Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 51
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66

    Arrow شــاعِر السخرية: أَحمد مَطَر!

    أحمد مَطر.....

    شاعر الحرية

    شاعر المنفى

    شاعر السخرية

    شاعر التمرد

    لن أُعَرِفَهُ

    لأن الكل يعرفه

    يكفي أن أسمه "أحمد"

    و"أحمد" ممنوع من الصرف

    سأنشر هنا كل ما لدي عنه وكل ما نُشِر له....

    وكل ما سَطَرَ من "قنابل ذرية" بأسم الحرية


    الفهرس:
    -عن الشاعر
    -قالوا عنه
    كتاب الأعمال الشعرية الكاملة والذي يتضمن الدواوين:

    -لافتات 1
    -لافتات 2
    -لافتات 3
    -لافتات 4
    -لافتات 5
    -لافتات 6
    -لافتات 7
    -ديوان الساعة
    -إني المشنوق أعلاه
    -العشاء الأخير لصاحب الجلالة إبليس الأول

    -ما أصعب الكلام
    -لافتات مطرية من جريدة الراية القطرية
    -سلسلة مقالات "حديقة الإنسان" التي تنشر في جريدة الراية
    -آخر صورة للشاعِر

    ملاحظة: بالنسبة الى كتاب "الاعمال الشعرية الكاملة" فإنه يتضمن قصائد كثيرة لم تُنشر على الأنترنت قط ولا أعلم هل هذا الكتاب متوفر في باقي الدول العربية لأني كما أعلم أن مؤلفات الشاعر ممنوعة الا في الدولة التي ليس لديها دولة وهي "العراق"

    إلى هناك.....!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66

    Lightbulb




    عن الشاعر:
    ولد أحمد مطر في مطلع الخمسينات، ابناً رابعاً بين عشرة أخوة من البنين والبنات، في قرية (التنومة)، إحدى نواحي (شط العرب) في البصرة. وعاش فيها مرحلة الطفولة قبل أن تنتقل أسرته، وهو في مرحلة الصبا، لتقيم عبر النهر في محلة الأصمعي.
    وكان للتنومة تأثير واضح في نفسه، فهي -كما يصفها- تنضح بساطة ورقّة وطيبة، مطرّزة بالأنهار والجداول والبساتين، وبيوت الطين والقصب، واشجار النخيل التي لا تكتفي بالإحاطة بالقرية، بل تقتحم بيوتها، وتدلي سعفها الأخضر واليابس ظلالاً ومراوح.
    وفي سن الرابعة عشرة بدأ مطر يكتب الشعر، ولم تخرج قصائده الأولى عن نطاق الغزل والرومانسية، لكن سرعان ما تكشّفت له خفايا الصراع بين السُلطة والشعب، فألقى بنفسه، في فترة مبكرة من عمره، في دائرة النار، حيث لم تطاوعه نفسه على الصمت، ولا على ارتداء ثياب العرس في المأتم، فدخل المعترك السياسي من خلال مشاركته في الإحتفالات العامة بإلقاء قصائده من على المنصة، وكانت هذه القصائد في بداياتها طويلة، تصل إلى أكثر من مائة بيت، مشحونة بقوة عالية من التحريض، وتتمحور حول موقف المواطن من سُلطة لا تتركه ليعيش. ولم يكن لمثل هذا الموقف أن يمر بسلام، الأمر الذي اضطرالشاعر، في النهاية، إلى توديع وطنه ومرابع صباه والتوجه إلى الكويت، هارباً من مطاردة السُلطة.
    وفي الكويت عمل في جريدة (القبس) محرراً ثقافياً، وكان آنذاك في منتصف العشرينات من عمره، حيث مضى يُدوّن قصائده التي أخذ نفسه بالشدّة من أجل ألاّ تتعدى موضوعاً واحداً، وإن جاءت القصيدة كلّها في بيت واحد. وراح يكتنز هذه القصائد وكأنه يدوّن يومياته في مفكرته الشخصيّة، لكنها سرعان ما أخذت طريقها إلى النشر، فكانت (القبس) الثغرة التي أخرج منها رأسه، وباركت انطلاقته الشعرية الإنتحارية، وسجّلت لافتاته دون خوف، وساهمت في نشرها بين القرّاء.
    وفي رحاب (القبس) عمل الشاعر مع الفنان ناجي العلي، ليجد كلّ منهما في الآخر توافقاً نفسياً واضحاً، فقد كان كلاهما يعرف، غيباً، أن الآخر يكره ما يكره ويحب ما يحب، وكثيراً ما كانا يتوافقان في التعبير عن قضية واحدة، دون اتّفاق مسبق، إذ أن الروابط بينهما كانت تقوم على الصدق والعفوية والبراءة وحدّة الشعور بالمأساة، ورؤية الأشياء بعين مجردة صافية، بعيدة عن مزالق الإيديولوجيا.
    وقد كان أحمد مطر يبدأ الجريدة بلافتته في الصفحة الأولى، وكان ناجي العلي يختمها بلوحته الكاريكاتيرية في الصفحة الأخيرة.
    ومرة أخرى تكررت مأساة الشاعر، حيث أن لهجته الصادقة، وكلماته الحادة، ولافتاته الصريحة، أثارت حفيظة مختلف السلطات العربية، تماماً مثلما أثارتها ريشة ناجي العلي، الأمر الذي أدى إلى صدور قرار بنفيهما معاً من الكويت، حيث ترافق الإثنان من منفى إلى منفى. وفي لندن فَقـدَ أحمد مطر صاحبه ناجي العلي، ليظل بعده نصف ميت. وعزاؤه أن ناجي مازال معه نصف حي، لينتقم من قوى الشر بقلمه.
    ومنذ عام 1986، استقر أحمد مطر في لندن، ليُمضي الأعوام الطويلة، بعيداً عن الوطن مسافة أميال وأميال، قريباً منه على مرمى حجر، في صراع مع الحنين والمرض، مُرسّخاً حروف وصيته في كل لافتـة يرفعها.

    (هذه النبذة مقتطفة -بتصرّف - من كتاب : عناصر الإبداع الفني في شعر أحمد مطر- تأليف كمال أحمد غنيم)*
    _________________________
    * بالنسبة لهذا الكتاب فإني بحثت في كل مكان فلم أجده

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    حدائق الساخر
    الردود
    19
    اخي العزيز / لست بساخر

    نبذه مختصره عن شاعر جميل ..

    تمنيت لو اطلعتنا على بعض قصائدة ..

    وتقبل مني خالص الشكر والتقدير

    اخوك / وهم عابر

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة وهم عابر عرض المشاركة
    اخي العزيز / لست بساخر
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة وهم عابر عرض المشاركة

    نبذه مختصره عن شاعر جميل ..

    تمنيت لو اطلعتنا على بعض قصائدة ..

    وتقبل مني خالص الشكر والتقدير

    اخوك / وهم عابر



    اخي العزيز/ وهم عابر

    لم انتهي بعد سأكمل ما كتبته في الفهرس
    ولكني تأخرت وآسف على التأخير!

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66

    Lightbulb


    قالوا عنه:



    الشاعر الإنتحـاري

    بقلـم : رؤوف شحـوري


    1 هذا شاعر لا يقف في "الطابور". لا يضيع في الزحام. لايشبه الآخرين. لم يحمل "كشة"، ولم يفتح دكانا ولا سوبر ماركت. ولا يبيع بضاعة من نوع الألف صنف وصنف. ولا يغريك بتنويع البضاعة ولا بالتّفنن في تغليفها بورق الهدايا وأشرطة الحرير الملونة. لايدعوك إلى قصيدة غزل في جلسة خبز وخمر وحشيش وقمر. ولا إلى قصيدة مدح على باب صاحب سلطان. ولا إلى قصيدة فخر " لنجهل فوق جهل الجاهلينا". ولا إلى قصيدة رثاء يلعب فيها دور النائحة لاستدرار الدموع. إنه خارج الطابور. يقف وحيداً في جانب، ويقف الشعراء جميعا في جانب آخر. متفرّد. متميز. استثنائي.


    2 هذا شاعر لا يرتدي السموكن. لا يسكن القصور ولا يرتادها. لا يستلهم الوحي من تعاطي عقاقير الهلوسة أو كؤوس المنكر. لايملك رصيداً في البنوك، لكنه من أصحاب الملايين في بورصة الكلمة. لا يملك عقاراً محدداً بعينه، لكنه سجل على اسمه ملكية أراضي الأوطان العربية كلها في "السجل الشعري" لا في السجل العقاري. لايهوى السياحة والتنقل في مقاعد الدرجة الأولى، ولا يسافر إلاّ إذا كان مرغماً على التسفير، ولا يرحل إلا إذا كان مجبراً على الرحيل. ومع ذلك فهو يرحل كل يوم إلى كل الضمائر ويسافر إلى كل القلوب بجواز سفر اسمه " لافتات" ، أصدرته دولة اسمها الشعر، وختمته بخاتم إسمه الموهبة، وأرفقته بعبارة "رجاء تسهيل مهمة حامله"...


    3 هذا شاعر يرتدي الملابس المرقطة. يسري ليلاً في مهمات غامضة. يرتاد أقبية المقهورين وكهوف المظلومين. يحاورهم. يأخذ منهم صكّ توكيل. يستجوبهم. ويحرر معهم وباسمهم مذكرات جلب وإحضار بحق المطلوبين إلى العدالة أمام محكمة التاريخ...فوراء كل مقهور قاهر. ووراء كل مظلوم ظالم. ووراء كل فقير ثري سرق منه حصته في الحياة. ووراء كل هزيمة "منتصر" يتمتع بالسلطة والجاه والثروة والشهرة.ووراء كل جدار مخبر. وتحت كل حجر تقرير سري إلى " سيدي الوالي المبجل ".


    4 هذا شاعر يخوض وحيداً حرباً ضد كل قوى القهر باسم كل المقهورين دون أن يعقد حلفاً مع أحد. وهي حرب لا متناهية في القدم، لا متناهية في الإستمرار. خاضها قبل أن يولد ويتابعها بعد أن يرحل. لا هدنة فيها، ولا تسوية، ولا تنازل، ولا صلح، ولا اعتراف، ولا "كامب". وليس فيها إلا غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم.


    5 هذا شاعر انتحاري ذهب إلى الحرب متخليا عن الأسلحة التقليدية. لا مدفعية ثقيلة بعيدة المدى. ولا راجمات، ولا قاذفات عابرة للمحيطات، ولا صواريخ عابرة للقارات، ولا قنابل عنقودية أو جرثومية أو كيميائية أو ليزرية أو فراغية. يمتشق سلاحاً فتاكاً صنعه بنفسه، ويعرف سره هو وحده، ولا يحل شفرة معادلته وتركيبته غيره. يصنع كبسولات صغيرة من الشعر النووي شديد الإنفجار، والقصائد المفخخة، يوزعها بعناية على أهدافه الإستراتيجية...واحدة تحت كل عمود من عواميد "الأنظمة"، وواحدة تحت كرسي "الرقيب"، وواحدة خلف مقعد "الوالي"، وواحدة يدسها سراً في جيب "المخبر" السري، وواحدة قرب جدار "السجان"، وواحدة في " جبن الإنسان"، وواحدة في حقيبة " القائد العميل"، وفي حلوق أبطال النفاق، وفي فوهة " كاتم الصوت "، وفي جعبة "الجند" الذين أطلقوا سراح الجثة وصادروا الرأس فقط...وواحدة يخصصها أيضاً لهدف لا يخطر على البال...
    (...لعنتُ كل شاعرْ
    يغازلُ الشفاه والأثداء والضفائر
    في زمن الكلاب والمخافرْ
    ولايرى فوهة بندقيةٍ
    حين يرى الشفاه مستجيرهْ!
    ولا يرى رمانةً ناسفةً
    حين يرى الأثداء مستديرهْ!
    ولايرى مشنقةً .. حين يرى الضفيرهْ!
    **
    في زمن الآتينَ للحكم على دبابة أجيرهْ
    أو ناقة العشيرهْ
    لعنتُ كل شاعرٍ
    لايقتني قنبلةً
    كي يكتب القصيدة الأخيرهْ! )
    ولكن ماذا عنك أنت أيها الشاعر أحمد مطر؟ يجيب:
    ( قلمي وسط دواة الحبر غاص
    ثم غاص
    ثم غاصْ.
    قلمي في لجّة الحبر اختنقْ
    وطَفَتْ جثّتهُ هامدةً فوق الورقْ
    روحهُ في زبَد الأحرف ضاعت في المدى
    ودمي في دمهِ ضاع سُـدى
    ومضى العمرُ ولم يأتِ الخلاصْ.
    آه .. ياعصرَ القصاصْ
    بلطةُ الجزّارِ لا يذبحُها قطرُ النـدى
    لا مناصْ
    آن لي أن أتركَ الحبرَ
    وأن أكتبَ شعري بالرّصاصْ !)
    [/INDENT][/INDENT] * مجلة الوطن العربي - باريس - العدد (29) الجمعة 2-10-1987





    شاعر جديد يلفت الأنظار
    بقلـم : رجـاء النقـاش

    [/CENTER]


    أحمد مطر .. شاعر جديد بدأ اسمه يلمع منذ سنوات قليلة، وأصبح اليوم واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين، رغم أن صوته الشعري لم يصل إلى مصر حتى الآن، بل لعله لم يصل إلى كثير من العواصم العربية الكبيرة، وذلك لأنه يعيش مغترباً منذ بداية حياته الأدبية، وهو الآن يعيش في لندن، ويعمل محرراً ثقافياً للطبعة الدولية من جريدة " القبس " الكويتية، وعندما فكرت في الكتابة عنه، لم أجد أي معلومات عن حياته، ولم أجد أمامي سوى ديوانه الوحيد ( لافتات )، وبعض قصاصات من قصائده التي تعودت على جمعها من الصحف، منذ أن لفت نظري شعره الجميل، وقد التقيت بالشاعر مرة واحـدة سنة 1984 في الكويت، في بيت أحد الأصـدقاء، وسمعت منه بعض شعره، وكانت قصائده كما أعرفها حادة وغاضبة، أما هو فقد كان شاباً وديعاً بالغ التهذب والحياء ، مما جعلني أزداد يقيناً بأن الأفكار العاصفة والمشاعر العنيفة ليست بحاجة إلى إنسان صاخب شديد الصراخ لكي يعبر عنها، فعواصف الفكر والفن مكانها القلوب والعقول، وليس مكانها تشنجات في الصوت أو في اليد والوجه كما يفعل بعض الأدعياء.
    وكنت قد سمعت من البعض أن الاسم الذي يوقع به الشاعر ( أحمد مطر ) ليس اسماً حقيقياً وإنما هو اسم مستعار، ولم أستطع خلال لقائي السريع الوحيد معه أن أعرف شيئاً واضحاً عنه، ولذلك فقد اتصلت به في لندن بعد أن انتقل إليها من الكويت، وطلبت منه أن يكتب لي شيئاً موجزاً عن حياته، وسرعان ما تلقيت منه رسالة هي قطعة من الأدب الجميل، بالإضافة إلى ما توجزه من المعلومات الخاصة بالشاعر نفسه.
    وفي هذه الرسالة يقول أحمد مطر:
    أخي العزيز .. أبتديك بتحية فيها سلام، معترفاً بجميل فضلك في السؤال عني، بعد مرور وقت طويل على لقائنا الذي لا تزال ذكراه منتصبة في قلب الذاكرة.
    وما بين ذاك اللقاء وهذا اللقاء عالم مضطرب بالحوادث والمتغيرات، التي مست الأوطان والأبدان، لكنها - وهذا هو المهم - لم تمس جوهر الإنسان.
    لقد تركتني وأنا شيطان رجيم في " جهنم اللاهبة " وها أنت تجدني شيطاناً رجيماً في " جهنم الباردة".
    ( ملحوظة: يشير الشاعر هنا إلى انتقاله من حر الخليج إلى برودة لندن )
    أسعدني جداً أن أسمع صوتك، غير أنني لم أُدهش من كيفية عثورك علي، ذلك لأنك ناقد ومهمتك هي العثور على الشاعر بين ملايين وملايين الكلمات .. وكذلك تفعل عندما تبتغي العثور على شاعر بين قارتين !
    أخي الحبيب .. يبدو لي دائما أنني طويل اللسان، لكنني أُفاجأ - دائماً أيضاً - بقلة حيلتي كلما تطلب الأمر مني أن أتحدث عن خصوصياتي الصغيرة.
    ربما مرجع ذلك إلى أننا -نحن الفقراء- ليس في سيرتنا الشخصية أية تفاصيل غير عادية، فسيرة الواحد منا - عادة - تمتد من المهد إلى اللحد، وأعني أنه يخرج رجله من المهد ليضعها في اللحد، هذا إذا كان لائقاً بكرامة اللحد أن يستعار كوصف لحياتنا الخالية من الكرامة.
    لكنني على أية حال، سأبعث إليك قريباً، صفحات كثيرة عن حياتي ، منذ ميلادي حتى وفاتي (!)فسيرتي كما أعتقد ليست خالية تماماً مما يثير الضحك والسخرية .. والإفتخار أحياناً.
    أما الآن، وعلى هذه العجالة، فيمكنني أن اجتزىء ما أعتقد أنه نافع بالنسبة لما أنت في صدده:
    - أول شيء هو أن الكثيرين يعتقدون بأن " أحمد مطر " هو اسم مستعار، وكأنهم يستكثرون على المواطن العربي أن يذكر اسمه الصريح حتى إذا أراد أن يعلن عن شهيقه وزفيره !
    وعليه فإنني أؤكد لك هنا أن " أحمد مطر " هو اسمي القح !
    - الأمر الآخر هو أن الكثيرين ، وخصوصاً ممن كتبوا عن شعري ، لم يتفقوا حتى الآن على جنسيتي، وإن كانوا يتفقون على أنني أستعرض الوجع العربي بشكل عام، وأحرض الموجعين على الإنعتاق.
    ولا تدري كم أنا سعيد بهذا، فجميل جداً أن يكون المرء شاعراً في خدمة أمّـة لا ممثلاً لقبيلة معينة.
    كتبوا أنني كويتي، ولبناني، وفلسطيني، ومصري، وسوري، وسعودي، لكن واحداً فقط، هو الدكتور عبده بدوي، قال إنني عراقي.. وهذا هو الصحيح، من حيث بطاقة الهوية وشهادة الجنسية، أما إذا شئت الدقة حقاً ، فأنا جميع هؤلاء يضاف إليهم العرب الآخرون.
    لك محبتي الخالصة، ولي أمل بأن يجمعنا لقاء قريب هنا أو هناك.
    **
    تلك هي رسالة أحمد مطر الجميلة وفيها كل ما أعرفه عنـه وعن حياته.
    أما عن قصائده، فإن هذه القصائد تقدم إلينا أحمد مطر، شاعراً سياسياً من الدرجة الأولى، وهو يعلن عن ذلك في صراحة ووضوح، عندما يقول:
    فأنا الفن ،
    وأهل الفن ساسـه.
    فلماذا أنا عبـدٌ
    والسياسيون أصحاب قداسه ؟
    وأحمد مطر في هذه الأبيات يذكرنا بأعظم شاعر سياسي في الأدب العربي، وهو أبو الطيب المتنبي، الذي عاش حياته متنقلاً مغترباً ومات قتيلاً، لإصراره على أن الشاعر ينبغي أن يكون مكانه مساوياً لمكان السياسيين وأصحاب السلطة، وفي ذلك يقول المتنبي بيته الشهير وفؤادي من الملوكِ وإنْ .... كان لساني يُرى من الشعراء).
    فالفكرة التي يحملها أحمد مطر في قلبه، هي نفسها فكرة المتنبي، وهذه الفكرة هي أن الكلمة ترفع صاحبها إن كان موهوباً إلى مصاف الحكام وأصحاب السلطة والقرار، والكلمة ترفع صاحبها أكثر وأكثر، إذا كان ينطق بالحق ويقول الصدق ويرعى أمانة الضمير.. وندعو الله أن يحفظ أحمد مطر، وألاّ يكون مصيره هو مصير المتنبي، فيطعنه أحد الحاقدين في الظهر أو في الصدر ويقضي عليه !
    وكل شاعر سياسي لابد أن تكون له قضية واضحة محددة، فهذه القضية لو كانت غامضة ومعقدة، فإنها تفقد أهميتها وقيمتها وقدرتها على التأثير، كما أن الشاعر ينتقل بالتعقيد والغموض إلى (متصوف) أو إلى (فيلسوف) أو أي شيء آخر غير أن يكون شاعراً سياسياً له جماهير كبيرة تتأثر به وتنصت إليه، وكل الشعر السياسي في الأدب العربي والأدب العالمي ، هو " شعر القضايا الواضحة المحددة " ، حيث لا يجد القارىء - مع هذا الشعر - صعوبة في فهم القضية أو التعرف على ملامحها المختلفة، وذلك ما نجده في شعراء المقاومة الفلسطينية من أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، وذلك ما نجده عند الشعراء السياسيين في العالم من أمثال " مايكوفسكي " في روسيا و " والت ويتمان " في أمريكا الشمالية، و " بابلو نيرودا " في أمريكا اللاتينية، و "ناظم حكمت " في تركيا، و " أراجون " في فرنسا، وكلهم من الشعراء الذين ترجموا إلى العربية، ويعرفهم القارىء العربي معرفة تسمح لنا بالحديث عنهم والإشارة إليهم .. وهؤلاء جميعاً يكتبون عن قضايا واضحة محددة امتلأ بها وجدانهم وامتلأت بها عقولهم وأرواحهم.
    فما هي قضية أحمد مطـر ؟
    قضيته تلخصها كلمة واحدة (الحرية) .. حرية الإنسان في أن يقول ما يؤمن به، ويعلن ما يراه، دون قيد أو خوف .. وإذا أردنا أن نستخدم المصطلحات السياسية فإننا نقول إن قضية الشاعر هنا هي ( الديموقراطية وحقوق الإنسان) .
    وهذه القضية الرئيسية هي مصدر الإنفجار الشعري عند أحمد مطر .. فلن يكون هناك مجتمع عربي سليم إلا إذا تحققت حرية الإنسان، ولن نتخلص من قيود التخلف والإستعمار بإشكاله المختلفة، ولن نقضي على مرارة الهزائم التي تلاحقنا من ميدان إلى ميدان ومن عصر إلى عصر إلا إذا تحققت هذه الحرية للإنسان العربي، فلا يحس في عقله وقلبه بأن هناك من يهدده أو يخيفه أو يتوعده بأن يدفع ثمن حريته .. إن الشاعر هنا لا يريد أبداً أن يكون الإنسان العربي مجرد صدى لرأي قاهر أو قوة مخيفة يردد ما يقال له ترديداً أعمى، ولا يخرج على نطاق الحدود التي ترسمها له هذه القوة المفروضة عليه.
    إن القضية المحورية في شعر أحمد مطر هي حرية التعبير عن النفس بلا خوف من العقاب.. ولقد تحولت هذه القضية عند الشاعر إلى كابوس عنيف شديد القسوة، فشعره يقوم على رفض كل قيد يعوق استقلال الإنسان العربي وحقه في النقد والإعتراض، والشاعر يدرك أنه لا يستطيع أن يقول شعره داخل العالم العربي بهذه الحدة وهذا العنف، ثم يعيش بعد ذلك آمناً ، ولعل الشاعر هو واحد من المؤمنين بكلمة " جوركي " التي يقول فيها ( لقد جئت إلى العالم .. لأعترض ).
    وهذا الكابوس الذي يحمله أحمد مطر -كالجمرة- في روحه وشعره، هو الذي دفعه إلى كتابة قصيدته " مدخل " التي قدم بها ديوانه الشعري المثير " لافتات " ، وفي هذه القصيدة يقول عن قصائده " السبعين " التي يضمها ديوانه :
    سبعون طعنةً هنا موصولة النزفِ
    تُبـدي ولا تخفي
    تغتال خوف الموت في الخوفِ
    سميتها قصائدي
    وسمها يا قارئي : حتفي
    وسمّني منتحراً بخنجر الحرفِ
    لأنني في زمن الزيفِ
    والعيشِ بالمزمار والدّف
    كشفت صدري دفتراً
    وفوقـهُ ..
    كتبتُ هذا الشعر بالسيفِ !
    والقصيدة كما هو واضح تصور " جواً مأساوياً " ويكفي أن نلتفت إلى " قاموسها اللغوي " لنجدها مليئة بألفاظ مثل : الطعنة، النزف، الخنجر، الإغتيال، الموت، الإنتحار، الخوف، السيف. كل ذلك رغم أن القصيدة لا تزيد على أحد عشر بيتاً .
    وقضية الحرية عند الشاعر تتصل أشد الإتصال بما عاناه العقل العربي والوجدان العربي من شخصية " الرقيب " ، وهو ذلك الكائن المفترس، الذي تعود على أن يحذف كل كلمة تثير الشك أو توحي بالمعاني الحرة التي لا يرضى عنها الرقباء الأشداء، ومن كثرة ما عانى الإنسان العربي من هذا كله أصبح الرقيب كائناً داخلياً، يعيش في عقل الإنسان وقلبه ، ويشاركه في الطعام وغرفة النوم. وهنا نجد تجسيداً فنياً جميلاً لحالة الإنسان الخاضع للرقابة والقهر العقلي والنفسي في قصيدة أحمد مطر التي يقول فيها :
    قالَ ليَ الطبيب
    خُذ نفساً
    فكدت - من فرط اختناقي
    بالأسى والقهر - أستجيب.
    لكنني خشيت أن يلمحني الرقيب
    وقال : ممَ تشتكي ؟
    أردتُ أن أُجيب
    لكنني خشيت أن يسمعني الرقيب
    وعندما حيرته بصمتيَ الرهيب
    وجّه ضوءاً باهراً لمقلتي
    حاولَ رفع هامتي
    لكنني خفضتها
    ولذت بالنحيب
    قلت له : معذرة يا سيدي الطبيب
    أودّ أن أرفعَ رأسي عالياً
    لكنني
    أخافُ أن .. يحذفه الرقيب !
    فالرقيب عند أحمد مطر لا يحذف الكلمات فقط، ولكنه يحذف الرؤوس أيضاً.
    والرقيب ليس شخصاً ولكنه " حالـة " يعيش فيها الإنسان العربي ويئن تحت وطأتها ويعاني منها أشد المعاناة، وهذه الحالة هي بالنسبة للشاعر أحمد مطر موقف ماساوي كامل يشل الإنسان ويحول بينه وبين ممارسة دوره في الحياة، فكيف يمكن لإنسان خائف مشكوك في أمره، مراقب من الداخل والخارج على الدوام، أن ينتج أو يساهم في بناء الحضارة ؟
    وهذه الصوة المأساوية الكابوسية هي التي يصورها أحمد مطر مرة أخرى في قصيدته " صدمـة " حيث يقول :
    شعرتُ هذا اليوم بالصدمه
    فعندما رأيتُ جاري قادماً
    رفعتُ كفي نحوهُ مسلماً
    مكتفياً بالصمت والبسمه
    لأنني أعلم أن الصمت في أوطاننا .. حكمـهْ
    لكنهُ رد عليَّ قائلاً :
    عليكم السلام والرحمـه
    ورغم هذا لم تسجل ضده تهمه .
    الحمد لله على النعمـه
    مـن قال ماتت عنـدنا
    حُريّــة الكلْمـهْ ؟!
    إن الشاعر هنا يعيش في صراع حاد بين إصراره العميق على أن يكون مستقلاً يعبر عن نفسه بحرية وصـدق، ودون أن يشعر أنه مجرد كائن يتلقى أوامر وتعليمات عليه أن ينفذها رغم إرادته ودون تفكير .. يعيش الشاعر في صراع بين هذه الرغبة العميقة في داخله وبين ما يمكن أن نسميه باسم " أدب الدعاية" الذي يتحول فيه الفنان إلى أداة يستخدمها الآخرون ويوجهونها، والشاعر هنا يدرك صدق ما قاله الروائي الإنجليزي " جورج أورويل " من أن كل الدعاية كذب حتى عندما ينطق الداعية بالصدق . وهذا الصراع بين " الأدب الصادق " و "الدعاية " .. هو مشكلة حقيقية يعاني منها الفن العربي المعاصر أشد المعاناة، وهي معاناة ظاهرة يحس بها الجميع ، وليس أحمد مطر في شعره الغاضب المتألم إلا ثمرة حية من ثمار هذه المعاناة. إن الفن العظيم يرفع صاحبه إلى مستوى القيادة، ومن هنا فإن الفنان الحقيقي لا يمكن أن يكون تابعاً على الإطلاق، لأن حالة التبعية هذه تتناقض جوهرياً مع روح الفن .. والفن العظيم المؤثر لا يولد إلا إذا كان الفنان حراً، وكانت حريته هذه عميقة في داخله، بحيث لا يشعر أن أحداً يفرض عليه شيئاً أو يخيفه أو يؤذيه، فلحظة الإبداع الفني هي نفسها لحظة الحرية في داخل الفنان .. وإذا عجزت المجتمعات أو النظم السياسية عن فهم هذه الحقيقة فإن الفن يتدهور وينهار ويضيق أمامه الأفق إلى أبعد الحدود، أما الحضارات التي تقدر هذا المعنى الكبير، وهو أن الفن حرية داخلية عند الفنان، لا تحيط بها قيود أو مخاوف ومحاذير، فأن هذه الحضارات هي التي تنعم بالفن العظيم القادر وحده على التاثير في الإنسان .. ولقد فشلت كل المؤسسات التي حاولت أن تجعل من الفنان أداة تابعة في أن تخلق أدباً رفيعاً له قيمة حقيقية، وقد فشلت هذه المؤسسات في جميع أنحاء العالم، شرقاً وغرباً، سواء كانت هذه المؤسسات جمعيات رسمية أو منظمات سياسية أو أجهزة أمن. فالحرية واستقلال الفنان ثم انتماؤه الإختياري إلى ما يؤمن به من المواقف والقضايا والآراء .. تلك كلها شروط لا يولد بغيرها فن ولا يزدهر أدب أو ثقافة.
    **
    ونواصل رحلتنا بعد ذلك مع أحمد مطر وشعره السياسي، فالشاعر السياسي، إلى جانب قضيته الأساسية، لابد أن تكون له صلة قوية مع جمهور من الناس يخاطبهم ويكتب لهم، بينما نجد الشاعر الذي تشغله أمور الفكر أو الفلسفة أو الحالات النفسية المعقدة، لا يعبأ كثيراً بالجمهور الكبير، وقد لا يحزنه أو يؤذيه أن يرى جمهور شعره قليلاً محدوداً، بل ربما وجد في الجمهور المحدود ميزة وقيمة .. فهو شاعر صفوة " ونخبة وأقلية ذات فكر رفيع وثقافة عالية " .. وعندما نقارن بين شاعر مفكر مثل " إليوت " وشاعر سياسي محرض مثل " مايكوفسكي " نحس بالفرق.. فقد كان " إليوت " في قصائده الكبرى مثل قصيدته " الأرض الخراب " يتوجه إلى الصفوة، لذلك لم يكن يعنيه أو يؤلمه أن تكون دائرة قرائه محدودة وضيقة .. بينما كان " مايكوفسكي " يلقي شعره في الميادين العامة ، يستمع إليه الآلاف من الناس ويتجاوبون معه ومع قصائده بحرارة، ومن هنا كانت علاقة الشاعر السياسي بجمهوره الكبير الواسع أمراً يفرض عليه العناية الشديدة بما أشرنا إليه من الوضوح، فلا يمكن مخاطبة الآلاف من البشر عن طريق الصور الغامضة والأفكار المعقدة .. ومن ناحية أخرى فلا بد للشاعر السياسي مادام يضع في حسابه الجمهور الكبير وضرورة مخاطبته والتأثير عليه أن يستخدم " موسيقى شعرية " ظاهرة، لأن الإيقاع الحاد هو عنصر أساسي من عناصر التأثير في الشعر السياسي ذي الجمهور الواسع العريض .
    وهذه الملامح كلها متوافرة في شخصية أحمد مطر الشعرية . فبالإضافة إلى وضوح شعره فإنه يتميز بالموسيقى الحادة القوية والإهتمام بالقافية القاطعة العنيفة .. إن أحمد مطر لا يلقي شعره في الميادين العامة، ولكنه يفعل شيئاً مشابهاً، فكل أشعاره منشورة في الصفحة الأولى من جريدة صباحية يومية جنباً إلى جنب مع المقال السياسي وافتتاحية الجريدة التي تعلق فيها على الأحداث الجارية.
    وهذا نموذج آخر من شعر أحمد مطر، يكشف لنا إلى جانب النماذج السابقة، ما في هذا الشعر من وضوح وسلاسـة وسهولة وتركيز وموسيقى حادة ظاهرة، ففي قصيدته " قلـم " يقول أحمد مطر :
    جس الطبيب خافقـي
    وقال لي :
    هل هاهُنا الألـم ؟
    قلت له : نعم.
    فشقّ بالمشرط جيب معطفي
    وأخرج القلم !
    هـزّ الطبيبُ رأسهُ .. ومال وابتسم
    وقال لي :
    ليس سوى قلم
    فقلتُ : لا يا سيـدي
    هذا يـدٌ .. وفـم
    رصاصـةٌ .. ودم
    وتهمـةٌ سافرةٌ ..تمشي بلا قـدمْ !
    فالقصيدة هنا واضحة، قصيرة، وشديدة التركيز .. موسيقاها يسيطر عليها الإيقاع العنيف والقافية الحادة، وهذه الخصائص كلها تسهل لهذا الشعر الإنتشار حتى لو تعرض للمصادرة، فمن السهل حفظ هذه القصيدة ونقلها من مكان إلى مكان عن طريق الرواية الشفوية.
    **
    نلتقي بعد ذلك بعنصر أخير هام في شعر أحمد مطر، ذلك هو العنصر الذي يجمع بين السخرية التي تشبه ما نسميه بالكوميديا السوداء، وبين الإدهاش ومفاجأة القارىء بالصور التي تصدمه فتوقظ عقله ووجدانه، وهو يعتمد في ذلك كله على كشف التناقض بين ما هو واقع وبين ما هو قائم في النفس والعقل، فالكرامة عندنا - كما هو مألوف - مقدسة ونبيلة، ولكن الشاعر، يصدمنا ويدهشنا ويجرحنا ويفاجئنا في قصيدته " طبيعة صامتـة " :
    في مقلب القمامـه
    رأيتُ جثـة لها ملامـحُ الأعراب
    تجمعت من حولها " النسور" و " الدِباب"
    وفوقها علامـه
    تقولُ : هذي جيفـةٌ
    كانت تسمى سابقاً .. كرامـه !
    وفي قصيدة أخرى يقول بنفس الأسلوب والتركيز :
    لقد شيّعتُ فاتنـةً
    تسمّى في بلاد العُربِ تخريباً
    وإرهابـاً
    وطعنـاً في القوانين الإلهيـه
    ولكن اسمها
    واللـه
    لكن اسمها في الأصل .. حريه !
    إن أحمد مطر شاعر جديد يلفت الأنظارَ حقـاً، وهو مليء بالغضب الساطع الصادق ضد ما يعانيه الإنسان العربي من قهر وظروف قاسية، فأحمد مطر هو ثمرة الوضع الذي جاع فيه العربي في المخيمات الفلسطينية حتى أكل لحم القطط والكلاب، وأوشك أن يأكل لحم أخيه ميتاً، والشاعر هو ثمرة الإغتيالات التي يتعرض لها المثقفون والمفكرون وأصحاب الراي، منذ أن قتل الفنان غسان كنفاني في انفجار سيارته التي كان يقودها في الطريق إلى عمله، إلى أن قتل الناقد الباحث حسين مروة وهو في السابعة والسبعين من عمره بين أولاده وزوجته، عندما دخل القاتل عليه بيته وأطلق الرصاص على صدره وأهل البيت ينظرون في ذهول إلى ما يجري أمامهم .. .. .. وهو ثمرة هذا العصر الذي يموت فيه الآلاف من العرب - بسبب الجفاف - بحثاً عن قطرة ماء يشربها الظمآن ، وطلباً لقطعة خبز يأكلها الجائع.
    إنه شاعر مأساة حقيقية .. وهو يصرخ بشعره في البرية .. طلباً للكرامة والحرية .. ولعل شعره الصادق الصارخ يكون إنذاراً بوضع حد للمأساة التي يعيشها الإنسان العربي.
    وبعد .. فإن ديوان لافتات لأحمد مطر لم يدخل سوى عاصمتين عربيتين فقط من بين اثنتين وعشرين عاصمة، فقد طبعته الكويت وسمحت له القاهرة بالدخول .. ويوم أن يتاح لمثل هذا الشعر أن يدخل كل العواصم العربية فسوف يكون ذلك إشارة إلى أن عصراً عربياً جديداً قد بدأ .

    * مجلـة المصـور - القاهرة- 17-4- 1987


    شاعر النحــرين!

    شاعر النهرين, هذا هو الوسام الذي تقلده ؛الاتجاه الآخر« للشاعر العراقي الكبير أحمد مطر الذي دأبت على نشر روائعه في صفحاتها الثقافية أو في صفحتها الأخيرة, وشاعر النهرين ليس احتفاء بالمكان وحسب, بل احتفاء بالزمن المنساب مع قطرات دجلة والفرات منذ أن خطهما جناحا ميكائيل كما تقول الأسطورة حتى بصرة أحمد مطر التي هي بصرة السياب حيث يتعانق النهران في قرنتها, حريصان على مغادرة العراق جسدا واحدا , نهرا واحدا , شطا واحدا , لا نهرين..
    شاعر النهرين هذا, قادم من زمن سحيق, وربما قادم من زمن آت, لا فرق, فهو خارج السفر, يفوح بعبق السومريين والأكاديين والبابليين, على ياقته أبيات مسروقة من ملحمة ؛هو الذي رأى« وعلى جبينه وشم لا يفك طلاسمه سوى شيوخ أدد, إذ أنه نسخ للوح الرابع من مسلة حمورابي, في هجائه مرارة المتنبي وفي عينيه بريق طرفة بن العبد, تحت إبطيه أسى ابن زريق البغدادي وبين ضلوعه سقم السياب ولوعة البياتي, بين كلماته عنفوان الجواهري وعلى شفتيه بذاءات حسين مردان المحببة وعلى عروة جاكيته وردة عبد الأمير الحصيري التي جرفها دجلة ذات مساء مع آخر القصائد التي لم يتمكن الشعراء الخصيان من سرقتها.
    شاعر النهرين هذا, تكثيف لعفوية فدعة ونشيج النواب وعذوبة رشدي العامل وخجل سعدي يوسف, انكفاء بلند الحيدري وضجيج نصيف ؛خابصها« وحيرة رباح نوري, تردد زاهر الجيزاني, ومعرفية صادق الصائغ وأناقة هاشم شفيق اللغوية, تمثيلا لأكاذيب سلام كاظم الملوثة بأغلى عطور النساء وهروب عبد الحميد الصائح نحو الناصرية وبحث محمد مظلوم عن هزائم وهمية وارتداء كمال سبتي لجبة الصعاليك الفضفاضة.
    شاعر النهرين هذا, إشراف على تعاويذ عبد الخالق كيطان المباعة في سوق البياتي وجنون عامر عبد الأمير الذي خلفته أمل الجبوري في رأسه الصغيرة وتركتهما معا في باب منتدى الأدباء الشباب عند الطالبية لتنعم هي بجنون آخر في عاصمة الرايخ.
    هذا هو شاعر النهرين إذا لم أنس سلمان داود محمد وعقيل علي ووسام هاشم ومحمد تركي نصار وسعد جاسم وناجي إبراهيم وحتى آخر الشعراء الذين يشوون قصائدهم على حرارة أجهزة الرونيو في مكاتب الاستنساخ عند الباب المعظم, لأنه كما قلنا شاعر من زمن ماض أو شاعر من زمن قادم, فهو شاعر.. خارج الزمن.. وهنا.. يبحر الشاعرالكبير مع قرائه عبر الانترنت نحو ضفاف لم تصلها هكذا علاقة من قبل, ومن حوارات أربعة تمت عبر مواقع الكترونية, تقدم ؛الاتجاه الآخر« الحوار - المكاشفة بين أحمد مطر وقرائه وهم يتجاذبون أطراف الغربة والخوف.


    *موقع اتجاهات ثقافية

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2002
    المكان
    الرياض - السعودية
    الردود
    835
    أحب قراءة أشعاره ففيها فضح لطغيان الطغاة العرب

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة أولاد الجزيرة عرض المشاركة
    أحب قراءة أشعاره ففيها فضح لطغيان الطغاة العرب



    شكرا لكَ

    وسترى قصائده جميعها ان شاء الله

    واعتذر جدا عن اهمالي للموضوع من فترة الى اخرى لأني الآن ادرس البكالوريا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    الحوارات:



    الشاعر أحمد مطر لـ" العالـم" :
    قصيدتي هي " لافتـة " تحمل صوت التمرد

    أجرى الحوار : عبدالرحيم حسن
    في الثلاثينات من عمره، متوقـد في غضبه، صـادق في حزنـه، جريء في صوته، ممتلىء بشموخ النخـل العراقي الأصيـل، مطارد من السلطات في كل مكان. ذلك هو الشاعر البصـري أحمـد مطـر.
    وبمناسبـة صـدور الجزء الثاني من ديوانـه "لافتــات" وإعادة طبع ديوانه الأول الذي يحمل نفس العنوان، التقتـه "العالـم" وأجرت معـه هـذا الحـوار.



    * أحمد مطر صوت صاعد في سماء الشعر العربي. هل لكم أن تعرفوا القراء الكرام بالبدايات والمؤثرات التي أثرت في نشأتكم شاعراً ؟
    - معظم ما كتبته في بداياتي صار من الممتلكات الخاصة بالنسيان، بل إن كثيراً من الشعر الذي كتبته بعد ذلك، ضاع مني بصورة أو بأخرى. لكن يمكنني القول بأن قصائدي الأولى لم تخرج عن نطاق الغزل، وذلك أمر طبيعي بالنسبة لصبي أدرك منذ أدرك أن الشعر لا يعني سوى الوجد والهيام والدموع والأرق ،وهو مفهوم شائع بين الناس، تشبعنا به منذ الطفولة. إضافة إلى أن الحب نفسه هو دافع قوي، بأية حال، على توجيه قصائد جميع الشعراء في بداياتهم، باعتباره القضية الأولى التي يكتشفونها في هذا العالم بسهولة وشغف. على أن نماذج البداية لم تكن جميعها مما يستوقف سامعاً أو قارئاً، نظراً لضحالة المخزون اللغوي والفني، لدى الصبي الذي تنطح لهذا الفن أولاً ولفقر التجربة ثانياً، رغم ما يحمله من عاطفة بكر متوثبة. فالعاطفة وحدها لا تصنع شعراً جيداً . وأنا هنا لا أعتقد أن من التواضع بمكان، أن يقف أحمد مطر، الذي تجاوز الثلاثين لينقد شعر أحمد مطر الذي كان يحبو على الرابعة عشرة، ففي ذلك ظلم كبير كبير، خاصة أن أحمد مطر الصغير كان قد ركب المغامرة بإصرار،واستطاع أن ينجح في أكثر من قصيدة.
    أما الحديث عن المؤثرات فهو واسع ومتشعب، وإذا كنت استطيع الإلمام بجوانب من مظاهره - كما أراها - فإن جوانب كثيرة وعميقة ستظل خافية علي، ذلك لأن النصوص أو الأشخاص أو الأشياء بعامة، تترك آثارها الخفية في أعماق المرء، وبالنسبة للمبدع ، فإنها تتبدى من خلال أعماله الإبداعية بأشكال وصور تكاد تكون غريبة على الأصل. وتلك المؤثرات تترافق مع بداياتي ، وأستطيع أن ألم بجوانبها الظاهرة لي كما أسلفت. من ذلك أنني ولدت في قرية التنومة وسط غابات النخيل بشط العرب وقضيت فيها معظم طفولتي. ولك أن تتخيل ما يمكن أن توقعه مثل هذه البيئة من أثر في نفس الإنسان، وما يمكن أن تثيره من عواصف في نفس مؤهلة للشعر: قرية تنضح بساطة، ورقة، وطيبة، وفقراً، مطرزة بالأنهار والجداول وبيوت الطين والقصب، والبساتين، وأشجار النخيل التي لا تكتفي بالإحاطة بالقرية، بل تقتحم بيوتها، وتدلي سعفها الأخضر واليابس ظلالاً ومراوح. كل ذلك بعبارة موجزة: قصيدة فطرية عظيمة، فياضة بالبراءة والمرح والأحزان الشفيفة. في مزيج غريب وليس بغريب، فإذا أضفت إلى هذا الحزن العراقي الأزلي، فإنك ستدهش جداً -ولك الحق- إذا استنطقت حجراً شعراً، فلم ينطق.
    في مرحلة الصبا، أدرت ظهري مرغماً لتلك البيئة، لكنني لم أبتعد عنها كثيراً، وهي أيضاً لم تبتعد عني، فقد ظلت أعشاب "بستان صفية" تندلع قائمة في قلبي، وأمواج "نهر الشعيبي" تصطفق مجنونة في روحي، والوحشة العذبة الساكنة في غابات نخيل "كردلان" تبسط ظلها على أحاسيسي. ذلك أثر البيئة الطبيعية، وهو خليق بأن يجعلني أمتطي جواد الرومانسية، وأهيم في براري الأحلام، وهو ما كان فعلاً في البدايات وما تلاها.
    وكان يمكن أن أواصل على هذا النهج، لكنني ألقيت بنفسي مبكراً في دائرة النار، عندما تكشفت لي خفايا الصراع بين السلطة والشعب، ولم تطاوعني نفسي على الصمت أولاً، وعلى ارتداء ثياب العرس في المأتم ثانياً. فجذبت عنان جوادي ناحية ميدان الغضب، ومنذ ذلك الحين :
    كيسٌ من الجلدِ أنا
    فيه عظامٌ ونَكَدْ
    فوهتهُ شُدت بحبلٍ من مَسـَدْ
    معلقٌ بين السماءِ والثرى
    في بلدٍ أغفو
    وأصحو في بلـدْ !‍
    * تقف قصيدتكم بين الموقف السياسي، المقال الصحفي، أو صوت الشاعر المتمرد. كيف انتهيتم إلى هذه الصياغة الشعرية؟ ولماذا اخترتم شكل اللافتة؟ وهل كان لاشتغالكم في الصحافة دور في ذلك؟
    -قصيدتي هي "لافتة" تحمل صوت التمرد، وتحدد موقفها السياسي بغير مواربة، وهي بذلك عمل إنساني يصطبغ بالضجة والثبات على المبدأ، وعليه فإنني لا أهتم بصورة هذه المظاهرة وكيف تبدو بقدر اهتمامي بجدية الأثر الذي تتركه، والنتائج التي تحققها. أما كيف انتهيت إلى هذه الصياغة، فينبغي أن أذكر أنني ابتدأت أولاً بالقصيدة العمودية، من حيث الشكل، ودخلت المعترك السياسي من حيث المضمون، من خلال مشاركتي في الإحتفالات العامة بإلقاء قصائدي من على المنصة ، الأمر الذي يقتضي الإطالة وشحن القصيدة بقوة عالية من التحريض. وتلك الإطالة، كانت تتطلب ، بالطبع، الإنتقال من موضوع إلى آخر،من خلال محور عام واسع هو موقف المواطن مما يعيشه إزاء سلطة لا تتركه ليعيش. إذ ليس من المعقول أن يكتب الشاعر موضوعاً واحداً بتلقائية وعفوية خلال أكثر من مائة بيت.
    وهذه الحالة كانت بالنسبة لي عبئاً ثقيلاً، برغم ما تثيره تلك الإطالة من انفعال الناس وحماسهم وتصفيقهم. فعزمت على أخذ نفسي بالشدة ، بحيث لا أتعدى في القصيدة موضوعاً واحداً، وإن جاءت القصيدة كلها في بيت واحد، وذلك لكي أخدمه جيداً من ناحية الصياغة، ولكي أشحنه بكل ما لدي من طاقة فنية ، تجعله سريع الوصول، سريع التأثير، دائم الحضور في الأذهان . وترافق هذا المسعى لدي مع تحولي إلى قصيدة التفعيلة .. لكنني لم أفرط في كنوز القصيدة العمودية، بل حملتها معي، وأعني بذلك القافية واتساق النفس الشعري ، وسلامة الميزان، كما لم أتحلل من انتقاء اللفظة السهلة الدالة، والإبتعاد، ما أمكنني، عن الإلفاظ الصعبة الغريبة، والتعبير الغامض. ولا أعتقد أن هذا كان بسبب اشتغالي في الصحافة، فقد بدأ قبل ذلك، لكن يمكن القول بأن عملي في الصحافة قد أعطى هذه الصياغة ثباتاً واستقراراً، ومهّد لها أرضية صالحة للنمو.
    وأعتقد أن هذه المواصفات التي تحملها قصيدتي، هي بصورة ما، نفس مواصفات "اللافتة" التي يحملها المتظاهرون، من حيث الإيجاز والسهولة والموقف المحدد والحاد، والهدف التحريضي. لكنها عندي تتخذ رداءها الفني.
    * اللافتة التي تحسنون كتابتها شعرياً .. هل هي نموذج مفرد بنفسه، أم أن لها جذوراً في الشعر العربي؟
    - لا أدري على وجه التحقيق، وإن كان بعض النقاد قد ذهب إلى أنها نموذج مفرد. الذي أعرفه أن في الشعر العربي العمودي قديمه وجديده، قصائد جاءت من بيت واحد، أو ثنائيات أو ثلاثيات أو رباعيات .. إلى غير ذلك. لكن قصائد البيت الواحد أو ما يسمى بالبيت اليتيم، هي قصائد قليلة، ولم تكن مبنية على أساس تصميم مسبق، بل أن شاعراً ما ، يبتدىء قصيدة فلا يطاوعه النظم بعد مطلعها، أو يرى أنه قد أفرغ كل ما لديه في ذلك البيت، بحيث لا يستطيع أن يضيف إليه شيئاً، فيتركه وحيداً. أما الرباعيات وما شاكلها، فهي تبنى على أساس هندسي واحد، يكون عرضة لزوائد الحشو، وربما جاء أكثر من رباعية للتعبير عن موضوع واحد متصل.
    وبالنسبة لشعر التفعيلة، فإن الإختزال أمر وارد لدى كثير من الشعراء، لكنه ، غالباً، لا يختص بقصيدة تبدو قصيرة جداً ومتكاملة، بل بمقاطع قصيدة طويلة. وهذا ما أفعله أنا أيضاً في بعض الأحيان، لكنني أترك مجالاً لجعل كل مقطع قصيدة قائمة بذاتها. وبعبارة أخرى، تشبه قصيدتي ذات المقاطع ديواناً صغيراً. كما أنني في جميع قصائدي أمارس الإختزال، مما يجعل هذا صفة شبه ثابتة، لا عملاً يجيء بالصدفة، فلدي قصائد كثيرة لا تستغرق الواحدة منها أكثر من تسع أو عشر كلمات.
    * من الملاحظ أن الصورة لديكم مكثفة وتهكمية وشديدة الإتصال بالكاريكاتير. ما هي دوافع تركيزكم على هذه الصياغة ؟
    - سبق أن تحدثت عن التكثيف أو الإختزال في قصيدتي، وقدمت مسوغاته. أما عن كونها تتسم أيضاً بالتهكمية والقرب من أسلوب الرسم الكاريكاتيري، فأقول أنني بطبيعتي ساخر، والذين يعرفونني يعرفون أن السخرية من طبيعتي حتى في المواقف الدامية. لا أدري لماذا ؟ هل السخرية نوع من الدفاع عن النفس ؟ ربما يستطيع المختصون بعلم النفس أن يحللوا هذا الأمر أفضل مما أستطيع، لكنني من خلال مطالعاتي ومعايشتي لشرائح من المجتمع، وجدت أن من يحسنون السخرية والإضحاك هم أكثر الناس امتلاء بالأحزان. أنا بالطبع لا أرمي إلى إضحاك الناس، بل أكتب على سجيتي من خلال مخزون كلي، فأستعرض شر بليتنا، وشر البلية ما يضحك أحياناً، لكنه ضحك مر، لأن النكتة مرة سوداء، فهو ضحك من شدة البكاء.
    ولعل هذه الصفة قد عبرت إلى شعري بطريق موهبة أخرى، هي الرسم الكاريكاتيري، الذي مارسته منذ سنين في الصحافة.صحيح أنني تركته، لكنه كما يبدو أقوى من أن يتلاشى، فهو يختبىء في أعماقي، وكلما انفتح باب الشعر، مد رأسه إلى الخارج ليثبت وجوده.
    لماذا لم تسألني عن أثر القصة القصيرة في قصيدتي؟ ألا ترى شروطها قائمة في معظم قصائدي من بداية ووسط ونهاية ؟ ذلك أيضاً صدى تجربتي في كتابة القصة منذ سنين، والتي سرحتها بإحسان، لكنها بقيت مستقرة في نفسي.
    * سبق أن أصدرتم ديواناً بعنوان "لافتات" ولكن الملاحظ أنكم مازلتم تكتبون المزيد من اللافتات. هل ستستمر في هذا الشكل؟ وهل في النية إصدار ديوان جديد؟
    - نعم سأستمر .. لأن المظاهرة لم تزل مستمرة. وعندما تستطيع هذه المظاهرة أن تسهم في إسقاط الطواغيت، فإنني سأعود إلى البيت لأستريح .. وأهنأ بالأمان والطمأنينة. وفي ظل الأمان والحياة الكريمة، ستتغير أشياء كثيرة منها طبيعة شعري، فقد أتفرغ لأغني على "ليلاي" وأفيض بوجدانياتي الثرة المخبوءة. وقد يخرج طاغوت جديد من تحت الأنقاض، فأعود مجدداً لأخرج في مظاهرة لإسقاطه. من يدري ؟!
    أما الديوان الجديد .. فقد صدر منذ أيام، كما صدرت الطبعة الثانية من الديوان الأول. الديوان الجديد "لافتات2" أكبرحجماً من الأول ويضم قصائد أكثر، كما أنه أكثر حدة من الأول، ولا أعتقد أن بلداً عربياً سيسمح بدخوله أو تداوله، مثلما حصل للديوان الأول وأشدّ. في الديوان الأول دعوت القارىء إلى أن يسميه "حتفي" .. أما الديوان الثاني فيمكنه أن يسميه "وصيتي" !
    * قيل أن أعذب الشعر أكذبه. ما هو رأيكم بهذه المقولة؟ وما هي وظيفة الشعر في رأيكم؟
    - الناقد الذي قال قديماً إن " أعذب الشعر أكذبه " لم يكن يقصد بالطبع جانبه الأخلاقي أو الوطني أو المبدئي إطلاقاً، إنما قصد الجانب الفني الجمالي في الشعر، وهو بهذا لم يخطىء ، فكثير من موارد البلاغة هو كذب جميل، لكنه كذب وظيفته إيصال الحقائق بصور مدهشة وعذبة، لأن الحقائق مهما سمت، لا تصنع شعراً. أما إذا غدت تلك العبارة النقدية ذات النية الحسنة، عباءة فضفاضة يتلفع بها كل مدلس ومنافق ومتملق ومرتزق، فينبغي أن نصرخ ملء أفواهنا أن " أعذب الشعر أصدقه " لأن وصف حاكم ظالم بأنه عادل، أو وصف حكومة جائرة بأنها منصفة، وفق كل أساليب البلاغة الجميلة، هو أمر لاصلة له بالعذوبة لكنه ذو صلة بالعذاب. وذلك ما يحملنا على احتقار جماليات مثل تلك القصائد بسبب قباحات مواضيعها. فكما أن الصدق وحده بغير جمال ، لا يكفي لصناعة شعر جيد، كذلك لا يكفي الجمال وحده دون صدق، لصناعة شعر جيد. وربما يكون انحيازنا للصدق القبيح مسوغاً أكثر من انحيازنا للجمال الكاذب.
    بعبارة موجزة: قد تكون المرأة جميلة جداً وعفيفة جداً، وقد تكون غير ذات جمال لكنها عفيفة ، وقد تكون جميلة عاهرة.
    أنا مع الأولى والثانية .. لكنني، باية حال، لست مع الأخيرة.
    * ما رأيكم بعلاقة الشاعر بالسلطة؟ وما رأيكم بالشعراء العرب المعاصرين؟
    - الشاعر الذي لا يدرك أنه سلطة فوق كل سلطة، ولا يحيا أو يعمل وفق هذا الإدراك، عليه أن يتجه للإشتغال بأي مجال إلا الشعر. الشاعر ضمير الأمة والبوصلة الدقيقة الحساسة التي تشير إلى حقيقة الإتجاهات، مهما اختلفت الفصول وتغيرت الأنواء، ولا قانون يحكمه أصلاً إلا ما يحكم حركة مؤشر البوصلة من قوانين.
    وإذا وقع الخلاف بين الشاعر والسلطة، على هذا الأساس، فإن السلطة هي الخطأ، وإن الشاعر هو الحق. فلا يمكن أن توضع الأمة في كفة ميزان، والسلطة في كفته الأخرى، وتتوازن الكفتان. الأمة هي الأثقل دائماً، والشاعر هو الأمة. ومن نافلة القول أن أشير إلى أن الأمم تبقى دائماً، وإن السلطات تزول أو تتبدل. ويبدو لي أن معظم الشعراء العرب، قديماً وحديثاً، لم يدرك حقيقة موضعه، وإذا أدركها فإنه يجبن عن إعلانها أو ممارستها. والأغلبية من شعراء العرب المعاصرين، هي للأسف، تبالغ في الإنحناء للسلطة ، خوفاً أو تطوعاً. أما الأقلية، التي تكاد تعد على أصابع اليدين، فهي التي ترى أن على الحاكم أن ينحني لها إذا وقف أمامها أو مر بها. وأنا واحد من هذه الأقلية ‍!
    * برز شعراء ينتمون إلى المقاومة أو محسوبون عليها، ولكننا لاحظنا أن تجاوب الجمهور معهم كان محدوداً جداً، فكيف تفسرون ذلك؟ وهل أن القصيدة الملتزمة سياسياً تفقد جمهوراً كل يوم، أم تكسب هذا الجمهور ؟
    - الشاعر الذي ينتمي إلى حركة المقاومة في إطارها الوطني المطلق، لا يمكن إلا أن يكون صوتاً صادقاُ ومؤثراً. ومهما كان منطلقه الفكري، لا يمكن إلا أن يتجاوب الجمهور معه.
    أما إذا كنت تعني مجموعة أسماء صنعتها أحزاب أو دكاكين ثورية مقفلة، وجعلتها موظفة بساعات دوام معلومة، للوقوف في واجهات تلك الدكاكين الضيقة، كموديلات تعرض آخر صيحات أزياء الحزب أو الجماعة الثورية (القبيلة العصرية بتعبير أدق) فأنت محق في ملاحظتك، وتفسيري لذلك هو عين تفسيري لعلاقة الشاعر بالسلطة. فالشاعر ليس ناطقاً بلسان حال القبيلة. الشاعر ناطق بلسان حال أمته كلها، والإنسانية بأسرها. الشاعر ليس شرطياً لدى دولة ما. لكنه سحابة تروي العطاشى من كل لون وجنس ومذهب، وهو شمس تسطع على الدنيا كلها، سماء وبحراً وأرضاً. والقصيدة الملتزمة سياسياً وفق هذا المفهوم، تجد جمهورها دائماً .. الجمهور العام لا الخاص.
    وقلة تجاوب الجمهور مع من تسميهم شعراء مقاومة، سببه أن هؤلاء الشعراء هم صناعة إعلامية تقوم بها "القبائل العصرية" أكثر من كونهم صناعة موهبة.
    لذلك فأنت ترى أن هؤلاء مشهورون، لأن وسائل الإعلام كلها بيد القبائل. لكنهم يفضحون حقيقة هذه اللعبة، كلما التقوا بالجمهور. فوسائل الإعلام من شأنها أن تطلق شهرة امرىء ما، لكنها لا تستطيع، بكل ما أوتيت من قوة، أن تفرض على الجمهور أن يحبه أو يعجب به أو يتفاعل مع ما يقوله.
    وعلى هذا الأساس، تجد عدداً كبيراً من الشعراء السياسيين يعبرون إلى أذهان الناس بالطرق السرية، ويعيشون محبوبين بين الناس، في الوقت الذي تعلن وسائل الإعلام وفاتهم قبل مولدهم. كما تجد عدداً آخر من الشعراء يفترشون أنظار وأسماع الناس ليل نهار بواسطة وسائل الإعلام، لكنهم يظلون يراوحون في مواقعهم، فليس من السهل إطلاقاً أن يدخلوا إلى القلوب.
    * نلاحظ أن الوسط الثقافي حصر على أسماء معينة. فكيف تم لكم اختراق حالة الهيمنة التي تفرضها بعض الأسماء في الشعر وغيره؟ وهل تعانون من هذه الظاهرة؟
    - وهذا السؤال أيضاً مرتبط عضوياً بالسؤال السابق. فإن ما يحكم الوسط الثقافي اليوم هو صورة أخرى مما يحكم أنظمة الحكم أو الأحزاب، مرة بشكل مباشر مرتبط بنظام الحكم القادر على بذل الأموال الطائلة على الدعاية والإعلان لمن يعمل عبداً متأنقاً لديه، أو يعمل "برغياً" في آلته. ومرة بشكل غير مباشر، وذلك على هيئة "مافيا" إعلامية تضم أفراداً متفرقين موزعين على مختلف البلدان وعلى مختلف الوسائل، ولكنهم موحدون في نطاق قوانين "العصابة" بدوافع اتفاق فكري أو حزبي أو تجاري.
    وعندي أن خطر هؤلاء أشد من خطر الأنظمة، لأن الأنظمة تقتل بوضوح وضجة كالطاعون، بينما هؤلاء يقتلون بشكل سري وصامت .. كالإيدز.
    لكن هناك عناصر شريفة -تشكل أقلية- لا تزال تحفر هذا الجدار بالإبر، وتكتب بدافع من ضمائرها المجردة من الحَوَل النقدي أو الإنحياز أو المحاباة. وفي ذلك بعض العزاء. ولا أعتقد أنني اخترقت حالة الهيمنة هذه، بل إنني بنيت لي كوخاً مجاوراً لقصرها. وهي مازالت تبالغ في بهرج القصر وزينته وصقل زجاجه وتلوين أضوائه .. أما أنا فلا أزال أقف على باب الكوخ أقدم الماء والطعام والدفء والقوة للسابلة. لا أرى أنني أعاني كثيراُ من هذه الظاهرة بل أجزم أنها هي التي تعاني مني. فماذا تعني سعة القصر وأضواؤه وألوانه، مادام الناس لا يرتوون ولا يطعمون ولا يستدفئون إلا في كوخي ؟!
    * كيف تقيمون الواقع السياسي العربي والإسلامي والعالمي؟
    - الواقع السياسي العربي .. ملعب أمريكي يلعب فيه اثنان وعشرون لاعباً، فريق منهم في الجهة الشرقية وفريق في الجهة الغربية. يختلفون ويتناحرون على متابعة الكرة، لكنهم جميعاً يتفقون على قاعدة لعب واحدة.والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، في هذا المرمى أو ذاك هي كلها في النتيجة لا تخرج عن نطاق الملعب.
    أما الواقع السياسي الإسلامي فهو محكمة تضع القرآن في قفص الإتهام وتطلب منه أن يقسم على القرآن أن يقول الحق ولا شيء غير الحق!
    أما الواقع السياسي العالمي فهو مسرح يعرض نصاً مؤلفته ومخرجته وممثلته .. أمريكا.
    والجمهور في المواقع الثلاثة مربوط إلى الكراسي بالقوة .. ممنوع عليه التدخين أو المشاركة أو الإحتجاج.ومسموح له فقط بأن يصفق أو يطبل أو يقول "يحيا العدل" !
    * ما هي نصائحك إلى : القراء؟ السلطات العربية والإسلامية؟ الشعراء العرب؟ الإعلاميين في المنطقة؟
    - للقراء أٌقول : لاتكونوا عبيداً وقد خلقكم الله أحراراً. وإذا لم تسهم الكلمة التي تقرأونها في إنماء وعيكم واستثارة غضبكم لتغيير هذا الواقع السياسي الشاذ بأيديكم أو ألسنتكم - وذلك أضعف الإيمان - فلا تقرأوا .
    وللشعراء العرب أقول ما قاله الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري :
    إن الملوك بلاءٌ حيثما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهـم ظلُّ
    ماذا تؤملُ من قومٍ إذا غضبوا ... جاروا عليك، وإن أرضيتهم ملّوا
    فاستغنِ باللهِ عن أبوابهم أبداً ... إن الوقوف على أبوابهم ذلُّ
    وللإعلاميين أقول : إحذروا أن تعبثوا بالحقائق، واحذروا بلع أطراف الحروف، فالكلمة حساسة جداً، يمكن تحويلها بلمسة بسيطة غير مسؤولة، من أداة إحياء إلى أداة قتل. إن عبثاً هيناً بكلمة "إعلام" يحولها ببساطة إلى "إعدام".
    إحذروا أن تطعموا أطفالكم من أجور كلمة تقتل ملايين الأطفال!
    وللسلطات العربية والإسلامية لا أدري ماذا أقول ! قصائدي هي نصائح لها لو كانت تدرك النصيحة. لكنها تكافئني عليها بالنفي والمطاردة.
    إنها لم تستمع إلى نصيحة الله. فهل تستمع إلى نصيحتي ؟!

    مجلـة(العالم)- لنـدن ، العـدد 185 - 29-8-1987



  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    الشاعر أحمد مطر لـ" الحـدث" :
    لندن ليست أكبر مني .. ومباهجها
    ليست أكثر من آلامي
    !



    كتب علي المسعودي:
    1
    إذا كان "بدر شاكر السياب" قد مزق جسد القصيدة، وشكله من جديد، فإن "أحمد مطر" مزق خريطتها، ونقلها من شرفات العشاق وحدائق المحبين وشواطىء المشتاقين، إلى السجون والمعتقلات وأقبية الظلام، وجعلها تشاهد وتشهد على عذاب المُعَذَبين .. ولؤم المعذِبين.
    كانت القصيدة العربية، طوال ما مضى من زمن، أداة تطريب ولهو ومرح، حتى جاء "أحمد مطر" ليجعلها بياناً ثورياً، وصفعة تفاجىء وجه النائم .. وتدير وجوه الطغاة.
    وقد اعتادت القصيدة العربية، طوال ما مضى، أن تدخل قصور الأغنياء مطأطئة الرأس، خاضعة، خاشعة، مادحة .. حتى جاء "أحمد مطر" وحولها إلى سكين في الخاصرة .. وطلقة مفاجئة تعكر انتباه حرس الجبابرة.
    2
    بقدر ما تأثر جيل الكتاب الأخير (من الشعراء وغيرهم) بمن سبقهم .. بقدر ما حاولوا نفيهم وإلغاءهم.
    إنك عندما تقول لي مثلاً: إن أسلوب أحمد مطر ماثل في كتاباتك، أنتفض وأحاول بمضي الوقت إلغاء "التهمة" بإلغاء صاحبها.
    كثيرون الذين يفعلون ذلك.
    المتأثرون بأدونيس، مثلاً، هم أكثر الناس شتماً له.
    والذين حاولوا أن يكونوا "نزار قباني" وفشلوا .. كرهوه بأقصى قدرتهم .. والذين مشوا فوق خطوات المتنبي، لم يحاولوا إخفاء آثاره فحسب، بل سعوا إلى نفيه بذاته، وتحويله إلى كذبة لا أكثر.
    من هنا تبدأ العلاقة الشائكة بيننا وبين أدبائنا. هل من حقنا أن نجابههم بما يستفز من الأسئلة؟
    لا أخفي أنني بعد إجابات أحمد مطر، أحزنني ما سألت، ووجدت أنني تماديت كثيراً في محاولة النيل وتجريح ما كتب.
    هذه من متطلبات العمل الصحفي "ربما" .. ولكن هل هي من متطلبات الأديب؟
    3
    منذ عامين وأنا في حالة بحث عن "أحمد مطر". أعرف أنه في "لندن" .. ولكن أين؟
    كلفت أحد الأصدقاء القاطنين هناك .. أن يبحث لي عن رقم هاتفه. وبعد شهر، نقله إليّ. ولكن في تلك الفترة كان الهاتف تغير .. وربما السكن.
    ركزت الأسئلة على مسيرة شاعر قال يوماً " كشفت صدري دفتراً .. وفوقه .. كتبت هذا الشعر بالسيفِ".
    عن مسيرة شاعر أسس لمناخ جديد في القصيدة العربية، وجمع بين صلافة الكلمة وصلابتها .. برقة الإحساس الدامي.
    عن مسيرة شاعر أصبحت "لافتاته" رايات تنغرز في صدور الجيل العربي الشاب من الماء إلى الماء .. الجيل الذي يحلم بأرض لا تأكل أبناءها، وبمهجرين يعودون إلى أوطانهم حاملين آمالهم .. لا محمولين في التوابيت.
    إن شاعراً قادراً على اختزال كل الحزن وهذه المأساة في مقطع شعري محبوك بطريقة تصويرية هائلة .. لابد أن تكون مستعداً بما يكفي لكي تجابهه بأسئلتك.
    وأحمد مطر، الخارج من الكويت، مازال فيها. مازال طلبة الجامعة الذين كانوا يحملون لافتاته، من أبناء "الوسط الديموقراطي" .. وحتى "الإئتلافية"، يتذكرون أنه كان صوتهم المنادي بالحرية.
    وزملاؤه في "القبس" مازالوا يحتضنون ذكراه .. "سعدية مفرح" تقول، والزهو يفر من عينيها: هذا المكتب الذي أجلس إليه الآن هو مكتب "أحمد مطر".
    قبل أيام جاءني أحد الأصدقاء العائدين من لندن واعطاني هاتف أحمد مطر، فشرعت في تنفيذ ما كان مؤجلاً فوق لائحة الإنتظار الذي طال.
    أخي "ماضي" قرأ الأسئلة .. وتولى مهمة محادثة الشاعر في بلاد الضباب (ترى ماذا يرى مطر في الضباب؟)
    ماضي كسب صداقة الشاعر .. وكسبت أنا فكره المحمول بين الإجابات.
    4
    يقول أحمد مطر في إحدى إجاباته :"قارئي هو حبيبي وسندي وقرة عيني .. هو خط دفاعي الأول والأخير، والسد العالي الذي يعصمني من الطوفان. وإنني إلى هذا السد المنيع أسند ظهري باطمئنان .."
    ولم أسأله عن حقيقة إيمانه بهذا القول .. أو مدى تفاؤله بواقع يصدّق هذه القناعة..
    ولي أن أتساءل : متى كان القارىء سنداً للكاتب .. ومتى كان الجمهور خط دفاع أول عن نفسه، حتى يكون خط دفاع عن غيره ؟!
    أترككم مع أحمـد مطر ...




    * دعنا نترك أشياء كثيرة تحتاج إلى مقدمات .. وندخل عبر سؤال مراوغ مثل هذا :
    "مطر .. مطر .. مطر
    أي حزن يبعث المطر؟"
    الفقر ، والسياب، والحزن، وأحمد مطر ..أي علاقة بين ذلك كله؟
    - أما جوابي فلن يكون مراوغاً .. وأبتدىء فأقول إن البيتين المذكورين هما من مقطعين مختلفين .. وأنت جمعتهما إمعاناً في تكرار "مطر" لتقول، ضمناً، إن "مطر" يبعث الحزن.
    حسناً .. ألم يقل الشاعر في ختام مقطعه : " كالحب ، كالأطفال، كالموتى هو المطر "؟
    المطر ،إذن، يبعث أشياء كثيرة غير الحزن، خذ مثلاً أن كلمة "مطر" لم ترد في القرآن الكريم إلا تعبيراً عن "الغضب" .. لكنها تصبح "غيثاً" في مواضع الرحمة، وتصبح "ودقاً " أو " سحاباً" أو " ماء " إذا مس الأرض الهامدة اهتزت وربت.
    إعطني مثل هذه الأرض الخصبة الحبلى ببذور النماء، أُعطك غيثاً .. واعطني سنبلة لا تنحني إذا لم تكن مثقلة ببذور الثورة، وخذ مني الرضا كله.
    أما العلاقة بين من وما ذكرت فهي أن الفقر استفرد بالسياب، وان السياب استنجد بالحزن، وان الحزن استحثه على الغضب، وان الغضب احتاج إلى سلاح .. فلم يكن أمام شاعر أصيل إلا أن يشهر "أنشودة المطر".
    وأحمد مطر هو قرين هذا الميت جوعاً وتشرداً وقهراً في بلد هو من أغنى بلدان العالم .. فكلاهما نشأ في البصرة وكلاهما فر إلى الكويت، وكلاهما مر بلندن .. الفارق هو أنني قد أجد أكثر من عذر للسياب في تحولاته وانكساراته، لكنني لن أغفر لنفسي أبداً، إذا ألقيت "لافتتي" وأوقفت مظاهرتي، قبل أن أرى بكل جلاء أن خاتمة "أنشودة المطر" قد تحققت فعلاً. سوف لن أهدأ حتى يهطل المطر.
    * " عباس وراء المتراس
    يقظ منتبه حساس .."
    برغم أنهم دمروا كل شيء وراءه وهو "يقظ، منتبه، حساس ". كان ذلك سابقاً. الآن أيضاً دمروا كل شيء .. ولكن هو .. أما زال يقظاً منتبهاً، حساساً"؟
    - عباس الذي في بالك كان نعمة.. كان لديه، على الأقل، متراس وسيف وبرقية تهديد.
    سقى الله أيامه .. لو كنت أستطيع لأرسلت إليه سيفاً جديداً حتى يتسلى بتلميعه في وقت فراغه الطويل .. ألم تسمع أن "العبابسة" أقالوه من وظيفته ؟ .. قالوا إنه محافظ متحجر، يظن أن القضية ستنتصر بمجرد اغتصاب زوجته، وقتل أولاده، واحتلال بيته .. هكذا دون أن يكلف خاطره حتى بالتفكير في نزع ثيابه وجلده .. فما بالك والقضية تتطلب منه أن ينبطح بأقصى ما يستطيع من ضبط النفس، حتى لا يقلق راحة اللص الراكب .. بل وعليه أن يحتاط للأمر، فيعطيه مقدماً .. "دعاء الركوب" !
    وها أنت ترى أنهم يعلمونه، اليوم، ما كان ينبغي له أن يفعل لكي يكون على مستوى القضية. وإنها لثورة حتى النصب !
    * نريد أن نهرب من الواقع إليك .. فنجد الواقع أرحم بكثير مما تكتب : كآبة، وحطام، وانسحاق مهول .. مخابرات، وتجسس، ومخافر بين الكلمة والأخرى في شعرك. دعني أقول لك أن السجن أهون من القراءة لك.
    - الواقع أرحم مما أكتب ؟! إذا كنتم ترون هذا فعلاً فلا تهربوا إلي .. مشكلتكم ليست من اختصاصي. أهربوا حالاً إلى طبيب العيون .. أنتم بحاجة إلى نظارات بعرض المغني بافاروتي وبطول الرئيس عبده ضيوف .
    الواقع زنزانة موصدة مكتظة بالدخان الأسود، وكل ما فعلته هو أنني وصفت هذا الواقع، ودعوت إلى الخروج منه، فما ذنبي إذا كان الوصف يزعج اختناقكم ؟ وما حيلتي إذا أمسيتم- لفرط التسمم - تعتقدون أن الدخان هو جزء من مسامات أجسامكم؟
    هاك قطرة واحدة من طوفان الواقع الأرحم : فتى هارب من الجيش، يحكم عليه بالإعدام، يفرض على أبيه أن يطلق عليه الرصاص، وأن يدفع ثمن الرصاصات، وأن يقيم حفلة بدل المأتم، وأن يرفع صوت آلة التسجيل بأغنية لأم كلثوم بدلاً من القرآن، ثواباً عن روح المرحوم.
    هل تظن أن أحداً، على مر التاريخ، حظي برؤية شيء كهذا في أسوأ الكوابيس؟ الشيطان نفسه، مهما بالغ في حك قرنيه، لا يمكنه أن يوسوس بمثل هذا الواقع الرحيم. فكيف يمكنني،أنا الإنسان الضعيف، أن أوسوس بواقع أسوأ منه ؟
    إن من يريد الهروب حقاُ، من هذا الواقع، ليس أمامه إلا كسر الباب مهما كانت العواقب .. ولا توجد طريقة أخرى إلا أن يهرب المرء دون أن يتحرك. والشخص الوحيد الذي يمكنه ذلك هو الحشاش.
    أما من يجد السجن أهون من القراءة لي، فهو واحد من اثنين : أما أنه لا يعرف السجن، أو أنه لا يعرف القراءة.
    * يقول قاسم حداد : " نترك النسيان يأخذنا على مهل .. لئلا نفقد السلوى ".
    أما أنت فتنسى النسيان، وتحب العيش في عالم كوارثي كئيب، حتى وأنت في لندن.
    لم ترقق أوروبا مفرداتك ، ولم تجمل قصائدك بخد ناعم، وقوام فارع، وصدر مغرور.
    أخبرنا بالله عليك .. إلى متى هذه الكآبة ؟
    - أما النسيان، على الإطلاق، فقد تركته لأهل الحداثة، إنهم يحتاجون إلى كثير منه لكي يجعلوا القارىء ينسى الشعر نهائياً. وأما " نسيان " قاسم حداد، فأغلب ظني أنه ليس النسيان الذي تعنيه، إذ لا أعتقد أن قاسم حداد ممن ينسون ذاكرتهم .
    وأما أنني أحب العيش في الكوارث، فهذا غير صحيح. أنا مرغم على هذا العيش .. إذا كنت تسميه عيشاً. وإذا كانت ثمة علاقة حب، فهي من طرف واحد، وهذا الطرف ليس أنا.
    تقول أن أوروبا لم ترقق مفرداتي .. وأود أن أسألك : كيف ترقق أوروبا مفردات الإنسان؟ تكويها على البخار .. أم تذوبها في "الإينـو"؟
    أعرف أن هناك كثيرين ما أن تطأ رؤوسهم حذاء لندن، حتى ينزعوا جلودهم مثل أكياس الرحلات، ويستبدلوا بقلوبهم مكعبات الثلج .. لكن من أنبأك أنني واحد منهم؟
    أنا، يا صديقي، رجل أحمل قضية أمتي في كل خلية مني. أنا وطن على هيئة إنسان. لندن ليست أكبر مني، ومباهجها ليست أكثر من آلامي.
    إذا لم تكن مفرداتي رقيقة، فلأن مشاعري رقيقة. إن حساسية مشاعري تطلب من الهواء أن يكون أقل صلابة .. فماذا تتوقع مني وأنا أستعرض عشرات الديناصورات المثـقلة بالألقاب؟
    ثم من قال لك إن الجمال لبس كعبه العالي ومضى ليستقر إلى الأبد على أرصفة "الماي فير"؟
    أليس جميلاً عنفوان الخيول البرية وهي تقتحم كبرياء الريح ؟
    أليس جميلاً ضرام التنور وهو يحتضن كف الجائع برغيف ساخن ؟
    أليس جميلاً حد المقصلة وهو يقطع رأس الجلاد؟
    إن النعل العتيق يبدو أجمل من الوردة، عندما يصفع وجه الطاغية الجبار. جمال المفردة لا تحمله المفردة.. جمالها يقرره موضعها في سياق الجملة. وقصائدي الطيبة لا تطلب أطنانامن المساحيق. إنها لا تتكلف . وجهها الطبيعي، على بساطته، أجمل. هي تعرف تحمير الخد، ومشق القامة، وشد الصدر، لكنها تعرف، أيضاً، شيئاً آخر له مفعول السحر، ما إن يمس الكلمة حتى يذوب الجمال على قدميها غراماً. هذا الشيء اسمه " الصدق "، وهو شيء من دونه ..يصبح الجمال قبيحاً.
    أتعرف لماذا لا يستعمله الكثيرون على رغم علمهم بروعة مفعوله؟ إنه مرتفع التكاليف جداً .. وعلى من يريد اقتناءه أن يكون أن يكون مستعداً لدفع آخر قطرة من دمه. إعلم، إذن، أن كآبتي هي جزء من هذه التكاليف .. وعليه فلا تسألني إلى متى هذه الكآبة .. وجه سؤالك إلى منظمة الدول المصدرة للضغط.
    * كدت تشكل مدرسة شعر خاصة بك، ولكنك أنهيت نفسك بالتكرار .. ومن ثم الغياب التام.
    "لافتات" تدور حول المعنى ذاته .. ولو اكتفيت بأول إصدارين، لكان ذلك كافياً بالنسبة إلى القارىء. إنك تقدم "حقنـاً" متماثلة ومتطابقة .. حتى أصبحت لدينا مناعة مما تكتب وعما تكتب .. متى تغير أو تتغير ؟
    - على رسلك.. أنتم لستم فايروسات زكام لكي تكتسبوا مناعة من "الحقن".
    إسمع .. إنني عندما شرعت في الكتابة، لم أضع في ذهني أية خطة لإنشاء مدرسة في الشعر.. ولا حتى "حضانة". كانت عندي صرخة أردت أن أطلقها، وكلمة حق أردت أن أغرزها في خاصرة الباطل .. وقد فعلت.
    قال النقاد والباحثون الجامعيون إن شعري "قد" شكل مدرسة، وأنت تقول إنه "كاد" يشكل، وأنا في كل الأحوال لا يسعدني حرف التحقيق، ولا يحزنني فعل المقاربة. ثلاثة أشياء، فقط، كانت تلح علي في هذا السبيل : هي أن ألتزم قضية الإنسان .. أي إنسان، بعيداً عن مكاسب القبيلة، وبمنأى عن حول الإيديولوجيا. وأن يكون التزامي الفني موازياً تماماً لالتزامي الإنساني. وأن أسعى من خلال هذا إلى تأكيد سماتي الخاصة، بحيث تكون لحبري رائحة دمي، ولكلماتي بصمات أصابعي.
    وأعتقد أنني قد حققت هذه الأشياء. وباستطاعتي القول، مطمئناً، إنك إذا عرضت قصيدتي على قارئي، فلن تحتاج إلى وضع اسمي عليها، لكي يعرف أنها قصيدتي.
    لا تقل لي "أنهيت نفسك" . إنني حاضر، حتى في أقصى حالات غيابي، وإلا فما الذي دعاك إلى محاورتي؟ .. ثم إنني لا أعرف عن أي تكرار تتحدث؟ هل هو تكرار الدوران حول القضية الأساسية التي آمنت بها، أم هو تكرار المعاني الجزئية فيها والصياغات، وزوايا النظر، وأشكال الصور؟
    الأرض تكرر دورتها حول الشمس كل يوم، لكنها لا تكرر نفسها حتى في لحظتيين متتاليتين. هناك في كل لحظة مسقط ضوء على صورة.
    الشعر العربي يكرر موضوع الحب منذ الجاهلية .. والقضية برمتها هي عبارة عن رجل يعشق امرأة، وامرأة تحب رجلاً .. هل تستطيع القول إن الموضوع قد اختلف عن هذا يوماً ما؟
    لكن هذا الموضوع لم ينته بالتكرار، لأن هناك دائماً زاوية جديدة للنظر، ونبرة جديدة للبوح، وثوباً جديداً للمعنى. ولو كان الأمر كما تقول، فما حاجتي إلى الإكتفاء بأول إصدارين ليكتفي القارىء؟ لماذا لم أكتف بأول إصدار فقط؟ أو لماذا لم أكتف بأول قصيدة؟
    أصدرت ست مجموعات، والسابعة في الطريق، وبرغم ذلك فإن القارىء لا يبدو مكتفياً.
    قل رأيك كيفما كان. هو حقك الذي قامت الشرائع كلها من أجل صيانته. لكن أرجوك .. لا تتكلم باسم قارئي. خذ حقك، ودع لقارئي حقه.. قارئي هو حبيبي وسندي وقرة عيني .. هو خط دفاعي الأول والأخير، والسد العالي الذي يعصمني من الطوفان. وإنني إلى هذا السد المنيع أُسند ظهري باطمئنان .. لأتساءل: كم ألفاً يطبع أكثر الشعراء مبيعاً؟ ثلاثة .. خمسة .. سبعة .. عشرة؟ وكم عدد البلدان التي يوزع فيها؟ وكم المدة التي يستغرقها التوزيع؟
    حسناً .. تقول إنني انعزلت، وتكررت، وانتهيت .. لكن هل تقول إنني جننت لأطبع كتبي على حسابي، ولأدفع تكاليفها الهائلة على رغم شدة حاجتي، فيما أنا أعرف أنها لن توزع إلا في شارع واحد من كل هذه الكرة الأرضية، وفيما أنا أدرك أنها لن تعرض لا في خبر ولا في إعلان؟
    وإذا كنت قد جننت فعلاً، فهل يبلغ بي الجنون حد المغامرة بإصدار عشرات آلاف النسخ من كل طبعة؟ أنا أفعل هذا .. لكنني لست مجنوناً، ولكي لا يغلبك الجري وراء الإحتمالات أقول إننا لا نطبخ "مكبوس اللافتات" وحتى لو كانت تلك هي وجبتنا الأثيرة فإن تخزين مثل هذه الكمية -لمدة عام واحد - من شأنه أن يجعلها غير صالحة للإستهلاك.
    بماذا تفسر الأمر إذن؟ وبماذا تفسر سعي الناشرين ورائي دون جدوى؟ وبماذا تفسر وقوع "اللافتات" ضحية لأوسع عملية تزوير .. في مصر ، ولبنان، وفلسطين، واليمن، وفي ما لا أعرف من البلدان؟
    نحن نعلم أن المزورين مجرمون ولصوص، وانهم يتاجرون بدم المبدعين ويهضمون حقوقهم، لكن هل يبلغ الأمر بهم حد سرقة أنفسهم؟
    والسؤال الأهم من هذا كله هو : من الذي يشتري هذه الآلاف من النسخ؟ هل تشتريها الجمعيات الخيرية البريطانية لتوزعها على مدارس العميان؟ أم تشتريها الحكومات العربية مكافأة لي على جهودي في نشر "عرضها"؟.. وهذه الآلاف المؤلفة من الخطابات التي تندلع منها أوراق الأفئدة .. من أين وممن تصل إلي؟ وهذه الرسائل والأطروحات الجامعية العديدة .. من يكتبها؟ ولماذا؟ وهذه الترجمات التي تظهر في إيطاليا، وفي فرنسا، وفي إيران، وفي تركيا. هل قيل لك إنني أعرف أحداً من القائمين عليها؟ .. إذا كان للتكرار والإنتهاء والغياب أن يفعل كل هذا، فإن من الواجب عليك أن تقوم وتتوضأ، وتبتهل إلىالله أن يحشر الشعراء جميعاً في بكرة عملاقة، وأن يرسل العواصف من بين أيديهم ومن خلفهم، لكي يصطرعوا متكررين حتى الإنتهاء والغياب .. فبذلك وحده يمكننا أن نطمئن إلى أن شعرنا سيظل حياً، وأن القارىء لن يفصم علاقته بالشعر.
    تسألني متى أغير أو أتغير؟ وأجيبك: إنني أغير يومياً، فكل قارىء جديد يعني أنني تقدمت خطوة في طريق التغيير .. أما أن أتغير، فهذا ما أعاهدك على أنه لن يتحقق إلا بموتي.
    * فضلت العزلة التامة، لم نشاهدك في مهرجان أو ندوة أو محاضرة .. وتجاهلك الإعلام ربما لأنك تجاهلته .. ربما لأنك متذمر أكثر مما يجب، وربما لأن لا جديد لديك .. فما رأيك؟
    - عزلتي لم تكن تامة .. فأنا متواصل مع الناس من خلال دواويني، ومن خلال "القبس"، ومن خلال كثير من المطبوعات التي "تقتبس" قصائدي .. ومن خلال آلاف الرسائل التي أتلقاها من قرائي. وعدم مشاركتي في المهرجانات الرسمية ليس اسمه "عزلـة" .. بل اسمه "عفـة".
    إنني لم أتجاهل وسائل الإعلام .. بل تجاهلت وسائل الإعدام. تلك التي تكتب بالممحاة، وتقدم للناس فراغاً خالياً محشواً بكمية هائلة من الخواء.
    وأنا في هذا إنما أعطي لكل مبدع درساً مجانياً يقول له : إنك يمكن أن تكون شريفاً دون أن تجوع، ويمكن أن تظل مؤثراً دون الحاجة لأن تكون "برغيـاً" في ماكينة أي عصابة، رسمية أو غير رسمية. ويمكن أن تبقى في ضمير القارىء حتى لو لم تذكرك أية مطبوعة ... أما تذمري، فهو أقل مما يجب، لكن "المتألهين" لا يغفرون حتى الحسنات. بل أظنهم يتحرقون من الغيرة كلما سمعوا شخصاً يردد : " قل هو الله احـد".
    الفاروق عمر، رضي الله عنه، قال: " من رأى فيّ اعوجاجاً فليقومني" .. وهزّ أعرابي سيفه قائلاً : "نقومك بهذا" ..
    لا عمر غضب، ولا الأعرابي خاف. وربما تعشيا معاً تلك الليلة.
    أما الآن، فإن مندوب عزرائيل ينتصب مستقيماً كالدائرة، فإذا لوحت له بالمسطرة، صرخ كالملدوغ : "قوموني .. لأدبحـه" .. وهو سيظل يصرخ، لأنني أحمل له، كل يوم، حزمة جديدة من مساطر الخيزران.
    * لم تنضم إلى قطاعات المعارضة العراقية التي ملأت العالم .. ألا تملك رأياً .. أم أن لك رأياً في ما يسمى بالمعارضة؟
    - إذا كنت لا أُعد معارضاً إلا إذا انضممت إلى هذه القطاعات، فهذا يعني أنني لا أكون عربياً إلا إذا أقمت في نجـد، ولا أكون مسلماً إلا إذا التحقت بالأزهر.
    هب أن قطاعات المعارضة هي شركات مقفلة .. هل معنى هذا أنني كنت طول حياتي أشتغل بوظيفة عاطل عن العمل؟ لماذا لا تعتبرني قطاعاً قائماً بذاته؟ هل هذا كثير علي؟
    إن بعض المعارضين يموت ،كل يوم، ألف مرة في سبيل قضيته. وبعضهم لم ينشف حليب السلطة عن شفاهه بعد. وبعضهم يذهب إلى المخابرات المركزية ليجلب الذئب من ذيله، لكنه يعود قائلاً إنه وجده بلا ذيل. وتفتش عن الحقيقة فتكتشف أنه عندما وقف بمواجهة المرآة، لم يرفع عينيه عن الصك الذي قبضه .. وإلا لوجد الذيل أمامه مباشرة!
    قل إنها مجاهل أفريقيا في ليل بلا قمر .. ولأنني أدرك أن الدخول في اختباراتها لا يقل خطورة عن لعبة الروليت الروسي، فقد آثرت أن أركن إلى ضوء قطاعي .. قطاعي الأصيل، الذي أنشأته منذ ربع قرن، والذي لا تزال مواصفات إنتاجه أنظف من البرسيل وأصفى من البلور.
    * نجد لفظك في "العمودي" أقوى وقعاً .. وموسيقاه أكثر تطريباً من " الحر". ولكنك تركز على "الثماني" .. هل من سبب لذلك؟
    - تقول "نجِـدُ" .. هل أنتم كثيرون، أم أنتم واحـد؟ هل بنيتم هذا الرأي على أساس علمي، أم على مزاج شخصي عابر؟
    أتمنى ألا تتسرعوا في إبداء مثل هذه الأحكام. إن ألفاظي ليست خاضعة للتقسيم الطبقي، وليس لقاموسي اللغوي فرع آخر. وأستطيع أن أحلف لك أن لهجتي وأنا جالس على أرفع كرسي، هي لهجتي نفسها وأنا جالس على الأرض.. ربما كان ما تعتقده ناشئاً عن طبيعة البناء العمودي، الذي يجعل النغمة مستقرة على منوال واحد.
    لقد ركز أغلب النقاد على وحدة الهوية التي تطبع ألفاظي. وأذكر مثلاً أن الباحث كمال غنيم، في رسالة الماجستير التي قدمها عن شعري، قرر أن أهم ما يحسب لي كشاعر هو هذه اللغة الخاصة المترادفة على صعيد قصائدي المختلفة. ولعل هذا هو المدخل الذي أغرى الباحث "ميلود رقيق" بأن يجعل أطروحته للدكتوراه حول "اللافتات" أطروحة لسانية صرفاً.
    أما من الناحية الموسيقية فأنا في غاية الدهشة مما تقول .. لأنني من القلائل الذين صالحوا بين هيكل القصيدة الحرة، وثوب القصيدة العمودية .
    إن الزخم الموسيقي في "لافتاتي" هو أبرز سماتها إذ إنني عندما سافرت إلى مدينة "التفعيلة" حملت معي زوادة هائلة من غلال مدينة "الشطرين".
    لا يمكن لمثلي أن يفرط في أمر كهذا، لأن الأوزان والقوافي هي لعبتي منذ الصبا. لقد درت حول "دوائر الخليل" حتى دار رأسي، وعكفت، وأنا في المتوسطة، على إعطاء دروس في العروض لطلاب الجامعة .. إن هوسي بالأوزان جعلني أبتكر بحراً شعرياً جديداً، وهو البحر الذي كتبت به قصيدة "ميلاد الموت" عام 1980، الأمر الذي احتفى به الأستاذ الدكتور عبده بدوي، في مجلة "الشعر"، وهو نفسه الذي رأى في اللافتات دقة الصور وحدة الإيقاعات .. وفي الإتجاه ذاته ذهب الناقد رجاء النقاش. تلك مجرد أمثلة .. ولعل الأمر الذي له دلالة في هذا الشأن أن الجواهري - وهو العمودي الصارم الذي لا يتعاطى الشعر الحر - قد أعلن، في مقابلة اجريت معه عام 1993، إعجابه باللافتات موقفاً وفنـاً.
    بعد هذا، وبرغم هذا، أفيدك بأن غايتي الكبرى هي أن أهزكم بعنف لا أن أطربكم .. أما لماذا أركز على البحور الصافية، فلأنها ذات تفعيلة واحدة يمكن تكرارها بيسر، أما البحور المركبة فهي ذات وحدات يقتضي تكرارها كسر ظهر الشاعر والقارىء معاً.. وعلى أية حال، فإن تفاعيلها كلها موجودة في البحور الصافية.
    * في لقاء أجرته "الحدث" مع "سعد البزاز" .. قال: " أن تكون ضد صدام حسين .. لايعني أنك مع الكويت"..ماذا تقول أنت؟
    - لم أطلع على هذا اللقاء ، وعليه فإنني لا أعرف السياق الذي وردت فيه هذه العبارة، لكنها، بمعزل عن السياق، تبدو لي صادقة في بعض الحالات. ما قولك مثلاً في رجل عراقي هرب إلى الكويت من بطش صدام، في زمن القادسية السوداء، ففوجىء بمباحثها تعتقله وتعذبه بتهمة الخيانة؟ هل تعاتبه إذا لم يكن مع الكويت؟
    ضع نفسك في موقفه، ثم حاول الإجابة.
    * وسعد البزاز لا ينتمي ايضاً إلى معارضة، وهو الآن يصدر جريدة يومية دولية .. ألا تود أن تسأله من أين لك هذا؟
    - أظن أن سؤالاً كهذا كان يجب أن يوجه إليه مباشرة، مادمتم قد أجريتم لقاء معه. هل أفهم أنكم قد نسيتم ذلك؟
    * قصيدتك العذبة، الجميلة، الحزينة عن الكويت .. هل تحفظها؟ هل تحب تكرارها أم تود إلغاءها؟ والكويت في ذاكرتك الآن، ماذا تمثل؟
    - نعم، أحفظها كاملة .. ولا أحب تكرارها لأنني لا أحب أن أرى اجتياحاً آخر. أما أن أود إلغاءها، فهذا أمر مضحك.. كأنك تسألني عما إذا كنت أود إلغاء ضميري !
    أخي .. أنت تسألني كما لو أنني واحد من جماعة "تلبس أفندي" .. هل تعرف من هؤلاء؟ كل مصري يعرف هذا الإصطلاح ويتندر به .. وفحواه أن بعض الطبقات الرثة، كانت إذا مات لها أحد، تتجمل باستئجار مشيعين يرتدون بذلات "الأفنديـة" المحترمين، ومن أجل هذه الغاية، كان المتعهد يتنقل بين المقاهي ملتقطاً من هب ودب، لتمثيل دور الأفندي قريب الميت .. سائلاً كل من يجيء في طريقه: "تلبس أفندي"؟
    إذا كان معظم مثقفينا من هذه الجماعة، فإن ما يميزني هو أنني لا ألبس إلا الطغاة، وبتواضع جم، حتى لو كانوا أصغر من نمرة رجلي.. ولما كنت كذلك، فإي إغراء يدفع بمثلي إلى كتابة ونشر هذه القصيدة؟ أنت قل لي .. أي إغراء؟ لا شيء سوى أنني متوحد مع ضميري، وذلك وحده هو ما يجعلني في مأمن من الندم على كل كلمة كتبتها .. أو سأكتبها.
    هل عرفت الآن لماذا لا تشاهدني في المهرجانات؟
    * يكاد ينحصر نشرك في جريدة "القبس" الكويتية فقط. ماذا تمثل لك هذه الجريدة. هل هو ارتباط عاطفي يعيدك إلى أيامك القديمة في الكويت، عندما كنت محرراً ثقافياً في "القبس"، و"لافتاتك" تلهب طلاب الجامعـة .. أم أن في الأمر حسبة أخرى؟
    - القبس جريدتي يا رجل .. والذي بيني وبينها أكبر كثيراً من مجرد الإرتباط العاطفي أو "الحسبات الأخرى". إن صلتي بالقبس هي صلة رحـم، وعلاقتي بها مسألة يفرضها الولاء، فهي التي احتوتني بحضنها عندما فتحت عيني، وهي التي حملتني على صدرها بشجاعة مريم، فيما كان الرهط كله يهتف من حولها حانقاً "لقد جئت شيئاً فريا" .
    إنك تستطيع أن تغير قميصك، وتستطيع أن تغير بيتك، بل وتستطيع أن تغير وطنك .. لكنك لا تستطيع أبداً أن تغير أمك !
    * نزار قباني مات، والجواهري، والحيدري، .. أما محمود درويش ففي العناية المركزة، هل باستطاعتنا أن نقول الآن : رحم الله الشعر؟
    - نسأل الله أن يرحم من ماتوا، وندعوه أن يكتب الشفاء لمحمود درويش.
    وإذا كان من الإنصاف أن نذكر لهؤلاء الشعراء حرصهم على الكتابة بلغة الناس، في ساحة طافحة بآلاف المصابين بالإلتهاب اللغوي، فإن من المغالاة أن نرفع نعش الشعر كلما مات شاعر.
    لقد جرت الحياة على أن يموت شاعر ويوجد شاعر ويولد شاعر، وسلطة الشعر في كل عصر، إنما يتداولها الأكفاء .. ليس الشعر نظاماً عربياً لكي يسقط بموت الحاكم.
    * حدثنا عن الغربة، كثيراً .. أو قليلاً، كما تحب .. غربة الزمان وغربة المكان. غربة الجسد وغربة الروح.
    - في روايته "خفة الكائن التي لا تحتمل"، يقول ميلان كونديـرا : "إن من يعيش في الغربة يمشي في فضاء فوق الأرض من غير شبكة الحماية التي ينصبها لكل كائن البلد الذي هو بلده .. حيث أسرته وزملاؤه وأصدقاؤه، وحيث يعرب عما به من غير مشقة باللغة التي يعرفها منذ الطفولة".
    وتأسيساً على هذه العبارة، أستطيع القول إنني لم أحظ بشبكة الحماية هذه، لا في البلد الذي هو بلدي، ولا في أي مكان آخر. وعليه فإن غربتي قد بدأت بمولدي، وأحسب أنها لن تنتهي إلا إذا انتهت غربة أوطاني نفسها.
    هذا ما يتعلق بغربة الجسد،أما بالنسبة لغربة الروح، فإن ما يعزيني هو أنني لاجىء منها على الدوام إلى دولة رائعة من صنع دمي، بيوتها هي أبيات الشعر، ورئيسها هو ضميري.
    * تكاد تكرر تجربة "غائب طعمة فرمان" .. لقد رحل طويلاً وظل حبيس الماضي.
    عاش أكثر من ثلثي عمره خارج العراق .. وبقي لا يكتب إلا عن العراق. هل أنت مصاب بهذا "النكوص" أيضاً؟
    - كان يجب أن تسأل أولاً : لماذا عاش "فرمان" أكثر من ثلثي عمره خارج العراق؟
    حدث هذا لأنـه كان حبيس الحاضر، ذلك أن مأساة وطنه التي حاصرت ثلاثة أجيال حتى الآن، هي التي أجبرته على الرحيل طويلاً. وإذا كنت تعتقد أن الوطن يعتبر ماضياً بمجرد أن يغادره الكاتب، فالمشكلة في طبيعة اعتقادك وليست في الكاتب.
    إنك لو تمعنت في كتابات "فرمان" عن العراق، لما وجدت فيها ماضياً غير متصل بالحاضر، بل وبالمستقبل أيضاً، في بلد يسلمه الجلاد للجلاد. أما بالنسبة إلي، فإنني لا أكتب عن العراق وحده، بل أكتب بالجملة عن عشرين عراقاً لا تفاوت بينها إلا في نسبة القطران.
    ثم أي ماض، يا عزيزي ماضي، هذا الذي تريد أن تحبسني فيه؟ أنت تعلم أنه مضارع مستمر، وكل ما استجد فيه أنه كان رمادياً فأصبح ناصع السواد.
    هل تستطيع الآن أن تحصي أعداد قتلانا؟ وهل يمكنك أن تدلني على "خرتيت" واحد حاول -من باب التغيير- أن يقترف الحياء للحظة واحـدة، أو أن يحرك عجيزته عن الكرسي مقدار أنملة؟
    لم يكن ما كان ماضياً. هو يبدو لك كذلك لأنني خرجت مبكراً جداً على طبع القطيع، وصرخت بملء دمي في وجه الذئاب، وغرزت مخالب الشعر في أنيابها، فيما كان الآخرون، بغالبيتهم، صامتين وراكدين، بل ومستعدين لوضعي على مائدة عشائها مع قبلة حب.
    الذئاب نفسها لا تزال مكشرة عن أنيابها. هي لم ترحل ولم تمت. الموت لا يحبها .. للموت وعي صحي يمنعه من التهام الكواسر.
    شجعني ، إذن، وشمتني، لأنني لا أزال قادراً على الوقوف أمامها مكشراً عن أقلامي. وإذا لم تشجعني فلا تسم موقفي "نكوصاً" لأنك ، حينئذ، لن تستطيع وضع "الإقدام" في أية جملة مفيدة.
    لست مصاباً بالنكوص يا عزيزي .. مشكلتي أنني مصاب بالثبات على المبدأ،. وهي بالفعل مشكلة حقيقية، في هذا الزمان الفيفي.
    * هل ستستقر في لندن إلى الأبد؟
    - كلا.كلا. لندن ليست محطة استقرار. إنها بالنسبة إلي محطة عبور لا أكثر، خاصة إذا أخذت بعين الإعتبار طبيعتي الملولة التي تنفر من خيار الإستقرار ومتعلقاته.
    إنني كثيراً ما أحتال على أصيافي بالتنقل بين قصري المسترخي على ضفاف الدانوب في فيينا، وبيتي الريفي المطل على طواحين الهواء في هولندا، الذي تزين جدرانه لوحات صديقي الراحل "فان جوخ"، وأحياناً أستلهم وحي شعري على ظهر يختي "يختي عليه"، عندما يبحر بي إلى هاواي بالذات. أما شتاءاتي فهي مكرسة لمتابعة حركة أسهمي وأعمالي التجارية بين أسواق نيويورك وطوكيو، وقلما أجد وقتاً لممارسة هواية التزلج في سويسرا والنرويج أو لتناول "كافياري" المفضل في "نيس".
    كما ترى .. أمام كل هذه الخيارات، كيف لمترف ملول مثلي أن يستطيب الإقامة في بقعة بائسة كلندن؟! إن شئت الصدق، إنني على استعداد للتنازل عن جنسيتي البريطانية هذه لأي رجل من إخواني في العروبة، خاصة إذا كان حريصاً على "ترقيق مفرداته" في أوروبا .. جميع مفرداته.
    * خبرنا عن حياتك الشخصية .. نحب أن نعرف ارتباطك .. أولادك .. زواجك إن تم .. كيف تعمل، ماذا تكسب، ماذا تخسر .. وقل لي : ماذا عن العرب في الخارج .. هل هم واجهة مشرفة؟!
    - ارتباطي: هو بقضية كل إنسان ضعيف ومستلب.
    - حالتي الإجتماعية : "رب بيت".
    - شغلي : هو كنس العروش الفاسدة.
    - مكسبي: احترامي لذاتي.
    - خساراتي: أرباح، .. أصبحت لكثرتها أغنى الأغنياء .. ففي كل صباح أستيقظ فأجدني معي، أحمد الله ثم أبدأ بتفقد كنوزي، أدق قلبي الجريح فترد كبريائي " أنا هنا" .. أتفحص جيبي المثقوب، تضحك أناملي " لا تتعب نفسك .. لم أقبض صكاً من سلطان" .. أتلمس روحي، تبتسم آلامها "أطمئن، لم يستطيعوا اغتصابي" .. افتح كتابي، يلهث في وجهي قائلاً "صادروني اليوم في البلد الفلاني". وطول جولتي يسليني ضميري بدندنة لا تنقطع : لم نمدح شيطاناً ، لم نخن قضية الإنسان، لم ننس فلسطين، لم نذعن لأية سلطة، لم نضحك في وجه مرتزق .. وهلم فخراً.
    عندئذ، أتطلع إلى المرآة مبتهجاً، وأهتف بامتنان: "ألف شكر .. لم أبعني لأحد"‍!
    أما العرب في الخارج، فبعضهم يرفع رأسك إلى ما فوق السماء السابعة، وبعضهم ينزل به تحت الأرض السابعة. وكل إناء بالذي فيه ينضح.
    * مرة كنت تريد الكتابة عن حبيبتك .. فتحول ما تكتب إلى كتابة عن الوطن دون إرادة منك. أخبرني ذلك -عنك- أحد الأصدقاء. هل أنت غير قادر على أن تحب بالكلمات .. وتتغزل بالشعر .. دون أن تبكي على أطلال الوطن؟
    - هامش: أنظر قصيدة "أعرف الحب .. ولكن" في لافتات 4، ومنها ستعرف أنني قادر قادر جداً على الحب بالكلمات وبغير الكلمات، ومنها ستعرف أيضاً لماذا لا أفعل. وإغناء لما تضمنه الهامش، أتساءل: ألا يكون الحب حباً إلا إذا قام بين رجل وامرأة؟ أ ليس حباً حنينك إلى مسقط رأسك، الذي حولوه إلى "مسقط رأسك"؟!
    أليس حباً أن تستميت لاسترداد الوطن من اللصوص، لكي لا تبقى حبيبتك مشردة على أرصفة الدنيا؟
    أليس حباً أن تحاول هدم السجن وبناء مدرسة، لكي لا ينصرف ذهن حبيبتك عنك، كلما التقيتما، للتفكير في مصير ابنكما الآتي، الذي لن يعرف من دنياه سوى أن "السجن مدرسة"؟
    وليلى المريضة في "العراقات" العشرين .. تلك الجميلة المشهورة باسم "الحرية" .. كم ألفاً من "قيس بن الملوع" مثلي تحتاج، لكي يمكن الوفاء بمتطلبات التغزل بها والموت في حبها؟
    إن الحبيبة نفسها ستغمزك بالقبقاب، إذا رأتك تغمز لها مغازلاً، وأنتما واقفان لأخذ العزاء في مقتل أهلكما إثر انهيار البيت.
    إن البكاء على الأهل .. والغضب على المقاول، هما أرفع أنواع الحب في مثل هذا الموقف. لهذا فقد يدهشك - بينما لا يدهشني- أن المرأة في طليعة قرائي.
    * ناجي العلي كان زميلك، وكنتما تعملان معاً في الجريدة ذاتها (القبس)، وكلاكما كان معارضاً على طريقته، وكلاكما أُخرج من الكويت إلى لندن. ناجي كانت نهايته برصاصة طائشة .. أما أنت أفلا تخشى أن تلاقي النهاية ذاتها؟
    - يمكنك أن تقول عن ناجي أيضاً إنه كان يكرر نفسه، وإنه مثلي، لم يغادر القضية التي آمن بها، ولم يتغير. وكل ما طوره هو أدواته الفنية، من حيث الخطوط، وزاوية النظر، وشحن اللوحة بأقصى درجات التأثير، من خلال الصدق والبراءة والعفوية .
    ألا يثير ارتيابك أن الأنظمة لا تقتل إلا هؤلاء الناس الذين يقدمون "حقناً" متكررة .. بينما هي تضع جميع أجهزتها تحت أيدي أولئك العباقرة الأفذاذ الذين لا يحبون التكرار؟
    تسألني عما إذا كنت أخشى النهاية التي لاقاها ناجي ..
    وأقول: إن الموت مصير كل حي، ومادام الأمر كذلك، فلماذا يؤجل العاقل موته النظيف الذي يأتي مرة واحدة، ليواجه ألف موت قذر كل ساعة؟ إن أخشى ما أخشاه هو الذل، وهذه الخشية هي التي تدفعني إلى الإيغال أكثر فأكثر في مقارعة أولئك الذي ينتخب الواحد منهم نفسه خادماً للغرباء برتبة ماريشال، أو جلاداً للشرفاء بلقب "حبيب الشعب" .. أقارعهم لكي لا يصبح من المألوف والطبيعي أن ينسف، كل يوم، رأس رجل حر برصاصهم الذي لا "يطيش" إلا عند مواجهة إسرائيل.
    إن هؤلاء لا يولدون إلا في مستنقعات الصمت .. ولهذا وجب ألا تخلو الأرض ممن يديمون حركة الماء بما يقذفونه فيه من أحجار. وأنا واحد من هؤلاء.
    * تذكر كثيراً في كتاباتك المخبر والمخبرة والمخبرين .. من هؤلاء المخبرون؟
    - مادمت لا تعرف من هم هؤلاء ، فاسمح لي أن أعرفك بهم. كان ياما كان في هذا الزمان وفي ذلك المكان، كان هناك ثلاثة مخبرين حلوين، واحد اسمه شلفاط، وواحد اسمه قلفاط، وواحد اسمه جلفاط. الأول أسـمر، والثاني أسود، والثالث أدعم. وثلاثتهم يسلمون عليك، وثلاثتهم يقبلون يديك .. هل لديك استفسارات أخرى؟
    يا أخي ماضي .. كأنك تسأل ما هو الحيوان الذي يلهث وينبح ويعقر وأول حرف من اسمه "كلب"؟
    تحيرت أمام سؤالك، فلم أعرف ماإذا كنت تمزح أم تمزح؟
    * حدثنا عن ذكرياتك مع ناجي العلي؟
    - ليس من الوفاء أن أختزل ذكرياتي عن ناجي. هذه المسألة تحتاج إلى أن أتفرغ لها لأفيها حقها، وسأفعل هذا في المستقبل.
    كل ما أستطيع قوله الآن إن ناجي العلي هو أوعى وأنقى وأشجع رجل عرفته في حياتي.

    مجلة (الحدث) - الكويت، العدد 24- يوليو 1998




  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    لقاء موقع الساخر مع أحمد مطر





    * نود أن نعرف نبذة عن أحمد مطر، وعن حالته الاجتماعية، ومعتقده الديني، وما سر غيابه عن المشهد الثقافي والإعلامي ؟
    - يقال إن أقصر قصة كتبها إنسان هي التالية: " رجل ولد وعاش ومات ". وأنا أعتقد أن سيرتي -شأن أي مواطن آخر في أوطاننا الجميلة- يمكن أن تروى على النسق نفسه، بشيء من التطويل، لتكون كالتالي: " رجل ولد ولم يعش ومع ذلك سيموت " . وهي في سياقها هذا تشبه سيرة طيّب الذكر(جبر)، التي أظنكم تعرفونها، وفحواها أنه أثناء زيارته لبلد أجنبي عرج على المقبرة، فرأى على شواهد القبور ما أذهله..إذ خُطّ على واحدة منها: (هنا يرقد فلان الفلاني-ولد عام 1917 ومات عام 1985-عمره 3 أعوام) ! ومثل ذلك على بقية الشواهد. فلما سأل عن سر هذا التناقض، أفاده مرافقه بأنهم يحسبون عمر الإنسان بعدد الأعوام التي عاشها سعيداً . عندئذ قال للمرافق: وصيتي إذا مُتّ أن تكتبوا على شاهدتي هنا يرقد جبر..من بطن أمه للقبر) !
    فإذا تركت المزاح، وهو أشبه بالجد، فسيمكنني القول قياساً إلى الأعوام التي أمضيتها مفعماً بروح الحرية ومغموراً بصوتها، بأنني من أطول الناس عمراً ومن أكثرهم شعوراً بالسعادة . أمّا ما بقي من فجوات صغيرة، فيمكنني أن أملأها بالتالي: ولدت في البصرة، وهربت منها إلى الكويت في فترة مبكرة من حياتي، ثم ما لبثت الكويت أن (هـرَّبتني) إلى بريطانيا التي لا أزال راتعاً "في نعيمها" كما يطيب لبعض سكّان "الجحيم" أن يصفني ! أمّا عن حالتي الاجتماعية فأنا ربّ أسرة، ولي من الأبناء أربعة: بنت وثلاثة أولاد .
    وبرغم دهشتي من السؤال عن معتقدي الديني، خاصة ممن يفترض أنّه قرأ شعري واستوعبه، سأقول إنّ معتقدي هو الإسلام، ليس لضرورة تأكيد ذلك، ولكن خشية أن يكون شعري، على رغم وضوحه، قد أخفق في الوصول إلى بعض الناس، فداخلهم الاعتقاد بأنني بوذي !
    أمّا غيابي عن المشهد الثقافي والإعلامي، فلا يحتمل غير تفسير واحد هو أنني لا أؤمن بهذا المشهد .


    * دواوين أحمد مطر محجوبة في الوطن العربي، كيف يمكن الحصول عليها؟ ما دار النشر التي تطبعها؟ وهل ينوي شاعرنا جمعها في "مجموعة كاملة" ؟
    - ليس لدواويني ناشر سواي، ولكنّ لها، مع الأسف، عشرات المزوّرين . وللحصول عليها بطبعاتها الأصلية، وبصورة "شرعية" أنصح بشرائها من مكتبتَي (الساقي) و (الأهرام) في لندن . أمّا مسألة طبعها في مجموعة كاملة فهذا في نيتي، لكن ليس الآن، لأنّ هناك أجزاء أخرى من اللافتات مُعَـدّة للنشر، ولم يؤخر صدورها إلاّ انتظاري لصدفة طيبة تُصيب المزوّرين، على غفلة، بحُمّـى "الشرف"، فلعلّ ذلك يشغلهم عنّي بعض الوقت، فيمكنني أن ألتقط أنفاسي، وأمضي إلى المطبعة مطمئناً إلى أنّ أيديهم لم "تنشل" من جيبي ثمن الطباعة .

    * هل يكتب أحمد مطر القصة أو الرواية؟ هل له فيهما نتاج مطبوع، وتحت أي عنوان؟
    -كنت في بداياتي قد جرّبت كتابة القصة القصيرة، ولا أزال أكتب ما يشبهها، بين الحين والآخر. لكن لم يعد في حوزتي شيء مما كتبته في البدايات، كما لم أفكّر في جمع ما كتبته بعد ذلك في مطبوع مستقل.
    أمّا الرواية فهي فنّ أحسب أنني قد خلقت لأكون واحداً من أخلص قرائه، أمّا الخوض فيه كتابةً، فهذا ما أشكّ في أنني أهل له .
    لا أدري..ربما سأجرّبه يوماً، إذا وجدت في نفسي الدافع والاستعداد .

    * هل لأحمد مطر موقع رسمي في الانترنت؟ وهل ينوي إنشاء موقع إذا لم يكن له موقع حالياً، ليكون همزة وصل بينه وبين قرائه ؟
    - ليس لي، حالياً، موقع رسمي على الإنترنت، وقد أفكّر في هذا الأمر مستقبلاً. لكنني، الآن، موزّع ما بين كثرة المشاغل وقلّة الصحّة، وحسبي أن أجد من الوقت والطاقة ما يفي بأكثر المسؤوليات إلحاحاً .

    · حيدر السليمان-الكويت:
    هناك كرسي شاغر لتنصيب أشعر شعراء العرب الذين ما زالوا على قيد الحياة، مَن ترشّح له ؟
    ما فائدة الشعر في زمن الدم الفلسطيني النازف يومياً ؟
    - لا.. يا حيدر، ما كان ينبغي أن تعلن عن شغور هذا الكرسي، بل كان يجب، في اللحظة التي رأيته فيها، أن تقفز نحوه بسرعة، وتلتصق به مستخدماً نوعية "الصمغ السوبر" نفسها التي يستخدمها حكّامنا الرائعون .
    بهذا كنت ستحل مشكلة لا تستطيع الجنّ حلّها .
    أتعرف قصّة "دائرة الطباشير القوقازية" ؟ هي حكاية نزاع بين امرأتين على بنوّة طفل، حكم القاضي بوضعه وسط دائرة، وطلب أن تشدّه كلّ منهما من جانب، على أن يكون من نصيب التي تستطيع جذبه إلى ناحيتها أكثر من الأخرى .
    ونهاية القصة معروفة، إذ حكم القاضي ببنوّة الطفل للمرأة التي رفضت أن تشدّه خشية أن تتقطّع أوصاله .
    أنت، الآن، تضعني في موضع ذلك القاضي، وهو أمر لا أحسد عليه . ومع ذلك فأنت معذور، إذ لعلّك لا تعلم أنّ لدى العرب،الآن، أكثر من مليون ( أشعر شاعر )!
    " تكفى يا الحبيب"، اكسر الشّر، واقعد على الكرسي، واحفر اسمك عليه.. ولك مني وعد بأن أرسل إليك كلّ ما تحتاجه من الصمغ الأصلي .
    أمّا بالنسبة لسؤالك عن فائدة الشعر في زمن الدم الفلسطيني النازف، فأود القول بأن الشعر ليس بديلاً عن الفعل، بل هو قرين له، هو فن من مهماته التحريض والكشف والشهادة على الواقع والنظر إلى الأبعد. وهو بذلك يسبق الفعل، ويواكبه، ويضيء له الطريق، ويحرسه من غوائل التضليل .
    قديماً قال نصر بن سيّار إنّ "الحرب أوّلها كلام" ، والواقع أنّ الكلام محيط بالحرب من أوّلها إلى آخرها: توعيةً وتحريضاً وتمجيداً.. وهذا ما مثّله نصر بن سيار نفسه .
    لا غنى للفعل عن الكلام الصادق المؤثر، لأنّ غيابه يعني امتلاء الفراغ بالكلام النقيض، ونحن نعلم أنّ هذا النقيض موجود وفاعل حتى بوجود الصدق، فما بالك إذا خلا له الجوّ تماماً ؟
    ما مِن "مقاومة" على وجه الأرض استغنت بالمقاتل عن الشاعر. كل مقاومة حيّة تدرك أن لا غنى للدم عن الضمير.
    وتاريخ أمتنا، بالذات، أكبر شاهد على أهميّة دور الشاعر في الحرب، بل إن المقاتل نفسه طالما شحذَ سيفه ولسانه معاً، وهو يخوض غمرات الوغى: " وكرَّ مرتجزاً " أو " طعنه راجزاً " أو " هوى صريعاً وهو يرتجز " .
    وإذا كان أبو تمّام قد قال إنّ " بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشكّ والرّيب " فهو قد جعل رأي الشاعر أوّلاً، إذ أكّد –ضمناً - أنّ سود الصحائف هي الدليل المبصر لبيض الصفائح العمياء..أليس في بيته هذا قد عيّن الأداة المطلوبة في الموقف، وحرّض على استخدامها ؟
    وما قاله أبو تمّام، موارباً، قاله أبو الطيّب، دون مواربة: (الرأي قبل شجاعة الشجعان.. هو أوّل وهي المحلّ الثاني) .
    الشعر مهم، خاصّة بالنسبة لنا نحن العرب، ولولا ذلك لما حفيت أقدام المخابرات المركزية الأميركية في سعيها من أجل تدميره بأيدي المغول الجدد الذين يدّعون النطق بلغتنا، ثمّ يفضحون هذا الادّعاء ، منذ الخطوة الأولى، بشعورهم بالعار من أسمائنا، و بإخراجهم الألفاظ من سياقاتها، وهدمهم المعاني والقواعد ، وسطوهم على المصطلحات وتوجيهها في غير ما وضعت له، وجعلهم فنون الكلام مجرد سقوف معلّقة في الهواء !
    ولايكتفون بذلك، بل يحكمون حتى على تلك السقوف بألاّ تتفاعل مع واقعها أو قضاياها، وأن تترك السياسة للسياسيين والوطن للغزاة، وأن تهتم فقط باستعراض ألبستها الداخلية !
    وهم في الوقت الذي يطلبون منك أن تترك الحاكم والحكم والمعتقدات جانباً، يسارعون، قبل زوال صدى كلامهم، إلى شتم حاكم الأرض والسماء !
    وفي جوّ مكيدة مريعة كهذه، فإنّ مجرّد قول الشعر على أصوله، يصبح فعل مقاومة بحد ذاته، فما بالك إذا اتّصل بالدم اتّصال اللغة بالهويّة ؟


    · عبد الله الحارث- السعودية :
    الشاعر الثائر أحمد مطر.. تدهشني كثيراً لافتاتك التي تنطلق على الخصوم كالشهب المحرقة.. سؤالي هو: لماذا لا يكتب الشاعر لافتات تعرّي الضعف العربي من خلال المواطن والخلل الذي يعيشه، بعيداً عن الحاكم الذي نال النصيب الأكبر من اللافتات ؟ بمعنى آخر: أتمنى أن نقرأ لافتات جديدة تعالج سلبيات المواطن العربي حضارياً وفكرياً، والأهم انسلاخه من تراثه المجيد الذي كان العربي بدونه لا يحلم أن يغادر أصنامه وأزلامه !
    - أنا معك في أن هذه الحكومات لم تنزل من السماء بالمظلات، إنما هي نتيجة وضع شعبي مختل .
    وإذا كنت قد ركّزت الجهد في تعرية أنظمة لا تملك أية شرعية، فهذا لا يعني أنني تجاهلت الأساس الذي بنت عليه هذه الأنظمة صروح تسلطها وجورها. إذ طالما نبّهتُ إلى أنّ فرعون لن يقول ( أنا ربّكم الأعلى ) إلاّ إذا رأى حوله عبيداً يطيعونه حين يُضلّهم .
    وأصارحك بأن حالنا كشعب يجرّعني المرارة تكراراً، بأشدّ وأقسى مما تجرّعني إيّاها تلك الأنظمة الجائرة.. ذلك لأنني بالنسبة للثانية أواجه عدواً صريحاً واضحاً، لا ثقة لي به على الإطلاق، أمّا بالنسبة للأوّل فإنني أبني جبالاً من الآمال، ولذلك فإنّ الألم يكسرني عندما يتبدّى لي في بعض الأوقات، أنّ هذه الجبال قائمة على الماء .
    المشكلة يا أخي عبد الله، هي أننا لسنا شعباً واحداً في مواجهة العالم، بل مجموعة كبيرة من الشعوب، بل قد تجد في البيت الواحد أربعة شعوب متناحرة لمجرد اختلافها في الأفكار !
    انظر إلى الوباء المسمّى (أميركا).. إنّه خليط عجيب من الألوان والأجناس والأوطان والأديان والأفكار، لكنّه في قضاياه الكبرى متماسك ومربوط بحزام المواطنة .
    انظر إلى هذا الكيان المسخ المسمّى (إسرائيل) ..إنه برج بابل مزدحم بأغرب تشكيلة من موزاييك الثقافات والجنسيات والمذاهب، لكنه - كما ترى - جسد واحد في مواجهة العالم، وفم واحد مفتوح على اتّساعه لابتلاع كلّ ما عداه .
    ثم انظر إلينا نحن الذين نملك كل شروط الكتلة، لترى أن امتيازنا الوحيد هو أننا شعب بإمكان أي مواطن فيه أن يكفّر جميع المواطنين، ويحجز الجنة التي عرضها السماوات والأرض..له وحده ، بل بلغ الإعجاز لدينا أنّ الواحد منّا يستطيع أن يُكوّن من نفسه " فرقة ناجية " ، ثمّ لا يلبث نصفه الأيمن أن يعلن انشقاقه على نصفه الأيسر !
    ولا ريب أن الأنظمة لا تدّخر جهداً في تبديد أموالنا على اصطناع كلّ ما من شأنه إدامة وتطوير هذا "الحُمق" باعتباره الدرع الواقي والضامن لاستبدادها.. ولِمَ لا تفعل ذلك ؟ إنّها قطعان ذئاب، والذئب مفطور على الافتراس. المشكلة إنّما تكمن في النعجة، تلك التي لا تدعوه إلى نفسها فقط، بل تغريه أيضاً بأنها "مُتـبّلة" !
    وعلى هذا فإنني، منذ البداية، كنت أُلقي نظرة على الحاكم ونظرة علينا، ولو اطّلعت على جميع قصائدي لوجدت ما تطلبه متحققاً بالفعل.. وإليك مثلاً هذه اللافتات: طبيعة صامتة، يقظة، رقّاص الساعة، الذنب، سواسية، إضراب، المنتحرون، آمنت بالأقوى، السيدة والكلب، خيبة، أوصاف ناقصة، الناس للناس، قانون الأسماك، وردة على مزبلة، تمرّد، شروط الاستيقاظ، بحث في معنى الأيدي، السفينة، نحن بالخدمة، دود الخل، الواحد في الكل، مصائر، الحائط يحتج، شيطان الأثير، أولويات، الحافز، بيت الدّاء.. وغيرها كثير .

    · فؤاد- المغرب :
    الأستاذ أحمد مطر، من المعروف أنّ النفس البشرية تتأرجح بين حالات التفاؤل واليأس، والحب والكره، والفرح والحزن، والرضى والسخط، إلى آخر هذه الحالات. فلماذا لا يكتب الشاعر نفسه في هذه الحالات ؟ بمعنى آخر لماذا تحصر نفسك في غرض شعري معين ؟
    هذا سؤالي، ويريد أستاذي إرسال سؤال لك، وهذا هو سؤاله :
    إلى أي مدى بلغ بك الإحباط بعد حكايتك مع قصيدة ( أعد عيني ) مع جريدة القبس ؟ وهل هناك كلام لم يقله أحمد مطر لنا بخصوص هذا الموضوع عندما كتب قصيدة ( الراحلة ) ؟
    - نعم.. " المعروف " عن النفس البشرية هذا التأرجح. لكن هل ترك " المنكر " لها، في أوطاننا، حرية التأرجح ؟ بل هل ترك لها أرجوحة من أيّ نوع ؟ بل هل ترك لها أدنى اعتراف ببشريتها على الأقل ؟
    ومع ذلك، وبرغم كون نفوسنا ذاتها هي الأراجيح التي تلهو بها مناقل الجمر، من المهد إلى الدولة، فإنّ شعري لم يخلُ من هذه الحالات التي ذكرتها، وإذا بدت مساحة الحزن والغضب أوسع، فلأنها مبسوطة على مقاس خيمة الكدر والأوجاع..وما أوسع هذه الخيمة يا فؤاد !
    ليس اليأس ما يحركني، بل الشعور بالمأساة، وهو ما يجعلني أوزع صوتي على الجهات الأربعين، محذّراً ومستنجداً ومستنهضاً الهمّة للانعتاق .
    وأن تشعر بالمأساة فذلك دليل على أنّك واعٍ، وأن تتحرك لمواجهتها فذلك دليل على أنّك حي .. فأي فأل أطيب من هذا؟
    أم أنّ عليّ أن أطلّ على حريق روما، مستمطراً قيثارتي ألحان الفرحة، حتى يقال أنني " متفائل " ؟!
    لقد فعل " نيرون " هذا من قبل، لكنّ التاريخ لم يمنحه سوى قميص مستشفى المجانين !
    وبخصوص سؤال أستاذك الفاضل، أود القول بأن امتناع صحيفة عن نشر قصيدتي لا يشكّل إحباطاً بالنسبة لي، لأنني أستطيع نشرها في أي وقت وفي أي مكان، وبالطريقة التي تعجبني. وهذا ما فعلته .
    سمّها خيبةً، إذن. ولو علمت عدد الخيبات في حياتي، فلن تعجب إذا وجدت هذه مستقرة، لضآلتها وانعدام مداها، في قعر الصندوق .
    الإحباط القاتل حقاً هو أن أفقد إيماني بالناس تماماً، وذلك أمر لم يحدث، فأنا على يقين من أن هذه الأمّة ستنهض ذات يوم، وأنها لابد أن تفرد كفّها لتحتوي وجه هذا الخزي والهوان بصفعة يطير لها صواب الدنيا .
    وإذا كانت القبس قد فتحت لي قوس الخيبة، فإنني سأغتنم الفرصة لأكتب بعده اعترافي بسابق فضلها في حمل لافتاتي .. ثمّ أغلق القوس .
    أنا، الآن، أكتب في جريدة ( الراية ).. وكفاني منها أنها قد نحرت الرقيب، على أعتاب لافتتي، إكراماً للحريّة .
    شكراً لهـا .

    · عبد الله- قطر :
    ( وعليهم وعلى نفسي قذفت القنبلة ).. كانت هذه المقولة تلخص الحل في رأي أحمد مطر، هل مازال أحمد مطر ينظر إلى الحل بهذه النظرة، رغم فتح قنوات الحوار في العالم ؟
    - هذا الحل لم يعد وارداً عندي.. بل قل إنني صرت أراه ( حلاً عذرياً ) !
    قنبلة ؟ كلاّ .
    الآن بالذات، حيث كشّرت قباحة حكّامنا عن جذور أضراسها، أصبح الحل يحتاج إلى حمولة سبع سماوات من القنابل..ولا أظنها ستكفي لغسل العار .
    عن أيّ قنوات للحوار تتحدث يا عزيزي عبد الله ؟
    لو سألت التاريخ عن آخر قناة للحوار عندنا، ولو استطاع المسكين أن يغافل أمراضه المزمنة، لأفادك، من خلال سعلة طويلة، بأنها أغلقت بالرصاص، بعد انتهاء الخلافة الراشدة بساعة !
    لعلّك تقصد ( القنوات الفضائية )؟ إذن سمّها ( قنوات الخوار ) ، واعلم أنها أحد الأسباب التي تدفعنا دفعاً إلى نفخ قنبلة الحل، حتى تصبح بحجم الكرة الأرضية .
    أمّا إذا كنت تقصد الحوار بيننا وبين العالم الغربي، فهو مقطوع تماماً، ليس لأننا لا نعرف كيف نتكلم، ولكن لأن ذلك العالم لا يعرف كيف يسمع. إنّ أذنيه مسدودتان حتى الصماخ بالشمع الصهيوني .
    وحتى هؤلاء ( الحواريون ) الذين ينتدبون أنفسهم للتواصل باسمنا مع ( يهوذا )، لا يملكون من الأمر إلاّ أن يتلقوا الصفعة منه، ليعودوا وهم يلهجون، بحصافة وبُعد نظر، بأنهم وجدوا فيها " جانباً إيجابياً " هو أنّ الصفعة لا تخلو من كونها " مصافحة للخدّ " !
    هل أجد عندك قنبلة زائدة .. لأضيفها إلى الحل ؟

    · أثباج – السعودية :
    ربما يكون سؤالي متجاوزاً الخطوط الحمراء، لكنني أرى أنه من المناسبة أن أسأل الشاعر الذي تجاوز كل الخطوط بهذا السؤال وآمل أن يصل سؤالي إلى شاعرنا ولو لم يجب عليه: أحمد مطر..في شعره ثار وتمرد وعاش مأساة الشعوب العربية المغلوبة على أمرها..هاجم الحكومات،هاجم الغرب، أجّج النار في صدر كل عربي.. ثمّ ماذا ؟
    القصة لم تنته بعد.. أحمد مطر يتمرغ في نعيم الغرب، يأكل من شهد الحكومات.. أي أنه باختصار يعيش في الجنة ويدعو الناس إلى العيش في النار.. أبعد الناس عما يدور في شعر أحمد مطر هو أحمد مطر نفسه ..والسؤال.. لماذا كل هذا ؟
    - ثمّ ماذا ؟!
    إذا كان هذا الذي عدّدت صنائعه في مطلع كلامك هو أنا، فذلك يعني أنني قمت بما أراه واجباً عليّ، بقدر ما أستطيع، وعلى أفضل وجه. إذن لم يبق لي، بعد هذا الشوط الطويل، إلاّ أن أعيد السؤال إليك أنت : ثمّ ماذا ؟
    أم أنك وأمثالك تحسبونني القائد العام للقوات العربية المسلحة، وتستغربون من طول تردّدي عن تحريك الجحافل الباسلة ؟!
    سأفترض فيك حسن النية، وعلى ذلك سيمكنني أن أتساءل عمّا إذا كان ضميرك قد أسلمك إلى راحة النوم، بعد أن اتهمتني، دون بيّنة، في أعزّ ما أملك: عفّة يدي وضميري ؟
    إنني لم أقصد (نعيم الغرب) هذا سائحاً، بل إنّ زبانية جهنم القائمين حولك هم الذين اشتركوا جميعاً في ركلي إليه، ولو تُرك لي الخيار لوجدتني معك، الآن، متشبثاً بمائدة الجمر حتى النفس الأخير .
    ولو كنت لأدعو على أحد بالسوء، لدعوت لك بمثل هذا "النعيم" الذي أحياه، فلعل في تذوّقك إيّاه كما أتذوّقه أنا، ما يحملك على التريّث قليلاً قبل إلقاء الكلام على عواهنه .
    ثمّ أمن الإنصاف في شيء أن يقال عن مثلي: ( يأكل من شهد الحكومات ) ؟!
    إنّ قائل هذا لم يُخطئ في حقّي فقط، بل في حق المعلومات العامة أيضاً، ذلك أنه يفترض أنّ الحكومات تمنح الشهد، مما يعني أنه لا يعرف الفرق بين النحل والعقارب !
    للمرء أن يغضب مني، أن يكرهني، أن يرفضني ويرفض شعري، لكن ليس له أن يقول عني هذا، لأنه افتراء مفضوح ومضحك لا يمكن أن يصدّقه أحد، ولا يمكن لأية محكمة في الأرض إلاّ أن تنزل العقاب بقائله .
    إني لأتساءل بدهشة: إذا كنت أنا من يوصف بهذا الوصف، فماذا سيبقى لديك لوصف المرتزقة إذن ؟!
    على أية حال، إنني أتحدّاك وأتحدّى الحكومات جميعها أن تأتوا بدليل على هذا .. أمّا قبل ذلك فينبغي للعاقل الحصيف أن يعضّ على لسانه بكلّ قوة، إذا أغراه بتوجيه مثل هذا الكلام إليّ .
    ثمّ بأي مقياس للأطوال تحدّد بُعدي " عمّا يدور " في شعري ؟
    وماذا يُقتَرح عليّ أن ألقى لكي أكون قريباً منه ؟
    على قائل هذا أن ينوّرني أولاً : كم عاماً تشرّد ؟ وكم مرّة واجه تهديداً حقيقياً بالقتل ؟ وكم مرضاً عصيّاً أصابه ؟ والأهم من كل هذا.. كم جثّة قتيل مظلوم من أهله احتمل واحتملوا دفعها ثمناً لما يؤمن ويؤمنون به ؟
    وحتى إذا لم أذق أيّاً من هذه المرارات، فهل هذا يعطي الحقّ لأحد بإغلاق فمي عن وصف ما أراه وأشعر به من مآسي الآخرين ؟
    ومرّة أخرى.. إنني لم أدعُ الناس من (جنتي) ، بل أنفقت عشرين عاماً من عمري هناك في (النار) نفسها، أدعو الناس إلى تحويلها إلى (جنّة) .. فلماذا لم تنهضوا لتعلنوا رفضكم إبعادي ؟ لماذا تركتموني وحيداً، لأنفى إلى هنا بالقوّة ؟ ثم لماذا رحتم، بعد ذلك، تعيبون عليّ وجودي في المنفى ؟
    إذا كان لا يريحكم وقوفي على الأرض ولا تعلّقي بالسماء، فأين تريدونني أن أكون، بالضبط، لكي ترتاحوا ؟!
    هاهي الجنة فاتحة أبوابها، فافعلوا مثلي لكي ترسلكم تلك الحكومات إليها، وتغدق عليكم من شهدها، أو إذا شئتم، اقطعوا تذاكر وتعالوا. إنّ رضوان لم يغلق الأبواب، ومالك لا يمنع أحداً من التمرّغ في (النعيم) .
    وإن كان مجمل الأمر، يا أثباج، هو أنك من غير المؤمنين بما أقول، فإنّ بإمكانك مقاطعة حملتي، وعدم الإصغاء إلى خطاباتي، والامتناع عن انتخابي، وتنتهي المشكلة .
    وعندئذ، سيمكنك الرجوع إلى سطور نقمتك التي سمّيتها أسئلة، لإعادة طرح السؤال على نفسك أنت، وبحق هذه المرّة : لماذا كلّ هذا ؟

    · قايد- السويد :
    لو قمنا بتقسيم المدارس الشعرية على خلفية 11 سبتمبر إلى مدارس إرهابية وأخرى غير إرهابية، فأين سيكون أحمد مطر ؟
    - إذا بكى طفل رضيع على صدر أمّه، في هدأة ليل العرب والمسلمين، فلا أستبعد، في زمن المهازل هذا، أن تعدّه أميركا، برصانتها المعهودة، محوراً للشّر، ينبغي استخدام القوّة النوويّة للإطاحة بـ (حفّاظته) !
    فهل بعد هذا تسألني أنا من أيّ مدرسة سأكون ؟!
    أنا إرهابي، من قبل سبتمبر ومن بعده، وبإمكانك أن تسأل عن هذا حكّامنا الطيبين جداً، والمبادرين إلى التطبيع حتى مع الدّيدان..إلاّ معنا .
    كلّ ما تغيّر هو أنني كنت إذا قيل لي (سبتمبر) أصرخ : ملعون أبو " تمبر " …
    أمّا الآن فلم أعد أسبّه.. نكايةً بأميركا، وإمعاناً في الإرهاب .

    · أسد- السعودية :
    هل تعتقد أنّ الأنظمة العربية لها دور في الإبداع الشعري المتدفق سخرية وحزناً؟
    - إذا كان لهذه الأنظمة دور في الإبداع فهو دور حمّالة الحطب، ونحن لا نريده بأيّة حال . بل نريد في غيابها أن نلتفت إلى لون الوردة وعطرها، وأن نستبدل قباحتها الخاكيّة بخضرة العشب وزرقة السماء، وأن نتذكر عذوبة عناق الأخ لأخيه، وهناء رقدة الرأس في حضن الأم، وجمال رؤية كفّ الجار وهي تلوّح لنا بالتحية، دون أن يخامرنا شكّ في أنّ كفّه الأخرى مطويّة على وشاية .
    الحياة كلّها شعر. وفي غياب هذه الأنظمة ، ستستحيل السطور أسلاكاً تطرّزها أطيار الحروف، أو آفاق بحار تدغدغها أشرعة الكلمات .
    وإذا رفض الشعر أن يأتي إلاّ كرمى لعيون هذه الأنظمة، فليذهب معها، يداً بيد، إلى جهنم وبئس المصير .


    · محمد الزهراني- السعودية :
    يقال إن أحمد مطر ذو اهتمامات قومية عربية، ولا ينظر من زاوية الأمة المسلمة.
    إلى أي درجة تصدق هذه المقولة ؟
    - هذه المقولة قاصرة جداً، لأنها لا تنظر إلى الاهتمامات كمشاعر متشابكة، بل تُقطّعها بالسكّين إلى وحدات مستقلة مثل قوالب الصابون .
    يصحّ القول إنّ اهتماماتي إنسانية شاملة لا تسأل، في مواجهة الظلم، عن اللون أو الجنس أو المعتقد، بل تركّز قبل كلّ شيء على مناصرة المظلوم..ذلك الذي يستجيب الله دعوته حتى لو كان كافراً، وهذه واحدة من بركات الإسلام الخافقة في قلبي.
    ومادام الأمر كذلك، فما وجه الخطأ في أن يكون لي، أنا المسلم، اهتمام بالعرب، وهم أهلي الأقربون ؟
    أنا عربي الأب والأم والأجداد، فهل يجب أن أتخلّى عن انتمائي لكي أكون جديراً بالإسلام ؟
    الإسلام قلبي، والعروبة ملامحي وصوتي، والإنسانية خيط ارتباطي بأشباهي في الخلق . فأي ضير في أن يكون هذا كلّه موضع اهتمامي ؟
    إنني، في حياتي، لم أسمع أنّ أحداً نزع جلده وقطع لسانه ومحا أشباهه، لكي يقدّم الدليل القاطع على حبّه لقلبه !

    · عبد العزيز- السعودية :
    " الشعر ديوان العرب " برأيك ماذا بقي من هذا الديوان، خصوصاً في ظل الأوضاع الراهنة ؟
    كتبتم قصيدة في رثاء ناجي العلي من الشعر العمودي..عدّها النقاد من عيون المراثي العربية، لماذا هذا الجفاء بينكم وبين الشعر العمودي، رغم إبداعكم فيه ؟
    هناك كرسي شاغر لتنصيب أشعر شعراء العرب الذين مازالوا على قيد الحياة، مَن ترشّح له ؟
    - ديوان العرب باقٍ كلّه، وسيستمر بقاؤه، وسيزداد.. إنه جارٍ في بحوره بلا انقطاع، مهما بدا لك من تلال الطلاسم وجبال الفراغ .
    انظر إلى ما يسعى الناس إليه بشغف وشوق، لا إلى ما يسعى إلى الناس برغم أنوفهم .
    وفي ظل الأوضاع الراهنة بالذات، تجد القارئ العربي أكثر إصراراً على التمسك بديوانه كملجأ آمن وحصين. وهو في لجوئه إليه لا يجد أدنى صعوبة في القفز نحوه عالياً، فوق صفوف متراصّة من قطعان " المافيا اللغوية " التي تكتظ بها حظائر النشر الاحتكارية ، خاصّة بعد أن أصبح أغبى الأغبياء يدرك أنّ المؤامرة لم تعد نظرية، بل هي تطبيق عملي قائم على قدم وساق .
    لا تنظر إلى " وسائل الإعلام " . إنها بمعظمها مصانع لإنتاج الإغماء..تخطط لها الدوائر الغربية التي تسعى إلى تدمير الهوية من خلال تدمير اللغة والموضوع والمصطلح ، وتموّلها الدوائر الحاكمة التي لها مصلحة في قطع الطريق على الكلمات الصادقة المارقة، بحواجز من الفراغ البدين، وتقوم على إدارتها شبكات المرتزقة من " حَمَلة الأقدام " الناطقين بلغة الزاد .
    كل هذا قبض ريح. إنه لغو يحاول جاهداً أن يقرأ قفا الناس، فيما وجوه الناس منصرفة عنه إلى قراءة ما ينفعها، بالوسائل السريّة، والعلنية أيضاً، بعد انتشار الإنترنت .
    ومهما تفاقم مسيل الوحل من حنفية المخابرات المركزية، فإن لديوان العرب بحوره التي لا يكدرها الوحل، ولا توقف جريانها الأصابع، في حين أن الوحل سينقطع حالما تغلق الحنفية، وهي ستغلق حتماً، كما أغلقت من قبل.. إذ لا يصحّ إلاّ الصحيح .
    أمّا العلاقة بيني وبين القصيدة العمودية فلا أعتقد أنها مشوبة بالجفاء، ذلك لأن قصيدة التفعيلة التي أكتبها هي ابنتها الشرعية التي لا تعدم الوزن ولا القافية، ومادمت ملتزماً بأصول " العائلة " فأنا حر في أن أسلك الكلام في ثوب أيّ منهما، حيثما أجد الثوب مناسباً لمقتضى الحال .
    وبالنسبة للكرسي الشاغر، لا أخفي عنك أن هذا الأمر قد بدأ يشغل بالي !
    ما حكاية هذه الكراسي التي صارت تنبع هنا وهناك مثل " الفقع " ؟!
    أخوك حيدر السليمان من الكويت، سبق أن أخبرني بعثوره على مثل هذا الكرسي، وقد نصحته باعتلائه وتسجيله باسمه، وليس بوسعي إلاّ أن أقدّم لك النصيحة نفسها. لا تقل لي إنك لست شاعراً. فما دمت تستطيع أن تعطس أو تسعل أو حتى أن تصمت (وما أكثر الصمت)، فأنت شاعر بشهادتي. وإذا كانت شهادتي مجروحة فإنني أحيلك إلى فتوى تيمورلنك التي تقول " إنّ الشاعر لا يكتب قصيدة .. بل يخلق فضاء " . هيّـا.. اخلق لك فضاء . هل هذا صعب ؟
    وعلى كل حال، إذا أجهدك أن تؤشر في الهواء، أو أن تنفخ بالونة، فبإمكانك إرسال الكرسي إلى حيدر، ليحجزه لولي عهده.. هذا إن كان قد سمع نصيحتي، وإلاَ فبوسعه ربط الكرسيين معاً وحملهما هدية إلى (ديوانية شعراء النبط)، وبذلك سيحل مشاكلنا جميعاً !


    · نزار رستناوي- سوريا- حماة :
    متى يمكن أن نقرأ روح الأمل وبشرى النصر في قصيدة سطرها أحمد مطر ؟
    - تقرأ روح الأمل وبشرى النصر في قصيدتي عندما تلوح لي إرهاصاتهما الحقيقية. وحيث أنني لم أرَ ذلك إلاّ في حالات نادرة، فقد راهنت على تلك الحالات منذ البدء، ولا أزال .
    إنك لا بد أن ترى لي وردة زكيّة مندلعة من ثرى انتفاضة الفلسطيني، ووردة جميلة نامية في ثرى تحرّر الجنوب اللبناني، ونثار ورد في كل ثرى من بلادنا تورق فيه هبّة شعبية غير مبالية بقسوة العملاء ولا بكيد أسيادهم.
    بل إنني كثيراً ما أستفز موج الظلمات المتلاطم، فأرسم فوق وجهه، بعناد، وردة لهب، أذكّره بأنها هي المصير، مهما أسرف بالطغيان، ومهما انتفش بالزبَد .
    ولست أفعل ذلك اصطناعاً أو خداعاً للنفس، ولكن لأنني مؤمن حقّاً بأن لا بد للأرض، في النهاية، أن تبلع ماءها، ولا بد للسماء أن تقلع، ولا بد للماء أن يغيض، وعندئذ لا بد لسفينة الحياة أن تستوي على الجوديّ .


    · جمال الغزاوي- فلسطيني مغترب :
    هناك موقع يحمل عنوان (لافتات مطرية) في أميركا
    ويوجد أسفل الموقع عنوان للمراسلة باسم أحمد مطر فهل هو عنوان إلكتروني للشاعر؟ وللعلم فقط فإنني أعرف كثيراً من الإخوة الذين راسلوا صاحب العنوان باعتباره الشاعر أحمد مطر .
    - ليس لي أي موقع خاص بي على الإنترنت. وعلى ذلك فليست لي أيّة علاقة بالموقع المذكور .
    وأيّاً كان صاحب الموقع، وأيّاً كانت نيّاته، فإن وضعه بريداً إلكترونياً باسمي هو انتحال لشخصيتي وعبث بقرائي. وذلك كافٍ لاعتباره شخصاً مجرّداً من الأمانة .


    · سلطان- السعودية :
    من أين يبدأ الحل ؟ ألم ينته زمن الكلام ؟
    - يبدأ الحل منك ومني، حين ندرب أنفسنا على سماع الآخر، ونتعلم أن نختلف مع كلمته بالكلمة، الأمر الذي سيقتضينا أن نمحو ملفّات الصفع من ذاكرة أيدينا، وأن نحمّل رؤوسنا ما لا حصر له من الكلمات. ومن شأن هذا أن يطلق سراح أعيننا الملتصقة بالصمغ في شاشة التلفزيون، ويُذكّرها بأنّ "الكتاب" قد أصبح في وحشة من فراقها، وأنها قد آن لها أن تعود إليه .
    عليك وعليّ أن نتعلم هذا وأن نعلّمه لأولادنا، وأن نضرب لهم بأنفسنا مثلاً في التراحم والتلاحم، وأن نتشارك معهم في إضاءة حجرات وعينا، لكي نعرف جيداً أهمية مقامنا عند رب العالمين، وندرك تماماً ضخامة حجم الحرية التي بثّها في خلايانا. وعندئذ.. سنغادر أبواب بيوتنا ونحن نحمل تحت ثيابنا قدسية الإنسان، لا مجرد ظلال الأرقام السابحة في ضباب لوائح التعداد ، وسيغدو مستحيلاً على من سجد الملائكة لهم، أن يسجدوا للبهائم مهما أثقلت قرونها التيجان المرصّعة بالأحجار اللئيمة.
    كلاّ .. لم ينته زمن الكلام. إنه مازال في بدايته المتكاسلة، وعليه، الآن بالذات، أن يبدأ التكفير عن تقصيره، فينتظم فوق السكّة طائراً كالقطار الكهربائي .
    لقد تخلّفنا طويلاً عن رش رذاذ الكلام النقي على دخان هذه الحرائق التي يشعلها الطغاة بأموالنا المسروقة، حتى أوشكنا على التنفس بالاختناق والإبصار بالعمى !
    الكلام النظيف هو وحده الذي يهزم الكلام القذر، وإذا فاته أن يفعل ذلك عاجلاً، فحسبه أن يَحدّ من ضراوة البغاء الصاعد من الأرض بأجنحة الورق، والبغاء النازل من الفضاء بالصناديق المُشعّة .
    كلامنا هو ما يخشاه الطغاة، لأنه عدتنا ودليلنا في البحث عن الإمام العادل، ولهذا فإننا لن نسعدهم بتركه، ولن نخون أنفسنا بإنهائه، لأننا، في غيابه، سنقرأ طريقنا بالمقلوب، وبدلاً من أن نعثر في نهايته على إمام عادل، سيكون غاية ما نحظى به هو (عادل إمام) !

    · lara bad- u.s.a
    لماذا يبدو في بعض قصائدك إيمان قوي وفي بعضها الآخر تهكّم على الشرع ؟
    - كلاّ، هذا لا يبدو أبداً. لكنه قد يبدو لك إذا وضعت الرجال في موضع الشرع نفسه، وأنا – لإيماني القوي – لا أضعهم هذا الموضع .
    إنني بدافع غيرتي على الشرع المبتلى، أتهكّم على من يمتطون الآخرة للوصول إلى الدنيا، أولئك الذين يفتحون ألف عين على قصر الجلابيب، لكنهم لا يلقون حتى نظرة خاطفة على طول " الأوزار"!
    أتهكّم على من يشوّهون جمال دين العدل والرحمة، إذ يقطعون يد سارق الدرهم، ثمّ لا يجدون حرجاً من أن يقبضوا رواتبهم من يد سارق البلاد والعباد !
    أتهكّم على من يطالبونني بالسمع والطاعة لأيّ أفّاق لم أبايعه على حكمي، ولأيّ لص لم أبايعه على سلبي، ولأيّ مجرم لم أبايعه على قتلي، ثمّ يحاولون تجميل القباحة بقبح أكبر، حين يباركون لي بعظيم المكسب لأنه لم يمنعني من الصلاة !
    وأيّ صلاة بعد هذا ؟!
    أيتفق عقلاً أو شرعاً أن أدين للمنكر بالسمع والطاعة، ثم أقوم لأقرأ في صلاتي :
    " إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ؟!
    لكلّ فرعون هامانه وقارونه، وفي زماننا هذا، استأثر فرعون بخزائن قارون، وأوقف (الهامانات) بوّابين على أعتاب ظلمه وجوره وفساده، ليعتصروا "الشرع" سوائل قابلة لأخذ أيّ شكل من أشكال أوانيه المستطرقة !
    هؤلاء، يا لارا، ليسوا الشرع. هؤلاء هم أعداء الشرع. وأنا ، في الواقع، لا أكتفي بالتهكم عليهم، بل أجلد وجوههم بسوط الإدانة، بأقسى مما أجلد الطغاة أنفسهم ، ذلك لأن الطغاة إنّما يرتكبون جرائمهم عاريةً، أمّا هؤلاء فإنهم يأتون بما يُعجز إبليس من فنون التفصيل والخياطة، من أجل إلباس تلك الجرائم ثوب الدين !


    · Algafeky Ali- canada
    البعض يقول إنك لا تؤمن بما تقول، وإنما تقول ما يريده الناس لكسب الشهرة والمال معاً، أي بمعنى آخر أنت لست صاحب قضية بالدرجة الأولى .
    - بل أنا، بكل المعاني، صاحب قضية بالدرجة الأولى والأخيرة، وإيماني بما أقوله مستقر في كلّ خلية مني، وما أقوله إنّما هو ما أريده أنا قبل كلّ شيء .
    لكن لأنني واحد من هؤلاء الناس الذين ذكرهم البعض "المبهم"، ولأنني أعيش مآسيهم نفسها، فإن ما أقوله لا بد أن يكون، بالضرورة، معبراً عن معظمهم .
    دع ذلك "البعض" ينتظر قليلاً، والتفت إليّ..إنني أطالعك باسمي الصريح ووجهي المعلن، فاسمع منّي .
    أتعتقد أنّ شيئاً في الدنيا أغلى عندي وأحبّ إليّ من أن ألوذ بظلّ أبي، أو أن أستروح عطر أمّي، أو أن أتقاسم مع إخوتي ضحكة صافية في لحظة أمان ؟
    ما الذي حملني على ترك كنوز كهذه، يحسدني قارون عليها، لأتجاذب أطراف الغربة والخوف والمرض والتهديد، وأفرغ حصّالة عمري، على جمر النكبات، من ثمانية وعشرين عاماً هي الأزهى والأجمل في حياة أيّ إنسان ؟
    الشهرة ؟!
    أما كان بوسعي أن أطلبها بالسلامة وقلّة الجهد ؟
    هل تعوزني الكفاءة، مثلاً، لنزع خرقة أمسح بها على ظهور هذه الحكومات القذرة؟
    وهل أحتاج إلى جهد لكي أؤلّف (كمننا) على شرف هذا الزمان الكمنني ؟
    إذا كانت الشهرة مطلبي حقاً، فأيّ أحمق أنا إذ أسعى إلى أضيق آفاقها على حدّ الشفرة، فيما يتربع عليها من دوني – بخبطة طبلة – زميلنا المناضل " شعبان عبد الرحيم" الذي يكره المقاول .. ويحب المَعاوِل ؟!
    إذا كنتُ معروفاً إلى حد ما، فليس لأنني أسعى لأن أكون معروفاً، ولكن لأنني أصرّ، بوسيلتي الخاصّة البسيطة، على إيصال الكلمة الحرة الصادقة إلى أبعد رأس مغمور بضلالات الحكام ومرتزقتهم.. وعندئذ لابد لمن تصل إليه الكلمة أن يعرف من المسؤول عنها .
    وأجمل ما في هذه المعرفة أنها قائمة على التشارك الفعلي في الهموم والتطلعات، لا على الصيت الفارغ .. وإلاّ فكم من مشهور ترى اسمه مقرراً في المطبوعات، وصورته مفرودة على الشاشات، دون أن يملك القارئ من كلامه حرفاً واحداً ؟
    أهكذا أنا ؟
    لعلك تقول إنّ هناك قطيعة بين وسائل الإعلام وبيني؟ هذا صحيح ، وهو يعني أن ما أقوله يغلق باب الشهرة بدلاً من أن يفتحها، وهذا بحد ذاته كافٍ للرد على ذلك " البعض " .
    لكنّ هناك جانباً آخر لهذه المسألة، أعتقد أن الكثيرين يجهلونه، ولذلك ينبغي لي هنا أن أجهر به ، لكي يعلم من لا يعلم.
    إنّ قرار القطيعة بيني وبين وسائل الإعلام ليس بيد تلك الوسائل .. بل بيدي أنا .
    فإذا كانت تقاطعني بالمواسم، فأنا أقاطعها بالدهر. إنها تسعى إليّ أحياناً، لكنّني لا أسعى إليها أبداً. وحتى إذا سارعت هي إلى فتح صفحة جديدة معي، فإنني سرعان ما أختم كتابها كلّه بالشمع الأحمر .
    تأتيني، باستمرار، دعوات كثيرة وملحّة، من صحف ومجلات وفضائيات ومهرجانات ومنتديات ومؤسسات رسمية وشبه رسمية، لكنني أبادر، دائماً، إلى الاعتذار عن عدم التلبية .. وأظن أنّ بوسع العشرات ممن كتبوا إليّ أو اتّصلوا بي أن يشهدوا بذلك .
    إنني ، خلال أعوام طويلة، لم ألبِّ سوى دعوتين اثنتين للحوار، أولاهما مع مجلّة معارضة بشدّة لأنظمة القمع، والثانية مع مجلّة كان يصدرها شبّان شرفاء كتجربة لصحافة مختلفة، ولم تكن لهم أيّة علاقة بسلطة تدفعهم أو تدفع لهم. وأكبر دليل على براءة هاتين المجلتين، أنهما توقفتا عن الصدور، لضيق ذات اليد، ولضيق ذات الطغيان !
    مختصر القول: إنّ الشهرة –على ضيقها- هي التي تسعى إليّ، ولو أنها توقّفت عن مسعاها ، فسأكون لها شاكراً وممتناً. أمّا المال المحدود الذي أكسبه بعملي فإنني أبذل أضعافه جهداً، ثمّ لا ألبث أن أدفع ثلثه ضرائب للحكومة .
    بلّغ أثباج أنني أنا من يدفع للحكومة !



  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    أحمد الغامدي – السعودية :
    بدايةً أحمد الله الذي رفع عن هذا الموقع حجب شياطين السلاطين، ثمّ أبارك لكم هذه الخطوة في استضافة شاعر العرب الأول .
    أستاذي الكبير أحمد مطر.. أهديك تحية رائقة لائقة فائقة، فالسلام عليك ورحمة الله .
    كثيراً ما أسائل نفسي عنك.. لماذا يحيا هذا الشاعر حياة المشردين ؟ ما ضرّ لو عاش كغيره من شعراء العرب ؟ ما هذه البدعة التي ابتدعها في عالم الشعراء ؟ إلامَ يحشد طاقاته وقدراته ؟ إذ لا أظن أنك ساعٍ لشهرة، فلو كانت مقصدك لأتتك بأقل مما تبذل، فأنت لست شاعراً فحسب، بل أنت مؤسسة إعلامية .. بل دولة !
    أنت الأعشى الذي خافت قريش إسلامه.. غير أنه لم يلهك ما ألهاه .
    ولقد كنت – أنا- فيما مضى ادعيت لك منزلة قد ادعت الخنساء لنفسها لدى النابغة أقلّ منها .. زعمت –أنا- أنك أشعر العرب والعجم رجالهم ونساءهم، جنّهم وإنسهم، وأولهم وآخرهم !
    أستاذي أحمد .. همس لي جدي ذات يوم بحكمة أراها كلّما أقدمت على عمل .. قال لي: (يا بني..إذا سرقت فاسرق جملاً) .. رحم الله جدي، إذ كان يعلمني كيف أكون عالي الهمة حتى لو تدنيت لمستوى اللصوص !
    أقول لشاعرنا.. إن حكمة جدي الآن تلوح لي لأسألك: ما غايتك ؟
    أرجو أن تكون عظيمة مستحقة لكل ما ضحيت به.. غاية تجعلك محموداً عند ربك كما أنت عند خلقه .
    - أشكرك من كل قلبي، يا ولدي، على المحبة التي غمرتني بها، و إذ أعترف بأنني أفقر بكثير من غنى هذه الأوصاف التي أغدقتها عليّ، فإنّ عندي من الصدق والثقة أيضاً ما يجعلني قادراً على طمأنتك بأن ظنك بي لن يخيب بإذن الله، لأنّ غايتي عظيمة بالفعل، وهي دعوة الناس إلى الخروج من عبودية العبيد، إلى نور الحريّة في ظلّ رب العباد .
    أمّا حكمة جدك رحمه الله، فقد ألفيتُها تدور في بيئتي من قبل، ويسعدني أنك أحسنت فهمها على الوجه المطلوب، وليت حاكماً واحداً من حكامنا قد فهمها مثلك، إذن لأزاح عن صدورنا واحدة من هذه الجلاميد المتراكبة.. لكن المشكلة أن كلاً منهم قد فهمها حرفياً، فسرق الجمل بما حمل، ولم يكتفِ بذلك بل سرق الأرض بمن عليها !
    هناك حكمة أخرى، طالما سمعتها، منذ وعيت، تتردد على شفتَي والدتي، حتى أصبحت لكثرة ترددها جزءاً من ذهني، وهي: (أمّي..لا تعيش بذل وأرض الله واسعة) . ولقد احتجت لأن أكبر وأتعلم القراءة، لكي أدرك أنّ أمي، ببساطتها، كانت تلخّص لي قوله تعالى في سورة النساء: ( إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيرا)
    والآن.. أرى ذلك الطفل الذي كنتُه، يموّه دمعته بالابتسامة، ويطلّ من وراء كهولتي، ملوّحاً بقلبه، على رغم اتّساع المسافة والزمن: ( شكراً يا أمّي) .


    · عبير حجازي – فلسطينية مقيمة في الإمارات :
    عزيزي المبدع أحمد مطر..
    توقفت مطوّلاً لأبحث عن سؤال يختزن كل علامات الاستفهام التي تجول بخاطري، غير أنني لم أجد سوى علامة استفهام مهولة يدور في حلقتها سؤال واحد: أهو الألم أم الأمل ما يزرع بذرة الإبداع وييسر ولادة القصيدة لدى أحمد مطر ؟
    - صدّقيني، أيتها العزيزة، إذا قلت لك إنني لست أقلّ حيرةً منك، أمام علامة الاستفهام المهولة تلك.
    لا ريب أنّ الألم هو سائق انفعالاتي الفظّ، وأنّ الأمل هو وسيلتي الدائمة لترويضه. لكن.. هل أكون بهذا قد لخّصت لك عملية الإبداع ؟
    كلاّ، فليس الألم والأمل سوى عاملين بسيطين ظاهرين على سطح حشد كبير من العوامل الفعّالة الخفية التي لا يمكن لأيّ شاعر أن يتبيّن أسرارها بدقّة .
    إنّ للتجارب والأحداث والقراءات خمائر عديدة تعيش في النفس قبل وأثناء وبعد الكتابة، غير أنّ الإلمام بكيفية وحدود تفاعلها، أو طريقة تدفّق خلاصاتها، يبقى، على الدوام، أمراً مستحيلاً. ولعلّ ما يؤكد هذه الاستحالة أنّ العملية الإبداعية لا تتم بصورة واحدة، فهناك قصائد تندلع ثمّ تتّقد وتمتد وتصنع نارها في أقلّ من ساعة، بينما ثمّة قصائد أخرى تمشي متّئدة، وقد لا تبلغ درجة الاتقاد إلاّ خلال أشهر، أو حتى سنوات .
    المهم أن يكون المرء حائزاً على القدر المناسب من الطاقة، والقدرة الجيدة على استخدام الأدوات، لكي يستطيع، إذا اندلعت شرارة التفاعلات في داخله، أن يحاصرها في الحدود التي تكفل إنضاج الرغيف ومنح الدفء ونشر النور معاً.
    ومن دون هذه الطاقة وتلك الأدوات، فإنّ الشرارة قد تنطفئ قبل الأوان،أو قد تغادر مثابة الجمال والفائدة، إلى مهاوي الإحراق والتدمير .
    وأنا بما لدي من طاقة وخبرة في استخدام الأدوات، أحاول، مخلصاً، أن أستمد من ذلك التفاعل الخفي جرعة النار اللازمة، وأن أحول، جاهداً، دون انكسار السدّ وتدفّق طوفان الحريق .


    · أحمد سعيد- الأردن- عمّان :
    غالبية قصائد الشاعر أحمد مطر تصوّر لنا كبت الحريّات في الأوطان العربية، وبالذات حرية التعبير. كيف يرى أحمد مطر تجربة الإنترنت التي أتاحت للجميع حرية التعبير ؟ وهل استطاعت حرية الكلام أن تغيّر شيئاً ؟
    - لاشكّ أنّ تجربة الإنترنت قد فتحت أفقاً رائعاً لتداول المعلومات والأفكار، لكنها - وأرجو أن أكون مخطئاً –لم تفلح ، بعد، في إزالة آثار الكبت، ولا في إتاحة حرية التعبير المبتغاة. ذلك لأنّ طرفي العلاقة (المواطن والسلطة) وهما يواجهان شبكة الإنترنت، مازالا مشدودين بقوّة إلى شبكة خوفهما الأزلية ..فإذا رمى ذلك منشوراته من وراء حائط الأسماء والعناوين المستعارة، كبست هذه زراً فارتفع السقف وانطبق على الحائط .
    لقد أبلغني أخي العزيز المشرف العام على هذا الموقع، بأن موقعه كان محجوباً عن بعض الدول الخليجية لمدة ستة أشهر..فيما علمت أن ابن شاعر مصري راحل، دخل السجن لنشره إحدى قصائد والده على الإنترنت .
    وهذا يعني أننا، برغم تقدّم وسائل الاتّصال، مازلنا نتحرك في زمن المخبر " عبد العاطي "، وأننا ما زلنا نطبع منشوراتنا السريّة بآلة (الرونيو) البدائية، وكلّ ما جدّ هو أننا صرنا ندثّر عظامها الواهية بسترة (الكومبيوتر) !
    ليس ما نتوخاه من حرية التعبير، يا عزيزي أحمد، هو أن ننفض خير وشرّ ما في أنفسنا من غضب مشروع أو عُقَد مستحكمة، لمجرد التنفيس، من وراء الحيطان.
    ذلك شبيه برمي بذرة في الهواء، لا هي ضامنة لمسؤولية فلاّح ولا هي طامعة بخصوبة تربة.
    إنّ ما نتوخاه من حرية التعبير ليس " التنفيس " السرّي، بل " التنفس " العلني .
    وعلى هذا فلا تسأل، بهذه السرعة، عمّا إذا كان الكلام قد غيّر شيئاً. إنها مجرد خطوة.. وهي خطوة واسعة وباعثة للأمل، وعلينا أن نغتنمها بكلّ طاقتنا، للتدرب على القفز إلى ما بعدها، حتى نستكمل المسافة نحو "حرية التعبير" الحقّة، تلك التي نقف فيها على أقدامنا، ونسفر عن وجوهنا، ونعلن عن أسمائنا، لنقول ببساطة ودون خوف، لكل من ينتحل هيئة الخليفة: ( لقد رأينا فيك اعوجاجاً، فاستقم، وإلاً قومناك بالسيف ) .
    عندئذ لن تكون هذه الحرية قد غيّرت شيئاً، بل ستكون قد غيّرت كلّ شيء .
    شكراً للإنترنت الذي منحنا هذه الخطوة، وعلينا لكي نرد له هذا الجميل، أن نسارع بجعل خطوته قفزات عالية .
    أقول قولي هذا، وعيني على الحائط، وأذني على صوت الزّر الذي سيلصق السقف بالحائط !
    لا يهمّ .. سيصل الكلام. إن لم يكن اليوم، فغداً .


    · أبو سفيان- السعودية :
    المفردة في شعر أحمد مطر تتراوح بين " العلو والسمو " وبين اللفظة " السوقية الدارجة " هل استخدام المفردات أيّاً كانت لا يضر بعبقرية الشعر ؟
    دعا بعض النقاد إلى دراسة الظاهرة القرآنية في شعر أحمد مطر.. ما هي الحدود التي يوظف فيها أحمد مطر النصوص القرآنية في شعره ؟ أم أن الحرية مفتوحة في ذلك ؟ وكيف ينظر إلى قدسية النص القرآني ؟
    - أصدقك القول بأنني، عندما أكتب، لا أتذكّر عبقرية الشعر، وإنما ينحصر همّي في تركيب العبارة السهلة المستوفية للفكرة التي أريد إيصالها بكل صدق إلى القارئ .
    وأنا أؤمن، في هذا السبيل، بأن المفردة بذاتها لا تملك أن تكون رفيعة أو وضيعة، بل هي تكتسب صفتها من خلال اتحادها بمجموع مفردات العبارة .
    خذ مثلاً هذه العبارة الموجهة من شاعر إلى حاكم: ( ما شئت لا ما شاءت الأقدار.. فاحكم فأنت الواحد القهّار ) ، ألا ترى أنّ ألفاظها الرفيعة المتفرقة، قد بلغت غاية القبح والانحطاط إذ تجمّعت ؟!
    وخذ، بالمقابل، هذه العبارة الموجهة من شاعر آخر إلى حاكم آخر: ( وتعجبني رجلاك في النعل، إنني.. رأيتك ذا نعلٍ إذا كنتَ حافيا )، ألست ترى أنّ ألفاظها الوضيعة المتفرّقة، قد بلغت مكاناً عالياً إذ تجمّعت ؟
    فإذا كانت العبقرية تتعافى على الأولى، وتمرض من الثانية، فادع معي الله ألاّ يعافيها أبداً .
    أمّا قدسية النص القرآني فهي عندي محفوظة بالتنصيص، وفي ما عدا ذلك فأنا شاعر أستلهم روح النص، أو أتأثّر بصدى اللفظ، أو أستهدي بعناصر القصّ، وأوظفها فنيّاً لإظهار المفارقة، أو تحقيق الصدمة، أو إبداء الاحتجاج .
    وأحسب أنني، في كل ذلك، لم أصدر إلاّ عن نفس مؤمنة، تتصدّى للإشارة إلى البون الشاسع بين ما أراده الله وبين ما تصنعه الأوثان البشريّة .


    · طارق- السعودية :
    ما بين الشيوعية والتشيّع مسافات ضاربة في البعد، إلى أي مدى وفّق أحمد مطر بينهما ؟ أم أنّ حب " لينين " كان بديلاً عن آل البيت الكرام !!
    - يمكن أن أعتبر نفسي محظوظاً بوجودك، يا عزيزي طارق، فها أنت تكشف لي معلومة جديدة جداً عن أحمد مطر !
    ما شاء الله، تبدو مستوعباً لشعره تماماً، ومطّلعاً على سيرة حياته بدقة، وعلى بينة من كل ما ورد في صحيفة أعماله، وعلى الإجمال يبدو أنك تعرفه أكثر مني، بدليل أنني عشت معه أعواماً طويلة، دون أن يصرّح لي بشيء عن بنائه الجسور للتوفيق بين المسافات المتخاصمة، ولا عن انشغاله بتلك الغراميات البديلة !
    ومكافأة لك على هذه المعلومة، سأساعدك في حل مشكلتك : مزّق كلّ قصائده التي قالها في حب لينين، وارمها في الزبالة، ثمّ احتفظ، إن شئت، بالقصائد الباقية.
    أمّا مشكلتي أنا، فلا أطلب المساعدة في حلّها إلاّ من ربّ العالمين .ومشكلتي هي أنّك تنخزني قائلاً ( أخ فلاديمير.. عندي سؤال)، ثمّ لا تترك لي فرصة القول ( أنت غلطان.. أنا أخوك أحمد ) بل تعاجلني بسؤالك كالطلقة :
    ( لماذا سموكَ فلاديمير؟ ) !
    لقد خنقتني ابتسامة مُرّة، وأنا أقرأ سؤالك، وتساءلت في نفسي بدهشة: إذا كنت أنا، بكلامي البسيط جداً والواضح جداً، لم أستطع أن أوصل معناي إلى العزيز طارق، فعلى أيّ جبل شاهق من الصفاقة والوقاحة يستند أصحاب الطلاسم، حين يدّعون أنّهم واصلون إلى الناس ؟!

    · وصايف- عربستان :
    حصل بينك وبين الشاعر غازي القصيبي مناوشات أدبية حول بعض الفعاليات السعودية في الخارج. هل من الممكن أن نعرف ولو بعض تفاصيل ما حصل ؟
    - قبل عدّة أعوام تلقّيت رسالة من قارئ جزائري، أطال التأكيد فيها على أنه وجد في شعري ما يبحث عنه من معانٍ عميقة وهادفة ، ثم واصل قائلاً: أتوجه إلى حضرتك ببعض الطلبات وأتمنى ألاّ تبخل عليّ بها، وهي أولاً: الشريط الذي يتضمن أشعار سعادتك الفاضلة والذي تقول فيه " قتل كلب في مغتفر جريمة لا تغتفر ". ثانياً: عنوان الممثل محمود عبد العزيز !
    لقد أوقعني في حيرة. إذ كان ممكناً أن أعثر له على عنوان محمود عبد العزيز، لكن كيف يمكنني أن أحصل على شريط سعادتي الذي أقول فيه " قتل كلب في مغتفر "، وأنا نفسي لم أسمع به ؟!
    أنا، الآن، في مأزق مماثل. صحيح أنني كتبت شعراً عن بعض فعاليات وأفاعيل الدولة السعودية، لكن لم يحدث قط أن دخلت في مناوشات من أي نوع مع الشاعر غازي القصيبي، ولم أسمع بمثل هذا الأمر إلاّ منك الآن !
    إنني في غاية الأسف، يا وصايف، لعدم استطاعتي أن أشبع فضولك من هذه الناحية .
    هل ينفع عنوان محمود عبد العزيز ؟

    · النورس :
    كنت تمثل لنا رأس الحربة في وجه التسلط أياً كانت مصادره، ثم أتى بن لادن فصار رأس الحربة ضد التسلط الأميركي.. غير أننا لم نرَ من قصائدك الكثير من المساندة له – بغض النظر عما لو خالفته في بعض الأمور – لم نر الكثير، فهل ياترى أثّرت 11 سبتمبر على صوتنا الحر والمتحدث الرسمي باسمنا أحمد مطر؟
    - إنّ موقفي المناهض لأميركا هو موقف مبدئي، لا يحتاج إلى حدث صاعق لكي يُستفز، ولا ينتظر هدنة لكي يستريح .
    لقد كنت، على الدوام، لا أنظر إلى أميركا إلاّ نظرتي إلى الشيطان- والعكس صحيح- ولا أخاطبها إلاّ بحجارة الرجم، حتى أيّام ارتدت العمامة، وأذّنت فينا للجهاد، إذا كنتم تذكرون !
    وعلى العكس مما ترى، فإنّ شعري في هذا الاتجاه، أصبح أكثر كثافةً وعنفاً بعد 11 سبتمبر بالذات، حين نزعت أميركا حتى براقعها الشفّافة، فأبدت للدنيا وقاحة من شأنها أن تستفزّ الحجر الأصم .
    اطمئنوا .. ليس لمثلي أن يتغير .
    أبعد أن فاض إناء العمر ؟!


    · أنفال سعيد-السعودية :
    إلى شاعر المنفى
    (ميلاد الموت) كانت القصيدة التي ابتكرت فيها بحراً من بحور الشعر. حدثنا عنها قليلاً، وأتحفنا بأبياتها .
    - كتبت قصيدة " ميلاد الموت " في اليوم الأخير من سنة 1980، على وزن زاوجت فيه بين " مجزوء الخفيف " و " المجتث " وهو معكوس الأول .
    وعندما شرعت في الكتابة لم أكن قاصداً إلى ابتكار هذه النغمة، بل كنت أكتب بتوافق موسيقي عفوي، لم أشعر في أثنائه بأي خروج على البحور المألوفة، فلمّا اكتشفت ذلك بعد كتابة البيت الخامس عشر، لم أتوقف، بل مضيت حتى نهاية القصيدة، ممعناً في استمطار هذه النغمة للتعبير عن حالتي النفسية في ليلة رأس السنة الجديدة، حيث عنائي من مرارة الوحدة .
    وبعد إتمامها تأملتها، فوجدت في اجتماع "مجزوء الخفيف" و"المجتث" إمكانية لاحتواء الشعر بتلقائية، مما يضيف قالباً جديداً لتفاعيل الأبيات مبنياً على التخالف بين الصدر والعجز، على عكس التوافق في البحور المعروفة، فهو:
    ( فاعلاتن مستفعلن .. مستفعلن فاعلاتن ) .
    وقد أشرت عند نشرها في الأسبوع الأول من سنة 1981، إلى أنه نظراً لتركيبة التفاعيل في هذا البحر، لا يمكن للشاعر أن يقفّي الصدر والعجز معاً، وذلك لاختلاف تفعيلة "الضرب" عن تفعيلة "العروض"، كما يستحب أن يصيب "الخبن" تفعيلة "مستفعلن" لتكون "مفاعلن"، فذلك يُطرّي النغمة أكثر بحيث لا يحسّ القارئ وقوفاً أو حِدّة في البيت .
    ثمّ أنني أسلمت الأمر، بعد هذا، لمقدار قبول أذن القارئ لموسيقى هذه التركيبة، وتركت الحكم للمختصين، فكان الأستاذ الدكتور عبده بدوي أوّل المبادرين إلى عرضها والإشادة بها في مجلة (الشعر) المصرية .
    وإليك المقطع الأخير منها :
    أهـوَ الحـبُّ أن أرى مَنيـّتي في الأماني ؟
    كتـمَ الليـلُ هَمَّــهُ وهَمَّـهُ أن أُعانـي
    ومضى دونَ بضـعةٍ مِن لونهِ في كيانـي
    تتهـجّى وصيَّـتـي قبلَ انتهاء الثوانـي :
    رَقصَتْ ساعة الرّدى إذ التقـى العقـربانِ
    وذَوَتْ زهرةُ الصِّـبا في القلبِ قبلَ الأوانِ
    يافـتاتـي .. فرحمةً بالأمنيـاتِ الحسـانِ
    لم تَعُـد دوحةُ المنى معروشـةً بالأمـانِ
    وبِحـاري تَرنَّـقتْ فجـرّبي قلبَ ثـانِ .


    · عصام – المغرب :
    أريد أن أعرف البديل السياسي أو الفكري الذي يطرحه أو يتبناه أحمد مطر. لأني بصراحة يغيب عني تصوّره هنا.
    - لا أعتقد أنّ توجهي الفكري قد غاب عنك حقاً، إذا كنت قد قرأت شعري كلّه .
    وهو مع وضوحه التام، ليس بديلاً عن التوجهات الأخرى، بل سابح معها في منافسة الوصول إلى سفينة النجاة، وحين يفلح في أن يكون أوّل الواصلين، سأكون أوّل الثائرين عليه، إذا استأثر بها دون الآخرين وتركهم طعاماً للأمواج الكاسرة، أو إذا حاول، لقاء انتشالهم، أن يُشغّلهم بحّارة بالسخرة، لا نصيب لهم في لمس الدفّة أو النظر في البوصلة أو قراءة النجوم ، ولا حقَّ لهم في محاسبته إذا أراد إغراق السفينة بمن فيها .
    إنني لست مطبلاً في زفّة بعينها، ولا دلاّلاً على باب دكّان حزبيّ محدد. أنا شاعر من عامة الناس، أعيش محنة كلّ الناس، فأعبّر عنها، وأستنهضهم للخلاص، وليعمل كلٌّ على شاكلته .
    أمّا إذا شئت بديلاً عمّا هو قائم فهو نقيض كلّ ما تراني أنتقده في شعري. إنّه مختصر في "حرية الإنسان وامتلاكه لأمره وفق قانون ربّه" .
    ومن الواضح جداً أنّ ما أبتغيه هو أن يصل الجميع إلى هذه المحطة بأمان وسلام، مهما كانت ملامحهم ومهما كانت أفكارهم، لكنّ المشكلة هي أننا –نحن مالكي السيارة – نفاجأ كلّ يوم بشخص غريب يقفز، في غفلة منا، وراء عجلة القيادة، فيخطف سيارتنا ويخطفنا معها تحت تهديد السلاح، ولا يتركنا إلاّ حينما يخطفنا منه لصّ آخر، حتى تخلخلت الإطارات، وصدئت الصفائح، ونفد الوقود، وكدنا نموت إعياءً وجوعاً .
    كلّ ما أطلبه من بديل لهذا الوضع الشاذ والمهلك، هو أن نختار سائق سيارتنا بأنفسنا .
    هل هذا كثير ؟!

    · عبد الغني عقيلي- السعودية :
    ( أنا لا أكتب الأشعار فالأشعار تكتبني
    أريد الصمت كي أحيا، ولكنّ الذي ألقاه ينطقني
    ولا ألقى سوى حُـزُنٍ على حزن على حزنِ
    أأكتب أنني حيٌّ على كفني ؟ )
    متى فقدت حريتك وتراكمت عليك الأحزان ؟ وأين ؟ وهل وجدتها الآن ؟
    هل صحيح أنّ أجمل القصائد وأصدقها كانت خارج الأوطان العربية..في المنفى ؟
    - لم أفقد حريتي حتى أجدها. لقد فقدت أشياء كثيرة وكبيرة بسبب انشغالي بالحفاظ على هذه الحرية. ولو أنني فقدتها، لكانت كل تلك الأشياء في حوزتي، ما عداي !
    حريتي هي أنا، ولن تستطيع أيّة قوّة في الدنيا أن تجردني منها، ولو جردتني من روحي .. لقد أودعتها القدرة على الصراخ حتى بعد موتي .
    أمّا الشعر الجميل والصادق فهو رهن بجمال وصدق الشاعر لا بالمكان .
    غير أنّ مثل هذا الشاعر قد يضطر، في ظروف القمع وضيق ذات القول، إلى استخدام حيل التخفّي، لركوب وسائط النقل دون أن يدفع ثمن التذكرة، وهذا ما لا يحتاج إليه في المنفى، لأنّ المنفى نفسه هو الثمن الباهظ المدفوع سلفاً، من أجل حيازة الحنجرة كاملة، والتجرد من طاقية الإخفاء .
    المسألة، إذن، متعلقة بمساحة ملعب الجميل الصادق، لا بطبيعة الجمال والصدق. ذلك أنّ آلاف المنافي لا يمكن أن تعتصر الجمال والصدق من قريحة شاعر قبيح كذّاب .

    · ندى – الأردن :
    كلّ من كتب بالسياسة من الشعراء له قصائد ودواوين في الغزل .. لماذا لم يكتب أحمد مطر في هذا المجال، بالرغم من أنه مجال يستهوي كلّ الشعراء ؟
    - نعم .. أنا على علم بأنّ لكلّ الشعراء دواوين في الغزل، وهذا هو بالضبط ما طمأنني على أنّ ثغورنا "العاطفية" ليست مكشوفة أمام جحافل "العاذلين" والحمد لله، وأنّ مخزوننا من القلوب المشكوكة بالسهام كفيل بأن يُعيل "لواعج غرامنا" لألف سنة مقبلة، على الأقل .
    وإذا أضفت إلى هذا كون أمننا الداخلي مستتباً ومضبوطاً مثل "العقال" ببركة الآلاف المؤلفة من "ضبّاط" الإيقاع، فسيكون من الطبيعي أن يداخلني اليقين بأن الجهاد على تلك الجبهة قد أصبح، بالنسبة لي "فرض كفاية"، مما يمنحني عذراً واسعاً للانصراف إلى حجرة رغائبي الذاتية دون خشية من "عاذل" أو "رقيب" !
    لطالما واجهت هذا السؤال، يا ندى، ولطالما أبديت حجتي جاهداً، لكن دون جدوى. لقد تقطّعت أنفاسي من الشرح، ولم ينقطع السؤال عن الدوران .
    إذا ظنّ أحد أنني لم أعرف الحب فهو مخطئ إلى أبعد حد، وإذا اعتقد أحد أنني لا أجيد صياغة الغزل فهو أكثر خطأً من سابقه .
    خلاصة الأمر هي أنّ لي قلباً مفعماً بالعواطف المشبوبة، لكنه لا يعرف الكذب مطلقاً . ولذلك فإنني سأكون مستحقاً للعنته إذا حاولت إقناعه بضرورة إقامة معرض لصباباتي، فيما هو يرى، بأمّ فؤاده، أنّ بيتنا بمن فيه وما فيه، سابح في الحريق .
    لا أنكر على غيري أن يفعل ذلك، فلكلٍّ شأنه، لكنني هنا أتحدث عن نفسي كحالة خاصة أعرفها جيداً، وأعرف أنها لا تعمل بنظام المناوبة، وأعرف أنّ الهم الذي يشغلها يجعلها تخجل حتى من تناول وجبة الطعام، فما بالك بالغناء في المأتم !
    قبل أربعة عشر عاماً، حين واجهت هذا السؤال بكثافة عاتية، نشرت قصيدة ( أعرف الحبّ .. ولكن ) في مجلة (الناقد) اللندنية، في محاولة مني لتعميق الردّ على السؤال بكتابة شعرية، تبدي حججي واضحةً، وتثبت، في الوقت نفسه، أنني لست عاجزاً عن الطراد في هذا الميدان.
    وقد مهّدت لتلك القصيدة بمقدمة نثرية قلت فيها:" إنّ كثيراً من الناس الذين يقرؤون شعري، والقارئات بصفة خاصة، يسألني عن أسباب أزمة شعر الحب عندي، أو أزمة نشره، ولا أنسى أنّ نزار قبّاني قد أخذ عليّ ، أكثر من مرّة، أن أدفن نفسي حياً، وأنشغل بالحرب دون الحب. وقد أزعجه أن يذهب شبابي دون أن أخوض في هذا اليم الساحر، فأستحضر في النفس الأمّارة..كلّ شياطين وملائكة الشعر.
    وإنّي لأجيب في كلّ مرة، لكنً السؤال يعود إليّ دائماً كخيط المطاط، حتى تعبت "
    ولقد ذهب الشباب ولم يذهب السؤال، برغم أن المصائب هي الأخرى لم تذهب، بل تراكمت وباضت وفرّخت، وسدّت منافذ الأنفاس .
    هل أفهم أنّ كلّ جهود "الإغاثة الغزلية" قد أخفقت في إمدادكم بما تحتاجون، حتى لم يعد أمامكم إلاّ انتظار المَدد منّي؟!
    ابشروا، إذن، سوف لن أتأخر إلاّ بضعة عُمر .
    سأقـدِمُ إليكم، حالما أنتهي من البكاء على القتلى في جميع بقاع أوطاننا المستقلة عن نفسها. وإذا كنت سأتأخر قليلاً فلأنني سأنشغل، لبعض الوقت، بدفن كرامة أمّة كاملة لا تزال جثتها مرمية على رصيف شارع (الفيديو كليب) .
    وللمناسبة.. هناك أربعة عشر مليون أفريقي، نصفهم من الأطفال، مهددون بالموت الحتمي جوعاً، في غضون الأيام الخمسين المقبلة .
    تسلّوا بالفرجة عليهم، إلى حين وصولي… لن أتأخّر .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66


    لافتات 1

    -مدخل
    -طبيعة صامتة
    -قطع علاقة
    -قلة أدب
    -على باب الشعر
    -يقظة
    -الصدى
    -عدالة
    -التهمة
    -خطاب تاريخي
    -نبوءة
    -عقوبات شرعية
    -اللغز
    -شطرنج
    -الحبل السري
    -نكتة
    -حكاية عباس
    -ثورة الطين
    -رقاص الساعة
    -قلم!
    -عائدون
    -قبلة بوليسية
    -الثورة والحظيرة
    -قمم باردة
    -الأضحية
    -رؤيا أبراهيم
    -الصحو في الثمالة
    -الجزاء
    -على باب الحضارة
    -الله أعلم
    -القرصان
    -أصفار
    -اللعبة
    -عاش...يسقط
    -أحبّك
    -أعوذ بالله
    -رماد
    -لا نامت عين الجبناء
    -شكوى باطلة
    -قومي وأحبلي ثانية
    -الأرمد ...والكحال
    -كان يا ما كان
    -ورثة إبليس
    -دمعة على جثمان الحرية
    -مقتل شاعرين
    -بطولة
    -كلمات فوق الخرائب
    -حلم
    -الذنب
    -الحي الميت
    -بين يدي القدس
    -المسرحية
    -انحناء السنبلة
    -بيت وعشرون راية
    -جاهلية
    -سطور من كتاب المستقبل (بلاد العرب)
    -قواعد (بدعة)
    -اكتشاف
    -صدمة
    -علامات على الطريق
    -إن الإنسان لفي خسر
    -تساؤلات
    -الدليل
    -أين المفر؟
    -عزاء على بطاقة تهنئة
    -سواسية
    -اعترافات كذاب
    -دوائر الخوف
    -فبأي آلاء الشعوب تكذبان
    -قف ورتل سورة النسف على رأس الوثن

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    لافتات 1 :




    الطبعة الأولى : نوفمبر – تشرين ثانٍ 1984م .

    حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

    ........
    مدخل

    سبعون طعنةً هنا موصولةَ النَّزْفِ
    تُبدي .. ولا تُخفي
    تغتالُ خوفَ الموتِ في الخوفِ
    سَمَّيتُها قصائدي
    وسَمِّهَا يا قارئي : حتفي !
    وسَمِّنِي .. مُنتحراً بخنجرِ الحرفِ
    لأنني , في زمنِ الزَّيْفِ
    و العيشِ بالمزمارِ والدّفِ
    كشفتُ صدري دفتراً
    و فوقَهُ
    كتبتُ هذا الشعرَ بالسيفِ !
    ====================



    طبيعة صامتة

    فى مَقْلَبِ القِمَامَهْ
    رأيتُ جثةً لها ملامحُ الأعرابْ
    تَجَمَّعَتْ من حَوْلها " النسورُ " و " الدِبَابْ "
    و فوقَها علامَةْ
    تقولُ : هذي جيفةٌ
    كانتْ تُسَمَّى سابقاً ...كرامَهْ
    ====================
    قطع علاقة

    وَضَعوا فوقَ فمي كلبَ حِراسهْ
    و بَنَوا للكبرياءِ
    في دمي , سوقَ نِخَاسَهْ
    و على صحوةِ عقلي
    أمروا التخديرَ أن يسكُبَ كاسَه
    ثم لما صحتُ :
    قد أغرقني فيضُ النجاسَهْ
    قيل لي : لا تتدخّلْ في السياسهْ
    * * *
    تدرُجُ الدبابةُ الكسلى على رأسي
    إلى بابِ الرئاسهْ
    و بتوقيعي بأوطاني الجواري
    يعقد البائعُ والشاري مواثيقَ النخاسه
    و على أوتار جوعي
    يعزفُ الشبعانُ ألحانَ الحماسه !
    بدمي تُرسم لوحاتُ شقائي
    فأنا الفنُّ ..
    وأهلُ الفنِّ ساسَهْ
    فلماذا أنا عبدٌ
    والسياسيون أصحابُ قداسَهْ ؟
    * * *
    قيلَ لي :
    لا تتدخّلْ في السياسَهْ
    شيَّدوا المبنى .. وقالوا :
    أبعِدوا عنه أساسَهْ !
    أيّها السادةُ عفواً ..
    كيف لا يهتزُّ جسمٌ
    عندما يفقد راسَهْ ؟!
    ====================



    قلة أدب

    قرأتُ في القُرآنْ :
    " تَبَّتْ يدا أبي لَهَبْ "
    فأعلنتْ وسائلُ الإذعانْ :
    " إنَّ السكوتَ من ذَهَبْ "
    أحببتُ فَقْري .. لم أَزَلْ أتلو :
    " وَتَبْ
    ما أغنى عَنْهُ مالُهُ و ما كَسَبْ "
    فصُودِرَتْ حَنْجَرتي
    بِجُرْمِ قِلَّةِ الأدبْ
    وصُودِرَ القُرآنْ
    لأنّه .. حَرَّضَني على الشَّغَبْ !
    ====================



    على باب الشعر

    حينَ وقفتُ ببابِ الشِّعْر
    فَتَّشَ أحلامي الحُرَّاسْ
    أمَروني أنْ أَخْلَعَ رأسي
    وأريقَ بقايا الإحساسْ
    ثم دَعَوني أنْ أكتُبَ شِعراً للناسْ
    فخلعتُ نِعالي في البابِ
    وَقلتُ :
    خلعتُ الأخْطَرَ يا حُرَّاسْ
    هذا النعلُ يدوسُ
    ولكِنْ ..
    هذا الرأسُ يُداسْ !
    ====================
    يقظة

    صَباحَ هذا اليَومْ
    أيقظني مُنَبّهُ الساعهْ
    وقالَ لي : يا ابنَ العَرَبْ
    قَدْ حَانَ وقتُ النّومْ
    ====================
    الصدى

    صَرَخْتُ : لا
    من شِدّةِ الألَمْ
    لكنْ صدى صوتي
    خافَ منَ الموتِ
    فارتدَّ لي : نَعَمْ !
    ====================
    عدالة

    يَشْتِمُني
    وَيَدّعي أنَّ سكوتي
    مُعْلِنٌ عن ضَعْفِهِ !
    يَلطمُني
    وَيَدّعي أنَّ فَمي قامَ بلطمِ كفِّهِ !
    يطعنني
    وَيَدّعي أنَّ دَمي لَوَّثَ حَدَّ سَيْفِهِ !
    فأُخْرِجُ القانونَ من مُتْحَفِهِ
    وأمسحُ الغبارَ عَن جَبينِهِ
    أطلُبُ بَعضَ عَطْفِهِ
    لكنَّهُ يَهرُبُ نحو قاتلي
    ويَنْحني في صَفِّهِ
    * * *
    يَقولُ حِبري وَدَمي :
    لا تندهِشْ
    مَنْ يَمْلِكُ " القانونَ " في أوطانِنا
    هُوَ الذي يملِكُ حَقَّ عَزْفِهِ !
    ====================
    التهمة

    كُنْتُ أسيرُ مُفْـرَدَاً
    أحمِـلُ أفكـاري معـي
    وَمَنطِقي وَمَسْمَعي
    فازدَحَمَـتْ
    مِن حَوْليَ الوجـوه
    قالَ لَهمْ زَعيمُهمْ : خُـذوه
    سألتُهُـمْ :
    ما تُهمتي ؟
    فَقِيلَ لي :
    تَجَمُّعٌ مشبــوه !
    ====================



    خطاب تاريخي

    رأيتُ جُرذاً
    يخطُبُ اليومَ عن النَّظافَهْ
    ويُنْذِرُ الأوساخَ بالعِقَابْ
    وحَوْلَهُ
    يُصَفِّقُ الذُّبَابْ
    ====================
    نبـوءة

    إسمعـوني قَبْـلَ أن تَفتَقـدوني
    يا جَماعَــهْ
    لَسْـتُ كذّابـاً ..
    فمـا كانَ أبي حِزْبَـاً
    ولا أُمّـي إذاعَـهْ
    كُلُّ ما في الأمـرِ
    أنَّ العَبـْـدَ
    صلّـى مُفْـرداً بالأمسِ
    في القُدسِ
    ولكـنَّ " الجَماعـَهْ "
    سيُصَلّونَ جَماعَــهْ !
    ====================
    عقوبات شرعيّـة

    بتَرَ الوالـي لساني
    عندما غنّيتُ شِعْـري
    دونَ أنْ أطلُبَ ترخيصاً بترديد الأغاني
    * * *
    بَتَرَ الوالي يَـدي لمّـا رآني
    في كتاباتيَ أرسلتُ أغانيَّ
    إلى كُـلِّ مكـانِ
    * * *
    وَضَـعَ الوالـي على رِجلَيَّ قيداً
    إذْ رآني
    بينَ كلِّ الناسِ أمشي
    دونَ كفّـي ولسانـي
    صامتـاً أشكـو هَوانـي .
    * * *
    أَمَـرَ الوالي بإعدامـي
    لأنّـي لم أُصَـفّقْ
    - عندما مَرَّ -
    ولَـم أهتِفْ ..
    ولَـمْ أبرَحْ مكانـي !
    ====================
    اللغز

    قالتْ أُمّي مَرّهْ :
    يا أولادي
    عندي لغزٌ
    مَنْ منكم يكشفُ لي سِرَّهْ
    ( تابوتٌ قِشرتُه حلوى
    ساكِنُهُ خَشَبٌ ...
    والقِشْرَهْ
    زادٌ للرائحِ والغادي )
    قالتْ أُختي : التمرهْ
    حَضَنَتْهَا أُمّي ضَاحِكَةً
    لكنّي خَنَقَتْني العَبْرَهْ
    قلتُ لها :
    بَلْ تلك بِلادي
    ====================



    شطرنج

    منذُ ثلاثينَ سنهْ
    لم نَرَ أيَّ بَيْدَقٍ
    في رقعةِ الشطرنجِ
    يفدي وطَنَهْ
    ولم تطنَّ طلقةٌ واحدةٌ
    وسْطَ حروبِ الطنطنه
    والكُلُّ خاضَ حَرْبَهُ بخطبةٍ ذريّةٍ
    ولم يغادرْ مسكنَهْ
    وكلّما حَيَّ على جهادِهِ
    أحيا العدا مستوطنَهْ
    * * *
    منذُ ثلاثينَ سنهْ
    والكُلُّ يمشي مَلَكَاً
    تحتَ أيادي الشيطَنَهْ
    يبدأ في ميْسرةٍ قاصيةٍ
    وينتهي في ميمنهْ
    " الفيل " يبني " قلعةً "
    و" الرُّخُ " يبني سلطنَهْ
    ويَدْخُلُ " الوزيرُ " في ماخورِهِ
    فيخرُجُ " الحصانُ " فوقَ المئذنَهْ !
    * * *
    منذُ ثلاثينَ سنهْ
    نسخرُ من عدونا لشِرْكِهش
    ونحن نُحْيي وَثَنَهْ
    ونشجبُ الإكثارَ من سلاحِهِ
    ونحن نُعطي ثَمَنَهْ
    فإن تكن سبعاً عجائبُ الدُّنَا
    فنحنُ صِرنا الثامِنَهْ
    بعد ثلاثينَ سنهْ !
    ====================
    الحبل السرّي

    أدري .. أَجَل أدري
    وأحبسُ الأشعارْ
    أخشى من الأنيابِ والأظفارْ
    * * *
    أدري بأنَّ النارْ
    موقدةٌ .. من حطبِ الفقرِ
    ليَدفأَ الدولارْ !
    * * *
    أدري بأنَّ الثارْ
    سَحابةٌ تحبلُ بالأعذارْ
    سيزأَرُ الرعدُ .. ولكن بَعْدَهُ
    ستهطُلُ الأمطارْ !
    صمنا مدى الدهرِ
    وصومُنا ظلَّ هو الإفطارْ
    لقيطةٌ ؟
    فما لنا نختلقُ الأعذارْ
    في السِّر والجَهْرِ
    ونرتدي نيابةً عن أمِّها
    كلَّ ثيابِ العارْ ؟
    وما لنا نَعيش في جهنّمٍ
    وأمها في جنّةٍ تجري
    من تحتها " الآبارْ " ؟!
    * * *
    لا ترجموا زانيةً ثابتة العهرِ
    بَلْ وَفِّروا الأحْجَارْ
    لحبلِها السرِّي !
    ====================



    نكتة

    صارَ المُذِيعُ خارِجَ الخَريطَهْ
    وصَوتُهُ
    ما زالَ يأتي هادِرَاً :
    نَسْتَنْكِرُ الدُويلَةَ اللقيطَهْ !****** *******
    *****====================
    حكاية عباس

    " عبّاسُ " وَراء المِتراسْ
    يَقِظٌ .. مُنْتَبِهٌ .. حَسّاسْ
    منذ سنين الفتحِ .. يُلَمِّعُ سَيْفَهْ
    ويُلَمِّعُ شَاربَه أيضاً ..
    منتظراً .. مُحتضِناً دُفَّهْ !
    * * *
    بَلَعَ السارقُضَفَّهْ
    قَلَّبَ عبّاسُ القِرطاسْ
    ضَرَبَ الأخماسَ لأسداسْ
    بقيتْ ضَفَّهْ
    لملمَ عبّاسُذخيرتَه والمتراسْ
    ومضى يصقُل سَيفَه
    * * *
    عَبَرَ اللصُّ إليهِ .. وَحَلّ ببيتِهْ
    أصبَحَضيفَهْ
    قدَّمَ عبّاسُ لهُ القهوهْ
    ومضى يصقُل سَيفَه
    * * *
    صرخَتْ زوجتُه : عبّاسْ
    أبناؤكَ قتلى .. عبّاسْ
    ضيفُكَ رَاودني عبّاسْ
    قُم أنقذني يا عبّاسْ
    * * *
    عبّاسُ وَراء المِتراسْ
    مُنْتَبِهٌ .. لم يسمَعْ شيئاً
    زوجتُه تغتابُ الناسْ !
    * * *
    صرخَتْ زوجتُه : عبّاسْ
    الضيفُ سيسرقُ نعجتَنا
    عبّاس اليَقِظُ الحسّاسْ
    قَلَّبَ أوراقَ القِرطاسْ
    ضَرَب الأخماسَ لأسداسْ
    أرسل برقيةَ تهديدْ !
    * * *
    - فلمنتصقُلسيفَكَ يا عبّاسُ !
    - لوقتِ الشِّدهْ
    - أصقلْ سيفَكَ يَاعبّاسْ !
    *****====================
    ثورة الطين

    وَضَعوني في إنـاءْ
    ثُمّ قالوا لي : تأقلَـمْ
    وأنا لَستُ بماءْ
    أنا من طينِ السّمـاءْ
    وإذا ضـاقَ إنائـي بنمـوّي
    ..يتحطّمْ !
    * * *
    خَيَّروني
    بَيْنَ مَوتٍ وَبَقاءْ
    بينَ أن أرقُـصَ فوقَ الحَبْلِ
    أو أرقُصَ تحتَ الحبلِ
    فاخترتُ البقـاءْ
    قُلتُ : أُعـدَمْ
    فاخنقـوا بالحبلِ صوتَ الَببَّغـاءْ
    وأمِـدّوني بصمـتٍ أَبَـديٍّ يتكلّمْ !
    *****====================

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    رقاص الساعة

    منذُ سِنينْ
    يترنَّحُ "رقَّاصُ الساعَهْ "
    يضرِبُ هامَتَهُ بيسارٍ
    يضرِبُ هامَتَهُ بيمينْ
    والمِسكينْ
    لا أَحَدٌ يُسْكِتُ أوجاعَهْ
    * * *
    لو يُدرِكُ رقَّاصُ الساعَهْ
    أنَّ الباعَهْ
    يعتقدونَ بأنَّ الدمعَ رنينْ
    وبأنَّ استمرارَ الرقصِ دليلُ الطاعَهْ
    لتوقَّفَ في أول ساعَهْ
    عن تطويلِ زمانِ البؤسِ
    وكشَّفَ عن سكّينْ
    * * *
    يا رقَّاصَ الساعَهْ
    دَعْنا نقلب تاريخ الأوقاتِ بهذي القاعَهْ
    ونُدَجّنُ عَصْرَ التدجينْ
    ونؤكد إفلاسَ الباعَهْ
    * * *
    قفْ .. وتأمَّلْ وَضْعَكَ ساعَهْ
    لا ترقصْ ..
    قَتَلتْكَ الطاعَهْ
    يا رقَّاصَ الساعَهْ !
    ====================
    قَلـم !

    جَسَّ الطبيبُ خافقـي
    وقـالَ لي :
    هلْ ها هُنـا الألَـمْ ؟
    قُلتُ له : نعَـمْ
    فَشَـقَّ بالمِشْـرَطِ جيبَ مِعْطَفـي
    وأخْـرَجَ القَلَــمْ !
    * * *
    هَـزَّ الطّبيبُ رأسَـهُ .. وَمَالَ وابتَسَـمْ
    وَقالَ لـي :
    ليسَ سِـوى قَلَـمْ
    فَقُلتُ : لا يا سَيّـدي
    هـذا يَـدٌ .. وَفَـمْ
    رَصـاصَــةٌ .. وَدَمْ
    وَتُهمَـةٌ سـافِرةٌ .. تَمشي بِلا قَـدَمْ !
    ====================
    عائدون

    هَرِمَ الناسُ .. وكانوا يرضَعونْ
    عندما قالَ الـمُغَنِّي :
    عائِدونْ
    يا فلسطينُ وما زال الـمُغَنِّي يتغنّى
    وملايين اللحونْ
    في فَضَاءِ الجُرحِ تَفْنَى
    واليتامى .. مِن يَتامى يُولَدون
    يا فلسطينُ وأربابُ النضالِ المدمنونْ
    ساءَهمْ ما يَشهدونْ
    فَمَضوا يَستنكِرونْ
    ويخوضونَ النضالاتِ
    على هَزِّ القَناني
    وعلى هَزِّ البُطونْ !
    عائِـدونْ
    وَلَقدْ عادَ الأسى للمرةِ الألفِ
    فلا عُدْنا ..
    ولا هُمْ يَحزنون !
    ====================
    قبلة بوليسيّة

    عِنـدي كَلامٌ رائِـعٌ لا أستَطيعُ قولَهْ
    أخـافُ أنْ يزْدادَ طيني بَلّـهْ.
    لأنَّ أبجَديّتي
    في رأيِ حامـي عِـزّتي
    لا تحتـوي غيرَ حروفِ العِلّـهْ !
    * * *
    فحيثُ سِـرتُ مُخْبِرٌ
    يُلقـي عَلَيَّ ظِلّـهْ
    يَلْصِـقُ بي كالنّمْلَـهْ
    يبحثُ في حَقيبـتي
    يسبـحُ في مِحـبرَتي
    يطْلـعُ لي في الحُلْـمِ كُلَّ ليلهْ !
    حتّى إذا قَبّلتُ- يوماً - زوجَـتي
    أشعُرُ أنَّ الدولَـهْ
    قَـدْ وَضَعَـتْ لي مُخْبِرَاً في القُبلـهْ
    يَقيسُ حَجْـمَ رغبَـتي
    يطْبَعُ بَصْمَـةً لها عن شَفَتي
    يرْصـدُ وَعْـيَ الغَفْلَـهْ !
    حتّى إذا ما قُلتُ يوماً جُملـهْ
    يُعْلِنُ عن إدانتي
    ويطرحُ الأدلّهْ !
    * * *
    لا تسخروا منّي فَحتّى القُبْـلهْ
    تُعَـدُّ في أوطانِنـا
    حادثَـةً
    تَمسُّ أمْـنَ الدولَـهْ !
    ====================
    الثور والحظـيرة

    الثورُ فرَّ من حظيرةِ البَقَـرْ
    الثورُ فَـرْ
    فَثارتْ العُجـولُ في الحَظيرهْ
    تبكي فِـرارَ قائدِ المَسيرهْ
    وشُكِّـلَتْ على الأَثَـرْ
    مَحكَمـةٌ.. ومؤتَمـرْ
    فقائلٌ قالَ : قَضَـاءٌ وَقَـدَرْ
    وقائلٌ : لقَـدْ كَفَـرْ
    وقائلٌ : إلى سَـقَرْ
    وبعضُهمْ قالَ : امنَحـوهُ فرصَـةً أخـيرهْ
    لَعَلّـهُ يعـودُ للحظـيرهْ
    وفي خِتـام المؤتَمــرْ
    تقاسَمـوا مَرْبِطَـهُ .. وجَمّـدوا شَعيرَهْ
    * * *
    وبعـدَ عامٍ ، وقَعَتْ حادِثَـةٌ مُثيرهْ
    لم يَرجِـعِ الثَّـورُ
    ولكـنْ
    ذَهَبتْ وراءهُ الحَظـيرهْ !
    ====================



    قمم باردة

    قمّةٌ أخرى ..
    وفي الوادي جياعٌ تتنهَّدْ
    قمّةٌ أخرى ..
    وقَعْرُ السهلِ أَجْرَدْ
    قِمَّةٌ أعلى .. وأَبْرَدْ
    يا مُحَمَّدْ
    يا مُحَمَّدْ
    يا مُحَمَّدْ
    ابعثِ الدفءَ
    فقد كادَ لنا عُزَّى ..
    وكِدنا نتجَمَّد !
    ====================
    الأضحية

    حيَن وُلدتُ
    ألفيتُ على مهدي قيدا
    ختموه بوشمِ الحريَّهْ
    وعبارات تفسيريَهْ :
    يا عبدَ العُزَّى ..كُـنْ عبْدَا
    * * *
    وكبِرْتُ ، ولم يكبُرْ قيدي
    وهَرِمْتُ .. ولم أتركْ مهدي
    لكنْ لـمّا تدعو المسؤوليَهْ
    يطلبُ داعي الموتِ الرَّدَّا
    فأكونُ لوحدي الأضحيَّهْ !
    رُدّوا الإنسانَ لأعماقي
    وخُذوا من أعماقي القِردا
    أعطوني ذاتي
    كي أَفْني ذاتي
    رُدُّوا لي بَعضَ الشخصيَّهْ
    كيفَ تفورُ النارُ بصدري
    وأنا أشْكو البردا
    كيفَ سَيومضُ برقُ الثأرِ بروحي ..
    ما دُمْتُم تخشونَ الرعدا ؟
    كيفَ أُغَنِّي ..
    وأنا مشنوقٌ أتدلّى
    من تحتِ حبالي الصوتيَّهْ
    * * *
    كيْ أفهمَ معنى الحُريَّهْ
    وأموتَ فداءَ الحريَّهْ
    أُعطوني بعضَ الحريَّهْ
    ====================
    ====================
    رؤيا إبراهيم

    يا مولانا ابراهيمْ
    اغمد سكِّينَكَ للمَقْبَض
    واقبِضْ أجْرَكَ من أصحابِ الفيلْ
    لا تأخذك الرأفةُ فيهِ
    بدينِ البيتِ الأبيضْ !
    نَفِّذْ رؤياكَ ولا تجنحْ للتأويلْ
    لن ينزلَ كبشٌ .. لا تأملْ بالتبدسلْ
    يا مولانا
    إنْ لم تذبحْهُ نذبحْكَ
    فهذا زمنٌ آخر
    يُفدى فيهِ الكبشُ
    بإسماعيلْ !
    ====================



    الصحو في الثمالة

    أكادُ لِشدَّةِ القهرِ
    أظنُّ القَهْرَ في أوطانِنا
    يشكو من القهرِ !
    َولي عُذْري
    لأنّيأتّقي خَيْري
    لكي أنجو مِنَ الشَّرِّ
    فأنكر خالق الناس
    ليأمن خانِقُ الناسِ
    ولايرتابُ فيأمري
    لأنَّ الكُفْرَفيأوطاننا
    لا يُورث الإعدامَ كالفِكْرِ !
    أحيي ميْت إحساسي
    بأقْداحٍ من الخمرِ
    فألعنكلَّ دسّاسٍوَوَسْوَاسٍوخنَّاسِ
    ولا أخشى على نَحْري
    من النحرِ
    لأنَّ الذنبَ مُغْتَفَرٌ
    وأنتَ بحالةِالسُّكْرِ !
    * * *
    ومن حِذْري
    أُمارسُ دائماً حُرَّيةَ التعبيرِ
    في سرِّي
    وأخشى أنْ يبوحَ السِرُّ
    بالسَّـرِّ
    أَشُكُّ بِحَرِّ أنفاسي
    فلا أُدنيهِ من ثَغري
    أَشُكُّ بصمتِ كُرَّاسِي
    أَشُكُّبنقطةِالحِبْرِ
    وكلِّ مساحةٍ بيضاءَ
    بينَ السَّطْرِ والسَّطْرِ
    ولستُ أُعَدُ مجنوناً
    بعصرِ السحْقِوالعَصْرِ
    إذا أصبحتُ في يومٍ
    أَشُكُّ بأنّني غيري
    وأنّي هاربٌ مِنّي
    وأنّي أقتفي أثري ..
    ولا أدري
    * * *
    إذا ما عُدّت الأعمارُ
    بالنُـعْمى وباليُسْرِ
    فعُمري ليس من عُمري !
    لأنّيشاعرٌ حُرٌّ
    وفي أوطاننا
    يمتَدّ عُمرُ الشاعرِ الحرِّ
    إلى أقصاهُ بين الرَّحْمِ والقبرِ
    على بيتٍ من الشِّعْرِ !
    ====================
    الجزاء

    في بلادِ المُشْرِكينْ
    يَبْصُقُ المرءُ بوجهِ الحاكِمينْ
    فَيُجَازى بالغرامهْ !
    ولَدَيْنا نحنُ أصحاب اليمينْ
    يبصقُ المرءُ دَمَاً تحتَ أيادِي المُخْبِرِينْ
    ويرى يومَ القِيامَهْ
    عندما ينثُرُ ماءَ الوردِ والهيلِ
    - بلا إذْنٍ -
    على وجهِ أميرِ المؤمنينْ !
    ====================
    على باب الحضارة

    يُريدونَ مِنّي بُلوغَ الحضارَهْ
    وكُلُّ الدروبِ إليها سُدى
    والخُطى مُستعارَهْ
    فما بيننا ألفُ بابٍ وَبابْ
    عَليها كلابُ الكِلابْ
    تَشمُّ الظُنونَ وتسمعُ صمتَ الإشارَهْ
    وتقطعُ وقتَ الفراغِ بقطعِ الرِقابْ
    فكيفَ سأمضي لِقَصْدي
    وَهُمْ يُطلقونَ الكِلابَ على كُلِّ دربٍ
    وَهُمْ يَربطونَ الحِجارَهْ !
    * * *
    يُريدونَ مِنّي بُلوغَ الحضارَهْ
    وما زلتُ أجهلُ دربي لبيتي
    وما زلتُ أجهلُ صوتي
    وأُعطي عظيمَ اعتباري لأدنى عِبارهْ
    لأنَّ لساني حِصاني
    - كما عَلَّموني -
    وأنَّ حِصَاني شديدُ الإثارَهْ
    وأنَّ الإثارةَ ليستْ شطارهْ
    وأنَّ الشطارةَ في رَبْطِ رأسي بصمتي
    وربطِ حصاني
    على بابِ تلك السّفارهْ
    .. وتلك السّفاره !
    ====================
    الله أعلم

    أيُّها الناسُ اتَّقوا نارَ جهنَّمْ
    لا تُسيئوا الظنَّ بالوالي
    فسوءُ الظّـنِّ في الشَّرْعِ مُحَرّمْ
    أيّها الناسُ أنا في كُلِّ أحوالي
    سعيدُ ومُنَعَّـمْ
    ليسَ لي في الدربِ سفَّاحٌ
    ولا في البيتِ مأتَـمْ
    ودَمِي غير مُبَاحٍ وفمي غير مُكَمَّـمْ
    فإذا لم أتكلَّمْ
    لا تُشِيعوا أنَّ للوالي يداً في حَبْسِ صوتي
    بل أنا يا ناسُ أَبْكَـمْ
    قلتُ ما أعلمُه عن حالتي
    واللهُ أعلمْ !
    ====================
    القُرصـان

    بَنينـا مِن ضحايـا أمْسِنا جِسْـرا
    وقَدّمنا ضحايـا يومنِـا نَذْرا
    لنلقى في غَـدٍ نصْـرا
    ويمَّمْنـا إلى المسْـرى
    وكِدْنـا نَبلُغُ المسْـرى
    ولكـنْ قامَ عبـدُ الذّاتِ
    يدْعـو قائلاً : صَـبْرا
    فألقينـا بِبابِ الصّبر قَـتْلانا
    وقلنا : إنّـهُ أدرى
    وبعْـدَ الصّبرِ
    ألفَينـا العِـدَا قد حَطّمـوا الجِسـرا
    فقُمنا نطْلُبُ الثّأرا
    ولكـنْ قامَ عبـدُ الذّاتِ
    يدعـو قائلاً : صبْـرا
    فألقينا بِبابِ الصّبرِ آلافـاً مِنَ القتلى
    وآلافـاً مِن الجرحـى
    وآلافـاً مِـن الأسـرى
    وهَـدَّ الحِمْـلُ رحْـمَ الصّبرِ
    حتّى لم يُطِـقْ صَبـرا
    فأنجَـبَ صبرُنا : " صـبرا " !
    وعبـدُ الذّاتِ
    لمْ يُرجِـعْ لنا مِن أرضِنا شِـبرا
    ولَمْ يَضمَـنْ لِقتـلانا بها قَبْرا
    ولمْ يُلقِ العِـدَا في البحْـرِ
    بلْ ألقى دِمانا وامتَطـى البحْرا
    فسًبحـانَ الذي أسْـرى
    بعبـدِ الذَّاتِ
    مِن صَـبرا إلى مِصـرا
    وما أَسْرى بهِ للضَفّـةِ الأُخـرى !
    ====================
    أصفار

    قرأتُ في الجَـرائدْ
    أنَّ " أبا العوائدْ "
    يبحثُ عن قريحةٍ تنبحُ بالإيجارْ
    تُخْرجُ أَلْفَيْ أَسَدٍ من ثُقْبِ أنفِ الفارْ
    وتحصدُ الثلجَ من المواقِدْ !
    ضحكتُ من غبائِهِ
    لكنني قبلَ اكتمالِ ضَحْكتي
    رأيتُ حولَ قَصْرِهِ قوافِلَ التُجَّارْ
    تنثرُ فوقَ نعلِهِ القصائدْ !
    * * *
    لا تعجبوا إذا أنا وقفتُ في اليسارْ
    وَحْدِي
    فَرُبَّ واحدْ
    تكثرُ عن يمينهِ قوافلٌ
    ليستْ سوى أصفارْ
    ===================
    اللعبة

    عَلى رُقْعَةٍ تحتويها يَدانْ
    تَسيرُ إلى الحربِ تِلكَ البَيَادِقْ
    فَيَالِقٌ تَتْلُو فيالِقْ
    بلا دافعٍ تَشْتَبِكْ
    تَكرُّ .. تَفرُّ
    وتَعْدو المنايا على عَدْوِها المرتبكْ
    وتهوي القِلاعُ
    ويعلو صهيلُ الحِصانْ
    ويَسْقُطُ رأسُ الوزيرِ المنافقْ
    وفي آخرِ الأمْرِ
    .. يَنْهَارُ عَرْشُ المَلِكْ
    وبينَ الأسى والضَّحِكْ
    يموتُ الشُّجاعُ بذَنْبِ الجَبَانْ
    وتطوي يدا اللاعِبَيْنِ المكانْ !
    * * *
    أقولُ لجدّي :
    لماذا تموتُ البيادقْ ؟
    يقولُ : لينْجُو المَلِكْ
    أقولُ : لماذا إذنْ لا يموتُ الملكْ
    لحقْنِ الدَّمِ المنسفِكْ ؟!
    يقولُ : إذا ماتَ في البدءِ
    لا يَلْعَبْ اللاعبانْ !
    ====================

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    عاش .. يسقط

    يا قدسُ معذرةً ومثلي ليسَ يعتذرُ
    ما لي يدٌ في ما جرى فالأمرُ ما أمروا
    وأنا ضعيفٌليسَ لي أثَرُ
    عَارٌ عَلَيَّ السّمْعُ والبَصَرُ
    وأنا بسيفِ الحرفِ أنتحرُ
    وأنا اللهيبُ ..وقادَتي المطرُ
    فمتى سأستعرُ ؟!
    * * *
    لو أنَّ أربابَ الحِمَى حَجَرُ
    لحملتُ فأساً دونهاالقدرُ
    هوجاءَ لا تُبقي ولا تَذَرُ
    لكنّما .. أصنامُنا بَشَرُ
    الغدرُ منهم خائفٌحَذِرُ
    والمكْرُ يشكو الضَّعْفَ إنْ مَكَرُوا
    فالحربُ أغنيةٌ يجنُّ بلحنها الوَتَرُ
    والسِّلْمُمُخْتصرُ
    ساقٌ على ساقٍ
    وأقداحٌ يُعْرَشُ فوقها الخَدَرُ
    وموائدٌ من حولِها بَقَرُ
    .. ويكونُمؤتمرُ !
    * * *
    هِزِّي إليكِ بجذعِ مؤتمر
    يُساقط حولكِ الهَذَرُ
    عَاشَ اللهيبُ
    .. ويسقطُ المطرُ!
    ====================



    أحبّـك

    يا وَطَـني
    ضِقْتَ على ملامحـي
    فَصِـرتَ في قلـبي
    وكُنتَ لي عُقـوبةً
    وإنّني لم أقترِفْ سِـواكَ من ذَنبِ !
    لَعَنْـتَني ..
    واسمُكَ كانَ سُبّتي في لُغـةِ السَّـبِّ !
    ضَـرَبْـتَني
    وكُنتَ أنتَ ضاربـي .. وموضِعَ الضّـربِ !
    طَردْتَـني
    فكُنتَ أنتَ خُطْوَتي
    وَكُنتَ لي دَرْبـي !
    وعنـدما صَلَبْـتَني
    أصبَحْـتُ في حُـبّي
    مُعْجِــزَةً
    حينَ هَـوى قلْـبي .. فِـدى قلبي !
    يا قاتلـي
    سـامَحَكَ اللـهُ على صَلْـبي
    يا قاتلـي
    كفاكَ أنْ تقتُلَـني
    مِنْ شِـدَّةِ الحُـبِّ !
    ====================
    أعوذ بالله

    شَيْطانُ شِعري زارَني
    فَجُنَّ إذْ رآني
    أَطبعُ في ذاكِرتي ذاكرةَ النسيانِ
    وأُعْلِنُ الطلاقَ بينَ لَهجتي ولَهجتي
    وأنصَحُ الكِتمانَ بالكِتمانِ !
    قلتُ لهُ : كفاكَ يا شَيْطاني
    فإنَّ ما لقيتُهُ كَفَاني
    إيّاكَ أنْ تَحْفُرَ لي مقبرتي
    بِمِعْوَلِ الأوزانِ
    فأطرقَ الشيطانُ
    ثُمَّ اندفعتْ في صدرِهِ
    حرارةُ الإيمانِ
    وقبلَ أنْ يُوحِيَ لي قَصيدتي
    خَطَّ على قريحتي :
    أعوذُ باللهِ مِنَ السُّلطانِ !
    ====================
    رماد

    حيَّ على الجهادْ
    كُـنَّا .. وكانتْ خيمةٌ تدور في المزادْ
    تدور .. ثم أنها
    تدور .. ثم أنها
    يبتاعُها الكسادْ
    * * *
    حيَّ على الجهادْ
    تفكيرُنا مُؤَمَّـمٌ
    وصوتُنا مُبَادْ
    مرصوصةٌ صفوفُنا .. كُلاًّ على انفرادْ
    مُشْرَعَـةٌ نوافذُ الفسادْ
    مُقفلةٌ مخازنُ العتادْ
    والوضعُ في صالِحِنا
    والخيرُ في ازديادْ !
    * * *
    حيَّ على الجهادْ
    رمادُنا .. من تحتِهِ رمادْ
    أموالُنا .. سنابلٌ
    مُودَعَةٌ في مصرفِ الجرادْ
    ونفطنا يجري على الحيادْ
    والوضعُ في صالِحِنا
    فجاهدوا
    يا أيُّها العِبَادْ !
    * * *
    رمادُنا .. من تحتِهِ رمادْ
    من تحتهِ رمادْ
    من تحتهِ رمادْ
    حيَّ على الجمادْ !
    ====================
    علامة النصر

    بعد طُقوس النّحرْ
    رأيتُ "عبد النّسرْ"
    يخرجُ في مُظاهَرة
    تدعو إلى تجميل باب القَبرْ
    رأيتهُ يرفعُ إصبعيهِ نحو الآخرةْ
    يرسُمُ رمزَ النَصرْ.
    رأيت ساقي عاهرة
    قامت لتصلي الفَجرْ
    ====================

    لا نامت عين الجبناء

    أطلقت جناحي لرياح إبائي،
    أنطقت بأرض الإسكات سمائي،
    فمشى الموت أمامي، ومشى الموت ورائي،
    لكن قامت بين الموت وبين الموت حياة إبائي،
    وتمشيت برغم الموت على أشلائي،
    أشدو، وفمي جرح ، والكلمات دمائي،
    (لا نامت عين الجبناء)
    ورأيت مئات الشعراء،
    مئات الشعراء،
    تحت حذائي ،
    قامات أطولها يحبو،
    تحت حذائي ،
    ووجوه يسكنها الخزي على استحياء ،
    وشفاه كثغور بغايا، تتدلى في كل إناء،
    وقلوب كبيوت بغاء، تتباهى بعفاف العهر،
    وتكتب أنساب اللقطاء ،
    وتقيء على ألف المد ،
    وتمسح سوءتها بالياء ؛
    في زمن الأحياء الموتى ، تنقلب الأكفان دفاتر ،
    والأكباد محابر ،
    والشعر يسد الأبواب،
    .فلا شعراء سوى الشهداء

    ====================

    شكوى باطلة

    بيني و بين قاتلي حكاية طريفة
    فقبل أن يطعنني
    حلفني بالكعبة الشريفة
    أن أطعن السيف أنا بجثتي
    فهو عجوز طاعن و كفه ضعيفة
    حلفني أن أحبس الدماء
    عن ثيابه النظيفة
    فهو عجوز مؤمن
    سوف يصلي بعدما يفرغ من
    تأدية الوظيفة

    ****
    شكوته لحضرة الخليفة
    فرد شكواي
    لأن حجتي سخيفة
    ====================


    قومي احبلي ثانيةً

    فصيحُنا ببغاءْ
    قَوِيُّـنَا مومياءْ
    ذَكِـيُّنا يشمتُ فيه الغَباءْ
    ووضعُنا يضحكُمنهُالبكاءْ
    تَسَمَّمَتْ أنفاسُنا
    حتى نسينا الهواءْ
    وامتزجالخِزْيُ بنا حتىكَرِهناالحياءْ
    يا أرضَنا
    يا مهبطَ الأنبياءْ
    قد كانَ يَكفي واحد لو لم نكنأغبياءْ
    يا أرضَنا
    ضاعَ رجاءُ الرجاءْ
    فينا ، وماتَ الإباءْ
    يا أرضَنا لاتَطْلبـيمِنذُلِّنا كبرياءْ
    قُومي احْبَلِي ثانيةً
    وكَشِّفي عنْ رَجُلٍ
    لهؤلاءِ النساءْ !
    ====================
    الأرمد والكحّال

    " هل ، إذا ، بِئْسَ ، كما
    قد ، عَسَى ، لا ، إنَّمَا
    مِنْ ، إلى ، في ، رُبَّما "
    هكذا – سَلَّمَكَ اللهُ – قُلِ الشِعْرَ
    لتبقى سالِما
    هكذا لن تَشْهقَ الأرضُ
    ولن تَهوي السَّما
    هكذا لن تُصبحَ الأوراقُ أكفانا
    ولا الحبرُ دَمَا
    هكذا وَضِّحْ معانيكَ
    دَوَاليكَ .. دَوَاليكَ
    لكي يُعطيكَ واليكَ فَمَا
    وطني أيُّها الأَرْمَـدُ
    ترعاكَ السَّـما
    أصبحَ الوالي هو الكَحَّالُ
    .. فابشِرْ بالعَمَى !
    ====================
    كان يا ما كان

    يضحكني العميان
    حين يقاضون الألوان
    و ينادون بشمسٍ تجريدية .
    تضحكني الأوثان
    حين تنادي الناس إلى الإيمان
    و تسب عهود الوثنية .
    يضحكني العريان
    حين يباهي بالأصواف الأوروبية !
    كان يا ما كان
    كانت أمتنا المسبيَّة
    تطلب صكَّ الإنسانية
    من شيطان

    ====================
    ورثة إبليس

    وجوهكم أقنعة بالغة المرونة

    طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة

    صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه

    ".وقال : " إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه

    ودارت الأدوار فوق أوجه قاسية، تعدلها من تحتكم ليونة
    فكلما نام العدو بينكم رحتم تقرعونه ،

    لكنكم تجرون ألف قرعة لمن ينام دونه

    وغاية الخشونة ،

    أن تندبوا : " قم يا صلاح الدين ، قم " ، حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة ،

    كم مرة في العام توقظونه ،

    كم مرة على جدار الجبن تجلدونه ،

    أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة ،

    دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه ،

    لأنه لو قام حقا بينكم فسوف تقتلونه
    ====================

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    دمعة على جثمان الحرية

    أنا لاأكتب الأشعار فالأشعار تكتبني ،

    أريد الصمت كي أحيا، ولكن الذي ألقاه ينطقني ،

    ولا ألقى سوى حزن، على حزن، على حزن ،

    أأكتب أنني حي على كفني ؟

    أأكتب أنني حر، وحتى الحرف يرسف بالعبودية ؟

    لقد شيعت فاتنة، تسمى في بلاد العرب تخريبا،

    وإرهابا

    وطعنا في القوانين الإلهية ،

    ولكن اسمها والله ... ،

    .لكن اسمها في الأصل حرية
    ====================
    مقتل شاعرين

    في أول الليل
    رأيت شاعرا يُناضلْ
    يرقع بالعروض نعل الوالي
    رأيته مُختنقا
    في عرق النضال
    مُسْتَفْعِلْن مُسْتَفْعِلُنْ مَفَاعِلْ!
    **
    في آخر الليل
    رأيتُ شاعرا يرسِفُ بالسلاسلْ
    مختنقا بين جنود الوالي
    رأيت ذُلَّ ماسة
    في وسطِ المزابلْ
    مُسْتَفْعِلُنْ..مفاعلْ
    **
    عند الضحى تحوَّل المناضِلْ
    كعبا لنعل الوالي
    وبرعم الوردُ على السَلاسِل!
    ====================
    بطولة


    هذه خمسة ابيات كخمسين مقال ...
    هياقصى ما يقال
    والذي يسال عن معنى سطوري يجد المعنى مذابابالسؤال....
    قال: امسكت بلص يا رجال..
    قيل: احضره...
    فقال: حملهيهلكني...
    قيل: دعه وتعال...
    ====================
    كلمات فوق الخرائب


    قفوا حول بيروت صلو على روحها واندبوها ،

    وشدوا اللحى وانتفوها ،

    لكي لاتثيرو الشكوك ،

    وسلو سيوف السباب لمن قيدوها ،

    ومن ضاجعوها ،

    ومن أحرقوها ،

    لكي لاتثيرو الشكوك ،

    ورصو الصكوك

    على النار كي تطفؤوها ،

    ولكن خيط الدخان سيصرخ فيكم : "دعوها" ،

    ويكتب فوق الخرائب

    ."إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها "

    ====================
    حلم

    وقفت مابين يدي مفسر الأحلام ،

    قلت له : "ياسيدي رأيت في المنام ،

    أني أعيش كالبشر ،

    وأن من حولي بشر ،

    وأن صوتي بفمي، وفي يدي الطعام ،

    وأنني أمشي ولا يتبع من خلفي أثر "،

    فصاح بي مرتعدا : "ياولدي حرام ،

    لقد هزئت بالقدر ،

    ياولدي ، نم عندما تنام" ؛

    وقبل أن أتركه تسللت من أذني أصابع النظام ،

    .واهتز رأسي وانفجر

    ====================

    الذَّنْب

    يَعوي الكلبُ
    إنْ أوْجَعَـهُ الضَّـربُ
    فلماذا لا يصحو الشَّـعبُ
    وعلى فَمِـهِ ينهَضُ كلبٌ
    وعلى دَمِـهِ يُقْعي كَلْـبُ
    * * *
    الذلُّ بساحتِـنا يسعى
    فلماذا نرفضُ أن نَحْبـو ؟
    ولماذا نُدْخِلُ " أبرهةً " في كَعْبَتِـنا
    ونُؤَذِّنُ : للكعبةِ رَبّ ؟
    * * *
    نحنُ نفوسٌ يأنَفُ منها العارُ
    ويخجَلُ منها العَيْبُ
    وتُباهي فيها الأمراضُ
    ويمْرُض فيها الطِّـبُّ
    حَـقَّ علينا السيفُ
    وحَـقَّ الضَربُ
    لا ذَنْـبَ لَنا . . لا ذَنْـبَ لَنا
    نحنُ الذَّنْـبُ !
    ====================
    الحيّ الميت

    المُعجزاتُ كلُّها في بَدَنِي
    حيٌّ أنـا
    لكنَّ جِلْدي كَفَنِي !
    أسيرُ حيثُ أشتهي
    لكنَّني أسيرْ !
    نِصْفُ دَمِي ( بِلازِما )
    ونصفُـهُ خَفِـيرْ
    مع الشهيقِ دائماً يَدْخُلُنِي
    ويُرْسِـلُ التقريرَ في الزفيرْ !
    وكلُّ ذَنْبِي أنَّنِي
    آمنتُ بالشِّعْرِ . . وما آمنتُ بالشعيرْ
    في زمـنِ الحميرْ !
    ====================
    بين يَدَي القدس

    يا قُدسُ يا سيدّتي .. مَعذِرةً
    فَليسَ لي يَدانْ
    وليسَ لي أسلحةٌ
    وليسَ لي مَيدان
    كلُّ الذي أملِكُهُ لِسان
    والنطقُ يا سيّدتي أسعارُه باهِظةٌ
    والموتُ بالمجَّانْ !
    * * *
    سَيّدتي أحرجْتِني
    فالعمرُ سعرُ كِلْمةٍ واحدةٍ
    وَ ليسَ لي عمرانْ
    أقول نِصْفُ كِلْمةٍ
    ولعنةُ اللهِ على وسْوَسَةِ الشيطانْ :
    جاءَت إليكِ لِجنةٌ
    تَبيضُ لجنتيْن
    تُفقّسانِ بعدَ جَولتيِن عَنْ ثَمانْ
    وبالرفاءِ والبنين
    تكثُرُ اللجانْ
    ويسحقُ الصبرُ على أعصابِه
    وَ يرتدي قميصَهُ عثمانْ !
    * * *
    سَيدّتي ..
    حَي على اللجانْ !
    ====================
    المسرحية

    مقاعدُ المسرحِ قد تنفعلْ
    قد تتداعى ضجراً
    قد يعتريها المللُ
    لكنها لا تفعلُ
    لأنَّ لحماً ودَمَـاً من فوقِها
    لا يفعلُ
    * * *
    يا ناسُ هذي فرقةٌ
    يُضربُ فيها المثَـلُ
    غباؤها مُعَقَّـلٌ
    وعقلُها مُعتقلُ
    والصدقُ فيها كَذِبٌ
    والحـقُّ فيها باطِـلُ
    يا ناسُ لا تُصفّقوا
    يا ناسُ لا تُهلّـلوا
    ووفِّروا الحبَّ لمن يستأهلُ
    فهؤلاءِ كالدُّمَى : ما ألَّـفُوا
    ما أخْرَجوا ، ما دقَّـقوا ، ما غَربلوا
    وفي فُصُولِ النَّـصِّ لم يُعَدِّلوا
    لكنّهم ..
    قد وضعوا الديكورَ والطلاءَ
    ثُمَّ مَثَّـلوا !
    وهكذا ظلَّ الستارُ يَعملُ
    يُرْفعُ كلَّ ليلـةٍ عن موعِدٍ
    .. وفوقَ " عُرقوبِ " الصباحِ يُسْـدَلُ
    وكلَّما غَـيَّرَ في حوارِهِ الممثِّلُ
    ماتَ . . وجاءَ البَدَلُ !
    مهزلةٌ مُبْكيةٌ .. لا يحتويها الجَدَلُ
    فالكُلُّ فيها بَطَـلٌ ..
    وليسَ فيها بَطَـلُ !
    * * *
    عوفيت يا جمهورُ يا مُغَفَّـلُ
    لا ينظف المسرح
    إنْ لم ينظفِ الممثّلُ
    ====================
    انحنـاء السنبلة

    أنا مِـن تُرابٍ ومَـاءْ
    خُـذوا حِـذْرَكُمْ أيُّها السّابِلَـهْ
    خُطاكُـم على جُثّتي نازِلَـهْ
    وصَمـتي سَخــاءْ
    لأنَّ التُّرابَ صَميمُ البقـاءْ
    وأنَّ الخُطى زائِلَـهْ
    ولَكنْ إذا ما حَبَستُمْ
    بِصَـدري الهَـواءْ
    سَـلُوا الأرضَ
    عنْ مبدأ الزّلزلَـهْ !
    * * *
    سَلُـوا عنْ جنونـي ضَميرَ الشّتاءْ
    أنَا الغَيمَـةُ المُثقَلهْ
    إذا أجْهَشَتْ بالبُكاءْ
    فإنَّ الصّواعقَ
    في دَمعِها مُرسَلَهْ !
    * * *
    أجلً إنّني أنحني
    فاشهدوا ذُلّتي الباسِلَهْ
    فلا تنحني الشَّمسُ
    إلاّ لتبلُغَ قلبَ السماءْ
    ولا تنحني السُنبلَهْ
    إذا لمْ تَكُن مثقَلَهْ
    ولكنّها سـاعَةَ الإنحنـاءْ
    تُواري بُذورَ البَقاءْ
    فَتُخفي بِرَحْـمِ الثّرى
    ثورةً .. مُقْبِلَـهْ !
    * * *
    أجَلْ .. إنّني أنحني
    تحتَ سَيفِ العَناءْ
    ولكِنَّ صَمْتي هوَ الجَلْجَلَـهْ
    وَذُلُّ انحنائـي هوَ الكِبرياءْ
    لأني أُبالِغُ في الإنحنـاءْ
    لِكَي أزرَعَ القُنبُلَـهْ !
    ====================

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    66
    بيت وعشرون راية

    أُسْرَتُـنا بالغةُ الكَرَمْ
    تحتَ ثراها غَنَمٌ حلوبةٌ
    وفَوقَهُ غَنَمْ
    تأكُلُ من أثدائِها وتشربُ الألَـمْ
    لِكَي تفوزَ بالرضى
    من عَمِّـنا صَنَمْ !
    * * *
    أُسْرَتُـنا فريدةُ القِيَـمْ
    وُجودُها : عَدَمْ
    جُحورُها : قِمَمْ
    لاءاتُها : نَعَمْ
    والكلُّ فيها سادةٌ
    لكنَّهم خَدَمْ !
    * * *
    أُسْرَتُـنا مُؤمِنَـةٌ
    تُطِيلُ من رُكوعِها
    تُطِيلُ من سُجودِها
    وتَطْلُبُ النَّصْـرَ على عدوِّها
    من هيئةِ الأُمَـمْ !
    * * *
    أُسْرَتُـنا واحدةٌ
    تجمعُها أصالـةٌ ولَهْجَةٌ .. ودَمْ
    وبيتُنا عشرونَ غُرفةً بِـهِ
    لكنَّ كلَّ غُرْفَـةٍ من فوقِها عَلَمْ
    يقولُ :
    إنْ دَخَلْتَ في غرفَتِـنا
    فأنتَ مُتَّهَـمْ !
    * * *
    أُسْرَتُـنا كبيرةٌ
    وليسَ من عافِيَـةٍ
    . . أنْ يكبُرَ الوَرَمْ !
    ====================
    جاهلية

    في زمانِ الجاهليَّـهْ
    كانتِ الأصنامُ منْ تَمْرٍ
    وإنْ جاعَ العِبادْ
    فلهمْ منْ جُثَّةِ المَعبودِ زادْ
    وبعصرِ المَدَنِيّه
    صارتِ الأصنامُ
    تأتينا منَ الغربِ
    ولكنْ .. بثيابٍ عربيَّـهْ
    تَعبدُ اللهَ على حرفٍِ
    وتَدعو للجِهـادْ
    وتَسبُّ الوَثنيَّـهْ !
    وإذا ما استفحلتْ
    تأكُلُ خَيراتِ البِلادْ
    وتُحَلِّي بالعبادْ !
    * * *
    رَحِمَ اللهُ زمانَ الجاهِلِيَّـهْ !
    ====================
    بدعة

    بِدْعَـةٌ
    عِنْدَ وُلاةِ الأمْرِ
    صَارَتْ قاعِـدَهْ
    كُلُّهم يَشْتِمُ أمريكا
    وأمريكا
    إذا ما نَهضوا للشَّتْـمِ
    تبقى قاعِدَه
    فإذا ما قَعَدوا
    تنهضُ أمريكا لتبني
    .. قاعدةْ !
    ====================

    بلاد العرب

    بَعْدَ أَلْفَيْ سَنَـةٍ
    تنهضُ فوقَ الكُتُبِ
    نبذةٌ
    عن وَطَنٍ مُغتربِ
    تاهَ في ارضِ الحضاراتِ
    من المَشْرِقِ حتّى المغرِبِ
    باحِثاً عن دَوْحَـةِ الصِدقِ
    ولكِنْ
    عندما كَادَ يراها
    حَيَّـةً .. مدفونـةً
    وَسْطَ بحارِ اللهبِ
    قُرْبَ جُثمانِ النبي
    ماتَ مشنوقاً عليها
    بحبالِ الكَذِبِ !
    * * *
    وَطَنٌ
    لم يَبْقَ من آثارِهِ
    غير جدارٍ خَرِبِ
    لم تزلْ لاصِقَةًً فيـهِ
    بقايـا
    من نِفاياتِ الشعاراتِ
    ورَوْثِ الخُطَبِ
    " عاش حزبُ ال…
    يسقُطُ الخا…
    عائدو...
    والموتُ للمُغْتصبِ " !
    وعلى الهامشِ سَطْرٌ :
    أَثَـرٌ ليسَ له اسمٌ
    إنَّما كانَ اسمُهُ يوماً
    .. بلادَ العَرَبِ !
    ====================
    اكتشاف

    الأعادي
    يَتَسَلَّـونَ بتطويعِ السكاكينِ
    وتطبيعِ الميادينِ
    وتَقْطيعِ بلادي .
    وسلاطينُ بلادي
    يَتَسَلَّـونَ بتضييعِ الملايينِ
    وتجويعِ المساكينِ
    وتقطيعِ الأيادي .
    ويفـوزونَ
    إذا ما أخطأوا الحُكْمَ
    بأجْرِ الاجتهادِ !
    * * *
    عَجَبَـاً ..
    كيـفَ اكتشفتمْ
    آيـةَ القطعِ
    ولم تكتشِفوا رَغْمَ العوادي ،
    آيَـةً واحدةً
    من كلِّ آياتِ الجهادِ !
    ====================
    صدمة

    شعرت هذا اليوم
    بالصدمة.
    فعندما
    رأيت جاري قادما
    رفعت كفي نحوه
    مسلما
    مكتفيا بالصمت والبسمة
    لأنني أعلم أن الصمت
    في أوطاننا...حكمة
    لكنه رد علي قائلا:
    عليكم السلام والرحمة
    ورغم هذا
    لم تسجل ضدي تهمة!
    **
    الحمدلله على النعمة
    من قال ماتت عندنا حرية الكلمة!
    ====================

    علامات على الطريق

    تهت عن بيت صديقي

    فسألت العابرين

    قيل لي: امش ِ يسارا
    سترى خلفك بعض المخبرين

    حد لدى اولهم
    سوف تلاقي مخبرا
    يعمل في نصب كمين

    اتجه للمخبر البادي امام المخبر الكامن
    واحسب سبعة ... ثم توقف

    تجد البيت وراء المخبر الثامن في اقصى اليمين!!!
    *******

    حفظ الله امير المخبرين
    فلقد اتخم بالامن بلادَ المسلمين

    أيها الناس اطمئنوا
    هذه ابوابكم محروسة في كل حين
    فادخلوها بسلام آمنين

    ========================
    إن الإنسان لفي خسر

    "والعصر..
    إن الإنسان لفي خُسرْ"
    في هذا العصر
    فإذا الصُبحُ تنفس
    أذنَّ في الطرقات نباح كلاب القصر
    قبل آذان الفجر
    وانغلقت أبوابُ اليتامى..
    وانفتحت أبوابُ القَبرْ!
    ========================
    تساؤلات

    كيفَ سندخُلُ حَرْبَـاً هذي المَـرَّهْ
    ما دامتْ أُمّتُنا الحرّهْ
    تُنجِبُ عَشرةَ أبطالٍ
    كي نَقتُلَ منهمْ عشرهْ ؟
    كيفَ سنجني ثَمراً
    والبذرةُ ما زالتْ بِذرهْ ؟
    كيفَ سنجني شَهْـدَاً
    والبَدْرَةُ في يدنا مُرّهْ ؟
    يا وَعْدَ اللهِ .. ويا نَصرَهْ
    كيف ستسلمُ هذي الجَـرَّهْ ..
    ما دام الإنسانُ لدينا
    يُولَدُ يحملُ قَبْـرَه ؟!
    ====================

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    حدائق الساخر
    الردود
    19
    أخي العزيز / لست بساخر

    جهد كبير ومميز .. تشكر عليه ..

    الله يعطيك الف عافيه ..

    استمتعت كثيرا .. وبأنتظار ما تبقى من موضوعك الرائع

    لك خالص التقدير

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    هنا.
    الردود
    539
    ممتع ممتع ممتع

    ورااااااائـــع بكل المقاييس ولي عوده بعدما انتهي

    والله اضحكني ابن مطر

    لكن المشكلة أن كلاً منهم قد فهمها حرفياً، فسرق الجمل بما حمل، ولم يكتفِ بذلك بل سرق الأرض بمن عليها !
    الله يسعده ياشيخ.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 2 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 2 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •