خرجنا إلى الشرفة رأينا أمنا مسجاةً فوق سريرها ولم يكن مرآها يشي بأن الموت رهيب، كان محياها عذباً آمناً، كما لو أنها خلدت إلى نوم هنيء، ولم يكن أي شيء يبصرنا بالهوة السحيقة التي تفصل الموت عن الحياة.

    وحين نقل نعشها وسعينا مع الموكب الحزين في الطريق المظللة بالشجر هصر قلبي ألمٌ ممضٌ ، وانا أفكر في أن أمي لن تعود بعد الآن إلى البيت.

    وقد مضت الأعوام وظللت أذكر في أيام الربيع كلما تمشيت في الحديقة، وداعب زهر الياسمين جبيني ظللت أذكر مداعبة أنامل أمي وهي تمس جبيني مساً رفيقاً، مفكراً في أن الحنان الذي كان يحدو تلك الأنامل الساحرة يتجلّى في نقاء زهر الياسمين وان ذاك الحنان ما يزال باقياً لا ينفذ ولا يفنى.

    لقد حرمني القدرُ أمي وأنا بعد فتى صغير، فأصبحت وحيداً، ألوذ بنافذتي وأتأمل في الطبيعة وأرتسم في مخيلتي ما يترقرق في الكون من صورٍ شتى.

    لقد كانت الطبيعة رفيقي الذي وجدته إلى جواري دائماً".
    أجل . لقد أضحت الطبيعة رفيقاً وأماً ثانية له، يناجيها ويأنس إليها ويغرف منها، يوماً بعد يوم، صوراً خلابة. ويكبر الطفل الصغير، وتترعرع معه قصائده الشجية الطلية، لتمهد له طريق المجد.

    ***


    ونوّرت عبقرية (طاغور) الشعرية وهو ما يزال في ريق العمر، وكان يجد له من أفراد أسرته تشجيعاً متصلاً، غير أن أباه كان يعدّه لدراسة القانون، فبعث به إلى كلية (برايتون) في انكلترا.

    ولم يجد طاغور في دراسة القانون، ما يرضي نفسه النزّاعة إلى الفن والأدب، بيد أنه أفاد من إقامته في انكلترا الشيء الكثير، فقد غذّى نزعته الأدبية وارتضخ اللغة الانكليزية بطلاقة واجادة، مما أعانه ، فيما بعد، على نقل بعض مؤلفاته إلى الانكليزية.

    ونهل (طاغور) من معين الأدب الانكليزي الخصب، فرفد ثقافته الشرقية بالثقافة الغربية، وعاد إلى موطنه دون أن ينهي دراسته الحقوقية، وانتسخ أمل أبيه في اغرائه بمتابعتها.

    ***


    وأهلّ ديوانه الأول (أغاني المساء) فتلقفته الأوساط الأدبية بالتشجيع، وتلقاه النقاد بالثناء الذي يستحق وظفر طاغور وهو ما يزال في ريعان الشباب، باعجاب كبار شعراء عصره الذين توسموا فيه شاعراً ملهماً ينتظره المجد.

    وأردف ديوانه هذا بديوان (أغاني الصباح)، وتغيم فيه ظلالٌ رمزيةٌ، تضفي عليه مسحةً من الغموض حلوةً ناعمة.

    ***


    وفي الثانية والعشرين من عمره ، انتقت له أسرته زوجاً، فتاةً صغيرة، لا تتجاوز سنها الثانية عشرة هي (مريناليني ديفي)، فاستجاب طاغور لرغبة الأسرة، فقد كانت التقاليد في الهند تقسر الفتاة والفتى على الانصياع لإرادة الأسرة في اختيار رفيق الحياة. وقد انتقد طاغور فيما بعد هذه العادة البالية انتقاداً عنيفاً في مقالاته وقصائده، وفي رواية (حطام السفينة) بوجه خاص.

    على أن حياته الزوجية كانت رغيدة، فقد محضته زوجه المحبة الصادقة وتذوّقا معاً أفاويق السعادة وترادفت قصائده مشعشعة بالهناءة الغامرة:

    "لقد هلّت الفرحةُ مسرعةً من جميع أطراف الكون
    لتسوّي جسمي ،
    لقد قبّلتْها أشعةُ السماوات ثم قبّلتْها حتى استفاقت
    إلى الحياة.
    إن ورد الصيف المولّي سريعاً قد تردّدت زفراته
    في أنفاسها،
    وغنّت وسوسةُ المياه وهينمةُ الرياح في حركاتها،
    إن الألوان المتقدة من الغيوم والغابات قد انثالت
    إلى حياتها ،
    وداعبت موسيقا الأشياء كلها أعضاءها لتمنحها إهابَ
    الجمال .
    إنها زوجي .. لقد أشعلت مصباحها في بيتي وأضاءت
    جنباته ".


    ورزق طاغور ثلاثة أطفال، افعموا قلبه غبطة وبهجة، بيد أن سعادته لم تدم طويلاً، فإن كارثةً عتيّةً لم تلبث أن دهمته، فقد ماتت زوجه وهي بعد في ميعة الصبا، ولحق بها ابنه وابنته وأبوه، في فترات متتابعة، متقاربة، وخلّفت هذه المصائب في نفسه جرحاً رغيباً، وكادت تهدُّه وتفضي به إلى اليأس، لولا ايمانه بأن الموت هو صفحة تطوى لتُفتح صفحةٌ خالدةٌ انضر وأحلى.

    وعلى حافة سرير ابنه المريض المدنف، نظم طاغور ديوانه (الهلال) مفتلذاً من قلبه الحزين المعنّى قصائده الساذجة المؤسية. يقول طاغور:

    - " إن عاصفة الموت التي اجتاحت داري فسلبتني زوجي واحتطفت زهرة أولادي، اضحت لي نعمةً ورحمةً ، فقد اشعرتني بنقصي وحفزتني على نشدان الكمال وألهمتني أن العالم لا يفتقد ما يضيع منه".

    بيد أن حزنه الذي استبدّ بقلبه، تسلل إلى شعره فطبعه بطابع الأسى، وانسابت إلى جانب قصائده السابقة المفوّفة بحب الحياة، قصائئد شفافة بحزن دفين – ضمها إلى ديوانه الرائع (جيتنجالي) – قصائد مترعة بمعاني الموت، يقول عنها الكاتب الفرنسي اندره جيد:

    "ليس في الشعر العالمي كله ما يدانيها عمقاً وروعة".


    اصغ إليه يقول:

    "ايه أيها الموت ، يا منتهى حياتي الأسمى ، تعال
    واهمس في أذني .
    يوماً بعد يوم سهرت في انتظارك ، من أجلك تذوقت
    هناءة الحياة وعانيت عذابها .
    إن الكفن المنسدل فوقي هو كفن التراب والموت ،
    وانني لأكرهه ولكنني أشده وأجذبه في شغفٍ وَوجدْ ."


    ***


    آه ، أيتها المنية ، يا منيتي ، لم تهمسين همساً خفيضاً
    في أذني ؟
    حين يذبل الزهر ، في المساء ، ويعود القطيع إلى
    مراحه ، فإنك تقدمين ، خلسة ، إلى جانبي وتتحدثين
    إليّ حديثاً لا أفقه معناه .
    أتأملين في أن تغازليني وتكسبي ودي بهمسك المخدّر
    المنوّم وقبلاتك الباردة ، آه ، أيتها المنية ، يا منيتي ؟
    ترى أيقام احتفالٌ زاهٍ لعرسنا ؟
    ألا تنوطين بخصلات شعرك الوحف (1) المصفف
    طوقاً من الزهر ؟
    أيوجد من يحمل رايتك أمامك ؟ ألا يتلظى الليل
    ناراً بشعلاتك الحمر المضية ، أيتها المنية ، يا منيتي ؟
    تعالي ، على هزج قواقعك ، تعالي في ليلة مؤرقة .
    زمّليني بمعطفك القرمزي ، وشدّي على يدي .
    خذيني .
    أعدّي أمام بابي مركبتك بجيادها التي تصهل ،
    نافذة الصبر ؟
    احسري قناعي ثم انظري ، في خيلاء ، إلى وجهي ،
    أيتها المنية ، يا منيتي .


    (1) الوحف: الشعر الكثير الأسود الحسن


    ***




    حين أمضي ، ليلاً ، وحيدةً إلى موعد حبيبي فإن
    العصافير لا تشدو ، والريح لا تنسم ، وتخلد البيوت على
    جانبي الطريق إلى الصمت .
    إنه خلخالي الذي أضحى ثقيلاً في كل خطوةٍ أخطوها ،
    وإنني لأستشعر الخجل .
    وحين أجلس إلى شرفتي وأنصت لعلي أن أسمع وقع
    أقدامه ، فإن الأوراق لا تتهامس على الأشجار ، ويسكن
    الماء في النهر ، كأنه سيف توسّد ركبتي حارس غاف .
    ذاك قلبي الذي يشتد وجيبه دون أن أدري كيف
    أجعله يهدأ ،
    وحين يرتعش جسدي ، ويفتر جفناي ، فإن الليل
    يدجو وتطفئ الريح السراج ، وتسدل السحب خمارها
    على النجوم .
    تلك هي الحلية التي تتوامض فوق صدري ، وتريق
    ألقتها فلا أدري كيف أداريها .



    ***



    تعالي كما أنت ولا تتلكئي في زينتك.
    إذا انحلت غديرة من غدائرك ، إذا لم يكن مفرق
    شعرك سوياً ، إذا كانت شرائط صدرك غير منوطة ،
    فلا بأس عليك .
    تعالي كما أنت ولا تتلكئي في زينتك .
    تعالي بخطاً عاجلةٍ ، فوق العشب .
    وإذا سلّ الندى شراك نعلك من قدمك ، إذا امّلست
    حلقات خلخالك من قدمك الواهنة، اذا انفرطت لآلئ
    عقدك من سمطها ، فلا بأس عليك .
    تعالي بخطاً عاجلة ، فوق العشب .
    ألا ترين إلى السحب تغطي السماء .؟
    من بعيد ، تتراءى أسراب الكركي ، وهي تهفو
    طارة من شاطئ النهر النائي ، وتستبق هباتٌ غضبى
    من العاصفة فوق المرج .
    القطيع الجزع يعدو إلى مراحه في القرية .
    ألا ترين إلى السحب تغطي السماء ؟.
    عبثاً تشعلين السراج لتتزيني ، إنه يترنّح ثم ينطفئ
    في الريح .
    من يعلم أن جفنيك لم يكتحلا بسواد الدخان ؟ إن
    عينيك أكثر سواداً من سحب الغيث .
    عبثاً تشعلين السراج وإنه لينطفئ .
    تعالي كما أنت ولا تشغلك زينتك .
    إن لم يكن إكليلك مضفوراً فمن يُعنى به ؟ إذا لم
    يغلق سوارك فدعيه
    السماء مربدةٌ بالغيوم – والوقت متأخر .
    تعالي كما أنت ولا تشغلك زينتك .



    ***



    لقد تركتني ، ومضيت في طريقك .
    كنت أحسب أنني سوف أبكيك ، وأرصع قلبي
    بصورتك المنفردة المغزولة من أغنية ذهبية .
    واأسفاه ، يا لنكد طالعي ، إن الزمن قصير .
    إن الشباب يذوي عاماً بعد عام ، وأيام الربيع زائلة ،
    والزهر الغض يموت من لا شيء والحكيم يقول لي:
    " إن الحياة ليست سوى قطرة ندى فوق ورقة لوتس".
    أينبغي أن أهمل كل هذا لأتطلع إلى من تخلت عني ؟
    لعل هذا أن يكون قاسياً جنونياً ، فإن الزمن قصير .
    تعالي يا ليالي الممطرة يتردد فيها خفق الأقدام ،
    وابتسم يا خريفي الذهبي ، تعال يا نيسان المتمهّل ،
    يا من يوزع قبلاته بعيداً .
    تعال أنت ، وأنت أيضاً .
    يا أحبتي إننا جميعاً فانون ، أمن الحكمة أن يحطم
    المرء قلبه من أجل تلك التي استأثرت بقلبها ومضت ؟
    إن الزمن قصير .
    إنه ليطيب لي أن أنتبذ ركناً ، لأحلم وأنظم الشعر
    مردداً : إنك دنياي كلها .
    إنها لبطولة أن يعانق المرء ألمه ، وأن يعتزم ألا
    يسلو أبداً .
    ولكن وجهاً نضيراً يرامق بابي ويرفع طرفه إلى عيني
    لا أملك سوى أن أرقأ دمعي ، وأغيّر نغم أغنيتي .
    إن الزمن قصير .




    To be or not to be
    That is the question


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    وكذلك حلّق شعر (طاغور) ، بعد أن استمسك واستحصد، مجنحاً بالحب والألم، والفكرة والنغم، لتتجاوب به آفاق الهند، ثم يفرع جبالها، ويجوز حدودها ويضطرب في كل مراد من الأرض، وينحدر كالشعاع النقي، فيغسل بكلماته الحلوة القلوبَ الحزينةَ المتشوّفةَ إلى الطمأنينة والمحبة والسلام.
    وفي عام 1901، أنشأ طاغور في احدى ضواحي كلكتا مدرسةً سماها : (شانتينيكيتان) أي مرفأ السلام، وقد اختار أن تكون في قلب الغاب، بين الأشجار المتواشجة المتعانقة.

    ويتّسق منهج الدراسة فيها على هذا النحو:
    يستيقظ الطلبة، عند منبثق الفجر، فيرتلون الأناشيد العذبة ثم يمضون إلى حجراتها فينسقون فُرُشَهم وينظفون الأرض وينطلقون إلى الملاعب، حيث يزاولون تمارينهم الرياضية ثم يلوذ كل طالب بركنٍ يفكر ويتأمل، فإذا انتهت فترة التأمل، أقبلوا على فطور الصباح، ومنه إلى الصلاة فالدراسة النظرية.
    وللطالب، إما شرع الاستاذ في القاء درسه، أن يعلو غصن شجرة أو يقتعد عشب الأرض، مستمتعاً بجمال الطبيعة وطلاوة الدرس معاً.

    وفي الساعة الثانية عشرة ينتهي برنامج الدراسة النظرية، وبعد الغداء، يبتدئ برنامج الدراسة العملية، وينصرف الطلبة إلى الحدائق ينسقونها ويزرعونها، ويتخذ بعضهم سمتَه إلى القرى المجاورة لتعليم الفلاحين وارشادهم حتى يغلبَ الليل.

    ويعكف الطلبة، بعد العشاء، على قراءة القصص أو تمثيل المسرحيات أو ترتيل الأغاني، وفي الساعة العاشرة يأوي الجميع إلى النوم.
    هذه هي المدرسة التي أنشأها (طاغور) جنةً ممرعةً للنشء، يقبلون فيها على الدراسة المجدية، دون قسر أو إكراهٍ وتتفتح فيها قلوبهم على محبة الطبيعة وتقدير الإنسان، وتنضح فيها شخصياتهم بالعمل والتعاون والاعتماد على النفس.
    وفي هذه المدرسة القى (طاغور) محاضراتٍ شتى جمعها في كتابه الشهير (سادهانا).

    ***

    وتعاقبت آثار (طاغور) من فلسفة وشعر ورواية وقصة ومسرح، غزيرةً سخيةً، تحمل رسالته الإنسانية السامية القائمة على المحبة والأمل، وتشرئبُ قمماً شوامخَ في الأدب العالمي كله، فلا عجب أن تسعى إليه جائزة (نوبل) للأدب عام 1914، فكان الأديب الشرقي الوحيد الذي نالها منذ أنشئت حتى الآن.

    لقد أصبح طاغور ، كما يقول عنه غاندي بحق، منارة الهند، ولعله أن يكون منارة الشرق كله، منارةً تبذل نور المحبة وتعيد إلى الإنسان المشرّد في متاهات المادية والالحاد، إلى الإنسان المضيّع الذي افترست الحروب والطغيان، أحلامه الحلوة وأمنه واستقراره، تعيد إليه الأمل والإيمان والسلام والثقة بمستقبل أفضل.

    ***


    وقام طاغور برحلات عديدة في أوربا والشرق الأقصى والاتحاد السوفييتي واميركا وافريقيا، ينثر أنّى مضى بذور المحبة والطيبة والأمل، وظل دائب الظعن والرحيل، حتى بعد أن تقدمت به السن. كانت عيناه الظامئتان إلى النظر والمعرفة معلقتين بآفاق العالم كله، وكان يقابل حيثما حل بترحاب شعبي حار، قيل إنه تجمّع في ساحة (كولوسيوم) في روما أكثر من ثلاثين ألف شخص، جعلوا يحيونه ويهتفون له، هتافاً هادراً مدوّياً.

    ولك أن تتمثّل الشاعر العظيم، رابندرا – الشمس المشرقة، واقفاً بطلعته المهيبة، ودموعه تغيم في مآقيه ونظراته المجبولة بالجنان، تتطامن إلى الجموع المحتشدة الهاتفة، وقلبه الكبير الطيب، ينبض بالحقيقة نفسها التي تجبُ بها قلوبهم جميعاً.

    ***


    ولم يتوان طاغور وهو يرى إلى الاستعمار البغيض يعيث في وطنه فساداً وعسفاً، عن مقاومته بشعره ومقالاته وخطبه فلم يقتصر شعره على تلك الخيوط اللطيفة الناعمة التي ألف أن يغزلها في معاني المحبة، بل كان يتعالى حراً صريحاً مزمجراً ليدكّ صروح الطغيان . كان كالفراشة التي نسجت خيوطها الحريرية في فليجتها واستمرأت العيش فيها أمداً ثم حطمت سجنها وانطلقت حرةً في منفسح الفضاء، فإذا هذا الشعر الصافي المعطاء يحور في شفتيه إلى صيحة مدوية تدعم صيحة زعيم الهند غاندي وتوقظ أبناء وطنه من سبات الاستسلام، مهيبة بهم أن ينزعوا الخوف من نفوسهم حاملة لهم مشعل الحرية الموعودة فيقول:

    "ايه يا وطني، اطلب إليك الخلاص من الخوف ،
    هذا الشبح الشيطاني الذي يرتدي أحلامك الممسوخة،
    الخلاص من وقر العصور، العصور التي تحني رأسك
    وتقصم ظهرك.
    وتصم أنيك عن نداء المستقبل."


    ولما قامت في الهند عام 1919 ثورة (البنجاب) وقمعتها انكلترا بالدم والنار، احتج طاغور على ذلك بمقالات تتأجج عنفاً، واعاد إلى ملك انكلترا لقب (سر) الذي كان قد منحه إياه تقديراً لعبقريته.

    ***


    ولما ذرف طاغور على السبعين، وكان في أوج عظمته الأدبية والفكرية والموسيقية، بدا له أن يزاول فن التصوير. وكان على الشاعر أن يفسر لوحاته، فقد كانت مزيجاً من الألوان غريباً، ولكنه كان يجيب دوماً: "إن على صوره أن تفصح عن المعنى وأن تنفضه، وليس عليها أن تفسّره، فالفن يماثل الحب في كونه غير قابل للتفسير".

    كتبت السيدة (دونواي) في أسلوب تصويري فقالت:

    "ان لوحته تلد كالفكرة حين يدخل في سبات، مغلفة بسحب حالمة مبهمة، ثم تتضح وهي في سبيلها إلى التكوين، وان المرء ليعجب من دقة التصوير ورحابته معاً، وتنبثق الألوان وتنساب: بقعةٌ ضبابيةٌ فبياضٌ ثلجيٌ فحمرةٌ تليها خضرةٌ موشاةٌ بلون بنفسجي، وتأتلف الألوان لتفسح عالماً حياً."

    وكذلك اكتشف الناس جانباً آخر من عبقرية طاغور حسرت لهم، من قبل، عن أسرار النغم وها هي ذي تحسر، الآن ، عن أسرار اللون، لتريقها لوحات رائعة ساحرة.

    وأقيمت للفنان طاغور معارض جمةٌ ظفرت باعجاب نقاد الفن والتصوير في العالم أجمع.
    كأني بطاغور، بهذه العبقرية التي جرت من الفلسفة والأدب والفنون كلها على عِرْقٍ، كاني به قد وافى، كما يقول (راجاراو)، إلى عصرنا هذا من عصر النهضة، العصر الذي كانت تخفق فيه طيوف دانتي وليوناردو فنشي وميكلانج، العصرالذي كانت تتمايل فيه كلمات القصيد على رعشات الريشة الملهمة، وتترنح على ضربات الازميل البارع، وتلهث امام مخططات الاختراع ووساوس العلم.

    ***


    وفي 8 آب 1941 – وكان طاغور قد تخطى الثمانين – مد الموت يده، وقطف في هينةٍ ورفقٍ، روحَ الشاعر الانساني العظيم، وهو بين أفراد اٍسرته ورفاقه ورواده.

    "أنا أعلم أنه سيأتي يوم، أضيّع فيه هذه الأرض عن ناظري.
    إن الحياة تغادرني، في صمت، بعد أن تسدل على عيني الستار الأخير،
    ومع هذا فإن النجوم ستتلامح ساهرةً في الليل، وسيسفر الفجر، كما أسفر أمس،
    وستمتلئ الساعات، كما تمتلئ أمواج البحر، حاملةً اللذات والآلام".


    ***




    إن الثروة غير المتناهية ليست بثروتك أيتها الأرض ،
    يا أمي الصابرة الغبراء .
    أنت تكدحين لإطعام أولادك ، ولكن الغذاء نادرٌ
    يسيرٌ.
    إن الفرح الذي تزجينه إلينا ليس بكامل.
    إن الدمى التي تصنعينها لأولادك قصيفةٌ هشةٌ .
    ليس في استطاعتك أن تشبعي نهم آمالنا الجائعة ،
    ولكن أأجفوك وأهجرك من أجل ذلك ؟.
    إن ابتسامتك المظلمة بالألم هي عذبةٌ في عيني.
    إن حبك الذي لا يعرف الانتهاء هو أثير على قلبي.
    لقد غذانا صدرك حياةً لا خلوداً ، ولهذا فإن عينيك
    ساهرتان دوماً.
    منذ العصور الخوالي وانت تنسجين اللون واللحن ،
    ومع هذا فإن جنتك لم تقم بعد ، إن هي إلا إيحاءٌ
    حزينٌ .
    إن كل ما أبدعته من طُرف الجمال مغلّف بضباب
    من الدموع.
    سوف أريق أغنياتي في قلبك الصامت وأريق حبي
    في حبك.
    سوف أعبدك في الكد والعناء.
    لقد لمحت محياك الحنون، وإنني لأعشق ترابك الباكي،
    أيتها الأرض ، يا أمي .





    ليس هناك حياة تُؤتى الخلود يا أخي . ليس هناك
    شيء يتاح له البقاء ، اذكر هذا ثم متّع نفسك .
    إن حياتنا ليست ذاك العبءَ القديمَ ، وطريقُنا ليست
    طريقَ الرحلة الطويلة.
    على الشاعر ألا يردد الأغنية القديمة نفسَها.
    إن الزهرة تصوّح وتموت ، ولكن على من يحمل
    الزهرة ألا يبكيها دوماً.
    اذكر هذا يا اخي ثم متّعْ نفسك .
    ينبغي أن تمر فترة صمتٍ طويلةٌ ، قبل أن يتم
    نسج لحنٍ كاملٍ .
    إن الحياة تتلاشى مع غروبها حتى تفنى في الظلال
    الذهبية.
    يجب أن يدعى الحب من لهوه ، لينهل من الألم ويولد
    في سماء الدموع .
    اذكر هذا يا أخي ثم متّعْ نفسك .
    إننا نبادر إلى قطف الزهر لئلا تجنيه الرياحُ العابرةُ
    قبلنا.
    إن ما يجعل دمنا يفور وعيوننا تتلظى ، هو اختلاسُنا
    القبلات التي قد تمّحي ويفوت أوانها إن أمهلناها.
    إن حياتنا تتّقد ولذاتنا تستوفز توقاً إلى الزمن الذي
    يُقرع فيه ناقوسُ الرحيل.
    اذكر هذا يا أخي ثم متّعْ نفسك .
    ليس هذا أواننا في أن نتعلق بشيء ونحطمه ثم نرمي
    به أرضاً ، إن الساعات تُغِذُّ السير مسربلةً بثيابها أحلامها .
    إن حياتنا قصيرةً ولكنها لا تهب للحبّ غير أيام
    قليلة، وقد كُتب علينا فهم الكدّ ، وقد تضحي قاسيةً
    طويلةً إلى الأبد .
    اذكر هذا يا أخي ثم متّعْ نفسَك .
    إننا نستعذب الجمال لأنه يواكب في رقصه نفس الوزن
    الهائم مع حياتنا.
    إن المعرفة ثمينةٌ لدينا، إذ لن ينفسخ لنا زمن نستطيع فيه أن نتمّها .
    كل شيء مقدرٌ له ، في السماء الخالدة ، أن يخلق ثم
    يزول.
    ولكن أزاهير الوهم الأرضية تظل بالموت غضةً ريّا ،
    إلى الأبد .
    اذكر هذا يا أخي ثم متّعْ نفسك .





    النداء

    كان الليل داجياً حين مضيت ، وكانوا مستغرقين في
    سبات .
    الليل حالك، الآن، وإنني أناديها : عودي يا
    حبيبتي فان الكون غافٍ ، وقد لا يدري احد إن قدمت
    لتمكثي فترة قصيرة ، فيما تتلامح النجوم .
    لقد مضيت ، حين كانت الأشجار مبرعمةً ، وكان
    الربيع في ريعان شبابه .
    إن الأزهار منوّرةٌ ، الآن ، وأناديها : عودي يا
    حبيبتي ، الأطفال يقطفون الأزهار ، ثم يبعثرونها في غمرة
    لهوهم الغافلة ، وإن عدت وتناولت زهرةً صغيرةً ،
    فلن يشعر أحد بفقدانها .
    إن اللذين كانوا يلهون ما يزالون يستمرئون اللهو –
    فما أكثر ما تبدد الحياة!
    وأصغي إلى لغوهم ، وأقول : عودي يا حبيبتي ،
    فإن قلب أمك يطفح بالحب، حتى حفافيه، فان عدت
    واختلست منها قبلة صغيرة واحدة، فلن ينفسَ بها على
    أمك أي إنسان.





    إن لم تتكلم ، فسأتحمل ، في الحق ، صمتك ، وسأملأ
    به قلبي .
    سأنتظر ساكناً ، في الليلة المتلاحمة النجوم ، ورأسي
    حانٍ مطرق .
    سيقبل الفجر ، بلا ريب ، وستنقشع الظلمة ،
    وسيسيل صوتك في رعشات مذهبة تنسرب عبر السماء .
    حينذاك ، ستتّسق كلماتك في أغنيات حول أي عش
    من أعشاشي وتتشقّق أغنياتك زهوراً في جميع منعطفات
    غاباتي.
    To be or not to be
    That is the question


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المكان
    على الميهاف
    الردود
    201
    ما أروع الصور والتعابير

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •