Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 62
  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الحدود :
    لقد لعبت الحدود والحواجز بين بلد عربي وآخر عائقاً هاماً في تحرك المواطنين ، سواء كانوا فلسطينيين أو غير فلسطينيين ، فعبور أسعد من الأردن الى العراق كان مشكلة كانت قد تؤدي الى موته ، والعبور من العراق الى الكويت كان أيضاً مشكلة لجميعهم ، لدرجة أنها أدت لحالة الموت والأختناق الرمزية ، وقد كان الرمز لهذا الوضع الشاذ الخزان المقفل ، فالخزان هو الواقع الخانق ، وأبتعادهم عن الهدف الأساسي أدى الى أختناقهم ، فهم كالأسماك خرجت من الماء ، وفي رحلتهم المغامرة هذه كانوا يسعون لأستنساخ وطنهم الأصلي وأعادة تشكيله في المنفى بصورة مشوهة بدلاً من تحريره ، وقد رمز الكاتب للحدود الأستعمارية التي يضطر العربي للألتفاف حولها للدخول الى قطر عربي آخر ( بالأتشفور ) " أقسم لك بشرفي أنني سألتقيك وراء الأتشفور ، ما عليك ألا أن تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بأنتظارك ، لقد دار دورة كبيرة حول الأتشفور ، كانت الشمس تصب لهباً فوق رأسه " ص58 . أذاً فمنطقة الأتشفور والتي سميت كذلك بأعتقادي نسبة لخط بترول العراق حيفا ، رمز ت الى هذه الحالة ، سواء كانت واقعاً أو رمزاً فأنها بالمحصلة أصبحت رمزاً لحدود أستعمارية بين الكيانات العربية يضطر المواطن العربي للألتفاف حولها كي يعبر الى القطر العربي الآخر في مخاطرة قد تودي بحياته لأن الحدود مغلقة بوجهه . وقد رمز الكاتب لسلاطين الصحراء والذين هم نتاج للمخططات الأستعمارية بالجرذان تأكل بعضها ، عندما تتساءل الفتاة الأجنبية ، " أوف هذه الصحراء مليئة بالجرذان ، تراها ماذا تقتات ؟
    __ أجاب بهدوء : جرذاناً أصغر منها " ص 67 .
    ، وأما صرخة لماذا لم يقرعوا الخزان فكأنها تنديد بهذا الواقع الذي يجد الأنسان العربي نفسه فيه في المقلاة ، ثم يموت مختنقاً داخل الخزان دون أن يصرخ أو يحتج أو يحاول تغيير واقعه الأليم ، بينما حرس الحدود والحاج الذي عمل عنده أبو الخيزران يتسلون بقصص الجنس ، الى جانب هذا سبق وقيل من قبل ( في دراسات سابقة ، ليوسف سامي اليوسف ، غسان كنفاني رعشة المأساة ) أن أبا الخيزران المخصي رمز للقيادة التي فشلت .
    أود أن أضيف أن أبا الخيزران ليس رمزاً لقيادة عقيمة فقط ، فقد تواطأ مع حركة التهريب التي كان يقوم بها الحاج في الأشياء الأخطر من تهريب الناس ، ولعل الكاتب أراد بهذا الرمز أن قيادة فلسطينية مخصية تحالفت مع قيادة عربية فاسدة ومتسترة بالدين ، ولو لم يقصد ذلك لما منح لقب ( الحاج ) للمهرب ، والنتيجة هي موت الثلاثة الذين يمثلون قضية فلسطينية عربية أنسانية ثم رميهم على المزبلة ، أن محاولة الأبتعاد عن الوطن وأستنساخه بدلاً من تحريره أدت الى أن يلاقوا هذا المصير والنهاية المفجعة ، من ناحية أخرى فأن أبا الخيزران الذي تساءل لماذا لم يقرعوا الخزان ! هو نفسه الذي لم يتورع بعد أن ترك الجثث أن يعود ويأخذ ما تبقى من نقود في جيوبها وكذلك الساعة من يد مروان ، هذا الأنسان نفسه الذي قاد مصفحة عام 48 وفقد ثقته بنفسه وصار كل همه أن يجمع المال كي يستريح فيما بعد ( في الظل ) بعيداً عن وطنه . رجال في الشمس تبين وتحذر من محاولة أستنساخ الوطن الأصلي بآخر مزيف لأن النهاية مأساوية ، وهي كذلك مأساة وفضيحة للعرب وللحدود الأستعمارية التي تفصل العربي عن أخيه العربي ، فلا يستطيع الوصول اليه ألا بالألتفاف حول ( الأتشفور _ H_4 ، وأختناق ليس فقط لمجموعة من الفلسطينيين الباحثين عن العمل والذين يضطرون للتسلل الى الكويت من العراق في خزان المياه ! بل هو واقع عربي خانق ، ولا بد هنا من أستذكار حرب الخليج الثانية ومآسيها بسبب هذه الحدود نفسها . _ ( لماذا لم يقرعوا الخزان ؟ )
    في هذا التساؤل بذرة تمرد ورفض لم تبرعم بعد ! والتي سنسمع صداها عند حامد في رواية ما تبقى لكم .



    ( ما تبقى لكم ) من أغتصاب ليلى الى تدنيس مريم .
    تبدأ رواية ( ما تبقى لكم ) كامتداد لحالات القذارة والشعور بالخزي والذل والعار التي ذكرناها في القصص القصيرة وأستمرت في رجال في الشمس . ألا أنه هنا يركز على القذارة المعنوية ، حيث أنها تأخذ شكل الزنى والخيانة ، فزكريا الخائن المتزوج وله خمسة أولاد يسافح مريم شقيقة حامد العانس فتحمل منه ( بالأمكان هنا ملاحظة تكرر سلبية أسم ( زكريا ) فقد سبق وكان شقيق مروان في رواية رجال في الشمس قد تزوج في الكويت ونسي أسرته ) ، وخوفاً من الفضيحة فأن زكريا يتزوجها ويجد شقيقها حامد نفسه مضطراً أن يزوج شقيقته لعميل خائن ، وأن يعيد ويكرر وراء الشيخ " زوجتك أختي مريم _ زوجتك أختي مريم _ على صداق قدره عشرة جنيهات _ عشرة جنيهات _ كله مؤجل ". " كل الذين كانوا هناك كانوا يعرفون أنه لم يزوجها وأنها حامل ، وأن الكلب الذي سيصبح صهره يجلس الى جانبه يضحك في أعماقه بصوت مسموع . ص14 _ ( طبعة الأسوار ) وهز رأسه : " لقد كنت كل شيء ، وأنت ملطخة وأنا مخدوع .. " ص15
    نلاحظ هنا أستمرار تشبيهات وصور الأحتقار المعنوي التي ذكرت في باب سابق :
    __ كان يلتهب مبتلعاً مرارة حادة حتى معدته ، ألا أنها رجعت خطوتين وهي لما تزل تبتسم تلك الأبتسامة الدامية ، ومن ورائها نبح الكلب فقالت له " صهرك حامد يريد أن يترك غزة " ص15
    __ كان ضئيلاً بشعاً كالقرد أسمه زكريا ص16
    ولا تعود بشاعة زكريا لأنه مارس الزنى ولطخ شقيقة حامد بالعار فقط ، بل هو خائن ، قبل هذا وشى بأحد المناضلين للجنود الأسرائيليين ، عندما يأمر الجنود الناس بالوقوف صفاً ويسألونهم عن مناضل يدعى سالم ، ويسود صمت الى أن يتقدم زكريا ويشي به " وفي اللحظة التالية تماماً أندفع زكريا خارج الصف المستقيم وقذف بنفسه راكعاً وكفاه مضمومتان الى صدره وأخذ يصيح ، فتراجعت الفوهات الفولاذية مترددة بطيئة ، ثم تقدم الضابط فركله وتولى جنديان أيقافه على قدميه الواهنتين " أنا أدلكما على سالم " ص24 .
    ألا أنه في هذه الرواية تبدأ عملية التطهير من حالة النجاسة والقذارة التي كانت كثيفة جداً فيما سبق من قصص ( بدأ السعي لتغيير الواقع الداخلي ) ، هنا بعد أن قام الكاتب بتبئير الشعور بالعار من خلال السفاح بين زكريا الخائن ومريم شقيقة حامد والذين يعيش جميعهم في معسكر للاجئين في غزة بعد أن رحلوا من يافا ، فأن حامد يترك غزة هارباً من هذا العار ويمضي للبحث عن أمه التي يرى فيها رمز الطهارة والنقاء والتي تعيش في الضفة الغربية ، ولكنه من أجل العبور اليها سيضطر للعبور في صحراء النقب ، ولا بد من مواجهة الأسرائيلي ، أي أنه من أجل العودة الى الأم ، الى النقاء ، الطهارة ، الشرف ، التي هي الأم التي تمثل الوطن لا بد من مواجهة الأسرائيلي ، وحين يلتقيه يتصارع معه وتدل أوراق الجندي أنه يعيش في يافا ، المكان الذي طرد منه حامد وأسرته ويبدأ حامد بسؤاله عن يافا .. " هيا كن رجلاً طيباً ودعنا نتحدث عن يافا " أن الأنتظار الصامت لن يأتي ألا بالرعب " ولكنه ظل يحدق ألي بعينيه الضيقتين المتعبتين ، وكأنه لم يفهم شيئاً " هيا كيف أنتهى الأمر بكل ذلك الحي ، الذي كان يمتد بين جامع الشيخ حسن وحمام اليهود المحروق في المنشية ؟ وفجأة لست أدري لماذا بالضبط ، أحسست أنه يفهمني تماماً ، وأنه يتابعني وينتظر نهاية لذلك كله . فمضيت " سيكون ذلك حديثاً مفيداً فأنا أعرف ذلك الحي تماماً ، كنا نعيش هناك " لكن ذلك بدا له عبثاً في نظره على أي حال ص 67 . لقد حاول حامد محاورة الأسرائيلي لكن هذا بقي صامتاً لا يريد الكلام ، وكأن الكاتب قصد القول أن لغة الحوار غير مجدية لأن الأسرائيلي رفضها أصلاً ، وحينئذ يفهم حامد أن لا مناص من القتال . وفي الوقت الذي يكون حامد مسيطراً على حركة الجندي الأسرائيلي ويمنع عنه مطرة الماء وينتظر اللحظة المناسبة ليحز عنقه ، تكون شقيقته مريم قد وصلت الى قناعة بأنها يجب أن تقتل الخائن زكريا ، فهو يحاول أقناعها مرة تلو الأخرى أسقاط الجنين الذي صار عمره ستة أشهر ،ويريد أن يجعل منها مجرد عاهرة ومتنفساً لرغبته الجنسية ،ستقتله لأنه يحاول التخلص من الجنين كي يفلت من مسؤوليته تجاهها كزوجة وكأب تجاه أبنهما ، فهو لا يريدها سوى عاهرة ولكنها ترفض أنزال الجنين " وسوف أحكم على نفسي بالموت لو سمحت له أن يعتبرني مجرد ممر في حياته بين مدرسته وبيتها ( تقصد زوجته الأولى ) يبصق منيه في ويمضي .. أي أنتظار يا مريم ، أي أنتظار طويل ينتهي بك الى مجرد ممر ! ص50
    _ ويواصل زكريا محاولة أقناعها " طفل سادس ؟ سادس ! ( يقصد بالأضافة لأولاده الخمسة من زوجته الأولى ) ، هل تتصورين ذلك ؟ هل تتوقعين أن أرقص فرحاً ؟ أنه الولد السادس ! لقد نصحتك ألف مرة أن تتخلصي منه ولكنك تعتقدين أنه شيء مثير ومهم ص63 . حينئذ تقرر قتله .
    "ولمعت أمامي بنصلها الطويل المتوقد فوق الطاولة فردني الجدار أليها كأنني لعبة مطاط وأحتوتها قبضتاي معاً وأنسدل ذراعاي فوق كفي المطبقتين على مقبضها حتى أسفل بطني متشنجتين قاسيتين ، وأندفعنا مرة واحدة ونحن ننظر في عيني بعضنا مباشرة . كان النصل مندفعاً من بين كفي المحكمتي الأغلاق . وأحسست به حين أرتطمنا يغوص فيه . فأن أنيناً طويلاً وحاول أن يرتد ألا أن النصل جذبه من جديد .الخ " وسمعت صوت النصل يغوص في لحمه بطيئاً ولكن ثابتاً ص69 _ 70
    أذاً فالوصول الى الأم الوطن لن يتم ألا بقتل الخائن ، العدو الداخلي ومواجة الأسرائيلي ، ولا مناص من المواجهة وعلى الجبهتين .
    يمكن ملاحظة أن أسم شقيقة حامد هو مريم ، وهي تحمل بدون زواج ، ونلاحظ أن أسم زكريا مرتبط بأسم مريم في التراث الديني ، فهل كان هذا بلا وعي من الكاتب أم أنه قصد ذلك ! كذلك نلاحظ أن أسم مريم التي تحمل هنا سفاحاً سيتكرر في رواية أخرى ( عائد الى حيفا ) حيث يكون اسم اليهودية التي تقطن بيت العائلة العربية وتستولي على أبنها خلدون أيضاً ميريام فهي لا تنجب ، فهل هي صدفة أستعمال أسم مريم وفي هاتين الحالتين ( الحمل بدون زواج في رواية ما تبقى لكم _ ثم تبني طفل في رواية عائد الى حيفا لأنها لا تنجب ؟ نضيف الى هذا أسم ليلى الذي يتكرر في قصصه والمعروفة بالتاريخ العربي كصاحبة أجمل قصة حب عذري ، نراها تغتصب لتسعة أيام في قصة البومة التي سبق وذكرناها !! فلماذا تغتصب ليلى وتدنس مريم ! أنها أشارة الى قتل البراءة وتدنيسها وأستباحة كل ما هو مقدس ، وربما يعود هذا للشعور الذي فصلناه سابقاً ، ذلك الشعور بتلوث كل شيء وغياب النظافة والطهر والبراءة ، حتى ليلى ومريم دنستا.
    نعود الى ( ما تبقى لكم ) فالنقاد يعتبرونها ذروة غسان الفنية في الجانب الروائي من كتابته وذلك لأستخدامه تقنية تغيير نوع الحرف عندما ينتقل من حامد الى مريم أو زكريا ، بالأضافة لأبطاله حامد _ مريم _ زكريا _ فأن الصحراء والساعة أيضاً من أبطال الرواية " ودون أن ينتابه خوف أو تردد أستلقى على الأرض وأحس بها تحته ترتعش كعذراء ، فيما أخذ شريط الضوء يمسح ثنيات الرمل بنعومة وصمت ،( يتكرر ترميز الأرض بالمرأة ، فقد سبق هذا في رواية رجال في الشمس ، بل أن نفس عملية الأستلقاء والأحساس بالأرض عند أبي قيس تتكرر عند حامد ). عندها فقط شد نفسه الى التراب وأحسه دافئاً ناعماً ، وفجأة تعالى هدير وصارت السيارة أمامه تماماً ، فغرس أصابعه في لحم الأرض وذاق حرارتها تسيل الى جسده ، وبدا له انها تنفست في وجهه فلفح لهاثها المستثار وجنتيه ، وشد أليها فمه وأنفه فأشتد الوجيب الغامض فيما أستدارت السيارة فجأة ، فالتمع الضوء الأحمر في مؤخرتها وأخذ يذوب في الليل ، _ زوجتك أختي مريم _ أراح وجنته فوق صدرها الدافئ مرة أخرى فيما أخذت نسمات باردة تغسله ، … لو كانت أمي هنا ، أستدار ومرر شفتيه فوق التراب الدافئ " ليس بمقدوري أن أكرهك ، ولكن هل سأحبك ؟ أنت تبتلعين عشرة رجال مثلي في ليلة واحدة ، أني أختار حبك ، أنني مجبر على أختيار حبك ، ليس ثمة من تبقى لي غيرك " ص18 الصحراء هي الأم والأم هي الأرض الوطن ، وقد تعامل معها كما لو كانت كائناً حياً ، حتى أنه ألصق شفتيه بها كما لو كانت أمه التي يرضع منها حليبه ويستمد منها طمأنينته .
    أما الساعة ( الوقت ) فهي تلعب دوراً هاماً فهي تدق تدق وحامد يمضي في الصحراء ، هي تدق ويتقدم حمل مريم والعار يكبر ، تدق الساعة والأزمة تتطور في الأتجاهين ، وهي اشارة هامة جداً الى عامل الزمن في القضية الفلسطينية كلها ، والذي ثبتت أهميته من خلال الأحداث التاريخية وفرض سياسة الأمر الواقع على الفلسطيني . حامد والجندي الأسرائيلي في الصحراء من ناحية ، ومريم وزكريا وجنين العار من ناحية أخرى ، والوقت الساعة لا تتوقف ، تجمع الكل وكأنها تراقب أو تحذر أو ترصد ما يدور ، كل دقة لها مسموعة ، ودقاتها كأنها أجابة لسؤال " لماذا لم يقرعوا الخزان من الرواية السابقة " أذاً هنا يوجد من يقرع الخزان ، ولن يختنق الأبطال كما في الرواية الأولى ، فمريم تطعن زكريا الخائن ، وحامد يواجه الأسرائيلي في طريقه للأم الوطن ، فالمواجهة لا بد منها لمحو دنس خيانة زكريا وللوصول الى الأم الأرض . فبينما كان أبطال الرواية الأولى يبحثون عن أستنساخ وطنهم مبتعدين عنه في جوف الصحراء فأن حامد يقرر المواجهة ، فهو يريد الوصول الى أمه ، ولأجل هذا يعبر صحراء النقب ويواجه ، وبنفس الوقت بينما تواطأ أبو الخيزران مع الحاج رضا في الرواية الأولى فكان مخصياً عاجزاً عن الفعل ، فأن مريم تطعن الخائن وبالضبط في عانته .

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    تقابل

    حامد الهارب من العار يواجه الجندي الأسرائيلي = مريم التي تحمل العار تواجه الخائن وتطعنه . الساعة تمضي والجنين ينمو = الساعة تمضي وحامد يتوغل في الصحراء عائدا الى الأم .
    يتم قتل الخيانة الممثلة بزكريا _ يكون الصراع مع الأسرائيلي في الصحراء .
    الأم المفقودة = الحنان الدفء الطمأنينة = الصحراء الدافئة
    الفم الثدي ( الأم ) = الفم الصحراء = ( الأم )



    أم سعد التحول في دلالة الألفاظ


    الفكرة أو المعنى أو المضمون من أهم عناصر الأدب ومقوماته وهي الأساس الأول للأعتراف بقيمته ، وهي كذلك أساس العاطفة ، فلا بد من تمازج الفكرة بالعاطفة , والأدب الذي ينقصه الفكرة أدب خامل ضعيف ميت . د . محمد عبد المنعم خفاجي . مدارس النقد الحديث ص 50
    ، لاحظنا في رواية ( ما تبقى لكم ) بداية الخروج الداخلي من الواقع القذر ولكنه كان فعلاً فردياً يكاد يكون يائساً ، ولم يكن عملاً جماعياً منظماً ( داخلياً وخارجياً ) ، وعلينا أن لاننسى أن رواية ما تبقى لكم نشرت عام 1966 أي قبل هزيمة حزيران ، ولكن بعد حزيران نشرت رواية أخرى في الطريق للخلاص من الواقع الرث هي رواية أم سعد ، لكننا سنلاحظ التحولات الأجتماعية الأعمق من السابقة والتي ستعم الجماهير ، رغم أن فنية ما تبقى لكم أرقى بكثير من فنية أم سعد ،وذلك بأعتقادنا أن أم سعد كتبت تحت ضغط كبير بعد النكسة عام 67 وكأن الكاتب يستعجل ببث الوعي للجماهير ولو كان هذا على حساب فنية العمل ، ولكننا سنواصل هنا رصد كتابة غسان كنفاني النابتة في مناخها التاريخي وواقعها الأجتماعي الخاص ، فهو من قصته الأولى حتى نهايته ملتصق بقضية شعبه قضيته الأساسية . أما رواية أم سعد فهي مؤلفة من تسع حلقات مكملة لبعضها بتسلسل ومعتمدة على السرد البسيط ، يربط بين الحلقات خيط واضح المعالم هو الراوية ( أم سعد ) فهي بطلة جميع الحلقات ، هذه الرواية أو ( القصة الطويلة ) لأنها خلت من صراع أيديولوجي ( حسب رؤية باختين للرواية * ) ، أذ جاءت الأفكار فيها كقرار نهائي لا يستأنف ولا يناقش ، هذه القصة مؤدلجة سياسياً وأجتماعياً ، فأم سعد تحكي وعلى القارئ أن يتقبل بدون نقاش ، وهي تنتمي للادب المؤدلج الذي كتب ليخدم فكرة أيديولوجية سياسية يؤمن بها الكاتب بشدة ، وهو أي الكاتب سيقوم بمحاولات الوقوف خارج النص ليحركه من بعيد أو من وراء الكواليس ، فيفلح تارة ويخفق تارة أخرى في عملية ( عدم التدخل ) لتبدو أفكاره وأيديولوجيتة السياسية واضحة مهيمنة على النص وأن كانت على لسان العجوز أم سعد وبلغة محكية أحياناً في محاولة لجعلها عفوية وبسيطة وأقرب الى حالة أم سعد . أم سعد العجوز الفلسطينية اللاجئة من ( الغبسية ) تحكي ما حصل لها ولأبنها سعد للصحفي ( الكاتب ) وهو بدوره ينقل للقارئ بلغة سردية واضحة وتكاد تكون ببساطة أم سعد ما تقوله هذه العجوز ، وقد خصص لكل حلقة من الحلقات التسع مهمة التحول الدلالي لمعنى من المعاني العاطفية والمعنوية ( أذا كانت أسماء الماديات ثابتة فأن المعاني المعنوية والعاطفية دائمة التحول ) في الأدب والنقد د . محمد مندور ص 24 . سيتم التحول في مفاهيم ومصطلحات سائدة من خلال أم سعد نفسها محاولاً أن لا يبدو متدخلاً بصياغة أفكارها الثورية المتقدمة ، رغم شفافية هذه المحاولة في بعض المواقف ، وهو لم يعط مجالاً لأفكار أخرى أن تناقش أو أن تطرح نفسها في مواجهة أفكار ومنطق أم سعد ، فالمختار والأفندي ظهرا بسرعة دون أن يدليا بحججهما وكأن الكاتب كان بعجلة من أمره أو أنه أفترض قناعة القارئ برجعية المختار والأفندي وضرورة ( تنظيفهما ) من طريق أم سعد التي تمثل ( الثورة ) الشعبية ، ألا أنه مما لا شك فيه يقنعنا بواقعية شخصية أم سعد وهذا هو المهم في الكتابة بل أنه يهدي الرواية ( الى أم سعد والى كل أم سعد ) ، ويقتنع القارئ بسهولة أن هذه الشخصية التي يقرأ عنها حقيقية من لحم ودم ، ولكننا نلاحظ أحياناً تفاوتاً في مستويات اللغة والوعي في حالة أم سعد نفسها فنشعر بسذاجتها وبعفويتها أحياناً وأحياناً أخرى بذكائها الحاد وبكلامها المخطط أو المؤدلج ، لنرى بوضوح أن المثقف الثوري يقف وراءها ويمسك بيدها ويساعدها بما يجب أن تقول ( وكأنه الملقن ) ، وهنا لا بد من ذكر أن رواية أم سعد جاءت أولاً على شكل قصة قصيرة في كتاب ( عن الرجال والبنادق ) الصادر عام 1964 _ الذي سبق صدور رواية أم سعد بخمس سنوات 1969، ويبدو أن الكاتب قرر فيما بعد تطوير قصة ( خيمة عن خيمة تفرق ) وليتقدم بها رأسياً لتصبح قصة طويلة تقرأ في جلسة واحدة ، أو كما سبق وقلت قصة طويلة لها طموحات رواية لكنها ليست رواية بكل المفاهيم النقدية وربما تدخل في جنس ( النوفيلا )، وكل من جرب كتابة هذه الألوان القصة القصيرة والرواية والنقد يعرف كيف تولد رواية أحياناً من قصة قصيرة أو من فكرة صغيرة ، وأذكر قولاً للروائي الكولمبي الكبير جابرئيل غارسيا ماركيز يقول فيه أن رواياته الكبيرة كانت في البداية قصصاً قصيرة بل مقالات في بعض الأحيان أو تقارير صحفية . فقصة ( خيمة عن خيمة تفرق ) قدحت شرارة عند الكاتب لجعل كل شيء فيما بعد ( يفرق ) وليس الخيمة فقط ، ففي الرواية قرر أيجاد أصطلاحات وتعابير وحالات تفرق عن بعضها رغم أنها تحمل نفس الأسم واللفظ ولكن مدلولاتها أختلفت بأختلاف فهمها وتجسدها الجديد في الوعي المتغير مقابل لفظها الكلامي نفسه في الوعي السابق . ليس صدفة أن أختار الكاتب أسم سعد ، فسعد من السعادة أو الحظ ، كذلك فأن السعد يوحي بالتفاؤل رغم حالة أم سعد التي يرثى لها ، ألا أن سعد هو فتحة الأمل لأم سعد ، وسنجد أن لسعد شقيقاً يدعى سعيد ،( نلاحظ أن أسعد سعيد وسعد من الأسماء المتكررة عند غسان ) بالطبع ليست هذه صدفة في أختيار هذين الأسمين فالكاتب الروائي ينتقي أسم بطله ليوحي بأمر ما ، أو لأنه يرى في هذا الأسم ممثلاً لشريحة أجتماعية ما ، الكاتب يريد أن يطرح التفاؤل ( السعد _ الحظ ) وذلك من خلال جيل سعد وسعيد الذي التحق بصفوف الثورة . تحكي أم سعد عن أبنها سعد الذي أنخرط في صفوف المقاومة ( أذاً المقاومة هي التي ستجلب السعد _ الحظ _ سعيد _ السعادة ) ومن خلال حديثها هذا نلمس التغير في المفاهيم الموازية لأنطلاق الثورة وأختيار الفلسطينيين لطريق الكفاح المسلح لأنتزاع كرامتهم وحريتهم ، بل بالأساس للخروج من حالة الذل والأهانة المستمرة التي يعيشونها ، فالوحل يكاد يغرق الخيمة التي تعيش بها أسرة أم سعد ، هذه الثورة كما سنلاحظ ليست ثورة سلاح فقط بل هي ثورة وعي وسلاح يسيران بخطين لولبيين متصاعدين متعانقين ، فالكرامة والعز الذي ينشده الفلسطيني ليس ترفاً ، بل ضرورة وحاجة ملحة لأجل خروجه من حالة الذل التي ما عادت تطاق التي فصلناها في القصص القصيرة التي سبقت هذه الرواية ، بل أن هدف الفلسطيني ليس العيش في عز بقدر ما هو طموح للخروج من حالة الذل ، الرواية صغيرة الحجم ولكنها تحمل شحنة تثويرية عالية جداً وكأنها ليزر بكثافتها ، ينقلها الكاتب للقارئ خصوصا القابع في المنفى فيحرضه تحريضاً يلامس المباشرة للأنخراط في صفوف الثورة ،وكأنما يمسك الناس فرداً فرداً من تلابيبهم ليصرخ في وجوههم ..ليس لكم من سبيل للخلاص من هذه الحالة البائسة سوى الثورة ، الثورة بمعناها العميق ، هي التي ستجلب لكم ال( سعد _ الحظ _ السعادة )وتزيل عنكم الوحل .

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    التحول في دلالة كلمة ( أوادم )
    من الكلمات التي تتحول دلالتها فتنقلب الى ضدها هي كلمة ( أوادم ) في الرواية ، عندما يأتي المختار الى أم سعد ليشكو لها أبنها سعد ورفاقه الذين رفضوا التوقيع على ورقة تقول أنهم ( أوادم ) كي يخرجهم بواسطته من المعتقل ، نلاحظ التغير الجوهري الحاصل في شخصية المختار بالنسبة لسعد ورفاقه وأمه ، المختار وما أدراك ما المختار في الحياة الفلسطينية ، المختار رمز لمرحلة ، رمز لحالة هي السكوت والرضى والخضوع للأمر الواقع ، و في أحيان كثيرة رمز للسلبية والرجعية في التعامل مع المواطنين البسطاء ، وغالبا ما كان المختار سوطاً بيد السلطة توجهه عند الضرورة لقمع الشعب أو تمييع نضاله وأمتصاص نقمته ، والمختار مخيف لأنه لا يوجد مختار من فراغ ، فهو صاحب نفوذ عسكري وأقتصادي ، أو أنه مدعوم من جهة لها هذه القوة ( وهي التي جعلته مختاراً )، ورغم أن أسمه مختار ألا أنه لا ينتخب أنتخاباً بل هو ممثل السلطة وعنوانها ، وينفذ أملاءاتها على الغالب ، ومعاندته ليست بالأمر اليسير المضمون العواقب ، فما بالك بالأستهتار به ، ها هم يهزأون منه ولكن كيف !
    تحكي أم سعد فتقول " سعد ورفاقه . قال لي المختار أنهم ضحكوا عليه ، وأن سعد سأله شو يعني أوادم ؟ قال المختار أنهم كانوا محشورين في زنزانة وأنهم أخذوا يضحكون جميعاً ، وأن شخصا لا يعرفه كان بينهم قال له : " أوادم يعني قاعدين عاقلين ؟ فقال رجل ثالث : " يعني ناكل كف ونقول شكراً ؟ وأن سعد قام وقال له : يا حبيبي ، أوادم يعني بنحارب ، هيك يعني هيك " ( أم سعد ص 12 طبعة الأسوار _ عكا ). ننتبه هنا الى الدلالة الأنقلابية الحاصلة في كلمة ( أوادم )، ففيما مضى ، أي قبل الثورة أسقطت كلمة أوادم رداءها على أولئك القاعدين الذين يمشون الحيط الحيط ويقولون يا رب السترة ، الأوادم في المفهوم السابق ( مفهوم المختار والسلطة ) هم غير المستعدين للمواجهة ، هم الراضون بالأمر الواقع ولا يسعون لتغييره عادة ، الأوادم يبعدون عن المشاكل قدر المستطاع ويطيعون أولي الأمر وعلى رأسهم المختار ، ولعل المختار في هذا المفهوم من ( رؤوس ) الأوادم ، وبالمقابل فأن من يسعى الى تغيير الواقع وخصوصاً بالقوة فسوف يواجه بخروجه من دائرة كلمة أوادم ومن دائرة (الأدمنة ) ، وهذا يعني تلقائياً وجوده في دائرة الشغب الأمر الذي سيغضب المختار والسلطة ، وهذا موقع خطر بطبيعة الحال ، يؤدي بصاحبه الى السجن و( البهدلة والأهانة ) فمواجهة السلطة والسجن والسجان في مفهوم المختار القديم هي بهدلة وأهانة وزعرنة وليست كفاحاً ونضالاً وصموداً ، ألا أن كلمة الأوادم أخذت عند سعد ورفاقه دلالة جديدة ، فالأوادم هم الذين يحاربون ويثورون على الواقع ، وليسوا الأوادم بالمعنى القديم الذي ما زال يعبر عنه المختار ويسعى للتمسك به وتكريسه ، اولئك السلبيون الذين لا هم لهم ألا رضى المختار والأفندي والسلطة ، ومن ثم القبول بالأمر الواقع أو على الأقل عدم محاولة تغييره بوسائل ثورية ، أذاً فقد تغير مفهوم كلمة أوادم وبدرجة حادة ، الآدمي الجديد أذاً هو الفدائي ، هو الثائر وليس المستكين ، وتلقائياً يفهم أن من لا يتنظم مع الفدائيين فهو الذي تنقصه صفة ( الأدمنة ) . وهذا التمرد يتجلى حين يسأل المختار الشبان المعتقلين ( بعد يأسه من أقناعهم بأن يكونوا أوادم ) أذا ما كانوا يريدون أن يوصل لهم شيئاً الى الأهل في المخيم فيرد عليه سعد بسخرية " سلم على الأهل يا بني " ، هذه السخرية المتمردة والتي تحمل التحول بدلالة كلمة ( يا بني ) الموجهة للمختار من قبل شاب ، تنبئ بدخول سكان المخيم الى مرحلة جديدة من الوعي ، هي مرحلة كسر طوق وصاية المختار ، وعملياً من يقف وراء المختار ..السلطة ، وقد أنعكس هذا التحول بتحول الدلالات اللفظية للصفات ( أنظر د ، محمد مندور ، في الأدب والنقد ، باب النقد اللغوي ) ، المختار ورغم الأهانة اللاذعة التي تعرض لها من الشبان ألا أنه يتشبث حتى النهاية بدوره ، فهو يسألهم أذا كانوا يريدون شيئاً من الأهل ! وحينئذ يقولون له بسخرية " سلم على الأهل يا بني " وهذا يعني نهاية دوره وحلول سلطة أخرى غير سلطته ، حلول نوعية جديدة من الأوادم مكان الأوادم السابقين ، نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة ، وتعبير ( يا بني ) الساخر أو الهازئ يعني أن سعداً ورفاقه صاروا هم المسؤولون عن مصير المخيم ، وحتى المختار تحول بنظرهم الى صبي غير مسؤول حتى عن نفسه بقولهم له ( يا بني ) ، لقد انقلب المفهوم رأساً على عقب ، وحدثت صدمة التغيير بتحول الصبي سعد الى مسؤول وتحول المختار الى صبي ( يا بني ) ،وقد قصد الكاتب أن الأوادم التقليديين أنتهى دورهم ، وعليهم الآن أخلاء القيادة لجيل من ( الأوادم ) الجدد .

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    ماذا تعني كلمة ( الحبس )
    كلمة الحبس أو السجن بمفهومها العادي ، تعني المكان المغلق ، لا يستطيع الأنسان التنقل منه وأليه وفي داخله بحرية فهو محبوس بين أربعة جدران ، ألا أن أم سعد تخبر الكاتب بمفهوم جديد للحبس ، عندما يسألها الكاتب أو الصحفي الذي تخاطبه ب ( أبن عمي ) أذا ما لم يكن خروج سعد من السجن بواسطة المختار أفضل من بقائه في السجن ! فترد " طيب أنت غير محبوس فماذا تفعل ؟ أتحسب أننا لا نعيش في حبس ؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل الحبس العجيب ؟ الحبوس أنواع يا أبن العم ! أنواع ! المخيم حبس وبيتكم حبس ، والجريدة حبس ( هنا نلاحظ تدخل الكاتب بوعي الى تعريفات أم سعد ) ، والراديو حبس ، والباص والشارع وعيون الناس .. أعمارنا حبس ، والعشرون سنة الماضية حبس ، والمختار حبس ، تتكلم أنت عالحبوس ؟طول عمرك محبوس ، أنت توهم نفسك يا ابن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات ! حبس حبس أنت نفسك حبس .. فلماذا تعتقدون أن سعد هو المحبوس ، ؟ محبوس لأنه لم يوقع ورقة تقول انه آدمي .. آدمي ؟ من منكم أدمي ؟ كلكم وقعتم هذه الأوراق بطريقة أو بأخرى ومع ذلك فأنتم محبوسون ، وتنهي أم سعد حديثها __ أسمع أنا أعرف أن سعد سيخرج من الحبس ، الحبس كله ! أتفهم ؟ ص13 _ 14
    وهذا يعني أن الحبس التقليدي لم يعد مخيفاً ولا هو بالعار ولا هو بالبهدلة أذا كان لأجل قضية نبيلة ، كذلك فأن وجودك خارج الحبس التقليدي لا يعني أنك حر ، فالحرية لا تقاس بهذا المقياس داخل الجدران أو خارجها ،بل أصبح لها مقياس جديد ، فلربما كان أحدهم داخل الجدران أكثر حرية ممن هو خارجها ، الحبس لم يعد باطونا وحديدا وقضبانا ، أنه أكثر من ذلك بكثير ، الحبس هو نقيض للحرية بمعناها الجديد ، والحرية بمعناها الجديد لا تعني فقط الطعام والشراب والجلوس في مكتب أو التتقل بسيارة ،تأخذ هنا الحرية بعداً جديداً لدرجة أن أم سعد تسخر من السجن التقليدي ، وهكذا تلغي الفرق بين داخل وخارج السجن بالنسبة لمن فقدوا وطنهم وحريتهم وباتوا مرغمين على قبول الأمر الواقع داخل مخيماتهم ( ها أنت خارج السجن فماذا تفعل ) ؟ أذاً الحرية هي مفهوم أوسع من مجرد وجودك خارج جدران سجن بينما أنت جثة غير قادرة على الفعل ، هنا تدخلك تساؤلات ( السيدة البسيطة ) الى أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الحرية ومفهومها ، وبهذا تدفع المتلقي للتخلص من الخوف والتغلب على نفسه وتبئير القضية الكبيرة ليصبح كل شيء رخيصاً من أجل القضية الكبيرة بما في ذلك الحرية الشخصية ، لأن سعد ( الآدمي في المفهوم الجديد ) يريد الخلاص من جميع الحبوس دفعة واحدة كما تقول أمه ، وليس التحرر فقط من الحبس الشكلي التقليدي ، أنه يريد الخلاص الفعلي من الحبس المادي والمعنوي بمعناه الأعمق والأبعد ، بمعناه الأجتماعي والسياسي والمعرفي والعملي .
    _ الأم مصدر البطولة _
    أعتدنا على تعبير معروف عندما نريد أمتداح شخص ما ، نقول أنه أبن أبيه ،أو (الولد طالع لأبوه )، ولكن أم سعد قالت العكس ، فقد قالت أن سعداً جاء _ أبن أمه _ ،يعني أن سعداً (طالع لأمه وليس لأبيه ) ، وهذا جديد في زاوية التفكير بل أضاءة ذكية من الكاتب " . قلت للمرأة التي جلست الى جانبي في الباص أن ولدي أضحى مقاتلاً ( آنذاك بدا صوتها ، بلا ريب مختلفاً . ولذلك تذكرت الآن " قلت لها أنني أحبه وسأشتاق له ولكنه جاء " أبن امه " ، أتعتقد أنهم سيعطونه رشاشاً ! الى أن تقول " أتدري أن الأطفال ذل ! لو لم يكن لدي هذان الطفلان للحقت به . لسكنت معه هناك ، خيام ؟ خيمة عن خيمة تفرق !"( صفحة 20 )، نلاحظ هنا الأنقلاب في مفهوم الرجولة والبطولة ، فسعد هو أبن أمه وليس أبن أبيه وهذا جديد ليس فقط على صعيد الأدب الفلسطيني بل العربي عموماً ، أي أن بطولته مصدرها أمه فهي أذاً التي تحمل بذرة البطولة لأنه طالع لها وليس لأبيه وهذه أهتزازة لصورة الأب ( المقصّر ) رغم أنه العنصر الأقوى في الأسرة العربية ، وبهذا نلمس تدعيماً لدور الأم ( الأنثى ) وهو كفر بمسلمة أخرى من المسلمات ، فالرجل اذا لم يثر فقد رجولته ، وأذا ثارت المرأة فهي ستحمل وتستحق حمل صفة البطولة ، وهنا كانت نظرة كنفاني العبقرية بدفع المرأة الفلسطينية الى الأمام وأعطائها زمام المبادرة ، فهي التي تدفع وستدفع ثمن التضحيات ! فلماذا لا تكون هي القائدة والموجهة ! وخصوصاً تلك المرأة اللاجئة والتي عليها أن تواجه قساوة الحياة من أجل توفير لقمة العيش لأولادها كما هو حال أم سعد التي تعمل بتنظيف البيوت ، فهي نفسها أم المقاتل الذي سيكون شهيداً أو أسيراً أو في منطقة الخطر ،وهي التي ستعيش القلق والمخاوف ، وهي عملياً آلة الدفع الرئيسية في الثورة ، وهي الداعمة نفسياً ومادياً لهذا الثائر ، ( لا بد هنا من الأنتباه للتناص بين مسرحيتي ( الأم لبريشت والأم لمكسيم جوركي ) وأسقاطاتها على فكر الكاتب وتوجهه بوعي أو بغير وعي ، فالأم في الحالتين كانت أمية أذ أشتركت الأم عند بريشت وغوركي * دون أن تعرف القراءة بتوزيع المناشير الثورية لأبنها الذي كان عليه أن يوزعها تحريضاً على الأضراب ، ولكنه يسجن فتوزعها أمه مكانه ، وسنرى هنا الدور البطولي لأم سعد ، رغم الأختلاف بين هذه الأم وبين ( أم غوركي )، هنا تتصرف بوعي كامل منها بما تقوم به من دفع أبنها الى القتال ، بينما في الأم عند غوركي حركتها عاطفة الأمومة والتضامن مع أبنها وليس وعيها , تتساءل أم سعد أذا ما كانوا سيعطونه رشاشاً ! ثم تعلن عن أستعدادها ( المرأة ) للألتحاق به ، وهي دعوة جديدة أيضاً للنساء للالتحاق بصفوف المقاتلين ، هذه الدعوة جديدة على صعيد عربي كما قلت وليس فقط على صعيد فلسطيني ، لقد أدرك غسان أهمية أنخراط المرأة في الثورة وهذه من القناعات الهامة التي حاول غسان أدخالها الى الوعي الفلسطيني ، ( لمسنا هذا في قصة ( البومة ) في مجموعة السرير رقم 12 حيث ضحت ليلى بكل شيئ للدفاع عن حيفا )، ونعود الى أم سعد التي تستدرك قائلة ( الأطفال ذل ) ، وهنا يريد كنفاني التوضيح انه لا يقصد بالأنضمام للثورة أهمال الأسرة فأم سعد ( لولا هذان الطفلان للحقت بأبنها سعد ) ، وهي دعوة واضحة لمن ليس لديها صغار بالبيت وخصوصاً الصبايا أن يلتحقن بالثورة ، أما من لديها صغار فهو يلتمس لها العذر ولكن سيجد لها الكاتب الثوري ( بواسطة أم سعد ) عملاً آخر يخدم الثورة كما سنرى فيما بعد . ثم تتساءل أم سعد _ خيمة ؟ أي هل يعني الأنضمام للثورة العيش في خيمة ؟ " خيمة عن خيمة تفرق "، فالعيش في خيمة الثورة ليس كالعيش في خيمة البؤس المهددة بالأنطمار بالوحل . خيمة الثورة هي خيمة الكرامة للمرأة وللرجل ، أذاً لقد أختلفت الدلالة اللفظية لكلمة الخيمة .
    (الواسطة ) لم تعد عيباً والهدية ليست خاتماً
    أعتدنا أن نعرف أنه عندما يقوم أب أو أم بطلب من رئيس أو مسؤول بالعناية بأبنهم في مكان عمل خطر ، تكون هذه العناية بأعطاء الأبن عملاً سهلاً وأبعاده عن منطقة الخطر ، وغض الطرف عنه أذا تعب كي يستريح والسماح له بأمور قد تكون غير مسموحة للمجموعة ، كذلك عرفنا وسمعنا عن واسطات لأبعاد الأولاد عن العمليات الخطرة وحتى عن الجندية ( أنظر رواية الحرب في بر مصر ليوسف القعيد * ). حيث يقوم العمدة بأرسال الشاب مصري الفقير مكان أبنه الى الجبهة ولكنه يتقمص أسمه ، ألا أن الواسطة عند أم سعد تختلف ، فهي تريد أن توصي بأبنها ولكن بطريقة مغايرة ، تريد أن لا يزعله قائده وأن يلبي له رغبته ، فأذا أراد الذهاب الى الحرب أن لا يزعله وأن يسمح له بتلبية رغبته ( صفحة 22،) وهذا يعني أيضا حدوث أنقلاب في مفهوم الواسطة والتوصية ،وتحول في دلالة ما هو الأفضل وما هو الأسوأ ، فالعناية بالأبن تعني أرساله الى حيث يريد حتى الى الحرب ، وهذا أنقلاب في المتعارف والسائد فالأم تخاف عادة على أبنها ولا تريده في مناطق الخطر ، فهي لا تريد أن يزعل أبنها فأذا أراد الذهاب الى الحرب فليذهب ، هنا تتجلى شجاعة الأم وأستعدادها النفسي عملياً لتلقي الأسوأ وهو فقدان أبنها لأن أرساله الى الحرب يطرح مثل هذه الأمكانية ، هذه الأم التي أرادها الكاتب أن تحمل شعلة الأنتقال بالمفاهيم وحتى بالمشاعر ، بحيث تكون المشاعر موجهة الى القتال والثورة للتخلص من الظلم والبؤس والذل والوحل بدون أدنى تردد ، وبدون هذه الثورة في المفاهيم والمشاعر والقيم فأننا سنبقى في المخيم حتى يغمرنا الوحل في يوم من الأيام كما كان يقول سعد لوالده ، وهذه رسالة عظيمة يوجهها الكاتب السياسي من خلال أم سعد للمرأة الفلسطينية ، وحتى الهدية التي تنتظرها أم سعد من أبنها مختلفة وتحمل مفهوماً وقيمة جديدة من الهدايا ، هذه الهدية كانت عملية تفجير سيارة معادية يقوم بها سعد ، " أرأيت ! قلت لك أن سعد سيهدي أمه سيارة " صفحة 27 ، وعندما يعود سعد جريحاً فهي لا تندب ولا تولول بل تقول " أسم الله عليه حمل ساعده كانها نيشان ". نلاحظ هنا أن الكاتب يكاد يغتصب حق الأم بالتألم لجرح أبنها ويكاد ينتزع منها مشاعرها كأم لأجل الفكرة ( الأيديولوجيا السياسية ) التي يريد أيصالها وهي تحويل المعركة والفداء الى نمط حياة عادي لدى سكان المخيم ، وسقوط الفارق بين الجرح الجسدي والجرح النفسي والمعنوي ، فالهدف يبرر كل شيء ولا شيء ممكن أن يكون أهم من الهدف ، الخروج من حالة الذل والهزيمة ، حتى مفهوم الأمومة بدأ يتغير ، ومثله الهدية ، فالهدية التي أنتظرتها من سعد لم تكن سواراً ولا خاتماً ولا قطعة أثاث للبيت بل عملية فدائية .
    وخلال هذه العملية يحاصر سعد ورفاقه فتنقذهم من الجوع أمرأة فلسطينية ممن بقوا في أرض الوطن ، هذه السيدة نرى أن سعداً يعتبرها أيضاً أمه ويقول لرفاقه ، أمي تتبعني حيثما ذهبت " ( أنا سعد يا يما ، جوعان ) وسقط القضيب من يد العجوز الفلاحة وهي تحدق الى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي وبالرشاش على كتفه " ، ص35 ، فالأم هنا ليست فقط تلك التي يخرج الأنسان من رحمها ، الأم تكون أيضاً تلك المرأة الشجاعة التي جاءت بالطعام للفدائيين لتنقذهم من حصار الجيش المعادي ، ولعل كنفاني أراد القول أن الأم فلسطين لن تبخل عليكم أيها الفدائيون ، وسوف تجدون عندها الطعام والشراب والحنان كما تجدونه عند أمهاتكم أذا ما حاولتم الدخول اليها كفدائيين .
    الجميع مقاتلون
    أراد الكاتب التأكيد على أن الثورة شاملة وليست مقتصرة على بعض الشبان المتحمسين أو على الرجل دون المرأة ولا على الكبير دون الصغير ، بل هي ثورة شعبية تشترك فيها جميع قطاعات الناس حتى الأطفال ، وبهذا تختلف الثورة عن الجيش النظامي ، بل وتختلف ثورة الشعب الفلسطيني نفسه عن ثوراته السابقة في الأعوام 1936 ، و1928 ،وفي المواجهات السابقة ، ففي ثورة 36 أقتصرت الثورة على ثوار تسلقوا الجبال وقاموا بعمليات عسكرية محدودة دون أشتراك كافة قطاعات الشعب رغم تعاطفهم معها . من المعروف أنه أذا حدثت غارة مثلاً في مكان ما يأتي الجيش والشرطة فيبعدون الناس أولاً ومن ثم يعالجون ما حصل ، لكن عكس ذلك حصل لأهل المخيم ، فعندما تقوم الطائرات بالأغارة فأن جميع أهل المخيم يتجمعون لرؤية ما الذي يحدث ! نلاحظ هنا أفتقاد عنصر الخوف ( الطبيعي ) عند أهل المخيم فهم لم يهربوا ولم يختبئوا بل تجمعوا لرؤية ما يحدث " وسمعت أم سعد صوتأً معدنياً كالرنين يملأ الطريق ورفعت بين أصابعها قطعة حديد ذات أربعة رؤوس مسننة ، قالت أم سعد لرفيقاتها : هذه الحدائد تفرقع دواليب السيارات ودورتها بين أصابعها ثم قالت : يا صبايا ، لنلمها ونقذف بها الى الرمل ، وأندفعت النساء ومن ثم أندفع الأولاد الى الطريق المظلم وأخذوا يجمعون قطع الحديد بأيديهم العارية ويقذفون بها الى الرمل ". صفحة 41 ، بهذا المشهد أراد الكاتب التأكيد على أن الجميع منخرط بالثورة ، وهي ثورة شعبية بكل جوانبها وبكل فئات المجتمع ، ولكل واحد دوره حتى العجائز والنساء والأطفال فبأمكان كل فرد أن يعطي من موقعه ، لحشد أكبر طاقة ممكنة لصالح الثورة ، هكذا نلاحظ في مثل هذا المقطع أن الكاتب سياسي مائة بالمائة حتى أننا لا نلمس لديه الوقت للوقوف عند حالة تردد أو خوف واحدة هي مشروعة في حالة الغارة .

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    نحن المشحرين
    في الفصل السابع تحت عنوان ( الناطور وليرتان فقط )، يحاول الناطور تشغيل أم سعد بشطف وتنظيف درج بناية مقابل خمس ليرات ، ولكنها تكتشف أن سيدة لبنانية من الجنوب كانت تعمل مكانها وبسبع ليرات ، أما الناطور فقد أراد توفير ليرتين للخواجة صاحب العمارة على حساب خلق نزاع بين السيدة اللبنانية الفقيرة من الجنوب وبين أم سعد اللاجئة الفلسطينية ، ولكن أم سعد تتخذ موقفاً ثورياً وبدون شعارات طنانة ورنانة عن وحدة المضطهدين والتحالفات الخ ، فهي تقول " كلما أتذكر تلك القصة يهتز بدني كله ، وأكاد أبكي ، أنني اصاب بالأرتجاف حين أرى ذلك الناطور يتعقبني من قرنة الى أخرى ، يريدون ضربنا ببعضنا نحن المشحرين ، كي يربحوا ليرتين "صفحة 59، .. وأخيراً تتساءل أم سعد " لو أنا والناطور والحرمة قلنا للخواجا … ، وهكذا فأن كلمة نحن المشحرين أغنت عن شرح مطول حول وحدة مصير المضطهدين وضرورة تحالفهم للوقوف بوجه الخواجا صاحب العمارة المستعد لزرع الخلاف بينهم من أجل توفير ليرتين . نحن المشحرين كانت كلمة بسيطة وبليغة تعبر عن جميع المضطهدين ، فالشحار يشمل السواد والقذارة والذل والأهانة لأن النظيفين ( شكلياً _ الخواجات _ سواء كانوا عرباً أو غير عرب ) هم ليسوا من الطبقات المسحوقة وبالتالي من الطبقات الأقل ثورية ( بوجهة نظر ماركسية ) ، وهنا تأكيد على أن الفئات الأكثر ثورية في المجتمع هي هذه الفئات التي عبر ت عنها أم سعد بوصفهم ( المشحرين ) ، أما الخواجة صاحب العمارة فهو قد يكون عربياً ايضاً ،لكن ما تهمه هي مصلحته ، وتوفير ليرتين حتى على حساب حرب بين المضطهدين أنفسهم ، وفي هذه الحالة بين فقراء لبنان من أهل الجنوب والفلسطينيين اللاجئين .وهنا نلاحظ رغبة الكاتب الخفية والقوية بوحدة كهذه بما يتلاءم مع أيديولوجيته ( الشعبية ) بأن الثورة يجب أن تكون كذلك ضد الأنظمة الرجعية العربية التي يمثلها ( الخواجا ) المستغل لمآسي الناس والذي يريد الربح على حساب المشحرين ، وممكن أن نلاحظ هذه الرغبة في قصة مبكرة كتبت عام 1957 وهي ( درب الى خائن ) في مجموعة المدفع ،عندما يقرر البطل أن يتسلل الى فلسطين لقتل خائن ، لكنه في النهاية يضطر للتسلل الى الأردن مقرراً أغتيال صاحب الجلالة . " أن ( أبو حنيك ) هذه المرة يلبس ثوب صاحب الجلالة ..
    __ أذن ماذا سنعمل ؟
    قال وهو يشير الى الأفق :
    __ سأتسلل الى الأردن ". المدفع ص69


    الحجاب ليس الذي نعرفه

    في الفصل الثامن نشهد تغيراً حاسماً في علاقة أم سعد بالغيبيات وهي من أهم التحولات الأجتماعية الطارئة على وعي أم سعد ، بل هي آخر ما ينتظر أن يتحول عندها لأن التحول الأجتماعي يتأخر عن التحول السياسي عادة ، وقد أعد لها الكاتب جيداً ، فعندما يأتي أليها الأفندي ويسألها أذا ما كان سعد قد عاد الى المخيم تقول له وكأنما تتحداه لكن بلهجة هادئة ( أذهب اليه الى الأغوار وأمسكه )، ولكن الأفندي ينتبه لقلادة في عنق أم سعد ، هذه القلادة لم تكن سوى رصاصة مدفع رشاش مثقوبة قرب قاعدتها النحاسية ومفرغة من بارودها ، فيقول الأفندي _ لقد غيرتن حليكن هذه الأيام !
    وكانت أم سعد ترمقه بحذر وبيدها أمسكت الرصاصة المعلقة بالسلسلة ، ووجدت نفسها تقول ، _ هذا ليس عقداً
    _ ماذا أذن ؟
    _ هذا حجاب
    حجاب ؟
    حجاب!
    _ حجاب جاء به سعد ؟
    _ نعم . جاء به سعد .. صفحة 62
    وعندما يسألها الأفندي عن الحجاب القديم تقول أم سعد _ صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين ، وذات يوم قلت لنفسي : ذلك الرجل دجال بلا شك . حجاب ! أنني أعلقه منذ كان عمري عشر سنين ، ظللنا فقراء ، وظللنا نهترئ بالشغل ، وتشردنا ، وعشنا عشرين سنة ، حجاب ! هنالك أناس ينتفعون بالضحك على لحى الناس !ذلك الصباح قلت لنفسي : أذا مع الحجاب هيك ، فكيف بدونه ؟ أيمكن أن يكون هنالك ما هو أسوأ ؟ صفحة 64 ، لقد أراد الكاتب في هذا الفصل الدفع بأتجاه التحرر من التعلق بالغيبيات والأعتماد على النفس ( الرصاص ، التسلح ) ، ولعله لم يقصد الحجاب الذي يعلق في الرقبة فحسب بل كل الحجب والغيبيات بأشكالها وألوانها الأخرى ، ومن خلال الحجاب أراد القول أنه لا يمكن الأعتماد على الغيبيات والركون عليها ( هذا واضح في رواية الأعمى والأطرش غير المكتملة التي تشكل هذه الفكرة عمودها الفقري ) ، والتغيير لن يحدث من تلقاء نفسه ، فالحجاب الذي يقي أبن المخيم لا يكون ألا هو نفسه برصاصه وسلاحه ،وعندما يقول لها الكاتب _ ولكنك تسببت بمشكلة لسعد ، فأنها تبتسم بشبه سخرية ، واثقة أنهم لن يستطيعوا النيل من سعد المقاتل ، الذي أهداها هذا الحجاب ، رصاصة المدفع الرشاش ، لقد تغيرت الدلالة المعنوية والعاطفية لكلمة حجاب .
    تغير طعم العيشة
    في الفصل الأخير من الرواية نشهد التغيرات الحاصلة لعلاقة أبي سعد بأم سعد فهو صار لطيفاً ، وهذا اللطف مصدره شعوره الجديد بشيء من الكرامة نتيجة أنخراط الأبناء مع الثورة ،ونلاحظ هنا العلاقة بين اللطف والقوة ، فالشعور بالقوة والثقة بالنفس وارتفاع منسوب الكرامة الجماعية بسبب الأنخراط في الثورة أدى لشعور بالكرامة الشخصية حيث تترجم الى حب ، والشعور بالكرامة الشخصية رفع معنويات أبي سعد وأدى به لأن يمد يده بلطف الى أم سعد بعد أن كان جلفاً وعصبياً ، ( فجأة تغير كل شيء ، كف أبو سعد عن الذهاب للقهوة وصار حديثه لأم سعد أكثر ليونة ، بل أنه ذلك الصباح سألها أن كانت ما تزال تتعب . وأبتسم طويلا حين رمقته متسائلة عن السبب ، فقد كان يأتي دائماً منهكاً ، ويطلب طعامه بسؤال فظ ، ويكاد ينام وهو يعلك لقمته الأخيرة " ص65 . أذاً فعدم الشعور بالكرامة وهيمنة الشعور باحتقار الذات ( الأنا الأعلى ) يؤدي به الى تراجع ظاهر في علاقات الحب والجنس ، فهو ينام وهو يعلك اللقمة ، أي لا وقت ولا محفز لديه للحب والجنس ، وسنلاحظ أن تغيراً طرأ على هذه الحالة بأنطلاق الكفاح المسلح وبداية الشعور الخارجي والداخلي بالكرامة ، وهذا يعني أن الخشونة والعسكرية والثورة المسلحة ( القوة ) لا تعني الكراهية والعنف تجاه الأهل بل الحب والعلاقات الجنسية الطبيعية ، وأن للحب ملحقات كثيرة كي نستطيع تسميته حباً . وقد ربط الكاتب بين التطور الأيجابي في علاقة الرجل بزوجته ( الرجولة والفحولة ) بالتطور الأيجابي بأتجاه الثورة ، فالثورة أعطت متنفساً جديداً للحب والجنس الأنساني ، فقد كف أبو سعد عن الجلوس في المقهى والتسكع بدون هدف ،صار يتحدث عن الكلاشينكوف ، الذي يشير اليه باختصار (كلاشن )، " لقد ذهب تلك الظهيرة الى حيث كان مكبر الصوت يعلو بحديث لم يكن يسمع مثله من قبل ، ووقف هناك فوق الجدار يرقب ، مثلما المصاب بذهول ، أطفال المخيم وبناته ورجاله يقفزون عبر النار ويزحفون تحت الأسلاك ويلوحون بأسلحتهم ، وقد شهد سعيد أبنه الأصغر يقدم أمام الحشود عرضا عما يتعين على المقاتل أن يفعل حين يتعرض لطعنة حربة كي يتجنب الأذى ". صفحة 66 . نلاحظ أنخراط بنات المخيم في المقاومة ايضاً وهذا شيء جديد أراد التأكيد عليه الكاتب في نهاية الرواية ، فدور المرأة لا يقتصر الآن على تخبئة الرجل الثائر في الحمام أو نقل قنبلة في سلة البصل كما في ثورة 1936 ، أو أنتظار أبن العم للعودة من الحرب منتصراً ثم الزواج به ، هي الآن خرجت الى دائرة الفعل فهي تقفز عبر النار مثل الشاب ، لتصبح شريكة في عملية التحرير للتخلص من الواقع المؤلم ، فهي لا تنتظر النتائج بل تسعى للعمل على تحقيقها . ويقول العجوز " لو هيك من الأول ما كان صار لنا شيء " ، أي أن هذا الطريق سيمنع تكرار ما حصل عام 1948 ،ووافق أبو سعد مدهوشاً من الدموع التي رآها في عيني جاره العجوز : " يا ريت من الأول هيك " ص67 ، أي يا ريت كنا منظمين ومسلحين وواعين وجميعنا يقاتل بما في ذلك النساء والصبايا منذ بداية المشكلة الفلسطينية . وبعد حوار مع العجوز يقول أبو سعد وهو يشد اليه أم سعد " هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين ، هي تخلف وفلسطين تأخذ " ( لعل المباشرة هنا تصل درجة الفظاظة ، أذ تبتعد جداً عن فنيتها ) وتغير أبو سعد منذ تلك الظهيرة هكذا قالت لي أم سعد ، طبعاً قالت " الحالة صارت غير … الزلمة قال لي أنه صار للعيشة طعم الآن . الآن فقط " ، أذن فالثقة بالنفس والشعور بالقوة وبداية الأمل أرتبط عند الكاتب بتحول في العلاقة بين الذكر والأنثى نحو الأفضل ، ولعله أراد بهذا أن يتثبت عكس ذلك ، بأن غير المنضمين للثورة ينقصهم عنصر الرجولة ، وعلاقاتهم الجنسية مشكوك فيها ، وليس أنضمام الفتيات للثورة عيب بل هو الصحة والكرامة ، بينما مواصلة التقوقع والأبتعاد عن العمل الثوري المنظم تؤدي لأستمرار أنتهاك الكرامة وحتى للضعف الجنسي . هكذا تنتهي رواية أم سعد ، وقد نجح الكاتب بتوصيل مراده ، وأن كنا نشعر أحياناً أن أم سعد تكاد تكون أماً قاسية ، ولكن لقسوتها ما يبررها ، فهم يعيشون في الوحل والسجن وتنظيف بيوت الآخرين فماذا بقي ليخافوا عليه ! وفي النهاية لعل رواية أم سعد من أنجح الروايات السياسية التعبوية الملتزمة وبالأمكان وصفها بأنها رواية تغيير المفاهيم ، ولكن الى جانب أهميتها وحرارة طرحها فقد كان فيها الكثير من المباشرة وقد عانت أم سعد نفسها ( المرجعية ) من وطأة الأيديولوجية وتدخل الكاتب الواضح أحياناً بصياغة أفكارها وموقفها خصوصاً بالأمور المتعلقة بمشاعرها كأم ، وأن كان يحاول أخفاء ذلك بأستخدام لغتها البسيطة العامية ، لقد أراد الكاتب هنا أن يوصل رسالة واضحة للجماهير الفلسطينية تكاد تكون مباشرة ولكن هذا لا يعود لضعف في أدواته الفنية ، فقد سبقت هذه الرواية رواية ( ماذا تبقى لكم ) وهي رواية فيها فنية أكثر بعيدة عن المباشرة والشعاراتية ، ولكنها قد تحمل بعض الصعوبة لدى القارئ العادي ( الجماهير ) والتي كتب غسان لها كأيديولوجي وسياسي .

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    عائد الى حيفا الأسئلة الفلسفية الصعبة

    يقول ولتر باتر " الفن هو فك أزمة الصراع "، ويضيف لهذا القول جبرا أبراهيم جبرا "وسواء كان هذا الصراع سياسياً أو أجتماعياً أو نفسياً، فأنه المميز الهام في فن الرواية رغم المدارس الفنية التي نشأت حوله .الحرية والطوفان ص46 جبرا أبراهيم جبرا .
    كتاب كثيرون كتبوا عن مأساة الشعب الفلسطيني ، منهم من عاش المأساة بشخصه ومرت التجارب القاسية على لحمه وفي دمه وعظامه ، فتركت على جسده وفي نفسه ندبات لم ولن يدملها الدهر ، منهم من أصبح لاجئاً بين ليلة وضحاها لكنه كان واعياً في تلك الفترة ، ومنهم من نجح في البقاء في وطنه فكتب تجربته ، ومنهم من سمع والتقط من أفواه الناس ومن الصحف والكتب ما حدث ثم كتب ، ومنهم من كان طفلاً لا يذكر شيئاً من النكبة ، ومنهم من ولد في المنفى فكتب تجربة المنفى بعد أن شرب حميمها وأكل زقومها حتى الثمالة ، ومنهم من كتب عن العلاقة بين الداخل والخارج ، بين الحنين والواقع ، أما غسان فقد كان في الثانية عشرة من عمره عند حدوث النكبة وشرد وأسرته من عكا الى لبنان ، أما المشترك بين جميع من كتبوا فهو أنهم حملوا مسؤولية ما حدث للشعب الفلسطيني لليهود وللأنكليز وللجيوش العربية المتقهقرة غير المنظمة ، وفي كثير من الأحيان دون تمحيص وبحث جاد ومقنع للقارئ المحايد أو ما يسمى القارئ الموضوعي ذو النظرة الأنتقادية ، نقلوا صوراً عن المجازر الوحشية البشعة التي أرغمت الفلسطينيين على الرحيل ، كتبوا عن الحق الذي أغتصب ، كتبوا عن الحنين ليافا وحيفا وعكا والجليل . في رواية عائد الى حيفا نلمس والتحليل النقدي الواعي والجريء ومواجهة عقدة الصراع . وبدون رحمة أو انحياز أو ممالأة للجانب الفلسطيني ، فنراه يواجه الواقع والكارثة التي حصلت بأنتقاد ذاتي شديد ! يصل أحياناً درجة توبيخ النفس وتأنيبها من خلال عقدة شعور بالذنب رافقته في معظم أعماله وبشجاعة نادرة ، فهو لا يتردد في طرح أصعب الأسئلة ، ومن المفاجئ أنه لا يعتبر أدانة اليهودي أمراً مفروغاً منه ، ومن ثم تحميله المسؤولية الكاملة لما حدث ، على الأقل ليس بكل ما حصل .
    رواية عائد الى حيفا مواجهة مرة مع الواقع ،وهي رواية تعالج القضية الفلسطينية والتهجير من وجهة نظر فلسفية عميقة بعيدة عن السطحيات والكليشيهات الجاهزة ، تتساءل فيها ما هو الأنسان ! وما هو الوطن ! وما هي علاقة الأنسان بوطنه ! وما هي الأبوة والأمومة ! فيها يسبر الكاتب نفسيتين متشابهتين عاشتا نفس المعاناة لكنهما متصارعتان ، ضحية حلت مكان ضحية في صراع بقاء ، ليس لهذه أو تلك ذنب بما حصل فهما ضحيتان ، هي رواية المواجهة بين اليهودية ميريام الهاربة من بولونيا لتقطن في بيت عائلة سعيد س وزوجته صفية ، ميريام التي تلقت أيضاً الطفل _خلدون _ ابن الأسرة العربية كهدية من الوكالة اليهودية ! و( خلدون ) هو أبن سعيد وصفية الذي تركاه في سريره تحت وطأة الرعب والحرب ، ومن ثم ليصبح ملكاً للأسرة اليهودية ، فتتبناه وتطلق عليه الأسم الذي يحلو لها ، " دوف " . في هذه الرواية غير العادية تختفي التوصيفات التي عرفت بها شخصية اليهودي البشع عموماً في الأدب العربي ما بعد النكبة ، في هذه الرواية نراه أنساناً لا يختلف كثيراً عن الفلسطيني وكأنه توأمه بل يحمل نفس الهم والمشكلة ، أذ نجد أنه هو أيضاً هارب من ظلم ووحشية تعرض لها في أوروبا ، بل أن الكاتب يذكر ذلك الطفل اليهودي الذي قتله النازيون عندما حاول الهرب ، " كانت ميريام قد فقدت والدها في أوشفيتز قبل ذلك بثماني سنوات . وقبل ذلك حين داهموا المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها ، ولم يكن عند ذاك فيه ، التجأت الى جيران كانوا يسكنون فوق منزلها . ولم يجد الجنود الألمان أحداً ، ألا أنهم في طريق نزولهم على السلم صادفوا أخاها الصغير قادما أليها ، كان عمره عشر سنوات ، وقد جاء آنذاك ليخبرها _ أغلب الظن _ أن والدها قد سيق الى المعتقل وأنه الآن صار وحده . ألا أنه حين رأى الجنود الألمان استدار وأخذ يعدو هارباً . وقد أستطاعت أن ترى ذلك عبر تلك الكوة الضيقة التي تتيحها المسافة الصغيرة المتروكة بين مجموعة السلالم ، ومن هناك شهدت كيف أطلق عليه الرصاص " صفحة 48_49 ، عائد الى حيفا منشورات صلاح الدين 1976 . يتعامل الكاتب هنا مع اليهودي كوجه آخر لمشكلة الفلسطينيين ، بل هما وجهان لمشكلة واحدة هي مشكلة موجودة داخل الأنسان نفسه ، وهنا تكمن عظمة غسان المفكر والثوري الواقعي ، فسر قوة الكاتب بصدقه وملاحقته للحقيقة مهما كان ثمنها ، فهو لم يحاول التهرب من المسؤولية ومن الأسئلة الصعبة أو تغطيتها وتعليقها على مشجب ( اليهودي البشع ) ، بل أنه يملك جرأة فريدة في وضع الأصبع على الجرح ، أو لنقل على جرح واحد من جراح كثيرة ، حتى على أكثرها التهاباً . فاليهودية ميريام من أصل بولوني وهي بدورها ضحية للنازية ، تهرب من بلدها الأصلي لتنجو من الموت بعدما حصل لها ، وتأتي مرافقةً لزوجها الى فلسطين ، وهنا تقدم لهما الوكالة اليهودية بيتاً وطفلاً ، وذلك لأنهما محرومان من الأطفال ، هذا الطفل هو ( خلدون _ تصغير لأسم خالد ) الذي تركه والداه العربيان صفية وسعيد وهربا مع الجماهير المذعورة المدفوعة دفعاً بأتجاه ميناء حيفا ، ومن هناك الى عكا فلبنان فرام الله ، لا بد أن نلاحظ هنا الشبه الشديد بين الطفل اليهودي الذي قتله الألمان وهو شقيق ميريام الصغير ، وبين خلدون الفلسطيني الذي تركه أهله في السرير ، ألا أن اليهود لم يقتلوا الطفل خلدون بل ربياه لأنهما كانا يفتقدان للأطفال ومن ثم جعلاه أبنهما ، وكأنهما أبقيا على حياة خلدون كعملية تطهير من الذنب الفظيع الذي أقترفوه بحق والديه ( الحلول مكانهما في هذا الحيز من العالم والتسبب بتشريدهما ) . وظاهرة التطهير من الذنب هي ظاهرة أسرائيلية كانت معروفة في حروب أسرائيل مع العرب ، محاولة تطهير الذات والظهور بمظهر حضاري وأنساني من خلال الأبقاء على حياة الأطفال والضعفاء وتقديم المساعدة لهم ، أولاً لأقناع الذات بالنظافة وطهارة السلاح ( هذا ما حصل أيضاً في مظاهرة الأربعمئة الف بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ، التي كانت عبارة عن صرخة تطهير للذات الداخلية أكثر منها صرخة تجاه الخارج _ الآخر _ ) __،ملاحظة ( في الأنتفاضة الأخيرة 1 00_ 2000 _ حدث تحول خطير في الحالة النفسية الأسرائيلية ، أذ قُتل فيها أطفال فلسطينيون بشكل متعمد لأهداف لا مجال الآن لتفصيلها وتحليلها وبدون أي شعور بالذنب ولا حتى محاولة للكذب على الذات ، خصوصاً أمعانهم بقتل الأطفال بعد ظهور محمد الدرة أمام العالم ، وهذا يحتاج الى تحليل نفسي عميق آخر ، كما لو كانوا تنازلوا عن قضية الشعور بالذنب ، ولم يعد يفرق معهم ) .
    لنر الآن كيف أرغمت عائلة سعيد س ، على ترك بيتها مضطرة وكيف تركت أبنها الرضيع في السرير " كان المساء قد بدأ يخيم على المدينة ، وليس يدري كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها ، مرتداً عن شارع الى شارع ، أما الآن فقد بات واضحاً أنهم يدفعونه نحو الميناء ، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماماً ، وكان أذ يحاول الأندفاع في أحدها ليتدبر أمر عودته الى بيته ، يزجرونه بعنف ، أحياناً بفوهات البنادق وأحياناً بحرابها . صفحة 16 . ويستمر الكاتب بوصف دقيق لما قد حصل وكيف تُرك ( خلدون ) في السرير ، فسعيد لم يكن في البيت ، فهو كان في الحليصة مع المقاتلين وزوجته هي التي في البيت ، ولكنها خرجت من البيت الى الدرج لا تعرف ما تريده ، وفجأة رأت نفسها في موج الناس ، يدفعونها ، وهم يندفعون من شتى أرجاء المدينة ، في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده ، كأنها محمولة على نهر متدفق مثل عود القش ، كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن ( خلدون ) الطفل ما زال في سريره في الحليصة ؟ صفحة 20 . ومن هناك الى الميناء ليعيشا في المنفى ، ولكن طيف خلدون يبقى في ذاكرتهما حتى تأتي حرب حزيران وتسفر عن فتح الحدود ، ( طبعاً عكس التوقعات )، وحينئذ يقررا القدوم الى حيفا مثل بقية الناس ، وأثناء دخولهما حيفا يبدآ بتذكر الطفل الذي تركاه الى أن يصلا البيت ، ، فيلتقيان السيدة اليهودية التي أحتلت مكانهما والتي تبنت الطفل الذي كان أسمه خلدون وصار أسمه " دوف "، وتلتقي العائلتان ويدور بينهما حوار هادئ بدون صخب ، ولكنه فريد من نوعه في جرأته وعمقه وصدقه وفلسفته، هو من أجرأ الحوارات التي كتبت حول القضية الفلسطينية وفي مواجهة أنسانية حقيقية مرعبة .
    تبدأ المواجهة عندما يصل سعيد . س وزوجته صفية الى بيتهما فيقرعا جرس الباب ، وعندما تطل العجوز ميريام التي تقيم في بيتهما تكون المفاجأة ، لقد أعتدنا أن يغلق اليهودي الباب بوجه الفلسطيني ، ,أن ينكر حقه حتى في زيارة بيته محاولاً التهرب من المواجهة الأنسانية مع صاحب هذا الحق ، ولكن أمراً جديداً حدث هنا ،لم تغلق الباب بوجهيهما ! ولم تقل لهما أنقلعا من هنا هذا ليس حقكما ( كما يحدث عادة في أعمال أخرى ) ، بل أبتسمت وقالت " منذ زمن طويل وأنا أتوقعكما " ص34 . أن أبتسامة ميريام وأعترافها أنها تتوقعهما يثير التساؤل ! عملياً فأن ميريام تعترف بحقهما ولكنها لا تريد الأفصاح صراحة !لأن هذا الأعتراف يعني عدم شرعية وجودها ! ( نلاحظ أنه نفس مبدأ عدم الأعتراف بحق العودة الذي تتبناه حكومات أسرائيل المتعاقبة لأنه يعني نهاية دولة أسرائيل كدولة يهودية ) ، ولكن ما دامت تتوقعهما وتعترف بحقهما فكيف تتعايش مع حقيقة أنهما مشردان بينما هي تعيش بدفء بيتهما ! بل وحصلت على أبنهما كهدية ! وهل يريد الكاتب القول أن القضية هي معركة صراع بقاء والبقاء يكون للأقوى ! رغم قساوة هذا الواقع ! وأن هذا ينطبق على اليهودي كما ينطبق على العربي !
    ميريام لم تستقبلهما بعصبية بل هي متوقعة أن يعودا ، وهي الآن جاهزة نفسياً لأستقبالهما ومواجهتهما ، ونلاحظ أيضاً محاولتها التحرر من الذنب ، بل ربما كانت تشعر بأعتزاز ما أنها ربت أبنهما البيولوجي ( الذي تركاه ) ، بل هي ستترك " خلدون _ دوف " فيما بعد ليوجه لهما الأسئلة الصعبة الحارقة ، والتي ستجعلهما يشعران بذنب شديد ، وبالمقابل ستشعر هي بطمأنينة نفسية وتفوق أخلاقي عليهما في محاولة لتحميلهما مسؤولية ما حدث على الأقل لخلدون أبنهما ! _ " كيف يترك والدان أبنهما في السرير ويهربان " ! سؤال يوجهه _ دوف، خلدون _ ص76 ، أنها متأكدة من أنتصارها الأخلاقي الآن خصوصاً وأن ما حصل فرض عليها فرضاً ، أي أنها في لا وعيها ضد أن تحتل بيتهما والأستحواذ على أبنهما ، ولكن الواقع فرض عليها هذه القساوة ، لأنه كان خيارها الوحيد بين القدوم الى حيفا والحلول مكانهما أو الفناء برصاص النازيين ، وهنا يمضي الكاتب لتأزيم الموقف أكثر وليس الى تبسيطه أو محاولة التخلص من المواجة الفلسفية والأخلاقية ، وكأنه يقول سألاحق الحقيقة حتى النهاية !
    فاليهودية أتت مرغمة وتحت وطأة القوة الطاغية ، وأحتلت بيتهما لأنه ليس لديها مفر ، ولكنها أبقت على حياة أبنهما الذي تركاه ، لدينا الآن معادلة _ ولد يهودي هارب يطلق عليه الرصاص = ولد فلسطيني عاجز في السرير _ طفل يهودي يطلق عليه الرصاص = طفل فلسطيني نسي في السرير لكن تمت تربيته وتحويل ديانته _ فالأنسان بقي هو نفسه لكنه تغير بتغير التربية والمحيط الذي نما داخله . فهي أذاً ليست مجرمة ولم تفعل ما فعلته لأجل الأنتقام من العربي ، بل فعلته تحت وطأة الضغط والظروف . من جهة أخرى فقد هربا هما أيضاً تحت وطأة الضغط العسكري ( تطابق الظروف _ نازيون في بولونيا = عصابات مسلحة يهودية في فلسطين _ طفل يهودي = طفل عربي _ عائلة يهودية = عائلة عربية _ ) هروب من بولونيا = هروب من فلسطين . العائلة العربية تركت أبنها في السرير لنفس السبب ولكنها عملياً فقدت الصلة المباشرة به وما عاد يشعر بأنتمائه لها .
    ، وأنحنى سعيد الى الأمام وسألها : _ هل تعرفين من نحن ؟
    وهزت رأسها بالأيجاب عدة مرات لتزيد الأمر تأكيداً ، وفكرت قليلاً كي تنتقي كلماتها ثم قالت ببطء :أنتما أصحاب هذا البيت وأنا أعرف ذلك "
    _ كيف تعرفين ؟ وزادت العجوز ( ميريام ) بأبتسامتها . ثم قالت :
    _ " من كل شيء . من الصور ، من الطريقة التي وقفتما بها أمام الباب . والصحيح أنه منذ أنتهت الحرب جاء الكثيرون الى هنا وأخذوا ينظرون الى البيوت ويدخلونها ، وكنت أقول كل يوم أنكما ستأتيان لا شك . صفحة 35 . أبتداء من هذه اللحظة يحتدم النقاش الفلسفي ذو الصبغة الأنسانية العميقة ، ولكن ببساطة ووضوح رغم عظم العقدة . تقول المرأة اليهودية " أنا آسفة ولكن ذلك كان ما حدث . لم أفكر قط بالأمر كما هو الان " ." أبتسم سعيد بمرارة ولم يعرف كيف يقول لها أنه لم يأت من أجل هذا وأنه لن يشرع في نقاش سياسي ، وأنه يعرف أن لا ذنب لها . "لا ذنب لها " . لا ليس بالضبط ! كيف يشرح لها ذلك ؟." ( الكاتب لم يصدر على الأمرأة اليهودية القادمة من بولونيا حكماً صارماً غير قابل للنقاش ، كأن يقول لها عودي الى بولونيا مثلاً ، لقد أختار الكاتب أن يشرب كأس الواقع المر حتى الثمالة ) ، ففتح الباب على مصراعيه للاسئلة الصعبة الحارقة ، لم يختر الطريقة السهلة بألقاء شعار ما على عواهنه ليرتاح من المواجهة الحقيقية ومن السؤال الصعب الذي يوجهه لهما أبنهما ( دوف _ خلدون ) فيما بعد " كيف يستطيع الأب والأم ترك أبنهما وهو في شهره الخامس وأن يهربا ؟ " وكيف يستطيع من هو ليس أمه وليس أباه أن يحتضناه ويربياه عشرين سنة ؟ أتريد أن تقول شيئاً يا سيدي ؟ " صفحة 78 . ولعل تساؤل الشاب لوالديه البيولوجيين هو أصعب سؤال يطرح في الرواية ، وغسان هنا يلوم الفلسطيني ويشعر بالذنب الذي أقترفه ، حتى لو هربت لا يمكن فهم ترك طفل في السرير رغم كل المخاطر .
    وبعد أن تقدم لهما ميريام الضيافة تحكي لهما كيف سكنت في بيتهما وكيف أخذته مع الطفل عن طريق الوكالة اليهودية ، هذا الطفل كبر وصار جندياً في جيش أسرائيل أسمه دوف بدلاً من أسمه العربي خلدون ، وعندما يسألها سعيد ،س متى سيحضر ؟
    تقول __ " وقت أوبته الآن ، ولكنه قد يتأخر قليلاً . لم يلتزم طوال عمره بموعد لعودته الى البيت ، أنه مثل أبيه تماماَ .. " صفحة 53 ، وتقصد هنا أباه اليهودي المتبني وليس البيولوجي ، فقد أكتسب الطفل الأبن عادات الأب وأن لم يكن هذا الأب أباه الحقيقي .
    ، هل صدفة أن الكاتب أختار لليهودية أسم ميريام ؟ ميريام أسم له بعد تاريخي ديني ! ربما أختاره للتذكير بأن اليهود قريبون من العرب تاريخياً ! ولهذا الأسم دلالته ، فهو أسم له قدسيته في الدين المسيحي والأسلامي ، ونلاحظ أن ميريام هذه لا تنجب ولكنها حصلت على أبن هو " خلدون " والذي أتاها كهدية ( من السماء ! ) فأطلقت عليه أسم "دوف " ، أذاً فهي ميريام ولا تنجب ! ولكنها حصلت على أبن لها من الوكالة اليهودية ، وكأن الكاتب يريد أن يقول ربما بلا وعي منه أن ما حدث هو من صنع القدر وليس للأنسان سلطة عليه ، وأما " دوف " فهو ، الدب ، وكذلك الحمامة " وأعتقد أن الكاتب قصد الدب ، !وكأنه أراد القول بلا وعي منه أن هذا الخلدون الفلسطيني تحول الى " دب " بعد أن تمت تربيته في أسرة من أصل بولوني ! .وأن هذا الدب " دوف " الضابط الأسرائيلي ستتم مواجهة حتمية بينه وبين خالد ( شقيقه البيولوجي ) أبن سعيد وصفية الذي يتمنى سعيد أن يجده قد أنضم للفدائيين ( الحل ) ! . يمعن الكاتب بتأزيم الموقف أكثر فأكثر فقد ذكرت السيدة اليهودية أن " دوف _ خلدون " مثل أبيه ، قاصدة زوجها اليهودي الذي تبناه ، " مثل أبيه " وفجأة سأل نفسه :" ما هي الأبوة "؟ وكان كمن فتح مصراعي شباك أمام أعصار غير متوقع " ص54 . هذا السؤال يخبرنا الكاتب أنه كان كامناً في رأس سعيد منذ عشرين عاماً دون أن يجرؤ على مواجهته ، ويطرح الكاتب سؤالاً جريئاً غير متوقع ، ما هي الأبوة ! هذا السؤال يطرحه على نفسه ذلك الأب الذي ترك أبنه في السرير طفلاً ، فهل الأبوة هي بمجرد الأنجاب أم أن الأبوة هي لمن يربي هذا المولود ؟ . أذاً لدينا والد بيولوجي ووالد بالتبني ، لدينا شقيقان ، " خلدون _ دوف " وخالد "، والشقيقان سائران الى صراع حتمي لأن خلدون ضابط أسرائيلي وخالد سينضم للفدائيين ، أذاً فهل هو صراع أشقاء ! ولماذا أطلق أسم سعيد س على الوالد ! سعد وسعيد في رواية أم سعد كانت لهما دلالة معينة هي التفاؤل ، وأما هنا فالأسم يتناقض مع دلالته ، أذاً هل هي السخرية المرة ! وخصوصاً أنه أضاف حرف س كرمز لأسم العائلة ، هل أراد أن يترك وهماً لدى القارئ أن القصة حقيقية وحتى أسماء أبطالها ! فهو لم ينتهج أسلوب كتابة حرف واحد من أسم أي من أبطال قصصه الأخرى .
    تقول ميريام " أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك ؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة ، والآن دعنا ننتهي من كل شيء ، أنا أعرف أنك أبوه ، وأعرف أيضاً أنه أبننا ! ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه ! لندعه يختار . لقد أصبح شابا راشداً ( تحاول ميريام هنا أضفاء صفة الشرعية على أمتلاكها لخلدون وبأختلاق عدالة وهمية تتلخص بأتاحة الخيار له رغم علمها المسبق بموقفه ) . صفية تقول بسذاجة " أنه أختيار عادل " وهي واثقة أن خلدون سيختار والديه الحقيقيين " لا يمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم " هنا يطرح الكاتب مسألة فلسفية جدية أخرى ، هل الأنسان من لحم ودم بالفعل فقط وسيحمل الصفات الوراثية حتى لو ترك طفلاً لدى الآخرين ! أم أن التربية والمحيط والبيئة هي التي ستحسم أنتماءه ! فصفية تخاطب الغريزة البدائية بأن هذا الشاب لايمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم وهذا موقف بدائي بلا شك ، ولكن زوجها " سعيد س " يضحك بكل قوته ، " أي خلدون يا صفية ؟ أي لحم ودم تتحدثين عنهما ؟ وأنت تقولين أنه خيار عادل ، الى أن يقول "لقد أنتهى الأمر . سرقوه ." ويقول سعيد س لقد بدأت الجريمة قبل عشرين عاماً ، ولا بد من دفع الثمن .. بدأت يوم تركناه هنا " .
    وترد صفية " ولكننا لم نتركه ، أنت تعرف "
    _ بلى . كان علينا ان لانترك شيئاً . خلدون والمنزل وحيفا ، صفحة 57،
    أذاً فهذا أعتراف من قبل الكاتب بأن الأنسان الفلسطيني يتحمل قسطاً من المسؤولية بما حدث له لأنه تَرك ، ولا يمكن تحميل مسؤولية كل ما حدث لليهود والأنكليز ، وفي الواقع قد يكون غسان قد تفرد بهذا الموقف من بين الكتاب العرب عموماً الذين قفزوا عن مثل هذه الأسئلة الصعبة . وتبلغ ذروة هذا اللقاء عندما يدخل " دوف _ خلدون " ببزته العسكرية الى البيت وتقول له ميريام اليهودية "توجد مفاجأة لك "، وتخبره أن هذين هما والداه ، وبعد صمت يقول " أنا لا أعرف أماً غيرك ، أما أبي فقد قتل في سيناء قبل أحد عشر عاماً " وبعد ذلك يتساءل " وماذا جاءا يفعلان هنا ؟ لا تقولي لي أنهما جاءا لأسترجاعي ! ثم يسأل سعيد " والده البيولوجي ، ماذا تريد يا سيدي ؟ " ويجيبه سعيد " لا شيء لاشيء أنه مجرد فضول كما تعلم " صفحة 73 .
    ما يريد الكاتب قوله هنا أن الأنسان قضية وليس من لحم ودم فقط ، الأنسان ينمو وينشأ وتتحكم بمصيره ظروف معينة محيطة قد تكون فوق قدرته على فهمها أو حتى مواجهتها ،هذا ما حصل للعائلتين اليهودية والعربية ، وتأكيداً لفكرة أن الأنسان قضية بغض الطرف عن أنتمائه العرقي ، فهو ينتقل الى موقف مشابه لعائلة عربية حلت لتعيش في يافا مكان عائلة عربية أخرى كانت قد رحلت ، أي أن ما قام العربي مشابه من حيث المضمون لما قام به اليهودي عندما وضع في نفس الظروف ،لأنه مضطر هو الآخر ، وبدلاً من الطفل العربي المتروك في السرير سنجد صورة شهيد من أفراد العائلة التي تركت البيت ما زالت معلقة على الجدار . يحدث "سعيد س " زوجته صفية بهذه القصة فيقول " أتعرفين ما حدث لفارس اللبدة ؟ ص57 ، ويبدأ سعيد يحكي لزوجته صفية ما حدث لفارس ، وذلك عندما تقوم ميريام وتتركهما في الغرفة وحيدين ! يحكي لها قصة فارس اللبدة جارهما في رام الله الذي جاء قبل أسبوع الى يافا الى بيته وقرع الباب فأطل منه شاب مد يده ليصافحه فيرفض فارس مصافحته وقال له " جئت لألقي نظرة على بيتي . هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي أنا ، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي بقوة السلاح . " صفحة 59 ، وتكون المفاجأة أن الرجل الذي يقطن بيت فارس هو عربي يحتضنه ويقول " لا حاجة لتصب غضبك علي فأنا عربي أيضاً ، ويافاوي مثلك ، وأعرفك ، فأنت أبن اللبدة … أدخل لنشرب القهوة " صفحة 60 . والمفاجأة أنه أي فارس يجد أن صورة أخيه بدر الذي أستشهد دفاعاً عن يافا عام 1947 ما زالت معلقة مكانها كما تركها قبل عشرين عاماً ،بل أن الرجل الذي سكن مكانه قد أطلق على أحد أبنائه أسم " بدر" على أسم الشهيد شقيق "فارس اللبدة " والذي أبقى صورة الشهيد بدر معلقة منذ عشرين عاماً ،( نلاحظ هنا التشابه ( خلدون _ الذي تحول الى " دوف " في الحالة الأولى بينما هنا نجد صورة للشهيد بدر ما زالت مكانها ) ، العائلة اليهودية القادمة من بولونيا حاولت تغيير الماضي _ تزييفه بفرض واقع جديد وتربية خلدون تربية يهودية _ العائلة العربية تمسكت بصورة الشهيد محافظة على الأتصال بالماضي . وعندما يعود فارس الى رام الله يأخذ معه الصورة ولكنه في اليوم التالي يعيدها قائلاً ": لقد شعرت أنها ليست من حقي " ويقصد أنها من حق من بقي وحافظ على البيت ، أما الشاب الذي يقطن في بيت اللبدة فيقول له عندما يعيد الصورة " شعرت بفراغ مروع حين نظرت الى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط ، وقد بكت زوجتي وأصيب طفلاي بذهول أدهشني ، لقد ندمت لأنني سمحت لك باسترداد الصورة ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن ، عشنا معه وصار جزءاََ منا ، وفي الليل قلت لزوجتي أنه كان يتعين عليكم أن أردتم أسترداده أن تستردوا البيت ويافا ونحن .. الصورة لاتحل مشاكلكم ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم "ص 67 . نلاحظ هنا أيضاً أن الصورة أصبحت ملكاً شعورياً ونفسياً لمن سكن البيت ولم تعد حتى لشقيق الشهيد ، كما أصبح خلدون ملكاً للعائلة اليهودية ، وأذا كان بالفعل يريد أستردادها عليه أن يحمل السلاح ويسترد يافا كلها وليس الصورة فقط ، كذلك أذا أرادوا أسترداد خلدون وحيفا عليهم التوجه للصراع . هنا أيضاً تطرح أشكالية أن الأنسان قضية ، وصورة أبن اللبدة الشهيد " بدر " تشبه قضية "خلدون " فكلاهما قضية ، لأن خلدون " دوف " سيقول " أنا لم أعرف أن ميريام وايفرات ليسا والدي ألا قبل ثلاث سنوات أو أربع ، منذ صغري وأنا يهودي ، أذهب الى الكنيس والى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير ، وأدرس العبرية ، وحين قالا أنني لست من صلبهما لم يتغير شيء.. وكذلك حين قالا لي أن والدي هما عربيان ، لم يتغير شيء . لا لم يتغير ، ذلك شيء مؤكد .. أن الأنسان هو في نهاية الأمر قضية . " ص 76 " أليس الأنسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوما وراء يوم وسنة وراء سنة ؟ أذا كنت أنا نادماً على شيء فهو أنني أعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة " ص81_ 82 . وبعد أن يصطدم في هذا الواقع ، يسأل نفسه ما هو الوطن ؟ وهو أيضاً سؤال فلسفي صعب ، " أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة ؟ الطاولة ؟ ريش الطاووس ؟ شجر البلوط ؟ صورة القدس على الجدار ؟ " الخ . بعد هذا يقف " خلدون _ دوف "، ويتهم والديه البيولوجيين بالجبن لأنهما تركاه ولم يحاولا أستعادته ، ولكن صفية تطرح سؤالاً فلسفياً مرة أخرى ، " ولأننا جبناء يصير هو كذلك " ؟ ثم يحدثه سعيد س :
    " زوجتي تسأل أن كان جبننا يعطيك الحق في أن تكون هكذا ، وهي كما ترى تعترف ببراءة بأننا كنا جبناء، ومن هنا فأنت على حق ، ولكن ذلك لا يبرر لك شيئاً ، أن خطأ زائد خطأ لا يساويان صحاً ، ولو كان الأمر كذلك لكان ما حدث لأيفرات ولميريام في أوشفيتز صواباً " . أذا مرة أخرى يجري الكاتب مقارنة بين ما حدث للفسطيني في حيفا وبين ما حدث لليهودي في بولونيا ،( هروب اليهودي وهروب الفلسطيني ). ليقول أن الأنسان قضية شمولية أكثر من كونها حسابات ربح وخسارة ،وقد خربط الكاتب الشخصيات وجعلها متداخلة ليقول أن القضية ليست بين يهودي وفلسطيني بل هي بين أنسان وأنسان ! أنسانان تعرضا لنفس الظروف وتصرفا نفس التصرف ! ضغط تبعه _ هروب ، ثم _ أحتلال مكان الآخر _ النازي ضغط فهرب اليهودي = ضغط اليهودي فهرب الفلسطيني ، اليهودي أحتل بيت العربي وأخذ أبنه = العربي في يافا قطن مكان العربي وأستولى على صورة شقيقه الشهيد فصارت ملكاً له ، اليهودي خائف لكن هذا لا يبرر تصرف النازي = الفلسطيني خائف لكن هذا لا يبرر تصرف اليهودي . أذاً كيف سيحل هذه الأشكالية الأنسانية ؟ فيسأل سعيد دوف _ خلدون " وأنت تعتقد أننا سنظل نخطئ ؟ وأذا كففنا ذات يوم عن الخطأ ، فما الذي يتبقى لديك ؟ " ص87 . ويصل الى نتيجة أن الحرب هي التي ستغير وتصحح الأخطاء ، " ألم أقل لك أن كان يتوجب علينا ألا نأتي .. وأن ذلك يحتاج الى حرب . هيا بنا " لقد عرف خالد ( ابنهما ) ذلك قبلنا .. آه يا صفية آه .. وعندما خرج من بيته قال مخاطباً " ميريام وخلدون _ دوف " تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب " وتنتهي الرواية عندما يقول " أرجو أن يكون خالد قد ذهب .. أثناء غيابنا " ص91 ويقصد ذهاب أبنه خالد الى الفدائيين لينضم اليهم . أذاً فالذي أراد الكاتب أن يصل أليه أنه لا يمكن مخاطبة اليهودي الذي أحتل بيتك من موقع الضعف ، وكي تستطيع أن تخاطبه عليك أن تكون نداً له ، أن تصارعه وبعد ذلك يمكن الحديث أو التفاوض معه ، لأن التفاوض في هذه الزيارة تم من موقع الضعيف ، وعليه في المرة القادمة أن يكون من منطلق القوة أو الندية ، وأذا نظرنا الآن الى الثلاثين عاماً الماضية نجد أن رؤية الكاتب قد أصابت ، فالمجتمع الدولي ( الأنساني ) لا يرحم الضعفاء ، وكي تجد لك مكاناً محترماً على وجه الأرض يجب أن تكون قوياً ، حينئذ فقط ستحترم أيها الأنسان في كل زمان ومكان ، وسيكون بأمكانك أن تفاوض وسوف تحصل على حقوقك بقدر قوتك .

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    المسافر الأبدي

    ( سقراط وأفلاطون نظرا الى الفن نظرة أخلاقية ، وكانت نظرة أرسطو تربوية ، غير أن الفرق بين النظرة القديمة والجديدة هو أن علماء اليوم جمعوا معاً : الأخلاقية والتربوية ، وأضافوا اليهما الطابع الأجتماعي والطبيعي ، ووجدوا أن الفنان في أبداعه الفني يخضع لثلاثة عوامل أو مؤثرات ، البيئة الطبيعية _ الأجتماعية والجنس والأخلاق ، وأن كان دريكايم يغلب الطابع الأجتماعي على كل أبداع . فصول في علم الجمال ، عبد الرؤوف برجاوي ص 176 _ 177
    لقد تحولت حياة الفلسطيني الى سفر وترحال طلباً للرزق أو الأمان أو العلم ، ولهذا نجد أن موتيف الترحال والسفر والرسائل القادمة من بعيد أو المرسلة الى البعيد ، تحتل حيزاً محترماً في أدب غسان كنفاني ، فكثيراً ما نجد بطله مسافراً عبر الصحارى والطرق السريعة أو سيارات الأجرة أو القطارات والمطارات ، أو أنه في غرفة بعيدة وحيداً يشكو العزلة ، . وهذه باقة من هذه الحالة الملفتة التي أستخرجتها من قصصه القصيرة ( المجلد الثاني من الأعمال الكاملة ) ، ولكنني تجنبت القصص والتنقلات التي كانت في فلسطين نفسها كما في قصص عن الرجال والبنادق ، لأن التنقل لم يكن بسبب اللجوء والهجرة ، والأمثلة التي أسوقها هنا تعبر عن التنقلات الأضطرارية في الغربة .
    __ القطار اللاهث يصعد الطريق الجميل الى طهران . شيء لا يذهب ص57
    __ لست أدري لمن سوف أرسل هذه الرسالة . منتصف أيار ص71
    ___ وغبت عنك بعيداً حيث أقتلع عيشي أقتلاعاً ، ص 104 في جنازتي
    ___ لقد كانت الرحلة شاقة حقاً .. أن المركب الذي حمل هذا الحشد الطموح عبر الجنوب .. ثم صعد المضيق الى الشمال قاصداً ركن الخليج . ص139 موت سرير رقم 12
    __ كنا نعرف أيضاً أدق التفاصيل عن بطولة الذين أتوا من بعيد كي يعيشوا ، فماتوا من فرط ما تاقوا للعيش ص156 لؤلؤ في الطريق
    __ ما كاد السيد علي يطمئن على مقعده في سيارة الركاب حتى لمح وجه السيدة زينب تجلس في الجانب الآخر . ص167 الرجل الذي لم يمت .
    ___ آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب ! الى أين ! هذا لا يهم فقط لو يستطيع ان يذهب . ص183 الرجل الكئيب .
    __ لقد مشيت كثيراً حتى تعبت أمي ، 194 المجنون .
    __ وأستغرقت رحلتنا ثلاث ساعات . ص227 قلعة العبيد .
    __ كان علي أن أتنقل بين ثلاث قرى لأؤدي دروسي فيها __ ، كان ركوب السيارة امراً مرهقاً حقاً ، كنت أحاول أن أنام أحياناً خلال الطريق . ص237 ستة نسور وطفل
    __ وحينما شاهد أول سيارة أجرة أشار اليها وأندفع الى المقعد الخلفي . ص 249 القط
    __ حينما كنت أنقل نظري في وجوه رفاق السفر كنت أحس بوضوح كم هي قاسية رحلتنا ، شعورهم بيضاء من الغبار . ص259 الخراف المصلوبة
    __ لقد أنزلته السيارة على باب الفندق . 291 الأفق وراء البوابة
    __ سآتي من فلسطين ماشياً على قدمي ، كما أتيت في المرة الأولى ، وسأبحث عن الشرطي هذا ما استطعت ، ثم سادعوه ليقضي شهراً كاملاً في طيرة حيفا على حسابي , ص 339 ورقة من الطيرة
    __ ومست شفاهك الباردة وجنتي وأدرت عني وجهك ميمماً شطر الطائرة ، وعندما التفت الي مرة ثانية كنت أرى دموعك .. ص 343 ورقة من غزة
    ___ كانت سيارة شحن كبيرة تقف في باب دارنا ، وكانت مجموعة بسيطة من أشياء النوم تقذف اليها من هنا وهناك بحركات سريعة ص363 أرض البرتقال الحزين
    ___ ولكن ما الذي قاده الى الموصل ؟ أنا أعرف أنه يعيش في بغداد .. __ أتريد أن أقول لك نفس كلامه ؟ قال أنه يريد أن يخطو نحو اللد ، أن الزيف الذي غرقت فيه بغداد قد قطع في صدره كل أمل .. ص387 قتيل في الموصل
    ___ فور أن شاهدتها في الأفق سقط أسمها في ذهني دون أن أقرأه أو أسمعه : كانت الطريق أقصر مما ظننت ، وقد شاهتها عن بعد فكففت عن التجذيف ، وأخذت اتأملها وهي مكومة في الأفق كجبل اسود في المدى المترامي لزرقة البحر . ص444 كفر المنجم
    ___ قادتنا الظروف نفسها تقريباً للسفر الى هناك .. لقد قبلنا بنوع من الأختيار البطل ، أن ننفي أنفسنا مقابل أن نرسل لعائلاتنا ما يقيم اودها . ص 461 عشرة أمتار فقط
    ___ أول مكان ذهبت اليه بعد وصول الطائرة كان ذلك المكان الذي حلمنا أن نشاهد فيه اللحم والحب والأكتفاء ص 490 علبة زجاج واحدة
    __ ألا تكتب لك ؟ _" طبعاً كل ستة شهور مرة ، أنت تعرف أنهن لا يفكرن بامهاتهن كثيراً ، ص544 الشاطئ
    __ وبعد عشر دقائق قرر أن يطلق لسيارته العنان ، فالطريق واسع وطويل ويمتد حوالي سبعة أميال في خلاء شبه صحراوي ص561 رسالة من مسعود .
    ___ لقد ولد عامر من أب أيطالي وأم فرنسية وكان الأثنان يعملان في السلك السياسي هنا منذ زمن بعيد حينما تعارفا ، وأذا كان قد أتفقا كثير من الأمور فأن الشيء الأهم الذ يجمعهما هو حبهما للشرق . ص574 رأس الأسد الحجري .
    ___ عزيزي رياض ، لا شك أنك تقول الآن أنني قد جننت ، فهذه ثاني رسالة أكتبها لك في يوم واحد .. ص591 العروس
    ___ مع أشعة الشمس التي كانت تأكل راسه وهو يضرب في صحراء النقب . ص 793 الى أن نعود
    __ رأيناه أول مرة جالساً في واحدة من تلك العرائش المتناثرة على طول الطريق الممتد في الصحراء بين بغداد والمفرق ص815 درب الى خائن
    ___ لقد سافر رياض الى الأردن ، بعد أنتكاسة نيسان الأخيرة . ص829 البطل في الزنزانة .
    ___ وفيما كان الباص ينسرب في أنفاس الشروق ، كان اللحن المجروح يكمل الطبيعة . ص869 كان يومذاك طفلاً .
    أما في الروايات فأن رجال في الشمس تعتمد بالأساس على موضوعة السفر الأضطراري للبحث عن لقمة العيش ، فالأبطال يلقون حتفهم أثناء السفر في خزان تنقله شاحنة كبيرة ، وفي رواية ما تبقى لكم ، فأن حامد يمضي عبر صحراء النقب مشياً في طريقه الى أمه . وأما عائد الى حيفا فهي سفر معاكس ، هو سفر نحو الوطن ، أذ يأتي سعيد س وزوجته صفية الى حيفا من المنفى بعد حرب 67 ، ويدخلا حيفا في سيارتهما يتأملان شوارعها ، ولكنهما لا يلبثان أن يعودا مسافرين الى المنفى . وفي رواية أم سعد فأن السفر يكون من لبنان الى الأغوار ، فقد سافر سعد الى هناك كي ينضم للثورة ، الأمر الذي يشير الى أن موضوعة السفر القسري والرسائل المرسلة أو القادمة من بعيد أحتلت حيزاً محترماً من نتاج غسان الأدبي ، حتى يكاد لا يخلو منها عمل واحد ، وهذا أثبات دامغ على ما سبق وقلنا أنه أستمد أبداعه من الحوض الأجتماعي الذي عاش به .

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الكثافة السيكولوجية
    مما يلفت ألأنتباه بسهولة أن أبطال قصص غسان يحملون كثافة سيكولوجية عالية جداً ، وهم أبعد ما يكونون عن الشخصيات المسطحة ، أي أن الكاتب دخل الى عالم البطل النفسي اكثر بكثير من أهتمامه بما يبديه من حركات ظاهرة على السطح ، حتى شكل ولباس البطل لم يكن ليهتم به ألا حين يخدم الوظيفة السيكولوجية ويضيء جانباً معتماً من الشخصية ، بل أن مهنة البطل أهملت في كثير من الأحيان ، فنقرأ كثيرا من القصص ولا نعرف بماذا أشتغل هذا البطل أو ( اللا بطل ) ، أما حيث ذكرت المهنة فهي وظيفة في مؤسسة ما ، وكثيراً ما تكون مهنة التدريس ( المهنة التي مارسها الكاتب ) أو يستبدلها بالهندسة أو بوظيفة كتابية أخرى ، وهذه أيضاً موضوعة تستحق الدرس . أما الأبطال ( اللاابطال ) فهم عادة على حافة الجنون والتصرفات العصبية والعزلة ترافق معظمهم ، ولهذه الشخصيات دائماً ما يبرر حالتها النفسية الغريبة هذه ، وتكمن قدرة الكاتب هنا أنه نجح بتوصيل واقع لامعقول ليصبح معقولاً ، مثلاً كي يقبل ثلاثة رجال أن يدخلوا خزاناً من الصلب في الصحراء يجب أن يكونوا مجانين ولكن عندما نقرأ نقتنع بأن دخولهم للخزان كان حقيقياً وليس ملفقاً ، وألا كيف كانوا سيعبرون الحاجز ويدخلون الى الكويت ؟ فرغم تصرفهم المجنون فهم تصرفوا بتعقل أزاء الواقع الذي وجدوا أنفسهم يتقلون فيه ، سنختار نماذج للبطل المنعزل والمتوتر نفسياً _ القصص _ الأعمال الكاملة ، .
    __ كنت في غرفتي : غرفة عازب بجدران عارية تشابه أحساسه بالوحدة والعزلة ، أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من أين جاءت ، والكتب تتكدس فوق طاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة . البومة في غرفة بعيدة ص43 .
    __ أطمأنت الأيرانية الحسناء أخيراً أنني لست لصاً ، أو لست لصاً خطيراً على الأقل ، فأستسلمت لأغفاءة قلقة ، شيء لا يذهب ص59 .
    __ ألم يكن الأجدر بي وقد فشلت في حمل أزهار الحنون الى قبرك .. أن أستمر في الصمت الذي بدأ منذ أثنتي عشرة سنة ؟ يبدو لي أنه من المستحيل أن أستمر في صمتي . ص72 منتصف أيار .
    __ لم أحس الأهانة على الأطلاق فلقد كان شعوري حينما كنت أشاهد حذاء رخيصاً يشابه شعوره ، ولكنني لم أكن أعبر عنه بهذه السذاجة ، كان الحذاء الرخيص يشعرني بأقتراب غامض بيني وبين العالم . ص84 كعك على الرصيف .
    __ ولكنني في الحقيقة أنسان مريض فالدم الذي يحترق في لا قيمة له على الأطلاق : فهو دم يليق بأنسان عجوز ، نصف ميت ، نصف ساكن ، ليس في صدره سوى صناديق الماضي المقفلة ، ص101 في جنازتي .
    __ قررت أن أصارحها مهما كلفني الأمر من ذلة ، ص115 الأرجوحة .
    ___ قلت لنفسي لقد فقد محمد علي أكبر أسمه أنه السرير رقم 12 . موت السرير رقم 12 ص129
    __ ولكن الغرفة فيها بقيت صامتة كما كانت ، كان صمتاً من ذلك الطراز الذي يحتار الأنسان في تفسيره : الصمت يا ترى لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا سنستقبل عاماً لا يبدو أقل عذاباً . ص155 لؤلؤ في الطريق .
    ___ ولكن السيدة زينب لم تتحرك ورأت زوجها كالذي به مس من جنون يجمع أدوات الحفر . حفر قبر ولدها ورغم ذلك فلقد بقيت خارج الدنيا . ص179 الرجل الذي لم يمت .
    __ أنت تعيش وحيداً الآن أليس هذا الذي أردته ؟ هل كان من الضروري أن ينقطع الماء عن منزلك لتكتشف أنك وحيد ؟ ص 185 العطش .
    __ أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص فيه سواي ، ص189 المجنون
    __ كانت في رأسه فكرة ملفوفة بشرنقة من حرير بنفسجي ، وكان يدور حولها دبور يستمتع بالأنتظار ، ولكن الفكرة كانت هناك ، وكان الدبور عاجزاً ، بملء رغبته عن الوصول الى ما داخل الشرنقة . ص201 ثماني دقائق .
    __ هكذا يتحدث دائماص نفس الكلمات التي تجعلني أرتجف أمامه " بشكل رهيب " ورأسك في مكان آخر " وخامة صالحة " كل ذلك بدا لي ساعتها متهافتاً كزجاج شيء الصنع . ص216 أكتف الآخرين
    __ يقولون أن عجوزاً نصف مجنون يسكنه __ وماذا يفعل في الخلاء لوحده ؟ __ ما يفعله أي نصف مجنون يخطر على بالك . ص228 قلعة العبيد .
    __ كل هذا كنت أحتمله على مضض لسبب قد لا يعرفه سوى مدرس قام بعمله في القرى ، المدرس هناك شيئ مقدس . ص238 ستة نسور وطفل
    __ فكرت كان القط على وشك الموت ؟ _ نعم أعتقد أنه كان ينتظر .. _ أذن .. لقد زحف الى هناك كي يموت هناك . 254 القط
    __ لست املك ماء ولم أجد طوال النهار أية قطرة ، كان الحزن قد أخذ يتسع في عينيه حتى ملك كل شيئ وبدا لي أنه موشك على البكاء . ص264 الخراف المصلوبة
    __ أسمح لي يا سيدي أن أرتجف أمامك ريثما يبرد الحساء أنت لن تمنعني من الأرتجاف ، اليس كذلك أنه حق ما زال متوفراً لي حتى الآن .. شيء مؤسف ولكنه حقيقة واقعة أن رجالك لا يستطيعون أن يمنعوني من ذلك . ص279 أبعد من الحدود
    __ وفي العينين الصغيرتين المترقبتين ذاب كل الأصرار الذي حمله معه ، كأن قوة خفية تمسكت بحلقه وأخذت تهزه بلا هوادة . ص296 الأفق وراء البوابة
    __ وقطع أفكاري مرور أبي عثمان من أمامي عائداً الى مكانه بعد أن دفن فاطمة ، وعندما حاذاني غير ناظر الي البتة تذكرت أنهم قتلوا زوجته ، وأن عليه أن يواجه مصاباً جديداً . 322 ورقة من الرملة
    __ الحمد لله على أي حال ، الحمد لله أنني لم أكن خائناً ولاجباناً في يوم من الأيام ، ولو كنت كذلك أذن لما سامحت ذلك الشرطي . ص330 ورقة من الطيرة
    __ كان كل شيء ساعتئذ يدور مع المحرك ذلك الدوران الصاخب وكنت أنت تقف أمامي بوجهك المليء بالصمت . ص342 ورقة من غزة
    __ أنسحبت الأظافر فبقي جامداً واقفاً لمدى لحظات كالدهر لقد احس بالحياة تتسرب من جسده وبات أحساسه بالموت صلباً وكبيراً ولكنه لم يشأ أن يقع فتجالد واضعاً كفيه فوق وجهه ألا أن الموت كان قد وصل وسمعه يمشي فتخفق خطواته بالأناشي البعيدة لقد أتى من تحت تسلق ساقيه فأحس بالعجز ، ص355 الأخضر والأحمر
    __ وبدأت الأمور تتعقد كان أبسط شيء قادراً بشكل عجيب على أستثارة والدك ، أنني أذكر تماماً يوم طالبه أحدهم بشيء لا أدريه ولا أذكره لقد انتفض ثم بدأ يرتجف كمن مسه تيار صاعق . 373 أرض البرتقال الحزين ،
    __ كانت أمه عطشى وكانت حافة البئر مكتظة بمئات الرجال والنساء الذين ينتظرون فرصهم لكي يشربوا ولكي يعيشوا .. لقد زاحم الناس بأصرار رجل بائس وحينما عاد الى أمه بالماء الملوث بالتراب : كانت قد ماتت . ص380 قتيل في الموصل
    __ صحيح أنه أنهيار عصبي .. ولكنه ليس هنا .. _ أين أذن ؟ __ أشار الى صدره وقال بهدوء : هنا __ الأنهيار العصبي لا يحدث هناك قط _ من قال لك ؟ _ الأطباء ـ أنهم مجانين . ص397 لا شيء
    __ وأخذ حسان يحدق مهموماً الى الحسون محاولاً أن يكشف بنفسه سبب خوف الطائر المذعور منه ، ص413 عالم ليس لنا
    __ وعلى الضوء الشاحب لعود الثقاب رأيت وجهه كما كان دائماً هزيلاً قاسياً بارداً وتحرت شفتاه : ذهب ليموت عند أهله ، الغزلان تحب أن تموت عند أهلها .. الصقور لا يهمها أين تموت ! ص436 الصقر
    __ أذكر جيداً الآن ان أبراهيم قد أختفى في اليوم التالي .. شاهدناه آخر مرة واقفاً أمام لوحة الأسماء ، ألا ان أحداً لم يجرؤ على الأقتراب منه .. وما من شك أنه قرأ القوائم مرات طويلة بطيئة ويديه معقودتين وراء ظهره ثم أستدار دون أن ينظر الينا ومضى .. في اليوم التالي قيل أنه انتحر . ص441 كفر المنجم
    __ تلك هي المرة الأولى التي يغادر فيها غرفته العارية منذ أربع سنوات على الأقل ، حتى أنه كان على وشك أن ينسى كيف يتعين على المرء أن يسير دون أن يقع . ص449 ذراعه وكفه وأصابعه
    __ أمامي أكثر من نصف ساعة مسير شيء مضحك أن يضع الأنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة ثم تبقى المسافة بينه وبين أنسانيته معطلة تماماً ص463 عشرة أمتار فقط
    __ أنني اعتقد أنه طفل مجنون ، _ أجاب الأستاذ حسن : ولكنه ليس مجنوناً ، أنا نفسي أصلحت حذائي عند والده ، وحينما عدت عنده لأصلحه قالوا لي أنه مات . ص476 المنزلق
    __ راودنا شعور بأننا ضيعينا شبابنا دون أن نعيش لم يكن بوسع أي منا أن يحدق الى تحت أكثر مما فعل ، كنا نصاب بشيء يشبه الدوار ، وكنا نحس بشيء يتقطع في صدورنا كلما هدرت الطائرة موغلة في غيوم آب العالية ،وكان التقطع هذا يبعث راحة عجيبة .ص483علبة زجاج واحدة .
    ___ هل تسمعين السيارات كيف تنعق كالضفادع وهي محملة بالبشر كالسردين ؟ أنه عار عار كبير تصوري يتزوجون بلا زفة ص505 عطش الأفعى
    __ منذ بدأ يعي معنى الكلمات _ لا يذكر متى بالضبط _ وهو يسمع هذه الجملة من بين أسنان أبيه . لقد كان غريباً حقاً أن أباه كان الأنسان الوحيد في العالم الذي سنعه يتمنى لأبنه أن يكون حصاناً . ص511 لو كنت حصاناً
    __ مهما يكن فأن السيد عبد الرحمن لم يكن يعتقد أنه نصف مجنون كما كانوا يقولون عنه . 526ص نصف العالم
    __ مرة أخرى دارت القطة الناصعة البياض حول نفسها ألا انها عادت الى وضعها السابق وفكر الراهب الشاب في خطة القطة ، تراها ماذا ستفعل الآن ؟ ص541 الشاطئ
    __ ولم يستطع مسعود بك أن يتخلص من فكرة ملأت رأسه فجأة : لقد تبدت له بادئ الأمر فكرة سقيمة ولكنه في مدى ساعتين فقط ، أعتادها تماماً متيقناً أن ليس ثمة أي مخرج عادها ، ولم يكن بحاجة الى أي دراسة للتفاصيل حين قرر أن ينهي حياته ويضع حداً بذلك لعامين وثلاثة شهور مزدحمة بالشقاء والتعاسة . ص570 جحش
    __ كيف يمكن لأبي أن يفكر بالتخلي عن البيت الذي عاش فيه أكثر من ستين سنة ؟ كيف ؟ ألا تملأ صدره تلك الرائحة ؟ ص579 رأس الأسد الحجري
    __ عزيزي رياض لا شك أنك تقول الآن أنني قد جننت ، فهذه ثاني رسالة أكتبها لك في يوم واحد ص 591 العروس
    __ كانت العلب تبدو بعيدة ، وكنا نرتجف كحقل من القصب العاري ، ننط كي تظل الدماء تجول في عروقنا ، وبعد مليون سنة جاء دوري ، فناولتني الممرضة علبة حساء من مسحوق العدس . ص620 المدخل لمجموعة عن الرجال والبنادق .
    __ كان ذلك في زمن الأشتباك ، أقول هذا لأنك لا تعرف أن العالم وقتئذ وقف على رأسه ، لا أحد يطالبه بالفضيلة .. سيبدو مضحكاً من يفعل.. أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو أنتصار مرموق للفضيلة ، ص717 زمن الأشتباك
    __ وبين وبين نفسي كنت أحسب أنني أعاني من مرض خطير يجعل الأشياء تبدو مختلفة عما تبدو فيه للآخرين ص 729 الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس .
    ومثل هذا كثير .

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    جسر الى الأبد
    محاولة التخلص من الشعور بالذنب
    رافق معظم أبطال كنفاني شعور بالذنب لتركهم الوطن وعدم الدفاع والتمسك به حتى النهاية وكما يجب ، ويبدو هذا واضحاً في ( عائد الى حيفا ) ، وفي قصة ( البومة ) في سرير رقم 12 التي ذكرناها وكذلك في قصص أرض البرتقال الحزين وغيرها ، لقد شبه الكاتب الأرض فلسطين بالأم ، فرأينا حامد يضع شفتيه على رمالها في النقب وكأنه يرضع من ثديها في (ما تبقى لكم ) ، ورأينا أبا قيس في رجال في الشمس ينام فوقها ويشعر بحرارتها وأنفاسها ، وهي الأمرأة التي تحضر الطعام لسعد ورفاقه في رواية أم سعد عندما يدخلون الى فلسطين . في مسرحية جسر الى الأبد ، تجري محاولة للتخلص من الشعور بالذنب ، وتحاول هذه المسرحية أثبات أن ما حصل للأم ( الوطن ) كان سيحصل لها حتى لو بقي ( فارس ) هناك . فطيلة المسرحية يشعر البطل فارس بالذنب لأنه ترك أمه ( وسافر ) فماتت لعجزها .
    رجاء فتاة مدللة وجميلة منحدرة من أسرة برجوازية عربية تكاد تدهسه بسيارتها وهو ماض في الشارع يفكر بالأنتحار ، لماذا ! لأن شبحاً أتاه في الليل وأخبره بأنه قتل أمه لأنه تركها وسافر ( نلاحظ هنا التناص بين فكرة الشبح وقتل الأم مع فكرة الشبح وقتل الوالد في مسرحية هاملت لشكسبير ) . ويقول له الشبح أن عذابه سيستمر بسبب ذنبه الذي لا يغتفر وهو قتله لأمه ، عندما تنقله رجاء بسيارتها بعد ألحاح يخبرها أنه لا يتأثر من مثل هذا الجرح وفوراً يبرز لها كيف أن جرحه ألتأم بسرعة عجيبة ، ولكنه يحكي لها أنه قتل أمه .
    " رجاء برعب : قتلت أمك ؟ قتلت أمك ثم تجيء لتقول أنك أنسان مسكين ؟ ( بتردد ) قل لي هل قتلت أمك يا فارس ؟
    _- فارس ( بهزء ) قتلتها أجل يا رجاء قتلتها .. قتلتها
    __ رجاء : ( بغضب شديد ) أذن ما الذي تريدني أن أفعله من أجلك ؟ أنت أنما تتلقى جزاءك .. هذا كل شيء .
    فارس ( كأنه يبكي ) جزاء ؟
    ( نلاحظ أن هذا موقف الأنظمة العربية من قضية الشعب الفلسطيني في تلك الفترة ، وهي تحميل الضحية مسؤولية ما حدث ، وقد تم التعبير عنه هنا بقتل فارس لأمه لأنه تركها وسافر ، بل أن رجاء الفتاة اللطيفة التي دهسته بسيارتها تقول له أن هذا جزاء قتلك لأمك )
    بعد هذا يبدأ فارس ورجاء بعملية بحث عن هذه الأم لأنه لا مكان لقبرها ، وعندما ييأس ويتركها ويعود الى البيت تلحق به رجاء أبنة الطبيب والتي تصل الى المشرحة وتتعرف على جثة والدته لتخبره بأكتشافها
    _ رجاء : أفتح يا فارس أفتح
    _ فارس : أتيت مبكرة يا رجاء اليوم هل من جديد ؟
    _ رجاء مثارة : أفتح عجل أفتح
    _ فارس : لحظة واحدة لحظة واحدة سأصل الآن ، لحظة واحدة فقط .
    ( صوت أقدامه ثم صوت المزلاج يفتح )
    _ رجاء شبه باكية ) : آه يا فارس .. أيها العزيز المسكين .. أنت لم تقتل أمك .. لم تقتلها !
    _ فارس مذهولاً : لم أقتلها ؟
    _ رجاء ( تصيح ) : أجل لم تقتلها يا فارس .. لم تقتلها
    _ فارس ( كمن فقد رشده ) تعنين أنها ليست ميتة !
    _ رجاء : لا لا ( تتردد ) أعني نعم نعم أنها ميتة طبعاً ، ولكنك لم تقتلها .
    _ فارس ( منهاراً ) كيف أيتها الحمقاء الصغيرة ؟ كيف كيف ؟
    _ رجاء : تلهث لقد ماتت بعد نصف ساعة فقط من مغادرتك البيت ( تصمت هنيهة ) أنت قلت أنك غادرت البيت يوم الثلاثاء في الساعة الثامنة صباحاً . التقرير الطبي يقول أنها ماتت في الساعة الثامنة والنصف من نفس الصباح ،
    _ فارس : هذا .. هذا لا يغير شيئاً
    _ رجاء : كيف كيف لا يغير شيئاً أيها الأحمق .. كيف ؟
    _ فارس : ماذا يغير ؟
    __ رجاء : لقد ماتت قبل أن تغادر المدينة أنت .. كان من الممكن أن يحدث ذلك وأنت هناك .. ماتت دون أن تعرف أنك غادرت المدينة . كانت تشتري طعاماً للغذاء وكانت على وشك العودة الى البيت حين داهمها الموت في الطريق ..الخ ص269 المسرحيات .
    نلاحظ هنا أن رجاء تتتهم فارس بالحمق لأنه أتهم نفسه بقتل أمه ، وأن موتة أمه كانت بدون تدخله ، أي أنها ماتت قبل أن يغادر المدينة وهذا يفرق كثيراً كما تقول هي ، لقد كان هذا الأنسان ( الفلسطيني ) الذي يحمل الشعور بالذنب تجاه أمه ( الوطن ) بحاجة لهذا الأعتراف من الحاكم العربي ، وحتى من الجماهير العربية في المناطق التي حل عليهم فيها لاجئاً ، لقد ذاق الفلسطيني الأمرين من تهمة ( = قتله لأمه = تركه لوطنه ) ، لقد جاءت ( رجاء ) لتقول لفارس ( أيها الأحمق كف عن تأنيب الضمير ! أنت لم تقتل أمك ) طبعاً هذا يختلف ، بين أن تكون قتلتها ، وبين أن تكون هي كانت ستموت حتى لو بقيت معها ، ( فلسطين ) كانت ستضيع سواء خرج منها الفلسطينيون أم لم يخرجوا بل كانوا سيموتون معها لأن خروجهم كان تحت ضغط كبير ، فعندما تحاول أم فارس أقناعه على عدم الرحيل وتركها يقول لها : سأغيب شهرين سأغيب شهرين فقط ولكنني سأنقذ نفسي وسأنقذك الى الأبد .. أنها فرصة العمر يا أمي فرصة العمر " ص65 ، وبهذا يحاول الكاتب التخفيف من وطأة عقدة الذنب التي لاحقت الكثيرين من أبطاله ، بتركهم لوطنهم ( الأم ) فلسطين .

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    السر في جاذبية أدب غسان

    أن المهمة الأولى الملقاة على عاتق الكاتب هي أن يتمكن من جذب القارئ حتى النهاية ، فأن فشل فهذا فشل للقصة ، وكي يتمكن الكاتب من هذا لا بد من أن عناصر جمالية في البناء الأدبي هي التي ستقوم في بث المتعة والدهشة والأكتشاف في نفس القارئ كي يستمر أو أن يعود لقراءة العمل مرة وأخرى . وأذا كانت قوانين الرواية صعبة التحديد فأن للقصة القصيرة قوانينها المعروفة بها بعد بلورة تجارب وخبرات كتاب ونقاد من شعوب كثيرة وفي أزمنة مختلفة .
    " الحكاية في القصة هي مجموعة أحداث مرتبة ترتيباً سببياً ، تنتهي بنتيجة ، والحكاية لا بد أن تكون ثمرة تجربة أنسانية موضوعية ، وهذه التجربة العميقة تستلزم صدق الواقع بسياق الأحداث على طريقته المقنعة واقعياً وفنياً ".مدارس النقد الأدبي الحديث ص303 دكتور محمد عبد المنعم خفاجي ، " ولا بد أن تكون الحكاية في القصة ذات وحدة عضوية كالوحدة العضوية في القصيدة وفي المسرحية " " وقد تبدأ القصة بأولى الحوادث فيها وقد تبدأ بنهايتها وقد تبدأ بالذروة " " أما تدخل المؤلف تدخلاً بارزاً في الحوار بالشرح أو التعليل مستقلاً في ذلك عن الحوار والحديث النفسي فذلك معيب ." " أختيار الشخصيات التي تؤدي الأحداث على الطبيعة ثم اختيار الزمان والمكان المناسبين لوقوع الحدث من الشخصيات ثم ألأسلوب الذي تسرد به الحادثة كل ذلك له مكان في العمل الفني في القصة " والقصة تحدث لتؤكد فكرة وغاية ، والفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفني للقصة " هذه بأيجاز كما جاء تعريفها في المصدر السابق ، وهو خلاصة نقد لمدارس أدبية متعددة ، سنتناول قضية الجمال في قصص غسان ، فبالأضافة لما سبق وذكرنا حول ما يمكن أن نسميه نسق أو أتجاه غسان كنفاني الكتابي والذي اجتمعت فيه العوامل التي فصلناها ، فقد كان فناناً حقيقياً ، فهو وقبل كل شيء فنان ومبدع ، علماً أن الجمال الفني من الصعب تحديده بدقة ، فأنت أمام الجمال تقف صامتاً أحياناً أو تعبر بكملة الله ما أروع هذا .. أوتتنفس الصعداء وقد ويعبر كل شخص عن أنفعاله بطريقته ، وقد تقرأ قصة فتسرع لتحكيها بأقرب فرصة لصديقك أو تنشرها أذا كنت مسؤولاً عن زاوية أدبية في صحيفة ، ولكنك لا تفهم بالضبط ما هو الذي جعل عقلك يعلن رضاه ونفسك عن أرتياحها لهذا الشيء الذي يهز مشاعرك .
    ولعل البداية في القصة أو الرواية لها أثر حاسم على نفس القارئ بأن يستمر أو أن ينكص عن القراءة لذلك فأن للبداية أهمية كبيرة ، وسنأخذ بعض البدايات في قصص كنفاني ونشير الى قوة الجذب فيها ، قصة المنزلق من مجموعة عالم ليس لنا ص472 ،ما هو السر الذي يجعل قصة كهذه جذابة ، ويتمسك القارئ بها حتى نهايتها ؟
    " الكتابة الجيدة هي ما يمر فيها الفكر بالأحساس والأحساس بالفكر ، حتى ليصح أن يقال أن الكاتب الجيد يفكر ويحس بعقله ." محمد مندور في الأدب والنقد ص37
    بداية قصة المنزلق ( القصص )
    " سار الأستاذ محسن في الممر الطويل المؤدي الى صفه بخطوات بطيئة مترددة ، كانت تلك هي تجربته الأولى في عالم التدريس ، " نلاحظ أن الخطوات بطيئة ومترددة وهي تنسجم مع كون المدرس جديداً في مهنة التدريس ، لكونه جديداً لديه تردد فهو لا يعرف الطلاب بعد وليس واثقاً من نفسه تماماً ، ثم يتم دعم هذه الفكرة بالجملة التي تليها " ولما كان لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل حين يدخل الصف فقد حاول جهده أن يبعد تلك اللحظة قدر الأمكان " أذاً فالجمل هنا دعمت واحدة الأخرى وجميعها تصب في صالح الفكرة ، وتردده في الجملة الأولى كي يبعد لحظة وقوفه امام الطلاب ، وكون هذه الفكرة هي جزء من منظومة أفكار وأحاسيس ستدعم الفكرة الكبيرة في القصة . نمضي في القصة " في الليلة الماضية تقلب على فراشه حتى الصباح وهو يفكر في الأمر : أن من العسير على المرء أن يقف أمام الناس ولماذا ؟ ليعلمهم ! ومن أنت لتفعل ذلك ؟ لقد عشت حياتك البائسة دون أن يعلمك أنسان أي شيء ينفعك ، أتعتقد أنه بوسعك أن تعلم الناس ما ينفعهم ، أنت نفسك آمنت بأن المدرسة هي آخر مكان يتعلم فيه الرجل الحياة ، فما بالك الآن وقد صرت مدرساً فيها ؟" أذاً فالعودة الى ليلة أمس دعمت الفكرة الأولى ( التردد ) وأضيفت أفكار أخرى ثانوية في مصب منظومة الأفكار التي ستشكل في مجموعها الفكرة الكبيرة التي ستبدأ بالتبلور ، فالأستاذ محسن قلق وتقلب في فراشه ، أذاً منذ ليلة الأمس ويسأل نفسه ماذا يمكن للمدرسة أن تعلم ، فهو مقتنع أن المدرسة آخر مكان يمكن للأنسان أن يتعلم فيه ، وبهذه الفكرة يهيء الكاتب الأرضية لما سيحصل خلال الدرس ،فهو عملياً وضع نظرية وفكرة معينة وعلى القصة الان أن تبرر هذه الفكرة أو أن تضحضها ونمضي في القصة " في الصباح حملت نفسك الى غرفة المدير وجلست هناك تستمع الى بقية الأساتذة وهم يناقشون الأمر الذي شغلك ولكن من زاوية أخرى .. ماذا عسانا نفعل في الصفوف أذا كان الصغار دون كتب ؟ " أذاً فالصغار بدون كتب ، أي أنهم فقراء وهذه مشكلة يتشاور بها المعلمون ، وهنا يعدنا الكاتب لما هو آت فالصف أذاً يحوي طلاباً فقراء ، وهو معلم جديد متردد ، والمدرسة آخر مكان لتعلم الحياة فما الذي سيحصل ؟ " وأجاب المدير من أنفه بأختصار : أي أستاذ قدير يعرف كيف يشغل حصته دون كتب " .أذاً فقد تحدث المدير من أنفه كتعبير عن موقعه الأداري الفوقي ، وكل ما قلناه حتى الآن يدعم فكرة التردد ، فهو أستاذ جديد ، والطلاب بدون كتب ، وهو قانع أن المدرسة آخر مكان يمكن أن يتعلم فيه الأنسان ، والمدير يتحدث من أنفه ، ونتقدم " ثم أنكفأ شارحاً ( المدير ) بلؤم : تطلب من أحد الأطفال أن يشغل الحصة عنك أذا عجزت .. "
    قال الأستاذ محسن لنفسه : " ها هو ذا مدير المدرسة يريد أن يلقن أساتذته درساً بالأنتظام والطاعة منذ اللحظة الأولى لقد قبض الأقساط قبل أسبوع وعليه الآن أن يقبض أرواحنا " المدير يتحدث من أنفه ثم تحدث بلؤم للمعلمين مبرراً حديثه من أنفه ، وتكررت هنا كلمة قبض لينزاح معناها الأول عن معناها الثاني _ فهو قبض المال ولم يبق سوى أن يقبض أرواحنا فلفظة القبض نفسها أتت بدلالتين مختلفتين فأعطت للجملة جمالاً ونكهة ،ونمضي ..." الممر الطويل مملوء بصخب الأطفال وصياحهم ، والأستاذ محسن بخطواته الثقيلة يحس بأنه أنما يسير في دوامة تؤدي الى مستقبل قميء مترع بالضجة والسخف .. الضجة والسخف وليس غيرهما ! " هذه الجملة الأخيرة تشي بعبثية الفضاء الذي ستحدث فيه القصة ، والقارئ يستعد نفسياً لما هو آت ، السخف والقماءة .
    "__ لدي قصة جميلة يا أستاذ
    صاح طفل كان مكوماً على نفسه في آخر مقعد فقدم حلاً ملائماً لذلك الموقف المضطرب ،" نلاحظ هنا كلمة ( مكوماً ) وهذه الكلمة تستخدم لشيء رخيص وعادة لا يكون أنساناً ، فهو قد يكون كيساً أو قماشاً أو أي شيء بعيد عن كونه يحمل صفة أنسانية ، لقد أوحت كلمة ( مكوماً ) للقارئ أن هذا الطفل ليس كالأطفال العاديين ، ومنحه صفة ( التكوم ) أمعاناً في دقة الأحساس بأن هذا الطفل ليس كالأطفال العاديين . ولكن الطفل بأعلانه هذا قدم حلاً لموقف الأستاذ المضطرب ، أذاً فكل الأحداث حتى الآن تسير في نسق واحد ومقنع لم تشُبْه حتى الآن فكرة أو حالة غريبة عن المشهد العام ، هذا الأسلوب يجعل القارئ يركز أكثر في النص والتركيز نفسه يعني أن القارئ أصبح منجذباً يقترب من مركز القصة وبؤرتها أو ذروتها ، و" قبل أن يوافق الأستاذ على الأقتراح كان الطفل قد صار خارج صفوف المقاعد ، وواجه رفاقه ببنطال قصير أوسع من حجمه وقميص ذي قماش نسائي عتيق ، وشعر أسود غزير يصل متهدلاً الى حاجبيه " . أذاً فالطفل لم ينتظر موافقة الأستاذ ، وهذا يضيف للمشهد ويغنيه ، فهو مكوم وفقير وجريء بنفس الوقت ، ولباسه وشعره المتهدل على حاجبيه والقماش النسائي لقميصه يؤكد بؤسه ويبرر وصفه ( مكوماً ) ، كل هذا يؤثث المشهد ويلونه ، ويبرر ما قيل في غرفة المدير بالنسبة لعدم وجود كتب مع الطلاب . وهكذا فأن الأجواء كلها الآن مهيأة للقصة ، وكأن كل هذه الأفكار والحركات تدور حول بؤرة واحدة هي الحدث الذي بتنا ننتظره . أو كأنها الجداول الصغيرة الكثيرة التي تصب في مجرى واحد لتجعل منه نهراً فالنهر هو الجداول الصغيرة مجتمعة . " كان والدي رجلاً طيباً .. كان شعره شائباً ، وكانت له عين واحدة أما عينه الأخرى فقد أقتلعها بنفسه حين كان يخيط نعلاً سميكاً لحذاء رجل ضخم ، لقد كان مكباً على الحذاء يحاول جاهداً أن يدخل الأبرة الكبيرة في النعل ، ألا أن النعل كان قاسياً جداً ضغط كل ما في وسعه ، بلا فائدة ، ضغط أكثر ، لا فائدة ، ثم رفع الحذاء الى صدره وضغط بكل قوته فخرجت الأبرة فجأة من الناحية الأخرى ودخلت في عينه .. " هذه القطعة عبارة عن لوحة فنية رائعة متكاملة ، وكأن كل جملة فيها لون في لوحة تدرجت هذه الألوان من الفاتح الى الأغمق ، لقد نقل لنا الصورة مع الحركة وكأننا نشاهد ونحس ، فالتعابير رشيقة خالية تماماً من الألفاظ الميتة المصطنعة ، وكل كلمة في محلها ، ولو أختزلنا منها لحدث نقص فيما أراد قوله الكاتب ، فكلمة ( شائباً ) لمحت لنا الى صورة وشكل وسن والد الطفل ، والضغط المستمر له ما يبرره فالنعل قاس جداً وضخم وكي نحصل على النتيجة أي خروج الأبرة الى عينه ، جعله يتدرج بالضغط وكما ذكرت وكأنها الألوان من الفاتح للغامق فالأغمق ، أولاً يضغط جاهداً ، ثم ضغط كل ما في وسعه ، ثم ضغط أكثر لا فائدة ، ثم رفع الحذاء الى صدره .. أي أنه أستعان بصدره أيضاً للضغط ، لقد أقترب الحذاء من وجهه استعداداً للضغط بكل قوته وحينئذ خرجت الأبرة ودخلت في عينه ، لقد سبقت مرحلة دخول الأبرة الى العين خمس مراحل كلها دفعت بأتجاه النتيجة التي صارت منطقية ومعقولة ، وتستمر القصة ونجد أنفسنا مضطرين لمعرفة ما ستنتهي اليه قصة هذا الطفل البائس أبن هذا الرجل البائس .

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    بداية قصة علبة زجاج واحدة ( القصص )

    "كنا نعيش كفئران التجارب ، في علبة زجاج نظيف : نأكل جيداً وننام جيداً نذهب الى البحر أحياناً فنغسل ضجرنا بالماء والشمس .. ونعود الى علبة الزجاج .. لقد أعطونا كل شيء ألا المرأة .. وهذه كانت مشكلتنا .." ص481
    أنه يصدمك منذ الجملة الأولى ، فكيف للأنسان أن يشعر أنه يعيش كفئران التجارب ألا أذا كان يمر بتجربة قاسية جداً ولا أنسانية ، وكأن الكاتب هنا أمسك بتلابيبك فجأة وجذبك اليه ، وبدون لف ولا دوران وبجملة واحدة رشيقة لفت أنتباهك لما يحدث وأستفز مشاعرك ، لقد أوحت فئران التجارب لك بأمر قاس قذر مقزز ، وأوحت أن هؤلاء الناس في وضع صعب جداً ، أو في حالة أنسانية شاذة ، فأنت الآن تريد أن تعرف لماذا حكم الراوي على حياته هذا الحكم ، وما هو سبب هذا الشعور العميق بالأهانة ، وقد أختار توصيفاً دقيقاً لحالته وحالة من معه . وبعد بضع كلمات تعرف السبب .." لقد أعطونا كل شيء ألا المرأة ". أذاً فهذا سبب شعوره وكأنه فأر تجارب ، الحرمان من المرأة لفترة طويلة ، الحرمان من شيء من طبيعة الأنسان ، أما لماذا علبة زجاج نظيفة ! فالزجاج له صفة الشفافية ، فأنت قد ترى ما وراءه لكنك عاجز عن لمس هذه الأشياء والحصول عليها فالنساء يتحركن وهن موجودات لكنك معزول عنهن وكأنك في علبة زجاج ، وبنفس الوقت أنت مراقب من الخارج وتصرفاتك كلها واضحة أمام الآخرين كأنك فأر تجارب ، وهذا يسبب لك الشعور بالحرمان أكثر وأكثر ، والعلب أوحت بالسجن ولكنه ليس سجناً عادياً ، أنهم طلقاء بمعنى أنهم يستطيعون الخروج للطعام والمشي ولكنهم ما زالوا يحملون شعور المسجونين ، في هذه العلب الزجاجية النظيفة ، وبلا شك هي أماكن العمل والسكن في دولة خليجية . وكي يجعل القارئ يعيش معه هذا الحرمان ، قال " في الشهر الأول صرنا نشتري المجلات الملونة العارية ، في الشهر الثاني لم نجد حرجاً يمنعنا من تعليقها في صدور غرفنا ., في الشهر الثالث مزيداً من الصور .. وفي الشهر الرابع مزقناها ، كان الأحتمال قد وصل حلوقنا ، وانسكب من هناك غضباً مروعاً ". نلاحظ هنا تركيز الجمل التي تصب الى البؤرة ذاتها وكأنها دوائر حوام تدور حول مركز واحد تعززه ، أو كما سبق وقلت كأنها الألوان من الفاتح للأغمق ، أو الأوركسترا التي يلتقي فيها عدد من الآلات لتصنع لحناً واحداً متناسقاً . لم يعد الوضع يطاق وصاروا يغضبون بسرعة وبشكل مروع فمزقوا الصور . " بعد عام أطلقونا من العلب الزجاجية ". لقد استعمل كلمة أطلقونا ليؤكد أيحاءه وكأنهم كانوا مسجونين بالفعل . والآن عزيزي القارئ فأنت تريد أن تعرف ما الذي فعله أبطال هذه القصة بعد أن أطلق سراحهم بعد هذا الشعور بالحرمان المرير ، بالتأكيد سيبحثون عن الأمر الذي حرموا منه ( المرأة ) ، وما عليك الآن سوى متابعة القصة بشوق لمعرفة ماذا عساهم يفعلون .
    يقول غسان كنفاني في أحدى المقابلات الصحفية التي أجراها معه كاتب سويسري قبل أستشهاده بأسابيع حول أدبه " أن فلسطين تمثل العالم برمته في قصصي " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ، فاروق وادي ص 43
    ويضيف كنفاني في المقابلة نفسها " ففي وسع الناقد الأدبي الآن أن يلاحظ بأن قصصي لا تتناول الفرد الفلسطيني فحسب ، بل تتناول حالة أنسانية لأنسان يقاسي من المشاكل أياها ،لكن ربما كانت تلك المشاكل أكثر تبلوراً في حياة الفلسطيني " ص 44 المصدر نفسه . ولم يكن كنفاني بحاجة لتأكيد هذه الحقيقة بأن أدبه أنما يمثل حالات أنسانية لكن هذه الحالات أكثر كثافة عند الفلسطيني ، فالشعور بالعزلة والأغتراب والتهميش يرافق أناساً عاديين في أوطانهم أيضاً وبدون أن يشردوا من بيوتهم ويقتلوا كما هو حال الفلسطيني ، ولكن غربتهم لا تكون بنفس الحدة المركبة كما سبق وذكرنا ، فالحالة الفلسطينية تضفي على الحالة الأنسانية بعداً أعمق لأنها أكثر تعقيداً ، ولنأخذ مثالاً قصة ( عطش الأفعى ) وهي قصة أسرة يعتاش معيلها من قرع الطبلة في الأفراح وبالتحديد خلال زفة العريس ،وهو يصر أن يعلم أبنه مهنة قرع الطبلة التي ورثها بدوره عن والده وجده ،كي يضمن أستمرار هذه المهنة في الأسرة ومصدر معيشتها ، ولكن الناس صاروا ينقلون العريس بالسيارات أثناء الزفة وأستغنوا عن الزفة التقليدية وبالتالي عن الطبلة والطبال الأمر الذي يعني نهاية مصدر دخل الأسرة ، وتعبيراً عن أحباطه يقوم الوالد بمهاجمة سيارة جاءت لنقل عريس أثناء الزفة في الحارة ويحطم زجاجها ،ومنذ تلك الحادثة تطارد هذه السيارة أبن الطبال الى أن تدهسه كأنتقام من والده الطبال . ليس في هذه القصة أية أشارة على أن بطلها فلسطيني ، وهي قد تحدث لأسرة لبنانية أو سورية أو مصرية أو لأسرة في أي بلد من بلدان العالم وخصوصاً العالم الثالث ، هذه القصة عالجت قضية أنسانية بمفهومها الواسع ، السيارات التي تمثل التكنولوجيا الحديثة أدت الى أنهيار عالم أسرة تعتاش من مهنة ( بدائية ) قرع الطبلة في زفة عريس تقليدية بدائية ، ولكن الناس في عصر السرعة صاروا يتحدثون عن أن الزفة في السيارة أكثر راحة لهم ، وأنهم ما عادوا يرغبون بالمشي المتعب في الأزقة كي يزفوا العريس ، ويحاول الوالد أن يقاوم هجوم التكنولوجيا لكن هذا التطور يمضي دون أكتراث بمصيره ومصير أسرته التي فقدت مصدر معيشتها لتكون ضحية هذا التقدم الذي لا مفر منه ، أنها قصة أنسانية ولكنها سوف تتكثف أذا عرفنا أن هذه الأسرة فلسطينية تعيش في لبنان مثلاً ، والقارئ لغسان كنفاني لا بد سيشعر بذلك بدون أن يصرح الكاتب بجنسية الأسرة ، سوف تتكثف في حالة الفلسطيني لماذا ؟ لأنه ليس من السهل أبداً لأسرة فلسطينية أن تجد عملاً بديلاً في دولة مثل لبنان ، الأمر الذي سيضاعف الضرر المترتب على أنقراض مهنة الطبال الذي سيعاني من البطالة ، الى جانب حقيقة أن أبنه الذي دهس لن يكون مؤمناً صحياً ( كلاجئ ) وسيكون وضع الأسرة أكثر مأساوية وربما حل بها الدمار والخراب تماماً نتيجة لما حصل ، فالمأساة الأنسانية هنا تضاعفت وتكثفت مرات ومرات ، فالفلسطيني ليست لديه دولة تمنحه عملاً بديلاً وما من قانون يحميه ، هذا يعني أنهيار عالمه .

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    شعر في رداء نثري

    " وليس من شك في أن للنثر وزناً وأيقاعاً كما هو الحال في الشعر وأن كان أخفى وأقل أطرادا ولقد درست أوزان النثر في أوروبا كما درست أوزان الشعر تماماً " محمد مندور في الأدب والنقد ص 30 . بالأضافة لعناصرالجذب والجمالية التي تمتاز بها كتابة كنفاني ، نلاحظ المشاعر القوية المتدفقة في نثره الذي يحمل كثيراً من خصائص الشعر ، حتى يرتقي نثره الى مستوى الشعر في بعض الأحيان ، وكأنه شعر يرتدي رداء النثر .
    سنأخذ بعض الأمثلة لهذا الرأي ، نبدأ في قصة العطش من مجموعة السرير رقم 12 . ص183
    "آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب ! الى أين ؟ هذا لا يهم .. فقط لو يستطيع
    أن يذهب .. دار في مربع الجدران دون غاية ، ثم سقط فوق السرير .. النغم الباكي من الأسطوانة لم يعد يصل الى صدره .. أنه يلمس جلده البارد ثم يرتد ليلتصق بالجدار .. كيف استطاع أن يعتقد _ في يوم مضى _ أن النغم هو كل شيء ؟ كيف ؟ "
    هذه القصة تحكي عن رجل يعيش في حالة أغتراب تام لا يجد من يتحدث معه ، يحاول قتل هذه العزلة بسماع أسطوانة لكنه قد مل هذه الأسطوانة منذ سنوات ، وبشرب عشرة فناجين من القهوة ولكن عندما يأتي ليشرب الماء يكتشف أن لا ماء في الصنبور فقد أنقطعت المياه ، فتزداد عزلته وغربته وينام ،. وتنتهي القصة هكذا " غداً أيها الأنسان الكئيب لن تكون سعيداً ، الأنسان الذي سوف تجلس معه لن تسمع كلمة من كلماته .. أنت تبحث عنه فقط كي تقول له ، كأنك تحكي شيئاً عابراً : " أمس أنقطع الماء عن منزلي ".
    سوف نركز حول شعرية النص .فلو أعدنا ترتيب القطعة الأولى من القصة بأن نقطعها الى مقاطع كما يفعل الشعراء لصارت كالتالي :
    آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب !
    الى أين ؟
    هذا لا يهم ..
    فقط لو يستطيع أن يذهب ..
    دار في مربع من الجدران دون غاية
    ثم سقط فوق السرير ..
    النغم الباكي من الأسطوانة
    لم يعد يصل الى صدره ..
    أنه يلمس جلده البارد
    ثم يرتد ليلتصق بالجدار ..
    كيف أستطاع أن يعتقد ( في يوم مضى )
    أن النغم هو كل شيء؟
    كيف ؟
    أنها نفحات شعرية بلا شك ، أليس في هذا معان وحركة خفية تشبه تلك الأشعار العالمية المترجمة الى العربية لكبار شعراء التشاؤم والأغتراب ! فهو يتأوه ، آه لو يستطيع أن يذهب ! لكن هو ليس سجيناً فبأمكانه أن يذهب ولكن الى أين ! فهو سجين نفسه ، دار في مربع الجدران دون غاية ، ثم سقط فوق السرير ، لقد وصف الكاتب حياة هذا الرجل وكأنها خواء بلا هدف فسقط فوق السرير وتحول الى جثة ، فالنغم الباكي من الأسطوانة لم يعد يصل صدره ، أي لم يعد يدخل الى قلبه فمشاعره ، يلامس جلده ويرتد ، لقد تحول هذا الأنسان الى كائن أصم كالجماد حتى موجات الصوت صارت تلمس جلده البارد وترتد دون أن تدخل أو تنحدر الى داخله . ويتساءل كيف أستطاع أن يعتقد ( في يوم مضى ) أن النغم هو كل شيء ؟ كيف ؟
    أذاً فالرجل الكئيب كان في يوم ما متفائلاً وكان يعتقد أن النغم ( الحياة ) هو كل شيء والآن يتساءل بمرارة وأحباط كيف فكر ذلك التفكير ، لقد قتلته العزلة والأكتئاب وغيرت رأيه في الحياة برمتها ، فالنغم ( الحياة ) لم يعد يصل بل يرتد عنه وكأنه تحول الى جماد فاقد الأحاسيس بسبب عزلته ، لقد أعطى كنفاني واقع العزلة والكآبة ( صورة أشد دقة مما كان يعطى بها سابقاً )كما يقول كولن ولسون في المعقول واللامعقول عن غاية الأدب عند نتالي ساروت وروب غرييه ) ص 102 المعقول واللامعقول ، وهذا أحد أسرار نجاح كنفاني كما سلف وقلنا ، أنه يقدم الواقع بصورة أكثر دقة مما كان يعطى سابقاً .
    فاذا مضينا في القصة نفسها سنجد أن هذا الأيقاع سيستمر حتى نهاية القصة وسوف يعود على التأكيد أنه تحول الى شيء جامد .
    في يوم مضى
    يبدو أن الماضي
    كان لأنسان آخر
    أما هو ! آه !
    أنه يحمل الجدران الأربعة
    على كتفيه منذ ولد
    يحملها أينما ذهب
    حتى حينما يضحك
    فلسانه الخشن
    يجري فوق الجدار
    منذ متى !
    وهو يحمل هذه الجدران ؟
    ليس يدري ،
    ربما قبل أن يولد
    ربما الان فقط
    نهض عن السرير
    وأدار ..مفتاح الراديو
    الصوت يدوي الآن في الغرفة
    زاعقاً كمليون بومة كئيبة
    ورغم ذلك فأنه ما زال يلمس جلده
    ثم يرتد الى الجدار
    ****
    ويمضي غسان الناثر في قصته الشعرية فيقول :
    " صوت البوق شيء فاجع !
    ورغم ذلك فأنه ليس هنا
    كأن صدرك صفائح قصدير
    يضربها الصوت ويرتد مرناً
    كشيء تافه
    الى الجدار
    *** **
    أمس قام الرجل الكئيب ليشرب
    وحينما فتح الصنبور
    خرخر صوت عميق
    ولم تنزل أية قطرة
    كان العطش يمسك باصابعه
    الغليظة الجافة حلقه
    كيف يشرب ؟
    شيء سخيف
    ولكنه يريد أن يشرب
    ثم صحا في منتصف الليل
    أشد عطشاً
    لو كان في الغرفة أنسان آخر
    لقال له متأففاً :
    أريد أن أشرب
    ليس المهم أن تشرب !
    المهم أن تجد من تقول له
    أنك تريد أن تشرب ..
    أنك ظامئ ..
    أكان من الضروري أن يحدث هذا
    لتكتشف
    أنك أنسان ملقى في الفراغ ؟
    ****
    هذا النثر يتفوق بشاعريته على كثير مما نقرأ ونسمع يومياً من شعر حتى لشعراء يعتبرون من الصفوف الأولى ، وأن كنا لا نحاسب النثر كما نحاسب الشعر على الوزن والتفعيلة ولكن من الواضح أن الشحنات الشعرية كثيفة في نص كهذا ، مثل هذه الشعرية نجد في قصص كثيرة ، .
    من قصة المجنون
    أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص فيه سواي ، أن أحداً لم يجده حتى الآن .. آتي اليه في الصبح ، وأظل مقرفصاً حتى تسقط الشمس ، وراء سطح بيت الولد الأشقر .. يأتي الولد الأشقر ، يمشي ببطء على رؤوس أصابعه ، أراه من طرف عيني ، لا أدعه يراني أبداً ، يصل الى المنعطف ، يضع الطعام ، ويركض الى درج بيته . يفتح الباب ويبقى ينظر الي حتى أقوم فآخذ الأكل وأرجع الى مكاني مسرعاً فيصيح : متى ستصبح كلباً مرة أخرى ؟ ص189
    من قصة لؤلؤ في الطريق :
    ولكن الغرفة بمن فيها بقيت صامتة كما كانت ،كان صمتاً من ذلك الطراز الذي يحتار الأنسان في تفسيره : أنصمت يا ترى ، لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا سوف نستقبل عاماً آخر لا يبدو أقل عذاباً ؟ ام للأمرين معاً ؟ ص 155
    من قصة الأخضر والأحمر :
    لم يكن يظن لحظة واحدة ، أنه قريب من الموت قرب أنفه من الهواء .. لم يكن يظن ذلك قط .. كل الطريق كانت تعبق بحياة بكر كأنها خلقت لتوها ، كأن الله صنعها الآن فحسب ليتنشقها ، وليتركها تغسل صدره مثل شلال من الريش .. أيار يبرعم في جبينه وكفيه وأضلاعه ويشمه فينهال الى صدره دوامات لا تنضب ولا تنثني .. كيف تريده أن يظن ، لحظة واحدة ، أنه قريب من الموت قرب الهواء الى أنفه ؟ ولكنه كان قريباً منه ، كان قريبا منه دون أن يحسه أو يشمه .. لم تكن عنده مقدرة شم الموت كما كانت عنده قدرة أحساس الحياة .. وقالوا له مرة أن هذا خطأ مهلك ، وأن الحياة لا قيمة لها قط ان لم تكن ، دائماً ، واقفة قبالة الموت . الخ هكذا وبهذا الأسلوب السلس الشعري تستمر القصة . هكذا فأن عناصر عدة تضافرت لتجعل من كتابة غسان قوية ومتينة وجذابة ، المضمون الأنساني العميق الى جانب المستوى الفني الرائع الأصيل . تقرأ غسان ولا تشبع وفي كل مرة ستكتشف أشياء جديدة .

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    النهايات الكئيبة و التشاؤمية
    معظم نهايات القصص عند غسان تنتهي بالكآبة أو بجملة تشاؤمية وربما فلسفية ، وهو وأن كان يريد تغيير الواقع من خلال أدبه ألا أنه لم يكن يصطنع نهايات متفائلة غير منسجمة مع الواقع أو مسقطة على النص أسقاطاً كما يحدث عادة مع الأدباء (الثوريين ) الذين يرغمون بطلهم على التفاؤل حتى وهو يشاهد الهزيمة والضياع والموت ،فالنهايات عنده تأتي طبيعية متناغمة مع السياق ومع البداية ، لنبدأ ببعض الأمثلة من مجموعة عالم ليس لنا فجميع قصص هذه المجموعة تنتهي بالتشاؤم .
    __ وهز أخي الكبير رأسه ببطء وواصل التحديق الى الطير الصغير عاقداً حاجبيه بأمعان ، ثم أنفكت أسنانه عن جملة واحدة : أنه يحتضر . جدران من حديد ص 421
    __ وعلى الضوء الشاحب لعود الثقاب رأيت وجهه كما كان دائماً : هزيلاً قاسياً بارداً ، وتحركت شفتاه : ذهب ليموت عند أهله .. الغزلان تحب أن تموت عند أهلها .. الصقور لا يهمها أين تموت ! الصقر ص 436
    __ وفجأة حدث ذلك الشيء مرة أخرى : شعرت بسعادة مفاجئة ، وضعت كفي في جيبي ، وهززت رأسي وأنا أبتسم وأسارع خطوي : " كلا .. أبراهيم لم يعد من كفر المنجم بعد .. " كفر المنجم ص 446 ، تبدو هذه النهاية متفائلة ولكن الحديث يدور عن طالب فشل في أمتحانات النهائي في المدرسة وأنتحر ، وصديقه هنا يتخيل أنه سافر الى بلد يدعى كفر المنجم والتقاه في مقهى لكنه في الحقيقة لم يعد .
    __ كان الدم يسيل لامعاً قانياً خلال الشعر الناصع البياض فيما كان القط الرضيع ماضياً بامتصاصه بنهم وبصوت مسموع . ص458 ذراعه وكفه وأصابعه
    __ تابعت طريقي تحت القيظ والشمس الساطعة التي لا تطاق .. تكسي ؟ أتراه كان قادراً على حملي عبر الأمتار العشرة التي مشيتها الآن ؟ تكسي ؟ كلا أن هذا لن يصلح العالم قط ! عشرة أمتار فقط ص 467
    __ ولما حاول أن يقوم لم يستطع كان مثبتاً الى السندان بأحكام ، ولقد رفض المارة أن يساعدوه ، وبقي ملصوقاً هناك الى أن مات .. نظر المدير الى ألأستاذ محسن من جديد وكان واقفا هناك الى جانب الطفل ، ملتصقين ببعضهما كأنهما شيء واحد وهز رأسه مراراً دون أن يقول شيئاً ، ثم عاد فجلس في كرسيه الجلدي الوثير وأخذ يراجع أوراقه كان يرمق الأستاذ محسن والطفل بطرفي عينيه بين الفينة والأخرى . المنزلق ص477
    __ يا صديقي .. تقول علب زجاج ؟ أنها علبة زجاج واحدة كبيرة .. نحن نتحرك داخلها ولكننا لا نغادر .. نحن ننتقل من طابق الى آخر .. ولكننا لا نغادر . علبة زجاج واحدة ص494
    __ تسللت الأفعى السوداء بطيئة قاسية كريهة ، وغاصت في بحيرة الدم الصغيرة ، ثم أخذت تلعق الشراب الأحمر بلسان رفيع طويل . عطش الأفعى ص 508
    __ سلمت الجراحة لذلك الطبيب الثرثار الفضولي بملء أرادتي ، لمجرد أن هذيان المريض قد آلمني .. أيكون قد قتله بأهماله وانصرافه الى الأستماع ؟ أذا كان قد فعل فالقاتل أنا . كان بوسعي أن أجري العملية على أكمل وجه ، ورغم أنف العجوز المسكين ! ما الذي أرتكبته أيها الغبي ؟
    وقف هنيهة ، ثم أستدار وأخذ يركض عائداً الى المستشفى . كانت الشمس قد بدأت تشرق ، وكان يقرع بلاط الشارع المبلول بقديمه الكبيرتين فيرجع الصدى وكأنه خبب حصان . لو كنت حصاناً ص 522
    __ ولقد شوهد آخر مرة يمشي في الشارع العام ، كان يطوي كفيه خلف ظهره وكانت السيارات تمرق حواليه بجنون وهوس ولكنه كان يمشي بهدوء ، وكان واحدهما _ هو أو السيارات _ غير موجود . ص533 المجنون
    __ ورغم ذلك فقد كانت تبدو بعيدة جداً بالنسبة للقطة البيضاء التي كانت تقاوم الغرق بصخب وجنون ، فيما بدأت الأجواء تقصف بالرعد . ص545 الشاطئ
    في قصة قتيل في الموصل وهي من مجموعة أرض البرتقال الحزين تنتهي القصة بهجوم الجراد الى السهول الخضراء " وصلت في تلك اللحظة جرادة حطت على الصخرة أمامنا .. ومد صاحبي كفه كي يلتقطها ، ولكنها طارت بأندفاع مفاجئ متجهة بأصرار فتي نحو المزارع الخضراء الممتدة خلف الرصيف .. ص 391 .
    طبعاً كما وسبق وقلنا في بداية هذه الدراسة ، أننا لا نريد أن نفرض نظرية ما على جميع أنتاج الكاتب فهنالك أيضاً القصص التي تنتهي بالتفاؤل ولكنها قليلة ، في رواية رجال في الشمس تنتهي بالتساؤل لماذا لم يقرعوا الخزان وفي رواية ما تبقى لكم تنتهي بأصرار حامد على المضي نحو أمه ، أما رواية عائد الى حيفا فتنتهي بالتمني بأن يكون خالد قد أنضم الى المقاومة ، بينما نهاية أم سعد وهي آخر رواية كاملة له فتنتهي بأنضمام سعيد الى المقاومة وبالتفاؤل لأن عقلة العنب قد برعمت . ألا أن الأجواء العامة لكنفاني هي واقع تعيس كئيب ومتشائم ، رغم كل ما كان يحمله من ثورية وأرادة لتغيير هذا الواقع الذي للأسف لم يتغير حتى اليوم .ويبقى غسان علامة هامة جداً في الأدب الفلسطيني والعربي والأنساني ، وستبقى اعماله الأدبية خالدة أبد الدهر كخلود شعب فلسطين ، وسوف تكون ينبوعاً يروي ظمأ الأجيال القادمة للفن الرفيع والحس الأنساني المرهف ، وكما عجزت آلة الحرب الصهيونية والأمريكية عن ابادة الحلم الفلسطيني بالحرية هكذا تقف آلة الأرهاب الصهيوني عاجزة عن أبادة غسان كنفاني وأن مزقت جسده فروحه ما زالت وستبقى تقرع جدران الخزان مرفرفة مع سعد في الأغوار ومع الرجال والبنادق في جبال النار ومداخل غزة وفي كل ساحات الكفاح ، وكيفما وليت وجهك في فلسطين لا بد وأن تشم رائحة البرتقال الحزين .

    المراجع

    1 _ الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الأحتلال . غسان كنفاني .
    2 _ الأعمال الكاملة لغسان كنفاني ( القصص – الروايات - ) مؤسسة الأبحاث العربية
    3 _ رواية أم سعد مؤسسة الأسوار عكا .
    4 _ مسرحية جسر الى الأبد الأسوار عكا
    5 _ الأم مسرحية لبريخت
    6 _ الأم مسرحية لغوركي
    7 _ الحرب في بر مصر ليوسف القعيد
    8 _ في الأدب والنقد للدكتور محمد مندور
    9 _ رواية عائد الى حيفا دار نشر صلاح الدين القدس
    10 _ الروائي وبطله مقاربة اللاشعور في الرواية العربية ، جورج طرابيشي
    11 _ فن الرواية العربية . د يمنى العيد ،
    12 _ مدارس النقد الأدبي الحديث د ، محمد عبد المنعم الخفاجي
    14 _ فصول في علم الجمال عبد الرؤوف برجاوي ، دار الآفاق الجديدة .
    15 _ النقد الروائي والأيديولوجيا د حميد لحميداني ، المركز الثقافي العربي ،
    16 _ نظرية الأغتراب من منظور علم الأجتماع د علي الشتا ، مؤسسة شباب الجامعة , الأسكندرية .
    17 _ الحرية والطوفان جبرا ابراهيم جبرا . المؤسسة العربية للدراسات والنشر
    18 _ النص المرصود سمير أبو حمدان ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت
    19 _ ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ، فاروق وادي .
    20 _ المعقول واللامعقول ، كولن ويلسون . دار الآداب
    21_ غسان كنفاني رعشة المأساة يوسف سامي اليوسف .

    ************

    سهيل كيوان . كاتب من مجد الكروم . الجليل . فلسطين
    مواليد 1956 .
    صدر لمؤلف هذه الدراسة .
    __ المبارزة قصص
    __ أحزان النخيل قصص
    __ عصي الدمع رواية
    __ مقتل الثائر الأخير رواية
    __ المفقود رقم 2000 رواية
    __ هوميروس من الصحراء , دراسة أنطباعية وتحرير في شعر سميح القاسم باشتراك آخرين ،
    __ القرد الشره _ قصة للأطفال
    __ العصافير الطيبة _ قصة للأطفال

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    رواية رحال في الشمس

    رجال في الشمس



    أبو قيس


    أراح أبو قيس صدره فوق التراب النديّ، فبدأت الأرض تخفق من تحته : ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجة ثم تعبر إلى خلاياه … في كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال، منذ أن استلقى هناك أول مرة، يشق طريقا قاسيا إلى النور قادما من أعمق أعماق الجحيم، حين قال ذلك مرة لجاره الذي كان يشاطره الحقل، هناك، في الأرض التي تركها منذ عشر سنوات، أجابه ساخرا :
    "هذا صوت قلبك أنت تسمعه حين تلصق صدرك بالأرض"، أي هراء خبيث .! والرائحة إذن؟ تلك التي إذا تنشقها ماجت في جبينه ثم انهالت مهوَمة في عروقه؟. كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق فوقها خيل إليه انه يتنسم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد اغتسلت بالماء البارد .. الرائحة إياها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيبا .. الخفقان ذاته : كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفورا صغيرا..
    الأرض الندية-فكر- هي لا شك بقايا من مطر أمس.. كلا،أمس لم تمطر! . لا يمكن أن تمطر السماء الآن ألا قيظا وغبارا ! أنسيت أين أنت؟ أنسيت؟
    دور جسده واستلقى على ظهره حاضنا رأسه بكفيه واخذ يتطلع إلى السماء: كانت بيضاء متوهجة، وكان ثمة طائر اسود يحلق عاليا وحيدا على غير هدى، ليس يدري لماذا امتلأ، فجأة، بشعور آسن من الغربة، وحسب لوهلة انه على وشك أن يبكي .. كلا، لم تمطر أمس، نحن في آب الآن .. أنسيت؟ كل تلك الطريق المنسابة في الخلاء كأنها الأبد الأسود .. أنسيتها؟ مازال الطائر يحوم وحيدا مثل نقطة سوداء في ذلك الوهج المترامي فوقه.. نحن في آب ! إذن لماذا هذه الرطوبة في الأرض؟ انه الشط! السبت تراه يترامى على مد البصر إلى جانبك؟
    -"وحين يلتقي النهران الكبيران: دجلة والفرات، يشكلان نهرا واحدا اسمه شط العرب يمتد من قبل البصرة بقليل إلى… "
    الأستاذ سليم، العجوز النحيل الأشيب، قال ذلك عشر مرات بصوته الرفيع لطفل صغير كان يقف إلى جانب اللوح الأسود، وكان هو مارا حينذاك حذاء المدرسة في قريته .. فارتقى حجرا واخذ يتلصص من الشباك :كان الأستاذ سليم واقفا أمام التلميذ الصغير وكان يصيح بأعلى صوته وهو يهز عصاه الرفيعة:
    -"..وحين يلتقي النهران الكبيران: دجلة والفرات…" وكان الصغير يرتجف هلعا فيما سرت ضحكات بقية الأطفال في الصف ..مد يده ونقر طفلا على رأسه فرفع الطفل نظره إليه وهو يتلصص من الشباك:
    -"… ماذا حدث؟"

    ضحك الطفل و أجاب هامسا:
    -"تيس! "
    عاد،فنزل عن الحجر واكمل طريقه وصوت الأستاذ سليم مازال يلاحقه وهو يكرر:
    -"وحين يلتقي النهران الكبيران…"
    في تلك الليلة شاهد الأستاذ سليم جالسا في ديوانية المختار يقرقر بنرجيلته: كان قد أرسل لقريتهم من يافا كي يعلم الصبية، وكان قد أمضى شطرا طويلا من حياته في التعليم حتى صارت كلمة استاذ جزءا لا يتجزأ من اسمه، وفي الديوانية سأله أحدهم، تلك الليلة،
    -".. وسوف تؤم الناس يوم الجمعة.. أليس كذلك؟"
    وأجاب الأستاذ سليم ببساطة:
    -"كلا، إنني أستاذ ولست إماما.."
    قال له المختار:
    -"وما الفرق؟لقد كان أستاذنا إماما.."
    -"كان أستاذ كتاب، أنا أستاذ مدرسة.."
    وعاد المختار يلح:
    -"وما الفرق؟."
    لم يجب الأستاذ سليم بل دور بصره من وراء نظارتيه فوق الوجوه كأنه يستغيث بواحد من الجالسين، إلا أن الجميع كانوا مشوشين حول هذا الموضوع مثل المختار..
    بعد فترة صمت طويلة تنحنح الأستاذ سليم وقال بصوت هادئ :
    -"طيب، أنا لا اعرف كيف اصلي.."
    -"لا تعرف؟"
    زأر الجميع، فأكد الأستاذ سليم مجددا:
    -"لا اعرف! "
    تبادل الجلوس نظرات الاستغراب ثم ثبتوا أبصارهم في وجه المختار الذي شعر بان عليه أن يقول شيئا، فاندفع دون أن يفكر :
    -"..وماذا تعرف إذن؟"
    وكأن الأستاذ سليم كان يتوقع مثل هذا السؤال، إذ انه أجاب بسرعة وهو ينهض:
    -"أشياء كثيرة.. إنني أجيد إطلاق الرصاص مثلا .."
    وصل إلى الباب فالتفت، كان وجهه النحيل يرتجف:
    -"إذا هاجموكم أيقظوني، قد أكون ذا نفع"

    ***

    ها هو إذن الشط الذي تحدث عنه الأستاذ سليم قبل عشر سنوات! ها هو ذا يرتمي على بعد آلاف من الأميال والأيام عن قريته وعن مدرسة الأستاذ سليم.. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم! . يا رحمة الله عليك ! لا شك انك كنت ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود.. ليلة واحدة فقط.. يا الله ! أتوجد ثمة نعمة إلهية اكبر من هذه؟.. صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك .. ولكنك على أي حال بقيت هناك .. بقيت هناك ! وفرت على نفسك الذل والمسكنة أنقذت شيخوختك من العار .. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم.. ترى لو عشت، لو أغرقك الفقر كما أغرقني.. أكنت تفعل ما افعل الآن؟ أكنت تقبل أن تحمل سنيك كلها على كتفيك وتهرب عبر الصحراء إلى الكويت كي تجد لقمة خبز؟
    نهض، واستند إلى الأرض بكوعيه وعاد ينظر إلى النهر الكبير كأنه لم يره قبل ذلك . إذن هذا هو شط العرب : "نهر كبير تسير فيه البواخر محملة بالتمر والقش كأنه شارع في وسط البلد تسير فيه السيارات .."
    هكذا صاح ابنه، قيس، بسرعة حين سأله تلك الليلة :
    -"ما هو شط العرب؟"
    كان يقصد أن يتحنه، إلا أن قيس صاح الجواب بسرعة، وأردف قائلا:
    -"..لقد رأيتك تطل من شباك الصف اليوم.."
    التفت إلى زوجه فضحكت، أحس بشيء من الخجل، وقال ببطء:
    -"إنني اعرف ذلك من قبل .."
    -"كلا، لم تكن تعرفه.. عرفته اليوم وأنت تطل من الشباك.."
    -"طيب! وماذا يهمني أن اعرف ذلك أو أن لا اعرفه، هل ستقوم القيامة؟"
    رمقته زوجته من طرف عينيها ثم قالت:
    -"اذهب والعب يا قيس في الغرفة الأخرى.."
    وحين صفق الباب خلفه قالت لزوجها:
    -"لا تحكي أمامه بهذا الشكل، الولد مبسوط لأنه يعرف ذلك، لماذا تخيب أمله؟"
    قام واقترب منها ثم وضع كفه على بطنها وهمس:
    -"متى؟"
    "بعد سبعة اشهر"
    -"أوف! "
    -نريد بنتا هذه المرة.."
    -"كلا ! نريد صبيا صبيا"

    ***

    ولكنها أنجبت بنتا سماها"حسنا"، ماتت بعد شهرين من ولادتها وقال الطبيب مشمئزا: "لقد كانت نحيلة للغاية ! "
    كان ذلك بعد شهر من تركه قريته، في بيت عتيق يقع في قرية أخرى بعيدة عن خط القتال:
    -"يا أبا قيس، أحس بأنني سألد! "
    -"طيب، طيب، اهدأي"
    وقال في ذات نفسه:
    "بودي لو تلد المرأة بعد مئة شهر من الحمل !أهذا وقت ولادة؟"
    -"يا الهي! "
    -"ماذا؟"
    -"سألد."
    -"أأنادي شخصا؟"
    -"أم عمر"
    -"أين أجدها الآن؟"
    -"ناولني هذه الوسادة.."
    -"أين أجد أم عمر؟"
    -"يا الهي..ارفعني قليلا، دعني اتكئ على الحائط.."
    -"لا تتحركي كثيرا، دعيني أنادي أم عمر.."
    -"أسرع.. أسرع..يا رب الكون! "
    هرول إلى الخارج، وحين صفق وراءه الباب سمع صوت الوليد، فعاد والصق إذنه فوق خشب الباب..
    صوت الشط يهدر، والبحارة يتصايحون، والسماء تتوهج و الطائر الأسود ما زال يحوَم على غير هدى.
    قام ونفض التراب عن ملابسه ووقف يحدق إلى النهر ..
    أحس، أكثر من أي وقت مضى، بأنه غريب وصغير، مرر كفه فوق ذقنه الخشنة ونفض عن رأسه كل الافكار التي تجمعت كجيوش زاحمة من النمل .
    وراء هذا الشط، وراءه فقط، توجد كل الأشياء التي حرمها هناك توجد الكويت .. الشيء الذي لم يعش في ذهنه إلا مثل الحلم والتصور يوجد هناك .. لابد أنها شئ موجود، من حجر وتراب وماء وسماء، وليست مثلما تهوم في رأسه المكدود.. لابد أن ثمة أزقة وشوارع ورجالا ونساء وصغارا يركضون بين الاشجار ..لا ..لا..لا توجد اشجار هناك ..سعد، صديقه الذي هاجر إلى هناك واشتغل سواقا وعاد باكياس من النقود قال انه لا توجد هناك أية شجرة.. الاشجار موجودة في راسك يا أبا قيس.. في راسك العجوز التعب يا أبا قيس .. عشر اشجار ذات جذوع معقدة كانت تساقط زيتونا وخيرا كل ربيع.. ليس ثمة اشجار في الكويت، هكذا قال سعد.. ويجب ان تصدق سعدا لانه يعرف أكثر منك رغم انه اصغر منك .. كلهم يعرفون أكثر منك .. كلهم.
    في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئا سوى أن تنتظر.. لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق انك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها .. في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير .. ماذا تراك كنت تنتظر؟أن تثقب الثروة سقف بيتك .. بيتك؟ انه ليس بيتك .. رجل كريم قال لك :
    اسكن هنا! هذا كل شئ، وبعد عام قال لك اعطني نصف الغرفة، فرفعت أكياسا مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد .. وبقيت مقعيا حتى جاءك سعد واخذ يهزك مثلما يهز الحليب ليصير زبدا.
    -"إذا وصلت إلى الشط بوسعك أن تصل إلى الكويت بسهولة، البصرة مليئة بالأدلاء الذين يتولون تهريبك إلى هناك عبر الصحراء..لماذا لا تذهب؟"
    سمعت زوجته كلام سعد فنقلت بصرها بين وجهيهما وأخذت تهدهد طفلها من جديد.
    -"إنها مغامرة غير مأمونة العواقب! "
    -"غير مأمونة العواقب؟ها! ها! أبو قيس يقول : غير مأمونة العواقب .. هاها "!
    ثم نظر إليها وقال :
    -"أسمعت ما يقول زوجك؟غير مأمونة العواقب ! كأن الحياة شربة لبن! لماذا لا يفعل مثلنا؟ هل هو احسن؟ .."
    لم ترفع بصرها ليه، وكان هو يرجو أن لا تفعل ..
    -"أتعجبك هذه الحياة هنا؟لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ .. حرام ! ابنك قيس، متى سيعود للمدرسة؟وغدا سوف يكبر الآخر .. كيف ستنظر إليه وأنت لم.."
    -"طيب ! كفى! "
    -"لا ! لم يكف! حرام! أنت مسؤول الآن عن عائلة كبيرة، لماذا لا تذهب إلى هناك؟ما رأيك أنت؟"
    زوجته ما زالت صامتة وفكر هو : "غدا سيكبر هو الآخر …" ولكنه قال:
    -"الطريق طويلة، وأنا رجل عجوز ليس بوسعي أن أسير كما سرتم أنت .. قد أموت .. "
    لم يتكلم أحد في الغرفة، زوجته ما زالت تهدهد طفلها.وكف سعد عن إلحاح ولكن الصوت الغليظ انفجر في رأسه هو :
    -"تموت؟ هيه! من قال أن ذلك ليس افضل من حياتك الآن؟ منذ عشر سنوات وأنت تأمل أن تعود إلى شجرات الزيتون العشر التي امتلكتها مرة في قريتك .. قريتك ! هيه! "
    عاد فنظر إلى زوجته:
    -"ماذا ترين يا أم قيس؟"
    حدقت إليه وهمست:
    -"كما ترى أنت…"
    "سيكون بوسعنا أن نعلم قيس.."
    -"نعم"
    -"وقد نشترى عرق زيتون أن اثنين .."
    -"طبعا! "
    -"وربما نبني غرفة في مكان ما .."
    -"اجل"
    -"إذا وصلت ..إذا وصلت.."
    كف، ونظر إليها..لقد عرف أنها سوف تبكي : ترتجف شفتها السفلى قليلا ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويدا رويدا ثم تنزلق فوق خدها المغضن الأسمر..حاول أن يقول شيئا، ولكنه لم يستطع، كانت غصة دامعة تمزق حلقه .. غصة ذات مذاق مثلها تماما حين وصل إلى البصرة وذهب إلى دكان الرجل السمين الذي يعمل في تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، وقف أمامه حاملا على كتفيه كل الذل وكل الرجاء اللذين يستطيع رجل عجوز ان يحملهما.. وكان الصمت مطبقا مطنا حين كرر الرجل السمين صاحب المكتب.
    _"إنها رحلة صعبة، أقول لك، ستكلفك خمسة عشر دينارا."
    -"وهل تضمن أننا سنصل سالمين؟"
    -"طبعا ستصل سالما، ولكن ستتعذب قليلا، أنت تعرف، نحن في آب الآن، الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل … ولكنك ستصل .."
    كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه أحس انه إذا ما اجل ذلك الذي سيقوله فلن يكون بوسعه ان يلفظه مرة اخرى :
    -"لقد سافرت آلافا من الأميال كي اصل إليك، لقد أرسلني سعد، أتذكره؟ ولكنني لا املك إلا خمسة عشر دينارا، ما رأيك ان تاخذ منها عشرة وتترك الباقي لي؟"
    قاطعه الرجل:
    -"إننا لا نلعب .. ألم يقل لك صديقك أن السعر محدود هنا؟ أننا نضحي بحياة الدليل من أجلكم.."
    -"ونحن أيضا نضحي بحياتنا.."
    -"إنني لا أجبرك على هذا "
    -"عشرة دنانير؟"
    -"خمسة عشر دينارا..ألا تسمع؟"
    لم يعد بوسعه أن يكمل، كان الرجل السمين الجالس وراء كرسيه، المتصبب عرقا، يحدق إليه بعينين واسعتين و تمنى هو لو يكف الرجل عن التحديق، ثم أحس بها، ساخنة تملأ مؤقه و على وشك أن تسقط .. أراد أن يقول شيئا لكنه لم يستطع، أحس أن رأسه كله قد امتلأ بالدمع من الداخل فاستدار وانطلق إلى الشارع، هناك بدأت المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع : اتصل أفق النهر بالسماء وصار كل ما حوله مجرد وهج ابيض لا نهائي، عاد، فارتمى ملقيا صدره فوق التراب الندي الذي اخذ يخفق تحته من جديد .. بينما انسابت رائحة الأرض إلى انفه وانصبت في شرايينه كالطوفان.

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    أسعد



    وقف أسعد أمام الرجل السمين صاحب المكتب الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، ثم انفجر:
    -خمسة عشر دينارا سأدفعها لك ! .. لا باس ! ولكن بعد أن اصل وليس قبل ذلك قط ..
    حدق إليه الرجل من وراء جفنيه السمينين وسال ببلاهة :
    -لماذا؟
    -لماذا؟ ها ! لان الدليل الذي سترسلونه معنا سوف يهرب قبل أن نصل إلى منصف الطريق ! خمسة عشر دينارا، لا باس .. ولكن ليس قبل أن نصل ..
    طوى الرجل أوراقا صفراء أمامه وقال بلؤم :
    -أنا لا أجبرك على أي شئ .. أنا لا أجبرك .
    -ماذا تعني؟
    -اعني انه إذا لم تعجبك شروطنا فبوسعك أن تستدير، وخطو ثلاث خطوات، وستجد نفسك في الطريق .
    -الطريق ! .. أتوجد بعد طرق في هذه الدنيا؟ ألم يمسحها بجبينه ويغسلها بعرقه طوال أيام وأيام؟ كلهم يقولون ذلك : ستجد نفسك على الطريق ! .. قال له أبو العبد الذي هربه من الأردن إلى العراق:
    -"ما عليك إلا أن تدول حول الاتشفور، لا باس أن تضرب قليلا إلى الداخل، أنت مازلت فتى وبوسعك أن تتحمل قليلا من القيظ .. ثم عد، وستجدني بانتظارك على الطريق.. "
    -"ولكن هذا لم يكن ضمن الشروط ..لقد قلت لي، ونحن في عمان انك ستأخذني إلى بغداد ودفعت لك عشرين دينارا كاملا .. لم تقل لي أنني سأدور حول الاتشفور.."
    وضرب أبو العبد جناح سيارته المغبر فعلمت أصابعه الخمسة وبان من تحتها لون السيارة الأحمر الفاقع .. كانت السيارة الضخمة واقفة إلى جانب البيت قرب جبل عمان حين تفاوض معه، وهو يذكر تماما كل الشروط التي قيلت :
    -"إنها مهمة صعبة، وسوف يأخذونني إلى السجن لو أمسكوك معي، ورغم ذلك فسوف اقدم لك خدمة كبرى لأنني كنت اعر ف والدك، رحمه الله .. بل أننا قاتلنا سوية في الرملة منذ عشر سنوات .."
    صمت أبو العبد قليلا ..كان قميصه الأزرق ينضح بالعرق وأعطاه وجهه الحاد شعورا بأنه أمام واحد من أولئك الرجال الذين يعتقدون أن اجتراح معجزة ما هو واجب من واجبات رب العائلة :
    -"سآخذ منك عشرين دينارا .. وسوف تجد نفسك في بغداد .. "
    -"عشرون دينارا؟"
    -"نعم! وعليك أيضا أن تساعدني طوال الطريق.
    سنبدأ بعد غد، علي أن اشحن سيارة صغيرة لرجل ثري في بعداد كان قد أمضى شطرا من الصيف في رام الله ثم رأى أن يعود إلى بغداد بالطائرة.."
    -"ولكن.. عشرين دينارا؟"
    نظر إليه أبو العبد بالحاج، ثم انفجر:
    -" إنني أنقذ حياتك بعشرين دينارا .. أتحسب انك ستمضي عمرك مختفيا هنا؟ غدا يلقون القبض عليك.."
    -"ولكن من أين .. احضر لك عشرين دينارا؟"
    -"استدن .. استدن، أي صديق بوسعه أن يعطيك عشرين دينارا إذا عرف بأنك ستسافر إلى الكويت.."
    -"عشرون دينارا؟"
    -"عشرون . عشرون.."
    -"إلى بغداد؟"
    -مباشرة!
    ولكنه كذب عليه، استغل براءته وجهله، خدعه، أنزله من السيارة، بعد رحلة يوم قائظ، وقال له أن عليه أن يدور حول الاتشفور كي يتلافى الوقوع في أيدي رجال الحدود، ثم يلتقيه على الطريق!
    "ولكنني لا اعرف هذه المنطقة ..أتفهم أنت معنى أن أسير كل هذه المسافة حول الاتشفور، في عز الحر؟"
    ضرب أبو العبد جناح سيارته المغبر مرة أخرى، كانا واقفين منفردين قبل ميل من الاتشفور وصاح:
    -ماذا تعتقد؟أن اسمك مسجل في كل نقاط الحدود، إذا رأوك معي الآن، لا جواز سفر ولا سمة مرور .. ومتآمر على الدولة ماذا تعتقد انه سيحدث؟كفاك دلالا .. انك قوي كالثور وبوسعك أن تحرك ساقيك .. سألاقيك وراء الاتشفور على الطريق.
    كلهم يتحدثون عن الطرق .. يقولون : تجد نفسك على الطريق ! وهم لا يعرفون من الطريق إلا لونها الأسود وارصفتها ! وها هو الرجل السمين، المهرب البصراوي يكرر القصة بنفسها.
    -ألا تسمع؟ إنني رجل مشغول جدا . قلت لك : خمسة عشر دينارا وسأوصلك إلى الكويت، طبعا عليم ان تمشي قليلا ولكنك فتى في غأية القوة، لن يضيرك هذا .
    -ولكن لماذا لا تصغي إلى؟ قلت لك إنني سأعطيك المبلغ إذا ما وصلنا إلى الكويت.
    -ستصل ! ستصل!
    -كيف؟
    -إنني اقسم لك بشرفي انك ستصل إلى الكويت!
    -تقسم بشرفك؟
    -اقسم لك بشرفي أنني سأتقيك وراء الاتشفور ! ما عليك إلا أن تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بأنتظارك !
    لقد دار دورة كبيرة حول الاتشفور، كانت الشمس تصب لهبا فوق رأسه، وأحس فيما كان يرتقي الوهاد الصفر، انه وحيد في كل هذا العالم .. جرجر ساقيه فوق الرمل كما لو انه يمشي على رمل الشاطئ بعد أن سحب زورقا كبيرا امتص صلابة ساقيه .. اجتاز بقاعا صلبة من صخور بنية مثل الشظأيا ثم صعد كثبانا واطئة ذات قمم مسطحة من تراب اصفر ناعم كالطحين.. تراهم لو حملوني إلى معتقل الجفر الصحراوي ..هل سيكونالأمرارحم مما هو الآن؟عبث .. عبث.. الصحراء موجودة في كل مكان، كان أبو العبد قد اعطاه كوفيه لف بها رأسه، ولكنها لم تكن ذات جدوى في رد اللهب بل خيل إليه انها اخذة، هي الأخرى، في الاحتراق ..كان الافق مجموعة من الخطوط المستقيمة البرتقالية، ولكنه كان قد عقد عزمه على المسير بجد .. وحتى حينما انقلب التراب إلى صفائح لامعة من ورق اصفر، لم يتباطأ.. وفجأة بدأت الأوراق الصفر تتطأير فانحنى يلمها:
    -شكرا، شكرا ..إن هذه المروحة الملعونة تطير الأوراق من أمامي، ولكن دونها ليس بوسعي أن أتنفس .. ها! ماذا قررت؟.
    -هل أنت متأكد من أن الدليل الذي سترسله معنا لن يهرب؟
    -كيف يهرب أيها الغبي؟ستكونون أكثر من عشرة أشخاص .. لن يكون بوسعه أن يهرب منكم..
    -وإلى أين سيوصلنا؟
    -حتى طريق الجهرة، وراء المطلاع، وهناك ستكونون داخل الكويت..
    -هل سنمشي كثيرا؟.
    -ست أو سبع ساعات فقط..
    بعد أربع ساعات وصل إلى الطريق، كان قد خلف الاتشفور وراءه، وكان الشمس قد سقطت وراء التلال البنية إلا أن رأسه كان ما يزال يلتهب وخيل إليه أن جبينه يتصبب دما .. لقد اقتعد حجرا و ألقى بصره بعيدا إلى راس الطريق الأسود المستقيم، كان رأسه مشوشا تخفق فيه آلاف الأصوات المتشابكة، وبدا له أن بروز سيارة كبيرة حمراء في راس تلك الطريق أمر خيالي وسخيف.. وقف، حدق إلى الطريق من جديد، لم يكن بوسعه أن يرى بوضوح بعد، تراه الغسق أم العرق؟ .كان رأسه ما يزال يطن مثل الخلية، وصاح بملء رئتيه:
    -أبو العبد . يلعن أبوك .. يلعن أصلك..
    -ماذا قلت؟
    -أنا؟ لا شئ، لا شئ .. متى ستبدأ الرحلة؟
    -حال يصير عددكم عشرة .. أنت تعرف، ليس بوسعنا أن نرسل دليلا مع كل واحد منكم، ولذلك فنحن ننتظر حتى يرتفع العدد إلى عشرة أشخاص ونرسل معهم دليلا واحدا .. هل ستعطيني النقود الآن؟
    شد على النقود في جيبه وفكر:"سوف يكون بوسعي أن أرد لعمي المبلغ في اقل من شهر.. هناك في الكويت يستطيع المرء أن يجمع نقودا في مثل لمح البصر.."
    - لا تتفاءل كثيرا، قبلك ذهب العشرات ثم عادوا دون أن يحضروا قرشا…ورغم ذلك سأعطيك الخمسين دينارا التي طلبتها، وعليك أن تعرف أنها جنى عمر..
    إذن لماذا تعطيني النقود إذا كنت متأكدا من أنني لن أعيدها لك؟
    -أنت تعرف لماذا ..الست تعرف؟أنني أريدك أن تبدأ..أن تبدأ ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك ان تتزوج ندى .. انني لا استطيع ان اتصور ابنتي المسكينة تنتظر أكثر.. هل تفهمني؟
    أحس الإهانة تجترح حلقه ورغب في أن يرد الخمسين دينارا لعمه يقذفها بوجه بكل ما في ذراعه من عنف وفي صدره من حقد، يزوجه ندى ! من الذي قال له انه يريد أن يتزوج ندى؟ لمجرد أن أباه قرأ معه الفاتحة حين ولد هو وولدت هي في يوم واحد؟ أن عمه يعتبر ذلك قدرا، بل انه رفض مئة خاطب قدموا ليتزوجوا ابنته، وقال لهم أنها مخطوبة ! يا اله الشياطين ! من الذي قال له انه يريد أن يتزوجها؟من قال له انه يريد أن يتزوج أبدا؟ وها هو الآن يذكره مرة أخرى ! يريد أن يشتريه لابنته مثلما يشري كيس الروث للحقل، شد على النقود في جيبه وتحفز في مكانه.. ولكنه حين لمسها هناك، في جيبه، دافئة ناعمة، شعر بأنه يقبض على مفاتيح المستقبل كله، فلو أتاح الآن لحنقه أن يسيطر عليه ليرجع النقود إلى عمه، إذن لما تيسرت له قط فرصة الحصول على خمسين دينار بأي شكل من الأشكال .. هدأ غضبه مطبقا فمه بإحكام وشد أصابعه على النقود الملتفة في جيب بنطاله، ثم قال :
    -لا، لا، سأسلمك النقود حالما تجهز الرحلة تماما…سوف أراك مرة في كل يوم .. إنني انزل في فندق قريب ..
    ابتسم الرجل السمين، ثم تطاولت ابتسامته فانفجر ضاحكا بصخب:
    - من الخير لك أن لا تضيع وقتك يا بني.. كل المهربين يتقاضون نفس السعر، نحن متفقون فيما بيننا .. لا تتعب نفسك .. وعلى أي حال : احتفظ بنقودك حتى تجهز الرحلة، أنت حر..ما اسم الفندق الذي تنزل فيه؟
    -فندق الشط ..
    -آه! فندق الجرذان! .
    نط جرذ الحقل عبر الطريق فلمعت عيناه الصغيرتان في ضوء السيارة وقالت الفتاة الشقراء لزوجها المنهمك بالسياقة:
    -انه ثعلب ! رأيته؟
    قال الزوج الأجنبي ضاحكا:
    -أف منكن أيتها النساء! تجعلن من الجرذ ثعلبا! .
    كانا قد التقطاه بعد الغروب بقليل بعد أن لوح لهما وهما في سيارتهما الصغيرة، فلما اوقف الزوج السيارة، اطل هو من النافذة .. كان يرجف من فرط البرد،وكانت الزوجة خائفة منه .. إلا انه جمع بذهنه ما تعلمه من اللغة الإنكليزية و قال :
    - لقد اضطر صديقي أن يعود إلى الاتشفور بالسيارة وتركني ..
    قاطعه الرجل :
    -لا تكذب ..أنت هارب من هناك، لا باس، اصعد.. سأوصلك إلى بعقوبة.
    كان المقعد الخلفي مريحا وناولته الفتاة بطانية التفح بها وكان لا يستطيع أن يعرف بالضبط، هل هو يرجف بسبب البرد الصحراوي، أم بسبب الخوف، أم بسبب التعب.. وقال الرجل:
    -هل مشيت كثيرا؟
    -لست ادري.. ربما أربع ساعات..
    -لقد تركك الدليل .. أليس كذلك؟ إن ذلك يحدث دائما .
    التفتت إليه الفتاة وسالت:
    -لماذا تهربون من هناك؟
    أجابها زوجها:
    -إنها قصة طويلة .. قل لي .. هل تجيد قيادة السيارات
    -نعم ..
    -بوسعك أن تأخذ مكاني بعد أن تستريح قليلا .. قد أستطيع أن أساعدك على عبور مركز الحدود العراقي.. سنصل هناك في الثانية بعد منصف الليل، وسيكون المسؤولون نياما.
    لم يكن يستطيع أن يركز رأسه على محور واحد، كان مشوشا ولم يكن بوسعه أن يهتدي إلى أول طريق التساؤلات كي يبدأ، ولذلك حاول جهده أن ينام ولو لنصف ساعة..
    -من أين أنت؟
    -من فلسطين.. من الرملة.
    -أوف .. إن الرملة بعيدة جدا .. قبل أسبوعين كنت في زيتا..أتعرف زيتا؟ لقد وقفت أمام الأسلاك الشائكة، فاقترب مني طفل صغير وقال بالإنكليزية أن بيته يقع على بعد خطوات وراء الأسلاك ..
    -هل أنت موظف؟
    -موظف؟ ها ! إن الشيطان نفسه تأبى عليه براءته أن يكون موظفا.كلا يا صديقي .. أنا سائح..
    -"انظر .. انظر، انه ثعلب آخر .. ألم تر إلى عينيه كيف تتقدان؟"
    -"يا عزيزتي انه جرذ ..جرذ.. لماذا تصرين على انه ثعلب؟هل سمعت ما حدث أخيرا هناك، قرب زيتا؟"
    -"كلا..ماذا حدث؟"
    -"الشيطان لا يعرف ماذا حدث ! هل ستستقر في بغداد؟"
    "كلا.."
    -"أوف! إن هذه الصحراء مليئة بالجرذان، تراها ماذا تقتات؟"
    أجاب بهدوء:
    -"جرذان اصغر منها.."
    قالت الفتاة:
    -"حقا؟ انه شئ مرعب؟ الجرذ نفسه حيوان مرعب كريه.."
    قال الرجل السمين صاحب المكتب:
    -"الجرذ حيوان كريه .. كيف بوسعك أن تنام في ذلك الفندق؟"
    -"انه رخيص."
    نهض الرجل السمين صاحب المكتب واقترب منه ثم وضع ذراعه الثقيلة فوق كتفيه :
    -"تبدو متعبا أيها الفتى.. ماذا حدث؟هل أنت مريض؟"
    -"أنا؟كلا! "
    -"إذا كنت مريضا قل لي.. قد أستطيع أن أساعدك .. لي كثير من الأصدقاء يعملون أطباء ..و اطمئن، لن تدفع شيئا .."
    -"بارك الله فيك، ولكنني تعب قليلا.. هذا كل ما في الأمر.. هل سيتأخر أعداد الرحلة؟"
    -"كلا، نحمد الله أنكم كثر .. خلال يومين ستجد نفسك على الطريق .. "
    أدار ظهره واتجه إلى الباب، ولكن قبل أن يجتازه سمع الرجل السمين يقهقه من وراء كتفيه:
    -"… لكن حاذر أن تأكلك الجرذان قبل أن تسافر

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    مروان


    خرج مروان من دكان الرجل السمين الذي يتولى تهريب الناس من البصرة إلى الكويت، فوجد نفسه في الشارع المسقوف المزدحم الذي تفوح منه رائحة التمر وسلال القش الكبيرة .. لم تكن لديه أية فكرة محددة عنة وجهته الجديدة .. فهناك، داخل الدكان، تقطعت آخر خيوط الأمل التي شدت، لسنوات طويلة، كل شئ في داخله ..كانت الكلمات الأخيرة التي يلفظها الرجل السمين حاسمة ونهائية، بل خيل إليه انها كانت مصبوبة من رصاص:
    -خمسة عشر دينارا .. ألا تسمع؟
    - ولكن…
    -أرجوك ! أرجوك ! لا تبدأ بالنواح ! كلكم تأتون إلى هنا ثم تبدأون بالنواح كالأرامل! .. يا أخي، يا روحي .. لا أحد يجبرك على الالتصاق هنا، لماذا لا تذهب و تسال غيري، البصرة مليئة بالمهربين !
    طبعا سيذهب ويسال غيره، لقد قال له حسن – الذي اشتغل في لكويت أربع سنين –أن تهريب الفرد الواحد من البصرة إلى الكويت يكلف خمسة دنانير فقط لا غير، وانه يجب أن يكون- حين يمثل أمام المهرب- اكبر من رجل وأكثر من شجاع وإلا ضحك عليه وخدعه واستغل سنيه الست عشرة وجعل منه ألعوبة .
    -قالوا أن سعر الواحد خمسة دنانير.
    -خمسة دنانير؟هاها! كان ذلك قبل أن تزف حواء إلى ادم .. يا بني، استدر، واخط ثلاث خطوات، وستجد نفسك في الطريق غير مطرود!
    جمع شجاعته كلها وحشدها في لسانه، كل ما تبقى في جيبه لا يزيد عن السبعة دنانير، ولقد كان يحسب قبل هنيهة انه غني.. أما الآن .. أتراه يستصغره؟
    -سوف تأخذ مني خمسة دنانير وأنت مبسوط .. وإلا ..
    -وإلا ماذا؟
    -وإلا فضحتك في مخفر الشرطة! .
    قام الرجل السمين ودار حول كتبه ثم وقف أمامه وهو يلهث و يتصبب عرقا .. حدق فيه هنيهة قاسه فيها من رأسه حتى قدميه ثم رفع يده الثقيلة في الهواء..
    -تريد أن تشكوني إلى الشرطة يا ابن ألـ…
    وهوت اليد الثقيلة فوق خده، فضاعت الكلمة في طنين شيطاني اخذ يدور بين إذنيه.. لم يستطع أن يحتفظ بتوازنه للحظة فخطا إلى الوراء خطوتين صغيرتين، ووصله صوت الرجل السمين مبحوحا بالغضب : -اذهب وقل للقواويد انني ضربتك .. تشكوني للشرطة؟
    تحفز في مكانه لبرهة وجيزة، ولكنها كانت كافية ليكتشف فيها عبث أية محاولة يقوم بها لترميم كرامته، بل انه أحس حتى عظامه .. بأنه قد اخطأ ـ خطأ ـ لا يغتفر، فاخذ يمضغ ذله وعلامات الأصابع فوق خده الأيسر تلتهب..
    -ماذا تراك تنتظر هنا؟
    دار على عقبيه، واجتاز الباب إلى الخارج فصفعت انفه روائح التمر وسلال القش الكبيرة .. تراه ماذا سيفعل الآن؟لم يكن يريد أن يسال السؤال لنفسه قط .. ولكنه ليس يدري لماذا كان يحس بنوع من الارتياح .. ترى ما السبب في ذلك؟لقد احب ان يشغل نفسه بالتقصي عن السبب .. ثمة شعور يملا جانبا من رأيه ويوحي له بالارتياح والسعادة، ولكنه لم يكن ليستطيع ان يفصله عن كل الاحداث المؤسية التي احتشدت في صدره خلال نصف الساعة الماضي .. وحين أنتهت كل محاولاًته إلى الفشل اتكأ على الحائط.. كانت جموع الناس تعبر حوإليه دون ان تلتفت إليه، ربما يحدث هذا للمرة الأولى في حياته:
    ان يكون منفردا وغريبا في مثل هذا الحشد من البشر ولكنه كان يريد ان يعرف سبب ذلك الشعور البعيد الذي يوحي له الاكتفاء والارتياح، شعور يشابه ذاك الذي كان يراوده بعد ان ينتهي من مشاهدة فيلم سينمائي فيحس بان الحياة كبيرة وواسعة وانه سوف يكون في المستقبل واحدا من أولئك الذين يصرفون حياتهم، لحظة اثر لحظة وساعة اثر ساعة بامتلأء وتنوع مثيرين .. ولكن ما السب في كونه يحس الآن مثل ذلك الشعور رغم انه لم يشاهد منذ زمن بعيد فيلما من ذلك النوع، ورغم ان خيوط الامل التي نسجت في صدره احلاما كبارا قد تقطعت، قبيل لحظات، داخل دكان الرجل السمين؟.
    لا فائدة .. يبدو انه لن يستطيع اختراق الحجاب الكثيف من خيبة الامل الذي ارتفع دونه ودون ذلك الشعور الملتف على نفسه في مكان ما من رأسه .. وقرر، فيا بعد، ان لا يرهق رأسه قط .. وان يشغل نفسه بالمسير .. ولكنه ما ان ترك الجدار وبدا يمشي في الزحام حتى شعر بيد تربت على كتفيه ,,
    -لا تياس إلى هذا الحد …إلى أين ستذهب الآن؟
    كان الرجل الطويل قد بدأ يسير إلى جانبه بالفه، وحين نظر اله خيل له انه قد شاهده في مكان ما من قبل، ولكنه رغم ذلك، ابتعد عنه خطوة وصب فوق وجهه عينين متسائلتين، فقال الرجل:
    -انه لص شهير.. ما الذي قادك إليه؟
    اجاب بعد تردد قصير:
    -كلهم ياتون إليه..
    اقترب الرجل منه وشبك ذراعه بذراعه كانه يعرفه منذ زمن بعيد:
    -اتريد ان تسافر إلى الكويت؟
    -كيف عرفت؟
    لقد كنت واقفا إلى جانب باب تلك الدكان، وشهدتك تدخل ثم شهدتك تخرج..ما اسمك؟
    -مروان .. وأنت؟
    -انهم ينادونني "أبو الخيزران."
    لأول مرة منذ راه لاحظ الآن ان منظره يوحي حقا بالخيزران، فهو رجل طويل القامة جدا، نحيل جدا،ولكن عنقه وكفيه تعطي الشعور بالقوة والمتانة وكان يبدو لسبب ما انه بوسعه ان يقوس نفسه، فيضع رأسه بين قدميه دون ان يسبب ذلك أي ازعاج لعموده الفقري او بقية عظامه.
    -حسنا، ماذا تريد مني؟
    تجاهل أبو خيزران السؤال بسؤال من عنده:
    -لماذا تريد ان تسافر إلى الكويت؟
    -اريد ان اشتغل .. أنت تعرف كيف تجري الامور هناك .. منذ شهور طويلة وأنا.
    صمت فجأة ووقف.
    الآن، فقط، عرف منشا ذلك الشعور بالارتياح والاكتفاء الذي لم يكن بوسعه، قبل دقائق، ان يكتشفه .. انه ينفتح أمام عينيه بكل اتساعه وصفائه، بل انه هدم، بشكل رائع كل سدود الكآبة التي حالت بينه وبين معرفته .. وها هو الآن يمتلكه من جديد بسطوة لا مثيل لها قط .. كان أول شئ فعله ذلك الصباح الباكر هو كتابة رسالة طويلة إلى امه .. وانه يشعر الآن بمزيد من الارتياح لانه كتب تلك الرسالة قبل ان تخيب اماله كلها في دكان الرجل السمين فيضيع صفاء الفرح الذي صبه في تلك الرسالة .. لقد كان بديعا ان يعيش بعض ساعة مع امه.
    نهض باكرا جدا ذلك الصباح.. كان الخادم قد رفع السرير إلى سطح الفندق لان النوم داخل الغرفة في مثل ذلك القيظ وتلك الرطوبة امر مستحيل .. وحينما اشرقت الشمس فتح عينيه .. كان الجو رائعا وهادئا وكانت السماء مازالت تبدو زرقاء تحوم فيها حمامات سود على علو منخفض ويسمع رفيف اجنحتها كلما اقتربت- في دورتها الواسعة-من سماء الفندق.. كان الصمت مطبقا بكثافة، والجو يعبق برائحة رطوبة مبكرة صافية .. مد يده إلى حقيبته الصغيرة الموضوعة تحت السرير فاخرج دفترا وقلما ومضى يكتب رسالة إلى امه وهو مستلق هناك.
    كان ذلك احسن ما فعله خلال الشهور، لم يكن مجبرا على فعله، ولكنه كان يريد ذلك بملء رغبته وارادته .. كان مزاجه رائقا، وكانت الرسالة تشبه صفاء تلك السماء فوقه .. ليس يدري كيف اجاز لنفسه ان يصف أباه بانه مجرد كلب منحط ولكنه لم يشا ان يشطب ذلك بعد ان كتبه، لم يكن يريد ان يشطب أية كلمة في الرسالة كلها.. ليس لان امه تتشاءم من الكلمات المشطوبة فقط، بل لانه كان لا يريد ذلك أيضا و ببساطة.
    ولكنه –على أي حال –لا يحقد على ابيه إلى ذلك الحد.. صحيح ان أباه قام بعمل كريه، ولكن من منا لا يفعل ذلك بين الفينة والأخرى؟انه يستطيع ان يفهم بالضبط ظروف والده، وبوسعه ان يغفر له .. ولكن هل بوسع والده ان يغفر لنفسه تلك الجريمة؟
    "ان يترك اربعة اطفال. ان يطلقك أنت بلا أي سبب، ثم يتزوج من تلك الإمرأه الشوهاء .. هذا امر لن يغفره لنقسه حين يصحو، ذات يوم، ويكتشف ما فعل .
    انني لا اريد ان اكره احدا، ليس بوسعي ان افعل ذلك حتى لو اردت .. ولكن لماذا فعل ذلك، معك أنت؟ أنا اعرف انك لا تحبين لاحد منا ان يحكي عنه، اعرف .. ولكن لماذا تعتقدين انه فعل ذلك؟
    لقد مضى كل شئ الآن وراح ولا امل لنا بان نستعيده مرة اخرى .. ولكن لماذا فعل ذلك؟ دعينا نسال، لماذا؟
    أنا سوف اقول لك لماذا .. منذ ان انقطعت عنا اخبار اخي زكريا اختلف الوضع نهائيا.. كان زكريا يرسل لنا من الكويت، كل شهر حوالي مئتي روبية .. كان هذا المبلغ يحقق لابي بعض الاستقرار الذي يحلم به .. ولكن حين انقطعت اخبار زكريا-نرجو ان يكون ذلك خيرا– ماذا تعتقدين انه فكر؟
    لقد قال لنفسه –بل قال لنا كلنا- ان الحياة امر عجيب وان الرجل يريد ان يستقر في شيخوخته لا ان يجد نفسه مجبر على اطعام نصف دزينة من الافواه المفتوحة .. الم يقل ذلك؟ زكريا راح .. زكريا، ضاعت اخباره، من الذي سيطعم الأفواه؟ من الذي سيكمل تعليم مروان ويشتري ملابس مي ويحمل خبزا لرياض وسلمى وحسن؟ من؟
    انه رجل معدم، أنت تعرفين ذلك .. لقد كان طموحه كله .. كال طموحه، هو ان يتحرك من بيت الطين الذي يشغله في المخيم منذ عشر سنوات ويسكن تحت سقف من اسمنت، كما كان يقول .. الآن، زكريا راح .. اماله كلها تهاوت .. احلامه انهارت .. مطامحه ذابت.. فماذا تعتقدين انه سيفعل؟
    لقد عرض عليه صديقه القديم والد شفيقه ان يتزوجها. قال له انها تمتلك بيتا من ثلاث غرف في طرف البلد، دفعت ثمنه من لك النقود التي جمعتها لها منظمة خيرية.. وأبو شفيقة يريد شيئا واحدا: ان يلقي حمل ابنته-التي فقدت ساقها اليمنى اثناء قصف يافا- على كاهل زوج! انه على عتبة قبره ويريد ان يهبطه مطمئنا على مصير ابنته التي رفضها الجميع بسبب تلك الساق المبتورة من اعلى الفخذ.. لقد فكر والدي بالأمر: لو اجر غرفتين وسكن مع زوجته الكسحاء في الثالثة إذن لعاش ما تبقى له من الحياة مستقرا غير ملاحق بأيما شئ .. واهم من ذلك ..تحت سقف من اسمنت ..
    -اتريد ان تبقى واقفا هنا إلى الابد؟
    نفض رأسه وسار.. كان "أبو الخيزران"ينظر إليه من طرف حدقتيه، وخيل إليه انه على وشك ان يبتسم ساخرا.
    -ما بالك تفكر بهذا الشكل؟ ان التفكير غير ملائم لك يا مروان، مازلت صغير السن .. والحياة طويلة..
    وقف مرة اخرى والقى برأسه إلى الوراء قليلا:
    -والآن .. ماذا تريد مني؟.
    واصل "أبو الخيزران" المسير فلحق به من جديد:
    -استطيع ان اهربك إلى الكويت ..
    -كيف؟
    هذا شاني أنا.. أنت تريد ان تذهب إلى الكويت اليس كذلك؟ ها هو ذا إنسان بوسعه ان ياخذك إلى هناك .. ماذا تريد غير ذلك؟
    -كم ستأخذ مني؟
    -هذا ليس مهما في الواقع ..
    انه المهم.
    ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة فانشقت شفتاه عن صفين من الاسنان الكبيرة الناصعة البيضاء ثم قال :
    -ساخبرك الأمر بكل صراحة.. أنا رجل مضطر للذهاب إلى الكويت، قلت لنفسي: لا بأس من ان ارتزق فاحمل معي بعض من يريد ان يذهب إلى هناك..كم بوسعك ان تدفع؟
    -خمسة دنانير..
    -فقط؟
    -لا املك غيرها.
    -حسنا، ساقبلها ..
    وضع أبو الخيزران يديه في جيبه ومضى يسير بخطوات واسعة حتى اوشك مروان ان يضيعه، فاضطر إلى اللحاق به مسرعا، الا ان أبا الخيزران وقف فجأة وهز اصبعه أمام فمه:
    -ولكن! لا تقل ذلك لأي إنسان .. اعني إذا طلبت من رجل اخر عشرة دنانير فلا تقل له انني اخذت منك خمسة فقط..
    -ولكن كيف تريدني ان اثق بك؟
    فكر أبو الخيزران قليلا ثم عاد فابتسم تلك الابتسامة الواسعة وقال:
    -معك حق! ستعطيني النقود في ساحة الصفاة في الكويت ..في العاصمة.. في منتصف العاصمة، مبسوط؟
    -موافق!
    -ولكننا سنحتاج إلى عدد اخر من المسافرين .. وعليك ان تساعدني، هذا شرط.
    -انني اعرف واحدا ينزل معي في الفندق ويرغب في السفر.
    -هذا رائع، أنا اعرف واحدا اخر .. انه من بلدتي في فلسطين أيام زمان قابلته صدفة هنا .. ولكنني لم اسالك ماذا تريد ان تفعل في الكويت .. هل تعرف احداً؟
    وقف مرة اخرى، الا ان أبا الخيزران شده من ذراعه فعاد يخب إلى جانبه ..
    -ان اخي يعمل هناك .
    هز أبو الخيزران رأسه فيما كان يسير متعجلا ثم رفع كتفيه فغاصت عنقه وبدا اقصر من ذي قبل..
    -وإذا كان اخوك يشتغل هناك .. فلماذا تريد أنت ان تشتغل؟ الذين في سنك مازالوا في المدارس! ..
    -لقد كنت في المدرسة قبل شهرين، ولكنني اريد ان اشتغل الآن كي أعيل عائلتي..
    وقف أبو الخيزران ثم رفع كفيه من جيبه وثبتهما على خصريه واخذ يحدق إليه ضاحكا..
    -ها! لقد فهمت الآن .. اخوك لم يعد يرسل لكم نقوداً، اليس كذلك؟
    هز مروان رأسه وحأول ان يسير، الا ان أبا الخيزران شده من ذراعه فاوقفه ..
    -لماذا؟ هل تزوج؟
    حدق مروان إلى ابي الخيزران مشدوها ثم همس:
    -كيف عرفت؟
    -ها! إلى لا يحتاج إلى ذكاءه خارق، كلهم يكفون عن ارسال النقود إلى عائلاتهم حين يتزوجون أو يعشقون ..
    أحس مروان بخيبة أمل صغيرة تنمو في صدره، لا لانه فوجئ، بل لانه اكتشف ان الأمر شائع ومعروف، لقد كان يحسب انه يخنق صدره على سر كبير لا يعرفه غيره: حجبه عن أمه وعن أبيه طوال شهور وشهور .. وها هو الآن يبدو على لسان ابى الخيزران كانه قاعدة معروفة وبديهية..
    -ولكن .. لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يتنكرون لـ…
    صمت فجأة، كان أبو الخيزران قد بدا يضحك :
    -أنا مبسوط انك ستذهب إلى الكويت لانك ستتعلم هناك اشياء عديدة .. أول شئ ستتعلمه هو ان: القرش ياتي أولا، ثم الاخلاق .
    -حين تركه أبو الخيزران على امل لقاء بعد الظهر كان قد فقد –من جديد- كل تلك المشاعر الرائعة التي كانت تغسله، من الداخل طوال الصباح .. بل انه استغرب كيف تكون تلك الرسالة التي كتبها لامه قد اعطته الشعور الرائق الذي جعل خيبة امله تبدو اقل قيمة مما هي في الواقع .. رسالة سخيفة كتبها تحت وطاة الشعور بالوحدة والامل على سطح فندق حقير مرمي في طرف الكون.. ما هو الخارق في الأمر؟ أيحسب ان امه لا تعرف القصة كلها؟ ماذا كان يريد ان يقول؟ اكان يريد ان يقنعها بان هجران زوجها لها ولأولادها امر رائع وطبيعي؟
    إذن لماذا كل تلك الثرثرة؟ انه يحب والده حبا خارقا لا يتزعزع.. ولكن هذا لا يغير شيئا من الحقيقة الراعبة .. الحقيقة التي تقول ان أباه قد هرب .. هرب .. هرب.. تماما كما فعل زكريا الذي تزوج وارسل له رسالة صغير قال له فيها ان دوره قد اتى، وان عليه ان يترك تلك المدرسة السخيفة التي لا تعلم شيئا وان يغوص في المقلاة مع من غاص..
    كل عمره كان على طرفي نقيض مع زكريا.. بل انهما كأنا-في الواقع –يكرهان بعضهما .. زكريا لم يكن يستطيع ان يفهم قط لماذا يتوجب عليه ان يصرف على العائلة طوال عشر سنوات بينما يروح مروان ويجئ إلى المدرسة مثل الاطفال.. وكان هو يريد ان يصبح طبيبا .. كان يقول لامه ان زكريا لن يفهم قط معنى ان يتعلم الإنسان لانه ترك المدرسة حين ترك فلسطين وغاص منذ ذاك، في المقلاة، كما يحب ان يقول.
    وها هو الآن قد تزوج دون ان يقول ذلك لاحد غيره، كانه كان يريد ان يضعه أمام ضميره وجها لوجه .. ولكن ماذا ترك له ليختار. لا شئ غير ان يترك المدرسة ويعمل، يغوص في المقلاة من هنا وإلى الابد!
    لا باس ! لا باس .. أيام قليلة ويصل إلى الكويت .. إذا ساعده زكريا كان ذلك افضل، إذا تجاهله فلسوف يعرف كيف يهتدي إلى أول الطريق كما اهتدى الكثيرون.. ولسوف يرسل كل قرش يحصله إلى امه، سوف يغرقها ويغرق اخوته بالخير حتى يجعل من كوخ الطين جنة الهية .. ويجعل أباه ياكل اصابعه ندما!
    ورغم ذلك، فانه لا يكره أباه إلى هذا الحد، لسبب بسيط هو ان أباه مازال يحبهم جميعا .. لقد تاكد من ذلك تماما حين ذهب إليه يودعه قبل ان يسافر، لم يقل لامه انه سيذهب إلى بيت شفيقة والا لكانت جنت .. قال له أبوه هناك:
    -أنت تعرف يا مروان بان لا يد لي في إلى، هذا شئ مكتوب لنا منذ بدء الخليقة.
    قالت شفيقة:
    -قلنا لامك ان تاتي وتسكن هنا لكنها لم تقبل .. ماذا تريدنا ان نفعل أكثر من ذلك؟
    كانت جالسة فوق بساط من جلد ماعز، وكان العكاز ملقى إلى جانبها، وفكر هو: "ترى أين ينتهي فخذها؟" كان وجهها جميلا ولكنه حاد الملامح مثل وجه كل أولئك المرضى الذي لا يرجى لهم الشفاء، وكانت شفتها السفلى مقوسة كانها على وشك ان تبكي ..
    قال أبوه:
    -خذ، هذه عشرة دنأينر .. قد تنفعك .. واكتب لنا دائما.
    حين قام رفعت شفيقة ذراعها في الهواء ودعت له بالتوفيق، كان صوتها فاجعا وحين التفت إليها قبل ان يجتاز الباب بدأت تشهق بالبكاء . وقال له أبوه:
    -وفقك الله يا مروان يا سبع.
    وحاول أن يضحك إلى انه لم يستطع فاخذ يربت بكفه الكبيرة الخشنة على ظهره بينما تناولت شفيقة عكازها واستوت واقفة بحركة سريعة، كانت قد كفت عن البكاء.
    صفق الباب وراءه وسار . كان مازال يسمع صوت عكاز شفيقة يقرع البلاط برتابة، وعند المنعطف تلاشى الصوت

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الصفقة


    اقتاد مروان زميله أسعد إلى موعده مع إلى الخيزران، وصلا متاخرين قليلا فوجدا أبا الخيزران بإنتظارهما، جالسا مع ابي قيس فوق مقعد اسمنت كبير على رصيف الشارع الموازي للشط.
    -لقد اجتمعت العصابة كلها الآن، أليس كذلك؟
    صاح أبو الخيزران ضاحكا وهو يضرب كتف مروان بكفه ويمد الأخرى ليصافح أسعد.
    -هذا هو صديقك إذن .. ما اسمه؟
    أجاب مروان باقتضاب:
    -أسعد.
    دعني إذن أعرفكما على صديقي العجوز .. "أبو قيس.."
    وبهذا تكون العصابة قد اكتملت .. لا باس أن تزداد واحدا .. ولكنها الآن كافية أيضا.
    قال أسعد:
    -يبدو لي انك فلسطيني.. أأنت الذي سيتولى تهريبنا؟
    -نعم، أنا .
    -كيف؟
    -هذا شأني أنا ..
    ضحك أسعد بسخرية ثم قال ببطء شادا على كلماته بعنف:
    -لا يا سيدي .. انه شاننا نحن .. يجب أن تحكي لنا كل التفاصيل، لا نريد متاعب منذ البدء.
    قال أبو الخيزران بصوت حاسم :
    -سأحكي لكم التفاصيل بعد أن نتفق، وليس قبل ذلك ..
    قال أسعد :
    -لا يمكن أن نتفق قبل أن نعرف التفاصيل، ما رأي الشباب؟
    لم يجب أحد، فأكد أسعد من جديد:
    -ما رأي العم أبو قيس؟
    قال أبو قيس:
    -الرأي رأيكم ..
    -ما رأيك يا مروان؟
    -أنا معكم.
    قال أسعد بعنف:
    -إذن، دعونا نختصر الوقت .. يبدو لي أن العم أبو قيس غير خبير بالأمر، اما مروان فانها تجربته الأولى . أنا عتيق في هذه الصنعة، ما رأيكم ان اتفاوض عنكم؟
    رفع أبو قيس كفه في الهواء موافقا، وهز مروان رأسه، فالتفت أسعد إلى أبى الخيزران ..
    -لقد رأيت : الشباب سلموني الأمر، فدعني أقول لك شيئا : إننا من بلد واحد. نحن نريد أن نرتزق وأنت تريد أن ترتزق،لا باس، ولكن يجب أن يكون الأمر في منتهى العدل ..سوف تحكي لنا بالتفصيل كل خطوة، وسوف تقول لنا بالضبط كم تريد، طبعا سنعطيك النقود بعد أن نصل وليس قبل ذلك قط..
    قال أبو قيس:
    -الأخ أسعد يحكي الحق .. يجب أن نكون على بينة من الأمر، وكما يقول المثل: ما يبدأ بالشرط ينتهي بالرضا .
    رفع أبو الخيزران كفيه من جيبيه ووضعهما على خصريه، ثم نقل بصره فوق الوجوه جميعا ببطء وببرود حتى قر قراره فوق وجه أسعد:
    -أولا، كل واحد منكم سيدفع عشرة دنانير .. موافقون؟
    قال أبو قيس:
    -أنا موافق.
    قال أسعد:
    -أرجوك ..لقد سلمتني الأمر إذن دعني احكي ..
    عشرة دنانير مبلغ كبير، إن المهرب المحترف يأخذ خمسة عشرة دينارا .. ثم..
    قاطعه أبو الخيزران :
    -لقد اختلفنا إذن قبل أن نبدأ، هذا ما كنت أخشاه .. عشرة دنانير لا تنقص فلسا ..السلام عليكم .
    أدار ظهره وخطا خطوتين بطيئتين قبل أن يلحقه أبو قيس صائحا:
    -لماذا غضبت؟ الموضوع سؤال وجواب والاتفاق أخو الصبر..
    -حسنا، نعطيك عشرة دنانير .. ولكن كيف ستأخذنا؟
    -ها! نحن الآن في شغل الجد .. اسمع .
    جلس أبو الخيزران على مقعد الأسمنت ووقف الثلاثة حواليه ومضى يشرح مستعينا بيديه الطويلتين:
    -لدي سيارة مرخصة لاجتياز الحدود .. ها ! يجب أن تنتبهوا : إنها ليست سيارتي .. أنا رجل فقير أكثر منكم جميعا وكل علاقتي بتلك السيارة انني سائقها! صاحب هذه السيارة رجل ثري معروف، ولذلك فانها لا تقف كثيرا على الحدود، ولا تتعرض للتفتيش، فصاحب السيارة معروف ومحترم، والسيارة نفسها معروفة ومحترمة وسائق السيارة، تبعا لذلك، معروف ومحترم..
    كان أبو الخيزران سائقا بارعا، فقد خدم في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 1948 أكثر من خمس سنوات، وحين ترك الجيش وانضم إلى فرق المجاهدين كان معروفا بأنه أحس سائق للسيارات الكبيرة يمكن أن يعثر عليه، ولذلك استدعاه مجاهدوا الطيرة ليقود مصفحة عتيقة كان رجال القرية قد استولوا عليها اثر هجوم يهودي .. ورغم انه لم يكن خبيرا في قيادة المصفحات إلا انه لم يخيب آمال أولئك الذين وقفوا على جانبي الطريق يتفرجون عليه وهو يدخل من الباب المصفح الصغير ويغيب لحيظات، ثم يهدر المحرك بالضجيج وتمضي المصفحة تدرج في الطريق الرملي الضيق . إلا أن المصفحة ما لبثت أن تعطلت، ولم تجد كل المحاولاًت التي بذلها أبو الخيزران لإعادتها إلى سيرتها السوية .. وإذا كانت خيبة أمل الرجال كبيرة، فان خيبة أمله كانت اكبر، ولكن أبا الخيزران –على أي حال –أضاف إلى تجاربه في عالم المحركات تجربة أخرى، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أن هذه التجربة لم تنفعه حين انضم إلى سائقي سيارات الحج رضا في الكويت؟
    لقد استطاع ذات يوم أن يقود سيارة ماء جبارة أكثر من ست ساعات في طريق ملحي موحل دون أن تغوص في الأرض وتتعطل مثلما حدث لجميع سيارات القافلة.. كان الحج رضا قد خرج مع عدد من رجاله إلى الصحراء ليغيبوا عدة أيام في القنص ..إلا أن الربيع كان خادعا، وأثناء عودتهم كانت الطريق تبدو بيضاء صلدة، وهذا ما دفع سائقي السيارات لاقتحامها دون وجل، وهناك بدأت السيارات، الكبيرة والصغيرة، تغوص في الوحل واحدة اثر الأخرى..
    إلا أن أبا الخيزران، الذي كان يقود سيارته الجبارة خلف الجميع واصل السير ببراعة ودون أن يتعطل ثانية واحدة وحين شارف سيارة الحج رضا الرمادية الغارقة حتى ثلاثة أرباع عجلاتها الو رائية في الوحل، أوقف سيارته وهبط ثم اقترب من الحج وقال له :
    -ما رأي عمي الحج رضا أن يصعد إلى سيارتي؟ان أنتشال هذه السيارات يستلزم أكثر من اربع ساعات، وفي هذا الوقت يكون عمي الحج رضا قد وصل إلى بيته .
    قال الحج رضا :
    -تمام ! إن صوت محرك سيارتك ارحم من الوقوف هنا مدة أربع ساعات.
    قاد أبو الخيزران سيارته الضخمة طوال ست ساعات فوق تلك الأرض الخادعة التي تبدو بيضاء صلدة بسبب طبقة رقيقة من الملح الذي جف على السطح، وكان أبو الخيزران، طوال الطريق، يحرك مقود سيارته حركات خفيفة وسريعة ذات اليمين وذات اليسار كي تستطيع العجلتان الأماميتان أن تفتحا طريقا اوسع قليلا من حاجتهما..
    لقد سر الحج رضا للغاية من براعة أبى الخيزران وتحدث بذلك لكل أصدقائه طوال شهور .. وقد سر الحج أكثر حين نما إليه أن أبا الخيزران رفض عروضا عديدة للعمل عند سواه، بعد أن تفشت هذه الأخبار، واستدعاه وأثنى عليه ثم زوّد راتبه قليلا .. ما هو أهم من ذلك أن الحج رضا بات يشترط أن يكون أبو الخيزران رفيقا ضروريا لكل رحلة قنص أو سفر بعيد.
    منذ أسبوع خرج الحج رضا في قافلة من سياراته إلى رحلة قنص أقامها خصيصا من اجل ضيوف ينزلون عنده، وقد كلف أبو الخيزران بقيادة سيارة الماء الكبيرة التي سترافق القافلة طوال الرحلة وتؤمن الماء الوفير للرجال أثناء الرحلة التي قد تستغرق أكثر من يومين .. لقد ضربت القافلة بعيدا في الصحراء حتى أن الحج رضا فضل أن يسلك في طرق عودته دروبا أخرى تصل به إلى الزبير، ومن الزبير يستطيع أن يسلك الطريق الرئيسي الذي يعود إلى الكويت .. كان من الممكن أن يكون أبو الخيزران الآن في الكويت، مع بقية القافلة لو لم يصب سيارته الكبيرة عطل صغير يضطره للبقاء في البصرة يومين آخرين حتى يصلحه، ثم يلحق بمن سبق .
    -أنت تريد إذن أن تضعنا داخل خزان ماء سيارتك في طريق عودتك؟
    -بالضبط ! لقد قلت لنفسي : لماذا لا تنتهز الفرصة فترتزق بقرشين نظيفين طالما أنت هنا، وطالما أن سيارتك لا تخضع للتفتيش؟
    نظر مروان إلى آبي قيس، ثم إلى أسعد فنظرا إليه بدورهما متسائلين :
    -اسمع يا أبا الخيزران .. هذه اللعبة لا تعجبني! هل تستطيع أن تتصور ذلك؟في مثل هذا الحر من يستطيع ان يجلس في خزان ماء مقفل؟
    -لا تجعل من القضية مأساة، هذه ليست أول مرة ..هل تعرف ما الذي سيحدث؟ستنزلون إلى الخزان قبل نقطة الحدود في صفوان بخمسين مترا، ساقف على الحدود اقل من خمس دقائق، بعد الحدود بخمسين مترا ستصعدون إلى فوق.. وفي المطلاع على حدود الكويت، سنكرر المسرحية لخمس دقائق اخرى، ثم هوب! ستجدون انفسكم في الكويت!
    هز أسعد رأسه ثم حدق إلى الأرض لبرهة وقد قلب شفته السفلى، أما مروان فقد اخذ يتلهى بقصف عود جاف، وواصل أبو قيس التحديق إلى السائق طويل القامة.. وفجأة قال مروان :
    -هل يوجد ماء في الخزان؟
    انفجر أبو الخيزران ضاحكا وابتسم أسعد:
    -طبعا لا .. ماذا تعتقد؟ هل أنا مهرب أم معلم سباحة؟
    وكأنما راقت الفكرة لأبي الخيزران فقد مضى يقهقه ويضرب فخذيه بكفيه ويدور حول نفسه..
    -ماذا تعتقد؟ هل أنا معلم سباحة؟أيها الصغير : أن الخزان لم ير الماء منذ ستة شهور!
    قال أسعد بهدوء :
    -حسبت انك كنت تنقل الماء في رحلة قنص قبل أسبوع؟
    -أوف .. أنت تعرف، تعرف ماذا اقصد .
    -لا، لا اعرف.
    -اقصد منذ ستة أيام ..إن المرء يبالغ أحيانا .. والآن، هل اتفقنا؟..دعونا ننهي هذا الاجتماع الخطير ! .
    وقف أبو قيس مهيئا نفسه للقول الفصل، ولكنه قبل أن ينطق دور بصره على الجميع وتوقف هنيهة وهو ينظر إلى أسعد كأنه يرجوه العون، ثم اقترب من أبي الخيزران.
    -اسمع يا أبا الخيزران .. أنا رجل درويش ولا افهم بكل هذه التعقيدات .. ولكن قصة رحلة القنص تلك، لم تعجبني.
    تقول انك حملت للحج رضا ماء، ثم تقول الآن أن خزان سيارتك لم يشم رائحة الماء منذ ستة اشهر . سأقول لك الحقيقة و وأرجو أن لا تغضب : أنا اشك في انك تملك سيارة ..
    التفت أبو قيس للبقية ومضى يكمل بصوت خزين :
    -أنا افضل أن ادفع خمسة عشر دينارا واذهب مع مهرب عن طريق الصحراء ..لا أريد مزيدا من المشاكل.
    ضحك أبو الخيزران وقال بصوت عال:
    -اذهب وجرب .. أتحسب أنني لا اعرف هؤلاء المهربين؟ سيتركونكم في منتصف الطريق ويذوبون مثل فص الملح ! . وأنتم بدوركم ستذوبون في قيظ آب دون أن يشعر بكم أحد .. اذهب .. اذهب وجرب.. قبلك جرب الكثيرون ..تريد أن أدلك؟ لماذا تحسب انهم يأخذون منكم المبلغ سلفا؟
    -"ولكنني اعرف كثيرين وصلوا إلى هناك عن طريق المهربين ".
    -"عشرة بالمئة على الأكثر..ثم اذهب واسألهم وسيقولون لك انهم اكملوا الطريق بلا مهرب وبلا دليل، وان حظهم قد ساعدهم على النجاة."
    جمد أبو قيس في مكانه، وبدا للحظة انه موشك على السقوط ولاحظ مروان أن أبا يقيس يشبه والده إلى حد بعيد، فأشاح بوجهه عنه، لم يعد بوسعه أن يركز رأسه على موضوع واحد.. فيما مضى أبو الخيزران صائحا:
    -يجب أن تقرروا بسرعة ! ليس لدي مزيد من الوقت لأضيعه، اقسم لكم بشرفي..
    قال أسعد مقاطعا بهدوء
    -اترك موضوع الشرف في ناحية أخرى .. الأمور تمضي بشكل افضل حين لا يقسم المرء بشرفه ..
    التفت أبو الخيزارن إليه وقال:
    -الآن يا سيد أسعد، أنت رجل ذكي ومجرب .. ما رأيك ..؟
    -رأيي بماذا؟
    -بكل شئ.
    ابتسم أسعد ولاحظ أن أبا قيس ومروان ينتظران أن يسمعا قراره، فمضى يحكي ببطء وسخرية:
    -أولا، اعفينا من تصديق قصة رحلة القنص ! .يبدو لي أن الحج رضا وجنابك تعملان بالتهريب.. عفوك قليلا، دعني اكمل.. الحج رضا يعتقد ان تهريب الاشخاص في طريق العودة امر تافه، لذلك يتركه لك، اما أنت فتترك له بالمقابل تهريب الامور الاهم.. وبنسبة من الارباح المعقولة، ام تراه لا يعرف انك تهرب اشخاصا في طريق العودة؟
    ابتسم أبو الخيزران ابتسامة واسعة فبانت أسنانه البيضاء النظيفة من جديد وبدا انه لا يريد أن يجيب أسعد .. قال مروان فجأة:
    -وقصة القنص؟
    -أوه! قصة القنص معدة لرجال الحدود، ليس لنا ولكن أبا الخيزران لا يجد باسا من أن يرويها..
    اتسعت ابتسامة آبي الخيزران أكثر من قبل واخذ يبادل الرجال النظر دون أن يتكلم .. وبدا، للحظة، انه غبي .
    قال أبو قيس:
    -ولكن ماذا يهرب الحج رضا؟لقد قلت انه رجل ثري! .
    نظر الجميع إلى آبي الخيزران الذي كف، فجأة، عن الابتسام وعاد وجهه يكتسي بطابع اللامبالاة والتسلط ثم قال بحزم:
    -والآن كفوا عن الثرثرة.. يجب أن لا تعتقد يا سيد أسعد انك ذكي إلى هذا الحد.. ماذا قررتم؟
    قال أسعد بهدوء؟
    -أنا شخصيا لا اهتم إلا بموضوع وصولي إلى الكويت، أما ما عدا ذلك فانه لا يعنيني .. ولذلك فإنني سأسافر مع آبي الخيزران .
    قال مروان بحماسة:
    -وأنا سأسافر معكما.
    قال أبو قيس:
    -هل تعتقدون انه بوسعي أن أرافقكم، أنا رجل عجوز .. ضحك أبو الخيزران بعنف ثم شبك ذراعه بذراع ابى قيس : -له ! له! يا أبا قيس .. من الذي اوهمك انك عجوز إلى هذا الحد؟ ربما ام قيس ! له! يجب ان تاتي معنا..
    كانا قد سارا خطوات قليلة معا وتركا مروان وأسعد واقفين إلى جانب مقعد الاسمنت الكبير، التفت أبو الخيزران من فوق كتفه وصاح :
    -سينام أبو قيس معي في السيارة .. وسأزمر لكما صباح غد الباكر أمام الفندق

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الطريق



    لم يكن الركوب فوق ظهر السيارة الجبارة مزعجاً كثيراً .. فرغم أن الشمس كانت تصب جحيمها بلا هوادة فوق رأسيهما إلا أن الهواء الذي كان يهب عليهما بسبب سرعة السيارة خفف من حدة الحر.. كان أبو قيس قد صعد مع مروان إلى فوق وجلسا على حافة الخزان متجاورين أما أسعد فقد رست عليه القرعة ليجلس إلى جانب السائق في الفترة الأولى من الرحلة .
    قال أسعد محدثاً نفسه:
    -"سوف يأتي دور العجوز أخيراً ليستظل هنا .. ولكن لا بأس، على أي حال، فان الشمس تبقى محتملة الآن .. أما عند الظهيرة فسيكون حظ العجوز حسناً.."
    قال أبو الخيزران فجأة، بصوت عال ليسمع عبر هدير المحرك :
    -هل تتصور؟ .. إن هذه الكيلومترات المئة والخمسين أشبهها بيني وبين نفسي بالسراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار ..فمن سقط عن السراط ذهب إلى النار، ومن اجتازه وصل إلى الجنة.. أما الملائكة هنا فهم رجال الحدود..
    انفجر أبو الخيزران ضاحكاً كأنه لم يكن هو الذي قال ذلك، ثم أخذ يضرب المقود بكلتا يديه ويهز رأسه ..
    -أتعرف؟ إنني أخاف أن تفطس البضاعة، هناك ..
    أشار بعنقه إلى حيث يجلس العجوز مع مروان فوق الخزان ومضى يضحك بعنف..
    قال أسعد بهدوء:
    -قل لي يا أبا الخيزران .. ألم تتزوج أبداً؟
    -أنا؟
    سأل بعجب، واكتسى وجهه الهزيل بالأسى كأنه لم يكن يضحك قبل هنيهة .. ثم قال ببطء:
    -لماذا تسأل؟
    -لا لشيء معين ..كنت أقول لنفسي إن حياتك رائعة ..لا أحد يشدك من هنا ولا أحد يشدك من هناك.. وتطير أنت منفردا حيث شئت، تطير .. تطير.. تطير..
    هز أبو الخيزران رأسه ثم ضيق جفنيه كي يتلافى ضوء الشمس الذي انصب، فجأة، فوق زجاج الواجهة.. كان الضوء ساطعا بحدة حتى انه لم يستطع، بادئ إلى، أن يرى شيئاً .. إلا انه أحس بألم فظيع يتلولب بين فخذيه، ثم استطاع أن يتبين، بعد لأي، أن ساقيه مربوطتان إلى حمالتين ترفعانهما إلى فوق وان عددا من الرجال يدور حوله .. اغمض عينيه برهة ثم فتحهما، مرة أخرى، على وسعيهما. كان الضوء المستدير الموضوع فوق رأسه يحجب عنه السقف ويعشي بصره.. ولم يستطع أن يتذكر، وهو مقيد هناك على ذلك الشكل المحكم والغريب، أكثر من شئ واحد حدث له منذ برهة، ليس غير .. كان يركض مع عدد من الرجال المسلحين حين تفجرت جهنم أمامه فسقط على وجهه .. هذا كل شئ، والآن، الألم الفظيع مازال يغوص بين فخذيه والضوء المستدير الضخم معلق فوق عينيه وهو يحاول أن يرى إلى الأمور والأشخاص مضيقا جفنيه قدر ما يستطيع .. وفجأة خطر له خاطر اسود فبدا يصيح بجنون، ليس يذكر ما الذي قاله حينذاك، ولكنه أحس بيد تطبق فوق فمه بعنف، كانت تلبس قفازا لزجا .. ووصله الصوت، كأنما عبر قطن :
    -كن عاقلا ..كن عاقلا..إن ذلك على أي حال افضل من أن تموت ! ..
    ليس يدري هل استطاعوا أن يسمعوه وهو يصيح من بين أسنانه واليد اللزجة مطبقة فوق فمه. أم أن صوته ضاع في حلقه؟ انه، على أي حال، مازال يسمع الصوت نفسه كأن إنساناً آخر كان يصيح في أذنيه:
    -لا ..الموت افضل.
    والآن ..مرت عشر سنوات على ذلك المشهد الكريه..
    مرت عشر سنوات على اليوم الذي اقتلعوا فيه رجولته منه، ولقد عاش هذا الذل يوما وراء يوم وساعة اثر ساعة، مضغه مع كبريائه، وافتقده كل لحظة من لحظات هذه السنوات العشر، ورغم ذلك فانه لم يعتده قط، لم يقبله قط .. عشر سنوات طوال، وهو يحاول أن يقبل الأمور، ولكن أية أمور؟ أن يعترف ببساطة بأنه قد ضيع رجولته في سبيل الوطن؟ وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن وتبا لكل شئ في هذا الكون الملعون ..
    كلا انه لم يقبل، بعد عشر سنوات، أن ينسى مأساته ويعتادها .. بل انه لم يقبل ذلك حتى حين كان تحت المبضع يحاولون أن يقنعوه بان فقدان الرجولة ارحم من فقدان الحياة .. يا اله الشياطين، انهم لا يعرفون ذلك قط، لا يعرفون شيئا ثم يتنطعون لتعليم الناس كل الأشياء .. أتراه لم يقبل أم انه كان عاجزا عن القبول؟ منذ اللحظات الأولى كان قد قرر أن لا يقبل، نعم، هذا هو الصحيح بل انه كان عاجزا عن تصور إلى بتمامه حتى انه، بلا وعي، هرب من المستشفى قبل أن يشفى نهائيا .. كأن هروبه كان قادرا على تسوية الأمور من جديد، لقد احتاج إلى وقت طويل حتى يعتاد مجرد الحياة .. ولكن، تراه اعتادها . ليس بعد .. كلما سئل بشكل عابر : "لماذا لا تتزوج؟ "عاد إليه الإحساس الكريه بألم يغوص بين فخذيه كأنه ما زال ملقى تحت الضوء المستدير الساطع وساقاه مرفوعتان إلى فوق.
    كان الضوء متوهجا وساطعا حتى أن عينيه بدأتا تدمعان، عندها مد أسعد بيده فانزل حاجبة الشمس المستطيلة ليقع الظل على وجه أبى الخيزران:
    -"نعم، أن هذا افضل .. شكرا .. أتعرف؟.
    إن أبا قيس رجل محظوظ! " أحس أسعد بان أبا الخيزران يريد تغيير موضوع الزواج الذي أثاره بسؤاله فاستجاب لذلك ببساطة:
    -لماذا؟
    -لو قدر له أن يذهب مع المهربين لكان وصوله إلى الكويت بمثابة أعجوبة لا أكثر ولا اقل.
    كتف أبو الخيزران ذراعيه على المقود واتكأ بصدره فوقهما ..
    -أنت لا تعرف كيف تجري الأمور هنا .. كلكم لا تعرفون .. اسألني أنا .. اسألني، إنني اعرف قصصا يبلغ عددها عدد شعر القط!
    -إلى الرجل السمين يبدو طيبا .. لقد ملت إليه.
    انزل أبو الخيزران رأسه ومسح عرق جبينه بكمه المتكئ على المقود وقال :
    -هه! إلى الرجل السمين لا يذهب معك عبر الحدود وهو لا يعرف ماذا يحدث ..
    -ماذا يحدث؟
    -لي ابن عم يدعى حسنين، هرب مرة عبر الحدود، وبعد مسير أكثر من عشر ساعات، حل الظلام .. عندها أشار المهرب إلى مجموعة من الأضواء البعيدة وقال : تلك هي الكويت..
    تصلونها بعد مسير نصف ساعة.. أتدرى ما الذي حدث؟ لم تكن تلك الكويت .. كانت قرية عراقية نائية! أستطيع أن اروي لك آلافا من القصص المشابهة. قصص رجال تحولوا إلى كلاب وهم يبحثون عن نقطة ماء واحدة يغسلون بها ألسنتهم المشققة.. وماذا تحسب انه حدث حين شاهدوا خيام البدو؟ لقد اشتروا جرعة الماء، بكل ما يملكون من نقود أو خواتم زواج أو ساعات .. يقولون أن حاتم كان بدويا .. ولكنني اعتقد أنها مجرد كذبة ! .. ذلك زمن راح يا أبا السعد .. راح .. ولكنكم لا تدركون ذلك .. تحسبون أن الرجل السمين بوسعه أن يعمل كل شئ .. اعرف رجلا عاش في الصحراء وحيدا مدة أربعة أيام، وحين التقطته سيارة على طريق الجهرة كان على وشك أن يلفظ آخر أنفاسه .. أتدرى ماذا فعل؟ كان يريد شيئا واحدا من كل هذه الحياة.. كان يريد أن يعود إلى البصرة فور أن يسترد صحته، ويعود إليها عبر الصحراء أيضا إذا لزم الأمر .. أتعرف لماذا؟ قال لي انه يريد العودة إلى هناك كي يطبق بكفيه حول عنق الرجل السمين ويخنقه، ثم لتقم القيامة .. كان قد بدأ رحلته مع صديقين من أصدقاء شبابه، من غزة، عبر إسرائيل، عبر الأردن، عبر العراق .. ثم تركهم المهرب في الصحراء، وهم لم يعبروا حدود الكويت .. لقد دفن صديقيه بتلك الأراضي المجهولة وحمل معه هويتهما على أمل أن يصل إلى الكويت، فيرسلهما إلى أهليهما. لم يكن يريد لأحد أن ينصحه .. كان يقول انه لا يريد أن ينسى ولا يريد أن يغفر وبعد مرور اقل من شهر عاد أدراجه إلى العراق، ولكنهم القوا القبض عليه .. وهو الآن يمضي سنته الثانية في سجن حقير .. ماذا تراك تحسب؟ تأتون إلينا من المدارس مثل الأطفال وتحسبون أن الحياة هينة .. أتحسب أن أبا قيس لم يكن يقامر بحياته .. وسوف يكون هو الخاسر ! . أنا متأكد من ذلك تأكدي من الشمس الملعونة هذه!غدا حين تصل إلى الكويت ستتذكرني بالخير وتقول : كان أبو الخيزران يحكي الصحيح، ثم تحمد ربك ألف مرة لأنني أنقذتك من أظافر الرجل السمين .. هل رأيت في عمرك كله هيكلا عظميا ملقى فوق الرمل؟
    -ماذا قلت؟
    -سألتك : هل رأيت في عمرك كله هيكلا عظميا ملقى فوق الرمل؟
    -كلا…
    دوّر أبو الخيزران مقود سيارته بعنف ليتجاوز حفرة واسعة في الرمل، ثم بدأت السيارة تخب وترتجف فوق طريق تشبه الدرج المنبسط، أحس أسعد أن أمعاءه على وشك إلى تقفز من بين أسنانه المصطكة .
    -كنت سترى الكثير منها لو مشيت مع المهربين .. وعلى أي حال، سوف لن يعني ذلك شيئا…
    -لماذا؟
    -لأنك ستكون مشغولا عن التفكير به .. أو، مثلما قال حسنين، لأنك لا تريد أن تفكر به ..
    ابتسم أسعد ببلاهة، لمجرد انه لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل،ثم سأل وهو يلكز أبا الخيزران في خاصرته:
    -لماذا تعمل إذن في التهريب؟
    -أنا؟ أنا لا اعمل في التهريب…
    ضحك أسعد وضرب كفه فوق فخذ أبى الخيزران :
    -إذن ماذا تسمي هذا؟
    -أقول لك الحقيقة؟ إنني أريد مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.. ولقد اكتشفت انه من الصعب تجميع ثروة عن طريق التهذيب ..أترى هذا المخلوق الحقير الذي هو أنا؟ أنني امتلك بعض المال! .. وبعد عامين سأترك كل شئ واستقر .. أريد أن استريح .. أتتمدد .. استلقي في الظل وأفكر أو لا أفكر .. لا أريد أن أتحرك قط .. لقد تعبت في حياتي بشكل أكثر من كاف! إي والله، أكثر من كاف..
    أطفأ أبو الخيزران المحرك بسرعة، وفتح الباب ثم قفز إلى الأرض .. واخذ يصيح:
    -لقد بدأ الجد .. هيا.. سأفتح لكم باب الخزان .. هاها! سيكون الطقس كالآخرة، هناك في الداخل…
    صعد بخفة فوق السلم الحديدي الصغير واخذ يعالج باب الخزان المستدير وفكر مروان ببطء: "إن ذراعيه قويتان.." كانوا يتصببون عرقا، إلا أن قميص أبى الخيزران كان مبتلا تماما وكان وجهه يبدو كأنه مطلي بالوحل .
    انفتح الباب مقرقعا ورفع أبو الخيزران طرف القرص الحديدي إلى فوق فاستوى واقفا فوق مفصله وبدا باطنه احمر من فرط الصدأ .. جلس أبو الخيزران إلى جانب الفوهة موسعا ما بين ساقيه المدلاتين واخذ يمسح عرقه بالمنديل الأحمر الذي يلفه على مؤخرة رقبته، تحت قبة القميص الأزرق، وكان يلهث:
    -أنصحكم أن تنزعوا قمصانكم .. الحر خانق ومخيف هنا وسوف تعرقون كأنكم في المقلى .. ولكن.. لخمس دقائق أو سبع، وسوف أقود بأقصى ما أستطيع من السرعة …توجد في الداخل عوارض حديدية .. في كل زاوية عارضة .. إنني افضل أن تتمسكوا بها جيدا وإلا تدحرجتم كالكرات.. طبعا ستخلعون أحذيتكم ..
    بقي الجميع واقفين على الأرض دون حراك، نهض أبو الخيزران ثم قفز إلى تحت وكان يحاول أن يضحك:
    -بوسع المرء أن ينام في الداخل لو كان الطقس ارحم قليلا .. نظر أبو قيس إلى مروان ثم نظر كلاهما إلى أسعد .. الذي خطا-تحت تأثير تلك النظرات –خطوتين صغيرتين إلى الأمام، ثم عاد، فوقف من جديد، وكان أبو الخيزران يراقبه.
    -أنصحكم أن تعجلوا قليلا ..إننا ما زلنا في مطلع النهار وبعد قليل سيصبح الخزان من الداخل فرنا حقيقيا .. بوسعكم إلى تأخذوا معكم مطارة، ولكن لا تستعملوها حين تحسون أن السيارة واقفة..
    حسم مروان رأيه فاقترب متسرعا من السلم الحديدي، إلا أن أسعد سبقه فتسلق العجل ثم انحنى فوق الفوهة المفتوحة واسقط رأسه داخل الخزان لبرهة وجيزة، ثم عاد فرفعه :
    -هذه هي جهنم! إنها تتقد!
    قال أبو الخيزران وهو يفرش كفيه الكبيرتين :
    -لقد قلت لكم ذلك من قبل ..
    كان مروان قد وصل هو الآخر ودس رأسه داخل الفوهة ثم عاد فرفعه وقد ارتسمت على وجهه علائم الاشمئزاز والرعب أما أبو قيس فقد وصل إلى جانبهما لاهثا .. وصاح أبو الخيزران من تحت:
    -أتعرفون ماذا تفعلون إذا راود أحدكم العطاس؟
    ابتسم أسعد ابتسامة باهتة بينما نظر مروان إلى تحت وبدا أن أبا قيس لم يفهم السؤال ..
    -ليضع إصبعه تحت منخريه مستقيما .. هكذا ..
    مثل أبو الخيزران الحركة فبدا وجهه مضحكا، وقال أسعد وهو يخطو إلى الأمام:
    -لا اعتقد أن أحدنا سيعطس في هذا الفرن ..لا تقلق من هذه الناحية..
    وضع أسعد كفيه على خاصرتيه ووقف إلى جانب الفوهة مطأطئا رأسه وكأنه يريد أن يرى ماذا يوجد في الداخل .. بينما خلع أبو قيس قميصه ولفه باعتناء تحت إبطه، وبدا صدره مشعرا شائبا وعظام كتفيه بارزة إلى الأمام ..جلس على حافة الفوهة مدليا ساقيه داخلها. رمى بقميصه أولا، ثم بدأ ينزلق بطيئا مستقيما معتمدا على ذراعيه المشدودتين فوق حافة الفوهة حتى إذا ما لمست قدماه ارض الخزان أرخى ذراعيه وجعل جسده ينساب باعتناء، فغاص رأسه ثم توارت ذراعاه..
    قوس أسعد جسده وصاح:
    -كيف ترى الأمور؟
    دوّى صوت عريض من الداخل كأنه آت من عمق سحيق :
    -انه بئر ملعونة .. تعال.
    نظر أسعد إلى مروان الذي خلع قميصه ووقف ينتظر بينما بدأ أبو الخيزران يتسلق السلم الحديدي من جديد.
    -دور من؟
    -دوري.
    توجه مروان إلى الفوهة أدار لها ظهره .. انزل ساقيه أولا جاعلا بطنه فوق الحافة ثم انزلق الجسد ببراعة، وبقيت الكفان متمسكتين بإطار الفوهة لبرهة، ثم اختفتا.
    لحق أسعد بزميليه دون أن يخلع قميصه، وحين وارته الفوهة انحنى أبو الخيزران محاولاً أن يرى الوضع في الداخل إلا انه لم ير شيئا، في كل مرة كان يطل بها كان جسده يحجب الضوء المتسلل من الفوهة فتتعذر الرؤيا، وأخيرا صاح:
    -ها؟
    وأجابه صوت عريض :
    -ماذا تنتظر؟ عجل، إننا على وشك الاختناق‍‍‍
    ‍اغلق أبو الخيزران الغطاء بسرعة ودوّر يده المضلعة دورتين ثم انحدر راكضا إلى مقعده، وبدأت السيارة، قبل أن يغلق الباب، تلتهم الطريق.
    في تلك الدقائق القليلة كانت، ثمة، فكرة واحدة تحوّم في راس أبى الخيزران، ليس غير.
    إن الطريق المحفّرة، التي تشبه درجا منبسطا، تهز السيارة وترجفها بلا هوادة و بلا انقطاع..إن هذا الهزيز جدير بان يجعل البيض عجة في وقت اقل مما تستطيع الخفاقة الكهربائية أن تفعل .. لا بأس بذلك بالنسبة لمروان فهو فتى، ولا بأس بذلك بالنسبة لأسعد فهو قوي البنية ..ولكن، ماذا عن أبى قيس؟ لا شك أن أسنانه تصطك الآن مثل إنسان على وشك أن يموت من شدة الصقيع، ولكن الفرق انه ليس ثمة صقيع هنا.
    بوسع أبى الخيزران أن يتلافى بعض هذا الهزيز لو زاد من سرعته أكثر .. لو جعل هذه الدبابة الجهنمية تسير بسرعة مئة وعشرين بدل التسعين التي يشير لها المؤشر الآن .. ولكن إذا فعل ذلك من يضمن أن لا تنقلب السيارة فوق مثل هذه الطريق الملعونة؟ لا بأس أن تنقلب السيارة، فهي ليست له، ولكن ماذا لو استقرت على قفاها؟ ثم من قال أن محرك السيارة يتحمل مثل هذه السرعة في مثل هذا الجو وهذه الأرض؟ انهم يضعون دائما على المؤشر أرقاما عالية ليس من الحكمة إلى يبلغها السائق الماهر ..
    لم يخفف السرعة حين وصل إلى صفوان، بل انه –حين دوّر في الساحة متجها إلى اليسار حيث يقوم المخفر لم يرفع قدمه عن مضغط البنزين قيد شعرة بل جعلها دورة واسعة نثرت الغبار في حلقة واسعة .. ولم يرفع قدمه إلا حين ضغط المكبح أمام باب الخفر بعنف، ومرق كالسهم إلى الداخل.
    ساحة الجمرك ساحة رملية واسعة في صفوان تتوسطها شجرة كبيرة يتيمة تتهدل أوراقها المتطاولة فترمي ظل واسعا في الساحة .. وعلى الأطراف تنتصب حجرات ذات أبواب خشبية واطئة في داخلها مكاتب مكتظة ورجال مشغولون دائما .. لم يلحظ أبو الخيزران، وهو يقتحم الساحة بقده المديد، سوى بعض النسوة الجالسات في ظل الشجرة ملتفعات بالعباءات، كان ثمة طفل أو طفلان يقفان إلى جانب صنبور المياه وكان الحاجب دائما فوق كرسي القش العتيق.
    -أبو الخيزران متعجل اليوم!
    -نعم ..الحج رضا ينتظر.. إذا تأخرت طردني.
    -الحج رضا لن يطردك، لا تخف..لا يمكن أن يعثر على شاب مثلك .
    -هه! الشباب يملأون الأرض كالفقع ..لو اشر بيديه لتهاووا فوقه كالذباب.
    -ماذا تحمل معك؟
    -أسلحة! دبابات! ومصفحات! وست طائرات ومدفعين..
    انفجر الرجل ضاحكا من أعماقه وتناول أبو الخيزران الأوراق من تحت يديه بخفة وانطلق إلى الخارج .. قال في ذات نفسه وهو يدخل إلى غرفة آخر:"اصعب المراحل انتهت"
    بعد دقيقة واحدة خرج من الغرفة الأخرى .. وبأقل من لمح البصر كان يدوّر المحرك فيمزق السكون الضارب فوق صفوان، وينطلق إلى الطريق من جديد.
    فيما كانت السيارة تنطلق كالسهم تاركة وراءها خطا من غيوم الغبار كان أبو الخيزران ينزف عرقا غزيرا يصب في وجهه المغبر ممرات متشعبة تلتقي عند ذقنه ..كانت الشمس ساطعة متوهجة وكان الهواء ساخنا مشبعا بغبار دقيق كأنه الطحين : "لم أر في حياتي مثل هذا الطقس اللعين .."فك أزرار قميصه فلامست أصابعه شعر صدره الغزير المبتل.. كانت الطريق قد استوت، ولم تعد السيارة ترجف شانها من قبل فزاد من سرعته – كان المؤشر يندفع إلى الأمام ككلب ابيض مربوط إلى وتد.
    نظر إلى الأمام بعينيه الغارقتين في عرقه فتبين نهاية الهضبة الصغيرة .. وراء هذه الهضبة تحتجب صفوان، وهناك يتعين عليه أن يقف .
    زوّد ضغط قدمه فوق المضغط كما تتسلق السيارة الهضبة دون إلى تتباطأ، أحس بان عضلة ساقه قد تكوّرت حتى أوشكت أن تتمزع، الأرض تنطوي والسيارة تزأر، والزجاج يتوهج والعرق يحرق عينيه، وما تزال قمة الهضبة تتراءى له بعيدة كالأبد .. يا الهي العزيز العلي القدير، كيف يمكن لقمة هضبة ما أن تعني كل هذه المشاعر التي تموج في شرايينه وتصب لهبها على جلده الملوّث بالوحل عرقا مالحا؟ يا الهي العلي الذي لم تكن معي أبداً، الذي لم تنظر إلى أبداً ـ الذي لا أومن بك أبداً. أيمكن أن تكون هنا هذه المرة؟ هذه المرة فقط؟
    رفّ عينيه رفات سريعة ليغسل العرق عن جفنيه، وحين فتحهما آخر مرة كانت قمة الهضبة قد صارت أمامه ..
    وصل إلى أعلاها فأطفأ المحرك وترك السيارة تنزلق قليلا ثم أوقفها وقفز من الباب إلى ظهر الخزان.
    خرج مروان أولا : رفع ذراعيه فأنتشله أبو الخيزران بعنف وتركه مفروشا فوق سطح الخزان .. اطل أبو قيس برأسه ثم حاول أن يخرج إلا أنه لم يستطع، عاد فاخرج ذراعيه وترك أبا الخيزران يساعده .. أما أسعد فقد استطاع أن يتسلق الفوهة : كان قد خلع قميصه.
    جلس أبو الخيزران فوق سطح الخزان الساخن : كان يلهث وبدا انه قد كبر عن ذي قبل.. بينما انزلق أبو قيس ببطء فوق العجلات واستلقى في ظل السيارة منبطحا على وجهه . وقف أسعد هنيهة يتنشق بملء صدره . كان يبدو انه يريد أن يتكلم إلا انه لم يستطع .. وأخيرا قال لاهثا :
    -أووف! الطقس هنا في غاية البرودة!
    كان وجهه محمرا ومبتلا، وكان بنطاله مغسولا بالعرق أما صدره فقد انطبعت عليه علائم الصدأ فبدا وكانه ملطخ بالدم .. نهض مروان وهبط السلم الحديدي بإعياء .. كانت عيناه حمراوين وكان صدره مصبوغا بالصدا وحين وصل إلى الأرض وضع رأسه فوق فخذ أبى قيس ومدد جسده ببطء إلى جانب العجل .. بعد لحظة تبعه أسعد ثم أبو الخيزران فجلسا واضعين راسيهما فوق ركبهما المطوية.. قال أبو الخيزران بعد فترة :
    -هل كان الأمر مخيفا؟
    لم يجبه أحد .. فدوّر نظره فوق وجوههم فبدت له وجوها صفراء محنطة، ولولا أن صدر مروان كان يرتفع ويهبط، ولولا أبا قيس كان يتنفس بصفير مسموع، لخيل إليه إذن انهما ميتان..
    -قلت لكم سبع دقائق …ورغم ذلك لم يستغرق الأمر أكثر من ست.
    نظر إلى أسعد ببرود بينما فتح مروان عينيه دون أن ينظر إلى شئ معين ودوّر أبو قيس وجهه إلى الناحية الأخرى.
    -اقسم لك بشرفي : ست دقائق ! انظر إلى الساعة يا أسعد:
    ست دقائق بالضبط! انظر! لماذا لا تريد أن تنظر؟ لقد قلت لكما ذلك، قلته منذ البدء، وأنتم تعتقدون الآن أنني اكذب عليكم .. هاهي الساعة..انظر..انظر.
    رفع مروان رأسه ثم استند على عضديه واخذ ينظر، ملقيا برأسه بعض الشيء إلى الوراء، باتجاه أبى الخيزران ..لم يكن يبدو انه يراه بوضوح..
    -هل جربت أن تجلس هناك ست دقائق؟
    -لقد قلت لكم..
    -ثم أنها لم تكن ست دقائق .
    -لماذا لا تنظر إلى ساعتك ..لماذا؟ إنها في رسغك، هيا انظر..انظر..وكف عن التحديق بي كالمجنون.
    قال أبو قيس:
    -إنها ست دقائق..كنت طوال الوقت اعد.. من الواحد إلى الستين:دقيقة، هكذا حسبت .. عددت ست مرات .. في المرة الأخيرة عددت ببطء شديد..
    كان يتكلم بصوت منخفض وببطء .. فقال أسعد:
    -ماذا بك يا أبا قيس؟ هل أنا مريض؟
    -أنا؟ أنا؟ أوف، كلا..ولكنني أتنفس حصتي من الهواء.
    وقف أبو الخيزران ونفض عن بنطاله الرمل ثم ثبت كفيه فوق خاصرتيه واخذ ينقل بصره بين الرجال الثلاثة :
    -هيا بنا .. يجب أن لا نضيع وقتا أكثر .. أمامكم حمام تركي آخر بعد فترة وجيزة.
    نهض أبو قيس واتجه إلى غرفة السائق بينما تسلق أسعد السلم الحديدي وبقي مروان جالسا في الظل.
    قال أبو الخيزران:
    -ألا تريد أن تنهض؟
    -لماذا لا تستريح قليلاً؟
    صاح أسعد من فوق:
    -سنستريح كثيراً بعد أن نصل وليس قبل ذلك .. هيا… ضحك أبو الخيزران بصوت عال .. ثم ضرب بكفه فوق كتف مروان وقال:
    -تعال اجلس إلى جانب أبى قيس، انك نحيل ولن تضايقنا كثيرا.ثم انك، كما يبدو، متعب جدا .
    صعد مروان فجلس إلى جانب أبى قيس بينما صاح أبو الخيزران بصوت عال قبل أن يغلق الباب:
    البس قميصك يا أسعد والا شوتك الشمس ..
    قال مروان لابي الخيزران بصوت موهن:
    -قل له أن يترك باب الفرن مفتوحا عله يبترد.
    صاح أبو الخيزران جذلا:
    -واترك باب الخزان مفتوحا..
    هدر المحرك ومضت السيارة الكبيرة ترسم في الصحراء خطا من الضباب: يتعالى، ثم يذوب في القيظ..

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الشمس و الظل



    شق العالم الصغير الموهن طريقه في الصحراء مثل قطرة زيت ثقيلة فوق صفيحة قصدير متوهجة .. كانت الشمس ترتفع فوق رؤوسهم مستديرة متوهجة براقة، ولم يعد احد منهم يهتم بتجفيف عرقه ..فرش أسعد قميصه فوق رأسه وطوى ساقيه إلى فخذيه وترك للشمس إن تشويه بلا مقاومة .. اما مروان فقد اتكا برأسه على كتف أبى قيس واغمض عينيه .. وكان أبو قيس يحدق إلى الطريق مطبقا شفتيه باحكام تحت شاربه الرمادي الكث.
    لم يكن أي واحد من الاربعة يرغب في مزيد من الحديث .. ليس لان التعب قد انهكهم فقط بل لان كل واحد منهم غاص في افكاره عميقا عميقا .. كانت السيارة الضخمة تشق الطريق بهم وباحلامهم وعائلاتهم ومطامحهم وآمالهم وبؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم و ماضيهم ومستقبلهم.. كما لو انها آخذة في نطح باب جبار لقدر جديد مجهول .. وكانت العيون كلها معلقة فوق صفحة ذلك الباب كأنها مشدودة إليه بحبال غير مرئية.
    سوف يكون بوسعنا أن نعلم قيسا وان نشتري عرق زيتون أو عرقين، وربما نبني غرفة نسكنها وتكون لنا، أنا رجل عجوز قد اصل وقد لا اصل .. أو تحسب إذن أن حياتك هنا افضل كثيرا من موتك؟ لماذا لا تحأول مثلنا؟لماذا لا تنهض من فوق تلك الوسادة وتضرب في بلاد الله بحثا عن الخبز؟هل ستبقى كل عمرك تأكل من طحين الإعاشة الذي تهرق من أجل كيلو واحد منه كل كرامتك على أعتاب الموظفين؟
    و تمضي السيارة فوق الأرض الملتهبة ويدوي محركها بلا هوادة ..
    شفيقة امرأة بريئة .. كانت صبية يافعة حين طوحت قنبلة مورتر بساقها فبترها الاطباء من أعلى الفخذ.. وأمه لا تحب أن يحكي إنسان عن أبيه : زكريا راح.. هناك، في الكويت، ستتعلم كل شئ .. ستعرف كل شئ .. أنت مازلت فتى لا تفهم من الحياة إلا قدر ما يفهم الطفل الرضيع من بيته ! المدرسة لا تعلم شيئا .. لا تعلم سوى الكسل فاتركها وغص في المقلاة مثلما فعل سائر البشر.
    السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة، ويدوي محركها بهدير شيطاني..
    ربما كانت قنبلة مزروعة في الأرض تلك التي داس عليها فيما كان يركض، أو ربما قذفها، أمامه، رجل كان مختبئا في خندق قريب، كل ذلك لا يهم الآن : ساقاه معلقتان إلى فوق وكتفاه مازالتا فوق السرير الابيض المريح والألم الرهيب يتلولب بين فخذيه .. كانت، ثمة،، امرأة تساعد الاطباء، كلما يتذكر ذلك يعبق وجهه بالخجل.. ثم ماذا نفعتك الوطنية؟ لقد صرفت حياتك مغامرا، وها أنت ذا أعجز من أن تنام إلى جانب امرأة ! وما الذي افدته؟ليكسّر الفخار بعضه :أنا لست أريد الآن إلا مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.
    السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة .. ويدوي محركها بالهدير.
    دفعه الشرطي أمام الضابط فقال له : تحسب نفسك بطلا وأنت على اكتاف البغال تتظاهرون في الطريق! بصق على وجهه ولكنه لم يتحرك فيما اخذت البصقة تسبل ببطء نازلة من جبينه : لزجة كريهة تتكوم على قمة انفه ..أخرجوه، وحينما كان في الممر سمع الشرطي القابض على ذراعه بعنف يقول بصوت خفيض:"يلعن أبو هالبدلة" .. ثم اطلقه فمضى يركض. عمه يريد أن يزوجه ابنته ولذلك يريده أن يبدأ ..لولا ذلك لما حصل الخمسين دينارا كل حياته.
    السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة، ويهدر محركها مثل فم جبار يزدرد الطريق..
    الشمس في وسط السماء ترسم فوق الصحراء قبة عريضة من لهب ابيض، وشريط الغبار يعكس وهجا يكاد يعمي العيون..كانوا يقولون لهم أن فلأنا لم يعد من الكويت لأنه مات، قتلته ضربة شمس، كان يغرس معوله في الأرض حين سقط فوقه وفوقها، وماذا؟ضربة شمس قتلته، تريدون أن تدفنوه هنا أو هناك؟هذا كل شئ، ضربة شمس ! هذا صحيح، من الذي سماها ضربة؟ ألم يكن عبقريا؟كان هذا الخلاء عملاق خفي يجلد رؤوسهم بسياط من نار وقار مغلي . ولكن أيمكن للشمس إلى تقتلهم وتقتل كل الزخم المطوي في صدورهم؟كأن الافكار كانت تسيل من رأس إلى رأس وتخفق بهواجس واحدة، لقد التقت العيون فجأه : نظر أبو الخيزران إلى مروان ثم إلى ابي قيس فوجده يحدق به ,حاول أن يبتسم ولكنه لم يستطع فمسح عرقه جبينه بكمه وقال بصوت خفيض:
    -هذه جهنم التي سمعت عنها.
    جهنم الله.
    -نعم.
    مدّ أبو الخيزران يده فأطفا المحرك، ثم نزل ببطء فتبعه مروان وأبو قيس بينما بقي أسعد معلقا فوق .
    جلس أبو الخيزران في ظل السيارة وأشعل لفافة ثم قال بصوت خفيض:
    -لنستريح قليلا قبل إلى نبدأ التمثيلية مرة أخر.
    قال أبو قيس :
    -لماذا لم تتحرك بمساء أمس فتوفر علينا برودة الليل وكل هذه المشقة؟
    قال أبو الخيزران دون أن يرفع بصره عن الأرض:
    -الطريق بين صفوان والمطلاع تمتلئ بالدوريات في الليل..
    في النهار لا يمكن لأية دورية أن تغامر بالاستطلاع في مثل هذا القيظ..
    قال مروان:
    -إذا كانت سيارتك معصومة عن التفتيش.. فلماذا لا نبقى خارج ذلك السجن الرهيب؟
    قال أبو الخيزران بحدة :
    -لا تكن سخيفا .. هل أنت خائف إلى هذا الحد من البقاء خمس أو ست دقائق في الداخل؟لقد اجتزنا أكثر من نصف الطريق ولم يبق إلا الأسهل ..
    نهض أبو الخيزران واقفا ثم اتجه إلى المطّارة المعلقة خارج الباب وفتحها:
    -سوف أقيم لكم حفلة غداء رائعة حين نصل .. سأذبح دجاجتين ..
    رفع المطّارة وصب في فمه الماء فبدأ يسيل من ركنيه مزرزبا إلى ذقنه ثم إلى قميصه المبتل، وحين إرتوى صب ما تبقى في المطّارة فوق رأسه وترك الماء يسيل على عنقه وصدره وجبينه وبدأ شكله عجيبا . علق المطّارة من جديد خارج الباب وفرش كفيه الكبيرتين وصاح:
    -هيا بنا .. لقد تعلمتم الصنعة جيدا .. كم الساعة الآن؟
    انها الحادية عشرة والنصف .. إحسبوا: سبع دقائق على الأكثر وأفتح لكم الباب..تذكروا ذلك جيدا : الحادية عشرة والنصف..
    نظر مروان إلى ساعته وهز رأسه، لقد حاول أن يقول شيئا إلا أنه لم يستطع، فمشى خطوات قليلة إلى السلم الحديدي وبدأ يتسلقه .
    طوى أسعد قميصه وغاص في الفوهة .. تردد مروان قليلا ثم تبعه متكئا ببطنه فوق الحافة منزلقا ببراعة وقسوة بينما هز أبو قيس رأسه وقال :
    -سبع دقائق؟
    -على الأكثر!
    ربت أبو الخيزران على كتف أبى قيس ونظر مباشرة في عينه، كأنا واقفين هناك معا يتصببان عرقا، ولكنهما لم يستطيعا الكلام.
    تسلق أبو قيس السلم بثبات ثم أسقط ساقيه داخل الفوهة فأعانه الشابان على النزول.
    أغلق أبو الخيزران الباب ودوّر الذراع المضلعة دورتين ثم قفز إلى الأرض متعجلا وانطلق إلى مقعده .
    بعد دقيقة ونصف فقط إجتاز أبو الخيزران بسيارته الباب الكبير المفتوح في الأسلاك الشائكة المشدودة حول مركز المطلاع وأوقف سيارته أمام السلم العريض الذي يرقى إلى البناء المقرمد ذي الطابق الواحد، والذي تمتد على جانبيه غرف صغيرة ذات شبابيك واطئة مغلقة، بينما تقوم بضعة عربات لبيع المأكولات قبالته، وكانت أصوات مكيفات الهواء تملأ المساحة بالضجيج.
    لم يكن ثمة، غير سيارة أو سيارتين واقفتين في طرف الساحة الكبيرة بالإنتظار، كان الصمت مطبقا بكثافة إلا من اصوات هدير مكيفات الهواء المثبتة على كل الشبابيك المطلة على الساحة، ولم يكن هناك سوى جندي واحد واقف في كوخ خشبي صغير يقع إلى جانب الدرج العريض .
    إرتقى أبو الخيزران الدرج مسرعا وإتجه إلى الغرفة الثالثة إلى اليمين، وفور أن فتح الباب ودخل أحس، نتيجة للنظرات التي إنصبت عليه من قبل الموظفين، أن شيئا ما سوف يحدث، إلا أنه لم يتباطا ودفع أوراقه أمام الموظف السمين الذي كان يجلس في صدر الغرفة .
    -ها‍‍‍‍‍! أبو الخيزران! !
    قال الموظف وهو ينحي الأوراق من أمامه بلا مبالاة متعمدة ويكتف ذراعه فوق الطاولة الحديدية..
    -أين كنت كل هذا الوقت؟
    قال أبو الخيزران لاهثا؟
    -في البصرة.
    -سأل عنك الحاج رضا أكثر من ست مرات .
    -كانت السيارة معطلة.
    ضج الموظفون الثلاثة الذين يشغلون الغرفة ضاحكين بصخب فالتفتت أبو الخيزران حواليه حائرا ثم ثبت نظره على وجه الرجل السمين:
    -ما الذي يضحككم في هذا الصباح؟
    تبادل الموظفون النظر ثم انفجروا ضاحكين من جديد ..
    قال أبو الخيزران متوترا وهو ينقل قدما ويضعها مكان الأخرى:
    -والان يا أبو باقر .. لا وقت لديّ للمزاح.. أرجوك .
    مدّ يده فقرب الأوراق إلى أمامه، إلا أن أبا باقر عاد فنحى الأوراق إلى طرف الطاولة وكتف ذراعيه من جيد وهو يبتسم ابتسامة خبيثة :
    -سأل عنك الحج رضا ست مرات ..
    -قلت لك : كانت السيارة معطلة .. ثم إنني والحج رضا نستطيع أن نتفاهم حين نلتقي .. وقع الأوراق رجاء، إنني على عجل ..
    قرب الأوراق من جديد إلا أن أبا باقر نحاها مرة أخرى .
    -كانت سيارتك معطلة؟
    -نعم ..أرجوك إني مستعجل .
    نظر الموظفون الثلاثة إلى بعضهم وضحكوا بخبث-ولكن بصوت خفيض-كانت طاولة أحدهم فارغة تماما إلا من كأس شاي زجاجي صغير، وكان الآخر قد كف عن عمله وأخذ يتابع ما يحدث.
    قال الرجل السمين المسمى أبو باقر وهو يتجشأ :
    -والآن .. كن عقلا يا أبوخيزرانة .. لماذا تتعجل السفر في مثل هذا الطقس الرهيب؟الغرفة هنا باردة وسوف اطلب لك إستكانة شاي..فتمتع بالنعم!
    حمل أبو الخيزران الأوراق ثم تناول القلم من أمام أبى باقر ودار حول الطاولة حتى صار إلى جانبه فانحنى ودفع له القلم وهو يدفع، بذراعه، كتف أبى باقر :
    -في طريق عودتي سأجلس عندك ساعة، ولكن الآن دعني امشي كرامة لباقر وأم باقر ..خذ.
    إلا أن أبا باقر لم يمد يده وبقي يحدق إليه بعينين بلهاوين وهو على وشك أن ينفجر بالضحك.
    -آه يا ملعون يا أبا خيزرانه ! لماذا لا تتذكر أنك على عجلة حين تكون في البصرة؟ها؟
    -قلت لك ان السيارة كانت في الكاراج.
    دفع له القلم مرة أخرى إلا أن أبا باقر لم يتحرك :
    -لا تكذب يا أبوخيزرانة .. لا تكذب ..الحج رضا حكى لنا القصة من الألف للياء.
    -أية قصة؟
    نظر الجميع إلى بعضهم فيما انقلب وجه أبي الخيزران الهزيل فصار مبيضاً من فرط الرعب وأخذ القلم يرتجف في يده .
    -قصة تلك الراقصة .. ما اسمها يا علي؟
    أجاب علي من وراء الطاولة الفارغة:
    -كوكب .
    ضرب أبو باقر طاولته بيده واتسعت ابتسامته:
    -كوكب ! كوكب! يا أبا خيزرانة يا ملعون ..لماذا لا تحكي لنا قصصك في البصرة؟ تمثل أمامنا أنك رجل مهذب، ثم تمضي إلى البصرة فتمارس الشرور السبعة مع تلك الراقصة ..كوكب ..آه .. كوكب هذا هو الإسم .
    صاح أبو الخيزران محاولاً أن لا يتجاوز حد المزاح:
    -أي كوكب وأي بطيخ ! دعني أمضي قبل أن يطردني الحج..
    قال أبو باقر:
    -لا يمكن ! حدثنا عن تلك الراقصة .. الحج يعرف قصتك كلها وقد رواها لنا .. هيا.
    -إذا رواها الحج لكم .. فلماذا تريدونني أن أرويها مرة أخرى؟
    وقف أبو باقر وصاح كالثور:
    -إذن .. إنها قصة حقيقية! ..قصة حقيقية!
    دار حول الطاولة حتى صار في منتصف الغرفة . كانت القصة الفاجرة قد هيجته.
    لقد فكر بها ليل نهار، ركّب فوقها كل المجون الذي خلقه حرمانه الطويل الممض، كانت فكرة أن صديقا له قد ضاجع عاهرة ما، فكرة مهيجة تستحق كل تلك الأحلام:
    -تذهب إلى البصرة وتدعي أن السيارة قد تعطلت .. ثم تمضي مع كوكب أسعد ليالي العمر! يا سلام يا أبو خيزرانة..يا سلام يا ملعون .. ولكن قل لنا كيف أحبتك؟ الحج رضا يقول انها من فرط حبها لك تصرف نقودها عليك وتعطيك شيكات .. آه يا أبو خيزرانة يا ملعون!
    اقترب منه ! كان وجهه محمرا وكان من الواضح أنه أمضى وقتا طيبا وهو يتفكر في القصة كما رواها الحج رضا له على الهاتف .. انحنى فوق إذنه وهمس بصوت مبحوح:
    -اتراها فحولتك؟ أم قلة الرجال؟
    ضحك أبو الخيزران ضحكة هستيرية ودفع الأوراق إلى صدر أبى باقر الذي تناول القلم دون وعي وأخذ يوقعها وهو يرتج بالضحك المكبوت، ولكن حين مدّ أبو الخيزران يده ليتناولها خبأها أبو باقر وراء ظهره ومد ذراعه الأخرى بينه وبين أبى الخيزران.
    في المرة القادمة سأذهب معك إلى البصرة .. أتوافق؟
    تعرفني على كوكب هذه .. الحج رضا يقول أنها جميلة حقا.
    قال أبو الخيزران راجفا وهو يمد ذراعه محاولاً أن يصل إلى الأوراق :
    -موافق ..
    -بشرفك؟
    -بشرفي..
    ضج أبو باقر بالضحك من جديد واخذ يهز رأسه المدورّ وهو يعود إلى مكتبه بينما أندفع أبو الخيزران بأوراقه إلى الخارج وصوت أبى باقر يلاحقه :
    -يا ملعون يا أبا خيزرانة! خدعنا أكثر من سنتين وانكشف الآن .. آه يا ملعون يا أبا خيزرانة.
    اقتحم أبو الخيزرانة الغرفة الأخرى وهو يحدق إلى ساعته،كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا ربعا..توقيع الأوراق الأخرى لم يستغرق أكثر من دقيقة .. وحين صفق وراءه الباب لسعه القيظ من جديد ولكنه لم يهتم بالأمر وقفز الدرج العريض مثنى مثنى حتى صار أمام سيارته، حدق إلى الخزان لحظة وخيل إليه أن حديده على وشك أن ينصهر تحت تلك الشمس الرهيبة، استاجب المحرك لأول ضغطة، وطوى الباب في لحظة دون أن يلوح للحارس .. الطريق الآن معبدة تماما وأمامه دقيقة أو دقيقة ونصف ليتجاوز أول منعطف يحجبه عن مركز المطلاع، لقد اضطر إلى تخفيف السرعة قليلا حين التقى سيارة شحن كبيرة، ثم عاد فأطلق لسيارته كل العنان الممكن وحين وصل إلى المنعطف صفرت العجلات صفيرا متواصلا كأنه النواح وكادت أن تمس الرصيف الرملي وهي تقوم بدورتها الشيطانية الواسعة .. لم يكن في رأسه أي شئ سوى الرعب وخيل إليه أنه على أن يقع فوق مقوده مغميا عليه: كان المقود ساخنا وكان يحسه يحرق كفيه الخشنين ولكنه لم يخفف من تمسكه به، كان المقعد الجلدي يلتهب تحته وكان زجاج الواجهة مغبرا يتوهج ببريق الشمس.
    أزيز عريض ترسله العجلات كأنها تسلخ الأسفلت سلخا من تحتها، أكان من الضروري أن تتفلسف يا أبا باقر؟ أكان من الضروري أن تقيء كل قاذوراتك على وجهي وعلى وجوههم؟ يا لعنة الإله العلي القدير عليك، يا لعنة الإله الذي لا يوجد قط في أي مكان تنصب عليه يا أبا باقر! وعليك يا حاج رضا يا كذاب ! راقصة؟ كوكب؟ يا لعنة الله عليكم كلكم..
    اوقف السيارة بعنف وتسلق فوق العجل إلى سطح الخزان .. وحين لامست كفاه السطح الحديدي أحس بهما تحترقان ولم يستطع أن يبقيهما هناك فسحبهما وإتكأ بكميه –عند الكوعين –فوق حديد السطح ثم زحف إلى القفل المضلع، وأمسكه بطرف قميصه الأزرق ودورّه فانفتح مقرقعا واستوى القرص الحديدي الصدئ مستقيما فوق مفصله..
    حين ترك القرص لمح عقارب الساعة الملتفة على زنده :كانت تشير إلى الثانية عشرة إلا تسع دقائق وكان زجاجهاالمدور قد تشقق شقوقا مضلعة صغيرة.
    الفوهة المفتوحة بقيت تخفق بالفراغ لحظة، كان وجه أبى الخيزران مشدودا إليها متشنجا وشفته السفلى ترتجف باللهاث والرعب، سقطت نقطة عرق عن جبينه إلى سطح الخزان الحديدي وما لبثت أن جفت .. وضع كفيه على ركبتيه وقوس ظهره حتى صار وجهه فوق الفوهة السوداء وصاح بصوت خشبي يابس:
    -أسعد!
    دوّى الصدى داخل الخزان فكاد أن يثقب أذنيه وهو يرتد إليه، وقبل أن تتلاشى دوامة الهدير التي خلقها نداءه الأول صاح مرة أخرى :
    -يا هوه .
    وضع كفين صلبتين فوق حافة الفوهة واعتمد على ذراعيه القويتين ثم انزلق إلى داخل الخزان .. كان الظلام شديدا في الداخل حتى إنه لم يستطع أن يرى شيئا بادئ الأمر، وحين نحى جسده بعيدا عن الفوهة سقطت دائرة ضوء صفراء إلى القاع وأضاءت صدراً يملؤه شعر رمادي كث أخذ يلتمع متوهجا بألم مطلي بالقصدير .. انحنى أبو الخيزران ووضع أذنه فوق الشعر الرمادي المبتل كان الجسد باردا وصامتا .مد يده وتحسس طريقه إلى ركن الخزان،كان الجسد الآخر مازال متمسكا بالعارضة الحديدية . حاول أن يهتدي إلى الرأس فلم يستطع أن يتحسس إلا الكتفين المبتلين ثم تبين الرأس منحدراً إلى الصدر، وحين لأمست كفه الوجه سقطت في فم مفتوح على وسعه.
    أحس أبو الخيزران أنه على وشك أن يختنق، كان جسده قد بدأ ينزف عرقا بشكل مريع حتى بات يشعر أنه مدهون بالزيت الثقيل ولم يدر، أهو يرتجف بسبب إطباق هذا الزيت على صدره وظهره، أم بسبب الرعب؟تحسس طريقه منحنيا إلى الفوهة وحين أخرج رأسه منها لم يدر لماذا سقطت في ذهنه صورة وجه مروان دون أن تبرح . لقد أحس بالوجه يلبسه من الداخل مثل صورة ترتجف على حائط فأخذ يهز رأسه بعنف وهو ينسل من الفوهة فتحرق رأسه شمس لا ترحم .. وقف هنيهة يتنشق هواء جديدا، لم يكن ليستطيع أن يفكر بأي شئ، كان وجه مروان يطغى في رأسه مثل نبعة انبثقت هادرة من الأرض شامخة إلى علو رهيب .. وحين وصل إلى كرسيه تذكر أبا قيس، كان قميصه مازال موضوعا على المقعد إلى جانبه فتناوله باصابعه الطويلة وقذف به بعيدا .. دوّر محرك سيارته فبدأ يهدر من جديد، ومضت السيارة تدرج فوق المنحدر ببطء وجبروت .
    التفت وراءه، عبر النافذة المشبكة الصغيرة، فشاهد القرص الحديدي مفتوحا مستويا فوق مفصله يأكل باطنه الصدأ.. وفجأة غاب القرص الحديدي وراء نقاط من الماء المالح ملأت عينيه .. كان الصداع يتاكله وكان يحس بالدوار إلى حد لم يعرف فيه: هل كانت هذه النقاط المالحة دموعا؟ أم عرقا نزفه جبينه الملتهب؟

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    القبر



    قاد أبو الخيزران سيارته الكبيرة حين هبط الليل متجها إلى خارج المدينة النائمة.. كانت الأضواء الشاحبة ترتعش على طول الطريق، وكان يعرف أن هذه الأعمدة التي تنسحب أمام شباك سيارته سوف تنتهي بعد قليل حينما يغرق في البعد عن المدينة.. وسوف يعم الظلام .. فالليلة لا قمر فيها، وأطراف الصحراء ستكون صامتة كالموت .
    أنحرف بسيارته عن الطريق الأسفلت ومضى يتدرج في طريق رملي إلى داخل الصحراء . لقد قر قراره منذ الظهيرة على أن يدفنهم، واحدا واحدا، في ثلاثة قبور أما الآن فإنه يحس بالتعب يتأكله فكأن ذراعيه قد حقنتا بمخدر .. لا طاقة له على العمل .. ولن يكون بوسعه أن يحمل الرفش ساعات طويلة ليحفر ثلاثة قبور .. قبل أن يتجه إلى سيارته ويخرجها من كاراج الحج رضا قال في ذات نفسه أنه لن يدفنهم،بل سيلقى بالأجساد الثلاثة في الصحراء ويكر عائدا إلى بيته .. الآن، لم تعجبه الفكرة، لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء ثم تكون نهبا للجوارح والحيوانات .. ثم لا يبقى منها بعد أيام إلا هياكل بيضاء ملقاة فوق الرمل.
    درجت السيارة بصوت هزيل فوق الطريق الرملي، ومضى هو يفكر . لم يكن يفكر بالمعنى الصحيح، كانت اشرطة من مشاهد مقطعة تمر في جبينه بلا أي توقف اوترابط أو تفسير .. وكان يشعر بإرهاق مر يتسرب في عظامه كقوافل مستقيمة من النمل .
    هبت نسمة ريح فحملت إلى أنفه رائحة نتنة.. قال في ذات نفسه:"هنا تكّوم البلدية القمامة"ثم فكر : "لو ألقيت الأجساد هنا لاكتشفت في الصباح، ولدفنت باشراف الحكومة" دوّر مقود سيارته وتتبع آثار عجلات عديدة حفرت طريقها قبله في الرمل ثم أطفأ فانوسي سيارته الكبيرتين وسار متمهلا على ضوء الفانوسين الصغيرين ..حين لاحت أمامه أكوام القمامة سوداء عاليةأطفأالفانوسين الصغيرين.. كانت الرائحة النتنة قد ملأت الجو حواليه ولكنه ما لبث أن اعتادها .. ثم اوقف سيارته وهبط . وقف أبو الخيزران إلى جانب سيارته لحيظات ليتاكد من أن احدا لا يشاهده ثم صعد ظهر الخزان :كان بردا رطبا..دوّر القفل المضلع ببطء ثم شد القرص الحديدي إلى فوق فقرقع بصوت متقطع .. اعتمد ذراعيه وانزلق إلى الداخل بخفة : كانت الجثة الأولى باردة صلبة، القى بها فوق كتفيه، أخرج الرأس أولا من الفوهة ثم رفع الجثة من الساقين وقذفها إلى فوق وسمع صوتها الكثيف يتدحرج فوق حافة الخزان ثم صوت إرتطامها المخنوق على الرمل، لقد لاقى صعوبة جمة في فك يدي الجثة الأخرى عن العارضة الحديدية، ثم سحبها من رجليها إلى الفوهة وقذفها من فوق كتفيه : مستقيمة متشجنة وسمع صوت ارتطامها بالأرض .. أما الجثة الثالثة فقد كان اسهل من اختيها ..
    قفز إلى الخارج واغلق الفوهة ببطء، ثم هبط السلم إلى الأرض، كان الظلام كثيفا مطبقا و أحس بالارتياح لأن ذلك سوف يوفر عليه رؤية الوجوه، جر الجثث-واحدة واحدة-من اقدامها والقاها على رأس الطريق، حيث تقف سيارات البلدية عادة لإلقاء قمامتها كي تتيسر فرصة رؤيتها لأول سائق قادم في الصباح الباكر.
    صعد إلى مقعده ودوّر المحرك ثم كر عائدا إلى الوراء ببطء محاولاً قدر الإمكان أن يخلط آثار عجلات سيارته بالآثار الأخرى، كان قد اعتزم أن يعود إلى الشارع الرئيسي بذلك الشكل الخلفي حتى يشوش الأثر تماما ..ولكنه ما لبث أن تنبه إلى أمر ما بعد أن قطع شوطا فأطفا محرك سيارته من جديد وعاد يسير إلى حيث ترك الجثث فأخرج النقود من جيوبها، وانتزع ساعة مروان وعاد ادراجه إلى السيارة ماشيا علىحافتي حذائه.
    حين وصل إلى باب السيارة ورفع ساقا إلىفوق تفجرت فكرة مفاجئة في رأسه ..بقي واقفا متشنجا في مكانه محاولاً أن يفعل شيئا، أويقول شيئا ..فكر أن يصيح إلا أنه ما لبث أن أحس بغباء الفكرة، حاول أن يكمل صعوده إلى السيارة إلا أنه لم يشعر بالقوة الكافية ليفعل.. لقد شعر بأن رأسه على وشك أن تنفجر، وصعّد كل التعب الذي كان يحسه فجأة، إلى رأسه وأخذ يطن فيه حتى أنه احتواه بين كفيه وبدأ يشد شعره ليزيح الفكرة .. ولكنها كانت ما تزال هناك :
    كبير داوية ضخمة لا تتزعزع ولا تتوارى، التفت إلى الوراء، حيث القى بالجثث، إلا أنه لم ير شيئا، ولم تجد النظرة تلك إلا بأن اوقدت الفكرة ضراما فبدأت تشتعل في رأسه .. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر فأسقط يديه إلى جنبيه وحدق في العتمة وسع حدقتيه .
    انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه:
    -"لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟.."
    دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعّد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود:
    -لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟لماذا لم تقولوا؟لماذا؟
    وفجأة بدأت الصحراء كلها ترد الصدى:
    -لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟


    -انتهت-

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •