Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536

    سحر الشرق في الأدب الروسي


    سحر الشرق
    في الأدب الروسي

    بقلم: إيفان بونين
    ت.د.إبراهيم إستنبولي



    في آب من عام 1953 توفي إيفان بونين (1870 ـ 1953).. الذي نال جائزة نوبل للآداب عام 1933.. وقد اشتهر بونين بشغفه بالشرق مما دفعه أكثر من مرة إلى زيارة بلدانه المختلفة، حيث تعرّف على حياة شعوبها وعلى عادات أبنائها وتقاليدها.. وقد انعكس إعجابه بالشرق وبأهله في أشعاره وفي قصصه ومذكراته..‏

    امتد طريق الإبداع عند ذلك الإنسان حوالي 70 عاماً، إذ صدر لـه أول ديوان شعر في منتصف الثمانينات من القرن التاسع عشر. وقد اتسم الإبداع الفني لإيفان بونين في ذروة عطائه بسعة الأفق و بعمق النظر إلى درجة مدهشة...‏

    فقد صارت قريبة إلى عقله وقلبه جميع الأزمان والبلدان، المبادئ الإنسانية العامة بخصوص الخير، الجمال والعدل. لم يكن هناك، على الأرجح،كاتب مماثل استطاع أن يتحسس بدرجة عالية وأن يستوعب وعيه بالحدية نفسها تلك العصور البعيدة ما قبل التاريخية، روسيا، الغرب والشرق. وقد ساعد في إنضاج وتفتح مواهبه ترحاله المستمر ـ تنقلاته في بلدان العالم. في عام 1907، وخلال استعداداته للسفر إلى الشرق الأوسط، من أجل القيام برحلة حج نوعاً ما إلى "الأراضي المقدسة"، قام بونين بدراسة وتعلم الإنجيل والقرآن، وبالاطلاع على الدراسات المتعلقة بالشرق القديم ـ بمصر، القدس، فلسطين. أثناء تنقله لم تكن تفارقه قصائد الشاعر الصوفي المفضّل لديه سعدي، الذي كانت حياته موضع إعجاب الكاتب الروسي: "بعد ولادته، استثمر ثلاثين عاماً لاكتساب المعرفة،ثلاثين عاماً في الترحال وثلاثين أخرى في التفكر، التأمل والإبداع". وقد عبّر الكاتب عن الغاية من تنقلاته مستعيراً كلمات الشاعر المسلم العظيم: "...أنا، كما قال سعدي، سعيت لكي أتعرف على الدنيا ولكي أترك فيها انسكابة من روحي". لقد زار بونين أكثر من مرة كلاً من تركيا، شواطئ آسيا الوسطى، اليونان، مصر بما في ذلك بلاد النوبة، كما تنقل عبر سوريا، فلسطين، وزار الجزائر، تونس وأطراف الصحراء الغربية؛ سافر بحراً إلى سيلان، وبراً عبر كل أوروبا. "أما بخصوص تنقلاتي وأسفاري، فقد نشأت لدي فلسفة خاصة ـ كتب بونين في عام 1912 ـ أنا لا أعرف ما هو أفضل من الترحال".‏

    البحث عن أجوبة على الأسئلة التي تهم البشرية جمعاء بشكل دائم: حول معنى الحياة، حول الغاية من خلق الإنسان، عن العلاقة المتبادلة والارتباط المتبادل بين أشكال الوجود ككل، حول المغزى من التاريخ، حول أسباب نهوض وموت الحضارات، وكذلك الأفكار حول الاعتقاد والإيمان،حول سعي الشعوب إلى الحقيقة، الخير والجمال، وفي ذات الوقت التعطش الدائم لأن يرى بنفسه العالم الشديد التنوع ـ كل هذا كان يغذي الخيال الجامح للفنان، يوقد فكره وكلمته.‏

    وأكثر ما جذبت اهتمام بونين تلك البلدان والعصور، حيث التقت البدايات والنهايات، حيث تجذّرت "منابع الأيام"، حيث تصادمت الطاقة الخلاقة للروح مع البربرية، الإبداع والاستبداد. لقد شاهد أنقاض البارثينون اليوناني وقرطاجة الفينيقية، الأهرامات الهائلة في مصر، أضرحة الفراعنة الموغلة في القدم، أطلال حيفا في فلسطين مع الجدران الضخمة ومقابر يفوق عمرها أربعين قرناً. لكن أكثر ما أدهشته بعلبك، بقايا معبد الشمس، "الذي تفوق مقاييسه كل ما أنجزته يد الإنسان". لقد سحرت بونين تلك المنحوتات الصخرية، التي كانت قد صنعت في تلك الأزمان الغابرة، "عندما كانت الأساطير عن العمالقة ما زالت تضج بالحياة".‏

    "معبد الشمس" ـ هذه هي التسمية التي أطلقها على الطبعة الأولى من ديوان قصصه النثرية التي كتبها خلال أسفاره، والذي أسماه في طبعته الثانية بطريقة لا تقل شاعرية" "ظلّ الطير". الغريب هو أن الروايات ـ الأسفار الشرق أوسطية كتبها بونين بالتزامن مع الكتابات ذات الطابع الروحي الروسي الأصيل مثل "القرية" وغيرها، تلك التي كتبها خلال الأعوام 1907 ـ 1911. لقد وضعها بونين إلى جانب بعضها وخصّها باعتبارها الأكثر أهمية. في بعضها ـ روسيا، الحياة الروسية اليومية. في البعض الآخر ـ الشرق، الطبيعة الخلابة، العراقة والعاديات. هذه هي العناوين العربية لقصائده: "ليلة القدر"، "محمد في المنفى (الهجرة)"، "امرؤ القيس"، "البدوي"، "القاهرة"، "القافلة". وهذه بعض قصصه عن الشرق الأوسط: "الدلتا"، "بحر الآلهة"، "اليهودية"، ظِلّ الطير"، "معبد الشمس"، صحراء الشيطان ـ كلها تحكي عن مصر، لبنان، فلسطين، عن الخلود ولحظية الحياة.‏

    أما القصائد "الإسلامية" فهي كثيرة جداً عند بونين لدرجة أنه لو لم تكن معروفة تفاصيل حياته اليومية وكينونته، لكان من الممكن الاعتقاد أن هذا الأخير بين الكتاب الروس الكلاسيكيين العظام ـ لم يكن يفارق القرآن أبداً، كما لو أنه كان يحمله معه في حقيبة سفره طوال حياته. بل إن الواقع هو كذلك. فقد كانت نسخة من القرآن بترجمة أ. نيكولاييف (لقد تم التثبت من أنها نسخة صادرة في موسكو عام 1901) بالنسبة لأيفان الكسييفيتش بمثابة واحد من أهم وأكثر الكتب المقروءة لديه. ففي القصائد، المملوءة بنفحة الشرق الإسلامي، نجد أن الشاعر الروسي كان يتبع القرآن بشكل مباشر، وأحياناً كان يكرر آيات الكتاب المقدس للمسلمين. عدا ذلك، إن بونين قد تابع بإحساس الوارث الشرعي الخاص تقاليد بوشكين و"محاكاته للقرآن".‏

    ومع ذلك، إن قصائد بونين الشرقية لا تعتمد مصادر كتابية وحسب. ففي تلك الأشعار يمكن تلمّس ليس فقط الافتتان بالزخرفة لوحدها، التي تمتاز بها عادة القصائد السطحية للشعراء ـ الرمزيين.‏
    لقد سافر بونين في أرجاء الدنيا أكثر بكثير من جميع أولئك الشعراء. ورغم ذلك، فإنه كان من جديد يلبي النداء القاهر ويعود إلى بلاد الإسلام... لكن القصائد، التي تم نظمها أثناء الرحلات أو التي ظهرت إلى الحياة عن طريق الذكريات، كانت تخرج قبل كل شيء من الإحساس المباشر بالأرض والهواء في البلدان المكتشفة، المدن والبلدات، الحدائق والصحارى التي‏ أغرم بها.‏

    هنا مملكة الأحلام. على امتداد مئات الفراسخ‏
    الشواطئ مقفرة عارية مالحة.‏
    لكن الماء فيها بلون الزمرد والسماء‏
    والحرير الأبيض أشد بياضاً من الثلج.‏
    في حرير الرمال مجرد نبات الشيح الأزرق‏
    يرعاه الله لأجل قطعان الغنم الرّحل،‏
    والسماوات هنا زرقاء لدرجة لا تصدق،‏
    والشمس فيها ـ كما نار جهنم، سقر.‏
    وفي ساعة القيظ، حين السراب المصقول‏
    يُغْرقُ العالمَ بأكمله في نوم عميق،‏
    في بريق لا نهائي، خلف حدود الأرض الحزينة،‏
    يحمل الروح إلى حدائق الجنة.‏
    وهناك يجري، هناك يصب خلف الضباب‏
    نهرُ كل الأنهار، الكوثر اللازوردية،‏
    ولكل الأرض، لكل القبائل والبلدان‏
    يمنح الهدوء. اصبر، صلِّ ـ وآمن.‏

    إن قصائد بونين (وكما هي قصصه، بالمناسبة) كانت تستند بشكل أساسي على المعاناة الشخصية العميقة. بغض النظر عن الموضوع. فقد كان قادراً على أن يكتب في اليوم نفسه عن سماوات الشمال الروسي، شواطئ نهر الدنيبر أو نهر أوكا، كنائس صقليا وغابات سيلان... ففي العشرات من قصائده نجد هذا المسيحي الأرثوزكسي الغيور، الذي يفاخر بأصوله الروسية النبيلة، وقد استطاع أن يتقمص بالكامل شخصية المسلم، الدرويش المتجول، والحاج إلى المقدسات... وتارة يتحول إلى مغنِّ يتغنى بالهناء في أجواء الحريم، وأحياناً أخرى إلى شاهد على خلق العالم من قبل الله وشاهد عيان على يوم الحساب العظيم.‏

    لقد شاهد بونين مختلف جوانب العقيدة الإسلامية والحياة الإسلامية. كان مستعداً، وهو في رمال الليالي، أن يثق بالمثل العربي: "أيها المسافر، لا تخفْ! هناك في الصحراء كثير من الروعة والسحر. هذه ليست أعاصير، بل إنها الجن تُقِلق الصحراء. هذا هو الملاك، خادم الرب الرحيم، قد قذف شياطين الليل بسهم ذهبي". ففي بعض القصائد، مثل "ليلة القدر"، "تسبيح"، "الحجر الأسود للكعبة"، المقام المقدس"، "أبراهام"، "إبليس والإله"، "الطير"، "محمد في المنفى"، "الفقير"، "الخالد"، "عرش سليمان"، "الحجيج"، يوم الحساب" وفي مجموعة أخرى من القصائد المكتوبة في أعوام مختلفة، نجد أن الشاعر الروسي يتحول إلى روحاني إسلامي متحمس، بل ويظهر كمتصوف حقيقي.. وتعتبر قصيدة "السر" من عيون الكنوز الشعرية عند بونين، تلك القصيدة المرفقة باقتباس من القرآن: "ألم..".‏

    زفر على المِدية ـ وإذ بشفرةِ‏
    خنجرهِ السوري‏
    تلمع في الدخان الأزرق:‏
    وفي الدخان لمعت بوضوح أكبر‏
    على الفولاذ رسوم ذهبية‏
    محفورة بزخرفة من ذهب.‏
    "باسم الله والنبي،‏
    اقرأ، يا عبد السماء والقدر،‏
    نداءك المهين: قل، بأي‏
    شعار قد زُيّن خنجرك؟"‏
    قال هو: "شعاري رهيب.‏
    إنه ـ سر الأسرار: ألف. لام. ميم".‏
    "ألف. لام. ميم؟ ولكنها إشارات مبهمة‏
    كما الطريق في ظلمة الحياة الآخرة:‏
    أخفى سرّها محمد..."‏
    "اصمت، اصمت! ـ قال بحدة ـ‏
    لا إله إلا الله،‏
    أكثر الأسرار بأساً ـ لا سرّ أكبر".‏
    قال، لامس بالسيف ذي الحدين‏
    الجبين تحت عمامة الحرير،‏
    وألقى على أتميدان القائظ‏
    نظرة فاحصة كسولة كطير جارح ـ‏
    وأخفض رموشه الزرقاء الهادئة‏
    من جديد على السيف ذي الحدين.‏

    كما أن قصائد بونين الكثيرة في الغزل هي الأخرى حسنة، والتي تبرز فيها ألحان وصور إسلامية. مثلاً، قصيدتان عن الحسناء ـ اليهودية صفية، زوجة الرسول. في إحداهما، الثمانية الرائعة والتي تسلب شغاف القلب، نجد كيف أن نبرة الدنيوية، الخفيفة بعض الشيء، تتحول فجأة إلى احتفالية:‏

    صفيّة، وقد استيقظت، راحت تجدل بيد‏
    زرقاء ماهرة خصلات الجدائل السود:‏
    "الكل يعيرني، يا محمد، باليهودية" ـ‏
    تتكلم عبر الدموع، ودون أن تمسح الدموع.‏
    محمد، وهو ينظر مع ابتسامة ساخرة وبحب،‏
    يجيب بوادعة: "قولي لهم، يا صديقتي:‏
    أبراهام ـ أبي، موسى ـ عمي، ومحمد ـ زوجي".‏

    إن النبيّ وبكلمات قليلة يؤكد صلته بالتوراة، والتعاقبية في رسالته. لقد امتزجت الألحان والموضوعات الإسلامية في إبداع بونين مع ألحان وموضوعات التوراة والإنجيل. وبمعنى ما إن "الديانات السماوية" الثلاث كانت بالنسبة لـه ديانة واحدة. لكن بونين استطاع أن يشعر بخصوصية الإسلام. ففي قصيدته "الراية الخضراء"، والتي تبدو كما لو أنها دعوة غير متوقعة نهائياً من فم مسيحي أرثوزكسي ـ إلى الجهاد المقدس، نرى الشاعر مغموراً بإلهام حانق:‏

    ..لقد غفوتِ، لكن نومك ـ أحلام ذهبية.‏
    أنتِ عبْرَ أربعين ثوباً من الحرير‏
    تتنشقينَ رائحة الورود وتتنفسين العفونة ـ‏
    عطر القرون.‏
    ولكنّك تنامين بسلام، يا مجد الشرق!‏
    وقد فتنتِ القلوب‏
    إلى الأبد. ألستِ أنتِ التي شيّدَكِ جبرائيل‏
    فوق رأس النبيّ؟‏
    وألستِ أنتِ تسبحين فوق الشرق إلى اليوم؟‏
    استديري، انهضي ـ‏
    وسينهض الإسلام، كما لو "سموم" الصحراء،‏
    إلى الجهاد المقدس!‏

    إن القرن العشرين المليء بالكوارث البشرية قد غيّر بشكل جذري حياة الشعوب الإسلامية. فقد انعكست عميقاً في شعر بونين الأمواج العاتية للعصر الحديث؛ وكانت بعض قصائده مثل "أمواج" و"أحفاد النبيّ" عبارة عن صدى مباشر لما يحدث في السياسة العالمية. لقد كانت عزيزة على قلب الشاعر الروسي مشاعر الاعتزاز والكرامة لدى المسلم في وجه المحتلين والمستعمرين الأوروبيين. وقد ظلَّ بونين حتى نهاية عمره يحلم بذلك التمازج الساحر بين الحكاية الشرقية والحياة المنفتحة وكانت تدعوه باستمرار إلى السفر:‏

    الصحراء في ضوء خافت، ملتهب.‏
    وخلفها ـ ظلمة وردية.‏
    هناك مآذن ومساجد،‏
    وقببها المزخرفة.‏
    هناك صخب النهر، السوق المسقوفة،‏
    حلم الأزقة، ظلال الحدائق ـ‏
    و، هي تغفو، تفوح بالعسل‏
    على الأسطح أوراق الزهور.‏

    نجد أن إدراك الطبيعة، الشواهد الأثرية القديمة والحياة المعاصرة لشعوب الشرق الأوسط يتماهى في سلسلة اليوميات ـ الروايات الشعرية "ظلّ الطير" مع تأملات مستفيضة ـ فلسفية، تاريخية، دينية، أخلاقية وجمالية. هكذا تتحول الرحلة في المكان إلى ارتحال في الزمان أيضاً. إذ أن بونين يزيل حدود الزمان والفضاء، يجعل من قرائه مشاركين لـه في مختلف التنقيبات عند الشعوب بدءاً من أيام أبراهام قبل التاريخية وحتى أيامنا هذه.‏

    وفي مصر، عند هرم خوفو العظيم، وهو يلمس "الأحجار، التي هي ربما من أقدم الأحجار التي اقتطعها البشر"، عاش بونين إحساس الاتحاد الأخوي مع ذلك الأسير العربي المجهول، الذي شيّد هذه الأحجار. إن هذه المشاركة الوجدانية مع الماضي قد ألهمت أفكاره بخصوص مسيرة التاريخ، دافعة إياه إلى التفكير حول أسباب انهيار الحضارات وحول سبل التطور الإنساني. اليوم في هذا الزمن الصعب الذي يعيشه الشعب الروسي، ودولته وثقافته، فإن بعض صور بونين تبدو كما لو أنها نبوءات حقيقية ذات قيمة لا تزول. لقد جذبت بونين مساعي الإسكندرية القديمة" لأن تتحول مركزاً لجميع الديانات وجميع المعارف القديمة والتاريخية". لقد أعجب بالشعب المصري العريق، الذي "لم يعرف مثيلاً لـه لا في العمل، لا في تشييد الآثار، لا في المعارف، ولا في الأخلاق، ولا من حيث الشجاعة، التي كانت تتواجد إلى جانب تواضع جم وثقافة مدهشة بالنسبة لعصره". كما أدهشته إنسانية هذا الشعب، الذي "لم يعرف عبودية المرأة"، "وكان يقدس الحياة بكل أشكالها وتظاهراتها"؛ كما كان يقدّر عالياً الخير، الذي أصبح "الحجر الأساس في عقيدته وفي جميع تشريعاته اليومية".‏

    أما في تركيا، في مدينة استنبول المعاصرة للكاتب، فقد كانت مدعاة للسعادة عند بونين الحرية والعيش المسالم المشترك للشعب المكافح من مختلف القوميات. لقد لحظ هناك ولادة توجهات إنسانية جديدة، التي أعلنتها تركيا فيما بعد للعالم؛ كما شاهد "التسامح الذي لا مثيل لـه تجاه جميع اللغات، تجاه جميع العادات والتقاليد،تجاه جميع المعتقدات".‏

    لقد تنقل بونين كثيراً في بلدان الشرق الأوسط، التقى مع الناس، وكان يكتب ملاحظاته باستمرار.‏

    "فلسطين. 8 أيار. استيقظت في الساعة الخامسة صباحاً. خرجت في السادسة.‏
    الدرب مُملّة بشكل لا يطاق ـ جبال عارية وواد صلصالي طويل إلى ما لا نهاية، أحجار أحدها فوق الآخر. لا أجمة، لا أعشاب، ولا أية علامة واحدة تدل على الحياة. فقط صحراء مزروعة بأحجار رمادية قاتمة. وفي البعيد شبح العربي في عباءة سوداء... وفي المنخفضات حيث توجد الآبار، تشاهد آثار توقفات البدو: رماد المواقد، أحجار موضوعة على شكل دائرة أو مربع، حيث يتم فيها تثبيت أعمدة الخيم... وعندما جئت في المرة التالية بمفردي إلى حيث نصب البدو خيامهم فقد استقبلوني كصديق. كانت خيمة الشيخ عيد هي الأكبر والأوسع، وعندما دخلت وجدت هناك عدداً كبيراً من المشايخ العجزة، الذي كانوا يجلسون حول الحيطان اللبادية السوداء للخيمة وقد رفعت جوانب المدخل. خرج الشيخ عيد لاستقبالي، قام بالانحناء وبوضع اليد اليمنى على الشفاه وعلى الجبين... وفي هذا الوقت كانوا يحضرون وراء الخيمة الطعام لي وللضيوف..." "ثم تابعنا رحلتنا. كادت الجبال أن تصبح الآن من حولنا مرعبة. يضجّ نهر مياهه عكرة ـ خضراء. نسير راكبين.. والنهر يمشي وراءنا. راحت تظهر الحدائق، يقولون ـ هذه دمشق الآن. وهدة واسعة وسط الجبال، بحر من الحدائق، وفيها ـ المدينة الصفراء ـ الكبريتية بأكملها، وفيها نهر ضعيف، مليء بالغبار، تتخلله أماكن كبريتية، يجري بسرعة نهر بردى العكر ـ مع بعض الاخضرار، الذي يختفي في الأرض بالقرب من المحطة... نزلنا في فندق الشرق على مسافة ساعة من السير راكباً في عربة ينكشف منظر رائع على دمشق. أنا صعدت عالياً إحدى التلال، رأيت الشمس منخفضة وجبل حرمون، وإلى الجنوب، على طريق القدس، شاهدت ثلاثة مرتفعات زرقاء (اثنان مع بعضهما، وواحد ـ منفرد). وفي الصباح صعدت إلى المئذنة. تحتنا الوهدة الهائلة بأكملها والمدينة كذلك. وفي البعيد حرمون تغطيه الثلوج (من جهة جنوب ـ غرب). ومن جديد الخطاطيف تدور وتخترق الهواء. والمدينة كما لو أنها تلمع في لون أصفر باهت طيني، وهي مملوءة بالسطوح المستوية، تكاد تبدو بسطح واحد ملتحم. بعد ذلك ذهبنا إلى البازار. يا للروعة!..."‏

    كم هي مهمة وذات مغزى تلك الرسومات، التي رسمها بونين للأوروبيين على تلك الخلفية. وإنها لمميزة تلك الملاحظات التي كتبها بخصوص أتباع الإمبراطورية البريطانية: "في أورشليم، في الناصرية، في أريحا كان المواطنون الإنكليز، الذين نزلوا معي في نفس الفندق، يستيقظون في الصباح الباكر جداً، وكانوا يقومون بالتزيّن الصباحي دون استعجال، يتناولون فطوراً دسماً ثم تحت إشراف دليل من قبل الوكالة الإنكليزية للسياحة كانوا يخرجون لزيارة الأماكن المقدسة مع إنشادهم المستمر للتراتيل... إلهي، كم كان الأمر يبدو كريهاً بكل ما للكلمة من معنى!!‏

    وفي مصر، بالقرب من الأهرامات والمعابد، كنت من الصباح حتى المساء أسمع أصوات العصي على رؤوس العرب: كان العرب يحيطون بالسياح مع صرخات مسعورة، وهم يعرضون عليهم خدماتهم، حميرهم، بينما رجال الشرطة الإنكليز راحوا يضربونهم بصمت على اليمين وعلى الشمال، وبكل قسوة ومهارة، بحيث أن العصي كانت تتراقص فقط... أما في كولومبو فلم أصدق ما رأته عيناي: كيف أن الإنكليز يسيرون في الشوارع بحذر وبترقب.. ـ كانوا يخافون أن يتنجسوا من مجرد لمسة عابرة من التاميل، أو من أي شخص "ملوّن" ، أو من ملامسة أي "متوحش حقير" حسب تعبيرهم. وكم كانت كثيرة المشاكل التي سببتها لي محاولاتي السفر في قطارات الدرجة الثالثة!... "هكذا كتب بونين في قصته" "الدرجة الثالثة" في عام 1921.‏

    لم يكن الكاتب العظيم يطيق الاستعمار ولا العنصرية نهائياً.‏

    "مياه كثيرة" ـ هذه التسمية أطلقها على واحدة من ذكرياته حول الإبحار إلى الشرق مواطنيّ العظيم إيفان بونين في شباط 1911. "أول ليلة في اليونان. قال القبطان إننا نسير بهدوء غير مسرعين. فكان ما سبق وحلمنا به شتاءً في مصر: أن تتاح لنا إمكانية السفر في واحدة من السفن، التي بالأصل هي للركاب، ولكنها تحولت إلى نقل البضائع بسبب قِدَمها وعدم توفر شروط الراحة وبسبب العدد المحدود من الغرف ولطول توقفها في المرافئ. واليونان بلد عظيم للغاية، بسيط وقديم، لكنه نظيف، متين ويقف عميقاً. خيم الهدوء في السفينة منذ فترة طويلة.‏

    الأيقونة التاريخية من مدينة سوزدال(1) في إطار فضي اكتسب لوناً أسود، والتي لا تفارقني في جميع رحلاتي، تلك الأيقونة المقدسة التي تربطني بخيط رقيق وفاضل مع أهلي، مع موطني، مع المكان حيث كانت ولادتي وطفولتي ـ كنت قد علّقتها فوق سريري في السفينة.‏

    "لا تشتهِ بيت قريبك، ولا زوجته، ولا عبده، ولا حماره، ولا أي شيء من ممتلكاته..." لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء من التفكير لكي يتمكن المرء من فهم أبدية وعمق تلك الوصية من قلب سيناء. كلا، مهما بلغت حماقات الغباء البشري والحسد الإنساني، فإن ممتلكات القريب تبقى محرمة ومقدسة بالفعل، وهي التي يتم اكتسابها ليس دائماً بالصدفة وليس لقاء حياة الشخص المعني وحسب، بل لقاء حياة شعب بأكمله.‏

    ولهذا فإنها مقدسة ثلاثة أضعاف تلك النخلة المزروعة من قبل والده وبالتالي لا يمكن أبداً أن تكون ملكية عامة؛ ومقدسة البئر التي حفرها جدّه، أي أنها (البئر) كما لو تحفظ بعضاً من جدّه، من عمل الجدّ، من فكره ومن روحه، وبالتالي كما لو أنها تحفظ خلوده نوعاً ما، استمراريته، إطالة عمره... فأي دمٍ يمكنه أن يغسل اقتحام الغريب في تلك "المملكة"، في قدس أقداس الإنسان!".‏

    هذا ما كتبه إيفان بونين في طريقه من روسيا إلى سيلان، بين فلسطين ومصر. كتبه وهو يراقب الحياة التي تركض من حوله كأمواج البحر. هذا ما كتبه ابن روسيا وكل العالم، الحائز على جائزة نوبل لاحقاً،دون أن ينسى مطلقاً الوطن، حتى وهو موجود في المنفى الطويل، وفي نفس الوقت القريب لكل شعوب الأرض كفنان وكإنسان.‏

    "... في الساعة الثانية ظهراً تجاوزنا جزيرة جبل الطير. لا تشبه نهائياً جزر البحر الأبيض المتوسط. ولونها جديد بالكامل بالنسبة للعين ـ بلون الجمل... الساعة الثانية ليلاً. لا أستطيع أن أغفو ـ أشعر بسعادة غامرة. الأرض، الجنة تقترب أكثر فأكثر ـ طوال الليل غيوم، وطوال الليل يشع القمر من بينها وهو يضيء أطرافها بلون فضي.‏

    "دربك في البحر ومجدك في الماء وآثارك غير مرئية..." هذا هو أنا ـ كما لو وحيد في العالم كله. ـ للمرة الأخيرة أجثو على الركبتين على ظهر السفينة المضاء بنور القمر.‏

    كما لو أن الغيوم تفرقت عن قصد، ووجه القمر يشع بفرح وبسلام في الأعالي فوق رأسي، وفي الأسفل، في الفضاء الشفاف والمضيء لقبة السماء الجنوبية، تتدفأ بهدوء لآلئ الصليب الجنوبي. تتراقص بفرح لطيف وسرمدي ليلتك الوضّاءة. كيف لي أن أشكرك؟".‏




    (1) سوزدال ـ مدينة روسية معروفة منذ القرن العاشر وتشتهر بآثارها التاريخية، خصوصاً الكنائس والأديرة. المترجم.‏



    عن مجلة الآداب الأجنبية
    العدد 126 ربيع 2006
    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    بوشكين: شاعر الإنسانية الخيرة
    قصيدة (محاكاة القرآن)

    [ماسة براقة في تاج بوشكين الشعري]
    جمانة طه




    عندما وقعت عيناي على كتاب (بوشكين والقرآن) للأديب مالك صقور، أدهشني العنوان وأسعدني في الوقت ذاته. أدهشني لأنه حمل معلومة لم تكن موثقة من قبل، ولم تستهلكها البحوث والدراسات. فمعظم المطلعين على الشعر الروسي يعرفون أن بوشكين هو شاعر روسيا العظيم، لكنهم، ربما، لا يملكون أدنى فكرة عن صلة هذا الشاعر العظيم بالقرآن. وأسعدني لأني شعرت بالاعتزاز لتأثير سور القرآن الكريم وآياته في الثقافة الروسية وعلى موهبة شاعر متفرد، قال عنه الكاتب الكبير مكسيم غوركي: إنه بداية البدايات في الأدب.

    بعد أن قرر مالك صقور، أن يكون بوشكين موضوع حلقة البحث التي سيتقدم بها إلى أستاذه في جامعة موسكو الحكومية، أعاد التفكير في قراره لأنه، وفق قولـه، لن يستطيع أن يضيف أي جديد على ما كتبه النقاد والكتاب والشعراء الذين لا حصر لهم عن بوشكين وشعره لكن المصادفة لعبت دورها وذلك حين وقع مالك على إحدى رسائل بوشكين إلى صديقه الأمير فياز مسكي، التي يقول فيها/ (مقترحاتك بما يتعلق بمرثياتي، أمر لا يتحقق. وبالمناسبة كنت مضطراُ للهروب من مكة إلى المدينة، وقرآني تخاطفته الأيدي والمؤمنون بانتظاره). وحينما تأكد مالك بأن مكة والمدينة والقرآن التي أتى بوشكين على ذكرها في رسالته ليست سوى مكة المكرمة والمدينة المنورة والقرآن الكريم، عرف أنه وقع على موضوع جديد ومهم. فابتدأ عملية البحث والتنقيب في سيرة بوشكين ومؤلفاته الكاملة، للوصول إلى معرفة سر علاقة هذا الشاعر بالقرآن الكريم، وبالنبي محمد ( ولماذا شبه نفسه به؟. ولماذا قارن نفيه من بلدته (أوديسا) في الجنوب إلى (ميخايلو فسكي) في الشمال، بهجرة النبي ( من مكة إلى المدينة؟‏

    هذه الأسئلة وسواها حاول الطالب، آنذاك، مالك صقور أن يجيب عليها في حلقة بحثه، التي تحولت فيما بعد إلى كتاب يحمل العنوان الذي سبق ذكره.‏

    * * *‏


    عندما باشر مالك بجمع المعلومات من مصادرها، لفت نظره غياب الموضوعة العربية عن معظم الدراسات التي تناولت أدب بوشكين، على الرغم من انعكاس الشرق عموماً والشرق العربي خصوصاً في أدبه. مما زاده رغبة في إنجاز بحث يقدم فيه إلى المكتبتين الروسية والعربية عملاً مقارناً، يبين فعالية التلاقح الثقافي الأدبي والتراث بين مختلف الشعوب، ومدى التأثر بهذا التلاقح والتأثير فيه.‏

    يضم الكتاب سبعة فصول، تتصدرها مقدمة وتذيلها خاتمة. في الفصل الأول، يتناول المؤلف العلاقة بين روسيا والعرب التي تعود إلى عصور الفتوحات الإسلامية التي يسرت وصول التجار العرب المسلمين إلى الشمال الروسي. وقد أكد قدم هذه العلاقة وتأثيرها في الثقافة الروسية بعض المؤرخين، مثل ول ديورانت وبارتولد، وواحد من أهم المستشرقين الروس (إغناطيوس كراتشكوفسكي) الذي نقل إلى اللغة الروسية عدداً من القصص العربية، مثل: "فرعون ويوسف"، "لقمان الحكيم"، "إيسوب العربي". وأشار في كتابه (نبذات من تاريخ الاستعراب الروسي)، إلى أنه يوجد في موسكو شارع يدعى (أرباط) استمد اسمه من مكان كان التجار العرب يربطون فيه خيولهم. ويثبت كراتشكوفسكي في الكتاب المذكور عدداً كبيراً من الكلمات العربية التي دخلت اللغة الروسية نتيجة وصول التجار العرب والمسلمين إلى المدن الروسية، منها على سبيل المثال: قماش، ألماس، مخازن، صندوق، عربة، عزبة، تعريفة، إمام، مفتي، مسجد، وسواها.‏

    وقد وصل الاهتمام الروسي بالشرق الأدنى ذروته في عهد الإمبراطور بطرس الأول، الذي أرسل خمسة طلاب إلى بلاد فارس لدراسة اللغات الفارسية والعربية والتركية. وأمر بطباعة أول ترجمة روسية للقرآن الكريم الكريم، وبجمع النقود العربية والمخطوطات العربية . لكن هذا الاهتمام بالثقافة العربية لم يكن للثقافة بحد ذاتها، وإنما كان لـه أبعاد سياسية، كما يقول كراتشوكوفسكي الذي تدين لـه الثقافة العربية بالفضل، لقيامه بتحقيق عدد من المخطوطات العربية المهمة وبنقلها إلى اللغة الروسية. وجدير بالذكر أن الرسالة العلمية التي نال بموجبها هذا ا لمستشرق درجة الماجستير، كانت على الوأواء الدمشقي.‏

    لكن التأثير الفعلي للأدب العربي في الأدب الروسي لم يظهر بوضوح إلا في العشرينيات من ا لقرن التاسع عشر، والشواهد على ذلك كثيرة ولا مجال الآن لذكرها. ويورد(جوكوفسكي) في كتابه (بوشكين والرومانتية الروسية) قصيدة لشاعر قديم، يدلل فيها على استلهام الشعراء الروس موضوعاتهم ومفرداتهم من التراث الشرقي:‏

    أقسم بمكة المقدسة / أقسم بالفرس والزيتونة‏

    أقسم بالشفرة المصقولة / أقسم بالسيف المسلول‏

    أقسم بحوريات الجنة / والنبي محمد‏

    إما أن تكوني لي / أو لن تكوني لأحد.‏

    * * *‏


    في الفصل الثاني وما تلاه من فصول من الكتاب، نعرف أن بوشكين منذ يفاعته اهتم بكل ما هو شرقي وعربي. فصار يقرأ كل ما وصل إلى روسيا عن الشرق، وعن العرب والإسلام. ويقال أنه وقع تحت تأثير ألف ليلة وليلة، وأن القصائد الشرقية التي كتبها الورد بايرون سلبت عقله.‏

    وفي أثناء دراسته في الليسيه شدت انتباهه محاضرات البروفيسور (كايدانوف) عن الدولة الفارسية القديمة، وعن الجزيرة العربية والإسلام وسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام. وقد تجلى مخزون بوشكين عن الشرق وآدابه في معظم أشعاره التي ضمّنها حكايات سمعها أو قرأ عنها، فها هو يروي في قصيدة (نافورة باختشي سراي) حكاية الخان التتري (غيري) الذي هام هو حباً بأميرة بولونية، وأهمل زوجته الجورجية زاريما التي غضبت من موقفه وحزنت لخيانته لها. ففي أحد المقاطع يلقي بوشكين الضوء على زاريما وهي تتوسل للأميرة، لكي تترك (غيري)، فيقول لها:‏

    أتوسل إليك/ أعطني السعادة والطمأنينة‏

    أعيدي (غيري) السابق/ ولا تعارضي.‏

    إنه لي، لكنه هائم بك / اتركيه‏

    بحق القرآن وشفاعته‏

    وفي قصيدة (المغارة)، تتجلى ثقافة بوشكين الإسلامية وذلك من خلال وصفه لجوء الرسول وأبي بكر إلى غار حراء، فيقول:‏

    في المغارة السرية/ في يوم الهروب‏

    قرأت آيات القرآن الشاعرية، فجأة هدّأت روعي الملائكة‏

    وحملت لي التعاويذ والأدعية.‏

    أما قصيدة (النبي)، فتؤكد مرة أخرى تأثر بوشكين بالسيرة النبوية، وبآيات من سور القرآن الكريم: (فاطر والحجر والمائدة والأنفال والمدثر). ولا غرابة في ذلك، فقد قرأ بوشكين في منفاه القرآن بالغتين الروسية والفرنسية، وأشار إلى ذلك في رسالة إلى أخيه (إني مشغول بكلمات القرآن). من هذه القصيدة نقرأ:‏

    عذبني عطش الروح/ وأنا منبوذ في صحراء مقفرة‏

    فجأة، الملاك ذو الأجنحة الستة/ ظهر لي على القارعة‏

    بأصابع خفيفة كما في الحلم / مسح على عيني‏

    فانفتحت مقلتاي إلى الأعلى.‏

    إلى أن يقول:‏

    وجاءني صوت الرب: انهض، أيها النبي، وأبصر‏

    لبّ إرادتي/ وحب البر والبحر‏

    وألهب بفعلك قلوب الناس.‏

    * * *‏


    عندما حاكى بوشكين القرآن في قصيدته (محاكاة القرآن) لم يقصد أن يقلده، وإنما أن يسير على هدي نماذج منه، فالمحاكاة الرشيدة، كما يقول محمد غنيمي هلال، هي طريق إغناء اللغات. تتألف القصيدة من تسع مقطوعات مختلفة الطول والبحر، تتناسب مع الآيات القرآنية التي اقتبس منها وأسس عليها أشعاره. من مقطع حاكى فيه سورة الضحى، نقرأ:‏

    كن رجلاً شجاعاً واحتقر الغش والخداع
    اتبع الحقيقة وبشر بها أحبب اليتامى وقرآني
    وبشر بالأفكار الثمينة.


    وفي مقطع آخر، يحاكي سورة المزمل وآيات من سور التوبة والنحل والإسراء، فيقول:‏

    انهض أيها التقي في مغارتك.‏

    فالسراج المنير،‏

    يشع حتى الصباح بالصلاة الروحية.‏

    أبعد أيها النبي/ الأفكار الحزينة والرؤى المخادعة‏

    وصلِّ حتى الصباح/ واقرأ بخشوع الكتاب السماوي حتى الصباح.‏

    أما إعجاب بوشكين بالقرآن فله أسباب عديدة، ذكرنا منها في الفقرات السابقة ما يتعلق بالظروف السياسية التي جعلته منفياً في قرية نائية مهجورة، وما أعقب ذلك من معاناة نتيجة حصاره في بيئة فقيرة وظروف اقتصادية قاسية. وقد أضاف المؤلف إلى ما سبق، سببين آخرين: أحدهما نفسي، ومبعثه الأصول الأفريقية الإسلامية التي يتحدر منها بوشكين. وثانيهما موهبة بوشكين، التي استوعبت الثقافة العربية الإسلامية بصورها الإبداعية الرائعة، وهو القائل: (إن العرب ألهموا ملاحم العصور الوسطى، النشوة الروحية، والرقة والحب ومناصرة الخير والبلاغة).

    لقد وجد بوشكين في القرآن منهلاً ثرا، يغذي إبداعاته الشعرية. لأن القرآن، على حد قولـه، نص مقدس يتضمن الشعر والموسيقا والبلاغة، والكثير من القيم الأخلاقية. فجعل منه (ربيع قلبه)، ونقل منه إلى شعره ميزة الإيقاع الموسيقي، وميزة التنوع في السور طولاً وقصراً، إلى جانب التنوع في نظام الفواصل والقوافي.‏

    * * *‏


    نخلص من قراءة هذا الكتاب إلى أن بوشكين كان إنساناً، أمضى حياته وهو يتطلع إلى تحقيق العدالة في الحياة. فوجد قدوته في شخص الرسول (، وحاول أن يتشبه به. لأن على الشاعر أيضاً أن يكون منوراً ومعلماً ومبشراً وثائراً.‏

    ولابد من الإشارة إلى أمر مهم أتى المؤلف على ذكره، وهو أن القارئ العربي قد لا يشعر بأهمية نص بوشكين، لكونه يفهم آيات القرآن ويحس بوقعها. لكن قصيدة (محاكاة القرآن) كانت فتحاً جديداً في الشعر الروسي من حيث الشكل والمضمون، تظهر عظمة القرآن، وتؤكد مقدرة الشاعر على تمثل النص بمهارة وعبقرية.‏

    هذا إلى جانب الخدمة الكبيرة التي قدمها بوشكين للإسلام والمسلمين، فقد أسهم من خلال شعره بنشر اسم القرآن في الاتحاد السوفييتي وبتعريف القراء الروس باسم محمد (، لأنهم يقرؤون شعر بوشكين ويتابعون كل ما صدر لـه. فبوشكين، كما يقول عنه الكاتب الكبير (غوغول): ((بوشكين معجم انحصر فيه كل غنى لغتنا وقوتها ومرونتها. إنه ظاهرة خارقة، ولعله الظاهرة الوحيدة التي تجلت فيها الروح الروسية)).


    لن أضيف على هذا الكلام، سوى أن كتاب (بوشكين والقرآن) يستحق القراءة لما يتضمنه من فكر جديد ينبض بإنسانية عالية.‏



    مجلة الموقف الأدبي
    العدد 421 أيار 2006
    To be or not to be
    That is the question


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •