Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 19 من 19
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    ( 0 ) رواية للشاعر الروسي أندري فوزينييسيينسكي

    ترجمة : عدنان المبارك

    [ أصدر أندري فوزينييسيينسكي ( 1933 ) الكثير من دواوين الشعر. وكتابه هذا هو نوع من اليوميات المكتوبة بلغة الشعروروحه. ففي تيار طلق من التصورات نجد ( تعايشا ) للناس والأحداث في ما أسماه بالثغرة السوداء. و يصف الشاعر ، في مؤلفه ، لقاءاته مع فنانين وأدباء كبار بينهم هنري مور وبيكاسو وشاغال وأراغون وشوستاكوفتش. وتلهم هذه اللقاءات المؤلف في طرح تأملاته المتعلقة بالقرن العشرين ومحاولة العثور على صيغة للمعاصرة وتحديد مكان جيله في عالم اليوم البالغ التعقيد. وواضح أن فوزينييسيينسكي لا ينتمي الى فئة الشعراء الروس المعنيين بالحس الفلسفي والقلق الميتافيزيقي أوالسبرالأكثرعمقا لكل ( مآزق ) الإنسان المعاصر. إنه شاعر منبري بشكل واضح و ينزع الى الطرح (العلني ) لإعترافاته التي تبدو طافية على سطح جوّانياته، ولا أبتعد عن الحقيقة إذا قلت إن فوزينييسيينسكي هو من أفضل ( أدباء الدرجة الثانية ) على حد تعبير فيتولد غومبروفتش عندما تكلم عن هنريك شيينكيفتش مؤلف رواية ( كوفاديس.) والحائز على جائزة نوبل..إلا أن للتناول الإنطباعي لدى هذا الشاعر الروسي، للعديد من قضايا وظواهر الحياة السوفييتية وغيرها آنذاك ، نكهته المتميزة . المترجم ]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    بعد ظهر يوم قائظ نسيت أن أوصد النافذة التي دخلت منها الثغرة السوداء " 1" ، وأنا لا أتذكر الا إنبعاج إطار النافذة. وكان السقف المحدودب لغرفتي الفقيرة التي هي الأكثر بؤسا في الحي كله ، قد اخذ يختض كما لو أنه قد وضعت رقيّة كبيرة مرتجفة في علبة ( ترانزستور ) كارتونية .
    ووسط الغرفة تربعت الثغرة السوداء . كانت كروية. دفعت السقف وصدعته. ظهرت فيه شقوق ، وأخذ كلسه يتساقط.
    ماياكوفسكي إستطاع أن يتناول الشاي بمعية الشمس ، ولماذا لست بقادر على تناول الغداء مع ثغرة سوداء ؟ إنزويت في الركن مذعورا. كانت الحال مؤسية حقا. ففي الثغرة كان ينبض برد ملتهب. وعلى الحائط المقابل نفر الزجاج من لوحاتي وصار شبيها بأقداح الحجم على الظهر. أما بابا خزانة الملابس فإنبعجا وصارا شبيهين بشراعين.
    قالت : - أنا حضارتكم الضائعة.
    أهي النهاية حقا ؟.
    ماالذي حصل للبشر ؟ أين أمي ؟ أين أنت؟ أين ناتاشا؟ أين الأصدقاء؟.
    ما الذي حصل لي ؟ متى ؟ لماذا؟.
    هل نحن قد بالغنا في تقدير التكنيك أم إستصغرنا قدراته؟ أم أنه دمر نفسه بنفسه؟. أنت تكذبين أيتها الحمقاء !. أنظري ، زهور البابونج الحزيرانية تزهو وهي تصل الى حافة النافذة. في التلفزيون مباراة مثيرة في كرة القدم الدولية. لابد للناس أن يشاهدوا الخاتمة. إشتريت بطاقتين لرحلة على متن السفينة. إنساننا لايسمح لنفسه بتمزيقهما. أيّ مؤامرة للرجعية العالمية ،أيّ قوى خارقة تعجز عن تغيير الحال .
    - أنا لست بكارثة بل فرصة .
    - إذن لم حشرت نفسك هنا ، أيتها الوحش المصنوع من حديد الصبّ ؟. إذهبي الى المطبخ وإبدأي بقلي البطاطا . لماذا تهرسين النفس ؟. كنت أصرخ فيها وقد منحني الذعر المزيد من الجلد. لقد أتلفت خزانتي الوحيدة!. عودي الى المكان الذي جئت منه. الأقمار يصوغها صانع البراميل في هامبورغ. والثقوب يعملها هنري مور قرب لندن. هيا ، إغربي عن وجهي !.
    قدّمت لها سيجارة ( مالبورو) فنلندية.
    شكرتني قائلة : - أنا لا أدخن.
    في سنوات العشرين من القرن تجاهلتك شمسك وهبطت عند الشاعر. لماذا في هذا اليوم بالذات ، بعشرين سنة قبل نهاية القرن ، تظهرين هنا؟.
    كانت بلا عيون ، كرة مؤسية من نظرة بلاحدود.
    قالت : - أشعر بأنني وحيدة.
    وهكذا قطنت بيتي .
    (قالت). إنها ليست بالكلمة الدقيقة. فهي لم تقدر على الكلام ودون أدواته. طرحت أفكارها حسب إلا أنه كانت تصدر عنها في بعض الأحايين، تنهدات ما غريبة ولها وقع حرفنا ( أو ). وكانت فيه دهشة وإفتتان حزين واسى كامد وأنين. اسميتها ( او ). وكان يكفي أن اذكر في قرارة نفسي ( او ) كت تظهري على الفور.
    والآن أفكر بأي شيء جذبها الى نافذتي ؟ شوقي ؟ طوال اليوم لم أرك ولم أسمع عنك أي شيء. ولربما السبب هو أوراقي الملقاة على الطاولة؟.
    أيّ شيء كتبته اليوم ؟.
    عن العمارة المنبوذة ، عن ثقوب المصائر ؟ عن العباقرة الخمسة للقرن الموشك على الرحيل ؟ عن الزنابير وشتى القضايا الأخرى؟.
    الذاكرة ، عاملة التلفون نصف الواعية التي تعمل 24 ساعة في اليوم وتخلط ، مصادفة ، الأصوات . ثقوب لوحة الهاتف تدور.
    اسمع صوت الناقد العليم الذي يقرا العناوين فقط : هل يمكن أن يكون حرف كحرف الواو موضوعا؟ المؤلف يعترف بنفسه انه صفر ما، ها ، ها ،ها هكذا عنون ، بالضبطن مؤلفه: اندري فوزنييسيينسكي - واو ..
    ( عن ) نظرة الأبدية المصوّبة إلينا كما من جداريات روبلوف وأيل غريكو وفروبيل ؟ ( عن ) الحياة التي هي الآن وكانت في الوقت ذاته؟ " 2"
    ( عن ) الإنسان - الضمير في مشغل موسكوفي ؟ ( عن ) رحلة الى الجزيرة ؟ ( عن ) منحوتات خريفية محفورة من الداخل ، جوفاء ؟
    ( مكالمة خارجية . تفضل )
    يجلس على كرسي دون مسند، ونظارته على أنف صقري ، يحرّك حاجبيه الكالحين في الهواء الطلق - النحات الإنجليزي العظيم الذي يبدو كأنه فلاح من الغابات ، جلس هذا المضحك وهو يغمغم ويصنع تلك المنحوتات الصغيرة من الجبس ، إنها نحن جميعا.
    أجلس مع مور في ساعة أفول الشمس ، وكل شيء بلون الرماد.
    امامه على الطاولة سلك معدني وجبس وفك ما وجزء من عظم يعود الى العصر الحجري القديم. منحوتاته الصغيرة شبيهة بالفستق السوداني . قشرتها مجعّدة الا أنها بيضاء ، جبسية. بعضها يقف على الطاولة وكأنه لعب بهيئة جنود من فستق و آخر مرمي يشبه جذوعا جافة كلسية لزنابير ميتة.
    مور العجوز - خالق الثقوب.
    ثقب غير منته يقف متكئا على الجدار.
    عمره 38 سنة . في الآونة الأخيرة يشكو من إصابة في العمود الفقري. يصعب عليه التحرك لذلك يشكل هذه المنحوتات الصغيرة ثم يكبّرها مساعدوه الى أحجام المكعبات الضخمة. مشغله صغير يناسب منحوتاته .عند الحائط يبيض النموذج الأهم - جمجمة ماموث بثقبي العينين الصغيرتين، وفقرة ضخمة بحجم المغسلة.
    هاهو القرن العشرون يقوم بوضع الحصيلة ، يبحث عن سند، عن فكره بكل دقة ، ويعثر على ما طاش سهمه ، يزيل بالمبضع نتوءات الجبس.
    ولقد تبين أنها ، برغم كل شيء ، وحش مدّجن . وكنت آخذها للنزهة. غذاؤها كرات الطاقة التي تمتصها من على مبعدة ، من القطط والمفكرين وبطاريات السيارات ومحبات بوغاتشوفا " 3 ".
    كنا نمضي تاركين وراءنا في الشارع القطط شبه ميتة - جلودا منتوفة الشعر. لم آخذها مرة اخرى الى ( كوتييلنتشيفسكا ) ، ففي المرة السابقة إمتصت الطاقة كلها من المحطة الكهرومائية هناك.
    عليّ القول إن طباعها سيئة للغاية. كانت متقلبة المزاج كثيرة الزعل مشحونة على الدوام بشحنة ما سالبة ،غيورة على الحياة البشرية. أعطبت الهاتف . وكانت تسترق السمع لمكالماتي . ففي الجهاز كانت تسمع أصوات لمتكلمين عديدين. تضاعفت الأصوات ، أصوات الأخوات بيري ومكتب إدارة ، ولأحدهم إسمه الكسندر سيرغييفتش . كذلك كانت تسمع أصوات كالمواء والزمجرة والسعال. عرفت أنها مشاغبة حقا. لم تكن تحب المكالمات الهاتفية عن العمارة بشكل خاص.
    عرفت من أقوالها أنها لم تصبح ثقبا كاملا بكل معنى الكلمة بل شيئا متناهيا في الصغر إنفصل عن كتلته وبات ضائعا. وعلمت أن الثقوب السود هي مجمع الذاكرة والمشاعر المكثفة وليس كما يعتقد الناس ، الإنتقال من مكان الى آخر . عرفت أن الظلام ليس إنعدام الضوء بل هو طاقة خاصة للعتمة, ومرة بحثوا عنها. حصل شيء شبيه بالتعتيم. الدجاج أنّ والكلاب عوت والقطط أصابتها الهستيريا . وحل العطب بموصلات الكهرباء . وإنتشرت منها العتمة الكالحة في كل مكان.
    إنزوت تحت الفراش وحبست الطاقة في داخلها كي لاتعرف العتمة مكانها . أي شيء أعجبها عندي؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    وإعتاد الأهل على وجودها. اسموها ( كوس - كوس ) . وقبل السفر حبستها في القبو.
    في إحدى المرات حبستها ثم توجهت الى المرتفعات. ألقت الثغرة فجأة بنفسها ، وهي في أوج الغبطة ، تحت قدمي . حين كنت أسير في طريق سوي تدحرجت وكسرت عظم الترقوة.
    كانت مغرمة بلعق بطاريات الترتنزيستور. رأيت كيف تمددت في الهواء الطلق على الحي كله ، ومعه طريق مينسك لغاية الموتيل. وفي منطقة بييرييدييلكينو إنطفأت الأضواء لكن من أجل راحتها تقلصت الى حجم كلب ضخم اسود الشعر.
    وكانت لنا تسليتنا. كنت أتقافز فوقها. وحين أتعلق في الهواء تتحفز هي ، وفجأة وجدت نفسي فوق هاوية ( داريال ) الا أنها تقلصت بسرعة ، أما أنا فهبطت على أرض صلدة من جديد.
    وما تحبه أكثر من غيره حين أرميها ككرة طائرة وأدفعها عن نفسي بالحقول الكهربائية لراحة اليد والأصابع. كانت تتدحرج آنذاك غارقة في الضحك ومطلقة التنهدات بطريقتها الخاصة ، كانت تتقافز، بتسلط ، على رأسي وترتطم بكفي ، وأيّ سعادة كانت وأيّ بهجة. لكن سرعان ما أصابها الإحباط والإكتئاب المزمن . وصارت الحياة معها لاتطاق.
    خلال الشجارات الصغيرة كنت أنسى بأنها ما زالت طفلة. كما نسيت تماما أنها الكون.
    أنتظر عند عتبة مور.
    الأرضية ذات صرير برغم أنني أحاول أن لا أتنفس تقريبا. فقد إنتبه هو إليّ. وجهه الطيري بعينيه الحادتين يرتفع الى أعلى ، نظرته غائمة بالمودة الا انها لاتكف عن الوخز. أحس فيه عتمة كامدة وطاقة آمرة. أنت تفهم بأنه قد يكون طاغية لأنه نحت من صخرة أمه - الأرض الخالدة ، ووضعها أمام مبنى اليونسكو . إبن عامل المنجم يعرف الثقل الروحي والقوة السوداء لرحم الطبيعة ، واهبة الحياة.
    النظرة الكاسرة تتفحصك.
    - أنت لم تتبدل على الإطلاق!. النظرة تديرك كما لو أنك موديل للنحت على القاعدة. تجمع أطرافك - لم تتبدل تماما منذ تلك السنوات.
    النظرة النفاذة تجسّك هنا وهناك كما يقطع الطين الزائد ويرمى عقدان من الزمن. تحس فجاة في الساعدين برعشة الخفة ، والتحليق في الجسد الذي تحرر من ثقله ، السروال الضيق يهب الخطوة جناحا ، ووراء النافذة يضج آيار 1964 ، وأنت تقف تحت نظراته - عليك أن تصعد الخشبة اللندنية حيث يلقي لورنس أوليفير الباهر أبياتا من الشعر.
    ( أنت لم تتبدل على الإطلاق ) - آه ، أيها المادح العجوز ، أنت لم تتبدل أيضا ، مور يا سيدي...
    القرن يمسح يديه بالمرولة بطريقة بيتية . يتظاهر بأنه لايعرف الغرض من مجيئي.
    - إبنتي تزوجت . أنت تذكر ماري ؟
    يريني مور صورة فوتوغرافية أفريقية لعائلة مشمسة . ومن الذاكرة يسبح النمش الذهبي كما لو أنه نجيمات عسل على اللبن الدافيء. نمش ماري إختقى تحت البشرة التي لوّحتها الشمس . نظرت الى ساعتي . كان اليوم العشرين من الشهر الحادي عشر . الساعة الحادية عشرة والدقيقة التاسعة والخمسون صباحا.
    مرت ساعة أم قرن؟ لا أعرف.
    إختفت !.
    يبدو الأمر كأنني طردتها بنفسي. كانت عواصف كانون الثاني قد بدأت تهب. والسكن معها إزدادت مخاطره. ومصير عائلة بربروف هو تحذير لي. الأصدقاء حذروني أيضا. الطائرة المحلقة فو ( فنوكوفو) بدأت تنحرف عن الطريق المار فوق منطقتنا. ومظهرها البريء أقنعني بأنها هي المذنبة .
    في ذلك اليوم كان يرّد على جميع مكالماتي الهاتفية بوشكين ويوليوس قيصر وحمّام تشوغوييف. أحدهم إمتص مني فكرتين باهرتين . آخر لحس الظلام كله من الأباريق. أما هي فقد غمرتها السعادة وأخذت تطالب بالمديح.
    - قومي بعمل نافع . أتركي خطوط ( أيروفوت ) لحالها. أقرانك يتعلمون ويخترعون. من لحس مرة أخرى حامض البطاريات كله ؟ إذا كنت تشعرين بالضجر لا أحد يمنعك من الرحيل.
    لقد أهنتها.
    نظرت إليّ عاجزة غاضبة. حشرت نفسها في فتحة الشبّاك العليا وطارت.
    - الشباك سيبقى مفتوحا طوال النزهة.
    فكرت بأنها بدون معطف لكنني تذكرت عقم المسألة.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    لم تعد في اليوم التالي ولا في يوم الأربعاء.
    لم تكن تحت الفراش ولا في الحديقة وراء خشب الوقود ولا في خندق الطريق ولا في هضبة المقبرة.
    صنعت من راحة اليد بوقا وناديت (واو واو واو )!.
    جاءني الصدى لكنه لم يكن ال( واو ) الأخرى. لم تكن هناك .
    يخيل لي أنني أحس في أعماق الصالة المظلمة بنظراتها ، وهذا السبب في أن الحفلات والعروض تجذبني. مرة أحسست بأن الحزن يهصرني حين وقعت الطائرة في مطبّ هواء وأدركت أنها لابد من أن تكون بالقرب.
    ثم نسيتها.
    - هل تشاهد الان ثقوبي؟
    يقفز مور من على كرسيه . تحاول أن تسنده . ينحني ويقفز الى الخارج مستندا على عصوين ، يتجه بعدها ببطء عبر الممر صوب السيارة. في مظهره الضخم قوة وخفة ، إنفلات ما . لو لم يكن موثقا بهاتين العصوين لطار ، بلاشك ، صوب السماء كبالون مكعب الحجم. شأن الحال مع دغل أزهار الإقحوان المقيدّة الى عصي طويلة مغروزة بالأرض ، وهي في كيسها السيلوفاني الذي يحميها من صقيع الليل.
    الريح ، ويالها اليوم من ريح !. تعبث ، بعنف ، بخصلات شعره الأبيض كما تخطف شالي الناعم الذي يتلوى كأفعى في الممر ثم يهبط في دغل شوكي.
    الريح تعبث بشعر آن القصير المحاط بأشرطة ملونة . آن هي بنت أخت مور. الريح تعدو في العشب، تنفخ ، تقطعه خالقة أعمدة فضية طويلة من غمام ، الريح تمشط تلك الأشرطة وتجمعها كما لو أن هناك من يبحث عن براغيث في العشب.
    يجلس وراء المقود ، ويجلسوني الى جنبه كي أرى كل شيء بصورة جيّدة. تتحرك السيارة بالكاد متنقلة في الحديقة ، في متحف مور. لاتوجد في العالم مثل هذه الغاليريات. حديقته رواق طويل يخترق الأشجار التي تقف المنحوتات بينها وتقعد وتستريح في الهواء وكلها حنين. المنحوتات التي هي أفكار ضخمة من حجر. العشب الزمردي الإنجليزي المسوّر بإدغال الشجر وبينه البتولا ، يبدو كصالات خضر.
    - على النحت أن يحل وسط الطبيعة - يصلني صوت الخالق ، الخفيض - ينبغي أن تحلق من خلالها الطيور. من المفروض ان تتغير الإنارة على وفق حالة السماء وأوقات اليوم وفصول السنة.
    السيارة تمضي دون ضجة مثل الغروب الذي يلتف على الأفكار ويزحف في العشب ، تاركة هناك على العشب المجعد سكتين من فضة مدوّرتين. السيارة تدور حول الأشكال الفراغية. وكما الحال في شريط سينمائي للأنباء أبطئت حركته تظهر أشكال جديدة بلا إنقطاع.
    - على المرء أن يشاهد الأشكال الفراغية وهو في حركة.
    مرة يسرع قليلا وأخرى يبطيء. يبدو هادئا وفي بعض الأحيان يضطرب الصوت بعض الشيء ويبحّ. لايمكن رؤية أشيائه في أمكنة مغلقة ومن جانب واحد فقط.
    - إن أسوأ مكان في الهواء الطلق ، في العراء ، هو أفضل غاليري في أورع القصور. على الشيء أن يتحد مع الطبيعة ، أن يصبح إياها. أوه ، هذه عمرها خمس عشرة سنة - يتكلم عن النحت كما لو أنه يتكلم عن شجرة تفاح أو بقرة . الى إحدى المنحوتات يصل طريق للخراف. وهذه المنحوتة( قوس عمارة خروفي ). هيئتان من مرمر تتوجه الواحدة صوب الأخرى برهافة. محنيتان ، تحنو الواحدة على الأخرى كأم مع طفلها . وتحت الغطاء الذي تكونانه تحت قوس الحنو المرمري تحب الخراف السير. فهي قد شعرت برحابة الأشكال التي تلجأ إليها في القيظ والمطر. ولكم عليك أن تحس بالطبيعة كي تحبك الحيوانات !. الحبّات السود اللامعة الطرية ، بعرور الخراف ، تلمع بلون مائل الى الزرقة كأنها حبات زيتون.
    ووسط المرعى الصغير جمد عملاق كئيب شبه راقد. أكتافه ضخمة وبينها رأس كأنه حبة مسبحة.
    ( الأستاذ ) يحب حجر ( ترافينتينو )"4". فهو مادة قوية وذو نسيج من نوع خاص. يبدو كأن حشرة الأرضة قد إلتهمته ولذلك يتنفس النحت كله ويحيا وينبض كأن جموعا كبيرة من النمال الشبيهة بالنقط الصغيرة تتلوى على سطحه. والمنحوتات الواقفة شبيهة ببيوت النمال الضخمة بألوانها البيض الرمادية.
    أنت تقف حتى الركبة في العشب والأبدية.
    من خلال الثقوب ذات الشكل البيضوي لتلك المنحوتات شأن الحال مع النوافذ المدورة للسفينة ، تسبح في الريح المشاهد الطبيعية المتغيرة والغيوم وأغصان الأشجار.
    وفي الأخير هذه هي ثقوب مور الشهيرة. فهي التي صارت أساس أسلوبه وشخصيته. صارت دوامة للزنابير التي جاءت متأخرة. الناس يرون العالم من خلالها. وبإمكان كل إنسان أن ينتقي ، هنا ، الحزن والمصير اللذين يوائمانه. يكفي أن تعرف قوتك الروحية حسب.
    إن الأمكنة والأحداث ليست حولنا فقط بل فينا أيضا. وجريانها فينا هو مرئي ، حين يسلط الضوء على مشاهد الألم والوجوه والفراق ، حين تقوم الأمكنة ذات الأبعاد الأخرى.
    هذا ثقب يصل المكانين : ( هنا ) و( هناك ). هنا ثقوب التأريخ العام. آه ، إنها شأن الرياح التي تصفر في النافذة التي فتحهابطرس الكبير على أوربا !,
    هذه هي الذاكرة ، ولربما الشعور بالخطيئة والندم؟ من خلالها تبدو الغابات والتأريخ.
    ندور بالسيارة حول فكرة ( العاشقين ). ليست هي نحتا بل أشكال للحياة . تنفلت سواعد وأرداف وأعناق إهليلجية الشكل. يتكشف الفراق. خطوط الحياة . المهاوي!. اللقطات القريبة.
    لقد رفعت يدك المدوّرة فوق حيّنا وعندما جمعت شعر الرأس كان ينفلت حلقات نابضة من مقصّات ذهبية. وفي المكان البيضوي الشكل والمغلق بالجانب الداخلي من اليد الذي لم تلوّحه الشمس، بالعنق والخدّين يجري الطريق والجسر الصغير. ويحلق الطير.
    تقف حتى الركبة في العشب والأبدية.
    ونمضي أبعد.
    إنفعال لايعرف كنهه أمام النحت التالي. غصّة في الحلق ، أرجو إيقاف السيارة. نخرج منها.
    هيئة ذات شكلين بيضوين من المرمر الداكن اللون ، وفي وسطها ثقب ، ترقد أفقيا كأنها إذا وضعت على أحد جانبيها فإنما تتحجر في تمثال لقيثارة فيسوتسكي "5 ".
    وبرأس محني.. كلا ، في البدء ليخص الحديث تاغانكا ، العام الذي زرت فيه مور للمرة الولى كان عام إفتتاح ( المسرح في تاغانكا) . وكان الزمن سعيدا لايخشى المجازفة، زمنا مبدعا . جاء الى غرفتي يوري لوبيموف. فتيا بجسده الرياضي ، مرتديا سترة بالونية سوداء ببطانة حمراء . قدم مع لفينا المدير الأدبي للمسرح وإقترح عليّ عروضا في المسرح الجديد. وكان المسرح قد أعد الجزء الأول من عرض لأشعاري. وفي الجزء الثاني ألقيت الأشعار بنفسي. إجتمعنا خلال أمسيتين. وبهذه الصورة ولد العرض المسمى ( ضد العوالم ) . قدّم ثمان مرات على هذا المسرح. أما العروض الأخرى فكانت أكثر بمرتين في اضعف الأحوال. وحين أعددنا العرض التالي لم نفترق لحوالي نصف عام.
    الحناجر الشابة الموهوبة كانت ترافق القيثارة بصراخها ضد العوالم - هراء. ومن بينهم كان هو الأكثر إهمالا ولامبالاة كما لو أن سحرا ما يقيه من الموت. فتى مربوع القامة يرتدي على الدوام سترة شبابية مرفوعة الياقة. كان ينحني الى الأمام كأنه عدّاء مسافات طويلة يتأهب للسباق.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    من هذه الصفحة تبصر عيني بإستقامة ، وجهه الفتي المتعب بفكرة ما ، ومنذ سنوات طويلة يقترب مني ويكاد أن يلامسني برموشه الطفلية. الجبين ينفلت مائلا الى اللوراء تحت خصلة الشعر المقصوصة, الإبتسامة الصغيرة في العيون بلونها الفاتح تخفي سؤالا لم يقل الى النهاية. وفوق الشفة ينتشر شعر قصير إذ يبدو أنه قد أطلق شاربيه من أجل فيلم جديد. ما تحت الحنك ليّن وممتليء. وعلى العنق المتوتر تنفرالأوردة. وهذا ما أثار بالضبط الخشية عليه.
    ومن أراد أن يلون بورتريهه يكتشف مدهوشا في محياه ملامح إغريقية - عظم الجبين المائل كما عند أبوللو البلفديري ، الأنف القوي المستقيم ، الحنك المدور ، وكل هذا حجب السحر الحي ، الإبتسامة الصغيرة وذاك اللهيب الخادع، أضواء النجم الروسي ، الأضواء المنيعة التي لاتقبل التفسير. فهي تختلف كثيرا عن الأخرى الخفيفة لنجوم البوب الغربية. وكانت أنتيكية شارع تحوّلت الى صوت اليومي ، يومنا - كلاسية الباحات الموسكوفية .
    يلله، على مهلك ياجياد!
    يالله ، على مهلك..
    ألم يكن هو الذي صعد الى سطوح المدينة من أجل رهان وخطف عربة الرومان المصبوبة من حديد؟.
    لم أره قط مرتديا سترة.. اربطة العنق كانت تضغط على رقبته لذلك إرتدى البلوفرات والقمصان المفتوح أعلاها. في الأيام العادية كان يطرح هزءه بالنكات كما لو أنه خبأ قوته وصوته لما هو الأهم. ولقد إقتربت من ( ضد العوالم).
    في مونولوج ( الغراب ) أثار حماسة الجمهور الذي كان يئن إعجابا. بعدها قدّم تأليفا خاصا كشف قدرته التراجيدية الفائقة كممثل. حين دوت عاصفة التصفيق أوقفها بيده. ( الرجاء لحظ صمت). كان يقولها بصوت مبحوح ، إنطفأ الضوء ، وجذب كشافه اليه، غرزه كفسحة بين أشجار الغاية ، في بطنه وأمعائه ، وبصوت متصاعد النبرات أنهى إلقاءه بأشعار أخرى ( ليبعث الله إليك بصنو..) وخلفه كانت الهاوية تزفر. ولهذا البيت الشعري وضع الموسيقى ، وبعدها صار الأغنية التي أداها في حفلاته.
    كان قلب يسينين ، الريفي يحس بالميل الغامض الى القبعة العالية وأناقة السيارة ، وبالنسبة لفيسوتسكي ، إبن المدينة المتهور ، صارت الخيول وزهور المناخ المعتدل الحاجة ذاتها التي تحاذي المعجزة.
    ( يالله ، على مهلك يا جياد!) الا أن الجياد عدت. عدت جياده خببا . ووجدت فيه ذاتها نغمة ضواحي المدن وباحات البيوت وروسيا المزفتة على عجل ، إلا أن هذه النغمة الروسية اليسينينية ليست الآن ذات طبيعة فلاحية بل أخرى جديدة. مدنية . ولهذا فهو قريب من سائق السيارة والجنرال والممثلة - أطفال البلد ذي البناء المحوّل.
    ومن قال إن الإبريز لايظهر الا في المياه الصافية وأدغال الغابات المحروسة أو غابات موروم؟ وإن الرعاة هم من يختارهم الحظ؟ في المدينة يعيش الناس أيضا. وفيسوتسكي هو الأبريز الراقد في تلك المياه . صار أسطورة حيّة لحاضرنا، موضوع الحديث وحكاية الباحات ، وعلى مسرح مزدوج لقيثارته إختطف تلك الحورية الفرنسية الشقراء "6 ".
    وخلق موته بحرا من الأشعار ، بينها الشعبية أيضا. والأهم فيها صدقها. أراني بعضهم أشعارا لم ترها عيناي قط. وللأسف عليّ الإعتراف بأنني مؤلف ثلاثة أبيات مكرسة لذكراه. ثمة ( رثاء ) واحد أسموه ب(المتفائل) ألف حينما كان حيّا يرزق في السبعينات. ومن بعد أحياه ( باداليان ):
    إندبي ياروسيا
    متشردك ذا الفم الذهبي
    كما لو أنك فقدت رسولا!
    جاء رسول لأزماننا
    لأزماننا.
    وهو أمر فظيع أن تلقى هذه الأبيات بشكل مغاير اليوم. الا أنها قد أعجبته آنذاك. أراها لأبيه. وحين جاءت الحورية رجاني أن أقرا لها هذه الأبيات.
    وهو أمر شاق مواصلة الكتابة عنه. الإستماع الى تسجيلاته الموسيقية يحز في النفس ، ولأنه يحيا فينا جميعا وببالغ القوة.
    وفي الذكرى العاشرة لمسرح تاغانكا غنى لي على الخشبة. وكان الغناء جوابا :
    ملامح الطفولة بقيت في وجوه الرجال
    الفكرة البكر التي أطلقت في الغيوم.
    مرحبا بك يا أندري ، يا أندري ، يا أندري أندرييفتش فوزينييسيينسكي
    وليبعث الرب إليك بصنوك..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    سأعود للمتابعة لاحقا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    ولكم هو أمر فظيع الإستماع اليوم من هاوية الزمن والمصائر الى صوته الحي.
    لم يشكو قط. وفي الشعر كان له معلمون جيدون.
    كان إنسانا هادئا وطيبا لأصدقائه ، رقيقا، وفي الحشد متواضعا للغاية . وفي المسرح كان الأخ الصغير المحبوب . بصورة طفولية كان يجمع ولاعات السجائر ، وفي مجموعته ولاعة ( رونسن ) إشتريتها له في لندن. أحبه الجميع ، وهو أمر نادر في وسط الممثلين . الا أن الضياع كان له بالمرصاد وكان يقتفي خطواته ، ليس مجازا بل بالفعل.
    في أثناء بروفة ( هاملت ) إنهار هيكل معدني يزن أطنانا، وقبل صعوده الخشبة بلحظات . سحق الهيكل تابوت هاملت . بعدها جرّوه بالحبال . لحسن الحظ كان فيسوتسكي مشغولا بالحديث وراء الكواليس.
    كان يأتي الى بيتنا وينشد أغانيه ، وبشكل خاص حين سكنا قرب مسرح تاغانكا قبل أن يطردني مرض الحساسية من المدينة.
    وهناك في شارع كوتييلنتشيسكا إستقبلنا عام 1965 على وقع قيثارته.
    تعال أيها القاريء . خذ كرسيا أو إجلس على الأرض . خذ قطع البطاطا الساخنة وسمك الرنجة المطلي بالزيت والمنفلت من الأصابع. إسكب في قدحك ما وهبه الرب. تفوح روائح شجيرة عيد الميلاد المغمى عليها تحت الشموع الصغيرة . هذه الشجيرة جاء بها قبل أيام ، فلاديمير مع صحبه. وكانت مفاجأة.
    الضيوف أجهزوا على ما كان على المائدة. لم يكن بيننا الغني ، والآن يريدون طعام الروح.
    بولات النوستالجي "7 " خالق الحياة الوترية في البيت الشعري يضبط بشكل آمري ، كالعادة ، أوتار قيثارة لايعرفها و يختلس النظر إليّ أولا وبعدها ينشد أغنيته ( فرنسوا فييون ). هل فكر حينها بأنه سيكتب فيما بعد ( لقلق موسكو الأسود) ؟.
    إبليس المستقبل ، فيينيا سميهوف حاليا، يزين النخب بالغمز واللمز وطوال سنين حين أثبّت البصر على هذه الشخوص أجد ضيوفا من ليال أخرى في هذا المسكن. يتراكمون عليها ، ولا أعرف من كان هناك ومتى.
    هذا أوليغ تاباكوف بإبتسامته السامة التي ترتسم على وجه كوبيدين النزق . إنه لم يحلم بعد بأدواره الكبيرة حين مثل شخصية أوبوموف أو في ( قصة إعتيادية ). إنه موتسارت الرعيل الذي ولد في سوفرييمنيينيك. السهوم الثقيل كالعذاب ينكس رأس يوري تريفونوف بمنخاره وشفتيه البارزتين مثل ثور آشوري . وللأسف لن يجيء إلينا مؤرخ حياة موسكو الإسفلتية.
    بيلا تقرأ الأشعار رافعة عاليا ذقنها البلوري وبصورة لانرى فيها فمها ولا وجهها . فالوجه يضيع في الظل ، والعنق لوحده، العنق المكشوف الأعزل ينبض برعشة غير أرضية ، مؤثرة ، وبصوت الشهيق المتشنج.
    وبعدها أسكرت الجميع ( مائة عام من العزلة) . عند نهاية الطاولة غابريل ماركيز ، العسكراتي ، يلقي ، من الذاكرة ، مقاطع كاملة من دوستويفسكي ، وهو يتراجع أمام مد اللهيب الذي ينفثه يوري كاراكين ، أمام جذوة دخان.
    في الزجاج المعتم للوحة تنعكس الجدائل الثعلبية ل(لاسافينا) التي تقلد عابثة صوت بيللا. دانييل غرانين يقول وإبتسامة ساهمة على محياه ، شيئا الى رجل الفضاء الذي جاء إلينا من بعد آخر.
    وكان بيننا شاغال أيضا. شفاف كرسم حكائي للصقيع على الزجاج ، المزين بالتورد للوجه. وبهذا الأسلوب بالذات عمل الرسوم لأشعاري. وها هو يحني رأسه مختلسا النظر تحت فرشتي الحاجبين الرقيقتين ، الى الثقة بالنفس المهيبة عند كونستانتين سيمونوف، بعدها يتنهد قائلا الى ( وزا ): أوه ، لم أتناول منذ أمد طويل مثل هذا الحساء. نصف صحن إضافي . ممكن؟.
    لقد أخطأت . كان هذا اللقاء في وقت آخر. أنت تقودينني في طريق الضلال أيتها الثغرة السوداء الغبية . حصل هذا الشيء في بييرييدييلنكو . فاليوم بوريا خميلنتسكي هو بدون لحية. أسموه بامبي ثم فاليري زولوتخين الذي كان بلا شاربين آنذاك. زولوتخين يسعل مبتسما كما لو أن شيئا خدش حنجرته كما لو أنه ينظفها قبل أداء أغنيته التي لاتعرف الحدود ( يا صقيع ، ياصقيع ..).
    ماريا بليسييتسكا في فستانها الذهبي الضيق تتكيء على صدر شتشيدرين العريض القوي كأنه مسند أسود لكرسي. كأنهما أمام أبصارنا يقومان ببروفة غنائية. وكل واحد رسم ، بسواد ، هاوية المصير ، مصيره.
    تاريفيرديف الذي لم ينفض بعد ، عن رأسه الشعر الأبيض القصير - الثلج ، ألقى بسترته الجلدية ، من جلد الفقمة، على كومة المعاطف والفرو في غرفة النوم ، مكشرا كأنه يعاني من أوجاع الأسنان، ثم جلس أمام البيانو الذي لم تضبط أوتاره بعد.
    من خلال باب الشرفة تتطاير ذرات الثلج وتذوب عند وصولها الساعدين العاريتين لرفيقته ذات الجمال الخلاب.
    من خلال الباب المفتوح يرنو سواد بئر الباحة . سواد جاذب.
    الباحة تغني بصوت فيسوتسكي.
    وحين ضرب الأوتار بعنف أخذت تسري الرعشات. غنى بصوت مبحوح وبشكل يليق بالعصر.
    يالله . على مهلك يا جياد!
    إنها أغنية رائعة.
    عندما كان يغني يخشى عليه الجميع . فهو شاحب وعلى الجبين المرشوش بحبات العرق كانت تنفر العروق. وخيل للجميع أنه بعد لحظة ستتمزق الحنجرة وأن الصوت إنتزع منها بكل جهد..
    قال باسترناك عن يسينين ( في الحياة كان أميرا باسما لكن حين يبدأ بإلقاء الشعر يكون واضحا أن هذا الإنسان قد يبطش بأحدهم). وعندما غنى فيسوتسكي كان واضحا بأنه قد يبطش أيضا.
    أيّ شيء رأيته في فتحة القيثارة التي لايخترقها البصر؟
    في العام الثاني والأربعين من الحياة يصدر كتابك الأول ، وفي العام الثاني والأربعين من الحياة يصدر كتابك الثاني والثالث أيضا، سيكون عمرك 42 سنة حين يصنعون لك نصبا - كل شيء في هذه ال 42 سنة الأبدية.
    لحظة يافوووديا ، لاتمض ، واصل الغناء ، لاتمض ، لينتظرمن هو هناك ، واصل الغناء.
    يلله، على مهلك ياجياد!
    في عيد ميلاده ، في الخامس والعشرين من كانون الثاني أحمل منكس الرأس ، مع لوبيموف إكليلا من الزهور الى قبره. تقترب الذكرى الثانية لوفاته.
    الإكليل أعلى منا.
    يوري بييتروفتش يحني قامته ويركع معدّلا لهيب الشموع الذي يفحّ على الثلج.
    حين وصلنا الضريح أدرنا الإكليل ، وللحظة وجدت نفسي خلفه وامام المودعين . خلال غمضة عين إنبثقت في إطار الإكليل البيضوي وجوه الذين ساروا وراء الإكليل ومن بدأ العمل معه في المسرح. وجوه حميمة وحبيبة - بوريا ، تايا، فاليرا، زينا، كولا، آلا ، تانيا، فيينيا. إنهم ليسوا بفنانين ذائعي الصيت اليوم لكنهم عائلته ، مسرحه الذي جاء الى الشقيق الراحل ، يبكون بعد رحيله ، على سنوات المسرح المحرومة المسرات، يبكون ، يبكون..
    ماذا يقول لي النحات المضياف؟
    نمضي بالسيارة وراء السياج ، الخط النموذجي للتل الأخضر يغلق الأفق. الخط النقي يولد الإحساس بالإنطلاق والفضاء والحزن الهاديء . الطبيعة هي على الدوام أكثر كمالا من الأيدي البشرية.
    النحات يفهمك دون كلمات.
    - أرادوا أن يبنوا هنا مصنعا . لو حصل هذا الشيء لأفسدوا المنظر الطبيعي كله. وهكذا كان من الواجب شراء المنطقة كلها. عثرت على شكل مجزأ ، من طبقات. وكانت رغبتي أن أصنع نحتا هناك. برغم الحسابات لم أحقق بعدن الإنسجام. ليس البرونز والكلس خامته فهو ينحت بالتلال والسماء أيضا.
    - هل تذكر هذا النحت ؟ يسألني النحات حين ندور بالسيارة حول شكلين مسطحين يفصلهما ثقب، وكانا يبدوان كصحني صنوج أوركسترا قبل الإرتطام بلحظات.
    ... لورنس أوليفر الباهر يلقي الشعر. كانت هناك أمسية شعرية مكرسة لإليوت . العام 1964. الجميع كانوا على قيد الحياة.
    تقف أنت على خشبة المسرح بحرية ولا إكتراث. تيار الهواء تحس به في رقبتك. ووراءك تحس بتيار الهواء البارد، فعلى الخشبة الدوّارة يدور ببطء وطلاقة ، صحنان أبيضان رائعان صنعا خصيصا لهذه الأمسية . ودوّامة الصحنين تخلق إنطباعا بأنهما يتحركان ويكادا أن يمسا رقبتك ، وعلى الظهر تشعر ببرد خفيف ، وعلى وجوه جمهور القاعة يأتي مدّ من الإنعكاسات البيض ووراء النافذة تضج السنوات الستينية.
    ذلك الشعور السيء بإشتداد نوبة المرض المقتربة يضغط على الحنجرة. للأسف فهذا العام لم يبق في الذاكرة التصفيق والترحاب لوحدهما.
    أجهدتني خضّات وإرتجافات مؤلمة، وكانت قد داهمتني في العام الأخير وإستمرت بعناد وقسوة . نوبات هذا المرض إشتدت شأن دوار البحر بعد العروض، وفي الدماغ المحموم كانت تهوم حالات كسوف شمسية ومعها قبضات مرفوعة. قال الأطباء إنها أعراض إنهيار نفسي نتيجة الإجهاد العصبي والصراخ من وراء المنبر ، وحتى أنهم إكتشفوا حالات تشنج في جدار المريء.
    التجربة السائدة لهذا الوقت هي برودة المغسلة التي تلمس الجبين الملتهب. أواه يا أزهار الإقحوان المتقيئة!.
    أيتها السيدات . الرجاء بالإنصراف. وحتى أمامك أحس بالخجل . اعطني ، أرجوك ، منشفة رطبة بسرعة. لنقلب الموضوع ياروحي المسممة بشيء.
    خشيت أن يعرف الناس هذا الأمر. خجلت . لم أرد شفقة الآخرين. وفجاة ، دون أي إيضاح، خرجت من اللقاءات، قطعت العروض بجمل مبتورة. عافت نفسي الطعام. الكثير من أفعالي السيئة كان سببها الخوف من تلك النوبات . حياتي صارت ذات وجهين - بين الناس كنت واثق النفس شامخ الأنف ، وعند الإنفراد بالنفس معذبا بنوبات القيء. بعدها ببضع سنوات بدأ المرض يزول ولم يبق إلا في تشنجات الأبييات الشعرية.
    - أحسدك كثيرا - يقول النحات - الشعرهو الفن الأكثر كمالا من بين الفنون. النحت هو شكل مغلق على نفسه أما الشعر فهو صلة بين الناس مفتوحة. عرفت ديلان توماس ، ستيفن سبندر. الشعر هو ذلك الفرع من الفن الأكثر ضرورة.
    أفكر بالسنوات الماضية في ظاهرة الشعر، في ظاهرة بلادنا. خلال تلك السنوات لم أر ولو مرة واحدة كتابا لشاعر جيّد بقي على الرف ولم يشتره أحد. في اللقاءات مع الشعراء الموهوبين تكون القاعات مليئة بالناس . الصم إزاء الشعر أسموا ذلك موضة ، صرعة . لو كان ذلك موضة لما إستمر ربع قرن. الشعر هو العشق القومي لبلادنا.
    عام 1964 اللندني لم يشتهر فقط بالأمسية النخبوية لإليوت. فأصداء لقاءات موسكو الشعرية حين جاء ولأول مرة في التأريخ 14 ألفا من الناس لسماع الشعر، قد هزت الشعر الغربي. حلبة المعركة من أجل مستمع الشعر صارت قاعة (ألبرت هول ) المدوّرة، ذلك البناء السيركي الجهم الذي يسع خمسة آلاف شخص. كان ذلك مجازفة للندن. فلقد جاء زعماء موجة الشعر الدمقراطية. قدم غينسبرغ مع عصبته ، بخصلة شعره غير الممشطة وتلك اللحية من طراز ال(بيت نك) لتلك السنوات ، في لباس عمل أسود ، فيلسوف ولوذعي في شاله الوسخ المعلم كأنه نحل طنان أشعت الشعر الأسود إقتحم إدارات الصحف وستوديوهات التلفزيون ، وفي إجتماعات الشباب كان يثير الإضطراب البهيج. كان قاموس الشاعر يثير إستياء الشخص ذي التربية البوروجوازية لكن الأهم كان تلك الموجة من الإحتجاج ضد الحرب في الفيتنام. آلان كان يعبد ماياكوفسكي .
    المحبون شعروا بالإمتلاء ، إقتحموا ، صفقوا ، أطلقوا الصفير ، نشجوا ، نحبوا ، تلطفوا ، صلوا ، مزقوا الأسمال وعصروها، كانوا يموءون يتعاطون المخدرات يدورون باحثين كالقطط الجائعة ، إستسلموا ، هدأوا تعطروا ، إنبعثت منهم روائح كريهة ، رصدوا المشهد بمنظار ، تقيأوا ، صعقوا ، لم يمسكوا بشيء ، لم يفهموا، لم يفقهوا . لم يقدروا على النهوض ، قطعوا الإتصال بالآخرين ، لم يعرفوا الوصول الى الأعمال ، تنوّرا ، وكانوا يفهمون حين هتفوا : ( أوم "8"، أوم أوم أوم ).
    وكانت قاعة ( ألبرت هول ) تهتز بالتصفيق. في الحلبة السيركية التي تحيطها المدرجات ذات المصاطب ، كانت تستلقي أجساد الشعراء بألوانها الكثيرة ، وبينها وزعت أشجار ضخمة من زهور الليلاك الأبيض. وعلى الخشبة جلست معهم إبنة نهرو في ( ساري ) زمردي مطرز ، ومن وقت الى آخر إنفجر أحدهم كأنه بركان مياه ساخنة ، مطلقا الأشعار. الكل قرأ من الكتب. ففي الغرب لايعرف الشعراء إلقاء اشعارهم من الذاكرة . النمساوي الضخم الجثة أرنست ياندل زعيم حركة الشعر الكونكريتي كشف اللثام عن الجوهر الغرزي للمرأة ( فراو ) . "فر..فر.." وكان يصرخ كالقط وبعدها أخذ ينبح بإيقاع "آو ، آو ". ودخل الجميع في غيبوبة. آلان تكلم عن المظلومين وأشار الى عنوان الحرية . وكان يضرب على صحون نحاسية ترافق كلامه. كان يزعق (أ وم ،أ وم ) معلما الإنسانية. أيّ شيء ترغب فيه يا شدقا يلهث وينفث؟ المستمعين ؟ أخبرني بوب ديلان أن حمى القاعة قد تتحول الى طلقة نارية ، وحتى أنه يخشى لمدة من الوقت ، الغناء هناك. حصل هذا بأمد طويل قبل مقتل جون لينون. لكن وراء هذه التحشدات الضخمة والشعائر والحماقات ، وراء خشبة الإستعراض هذه حصل أمر يصعب على العين مسكه، وكان هناك الإحساس بتصاعد عملية ما ، جديدة وعالمية ، وكان مظهرها الخارجي تآلف الناس الذين لم يعرفوا الشعر لغاية الآن.
    وهل كان ذلك في موسكو وحدها؟
    الناس تفرقوا ، هزأوا . وعاشوا - نسوا ، كدحوا ، إستيقظوا. إشتاقوا . عادوا بقلوبهم . إنبعثوا.
    وكانت للدعاية سبل فظيعة.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    هذا أحد الملصقات: ( ألبرت هول). المشتركون هم جميع رجال ال( بيت نك) في العالم : ل. فيرلنغيتي .. ب. نيرودا .. أ . آخماتوفا..أ. فوزنييسيينسكي...). وفي تلك الأيام كانت آنا آخماتوفا قد حلت بإنجلترا لتحصل على تقدير جامعة أوكسفورد . لم أكن حاضرا في الإحتفال ، ففي ذلك المساء كنت ألقي الأشعار في مانتشيستر. وظل صورتها الجانبية بقي الى الأبد على الأرضية الموزائيكية لممر الغاليري الوطني بلندن. صنع الموزائيك بوريس أرنيب ، مهندس من أصل روسي . في روسيا كان قد تبادل مع أخماتوفا الخاتم ، وكان بفص من العقيق الأسود. وحمل آرنيب الخاتم بسلسلة حول عنقه - دائرة حرف ال(أو ) الخاتمية صغيرة وسوداء . حدّثني عن هذا الأمر أستاذ أكسفورد السير أ. برلين أحد عقول أوربا المرموقة . تحدث عن حكاية الخاتم الأسود.
    على الموزائيك نرى بأشكال بيضوية وجوه العصر التي ضغطها الزمن : آينشتاين ، جارلي جابلن ، تشرتشل.
    وفي وسط الموزائيك الذي بدا كأنه سطح بحيرة او صينية بالغة الكبر ، تنطلق الحوريات محلقات أو شبه مستلقيات. حورية الكلمة نحيفة، لها خصلات شعرعلى الجبين ، وجانب وجه وخصر تماما كنحلة اخماتوفا شابة. حين إقتربت منها كان على خدّها حذاءان ضخمان . رجوت الواقف هناك أن يتحرك الى الجانب كي أقرأ ما هو مكتوب. الحذاءان،هزا الكتف و داسا على آينشتاين.
    على أرضية الموزائيك توجد أكشاك لبيع الدليل السياحي والنشرات والبطاقات البريدية. جمهرة من الناس هناك. أحذيتهم تصقل العظام الا أنها لاتسبب الضرر.
    حشد كبير يندفع الى الغاليري. يسرع المحبون لرؤية معبوديهم المعلقين هناك. وفي الطريق إليهم يدوسون وجوههم وأسماءهم.
    - أستاذ ليخاتشوف ، ارجوك أن تخبرني. أنت عالم فلكي للتأريخ واللغة يا ديمتري سيرغييفتش . قل لي ألم تعثر مرة في فضاءاتك على بقعة مجهولة الهوية؟. ليخاتشوف لايسمع كلامي. من محياه يمكن قراءة مصائر المثقفين الروس. يسوّي على مكتبه أوراق مخطوطة مطرزة كدرع بأشكال حرف ال(أو ) الصدئة.
    الزنابير ، الزنابير الساهدة تطير في روايتي ، أجسادها الذهبية ذات المغازل التي يتلامع بينها إسم الشاعر الميت ، في ذلك الخريف كانت الزنابير كثيرة بشكل غيرإعتيادي. والأسماء تنبعث من التآ ليف بصورة لاواعية أحيانا.
    ( الغابة ، الغابة ) كأن للإسم صوتا مسموعا في الأشعار: ( الحلاوة الشهية لهذه الغابة جاءت متأخرة...) ، ( عبر الغابة كلها غامت أشجار الشوح بحواجبها الغجرية المتدلية )( رحلت الى هناك حيث نزل الغيم ثلجا..). أتسمعون؟. غين الغابة تبعث أصواتها ، جزء من إسمها يرن إشارة مميزة لأستاذية يسينين ، لإنعكاسه في الطبيعة ، صنو روحه - ( الغابة ( التاء مضمومة ) ، غابة ( التاء مفتوحة)، الصيرورة غابة ، الفراشة - الغيمة ..).
    بأي مشاعر قلبية وإنفتاح لايقاوم ، بإستقامة وإحساس بالإفتراق القريب مع أناه ذات العمر القصير يتكرر الإسم في أشعار يسينين : سيرغي ، سييريشا، سييريوشا، سيرغون ، سييرغي يسينين . أخماتوفا تزهو بمصطلح ( القمّية ) "9". ولكم يذكر النطق بكلمة ( فلاديمير ) ماياكوفسكي برنين البرونز . أما البحر فصار شفرة تسفييتاييفا.
    أيّ شيء يقوله لنا إسم مور؟ وكيف يظهر في أعماله؟ وكيف تبدو (الأنا) اللاواعية بيّنة في هيئة تلك الأعمال ؟.
    ومن أين تأتي هذه الثقوب البيضوية الشكل ، علامة أسلوبه؟ مور - إسم يحوي حرفي ال(أو ). وليغفر الإختصاصيون الإنجليز في أعماله سذاجة هذا الأسلوب الألسني. أرى كيف يستطيل الوجه الأرستقراطي الطويل بمافيه الكفاية ، وجه جون رسل مؤلف الكتاب عن مور ، ونحن الإثنان قضينا وقتا طويلا في الحديث - إذن هذا هو غرض الروسي! نعم ، أنا على يقين بأن حرفي ال ( أو ) هذين صارا سجل مور الإبداعي في الصخر، ومن هنا ثقوبه وثغراته البيضوية في الفراغ. النحات يفكر عن لاوعي بشكل الأحرف المنحدرة من إسمه العائلي.
    عين الناقد العليم ببواطن الأمور تقطع عليّ شرودي. ينظر من خلال فتحة بابي . في البدء عين لزجة وبعدها يزحف بنفسه كالأفعى الى ما فوق وسطي.
    - إذن ، يامؤلف ، هيء- هيء ، قمت باللعبة الى النهاية! ووصلت الى صفرين ، علامة دورة المياه . لو قدر لبوشكين ان يكتب هذا الشيء لما كتب بهذه الصورة. بالطبع أنا قرات بوشكين . في كتاباته كان هناك الأسلوب أكثر شعبية ، وبات واضحا الى من يكتب.
    أنا أرثي له . ففي عينيه عتب أبدي.
    بقي بعدها نهج خاص في القراءة. في البدء أرى حفنة من حروف ال( أو ) اللؤلؤية المبعثرة على الصفحة وبعدها أرى بقية الحروف.
    تذكرني بها صفحة الجريدة الشبيهة بزجاج النافذة المرقط بأفواه أولى قطرات المطر.
    في أبيات بوشكين البلورية الجليدية من عام 1829 بردت أحرف ال( أو ) الصغيرة كما لو أنها فقاعات شامبانيا غريبة.
    الشمس والصقيع : طقس جميل !
    وأنت ما زلت نائمة ياصغيرتي الحلوة
    إستيقظي ، فقد أزف الوقت ، يا آنستي!
    نظرة ناعسة في هذه الساعة
    وأنظري الى شفق الشمال
    تعالي نجمة شمالية للصباح!
    وكما تبين فإن حرف ال (أو ) هو الأكثر شيوعا في اللغةالروسية، وهو أساس كلامنا ، إذن وعينا أيضا. ألا يصبح هذا الحرف مفتاحا لشخصيتنا القومية ؟ ( دال) يكتب بأن (أو ) كانت في القديم حرفي الواو والنون : ( أو ن) و تتكرر أكثر من غيرها..
    ( أوبريف)، ( أوبوموف ) ، (أوبيكنوفيينايا أيستوريا ) تتكلم كلها عن عقيدة غونتشاروف البيضوية والتحذير من كروية العالم.الآن حين أكتب هذه الكلمات تدوي على السطح أمطار حزيران الغزيرة المباركة الرحمانينوفية البييرييدييلكينوفية. تتساقط من السقف قطرات الماء. وضعنا طاستين ، واحدة مطلية بالمينا في وسط الغرفة وأخرى في الركن الأيمن عند لوحاتي المائية المعلقة. في السقف تتجمع في الكلس القطرات من السماء ، تبعجه كما تبعج الجبنة البيضاء قماش الشاش ، ثم ترتطم بالطاسة محدثة صوتا أصم. بعدها تتباعد هناك في دوائر. أحرف ( أو ) عالية الصوت ، كبيرة وصغيرة، مشبعة بعبق البستان المزهر ومصفاة من خلال السقف - أحرف السماء الحزيرانية تملأ الطاسة. والقطة تريد أن تأخذها بقائمتها من هناك.
    عليّ أن أسوّي هذه القضايا. والمعجزة ستنتهي.
    طالما أتحدث عن المعجزة . فهذه الخوارق لايعرفها رأس لازوكوفا التي تسكن قربي. قبل ايام دفنت زوجها وبقيت مع الإبن. زرتها يوم أمس . وضعت الطاسات والجرادل جنبا الى جني. السقف كله مبتل . جاءت الجارة من الطابق العلوي ، وهي معذبة ايضا : طوال السنة نرجوهم أن يصلحوا السقف لكن عبثا. أصنام الثلج هذه!. ساعدنا يا سيدي بالكتابة الى جهة ما ومن الأفضل الى ( ترود) "10". والآن أكتب عن هذا الشيء في هذه القصة. ولربما ستكون هناك ثمرة.
    ما الذي جذب الى مسكننا هذا الضيف من السماء؟. في بيتنا تقطن ثلاث عائلات. في السكن المجاور توفي الجار مؤخرا وخلف فراغا محزنا من اللاوجود. كان شاعرا طيبا عرف يسينين.
    أشجار الشوح وحشيشة القرّيص والميلانخوليا تعالت فوق البستان الظليل. الغرف المظلمة رطبة وحتى في قيظ الظهيرة. الا أن لهذا الطرف الكئيب قوة سحرية جاذبة للقلوب، لشخصية تاتيانا المنطوية أو الحب غير المتبادل. هنا بالذات امام السور الخشبي المائل وبين حشيشات القرّيص وحواجز الريح والأشجار المطروحة كتب البقاء لركن تحيطه الأسرار إسما ، فنان مصور عظيم قدم الى المكان بأجمل منظر طبيعي في العالم. أسماه بالعزيز على قلبه. ولربما السبب في ذلك الدرب الصغير الذي لايمتد طويلا ، فهو قد حوّل باحتنا الى معبر ، وقد يختصر هذا الدرب المسافة بين الناس والدكان المجاور.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الثقوب - دموع الجبنة.
    وفن قطع جبن كوستروم "11" أو سويسرا مع الإبقاء على تلك الدمعة الصغيرة ، هو مهارة قطع شرائح رقيقة متساوية في السمك. على السكين أن تحز بصلابة ، الجبنة الذهبية.
    الرجاء أن تفتحوا كتاب ( أصحاب الأراضي المحافظون ) بصفحاته المصفرة من القدم، ذات الحواشي الذهبية ، وتنظروا تحت الضوء الى ذلك التراص المجهد للكتابة ، حينها ترون الدوائر الصغيرة لحروف ال(أو ) كأنها ثقوب جبن نثرت على الصفحة الناصعة.
    حين انهى غوغول ( النفوس الميتة ) رأى الروعة البعيدة لروسيا ، وذلك من خلال القلائد الحجرية لأسوار السلالم الرومانية.
    وال( أو ) الأكثر عبقرية في الأدب العالمي هي عجلة تشيتشيكوف التي تبدأ بها ( النفوس الميتة) ، ( هل سيصل الى موسكو أم لا؟) يسأل الفلاحون ، والى بطرسبورغ؟ الى أزماننا؟ وبعدها؟.
    لقد وصلت العربة.
    - أوه الشعر .. - يكرر مور - هو الفن الأكثر سموا. الشعر يخلق الرابطة بين الناس ، وهو الظاهرة المباشرة للروح.
    - والموسيقى ؟ . يتدخل جون روبرتس ، الرجل الوسيم ، رئيس جمعية ( بريطانيا - الإتحاد السوفيتي ) والذي جاء معنا الى هنا. إنه مشتت الذهن ، يعتزم الزواج ، وفي الأمسيات يغني في إحدى فرق الكورال.
    على قاعدة يستلقي نحت كبير ذو ثقبين يبدو كما لو أن ماردا ترك نظارات حجرية ثقيلة قد خلع زجاجها. فيها تصفر الموسيقى كما الحال في نوافذ الحرب المهشم زجاجها.
    أرى إطارا آخر ، وجها عصبيا فيه أنف مسطح كأنه سكين من عظام لقطع صفحات فذة.
    آلو ، يتكلم شوستاكوفتش.
    تلفن إليّ في عام 1975 . لم يعرف أحدنا الآخر لغايتها. تلفن ورجاني أن ازوره كي نتحدث عن عمل مشترك كان ترجمة سوناتات ميكاله آنجلو ، ذلك الشاعر ذي المخيلة النحتية الفائقة.
    وجئت الى مسكنه الصنوبري . حين إلتفت صوب النافذة رأيت صورته الجانبية المتعبة.
    وبدا كأنه زار الحلاق قبل أمد قصير. فشعره كان قصيرا كشف عن صدغيه وكل قذاله. خصلته المخلبية الملتوية قليلا كانت تقبض على الرأس، إرتطمت بالجبين كأنها ساق سوداء لطير . طير معذب ، طير المصير والإلهام.
    وبهمس سريع كالصفير الخافت عرض فكرته. وحين إنتابته حمى الكلام نبش بأظافره أسفل الخد بخفة كأنه يعزف على آلة أصابها العطب.
    كذلك إرتعش بخفة وراء زجاج الشرفة هواء منطقة بارفيخا الساخن.
    وذات الرعشة ، رعشة الالات المعطوبة ، والوترية نسمعها في الجزء الثالث من السمفونية الرابعة ، سمفونتي المفضلة ، حيث لايحدث شيء ولايحس المرء إلا بالبرودة القاسية ، المتسلطة ، برودة اللاترقب واللاإنتظار وذلك الحفيف المجمد للدم في العروق كأن نمالا تجري تحت الجلد - ش ، ش ، ش ، ش...
    تأتي إلينا إرينا أنتونوفنا ، زوجته، الشبيهة بناسكة. بعدها أخذ شوستاكوفتش بالعزف. أصابعه البيض كأنها حروف( دبليو) بسواد ألحان البيمول "12" الذي يخترقه الضوء هنا وهناك، قد أذابت أصابع البيانو ، فلقد كان عازفا لايكبح جماحه.
    حرفا ( أو ) في إسمه شأن دائرتي نظاراته التي حجبت طبيعته الحقيقية لاغير. كان في داخله إستحالة الهارموني ، ولم يتجسد في علامات الإستفهام البيضوية الشكل ، شكل الأذن. وبرغم أن وجهه أخذ بالإمتلاء والإستدارة فلقد بدأت ترتسم فيه مثلثات ومربعات عظم الوجنة ، الأنف والوجنتين.
    بعدها إلتقينا مرة أخرى في بارفيخا وموسكو أيضا. ومن خلال الدردشة الإعتيادية وأقداح الشاي وكلاب البيوت الصيفية بدأ تفاهم خفي من النوع الذي لايظهر دفعة واحدة وليس دائما ولكن يسبقه فعل الخلق.
    وشوستاكوفتش مؤلف موسيقي ذو روح معمارية بشكل غير مألوف. فهو يفكر من زاوية البعد المكاني ولايبالغ في رسم التفاصيل. شوستاكوفتش هو جسر مواصلات ، سجل روح دوستويفسكي. وإذا كانت حقيقة النظرية القائلة بالأصل غير الأرضي للحياة ، فهو لابد ان يكون نتفة من نور مرتعش ، ولايعرف السبب في ترحاله الى وجودنا ، فلقد كان يجرحه كل شيء حتى الهواء.
    في محطة الأبحاث القطبية رقم 24 ، على ثقب جليدي أخضر ، في الخيمة يستمع رجل ملتح ذو إسم غوغولي ( غافريلو) الى أصوات الجليد والماء ، من خلال أحد الأجهزة ، إنه غارق بين السماعات ، شاحب من هوى المهنة ولايكترث بأي شيء آخر ، يمسك برعشات موسيقى الجليد ، وفي السماعات هناك ميلوديا الخرير وإنفلات السمك والمحيط واللاوجود. وكلها تبعث الحفيف مثل نداء ال( أو ) المعروف لدينا.
    ويدعوني غافريلو كمتعاطي مخدرات كي أشاطره هواه, (غافريلو ، بأي شيء شبيهة هذه الأصوات ؟). ( نعم ، تذكر قليلا ، بأصوات الأرغن ، بصراخ النورس ). ويبتسم عند تذكره هذه الأشياء. وفي العشرينات كتب الشاعر في المدينة دوّت ، كالنوارس ، في كل مكان صرخات الجليد الكامن ). والآن هذا المتعصب للموسيقى يكررهذا التحسس. لقد بهرني هذا الهارموني غير المسموع لغاية الآن ، هارموني الجليد والعدم والذي يذكر بسترافينسكي أو خرير السمفونيا الرابعة.
    لم تتحقق فكرة موسقة اشعار آنجلو برغم أنني قمت بالترجمة. وأذكر أنه دعا الى بيته خاجوتوريان وشتدرين وكل مكتب السكرتارية ، وطلب مني أن أقرأ ما ترجمته. أما و فقد حك رأسه كالقط . كان مسرورا .
    لم تتحقق الفكرة لضيق الوقت. ولم يعرف الأمر: هل أن المغني كان قد حفظ النصوص السابقة أم أن الموسيقى الجديدة لم توضع بعد ، وفي لينينغراد جاءت الموسيقى في حفل الإفتتاح مع النصوص السابقة التي كانت لديه رغبة في أن يبدلها بأشعار آنجلو.
    كتب إليّ رسالة إعتذار طويلة وبأسلوب دوستويفسكي. لم تكن مجرد مذكرة مليئة بالتقدير والرقة بل كانت أكثر من ذلك.
    وكما اأبرني فقد قرر وضع موسيقى لسبع من قصائدي ، بينها ( إنك بعد قصيدتين لم تولدا بعد) ، ( بورنوغرافيا الروح ) وغيرهما. كان كل شيء جاهزا لديه لكن الوقت لم يسعفه في كتابة تلك الموسيقى ، فهي بقيت في منطقة عناصر الطبيعة الأخرى.
    والثقب الناشيء من عدم كتابة هذا الشيء لحق بثقوب الأشياء الأخرى التي لم يكتبها، وكلها راحت في هاوية العدم الصامتة التي تحيط بنا.
    وفي أيامه الأخيرة كان شديد الضعف لدرجة لم تمكنه من مسك الورق بأصابعه. مازلت أحتفظ بنسخة من نوتات الموسيقى التي وضعها لأشعار أنجلو التي ترجمتها ، وفيها كتب بخط يده الشبيه بتخطيط القلب الألكتروني المتقافز: أنا أحس بالموت.
    ردّ على النداء ، لاتصمت ، فهنا الطفولة !. الترحيل ألقى بنا في ثقب قاس الا أنه كان ثقبا جيدا.
    غالبما كانوا يقطعون التيار الكهربائي . لم نشعل المصابيح فحرام أن نخسر النفط. وهكذا جلس جميع سكنة بيتنا الخشبي في الشرفة متشربين بضوء السماء الهاديء والمجاني. وكانت الدردشة تستمر حتى الغروب. أي أحد لم يلعن أو يشتم.
    والذين جلسوا القرفصاء دخنوا. مسكوا اللفافات ونهاياتها المشتعلة الى الأسفل. حين مصوا الدخان أضاء إلتماع أحمر من اسفل الشفاه والأنوف وأخاديد الوجنات ، وكما الحال في المرآة المدورة برز من الظلام أحمر شفاه موركا الدسم ، حين كانت تمص الدخان بصقت بعيدا وهي تنفث شيئا من اللعاب من بين أسنانها. وخاريتونتش البائس قليلا الذي خرج مؤخرا من السجن كان يدخن عقب السيجارة الى النهاية وهو يوشك أن يحرق شفتيه.
    الى الجارة جاء رجل متعب ودّع الشباب. كان سائقا من وحدة الطيران ، قاد السيارة الى حلبة البيت حتى سور الحوش. وموركا لم تركض للقائه بل إنتظرت.
    مرة جاءها ببرتقال. ويبدو أنه قد وزع على الطيارين. البرتقال كان مغلفا بورق سجائر خاص . وموركا سوّت الورق على ركبتيها. الورق شفاف ، وكانت الركبة مرأية من خلاله، وكما كان البرتقال.
    نزعت موركا القشرة الى النهاية بشكل ذنب خنزير أبيض ، ثم دستها في جيب سترتها المحشوة بالقطن.
    أكلت البرتقالة ، ولربمنا ، في نصف ساعة . قطعة بعد قطعة كانت تختفي في فمها الحلو والنهم. حين بقيت قطعتان قالت لي ( انت يا تلميذ . خذ ، تذوّق؟). وأعطتني واحدة. فكاي كانا يطحنان من شدة الفرح.
    وجنبنا كان يبرد محرك ال(ستوديبيكر)، والظلمة السيبيرية فاحت بروائح البنزين والبرتقال. إمتزجت بالأخرى للتبغ الخام والكلاب ، بالرائحة الحليبية لألواح الشرفة الخشبية التي غسلت قبل قليل بالماء الحار.
    بعدها تلاصقا في كابينة السيارة والعين الحمراء للوحة المفاتيح تضيئهم من تحت. إستمعا الى الراديو ومحرك السيارة يدور. أنزلا الزجاج كي يستمع الجميع. وكان نقلا من لينينغراد. الموسيقى التي لم تكن عالية إنطلقت مبحوحة حادة بشكل غير مفهوم ، وعظيمة لدرجة أن القشعريرة سرت في الجلد. الوجهان مضاءان ومنطفئان أكثر فأكثر. شجر الحور يتارجح. إستمعا إليه وكان عنهما وعن مصائرهما . لم يفهما كل ما قاله المؤلف ، لكن كل هذا ما جرى لهما والبلاد صار موسيقى مؤثرة عظيمة . الناس كانوا واقفين عند السور.
    - ماهذا الذي يبثونه؟ طرح سؤال.
    - شوستاكوفتش . لم تجيء موركا على الفور.
    - عجوز ويخلق مثل هذه الموسيقى. قال خارينتوفتش.
    - أوه ، الموسيقى .. ( يضيف جون روبرتس قائلا ).
    مور ينزعج حين يقاطعه أحد.
    - الشعر - هو الفن الأكثر سموا . وبهذه الصورة ينهي المناقشة.
    يقودنا الى مشغله ، وفي سرادق مبعثرة هنا وهناك ، كبيرة بيض كأنها علب أنيقة للأحذية نجد محفوظة هناك حوافز منحوتاته. هاهي منحوتته الضخمة الشهيرة ( هيئة مستلقية ). وقبالتها يتمدد عندالحائط وهو ينفق من الضجر سنّ فيل ، ضخم يبلغ قطره 30 سنتمترا على الأقل.
    - حاول أن ترفعه!.
    وارفعه بصعوبة . إنه ثقيل فعلا.
    - والآن عليك أن تتصور كيف يرفعه الرأس؟
    الخالق يضحك.
    آن التي أنهت قبل أمد قصير دراستها الجامعية ( تأريخ الفن ) تساعده في فتح السرادق . في أحد المشاغل إتكأت بكوعها على أحد المساند والسواد العميق لجاكيتها المخملي الباريسي يلطخة غبار الكلس. ساعدها الكلسي المثني تجمد للحظة. حذار يا سيدتي فقد تصبحين منحوتة لمور!.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    فتحة الشباك المستطيلة الشكل - فارغة.
    أين أنت الآن أيتها الثغرة السوداء ، ساحرة الحقل والسماء.
    كما ترين فأنا نسيتك تماما . أنا لا أحتاج إليك !. أنظري كم من الصفحات البيض المستطيلة الشكل ملأتها ولم أتذكرك ولو لمرة واحدة.لا أتذكرك في الصباح وفي النهار ، أما في المساء فأبدا ، لا أفكر فيك.
    الا أنك علمتيني مهارة التذكر - ( أنتم البشر حين تريدون مشاهدة الصورة التي مرت تبحثون عن المكان الذي وجدت فيه مرة. الا أنها لاتوجد هناك . إذن أنتم لاترون أي شيء هناك. لكي يصطاد المرء البطة الطائرة ، عليه أن يصوب بندقيته الى النقطة التي لم تصلها بعد. الماضي يعدو أمامنا . انظروا في الحاضر تشاهدون الماضي ).
    وهذه حقيقة ، فحين أنظر في أعمال مور الحالية أرى الأمس واليوم من خلالها.
    وياللذاكرة من شيء غريب!. نيكيتا ميخاوكوف قدّم ( خمس أمسيات ) لفولودين. وتبين أنه يتذكر تماما حياة موسكو ما بعد الحرب برغم سنه المتقدمة.
    وأنت تسلكين في بعض الأحيان على هواك. عملت مقالب غير لطيفة حين تسللت من الوراء ودفعتيني ، بغدر ، في ذاكرة الآخرين ومصائرهم ، صرت الإسباني غويا وفي مرة أخرى ( فاسيلي المبارك ) "13" الا أن الضربات إنهالت عليّ حين تورطت مع مارلين مونرو!.
    فلقد صرت غيورة بشكل مكلوب.
    كان يكفي أن ينبعث من التلفزيون صوت إمرأة كي يصعقها التيار في أذنها. وأصاب النساء الطرش. الكثيرات منهن أصابهن الصلع . تكاد تلمس شفتاي الفنجان وها أنك تحطمينه. وكان الماضي ينير بشكل خاص غيرتك. كنت تتجسسين عليّ بشراهة ، تنبشين باحثة عن الذكريات مع معارفي القدامى. وحينها كنت تشعين في كل مكان. ولكن كنت غضوبة و جميلة !. أشك بأن الغيرة تدفعك وحتى الى العشق بدل أن يحصل العكس. النساء اللواتي نسينني منذ زمن طويل إنهمرن فجأة على خشبة الأحداث ، تعرضن لحوادث سيارات، قرّبن سهوا،عود الثقاب من الرداء القطني بدل مطبخ الغازو إشتعلن بنار زرقاء.
    ولقد أداننا المحيط . منظرنا أثار في الناس الرجفة.( لاتنس سلك الأرضي !). أبدى آرنو تعاطفه معي حين مرّ بسيارته جنبي ثم أسرع برفع زجاجها. تلفنت إلي العمة ريتا ( تناهت الى سمعي اخبار لاتصدّق. لكن الحذار ..) ،(100ر ، ار ، ار) - بدأت عبثها ساحرات الهاتف. وفي ذات اللحظة تذكرت أن العمة ريتا ماتت قبل سنة . و الآن لاتذكرني بك حتى الثقوب في المنحوتات.
    لماذا أصبح إبن عامل منجم إنجليزي بالذات نحات القرن العظيم؟ إنجلترا - بلد جزيرة ، شكل نحتي في الفراغ . رجل الفضاء ذكر أن إنجلترا تذكر بالنحت الجداري. يولد الأنجليزي وفيه إحساس نحتى لاواع ، الأشرعة البيض المنفوخة بالريح كانت منحوتات فراغية. الروح المحافظة الإنجليزية المعهودة هي جذب صوب بنية مغلقة. الكحول الإنجليزي التقليدي : الويسكي ، الجن مع قطع الثلج في أقداح إسطوانية الشكل بسيطة هي تكوينات نحتية.
    منذ سنتين حسب بدأ الإنجليز يشربون النبيذ، هذه المادة المعدومة الشكل ، السائلة بشكل مضلل، الآن أخذت تظهر مشارب النبيذ.
    وحين كان الشعراء الإنجليز بحاجة الى الرمز، الشارة، إختاروا الشكل الصرف للجزيرة وخلقوا ( مدرسة الجزر ).
    إبن رحم الأرض مورعبّرعن الشكل الجزيري المغلق للقرن العشرين.
    لكن ليس مكان الولادة لوحده قد جعل منه نحات القرن. فضيعته المسماة ( سلو ) - الطين كانت قبلها مزرعة. إشتراها في عام 1941 حين دمرت قنبلة طائرة مشغله السابق.
    صار مور مشهورا في عام 1928 بعد معرضه في أورليغستون لكن رسومه المسماة ( سكنة مخبأ الغارات) قد دللت على أنه قريب من ملايين الناس وعون لهم. وعنصر الدراما القومية والتاريخ قد نفخا في نفير الثقوب المورية . كل ليلة كان أهالي لندن يبحثون في المترو عن ملجأ من القصف العاتي. جاءوا مساء وإنطرحوا على أرصفة القطار ومعهم أحلامهم ومتاعهم البسيط.
    إبن عامل المنجم صار دانتي مترو أزمان الحرب. سلسلة رسوم عرض كل منها نصف متر ، قدّمت في أثناء الحرب في ( الغاليري الوطني ) بلندن. أظن أنها كانت الأعمال الأكثر هزا والتي أبدعها فن الغرب في أثناء الحرب.
    وهذه هي الرسوم . الثقب العظيم للمترو يجذب آلاف النساء الصغيرات المخدرات في الحلم. الرسم التالي هو لقطة قريبة. أربعة ينامون تحت لحاف واحد ، أفواههم فاغرة, الأيدي المتجمدة ممتدة في كل الجهات. اللحاف الملون يذكر بموجات الزمن. الهيئات الجالسة على الجانب ، يرقات دود القز تلف الشرنقة حول خطيط طباشيري ، الخطوط الصوفية الطويلة لقلم الرصاص تتشابك في نسيج عنكبوت ، محكم . الفنان ينظر إليها من أسفل كما لو أنه مستلق أو جالس جانبا.
    ولم يختر مور المترو مصادفة . فكامل حياته الفنية كانت أرضية لهذه الأعمال.
    رأيت هناك مئات من هيئات هنري مور المستلقية ، والمرمية على الأرصفة. ويتذكر الفنان - حتى ثقوب النفق بدت شبيهة بثقوب منحوتاتي . وفي الرسوم من مخابيء الغارات أحسست بكل وضوح ، بصلتي بعذابات ناس ما تحت الأرض- يضيف قائلا:
    في الرسم إمراتان . في عباءتيهما المصنوعتين من البطانيات هناك جلال جاء متأخرا. فهما تذكران بهيئات من جداريات ماساتسشيو الذي يعشقه مور. لحمية الخطيط شبيهة بالأخرى لدى ديغا.
    وفي أماكن تلتف عناصر من سيزان.
    وبدا الأمر كأن كامل الثقافة العالمية تنتظر الدمار في انفاق المخابيء.
    وفي الليل كان مور يدخل تحت الأرض، يدور بين الهيئات النائمة، ولمرات كان يعاين ويقيس ثم ينسحب الى زاوية كي يعمل ، خفية ، تخطيطات على مظروف أو قطعة ورق - مجرد ملاحظات تعين الذاكرة. لم يجرؤ على جرح العذاب البشري بإختلاس النظر. كان يستخدم القلم بحبرهندي وأقلام الشمع وتقنية مزج الخط بالبقعه اللونية.
    يذكر الأستاذ أنه إكتشف تقنية الرسم لكن لايكشف عن السرّ الأهم. وحين إنحنى باحثا عن الرسم سرقت قلمه. كان دون رصاص بل مملوء بالذاكرة المكثفة - ثقب أسود. في غلاف من خشب . لكن لاتبوحوا بالسر!. وليظن بأنني لم ألحظ أي شيء. أما هو فهذا ما يقوله:
    - إكتشفت تقنية جديدة . إستفدت من بضعة أقلام شمع رخيصة كنت قد إشتريتها عند وولورث. غطيت بهذا القلم أهم جزء من الرسم. وتحت الشمع لم يفلح الماء في إزالة الخطوط. البقية مسحتها دون تردد ثم قوّيت الخطوط بقلم الحبر. لولا الحرب التي دفعتنا جميعا صوب إدراك الجوهر الحقيقي للحياة لإعتقدت بأنني خسرت أشياء كثيرة. الحرب تظهر في كل واحد النزعة الإنسانية.
    الخدر ذاته تحت قنابل الطائرات صاغه إليوت أوركستراليا في ( رباعياته) البيتهوفنية.
    وهذا الموضوع شدّ إليوت بعنصر المصير القومي ، جعله فنا شموليا هو في الجوهر جماهيري . في لندن تقدم حاليا أوبرا من نوع الروك إسمها ( القطط) معتمدة على أشعاره حيث مصير أحياء البؤس وسطوح وأحشاء المدينة وتعاساتها قد إتحدت مع التنغيم الفكري للشاعر. وعامة فأوبرا الروك والموسيقى الشائعة يزداد تطلعها الى النصوص الجادة، إنها تتوجه صوب أقدار الزمن.
    ومن السقف الدانتي للملجأ تتساقط قطرات المطر. الهيئات تجمدت في الإنتظار والتوقع. المصباح الكهربائي المكشوف ينطفيء.
    أصاب ساقي الخدر. أريد أن تحرك لكن المكان ضيق. تنورة الأم تخدش خدّي. ومن السقف الباطوني لملجأ ( شيير بوخ ) من الغارات، تتساقط قطرات الماء - لربما يرشح في قطرات تنفس مئات الناس ، لربما هناك أنابيب معطوبة ؟.
    الجدة والأخت الصغيرة تنامان الى جانب الجالسين. الجدة لاتنسى أبدا أن تاخذ معها وسادتها الصغيرة. أنام ، وكنت طفلا صغيرا ، على حشية صغيرة نجلبها معنا . شيء يخز ظهري . إنه كنوز عائلتنا البسيطة والتي خيطت في الحشية - ملاعق فضية ، ساعة الجدة وثلاثة صحون معدنية مذهبة . في أثناء الترحيل إستبدلت كل هذه الأشياء بالبطاطس والطحين.
    ومن حولي عنصر شقاء الشعب ، تفاجيء المرء صفارات الإنذار. ينفض ، بعجلة ، النعاس ، يعرك عينيه، ينظم لباسه. تغرز المرأة دبابيس الشعر . وتهوم بقية أحلام النوم. المرء محموم فهناك الرغبة التي لاتقاوم ، في النوم.
    وهذه هي حال العوائل العمالية على الغالب. بيتنا يعود الى مصنع ( إلييتش) . أتربة القبو لم تمنع أكثرية الناس من إرتداء ملابس العيد الثمينة. فهم يريدون إنقاذها من القصف. والصيف يوشك على الإنتهاء وها أن بعضهم يلبس الفرو.
    العذاب المكسو بألبسة غنية تماما كما في اللوحات من عصر النهضة التي أخذت مواضيعها من التوراة والإنجيل.
    الرضيع يصرخ . يرتفع بكاؤه وهو بوجهه العجوز المجعد كأنه وردة حمراء لم تتفتح بعد. المادونا المشعثة الشعر بوجهها الفتي العكر الذي لم يستفق من النوم ، بذلك الثعلب الزاحف حول رقبتها تحاول أن تهدهد الطفل، أن تهدئه وهي تهمس بصوت عذب رقيق وعميق : نم يا حبيبي ، نم ، نم).
    كلماتها ترن في أذني ساحرة وتنضح بالعاطفية كما لو أنها كانت من نوع : ( يامليكي الصغير ) أو ( يا شمسي الصغيرة).
    لص المنطقة ( تشمور ) ضجر أنهكته البطالة، وضع رأسه على ركبتي إمراته التي كانت أكبر منه سنا وجثمانا مرتين .. ( تشمور الصغير ، هيا ، تشمور الصغير ) ، تهدئه كما لو أنها تهديء كلب القطيع الذي بدا يزمجر في نومه.
    الكل في الأعلى بروحه. الكل يفكر بالسماء .. هناك في السماء المظلمة التي تودعها كشافات الضوء المتقاطعة كصليب القديس أندري ، عريضا ومائلا ، يجري القنال ، فمن هناك قد تسقط في كل لحظة القنبلة. وأيّ شيء تقدر على عمله هاته النسوة؟ لاشيء غير الإنتظار. أزواجهن تحت السماء ، على السطوح ، أمام الصناديق المملوءة بالرمل - وكان بينهم شوستاكوفتش وباسترناك ، يطفئون القنابل المشتعلة، هناك تسقط الشظايا الساخنة حتى البياض والتس ستجمعها في الغد - مستطيلة ومجعدة السطوح المصهورة كأنها هيئات من جياكوميتي. بمثل هذا الصليب كانت محميّة جميع بيوت موسكو - فشرائط الورق الصقت بشكل الصليب.
    نحن ، أطفال مخابيء تحت الأرض ، رأينا الكثير من الفظاعات ولقد جرحت أرواحنا ومصائرنا ، هذا وذاك ضلا الطريق - لماذا نتذكر الآن تلك الأقبية كأنها قصور تخطف الأبصار؟ الكل ، الناس والأشياء ، مرسوم يشع بهالة قداسة كما لو أنه لم تكن هناك أيام اكثر سعادة.
    كانت التجربة الأولى لحياتنا العمياء التي ولدت بالكاد ، هي الإحساس ( ولم أكن حينا واعيا بالطبع ) بعذابات الشعب القاسية ، واليقين من صحة طريقه والحاجة الى التلاحم والإسهام.
    وبعدها حين بدأت بكتابة التعليق لكرونيكل الحرب الفوتوغرافي وكان من وضع م . آراخمان ، لم يفارقني هذا الإحساس. فحربنا تجمدت في الكوادر السود البيض الرائعة لفلمي ( جنديان ) و ( تطير الغرانيق ) . في الأسطوانات السود التي تضمأاصوات روسلانوفا وشولشنكا وغورتشينكو . وعلى الدوام تكون حاضرة حين نتذكر الحرب .
    نعدو مع الأم عبر نهاية الحقل وسط الحفيف الأخضرللشوفان . اقطع السنابل وانا اتعثر ثم أنزع عنه الشوارب الطويلة الخضر التي تفرز حليب الحبّة. نقترب من حافة الغابة .
    قيل إنه قد يكون كذبا أن وراء الغابة مطارا المانيا مخفيا تشحن فيه الطائرات بالوقود ومن هناك تقلع لقصف موسكو. الناس مشطوا الغابة.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    في وضح النهار حلقت ، فجأة ، طائرة من طراز ميسيرشمت ، بصليبها الأسود ، مزمجرة تكاد أن تلمس قمم أشجار الصنوبر ، كانت تطير على إرتفاع صغير وخيل لي انني رأيت خوذة الطيار . أطلقت الطائرة نيران المدافع الرشاشة على الغابة ثم إبتعدت بإتجاه مالاخوفا. الأم دفعتني وأختي الصغيرة الى الخندق أما هي فقد تجمدت ضاغطة يدها على العينين. وقفت هناك أما م خلفية السماء المزمجرة بزيها الروسي الأعزل الذي خاطته جدتنا من قماش الكريتون "14".
    وليس طفولتي وحدها يمكن البحث عنها في ركن من رسوم مورتلك. المشاهد والهيئات التي رآها الفنان في أثناء الحرب بقيت في الهيئة الصخرية لأعماله القادمة. في الركن الأيمن من ( الهاربون من النفق ) إمرأة بلاحراك ، ملتفة بالبطانية ومعها طفل - وهذا هو النموذج الأولي لمادونا ما بعد الحرب التي عملها لكاتدرائية نورثامبتن. وفي الرسم نفسه نعثر على الهيئة المستلقية على الرصيف، الواضحة ذاتها لنحته القادم ( هيئة مستلقية ) من عامي 1957 - 1958 .
    ذات الهيئة المتطلعة الى السماء ، نظرة المرأة الحزينة المصوّبة الى السماء . أهي الحرب من جديد؟.
    مور يرسم كل يوم. والآن أيضا. في الصباح يعمل في النحت، بعد الغداء يستريح ، وعند الغروب يرسم حين تكون اليد تعبى.
    - هناك أسباب ثلاثة لرجوعي الى الرسم . حين يرسم الإنسان يمكنه أن يراقب الناس ، وهذه متعة حقيقية، برغم أنها خطرة. حين رسمت بورتريه زوجتي كنت لا أحيد ببصري عنها لدرجة أن الطلاق كاد أن يحصل - يغمز لي بعينه.
    - السبب الثاني أن الرسم هو تلك اللحظة الأكثر مباشرة للإنطباع ، والثالث أن الرسم هو شعري الخاص.
    الرسام يوقف الوميض ويبقي، على عجلة ، الوجوه والمصائر على الورق ، ينقذها من الزوال، ينتزعها من ظلام اللاوجود الذي سيخيم. هذا وجه آخر أنقذ ، وهذا آخر ..
    الغرض ذاته من وراء ملاحظاتي العجلي - فالمرء يريد بهذه الصورة أن يبقي أن يحمي من الدمار النازل بسرعة ، وجوه الأصدقاء وملامحهم الحيّة . هذا وجه آخر أنقذ ، وهذا آخر..
    الجدّ مازاي إنتشل الهاربين المغطاة آذانهم بالفرو خوف الصقيع ، من أمواج الفيضان، والكاتب يفعل الشيء نفسه ، ينقذ لحظات إحدى الحيوات . القارب يميل ، حياة أخرى تنتظر الإنقاذ، وأخرى ، وهناك ترتفع فوق الموج يد ، ومرة أخرى تنتشل إنسانا ، وآخر .. وما يعقد الأمر أنك حين تنقذ لحظات أحدهم تفقد لحظات حياتك الوحيدة ، وهذا ليس بتسلية بل هو أمر بالغ الجد.
    في عام 1946 إنتشلني في أودويف مهندس - بستاني من دوامة مياه. فقدت وعيي، مسكت يده بقوة خارقة تركت طوقا مزرقا في جلده.
    أنقذ حياتي الجرّاح بابنيكين ذو البشرة المتوردة بلحيته الصغيرة الوتدية الشكل.
    أولشاش سليمانوف أنقذ حياتي ( ونفسه ايضا ) حين ضاعف السرعة وطارت السيارة فوق الخندق وحطت مقلوبة على مرج ليّن.
    أنقذني ناس من سيبيريا لا أعرفهم ، أصدقاء من مطعم جلست معهم ثم لم ألحق بالطائرة التي تحطمت مع حقيبتي التي سلمتها مبكرا.
    في الأيام الفظيعة بالنسبة لي جئت لبضع ساعات الى نوفوسيبيرسك وبعد أن فقدت النظر لشهر واحد.
    أتذكر جميع الذين أنقذوني من مخاطر مميتة ( وكل واحد أنقذوه ، لاشك ، مرات عديدة في الحياة ) ونسوا الأمر، أتذكر وجوههم التي صارت عزيزة عليّ ، وطوال الحياة أحاول سداد الدين.
    مرة انقذ حياتي محرر إحدى المجلات الشهرية ، ولنسمه الرفيق ( أو ).
    تكون محاولات الإنتحار الفاشلة مضحكة في أغلب الأحوال ، وتلك كانت مضحكة أيضا. حياتي مضت بتسارع مخيف ، صرت ضائعا . لم يرد اي احد أن ينشر عملي البرنامجي . وفهمت ان وقت الرحيل قد حان.
    يعرف القريبون مني أنني لا اشكو أبدا ( ربما لورق الكتابة ) ، لا أبكي في أكمام الأصدقاء والصديقات، لا اكشف ما في داخلي ولا ألغو كالنسوة وهو أمر غير لائق أن ألقي على الآخرين عبء همومي، فكل واحد يملك منها الكفاية .
    وهنا بلغت النهاية. وكان يبدو أن المخرج الوحيدهو ذلك الثقب الجاذب وغير المعمّق ، حاولت أن المّ شتات الذهن . لم يجذبني الغريق بجثته المنتفخة، كذلك الخشخشة في أنشوطة الحبل والمظهر المرافق لها. فكرت بالذين سيأتون. كنت آنذاك شاعرا شابا وكان يكفيني ثقب في الجمجمة.
    ختمت مظروفين. وذهبت الى ناثر أشيب الشعر يملك مسدسا المانيا تمسكه الي دبكل غبطة ( أرجوك أن تعيرني إياه لثلاث ساعات. عصابة تهددني . اريد تخويفهم فقط). أوضحت الأمر بصورة مقنعة.
    عيناه الزائغتان دون حدود كانت تحفر فيّ ، وفهمتا شيئا ، تنهدتا ( البارحة عثرتعليه ليدوجكا ورمته في البركة. إذهب بالطائرة الى ( ي ) في تفليس . هناك يمكن شراؤه بثلاثمائة روبل )..
    طوال يومين إقترضت النقود. وفي الصباح جاءتني قبل إقلاع الطائرة مكالمة تلفونية من (واو ): أيها الصديق . ينبغي أن نزيد المبيعات . هل لديك شيء مثير ؟ وكان لديّ!.
    في هيئة التحرير رجوني أن أحذف بيتا واحدا فقط . حينها كانت أمامي الأبدية. رفضت بهدوء . سولوخين العارف بالحالة كان حاضرا ، تنحنح لكنه لم يقل ولو كلمة واحدة . أتذكر الموقف الودي لرييكييمتشوك وبقية أعضاء التحرير. وفي الأخير نشروا قصيدتي.
    وحين مسكت عدد المجلة الجديد بيدي أو حين سبحت بعدها في النهر الصباحي فكرت بالأحمق الذي كنته - لو كنت قد قمت بالفعلة لما عرفت هذا القدر من الأشياء ولما لقيتك ولما كتبت هذه الكلمات. أن تحيا - ياله من إفتتان !.
    نادرا ما ألتقي مع ( واو) ، فنحن لسنا قريبين الواحد من الآخر ، لا في الحياة ولا في الأدب. نظرته تنطفيء حين أكون بالقرب الا أن قلبي مليء بالإمتنان البهيج له. لقد وهبني كل ما أحياه وأفعله الآن. ليحالفه الحظ دائما.
    لماذا تهبّ الرياح الروسية في نوافذ وشقوق هذا القصر الإنجليزي ؟ أيّ تيارات هواء نوستالجية تعربد هنا؟ لماذا تنهمر عليّ بين هذه الجدران ذكريات الوطن؟ إرينا زوجة النحات ، هي روسية ، عاشا معا أكثر من خمسين سنة. النحات دمدم قائلا بعد أن قام بالتعارف بيننا : طيّب ، تحدثي معه بالروسية . أكيد أن التخاطب بلغة أجنبية قد أتعبه.
    الآن ، أيها القاريء لا يمكنه أن يرافقنا ، فهو يستلقي في الكلس المجهد بساق مكسورة ، في الطابق الأول من البيت. وألم الساق موّزع على الكلس في المشاغل.
    الآلهات الروسيات في فن القرن العشرين . إنه موضوع خاص. فماتيس و دالي وبيكاسو وجدوا الإلهام في زوجاتهم الروسيات . تاتيانا ، غماله ، فافا، ناديا ، الشقراوات وذوات الشعر الأسود من موسكو ، من سمولنسك ، وليس من السهل عبور مهاوي العالم بين لاورات وديليات وفالكيرات "15". أجيبيني علىالأقل ، أين أنت أيتها الثغرة السوداء يا ساحرة الحقول أو السموات.
    البقعة ولت ، زالت دون صابون.
    وأكرر ما قلته : طباعها سيئة للغاية !.
    ومرة أصاب العطب بطارية السيارة . أوصلتها بالبطارية . ولم ننتبه الا ونحن في مدينة أخرى.
    في اللحظات الرائقة ، وكانت نادرة ، إستعرضت أمامي خيالات فيها ساحرات ، ومشاهد من تأريخ روسيا أو صورا من طفولتي التي أتذكرها جيدا.
    - أريني ما ينتظرني في الغد.
    - لهذا الغرض لابد من ثغرة بيضاء . ولابد أن تتعرف عليها.
    وإنفجرت عدوانيتها مرة أخرى.
    مرة أخذتها معي الى نادينا لتناول الغداء. أمتصت الأفكار القذرة المعشعشة في رؤوس ضيوف المطعم, بعدها مرضت طويلا فأنا لم ألحظ حينها ناقدا متعفن اللحم كان جالسا في الركن.
    وأنت لم تلحظيها ايضا. وكما أظن فهي لم تحبك كثيرا الا أنها لم تتحرش بك. في غيابك كانت تجرب فساتينك وبإشمئزاز نفثت عطورك. قطراتها تجمدت في الهواء وبدت كأنها قطن ضخم منفوش.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    لم يكن هناك من سبيل الى كبح جماحها. مرة ضربتها في لحظة غضب. لم تعرف ما معنى الضربة . أشرقت بإبتسامة وهي على إعتقاد بأن الأمر يعني تسلية جديدة.. نعالي غاص فيها. حين إنتزعته كان مغطى بتراب لؤلؤي ضاحك. الا انها إعتدلت فيما بعد وإنطوت على نفسها.
    كانت فضولية لحد لايطاق. بإختصار : شأن كل إمرأة. إستمرأت الأخبار الجديدة وكان بإستطاعتها أن تلتهم أعدادا كبيرة. منها وهذا الفضول عاد عليها بالويل. ففي الخريف سرقوها. أغروها ثم إختطفوها. لكن بعدها بيومين أعادوها ، وهم مهدودو القوة بفعل تيارها الكهربائي. وضعوها في كيس. نصحتهم بأن يدفنوا أنفسهم بالأرض كي يترك الكهرباء أجسامهم. لغاية اليوم لم يخرجوا من هناك . وكما يبدو فهي لم تتركهم.
    أحببتها حين كانت تأتي بالضيوف. كانت تدعو، عادة، بوريس غودونوف والزوجين ماكاروجكين وأنف نابليون وساق بافلوفا. تتذكر هذا القدر منهم فقط. بوريس غودونوف كان يغني بصورة جميلة الا أنه كان يخاف كثيرا السيارات . أنف نابليون الراقد على كتفه كالببغاء كان يرافقه في أثناء الغناء. ساق بافلوفا جلست أمام الطاولة ممدودة بصرامة وهي تتمايل قليلا على وقع الباليه.
    قدّمت للضيوف فخذ عجل مشوّيا وسمك سلمون. تذكرت هذه الأشياء من ( الطبيعة الميتة ) في متحف الأرمتاج.
    وفي أحد الأيام خنتها. لم أقدر على إصطحابها الى مكان معين. فهي تملك الأبدية كإحتياطي ، أما حياتي فكانت قصيرة.
    أخبرتها أنني ذاهب الى المكتب ، حبستها في البيت ورحت ملبيا إحدى الدعوات. حين عدت كانت سيارة إجرة تقف أمام البوابة، عدّادها يدور والسائق كأنه لم يكن. وفي ظلام السيارة إنتبهت الى نظرتها المنتقمة. في البيت لم نقل شيئا الا أن الهاتف كان عاطلا لأسبوع واحد.
    وكانت تختفي بعض الأحيان بسبب قضاياها الغجرية غير المعروفة. في البدء أقلقني الأمر ، بحثت عنها ، وخشيت أن تلتهمها عناصر الطبيعة والمناطق الأخرى. أبقيت الشباك مفتوحا. وكانت تعود. وحين تعطل الهاتف عرفت أنها موجودة ثانية.
    قولي الى أين أخذتك الشياطين ؟.
    منذ أمد قصير يعمل الهاتف بصورة طبيعية، بصراحة أنا سعيد لأنني تخلصت منها . عادت الحيوية الى القطط التي اخذت من جديد تستدفيء بالشمس. فوق بييرييديلكينو تزمجر الطائرات و لا أحد يعكر مزاجي.
    يأخذني جانبا وإبتسامة خفيفة تعلو محياه كأن المقصود قضاء حاجة صغيرة. يقودني الى ما وراء لوحة مرمر عمودية.
    - أنا أعرف الأشياء التي تهتم بها. إنها ليست موجودة هنا - يمسح بيده الأسطوانة الساخنة بفعل الشمس - لكنها كانت في هذا المكان هذا مكانها في الصخر. إنها تعود الى صنف الثقوب السود المتنقلة، فهي تحلق مغادرة المكان - الظل يمر بوجهه - كانت عملي الذي عشقته أكثر من غيره. إسأل بيكاسو عنه. فقد إستطاع أن يغريها إنه ملتهم ثقوب. ولاحظت أنه لم يقل هذا الشيء بكلمات مسموعة بل طرحه من خلال الأفكار. ( إنها حديقة ليست بالعادية ). خاطبت نفسي.
    نافذة صغيرة ، مدورة في أعلى البييت ، ملتصقة هناك كأنها عش طير ، كلسي. أليست هي كروية كي يسهل التحليق إليها؟ والذين لا يقدرون على الطيران هناك حاجز السلالم الأسود الذي يقودهم الى غرفة النوم في الطابق الأول. كيف ينام العباقرة؟.
    ربما على بساط الريح ، على مكنسة أو بالون ، أو فراش من مطاط مملوء بالماء المضغوط بدل القطن، ربما في حالة دائمة من إنعدام الجاذبية الأرضية يخترقون المكان من تحت اللحاف المحلق فوقهم؟.
    هل نام أحدكم في فراش بيكاسو؟ إذا لم ينم فليس هناك ما يأسف عليه . فلونام لتقلب طوال الليل ولما غمضت له عين, فراش مربع الشكل واطيء يحتل في الركن الأيمن نصف مساحة غرفة النوم المربعة الشكل أيضا ، على الجانب الأيسر هناك باب يقود الى الحمام. على الأرضية بساط طويل الشعر من صنعه. تحت المصباح ، على طاولة صغيرة ملقى ألبوم يحوي غرافيكا إيروسيا مليئا بالفنتازيا.الفراش لايريد أن يدعو أي أحد ، فهو يتذكر بأنه كان لمدة من الزمن تحت ثقل هذا الجسم.
    مرّ زمن طويل منذ أن كنت في ذات الإستلقاءة ، وجهك الى الأسفل وأنت تتلوى من الألم. الغرفة غير مدفأة. البرودة تأتي من الجدران العتيقة المبيّضة ، أغطية الفراس المتيبسة الجليدية تطعن الظهر والساق.
    إنه فراش عريض جدا.
    بيكاسو لم يكن طويل القامة. ولكي يتدفأ كان ‘ بلاشك ، يتدحرج على الفراش من طرف الى آخر كأنه قرص خبز صغير كروي .
    لكي يسري الدفء في جسمك أنت تعدو لمرات تحت دش الماء الحار. أية أحاسيس فظيعة، تحت قدميه العاريتين، لنعاله القديم الزلق. ثمة ليلة رائعة منيعة تنام الى جانبك وتسمع أنفاسها ، تنام هناك أكثر من باريس واحدة والسماوات والأعماق التي خلقها هو.
    وفجأة ترى النعال يتحرك بقفزات صوب الحمام. من تحت الباب يتسرب الضوء ، الماء يحدث ضجة.
    تريد أن تشعل المصباح على الطاولة الصغيرة الا أن الزر يسبقك وينضغط قبلها بثانية وينتشر الضوء قبل أن تشعله بثانية واحدة. أسنانك تأخذ بالإصطكاك وترتجف كأنك مريض بالحمى رغم أنك تجهد في إقناع النفس بأنها رعشة برد.
    الصمت عميق لدرجة أن الرف الزجاجي في الصالون ، تحت ، يرّن بأوانيه وبذات الرجفة. تماما كما في القطار.
    على رف الزجاج يرتعش قطيع من البجعات الصغيرة. صنعها من كبسولات ألمنيومية لقناني المياه المعدنية. كبسولات المياه المعدنية الفرنسية شبيهة بكبسولات قناني الفودكا الموسكوفية ، فلها ذات اللسان الصغير. وهو قد إنتزع هذه الأ لسن، بهذه الصورة حصل على رأس البجعة وعنقها.. بعدها طوى الكبسولة في الوسط وبسط طرفيها كجناحين.
    قطيع البجعات الفضي يتحرك على الزجاج. الرف الزجاجي المطال يكبر متحولا الى شكل البحيرة البيضوي لكن بلاحدود واضحة.
    وهي ليست ب(بحيرة البجع) . وينبعث تشايكوفسكي ، تشايكوفسكي!.
    وهي ليست ب(بحيرة البجع ) بل الكونشيرتو الأول الذي إستقبلنا في عام 1963.
    تذكرت الصالون الضاج يوما.
    دخلته مع فتاة بتسريحة شعر ( أفرو)
    كأنني مع بالون أسود.
    ومن الباب إنبعث كونشرتو تشايكوفسكي.
    في الغرفة ساد القيظ. وكان يخيل للمرء أن على المساند السود العالية للكراسي الإسبانية تكاد تنبثق قطرات صمغ الصنوبر. هل كان البيت مدفآ أم أنه دفأه بجسده ، بلهيبه المتفجر كالفرن؟.
    كان بيكاسو نصف عار يرتدي قميصا مشبكا كأنه كرة بليارد صفراء تدور في سلتها الشبكية.
    ملامح وجهه تحتد وظهر الظل المرير للإجهاد مما أبرز ، لحد أكبر ، عينيه الجاحظتين المتباعدتين. ووفق نظريته : كلما تباعدت العينان يكون الإنسان أكبر موهبة. بيكاسو كان عبقريا.
    كانت عيناه جاحظتين كما لو أن الفكر قد دفعهما بالإصبع من الداخل.
    - جاكلين ، جاكلين ، إنظري من جاء إلينا؟. ندت عنه صرخة ، وإنتابه فزع المهرج ، يديرعينيه الشبيهتين بعيني الجندب ، ويضرب الضيف بقبضة مضمومة وبكل صبيانية.
    - أديري التلفزيون . أكيد أنهم يظهرونه . إنظري أي ثلج حمله معه.
    دخلت جاكلين السمراء في فستان أخضر ليّن. بعدها دخل الكلب. ظل دون حراك وبعدها بدأ اللحس - كابول هو كلب أبيض مسطح ذو إبتسامة غامضة شبيهة بإبتسامة سمك الكراكي.
    وبدانا. أراني ، بحمية، قماشاته المضاءة بالأخضر. جرني بقوة الى القبو حيث في جحيم شيطاني كان مشغله النحتي الغارق بالدخان. وقف هناك أورانغوتان نفاية الحديد. رأسه معمول من غطاء محرّك سيارة ( شفروليت)، وجمدت بلاحراك ( المستحمات اللاعبات بالكرة) نفسهن اللواتي ألقين بذلك التأثير على مور في فترته المبكرة. في هذه الأعمال كلها ذات الإستعجال المكلوب للحياة وغليان الأحاسيس ، وكل شيء غارق بالسعادة ، سعادة حبه الأخير، المحاولة الملتهبة الأخيرة للحياة. وفي البيت كانت تضوع رائحة السعادة . وصارت للأشياء هالات.
    وإذا أخذنا بالتصنيف الكوني فإن بيكاسو كان ينتمي الى ( الثقوب البيض ).
    وهي طبائع نشيطة وهبت بشحنة مركزة للمستقبل ، وذاكرة لاتخص الفائت بل الآتي. وهؤلاء ينتمون عادة الى البناة المتفائلين المكافحين من أجل قضية عادلة . الأبراج السماوية تقول إنهم على الغالب من برج الثور.
    بخلاف الثقوب السود النوستالجية فلهم الغلبة في الشكل ، الا أنهم في بعض الأحيان أضعف في قوة الإنفعال. وليس المقصود هنا هو العظم بل نوع الموهبة ، فإلى الثقوب السود الكلاسية ينتمي : بلوك ، ليرمنتوف ، شوبان ، وإلى البيض : شكسبير ، غوركي ، آيزنشتاين. ولم ألتق قط ب( ثقب أبيض ) يصل المطلق وكما كان الحال مع بيكاسو .
    حدثني رجل فضاء عن حالة إنعدام الجاذبية ، وهو يضرب بكرات البليارد البيض الى سلاتها.
    - هناك لاتملك الطاولة سطحا و لا أسفلا.. ضربة بليارد موفقة!.. يمكن السباحة صوب الطاولة من كل جهة .. ضربة مضاعفة رائعة!.. ولكي لايجن الناس تم الإتفاق على أن هذا سطح وذاك أسفل. صمموا لنا مقاعد وثيرة ذات مساند تتكيء عليها ، بنعومة، الأجساد المتعبة. لكن أي شيء تسند طالما أن الجذب معدوم؟.. والآن ضربة أخرى !. بالطبع أبدلنا تلك المساند . النفس البشرية لم تألف بعد ، الإنعدام التام للجاذبية.. إيه ، ضربة خاطئة!. وللأسف.
    ما يثير إستغرابي أن بعض روائيينا بعيد كثيراعن الواقع - مؤخرا جميع بطلاتهم أخذن بالتحليق. ساحراتهم يطرن برؤوس الى الأعلى وأجساد مرمية الى الأسفل كما لو أن قانون الجاذبية ما زال يؤثر.
    أتذكر بالضبط كيف جئت محلقة في الصباح. وكنت قد إبتعدت بصورة غير إعتيادية ، وعلى طريقة البشر، برأس الى الأسفل كما لو أن ذلك كان إنعكاسا لك. وجهك كان صوب الأرض. إبتعدت ودون أن تبعدي عني نظرة الوداع.
    فوق زوج من الأحذية البيض كما لو أنك كنت معلقة عليه وهو قد حملك، كان الزوج سابحا ، مقولبا ، الكعبان العاليان مصوبان الى أعلى - مدخنتا سفينة راحلة.
    وكان بيكاسو قادرا على كل شيء .. فقد تغلب على الجاذبية الأرضية . عبر حدود الممكن. عبر الهاوية . ولربما كان هذا سبب مأساته.
    لم يتركني هادئا أفكر بروّية. جرني ، وأصابني الطرش من أسئلته ، وفعل كل شيء كي لا اقدرعلى الوصول اليه بالسؤال الأهم الذي كان على طرف اللسان ، حتى أنني بدأت السؤال: الم تر أيها الأستاذ..) الا أنه يغلق فمي برجاء كي أنشد ( غويا ) بالروسية . ودون ترجمة يفهم الشعر مكررا ورائي كالصدى : ( غو - غو - غو...).
    و بعدها إلتهم الثقوب حتى التخمة.
    حنى رأسه وبعيون مغمضة وهو يمص ، ممطقا، الثقوب من القواقع السود - البيض بلون الليلاك. الطاولة مغطاة بالأصداف المهشمة ذات التجاعيد الدقيقة التي بدت شبيهة بقطع أسطوانات محطمة كان قد سجل عليها البحر. شق الى قطع ذهبية ثقوب البطيخ ذات الرائحة النفاذة الذي يسمى عندنا - (الكولخوزيات ). بعدها حفر ثقبا في العلبة الزجاجية للكافيار السود وغطى رغيفا رقيقا من الخبز شبيها بمنخل صغير. وفي النهاية غمز لي وهو يمص الثقب الفوّاح من العنق الأسود لقنينة مكسورة كسيت بالخوص المظفور كأنه سلة صغيرة.
    عند قدومه إختفت الثقوب في حفرها( صه - كان يسمع همس مليء بالدهشة - جاء ملتهم الثقوب ).
    هذا الشره الأكول والساخر تشبع بكل الإتجاهات الأحدث في الفن ، وبنهم ، أفرغ مشاغل بقية الفنانين ثم ألحقهم بإمبراطوريته ، ومن خلالهم أشبع ذاته بالمستقبل.
    بغبطة خاصة أراني السيراميك . هذه منفضة رماد على شكل ثدي إمرأة . وينتفش ريش حمامته المعروفة. يجد الفنان أمرا عاجلا نقل الجمال الى الحياة اليومية ، لجميع الناس. والفكرة ذاتها ، فكرة الجمال للجميع شغلت بال فروبيل وفاسييتسوف في مشغله الخزفي في آبرامتسيفوف . إنها تجربة عصرنا الصناعي. الحرف الأكثر شيوعا ال(أو ) هو في الوقت نفسه الإشارة الزخرفية الأكثر جمالا . ضاق المكان في الغاليريات بالجمال ، وهو أراده أن يكون الحياة للناس. يريد أن يكون ملموسا بالشفاه وممسوكا بالأيدي الحارة وأن يكتنز بالأنفاس وشاي العصر كي يبقى على الشفاه لحنا شوبرتيا أوآخر معاصرا خفيفا ينساب من الراديو كي يضج الهواء حول الناس بصورة جميلة. لقد بنت حمامة بيكاسو عشها في ملايين الأكواخ.
    ولو رسم هو ( غورنيكا) واحدة لكان مصور القرن أيضا. بيكاسو أشهر مصور لجميع الأزمان. لم يملك شهرة ما بعد الوفاة. فهذه عرفها حين كان حيّا. بهذه الصورة هزم الموت.
    بيكاسو أراد أن يعرف كل شيء.
    بعينه المدببة الدائرة في محجرها كأنها مثقب كروي ، إنتزع مني المعلومات عن الجمهور الذي حضر أمسيتي الشعرية.
    - لكنهم لايعرفون الإستماع الى الشعر في المسرح. دمدم قائلا. أنا أفضل الإستماع بدل رواية شيء له. الا أنها كانت متعة كبيرة أن أنظر إليه وهو يستمع وكيف تتبدل ملامح وجهه.
    رأيت في بيت أراغون كتابا مفتوحا وفيه رسم لبيكاسو معمول بالحبرالملون. الكتاب مغلف بالورق المقوى ، وموضوع تحت الزجاج، في ذلك البيت الفني - الأرستقراطي حيث بدل المصعد هناك مقعد وثير تجلس عليه ثم تصعد الى الطوابق. ذكرني أراغون بفارس نحيف مسحور ذي شفتين ضيقتين. لباسه يكشف عن زهد. لم ( يتحرر) بعد ولم يطلق خصلات الشعر الأبيض الى الكتفين. لم يرتد بعد، المعاطف المخملية المطرزة بالذهب أو النعال الذهبي.
    في أمسيتي الشعرية التي اقيمت في مسرح (في كولومبيه) جلس بريتون في الجانب الأيمن من الصالة مع جماعته ، وفي الأيسر كانت تلمع ناصية أراغون ، ومعه رفاقه. عملاقان كانا ، مرة ، أخوين في السوريالية ، وهما الآن عدوان لدودان. الصالة تذكر بعمق بحيرة فيها دوامتان أو بماكنة كهربائية للحلاقة بشفرتين متنافرتي الحركة. فإذا كان الجانب الأيمن يصفق ينقص فراغ السكون في الأيسر. وبالعكس، كانت تلك أول أمسية للشعر الروسي في مسرح باريس. ولم يكن ثمة تقليد من هذا القبيل. لذلك كان الجمهورمتنافرا. جلس الأساتذة. أما الطلبة فقد جنوا. أزياء رائعة . بدت الصالة كأنها سلة مملوءة بالكريات السود البيض. كانت مكتظة بثقوب المصائر البشرية ، السود والبيض.
    وكل ما روي وكان مرئيا إختفى في بطن بيكاسو. كرع ، وهو يغمغم ، المعلومات عن حياة موسكو الفنية التي سمع بها، وبصعوبة كبيرة كان يميز الأسماء الروسية الطويلة والمجهولة لديه. وطلب المزيد! المزيد! أراد أن يفرغ في ذاته كل طاقة القرن، وهذا أمر مفهوم، فلقد كان أحد بناة ثقافته.
    لاحقه القرن ، القرن الفظيع الرائع. و قد أسرع بمنحه الشكل الإنساني وقبل أن تبرد الخامة ويفوت الأوان على إصلاح ما يمكن إصلاحه.
    لتحيا ثقافة القرن العشرين العصية على الحرق والإعدام ، الثقافة القائمة !. لتحيا منعة أعلامها المكلوبة التي لايطالها الدمار. فبفضلها ، لاغير ، بفضل هذه الثقافة يعثرون علينا في تيار وعي العالم ، ويتذكروننا وقرننا.
    فلقد كنا شهود هذا القرن الذي صار، لغاية الآن حصيلة التأريخ البشري . كنا شهود إكتشاف منابع النفط في ( تيومين) والأخرى التي لاتنضب لرواية بوهاكوف الجديدة.
    لقد ازال القرن الكثير من الحدود. وأخذت ترتسم منظومة جديدة للإنسان - المبدع ، منظومة شغيلة الخلق كما أسماهم الشاعرفي مطلع القرن : هاهم شغيلة الخلق قادمون ، وحليتهم النفسية هي العمل.
    وكل واحد إمتلك جيمه الكبيرة ، الجيم الصعبة - ال( ج )هد.
    مبارك من جاء الى هذا العالم ..
    مبارك شغيل الخلق يفريموف القوي البارزالعظام كثور، كساحب سفينة نهرية ضغط بأصابعه على جرحه وقيّد نفسه بنورج المسرح، الضخم !. مبارك شغيل الخلق أيتماتوف الذي ربط بسهوبه المروج الفتية. شغيل الخلق من تاروس باروستوفسكي الذي سيتصرف الى الأبد بخيرات المنظر الطبيعي لروسيا الوسطى. بييدولا شغيل الخلق من بياوفييش الذي كسر رجله في مطبات العمل الريفي. وحين يكدح في الحقل منحنيا الى الأمام وكأنه يقبل تلك الأرض.
    مباركة يد الجرّاح التي تمسك بالقلب المزرق النابض ، مبارك شغيل الخلق روشتشين الذي قدّم قلبه العاري كابيتسا شغيل الخلق عن أب و جدّ، يضيء في السماء قادما الى ملايين المساكين منغمرا في حياتها العادية التي لاتصدق.
    لكم تخيط جراح القلب صلابة الخلق والتعاطف مع كل ماهو حي في أبيات أحمدولينا الملكية الأكثر سطوعا.
    شغيل الخلق من كورغان ، غافريلا بيلزاروف الشبيه بجنرالات عام 1812 بشواربه الطويلة ، إنه مورعظامنا شأن الليلاك الساحر وسوسن الوادي يدفع الحياة بأقدام وأيد جديدة . عقد الأعصاب تتفتح كنبات السلحب ، المرأة المحظوظة نحت لها أردافا جديدة ، روبنسية . الآن يبني العمود الفقري ومثاله نبات الخيزران.
    الأصبع المفقود ينمو أمام الأبصار في ثقب عظمي أبيض يكبرللغاية وفي نهايته يتفتح الظفر كأنه ورقة ورد.
    يصعب على الهرطوقي يليزاروف أن يغلب الجمود البشري. النظرية لاتلحق بالحياة. إلا أن الأرجل والأيدي تنمو بسرعة كالعجين حين يختمر.
    في الحياة يكون الإنسان ، مرة ، جهما مرّكز الذهن والحواس ، وفي أخرى راغبا في الرفقة الضاجة مع الناس ، يقوم بمعجزات حين يمسك بيده ورق اللعب. وهو مغرم بهذا الشيء. فتحت شاربه السمح تتحول ألوان الورق وأشكاله. في البدء كنت شاكا كالآخرين الا أنني سحبت ، لمرات عديدة ، أربع ( ملكات ) من الورق الذي خلطته بنفسي.
    في ( كورغان ) دخلت المدرسة. ومنذ ذلك الوقت نمت المدينة الصغيرة ببيوتها الخشبية الواطئة، لربما بإسهام من أسحاره، ولكي تصبح مركزا بأبنية عالية مع ( كلينيك) تعطي العالم المشوش درسا في المادية السحرية.
    يعتمد جوهر طريقته على أن العظام تخترقها أسلاك من صنعه وذلك في جهاز خاص يذكرنا بخوذة رجل الفضاء. وهناك تنمو العظام وتكسب أبعادا أخرى. وتخرج من الضباب ظلال الأ ليزيون "16/ أ" - فيليزاروف يعمل.
    ليحيا كوروليف مؤسس سلالة ( خالقي الكون) الذي إخترق المتاهات وحفر أول ثقب في الكون!. في أثناء لقائي مع غاغارين حين تزحلق ضوء من النافذة لاحظت كيف إلتمعت ندبة كانت تحز حاجبه كما لو أنها ضربة بيضاء سريعة للفرشاة كان قد حدد بها تيوفان"16/ ب" طلعته. لقد أحبه الشعب، وهذا أمر لا ينبيء بحياة طويلة خاصة للذين رفعهم الحظ الى قمة النجاح. ذلك المكان قرب ( كيرازتش ) الذي حرثه موته القاسي يعدّ مزارا يؤمه الحجاج.
    شغيل الخلق تفاردوفسكي من سمولنسك بوجهه الممتليء كدمعة، يغني بصوته الجهوري على مدى أوربا كلها أغنية عن أصله ( هناك يسقط المطر ، ويسقط في الصباح أيضا ..) ولكم يفتقد اليوم في الشعر صوته وشخصه الكبير العاصي.
    شغيل الخلق راسبوتين السلس برغم أن جمجمته قد هشمتها ضربة بلطجي ، ساعد شغيل الخلق يوفتيشنكو في أفعاله من منطقة النثر .
    لتزل الخلافات بين شغيلة الخلق.
    في إجتماع لهم ألقى شغيل الخلق ، الصلب فيودور أبراموف خطابا أملاه الألم، وكان عن الطمع الشبيه بشراهة مصاصي الدماء ، عن الكلام العقيم ، لاينبغي ذرف الدموع على أرض الوطن ولا العاطفية المبتذلة ، ينبغي رفعها الى أعلى بالعمل الشاق . أناس العمل مطلوبون ، ومن ينقذ اليوم ، الأرض من القحولة ، ومن يزرع الغابات ، ومن يعطي الناس سقفا ومن يعطي الجمال و الطعام؟ لكي يحيوا بصورة محتملة ، ويغنوا بصورة جميلة ؟ لا أحد غير شغيلة الخلق.
    للمرة الأولى يسري في الأرض كلها سؤال واحد يحوي جميع الأسئلة التي تعذب البشرية: أن تكون أم لا تكون؟ و لايخص الأمر إنسانا فردا ، بلدا بل الجنس البشري. من هو قادر على إنقاذه؟ لا أحد غير الذي تحييهم روح الخلق.
    مصاصو الدماء يرقبون بنظرة حسد متجهمة. في ( غورنيكا ) كشف بيكاسو عن أنياب النزعة العالمية لمص الدماء.
    في الليالي في مقبرة منسية يتحرك غطاء التابوت. يد خضراء كسحلية تزحف من خلال الشق وترمي الغطاء. تحت أكوام القبور تنخسف الأوجار السود.
    كبومة إستفاق صندوق رماد الميت في مبنى الضريح. إنزاح الغطاء وطار من الصندوق ذيل لامع من ذلك التراب. تماما كما حصل لتراب ( ديميتر المغتصب ) "17". التراب إكتسب ملامح وتجسّد في هيئة - ظهر الشعراء المزيفون ، الأبطال المزيفون ، طلائعيو العمل المزيفون. الشبح تعرفه من نظرته الميتة. وبسبب نظرته يصبح الحليب رائبا ويذبل الشعراء الشباب. إنه نشيط، بالمظهر حسب، يحقق النجاح ويحاول أن يكون ذا جاذبية . إلا أن الناس لاتحبه ، يحسون غرزيا أنه تحت رائحة خمرة الأمس الحامضة هناك نتانة الجثث. و( خلقه) يتقبله الناس بكل برود. فهو لايعرف تشييد أو خلق أي شيء. لذلك يشعر بالطعنة ويكره كل من يشيد ويخلق.
    في أطر إمبيرية "18" تزهو بورتريهات كبار مصاصي الدماء - من إستمرأ دم بوشكين ووضع الأنشوطة في رقبة يسينين وأطلق النار على صدر ماياكوفسكي لكي يمص دماءهم الخالدة. البورتريهات تحدق بإشمئزاز الى هذه البقايا البائسة في خلفها اليوم. أين هم اليوم مصمصو الدماء الكبار الذين إرتعشت الشعوب المدهوشة أمامهم. لقد رحلوا، وخلفهم تسمرت قواه ونفدت تماما. إنهم بائسون زلقون كخفافيش لها أصابع أطفال.
    يحسدون . يشوهون صفحة الآخرين، يحيكون الدسائس والدناءات . يتأهون لأن المترو يزعج الموتى في رقادهم. وإتخذوا القرار إغلاق المترو ) . من يتململ هناك وراء طاولة الكتابة ؟ من هو التالي في حسابات الليل؟ أليس هناك ناقدنا العليم ببواطن الأمور ؟ ثبّت على طاولته لوحة من خشب البلوط في وسطها ثقب ، أدخل فيه رأسه ككلب في مأواه الخشبي، وهناك أعلن على الملأ : في كل مكان مجار ومرحاض. لقد نسينا التقاليد الكلاسية !. يتجه منفعلا صوب الباب ويرافقه تصفيق فاتر. ( الى أين ؟) يسألونه بإرتياب. ( تدفئة الفولغا . فالريح عاتية اليوم. وبالمناسبة لأتأكد من المخبأ). بعد نصف ساعة تسمع ضجة من أطلق الماء خلسة. أيّ مصاصي دماء هم في هذه الأيام؟. تنهد ، طرطشة في الماء ، شخير.
    حذار أيها القاريء ، إنتبه الى حفيف ملابسك . فهم يسمعون.
    ها أنهم قد إنتبهوا !.
    العيون الصغيرة القبيحة تستدير بحنق وتمتد صوبك أصابع الخفافيش الزلقة. يبدأون المطاردة. هيّا ، أغربوا عني. وتطرد الذباب!.
    مصاصو الدماء لاحقوا بيكاسو. ترك إسبانيا الفرانكوية مصاصة الدماء. والآن حين أسمع كلاما عن سلاح نظيف يميت الملايين بطريقة إنسانية أو إذا تنهد أحدهم داعيا الى الحرب الذرية ، أشم رائحة مصاصي الدماء . يمكن رؤية هذا كله في ( غورنيكا). وهؤلاء قد يكونون متعلمين. لكن هل هو أمر مهم؟ أيّ شيء يريدون عزفه لنا حين يضغطون على الزر- موسيقى الهابانيرا "19" أم مقاطع من السمفونية التاسعة؟.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    إستضفنا مؤخرا في موسكو تشيك كوريا المؤمن بديبيسي وسترافينسكي وشتشيدرين. تشيك الرائع ( نمس هندي ) سماوي في قمصلة خضراء ، عزف مع موسيقيينا في ( بيت المؤلفين الموسيقيين) ، وأمام البيانو ذاته أبدع فناننا تشيشيك. بوق موسكو الذهبي - كوزلوف المتوثب بلحيته الصغيرة ، لوكيانوف بسترته العسكرية، ألكسي زوبوف بشاربيه المعقوفين كأنبوبة بوق. هذه الأبواق الموسكوفية تشابكت مع بيانو تشيك ، الفريد. إنها ليست أبواق الكوارث بل مهرجان جاز إرتجالي. وفجأة إعتلت الخشبة وغنت فتيات بوكروفسكي ، حاجّات يجمعن لآليء الأغنية الروسية التي نثرت فجأة في الصالة. وتبين أن الحرفين السماويين للغناء الروسي ( أو) و(أي ) كانا قريبين بشكل غير مألوف من بيانو الضيف ، غيرالأرضي. ولقد كانت وليمة روحية. القاعة المأخوذة كانت تصفق وتطلب المزيد . وإنطلق المارش الجنائزي الرقيق خصيصا لمصاصي الدماء. تعانق الثقافات الأخوي واجه سقوط العالم.
    كان بيكاسو يحقد على الفاشية. وسعى النظام الى شرائه. فرانكو هو مصاص دماء .(إذا أراد أن أرسمه فليبعث إليّ برأسه) أجاب بيكاسو . مصارعو الثيران كانوا يقدمون خصيصا الى جنوب فرنسا كي ينظموا لبيكاسو الكوريدا. وعلى كتاب مهدى إليّ رسم ثورا ومصارعا. وكان بورتريهه. فالفنان هو ، على الدوام ، ثور ومصارع في آن واحد.
    أدركت بسرعة كيف إلتمع بؤبؤ عينه بالشهوة والكآبة ، وفهمت أن القرن يمر، لكن بعد لحظة ضحك بصوت عال وغمز لي وهو يرسم ( شيخ الصقيع) "20".
    جئت بالثلوج الى أنتيب "21". البساتين ذات الخضرة الداكنة تنوء بالملح وتبدو مدهوشة . فقد فاجأها الثلج.
    سرنا في الشرفة الصقيعية. وأخيرا نحن لوحدنا. كلماته كانت ملفوفة بالبخار. لم ينفجر البخار من فمه وأنفه فقط بل من كل مساحات الجلد الحار ، عمود حياته الغاضب ، الذي إنضفر في الصقيع. كذلك كانت الأرض الضعيفة تدخن بزرقة السماء المضيئة، وهي قد إستفاقت بعد هجمة الثلج. تصاعد البخار فوق المصاطب الرطبة. وكانت شجيرات الغار والبرتقال تدخن و تضوع بروائحها الحادة وهي تبدو مثل المكانس المحروقة بالثلج والشمس. علا الدخان من القصر عند أقدام الجبل كأنه برميل إستحمام ، خشبي. وكان هناك كلب سعيد يعدو نثار رغوة صابون بيضاء ، في المماشي الوردية المغمى عليها.الإستحمام يجعل الناس صريحين . والآن أسأله.
    في الأسفل عند أقدام الجبل أغمي على جدران الكلس الوردي التي يسيل الماء من أجنحتها. فقد حدث تبخر كبير. بعيدا في الأسفل كان المرء يحزر حسب أن هناك في الضباب بحرا على وشك الإغماء أيضا ، ولغزا للوجود غامضا ملفوفا بالدخان مثل ووترلو في لوحة قديمة.
    وعلى كل شيء أنتصر وأطلق خواره ودخن حياة ، ( حمامجي ) عبقري يحيط عنقه الذي لوّحته الشمس طوق كأنه رغوة صابون . كان ملفوفا كله بالبخار، ومن بين الغمامات البيض كانت تلمع عين مرحة جريئة.
    إستدرت وأنا ارقب سيارة مسرعة صوب الأسفل تتزحلق عجلاتها.
    حين إستدرت صوبه من جديد كان يقف جنبي عمود من البخار الذي سرعان ما تبدد. لم يكن بيكاسوهناك.
    وإستدرت بعدها بعشرين سنة.
    هل جذبته الثغرة السوداء التي لاتشبع؟ أهو أيضا؟.
    أوه إنه أمر محتمل تماما ، إنك تنتقمين مني باعثة إليّ بشتى الذكريات، كأنها حالات تشويش إذاعي أو أن العدوى جاءتني منك، العدوى بجرثومة الذاكرة؟. ومهما كانت الفعلة التي قد إرتكبتها فإن ما سيحصل لي قد كان في حياتي الحاضرة أو الماضية. هل تحلقين هناك كقمر إتصالات صناعي مظلم وتبعثين الماضي إليّ، الماضي المكروه؟ عمل الذاكرة يتصل عندي بك ويثير القلق، و بصراحة: اللذة أيضا . فأيّ شخص أتذكره ايضا. أنا لا افترق عنك - وفي هذا الإنتقام إنتصارك.
    ( أب الرجل طفولته ). نقرأ عند وردزوورث. ولدت في موسكو. إلا أنه منذ السنوات المبكرة صقلت حرف ال( أي ) الموسكوفي ال( أو ) المستديرة في النطق الفلاديميري.
    أمام عيني إكتسبت موسيقى الكلام شكلا بيضويا.
    التلال عند النهر ، الغيوم ، بيض عيد القيامة الملون بالمينا والذهب وقشور البصل. نظام الحياة المقرركان بيضويا شأن نظام قشرة الفستق الذي كنا نجمعه في سلال كبيرة ثم نجففه على سطح البيت. عند قطف الفستق لايرغم المرء على الإنحناء. حين يجمع الفطر أو توت الغابة لابد أن ينحني في البدء، مقدّما الشكر على ما هو موجود. ولابد من الركوع عند جمع أنواع منها.
    أشجار البندق ليست سامقة فهي تناسب قاماتنا. البندق مدوّر لكن في طرفه هناك شيئا كقبعة سلافية قديمة. البندق ينمو على الأغصان في عناقيد، أربع أو خمس بندقات يحضن بعضها بعضا. كل واحدة في عشها الأخضر. رؤوسها الفاقعة اللون بادية من الأعشاش الخضر. تنحني رؤوس البندق من خضرة التلال كأنها خمس قباب لكنيسة غير مرئية من بعيد.
    قريبة من سيولة هذا الخط كانت الدائرة الشاسعة للمدينة العملاقة، من المنطقة التي جئت منها والتي شكلتها سبع تلال ودائرتا الطرق المحيطة بها: سادوفا ( البستانية ) وبولفاروفا ( الكورنيشية) - على خلاف خطة توسيع بناء لينينغراد، القائمة الزوايا أو نيويورك.
    سيفاستيانوف القادم من ( شفييردوفسكو ) روى بأن موسكو المرئية من الكون الأسود تذكر بزهرة البابونج، بمركز مدوّر وأوراق هي الأحياء الجديدة، وكانها منتوفة بيد عاشق: ( تحبني ..لاتحبني..).
    أنا أعرف جميع منحدرات هذه المدينة ومنعطفاتها ومرتفعاتها. ولكم من مرة خفق القلب وكل عضلة حين إنطلقت بالدراجة النارية في ( سادوفا ). عمودان قديمان من طراز الأمبير في ( بولانكا) بكلسها المتآكل كقشرة بيض من تحته برزت طابوقة - إنهما شجرتا بتولا مبيضتان ، من طفولتي . وياللعجب لم يتشاجر العمودان بل على العكس ، شدّتهما آصرة الصداقة مع الأخوات من أشجار البتولا في ( فلاديمير).
    يجري الكلام الآن كثيرا وبصورة حكيمة عن الرابطة الروحية عن أسلوب المدارس الأدبية - الفوفودية والروستوفية والريازانية إلخ. أظن أن على فلاسفتنا الوقوف عند ذهنية وأسلوب تفكير أولئك الذين ولدوا في ( برودي تشيستا) و( زامكوشكوفوريتش).

    القلب يدمي للأحياء والأسوار المهدمة، للبساتين المقطوعة أشجارها ، على السواء.
    ( أربات ) هو بستاننا للكرز.
    ماذا أردت قوله حين هجمت عليّ بهذه الذكريات المدورة ، لماذا تأتيني بدوار الرأس ؟
    هيا يا ذكريات ، إختفي وصيري دوامة ، جرّي الوجوه الممسوحة وإعملي منها معكرونة ، هذه الوجوه السائلة كحليب مكثف أو وسخ عين !.
    ومن يطيق الحال؟ أدور بذراعين منشورين كحرف ( تي ) محاطا بأترابي من باحة البيت ، على أسفلت الشارع المذعور.
    عشرون! ثلاثون! ويأتي الغثيان شأن الحال عند المنطلق . أربعون حلقة أكبر! سيلوا في الضباب يا ملاحقيني من باحة البيت! حلقة أكبر!. ها أنني أرتفع بمروحة حلزونية تدور فوق الباحة. حلقة أكبر!. . دوري يا حياة ، دوري لكم أنا مغرم بك!.
    حلقة أكبر! - أنا ( فاسيلي المبارك) إنه أنا من يدور كالدوامة في قافلة من قبابي الفنتازية الملونة.
    أبطيء السير . أجمد في الماضي . هيئات بشرية تبرز من ضباب كثيف . يحيطني طلبة ومعهم ألواح الرسم. لا أرى شيئا على اللوحات. إلا أن على وجوههم تنعكس حرائقي وضبابي الأبدي.
    أحدهم هزيل الجسم يبتعد عن لوحته كي يقارن بين ما رسمه والموديل ، إلا أنه يبتعد أكثر. شفتاه تغمغمان بشيء. لا أسمع شيئا الا أنني أخمن الأمر: له علاقة بي. يواصل الإبتعاد. لا أراه الآن في الحشد. يبتعد عن المعمار ويهرب الى الشعر.
    طفولتي وسنوات الصبا مرت في ( بولشوي شييريوخوفسكا). غنائية معمار ( فلاديمير ) وجدت إنعكاسها في الأقواس اللينة لمحطة المترو في ( دوبرينيتسكايا ) المحطة الأكثر قلبية من جميع محطات موسكو . لقد وقفت عند مخرج طفولتي كأنها جدّة من ( فلاديمير) أو ماما جاءت الى العاصمة كي تراني وتقود خطاي في بداية طريق الحياة. الكل كان عنده هذه ال( إرينا روديونوفنا).
    وهي كانت من نصيبي.
    قبل أن يبدأ المعماري بافلوف بتصميم المحطة في تموز عام 1945 قضى ليلة في كنيسة ( بوكروف) الواقعة على نهر ( نيرلا ) درة المعمار الروسي بالأنوثة.
    حينها كان برج الأجراس يقف جنبها. وفيه كان يجفف القش. وهنا تحت السقف كان مبيت بافلوف، ومن هناك ، في كمينه ، كان يراقب مبهورا كيف تتبدل الكنيسة. الأقواس الناصعة في الماء. ساعتا الشروق كانتا زمنها المسحور.
    في البدء كانت رمادية غامقة وبعدها صارت زرقاء ثم تضرجت بالوردي الحيي ، وهذه المرة إكتست بلون أصفر هاديء( تماما مثل المرأة التي عرفت كل شيء). يقولها بافلوف بأشد إهتمام الا أنه يستر كاللص نظراته الزرق. فقد إنكشف الأمر الآن وعرفنا ما سرق.. وفي الأخير شعّ البياض من الكنيسة.
    بعد عودته الى موسكو عمل بافلوف في أمسية واحدة تصميم المحطة. وبعدها إنتقد بشدة لأنه إنقاد الى تأثيرات المعمار الروسي القديم والغربي(والشياطين تعرف كيف؟ وفي ذات الوقت ؟). الا أن المحطة إنتهى بناؤها ، صالاتها ، تحت الأرض ، بقي الى الأبد بريق السمات البيض والأخرى للأعمدة المدببة ، سمات كنيسة ( بوكروف ) على نهر ( نيرلا). وفي باكورة أشعاري كتبت عن هذا المعبد، وحتى اليوم صارت للمحطة شهرة سياحية بقيت نورانيتها أقوى من الدمار.
    في منطقة ( فلاديمير ) عند الحدود مع منطقة ( غوركي ) ثمة أماكن سيئة الصيت وعلى الأغلب تلك المنخفضات بمنظرها الشبيه بمنظر المستنقعات الجهم. وحتى سكان المنطقة قد يتعرضون هنا الى السوء. يهيم المرء على وجهه نصف النهار في الغابة ثم يعود كالمنوّم مغناطيسيا من حيث بدأ. المعتقدات الشعبية تقول إن ما يحدث هناك سببه الساحرات. لماذا تقوديني الى هذه المتاهة ، وتسلكين هذه الدروب الوعرة ؟ تتورطين في الدخول الى الذاكرة الأمومية ، بعدها تعودين، وعلى الدوام ، الى الذكريات نفسها؟.
    شعاع الشمس دليلك. لماذا لم تملكي البصر ولا السمع كي تعرفي الألوان والأصوات؟ كنت تنسلين في بعض الأحايين ، في أحدهم كالقطة في حذاء قديم ، وبعينيه كنت ترقبين العالم.
    إنسللت مرة في تلميذة، إكتسيت بها كأنها كانت رداء عمل. بفضل أنفها وبؤبؤها عرفت رائحة الفطر وشجرة الأجاص، سريت في عالم تجاربنا الأولى التي تجدينهت ساذجة غضة. بهرك هذا العالم وأثار فيك مشاعر الحب.
    في أثناء القفز على اللوحة المكتوب عليها ( نحن مستعدون للعمل والدفاع) لمحت تلميذة عن غير قصد، ثلاث قطط، وتحت نظراتها فقدت القطط قواها. طارت الصبية ، بدون سند، أربعة امتار ، أربعين لكنها حين صارت في الأعلى ورأت تحتها ألوجوه المدهوشة أدركت انها قامت بفعلة غير لائقة ، عند منتصف القفزة عادت متواضعة الى نقطة البدء.
    لكنها في حصة التأريخ قالت جملتين كشفتا عن معرفة عميقة غرق فيها المعلم. وقد جنّ. أنت أخذت سيارة الإسعاف. وفي البيت الكئيب الذي جاءوا بك إليه لم يصدقك الممرضون حين ذكرت أن بطرس الأول كان إبن نيكون كذاك كانوا ، وكما تبين ، معارضين لمعادلة بور "22" السابعة عشرة. حين هربت من هناك جرحت يدك بالزجاج المهشم وهربت عبر السلك الكهربائي بمحاذاة طريق ضواحي المدينة. وتحتك كان يركض الممرضون وجمع من الناس ، وصفارات الإنذار كانت تدوي.
    لم تعرفي جلية الأمر. جئت بالشقاء للناس الذين حللت فيهم وأنت سعيدة. ثم تمددت في الشاعر ريبيكين. ذاك الذي كتب قصيدة عصماء، إلا أن كل شيء قد إنتهى ، مرة أخرى، بطريقة تدعو الى الرثاء . فالشاعر طلق إمرأته.
    سبحت الطاقة الكروية المصدومة ، بكل حرية، فوق النهر. أي ياعمة ، لماذا أنت شريرة؟ لماذا تتحرشين بالناس؟ لوقدر لك لسلخت جلودهم بكل قسوة.
    - الحياة ثقبتني بلا رحمة. لذلك أنا مثل المبشرة.
    كان الجد يملك في البستان خليتي نحل تصاعد فوقهما أزيز ذهبي بشكل دبر من النحل. عند النهر علمني الجد ضفر السلال الصغيرة من قضبان أشجار الخلاف. وكانت تقف هناك هياكل السلال كأنها أطر بيضوية الشكل لمنظر نهري، أطر من قضبان بيض. ملساء.
    كما ترين فأنا قد تيهأت طوال الحياة للقائك. لكنك لم تخلطي أوراق اللعب جيدا وإخترت جميع هذه الأشكال المدورة في ذاكرتي.
    في الأمسيات تمددت آلة الهارمونيكا بشكل قوس ، وفي السنوات الأخيرة كان هناك أكورديون - غنيمة. من الدائرة خرجت بائعة بشعرها المصبوغ بالأشقر وحاجبيها بالأسود، مرتدية جوارب ،هي أيضا غنيمة ، بخطها الأسود ، إنها مرحة منتشية قليلا. تركت عند صديقتها حقيبتها اليدوية الأنيقة وراحت تزعق بأغنية روسية. في طبقتها الصوتية كان هناك هواء نهري طلق وبخلاف فولكلور باحات العمارات اللصوصي الجهم. في قلب الحياة وحتى الأصعب ، يكون حاضرا الشكل البيضوي الناصع وغير المرئي الذي تشكل كما معلوم في أزمان الكوارث القومية حين إحترقت المدن ودفن الناس أحياء.
    كنا نصل بشاحنة عابرة المدينة بقصرها الكرمليني الأبيض على التل.
    الحجر الأبيض لقوس ( البوابات الذهبية) الرائع إكتسب شكل ( أو- الدائرة) وهو مطمور الى النصف ، في الأرض.
    أيها الشبح المعذب!.
    تلاحقني طلعة كالحة منفوخة بحلوى العسل.
    إغربي عني!. ليس ثمة في حياتنا مثل هؤلاء الناس . أنا ألصقك بهذه الصفحة لكي أريح النفس منك.
    لم ألتق لغاية الآن بأغبياء حتى النخاع. لكنني إلتقيت ببيضويين كثر. المرء يدخل المكتب الى المحرر. ذوق نموذجي خالص . حين يلتقط البيت الشعري الأثمن تضيق العينان على الفور. ( رائع ) يتأوه ملتذا ويخط بقلمه. هناك شاعر يملك دفتر أشعار خطها مختلف المؤلفين. أنطولوغيا كاملة . ولحسن الحظ ليس جميع المحررين مثل هؤلاء حتى في الخمسينات.
    كان الحظ يبتسم لي حين لقيت في اغلب الأحوال دائرة الناس الطيبين مثل تشوكوفسكي الموسوعي الذي لايضاهى، الطويل القامة مثل مراوح أشجار الصنوبر في حي بييرييدييلكينو ، مثل مارشاك ذي الشفتين المزمومتين اللتين تذكران بكيس مسحور مليء بالنقود - الكلمات الذهبية، مثل غلاسكوف القوى جسدا بين شعراء موسكو الذي يصارع بيدين عاريتين التنين الأخضر، مثل وزراب تسيريتيلي أكثر الناس سخاء في العالم، حسب ظني ، فهو يرصف تحت الشمس اللاهبة كيلومترات من الموزائيك المريع كي يملك بعدها ما يوزعه على الكل.
    سيرغيوش ناروفتشاروف يملك تثاقل القادة الزرق العيون من زمن القيصرة كاترين . أحاطه دخان التأريخ الروسي السحري. سترته الرمادية مجعدة على الغالب ، وعلى الدوام كان يبدو لي بأن يده المثنية عن الكوع تمسك بقبعة مثلثة الزوايا وعصا اللؤلؤ المارشالية. إختناقه الخفيف يذكر بضروب الشدة التي لقيها في الحياة.
    وكانت العلاقات بيننا من نوع خاص. مرة هاجمني في إحدى المقالات. كنت حانقا ونشرت ردا أسميته فيه بمعلم اخلاقيات. لكنه لم ينتقم. والسبب أنه ينتمي الى صنف شغيلة الخلق. طبيعته كانت رحبة. إلتقينا وتحدثنا عن الحياة والتأريخ، قال إنه لم يفهم كل شيء ، وباح لي بسرّه: كتابة قصة عن الطغيان مرتبطة بإيفان الرهيب ، وشجعني على أن أجرّب قوتي في النثر. في نظراته تكتسي الزرقة الحساسية الحيية للفنان والأمير الذي تصوره الكتب . إنه من نشر أعز اشيائي وكتب عني في ( البرافدا) مقالة مليئة بالمديح.
    درس بافلوف قرب ( فلاديمير ) في ( مستير ). شغيل الخلق هذا ينحدر من أصل نبيل. خاله الجنرال كوستياييف بطل الحرب ضد المانيا الذي كان يتقن سبع لغات. صار رئيس هيئة اركان فرق الميدان للجيش الأحمر ، وكان أحد قادته العشرة الذين حملوا أعلى الرتب. في طفولته إحتك بافلوف في البيت بتوخاتشيفسكي وكوونتاي. وحين إقترب دينكين من موسكو تمردت الفرق التي أنهكها الجوع قرب تولا وهددت بالإنحياز الى جانب دنكين. بعث لينين الى هناك بكوستاييف. وهذا الرجل ذو الشجاعة الفائقة دخل الإجتماع وتصدى للتمرد المتفاقم. ازاح معطفه العسكري كي يرى الجميع زيّه الجنرالي المزيّن بالأوسمة والأشرطة والرتب - ( أترون . أنا- جنرال القيصر - صرت أحمر . وأنتم ؟). في النهاية أقنعهم.
    صمم بافلوف سرداقا من حجر سماقي للقطار الذي أقل جثمان لينين ، وهو اليوم يقف في محطة بافليتس. الآن ينهي رسوم عمل لتصميم المتحف الذي يحمي البيت في ( غوركي ). ( إستخدمت تكوينا حرا لكتل فاسيل المبارك)- يقول بافلوف . أنظر الى هذه المكعبات الخالية من النوافذ وكيف وضعت في علب كارتونية قباب فاسيل المبارك وكيف أعدت للإرسال الى أزمان أخرى.
    دار فلاديمير المنطقية للنشر أصدرت ديواني الشعري الأول. إكتشفتني المحررة كابا افاناسييفا وإقترحت عليّ النشر, في روسيا لايوجد أدب الأقاليم .. كلها هي قدسية.
    نحيفة ، شاحبة ، خشنة المظهر ترتدي فستانا كتانيا بسيطا وكتفها اليمنى غير المستديرة كانت أوطأ من الأخرى . بسبب حمل حقيبة الأوراق. كانت تدخن سجائر من ماركة معينة. حملت عاليا ضفيرة من الشعر الفاتح اللون مشدودة حول الراس بشكل طوق فينيسي. الدبابيس المغروزة على عجل كانت تتناثر على الأوراق المطبوعة كما لو أنها إبر صنوبر طويلة مزدوجة.
    وكان بيتها متواضعا بل وأكثر.
    كابا و زوجها و الأطفال والجدّة قطنوا في غرف الزوايا من ذلك البيت الخشبي ، وعلى الأريكة ينام على الدوام ضيف من مكان بعيد أو كاتب بلامأوى. كانت تملك حدسا لايخطيء. إكتشفت الكثيرين من شعراء فلاديمير. لم يلائمها اليومي. كانت تتنقل في المطبخ بين المتجادلين في معنى الوجود ودون أن تلمس قدماها ألواح الأرضية ، كما لو أن شخصا غير مرئي رفعها ماسكا رأسها عند الصدغين حيث العروة الذهبية بشكل تلك الضفيرة. كان فيها بريق من روح نساء تورغنييف وآنا دوستويفسكي وعلى أمثالها يتكأ الأدب الروسي. وحين أراد نيكراسوف أن يكتب عن المرأة ، كتب عن كابا. بفضلها إستقام مصير أرضنا التي لم تنحن في الماضي ولن تنحني تحت أثقال الحاضر، وتحمل عاليا طوقها الذهبي.
    عندما ظهرت اشعاري ( موزائيك) كانت العاصفة تجن. وكان الزمن زمن الإنحرافات التي سميت فيما بعد بالتطوعية . قرع جرس الهاتف وصدر الأمر بسحب ما طبع ووزع، لكن الكتاب كان قد بيع. وإستدعيت كابا الى مدينة كبيرة. وفي إجتماع خاص بدأ رئيس - جلف يصرخ بوجهها. تلك الإتهامات تبدو اليوم مضحكة. مثلا حاول أن يلصق معان سياسية بكلمات مثل ( حامل ) و(رؤوس). كابا ، كابا الهادئة قاطعته، نهضت وألقت كلمة في السكون المرتاع، دفاعا عن الشعر. وغادرت القاعة على عجل وقبل أن تنهي كلمتها. وبعدها لم تستعد الهدوء طوال ساعات. فصلوها عن العمل.
    إغفري لي يا كابا.
    في ذلك الوقت كان من المقرر أن تنشر أشعاري في ( نييديلا) . وقد إستطعت في آخر لحظة أن أضع إهداء لها في أحد الأبيات. وبعد فترة معينة تدخلت العدالة. عينت كابا رئيسة مهندسي دار الطباعة وحتى أنها حصلت على زيادة في مرتبها. المرة الأخيرة التي رأيتها فيها كانت في فلاديمير حين جئنا مع ( بويتيريا ).
    كان طوقها الذهبي يلمع ، مضفورا كمقبض سلة، فوق المقاعد. حين غنت زيكينا بمصاحبة الأجراس ( يا أمّنا الفلاديميرية الوحيدة..) أحنت رأسها لكابا.
    ال( أو) - إنها تنهّد، أوكسجين اللغة.
    الأغصان التي تنوء تحت ظل التفاح أسندها الجدّ برمح عسكري.
    شجرة التفاح نمت وراء البيت قبالة المشرق. وفي كل صباح كانت تستحم بالبريق. كانت تخترقها الخطوط المنحرفة لأشعة الشمس. الأشكال البيضوية للتفاح الذي تحيطه أحزمة براقة كانت حروف ( أو ) كبيرة مرسومة بتوكيد رقيق كما لو أن الصباح كان يعلم فنون الخط.
    وفي اسفل تفاحة كانت دودة تتلوى خالقة حرفا مجهولا عندي هو ( كيو ).
    ( أو ) يا معلمتي الأولى في درس الكتابة ! قبل آلاف السنين قدمت ، بوجل ، معلمة في حديقة أخرى ، حرفا بيضويا مضيئا بدأ به الجنس البشري.
    وفي شجرة اللغة يتجمع النسغ !. في البدء كانت الكلمة ، وكان لها شكل آخر. الإنسان في القداسة والخطيئة خلق الشكل للكلمة، إبتكر الأبجدية السلافية والرسم والنحت.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    انا أحلم ، وياله من حلم ، بالشجرة الذهبية للغة!. تنمو من خلال جسدي ، تتغذى على نسغي ، تشبّ من خلال حياتي ، تضج فوقي كالتاج.
    تاج اللغة، فكرتي اللحوح ، أمنيتي أن ينهض ، في ساحة ما ، تمثال للغة. حينها يكون تمثالا للكلمات الكبيرة التي إحتضرت - نارا أبدية تخلد الكلمة الحيّة. وفيه يتعانق الشعر والعمارة. تتأرجح كالأجراس الذهبية ال( أي) وال ( كي ) ، وستخشخش كالأقراط وال( هاء ) تدوي كالعقاب ) ، وستتضخم عناقيد ال( أو ) - على التاج أن يكون من ذهب ويتمايل بخفة بفعل الهواء الساخن، بفعل الضوء والأنفاس البشرية.
    أحدق الى هذه الصورة ، إنها ليست شجرة تماما . فأنا لا أرى ساقها. وأيّ ساق يكون للغة ؟ جاءتني الفكرة : ينبغي أن تكون الصورة غيمة."23" حياتنا في إنفلاتها تتحول الى غيمة ذهبية للغة. وفوق الساحة سترتفع الغيمة الذهبية. أما الشجرة فلنتركها لمناسبات أخرى.
    وكيف نحل المسألة تقنيا؟ لابد أن ندبر أمرنا. و لاتصلح هنا المثبتات ولا حبال الأشرعة. لايمكن أن تكون الغيمة معلقة. ومن الأفضل أن يكون هناك حقل للمغناطيسية الكهربائية، إلا أن هذا الشيء يفسد المنظر. كذلك ستكون الكلفة كبيرة. بإعتقادي أن أفضل شيء هو وضع الغيمة على وسادة هوائية. فهناك سفن وقطارات وحتى دبابات، وعلى وسادة هوائية تسندها الغيمة يمكن وضعها على أربعة أعمدة من هواء مضغوط. أحدها أوطا بقليل من الأخرى في الوسط، والأعمدة الثلاثة المنحنية لاتسمح بالميلان. ومن خلال الهواء المرتعش تكون مرئية أشجار الحديقة كما لو أنه وقف في الساحة خريف ذهبي مرتعش الى الأبد.
    أجد أن المادة الفضلى هي البرونز . فالتيتان بارد كثيرا والنيكل أنيق كثيرا. وقد نكثف الضوء ؟ الأكيد أن الحل النموذجي في الذهب الخالص، فهو ذو أبهة ومانح للضوء، وفي سطح المرآة لتنعكس ، في هذه الحالة ، الحياة والناس والغيوم - فاللسان هو حيّ أليس كذلك؟! - وعبر المدينة سترقض الأرانب الضوئية - إنها غيمة اللسان الذهبية.
    أخذت لوح الرسم . في ظهره أدق السمامير الى الإطار. أعمل صمغا كثيفا من طحين الجودار. أرطب في (البانيو) لفة من الورق العريض ، أسحبه وأنا أضغط بعناية على أطرافه كي لاتحصل تجاعيد. أضع اللوح أفقيا. الورق يبدو كأنه شرشف فراش رطب وممطوط.
    في الصباح الباكر أختبر الحالة. الورق متوتر بشكل إحتفالي! إنه كالطبل مشدود بالقدر اللازم. الورق يتنفس.
    آخذ المسطرة وأرسم الخط الأول ، يحدث صوتا كأنه وتر قيثارة.
    الشغف وحده قد يبرر إختيار الدراسة في قسم المعمار. هل تعرف أيها القاريء ما هي عيون الثور؟.
    معلوم وواضح بأنها تفاصيل للمعمار ، وذات شكل بيضوي نلقاها في الطراز اليوني والآخر الكورنثي بالطبع. هذه العيون نلقاها في وسط رأس العمود اليوني كما لو أن طيرا ما إليها متقلب الأهواء حمل ثلاث بيضات بيض بين قرني الخروف اليوني. ويذكر شكلها بصورة مدهشة ب( أونيك ) الأسم القديم لحرف ال(أو) في الأبجدية الروسية . وحتى إن ( دال ) يستشهد هنا بمثل قديم ( بطن مثل ال"أونيك" وساقان مثل حرف ال" إكس" ).
    لنحاول رسم عيون الثور الثلاث هذه.
    شكلها ليس بالدائري الكامل . فهي تأخذ بالضيق صوب الأسفل. لايمكن رسمها الا باليد، دون معونة المسطرة والفرجار. ومن المفروض أن تكون متشابهة تماما. إذن يكون الرسم على ورق كربون موضوع بالمقلوب، بيد قوية ، مع مراعاة المسافة بين حرف وآخر. هل تعبت أيها القاريء؟.
    وكان من المفروض رسم شريط مكوّن من ثلاثة آلاف من البويضات الميكروسكوبية الهوائية المزاج والمجهدة. الدكتور خريبونوف فحص كل واحدة منها بدقة خبيثة. من السهل تقشير جردل من البطاطا في مطبخ الجنود..
    كنت قد تأخرت. مضيت في طريق معروف عبر الغابة. عرفت بأنني سألقى في القريب ، مرتفعا ثم منعطفا وعلى اليسار إشارة دليل هي صنوبرة يظلل فرعها الضخم الطريق على إرتفاع قامتين . ووراء المنعطف برزت الصنوبرة. لكن ماذا هنا؟.
    على صدرها كانت تتلامع كحلية مؤثرة ، صورة السيدة العذراء، وقد وضعت على رف صغير.
    عندما إقتربت فهمت ما حصل . أحدهم قطع الغصن كما لو أنه قد قطعت يد حيّة من مفصلها. وفي الشجرة نشأ ثقب بيضوي طري كان يلمع مثل الذهب الخالص في الحمرة الغامقة للحاء الصنوبرة.
    الهيئة الإشعاعية للألياف صارت شبيهة بالهالة على الرأس والثوب الملقى على الكتفين. والداخل المظلم للثقب إكتسب هيئة إمرأة. الدموع الكبيرة لصمغ الصنوبر كانت تلتهب في شمس المساء. وعلى اليسار إمتد الى الأسفل خط أبيض من الصمغ المتخثر ، كأنه مالح أيضا. الغصن قطع من الأسفل وبدا شبيها بالرف الصغير.
    ولربما نما الغصن وإعترض طريق إحدى الشاحنات. أكيد أنهم صعدوا على سطحها وأرادوا قطع الغصن لكنهم إقتلعوه في النهاية . وأنا شعرت بالخجل.
    هكذا تنشأ تجاويف الشجر.
    ولكم هو بعيد المنال تاج الثقافة الذي يظللنا.
    ( سيدتي ، إنقذي المكالمة !. هناك من يدخل الخط. كلا ، ليس هذا مكتب التبادل. أنا طلبت تفليس. آلو. يا نحّات ، هل تسمعني ؟ هل تقدر على نحت يد؟ نعم . أعود الى الموضوع نفسه. هل تتذكر ، أردنا أن نعمل تمثالا لنونيشفيله؟ لدي فكرة. إخبر ميديا. في حياته وفي وجهه الصغير كانت خفقة الساقية ، كانت خفقة صنع الجميل،التلقائي، الذي بدا لأكثر من شخص أمرا لا حاجة إليه. بيد وضعت جورجيا الزهور على قبر باسترناك. أنا صممت ساقية ماء للشرب ينبثق من كف أبيض.... الماء يسيل من بين الأصابع الى خزان صغير يتكون من الأحرف الأولى لأسمه الجيورجي. في تفليس الجو حار. وفي المقبرة يكون الجميع عطاشى. الماء كنز. وهو قد عاش كي يسقي ، بذاته، الناس. ومن الأفضل أن يكون النصب من المرمر أو من الزجاج المشبك. عدا ذلك لدي فكرة أخرى .. الغيمة..).
    وإنقطعت المكالمة.
    بعد أن أنهى رسم سلسلة ( الناس في المخابيء) توّجه مور الى مسقط رأسه في يوركشير. نزل هناك الى المنجم، الى السلف ، في أعماق الميلاد والطفولة. أبدع هناك سلسلة من الرسوم المكرسة لجهد عمال المناجم الكبير والفظيع في أثناء الحرب. رسم في ظلام مطبق. للمرة الأولى إهتم بالشخوص الرجالية. مهنة عامل المنجم قريبة من مهنة النحات. يحفر آلاف السنين المضغوطة في الفحم. الظلام . ضوء المصابيح المثبتة على الجباه. حصان أبيض أعمى. مساند مدورة. هيئات عارية بعضلاتها القوية.
    نسير خلفها في طريق إقتلع فحمه. امامنا يتلامع الضوء. الجدار الأسود الثقيل يتراجع أمام ضربات المعاول.
    مكان آخر. أزمان أخرى. وجوه أخرى يلقاها المرء ، برتقالية ، بشكل الجوزات تكون خوذ ما تحت الأرض.
    ندخل أنبوبة النفق المعدنية بتضليعه العرضي . تلتمع خطوط السكة ، ماء كثير، يسيل على الجدران ، وتغوص فيه أرجلنا. فتيان يدفعان عربة فيها باطون. أحدهما يلتفت. له وجه راع. في القشلاق على الطاولة ، هناك وراء قنينة لبن فارغة بيضاء تبدو كأنها مكلسة ، كيسا برتقال متكئان على النافذة. ومن الأحاديث تحت الأرضية الحماسية نعرف أن محطة مترو تبني في هذا المكان.
    في الظلام تنعقد سحب الضوء. بين مدراء الأشغال وعمال السمنت والفنيين والمفاجآت التي تأتي بها أرض البناء يبرز الرأس الأبيض للمعماري بافلوف كأنه قبضة يد من كلس. ويئن البناء مائل!) . خصلات شعره الشبيهة بإلتواءات نحتية تتلاصق بغضب، كالأصابع ، كثقب أبيض منحوت يعدو تحت الأرض . ولقد تبين أنهم إشتغلوا بأمانة. فالبناء لم يكن مائلا.
    عندما يكون البناء هادئا يذكر بتمثال نصفي من المرمر ل(غيته). ولو أبقى النحات الشعر في المرمر الأبيض لكان قد صبّ الوجه من البرونز.
    وسط الصراخ والزحمة يحمل وجهه المرفوع ، إلتماعات النظرة كنادل يحمل فوق الرؤوس صينية عليها بلور لامع مملوء بشراب سحري.
    إنها المحطة تحت الأرضية الأولى لمترو موسكو ، بأعمدة مدورة ، وها هي ملساء من المرمر الأبيض مقطوعة بشكل مستوعند السقف ، والأرضية.
    وكانت مسألة قبول هذا التصميم بالغة الصعوبة ، وتنفيذه شاق كالجحيم. البناءون لم يردوا تنفيذ التصميم. فالشكل المدور شيء ليس سهل التحقيق. والإبقاء على الشكل النموذجي للدائرة هو عذاب حقيقي . ولم يفد هنا الوعيد ولا النقود وحتى نصف لتر من الفودكا. فحين يعشق العامل عمله يصبح خالقا يضع فيه روحه ، والعمود يرى النور وفق الأصول، ولغايتها لم يفلح أي أحد في تحقيق مثل هذا العمل تحت الأرض.
    يأتي العامل ، خالق الأعمدة، مليئا بالغبطة التي يصعب تحديدها. إنه بحاجة الى التفهم. وحين يقترب من العمود يضيء البريق الأبيض وجهه الهزيل. التجاعيد صارت منوّرة ( يصعب رصف المرمر - يشرق الوجه - لوحة منه ذات سنام وأخرى محدبة. لابد من تسويتها. فهذه أول محطة فيها أعمدة مدورة. لامكان هنا للهزل. لا . لغاية الآن لم يفلح أحد في تحقيق مثل هذا الشيء).
    جدران السور البرتقالية اللون تحيط منطقة البناء ، عبر قناطر تتأرجح في الطين الذي زاده المطر بلة. إنتهت أعمال رصف المدخل بالمرمر. علق عليه شعاران ( سبارتاك) و(سي.أس.كي.أي). وعلى اليمين بين شقوق السور تنتشر المدينة التي أقطنها. ويمضي ( طريق وارسو) صوب الحقول والغابات الصغيرة. وعلى اليسار،على مبعدة مائتي متر من السور توجد محطة السكك المكهربة ( نيزنييه كوتلي). تتوقف عربات يوم الأحد الخضر وتسير من جديد مكتظة بأنجم النبات.
    من خلال الثقب في البسور يعدو على رصيف المحطة فتى طويل الشعر له وجه راع . إرتدى ملابسه على عجل. قميصه بلون التوت الأحمر وعلى السروال يحمل حقيبتين مملوءتين بالبرتقال. يقفز الى العربة. تتمزق الحقيبة ، البرتقال يتدحرج على الرصيف كأنه هرم من كريات البليارد مبعثر. القطار يتحرك وأطراف القميص التوتي مسجونة بين فكي باب العربة.
    برتقالة تتدحرج على الرصيف ثم تتقافز على السلالم ، تنقلب على أسفلت الشارع منفلتة في تيار السيارات وبعدها تعبر فضاء داكنا ثم تتدحرج على رصيف آخر ، وفي الأخير ترتطم بأبواب فندق ( تشاريتي ) المصنوعة من خشب البلوط.
    يمكن القول عن فندق ( تشاريتي ) المعادي للبوروجوازية بأنه الأكثر غرابة في العالم. إنه شبيه بمحطة قطار كبيرة من عشرينات القرن. شبابيكها من حديد مطروق وحتى أنه يخيل للمرء بأن هناكشيئل من رائحة الفحم المحروق، لكنه بالأحرى دخان ينفلت من الغرف.

    هنا مات محموما ديلان توماس. هنا المصاعد عاطلة على الدوام والخدم قليلون ووسائل الراحة قليلة أيضا الا أن المرء يدفع نقودا مقابل هذا كله. وهذا طراز حياة فئة من الناس الذين يكون همّهم التحول الإجتماعي للعالم ، إنهم يسعون وبمثل هذا الطابع من الطاقة صوب ( الثقوب البيض ). يحملون حقائبا نصف عسكرية معلقة على مناكبهم وسكاكين ضباط حمر ، سويسرية.
    في المصعد يلتقي المرء بمخرجين من ( سينما تحت الأرض) بنجوم حركة الإحتجاج ، بباكونيني حلق رأسه ويرتدي سترة لراكبي الدراجات النارية ، بخلاسيات في سراويل وجاكيتات من وبر اللاما الذهبي يرتدينها بلا ملابس داخلية. على أصابعهن يحترق الزمرد كأنه ضوء سيارات التاكسي الفارغة.
    إلتقيت به في المصعد مرات كثيرة.
    شيرلي كلارك ، مخرجة سوداء لسينما ما تحت الأرض، روت لي قصته وهي تتذوق الكلمات بشفتين مبتسمتين كأنها تمص قطعة برتقال.
    كانت قصة مغن يوغسلافي كما أظن ، وصعوده الفني الخاطف. كان ينحدر من الجزء الجبلي القاسي من البلاد الذي لم تعرف شيرلي إسمه. وكان قد عانى الكثير في اثناء الحرب.
    ألف الأغاني ، وجاء الى هنا لأدائها. منتج ما في نيته السفر لشهر واحد أعطاه جناحه في الفندق ، وكان مكونا من ثلاث غرف باذخة.
    أخذ المغني يلبس ويتصرف على الموضة. المدينة العالمية أقامت حفلة على شرفه. سيدة البلاد الأولى دعته الى تناول الشاي. النجاح أدار رأسه.
    وهي كانت أحد أسباب الدوار أيضا.
    كانت مصورة صحفية إنفصلت عن وسط أبيها ، البورجوازي ، وكان بائع أخشاب نمساويا ، وصارت من معدمي النخبة اليسارية ، من وسط كاسترو وكورتاثار"24".. وكان إلتماع ضوء الكاميرا يؤكد على قربها من عناصر الطبيعة ، الأخرى . كانت من طراز النجوم المشهورة ، رشيقة، ساخرة، نشيطة على الطريقة الغربية ومهملة في ذات الوقت. كانت سليطة اللسان أيضا.
    وكانت قصة حب إلهية.
    حضرت حفلاته الغنائية كلها وأينما كانت. في هذا البلد وذاك. مرة أغلقوا المطار في أيلول بسبب العواصف لكنها أفلحت في الطيران إليه.
    وفي بلده الثلجي القاسي ، شأن الحال في روسيا، كان البرتقال من غرائب العالم. عدا ذلك كان يحس في رائحة البرتقال ذات المرارة الخفيفة ، بكارثة ما ، بدراما في حياتها لم تتكلم عنها، وبسببها تبحث لديه عن النسيان. لم يسمح لها بأن تدفع ولا حسابا واحدا ، فلديه عقدة فيما يتعلق بالعملة .
    والآن أيّ شيء كانت تفهمه من أغانيه السلافية وهي لاتعرف اللغة؟ الا أنها عند تذكرها لغنائه كانت تحس بمهاوي المصير، وفي أفعاله الرومانسية وفي خشونته الريفية وفي طيش نجم أغاني البوب ، كانت تشعر بأن جناحي طيرها يخفقان في الأعالي.
    في ذلك اليوم تسلم جزءا من الأجور عن إسطوانة جديدة. ( لأشتري سيارة - فكر والضجر يفترسه حين عاد الى الفندق - وهدايا للأهل ).
    في الفندق كانت برقية بإنتظاره : ( سأعود جوا هذه الليلة (ستوب ) برتقال ).
    قلبه خفق بجنون. رقد على الأريكة وأخذ يفكر. بعدها توجه الى مخزن فواكه من المخازن الكبيرة قرب ( تشاريتي). وكانوا يعصرون هناك للزبائن الجزر والبرتقال والمانغو ، تقليعة جديدة لمدينة كبيرة. البارمان ذو عيون شبيهة بعيون الثور كان يعصر برتقالا.
    - أرغب أن أشتري برتقالا للبيت.
    - الكمية ؟ زعق الثور بإحتقار.
    - أربعة آلاف.
    في الغرب لا يستغرب الباعة عادة. في المخزن كان ألف وخمسمائة برتقالة. إشترى البقية من مخزنين آخرين.
    زنوج نشيطون في قمصان رعاة البقر سحبوا لاهثين ، على عربات ، علب البرتقال الى المصعد. حملوها الى الطابق التاسع. نزلاء الفندق إستنتجوا بهدوء لايعكره شيء بأن صفقة مربحة تعقد. وهو أغلق الهاتف والباب.
    وصلت في التاسعة ليلا . المطر بلل شعرها وكانت ترتدي معطفا صناعيا لامعا. حين فتح الباب وشاهدت سحنته المرتبكة أدركت على الفور بأنها جاءت في وقت غير مناسب. وجهها إستطال وظهر عنكبوت إرهاق السفر. هناك شخص آخر في الغرفة!. في الغرفة! وهي لاشك ستستديرعلى عقبيها وتغادر المكان.
    تصاعدت ضربات قلبه. بذل كل جهده كي يتمالك نفسه وقال بصوت لامبال باهت:
    - إدخلي ، سأعود في الحال. لاتشعلي الضوء . ثمة عطب.
    وتوجه الى المدخل حاملا معطفها.
    إذن هكذا هي الحال !. لم تعرف بعد ما الذي ستفعله لكنها شعرت بأن أمرا فظيعا سيحدث. ستميط اللثام عن كل شيء!.. وفتحت بحمية باب الغرفة. تعثرت ثم سقطت.
    الأرضية كانت تشتعل.
    غرفة مظلمة فارغة مضاءة من تحت برؤوس قطط مشتعلة كالجمر.
    كانت الأرضية تشتعل تحت قدميها. وخيل لها بأنها فقدت الحواس.
    أربعة آلاف برتقالة مرصوفة ، بقوة، شكلت أرضا مشتعلة. من بعضها كانت مقلوعة ألسن النار. وفي الوسط كان يتقافز كرسي بحزن كما لو أن أحدهم يقلي الأرداف ويشوي الأرجل، وعلى السقف كانت تسبح حلقات من الحمرة الفاقعة.
    أنت تحترقين من أخمص القدم الى الرأس!. لابد من إطفائك بأنبوب ماء مطاطي!.,
    نحن نحترق أيتها الأعز، نحترق! مثل هذا الشيء لم يكن في حياتك ولن يكن. بعد خمس ، وعشر ، وخمس عشرة سنة، ستغمضين العين بذات الصورة. وتمضي تحت ساقيك هذه الأرضية ، الأرضية الوحيدة التي تحترق الى الأبد. ستحترق قدماك الحافيتان حين تمضين عدوا الى حمام آخر. نحن نحترق أيتها الأعز ، نحترق!.
    لقد أردنا النار المقدسة! الويل لغرور نيرون البائس ، لهب فصائل الفرسان يتصاعد بأسلوب البوب - آرت!.
    إنه إنتقام الطفولة المسروقة ، لتحترق سنوات الحياة المتأخرة التي هي دون نفع. إبحر يا طوفنا فوق العواصف ومدن النور!.
    يناديان الجيران في الفندق كي يهرسوا البرتقال ويتقلبوا عليه. يتضاحكون في لبابه ، كي تنطفيء أبعد شمعة بقطرات العصير.وسادت الغرفة حرارة خانقة ذات طعم سببته قشور البرتقال.
    وقالت - أنت من طراز كلينكي . ماهذه الحماقات!. أنا مغرمة بك.
    وبعدها ببضعة أيام غيّر العمال ، بهدوء تام، بساط الغرفة الذي كان شبيها بأبرز أعمال بولوك و كاندينسكي. وسكان ( تشاريتي ) الطائشون إلتهموا البرتقال الذي سلم من المعمعة. أما شيرلي كلارك فقالت وهي تلتقط الصور بكاميرتها ، وبكل إحترام لعادات الشعوب الأخرى( إنه تصميم سلافي !).
    لنسترح الآن ، أيها القاريء فهو وقت الإستراحة.
    تزدهر الجزيرة الأسطورية المختبئة أمام عيون الغرباء، جزيرة حشائش القرّيص الفتية ، القوية بسيقانها البالغ طولها نصف متر.
    وأنت لاترى هذا الشيء بين حشائش القرّيص في البيوت الصيفية.
    ولقريص الغابة الكثير من أزهار الليلاك. وهي بحجم أزهار البنفسج. تنمو حول الساق وتتجمع بعناقيد شأن أزهار الفاصوليا ، كل زهرة تذكر بشدق الأسد. لاحظت أن القريص الصغير يزهر. فالكبير بأوراقه العريضة لايملك زهورا. أنا مغرم بهذه الأزهار المخفية.
    في هذه الأزهار نغمة لونية شاحبة من تصوير بوريسوف- موساتوف ، وخضرة حادة من غونتشاروفا "25". إنها تذكر بتجهم تسفييتاييفا "26" في شبابها. ومن بعد أجهز اليومي عليها ، غسلت الأواني ، وكانت ذات سلوك خبيث الا أنها إزهرت بعناد وخفية. أنا مغرم بهذه الزهور.
    أقطف لك ايها القاريء باقة بكاملها من القريص الوحشي. إنه ما زال غضا ولا يلسع كثيرا، بعدها حينها يكبر يأتيه الإصرار.
    ضع هذه الحزمة في جردل الماء ومن الأفضل أن يكون ماء بئر.
    حين تهدأ العواصف
    ينداح جمالك من جديد
    زهرة قريص بنفسجية
    زهرة ورد الشمال الوثنية
    فلا عين الغريب تحزر
    ولاحساب الصيرفي يعرف
    في أي شيء ينثل
    سحر روسيا - الساحرة
    تدخل البيوت المندهشة
    رائحة الجمال الحريفة ، الوحشية
    في الزهور البنفسجية والخضر
    زهور أزمان السقوط الحزينة.
    كثيرة هي الزهور التي قطفت لك: أزهار أدغال الغابة البيض ، الورود ، قطفت بنفسي الليلاك لكنني واثق من أن لا أحد قد أهداك القريص. إنه طري وجميل. خذ الحزمة كلها. هناك عند النهر تضحك الفتيات، رجل يجمع القريص، ولاشك للعلاج. أما أنا فأجمع حزمة كبيرة وأهديها لكم، يداي لكم ، يداي ممتلئتان وما زال الكثيرحوالي. خذوا هدية أطراف الغابة ، الجزيرة كلها ، بل خذوا القريص كله..
    وفي العشب سمع حفيف الناقد العليم ببواطن الأمور.
    هنا أنا ، الأبن الضال للمعمار، المجهد بنزاعات الحياة العقيمة التي ليس بالإمكان إصلاح أيّ شيء فيها ، أنفض الغبار عن الحذاء وأتجه صوب الباب المثبتة فيه لوحة: ( ل . ن . بافلوف ).
    السنوات القديمة تفتح لي الباب. وهي لاتسأل عن أي شيء كذلك أنا لا أقول شيئا.
    يشرق وجه بافلوف بالضوء. بافلوف هو الإنسان - الصفاء. وهو ليس بالشيء الكثير إذا قلت بأن عينيه كصحني زرقة وجهه الذي أحرقته الشمس والمنحوت بجرأة ، مرفوع كحفنة من ماء نبع أزرق. يمضي ورأسه مرفوع صوب السماء كي لا يلوث النظرة.
    ليونيد نيقولايفتش ! أنت لم تتقدم في العمر قط. على أكتافه القوية قميص كتان بحدوات خيل سود منثورة، كالحمص، في القماش. شعر ككومة ثلج مسدل الى الوراء ، تذكر بجناح مسدل لصقر أبيض يتأهب الى التحليق - ليونيد نيقولايفتش ، الحبيب ، المعبود ، ضمير الخلق لشبابي المعماري! نظرته تحيطك بالتعاطف والغفران.
    والآن أدركت الأمر : كيف جئت إليه وأي عذاب أدخله . إلا أن الإنسان - الضمير أخذ معطفي.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    من الجدران ترمقني قماشاته الرائعة. بافلوف يلون في البدء بالزيت أفكاره المعمارية ، بناياته ، على قماشات كبيرة للغاية. فالقلم وحتى الفحم هو هزيل لكشف أفكاره . فهنا الحاجة الى الزيت واللون.
    عند النافذة أرى قماشة ، ترتفع شاقوليا فيها، وعلى خلفية كثيفة حارة ، كتلة رشيقة بلون فضي أبيض تجعلها جرّات الفرشاة العريضة شبيهة بساق شجرة البتولا ، يختبيء عندها مكعب أسود ككرة الصوف لوّن بضربات فرشاة قوية غير شفافة جاءت كشعر مفلفل. رهافة غامضة تضم كلا من الكتلتين.
    - إنها المادونا مع الطفل ، مادونتي.
    يتكلم الإنسان - الضمير.
    - شجرة البتولا أنجبت بوشكين - إبتسم - إنها فكرة المركز الحسابي في ( إيفانوف ). الصندوق الأسود هو بنك المعلومات ، كنز عبقرية الإنسان مثل باليخ أو موزائيك فلورنسه.
    أنظر وأفكر: لقد صارت مستطيلة . للتعمية أم لغرض آخر؟.
    بافلوف يميط اللثام بسادية غير محتشمةعن كلمات مثل(موزائيك فلورنسه) ، ( الكتلة ) ، ويرمقني بنظراته. الإنسان - الضمير . وأسمع القصد الحقيقي من وراء كلماته.
    كيف قدرت على ترك المعمار والإنقياد الى الإغراء ، هائما وراء السراب ، ولكم وثقت بك وآمنت.. رغم كل شيء لم تفقد الحياء. إستيقظ الضمير وجئت كي تعترف.. إذن ، إبدأ يا سيدي بالتكفير..
    يقودني الإنسان - الضمير الى موقد النار. على القماشة المجاورة تتأرجح كألسنة اللهب مثلثات حمر وذهبية وسود. المثلث هو تمرد وقطع بسكين ، وهو ضد البيضوي.
    - هذا اللهب أردته ان يكون في ( بلاي غيرون) نصبا من أهرامات مثلثية الشكل ، ملتهبة عالية . وحين يدور المرء حولها ينشأ وهم بصري ويتراءى له أن قممها قد تغيّر مكانها وأن الأهرامات تتأرجح.
    وتبعث ألسنة الهيب السود والحمر المتأرجحة حفيفا: ( الطالب الأبدي ، بلا نقطة إرتكاز ، يحملك يا سيدي ، جوابا في العالم. ما الذي أغراك؟ الشهرة؟ أنا لست بدائيا الى هذا الحد ولكي أؤمن بأن المال يمكن أن يكون إغراء ، أما أن أكون صوت الشعب أو حتى الرب ؟ ياله من إغراء يدغدغ غرور الإنسان ويستحق من أجله أن يجرّب العذاب وأن يصبح ثقبا أسود. الباني يموت في كل عمل من أعماله ، ويستمر في الأبدية ، وأظنك تتفق معي بأن غرورا من مرتبة أعلى بكثير وقد نسميه ستراتيجيا..).
    أحاول الدفاع بالقول إن رسومي قد إشتراها متحف الفن المعاصر في نيويورك ، وبجبن أبكي على صدره وأقول إن مكاتب التصميم أوصتني بوضع تصاميم السلالم ودورات المياه بينما في الشعر أواصل مباديء المعمار وأشعر أن فكري يتجه صوب النشاز : وبقية المنحرفين في المعمار؟ مسموح لهم؟ أرخبوف ودانيليا.. أنا.. قررت أن آخذ بسلوك آخر غير متبع، وحين أفكر : ( طيب ، هذا كله مجرد نيات - خطط ، أفكار ، وأنت يا سيدي - الضمير ، الحالم ، مورد الأفكار ، أندري بييوي "27" المعمار القومي، ماذا حققت؟ أي شيء محدد قمت بتنفيذه في مشبكات واقعنا الحديد؟.
    أرى في الفوتوغرافيا كيف نبني فوق الحقول والغابات. فكرة محطة خدمات للسيارات تكتسب ملامح باطونية. فتحات في الأعلى تذكر بمصابيح السيارة ، المحطة تنشر أجنحتها الباطونية ، تحلق فوق أصحاب السيارات الخصوصية وعاهرات الميكانيكيين وأنصاف ألتار الفودكا - الإكرامية وتملأ كل شيء بجرعة جميلة.
    بافلوف يخفي إبتسامة متشفية ، محطة السيارات تبني عند تقاطع طريق مينسك والآخر الخارجي.
    تبنى هناك مقابل ( موتيل ). كان القصد هو تعذيبي . ففي كل يوم أمر على المحطة ، من بييرييديلكينو وإليها، وإنكس الرأس عند هذا (الإفراز ) الباطوني. بدل ( الفارس النحاسي ) يطاردني وهو رابض على كتفي ومرتفع في الهواء هذا الإفراز الباطوني الفظيع، إفراز سني شبابي.
    في اليوم التالي ، الأول من حزيران إخترت طريق مينسك. وفكرت أن البناة قد يخطئون ويفسدون الفكرة كلها، ومن ثم قد يفشل التصميم الشيطاني هذا ، وإذا حصل العكس فسأضطر الى تغيير مسكني.
    حائط المحطة الرمادي الفاتح إرتفع على خلفية السماء المذهبة الناصعة. وكانت تزفر فيها أربعة ثقوب مدورة لم تزجّج بعد، في صف أفقي. هناك صناديق توفير بيتية معمولة من معدن ناصع بفتحات مدورة تدس فيها قطع النقود. أصحاب سيارات الأجرة يحبونها . المحطة تذكر تماما بصناديق التوفير هذه.
    ياله من منظر مدهش! الشمس أفلتت من وراء المحطة بالضبط. وقرصها الذهبي بقطر الثقب تماما . وأي بان أفلح في تحقيق هذا القياس؟ لربما أحبت الشمس هذا البناء ( وماذا تعني خراف مور إذا كانت الشمس هنا!) ، وإختارت مكان غروبها هنا وبعد أن تأكدت من الأبعاد؟ وصارت الشمس الثقب الخامس. خمس دوائر متشابهة. أربع سود كالكسوف ؟ وواحدة ذهبية.
    تباطأت الشمس قليلا فوق البناء وهي تتأمل ، وبعدها غيرّت رأيها ومضت وراء الأفق هذه المرة.
    بافلوف ( الثغرة البيضاء ) عن أب وجدّ ، لايطيق ( الثقوب السود) الداعية الى التأمل. وحتى الزوايا المظلمة في بيوته يغطيهابالصور. فاللون يلتهم الظل.
    إنه يشك بأمر ما ، شأن رجل الميليشيا الذي يتظاهر بأن الأمر غير مقصود حين ينحني قرب سائق السيارة في أثناء الحديث. يقرّب وجهه للتأكد : هل ينبعث مني الثقب الأسود أم لا؟( رائحة الفودكا).
    الإغراء يستمر. يشرق وجه بافلوف فجأة.
    - هذا أعز أعمالي وأغلاها. إنه عمل العمر. بهذه الصورة يكون الكلام عن المرأة عادة. ينتزع الصورة المحبوبة. الصورة أمينة للأصل. عملية البناء تغني فيها. في إيقاع العمل هناك تلك العجلة في المصافحة. الرجل - الضمير متأثر ، يلتقط أنفاسه بصعوبة. وإمتلكني إحساس غريب عند النظر الى صورته. وفي الأخير أزالوا السقالات ولم يبق شيء غيرمربعين ضخمين هادئين مستويين ومرتفعين في الهواء.
    يعرف سكان موسكو هذا المبنى المسطح الذي يغلق شارع لومونوسوف. هذا المبنى هو الأذن. بوشكين أحيا ، بشكل باهر ، الرأس المقطوع ، وغوغول قطع الأنف ، أما بافلوف فعرض نصبا للأذن. إنها متوجهة صوب ساحة تشيريموشينسكي. هناك مملكة فوضى الكلام المدوّي وخشخشخة الخضار و الصياغات اللغوية السوقية ، قبح الأشكال ، المشاعر المتفجرة، عربدة الأهواء حيث يلتقي شرق البطيخ بشمال توت الغابة الأحمر، وتحمي قطع من الثوم الناس من الأنفلونزا ومصاصي الدماء ، ويكون سعر البطاطا الجديدة في آيار 12 روبلا ولحم العجل سبعة ، وهناك في الركن نلقى أجمل ورود موسكو ، والكسب يبررعربدات السكر. ويتعارض مع كل هذا المربعان المنتظمان للمركز الحسابي اللذان يذكران بالأبدية والهارموني.
    وحين تلتقط تلك الأذن كلمة ( غير قاموسية ) يستحي الموزائيك تماما كما تنتشر من النشوة الحمرة في آذان محبي الموسيقى ، في الفلهارمونيا ( كما لاحظتم سيداتي و سادتي حين تجلسون في المقاعد الخلفية ) حين تلتقط لحنا جرى إداؤه بصورة باهرة.
    - إنها ليست بأذن ، بل شريط ميبيوس"28" - يوضح بافلوف - بل نحن ، ثمانية - الرقم الفلسفي الذي يتحدث عن لانهاية المكان الذي يوجد في وسطه ثقب من مور. إنه العين وأحشاء الأم - الطبيعة أعطيتها واحدا على مليون من قطر الأرض. إنه معامل عملي المنجز. إن مقاييس جميع العناصر هي المضاعفة أو القاسم ، تلك السعة ، لذلك تجذبك يا سيدي النسب في هذا المربع. الإنسان يتحسس غرزيا التناسب بين أبعاده وأبعاد الأرض.
    لكن لا أحد يصدقه، فالجميع يعرف أنه نصب الأذن . آذان سكان المدينة تتحرك مرحبة حين يشاهدونه.
    إلا أن بافلوف مصرّ:
    - أرجوك أن تنظر : أيّ قوة مغناطيسية تملكها نسب الواجهات ..
    وتقول الكلمات المخفية مابين السطور: يا خائن! هل تستطيع حقا المجيء الى المدينة والعبور قرب المباني الرائعة وأنت لاتعاني ولاتحسد خالقيها؟ هذه هي محبوبات حياتك اللواتي أعطيتها للآخرين. وكيف حصل الأمر وكان المعمار شغفك الأول والأخير؟ فخطه المنتظم الحساس الأنتيكي كان خط حياتك. وكيف بإمكانك أن تعيش الآن وأنت تعرف بأنه غير سعيد في أيد غريبة مجرمة وأن آخر يخلقه ويفرض مسألة قبول أوضاع وقحة وهزيلة. وإذا كان المعمار سعيدا مع أحدهم فالعذاب يكون أكبر في هذه الحالة!. أنا أعرف بأنك عشقت المعمار،ومازلت تعشقه. وكيف سمحت لنفسك يا سيدي ، أندري العزيز؟.
    مثل صبي مرّ بمدسة الولع في ( مستير ) ، بالتصوير الأيقوني ، بعدها درس ك(ناسك) في إحدى ( صوامع) فخوتيماس "29" تحت إشراف فيينسينوف وليونيدوف وميتوريتش ، بعدها كان مصمم ديكور لدى ( الحيوي ) ميرهولد الذي كان مدهوشا بنظراته السماوية وأوصاه بأداء دور تمثيلي الا أن الشاب لم يخن المعمار. تعاون مع ماياكوفسكي وشوستاكوفتش. عقد أواصر الصداقة مع توبوليف الذي كان شأن إليوشن رساما رائعا ، ودرس في فخوتيماس. كابلا بنت بافلوف التي كانت تتهيأ لدراسة المعمار أسمته بالخال تو. الثقافة الروسية كانت تنظر إليّ بحزن أزرق ساحق.
    وبهذا القدر الكبير طفح الألم في القلب ، واليأس أيضا.
    لقد أدرك الإنسان - الضمير أنه قد بالغ في الأمر لذلك كان ترحيبه قلبيا ، وإعتبرني من العائلة حين خاطبني ( أندريوش ).
    - كما أعتقد كنت مؤخرا عند مور. كيف حال خرافه الصغيرة؟. يسألني بغيرة رائعة.
    منذ أمد بعيد تشغل باله فكرة بناء شيء ل( الأشقاء الصغار )، زوجة بافلوف ، ليلا ، هي مصورة أيضا. صغيرة كشرارة مازحة في العيون ، غامضة كرسم مصغر وهي أفضل من يعّد ال(بيتسا ) في موسكو. حين كانت في أنجلترا زارت مور.
    - أيّ سنة كانت ؟. يعلو صوت المضيف وهو يضع يده على فمه.
    - في عام 1973 - تجيب ليلا قائلة - عجوز بعيون زرق..
    بافلوف ومور لم يتعارفا الا أن الفنانين ليسوا بحاجة الى فيزا كي يتبادلوا الأفكار المرئية. بافلوف مسرور لأن الخراف فهمت أخاه مور. الآن يتوسع بناء موسكو بشكل سريع للغاية. ودروب الغابات تصبح شوارعا مبلطة، الأماكن الخالية من الغابات والحقول تتحول الى ساحات مدن. وتسوق الذاكرة الوراثية الى أقفاصنا السمنتية حيوانات الغابة، فهذا وعل كساه غبار المدينة وذاك ثعلب ذاهل أو ذئب شيزوفريني.
    وراء ( البيت المدوّر) وفوق الكنيسة الساحرة التي حّلت الى مخزن تجن في الليل عائلة من العنادل . تغني عند ( غار الساحرات ) القديم حيث تكاثر المكان مرة بزهور الغابة والقتل والحب. كان االمكان يجذب الرؤوس المجنونة، والآنسات كن يعبرن المكان بقلوب واجفة.
    هذه الطيور الصغيرة ذات الحناجر الرائعة التي تتحدى الفناء ، تقودها ذاكرة غير مفهومة الى وسط موسكو ، لأي غرض تأتي من أصقاعها المجهولة وتصنع نسلها المنتحر على صفيح المأرب الصديء ، على الإسفلت الذي برد، على كشك الجعة، على قطط الباحات بعيونها الصفر المنتقمة والشرهة؟ لماذا تسبب الحرج لأولئك المواطنين المنتشين؟.
    فتحت النوافذ. الشجار خفت ـ وتصبح ملائكية وجوه أناس الهامش الإجتماعي . الكل يستمع.
    وهذا الصيف كانت العنادل كثيرة: بييرييدييلكينو مليئة بها. تمزق حناجرها في الحديقة المهملة بين فيللا باسترناك و فيللا بافلوف. ثمة قول شائع ( الصيف الكثير الفطر ينذر بالحرب ) الا أن صيف العنادل يعني العكس بلاشك. فالعنادل لاتقرأ الصحف الا أنها تعرف بواطن الأمور. ولدى الإنسان رغبة في تصديقها.
    تتوقف السيارات. السواق يطفئون المحركات الساخنة. يتركون سياراتهم ويستمعون.

    إنه حزيران زهور الغابة البيض. النوافذ المفتوحة عند بافلوف مغطاة بقماش شاش كي لاتقتحم الغرفة ثقوب سود صغيرة تحمل الميكروب ، وغيرها من مصاصمات الدم الصغيرة والمزعجة.
    وفجأة سدد مضيفنا بالمضرب أصابة موفقة لنقطة سوداء مغطاة بالشعر إقتربت من حديثنا.
    في تلك اللحظة أحسست كما لو أن الضوء قد إنقطع حوالينا وان نارا تتقد في بافلوف. لاشك أن دماغه يصمم عريشة - معهد غناء البلابل أو مرتعا للوعول البرية ، من هشيم الصخر ،أو وجارا للذئب من نوع الكامبينغ؟.
    تمتد يده بصورة عفوية الى فرجار من برونز لإختصار( القطاع الذهبي ).
    الطبيعة كلها صممت بالذهب . وعلى وفق ( القطاع الذهبي ) نقل المسافة بين أغصان الشجر. إله الخلق قد خلق من نسب متناقضة أيضا. مرة رسم لي كوربزيه على منديل ورقي قردا وفق نسب ( القطاع الذهبي ) أي قانونه الأساسي للمخلوق البشري، وأهداه لي. حين أطال الخط إستطاع أن يقيس إرتفاع المسكن لللإنسان المتوسط - مترين و40 ينتمترا. وهذ هو إنسان بيد مرفوعة.
    الإنسان - الضمير لايتفق مع نظرية كوربزيه الميكانيكية. يريني راحة يده.
    - أنظر رجاء. عظام الأصابع يقل طولها على وفق نسب ( القطاع الذهبي ) الا أننا أذا أطلنا خطها بمفصل واحد نحصل على مسافة تحيط باليد كالتي يحتاج اليها الضرير لتحسس الأشياء. وهذه هي هالة الطاقة الخاصة بالإنسان.
    يضيق بها المكان تحت سقف لي كوبزيه. ومن هنا الشعورالكدر بأن السقف يسحق. بافلوف يرى الهالة الذهبية. على وفق حساباته ينبغي للإرتفاع أن يكون مترين و 95سم.
    لنشرب نخب الذهب !. بافلوف قادرعلى الشرب . يصب من قارورة الفودكا على ذرات من وريقات الذهب. أحس بأن صباغا ذهبيا حارا يطلي المريء والأحشاء تماما كبوق آرمسترنغ.
    تجرفني رغبة في أن أخبره بفكرة الغيمة الذهبية. إلا أنه لا الضربات ولا العذابات تفك عقدة لساني ( لاتخبر أي أحد ، لا الأم ولا الصديق ولا الزوجة).
    لكن بافلوف يبدو كأنه يعرف كل شيء. يتكلم بهدوء. كأن لاصلة هناك بين الأمور.
    - وضع كتلة معمارية على وسادة هوائية هو أمر واقعي تماما. ينبغي درس قضية واحدة فقط وهي إتجاه الضغط. فغبار النافورة المائي يرفع كرة زجاجية مثلا، لكن على المادة أن تكون هي البرونز ، فهو أكرم من غيره ، ولو أن الضوء المكثف يكون أكثر واقعية ورخصا ايضا.
    يد المعلم الكبير تمسك بكأس بطرسي . وهذا ليس برغبة عارمة ولا إغراء الأب سيرغي التولستوي بل عام 42 الحربي الذي قطع نهاية إبهام يده، لذلك لايستطيع أن يعزف على البيانو بركوفييفه المحبوب. إنه يصمم بناءا جنب معهد الموسيقى بهيئة إصبع بيانو - لتعزف عليه الغيوم والأشجار، أنظر الى يد بافلوف التي لوحتها الشمس بشعرها الباهت اللون - اليد اليمنى الذهبية للخالق الكبير.
    لكم هم مضجرون الثرثارون المتفائلون بصورة خالية من الحياء. كذلك ضقت ذرعا بالتذمر العقيم الذي يبرر العجز عن الخلق بشعار( أهم يسمحون ياترى؟) أنا أصوّت لصنف الخالقين الذين يضحون بحياتهم ، وليس ثمة من ثمن آخر، كي تتحقق أفكارهم. الغمغمة واللافعل أشياء لاتليق. إفعلوا شيئا ، أيّ شيء!.
    في أوقاتنا الصعبة ، ومتى كانت هناك أوقات سهلة ، يتشاجر بافلوف مع الرؤوساء في ساحة البناء من أجل هذا الشيء وذاك. ويدحرهم بأفكاره. المخطوطات لاتحترق بل يحترق المؤلفون. المؤلف الحقيقي وحتى إذا لم ينتصر ، فهو قد إنتصر ، فقد خلق شيئا. والخالق هو ضمير.
    يافلوف يدفعني بسرعة الى الماء.
    أسقط والرشاش يتطاير حولي، في كل شيء في ما كنت أرتديه ، في السراويل والحذاء الثقيل. السراويل تلتصق بالجسد مقيدة الحركة. ماء الحزن والفجاءة قد صبّ في الأذن. الماء ينفخ الجيوب.
    على الجانب يسبح بافلوف وهو ينفخ الماء. يسبح بهمة كبيرة . دفعني في فكرة مسرحه المائي. قميصه الكتاني المبتل يصبح شفافا كوشم ، إلتصقت بالجسم حدوات الحصان الداكنة لقميصه.
    - 12 ألف مكان - يصرخ سابحا نحوي - الآن يبنون في إسماعيلوف مسرح الباليه على الماء.
    لاتفوح من الماء رائحة الكلور بل المرارة والفراق. بهذه الصورة - بسراويل ملتصقة بالساقين إستحممت معك في العام الماضي . لم تبلل الأزرار النحاسية فقط. سبحت صوبي.( هيا من هو هناك في البنطال الرمادي اللون، لتتحرك الساقان ، مرنهما). على الضفة الأخرى يصرخ في مكبر الصوت مدرب شبيه ببيكاسو ، نصف العاري.
    لقد إعتلى بافلوف الماء. شعره جف وأخذ يتبعثر مثل القطن المندوف.
    - مسرح الباليه على الماء فكرة جديدة. إنه طفل في الرياضة والفن. الفن للملايين ذات الشيء الذي تحاول أن تفعله مع ( بولز ). من خلال النافذة ، في بطن المسبح يقدر المتفرجون على مراقبة ما يجري في الأسفل. وإذا غطست تحت الماء ترى وجوه المتفرجين.
    أسبح تحت الماء. في ضوء أخضر أرى على الجدران وجوها خلف الزجاج كأنها صور فوتوغرافية ملونة - أرى موركا ، أراك ، وبيكاسو وريابيكين وياروش - كلهم يراقبون حياتنا. أشعر بالإختناق وأسبح نحو السطح.
    أذكر في ليون في أثناء عرض ماكبث يمتليء المسرح تدريجا بالماء. يصعد منسوبه مع صعود الجريمة. المشاهد الختامية أداها الأبطال وهم غارقون حتى الرؤوس بالدم.
    في الخاتمة أنغلقت فوقهم مياه الأبدية عدا فقاعة صغيرة من زفير ما صعدت السطح ك( أو ) صغيرة وبحجم ثقب الإبرة.
    تسبح في مياه التأريخ والفراق ، بافلوف!. تشكراتي على التعميد!.
    من خلال الثقوب المضيئة ، تحت السقيفة ، يمكن رؤية الغيوم البيض وقمم الأشجار في الريح وسقف أرضنا. وكلها تهرب الى الوراء. إننا نبحر يا بافلوف!.
    يدخل الناس المكان ، ضجة المقاعد. أحس بالأنفاس ، بالتموج ، بحقول الطاقة للمصائر البشرية. لكل هذا شكل جمجمة ضخمة. وهذه الجمجمة تتنفس.
    ها هو شكل حيّ ، المعمار الأكثر روعة ياعزيزي بافلوف!. نحن ننتمي إليه وفيه ننصهر.
    ومن أمواج التأريخ التي تجرفنا ، والموسيقى تبرز جذوع بشرية عارية .
    يجلس بافلوف في أحد مقاعد الصف العاشر. لقد نشف تماما وتحت نعليه بركة صغيرة من الماء. الجالسون الى جواره يصوّرون أنه ماء مطر. في أذني يخشخش ماء الفراق والنسيان.
    حضر بافلوف عرضا لأوبرا ( لونو والحظ السعيد). المؤلف الموسيقي ألكسي ريبنيكوف قام بالتوزيع الأوركسترالي لتأريخ روسيا - الأبدية والحاضرة. وكان للتوزيع طابع صلاتي وإنفعالي. شعر بافلوف الابيض الذي يصل الكتفين يذكر بشعر مستعار من عهد رييزانوف ، ويبدو وجهه كأنه صبّ في البرونز ، كأنه تمثال نصفي جليل. إنه شبيه بالشخوص المسرحية . النظارة يعتقدون بأنه قد أجلس بينهم عن قصد.
    - لكم هو رائع ان يدوّي بين جدران ( النادي التجاري)، (موتيف ) الصلات التجارية بين روسيا وأمريكا!. - يبدي بافلوف إعجابه - يالها من موسيقى!. هل ستسجل على أسطوانة في القريب؟ . ويبدأ الكلام عن عمله في إعداد الديكور ل( الطلقة ) عند مييرهولد حيث لايتجاوز عمق خشبة المسرح الستة أمتار.
    حين تركنا المكان واصل حديثه : كل شيء للبيوت وأشجار الزيزفون في ساحة بوشكين المسماة قديما ساحة ستراستنه.
    إلا أنه أمر غريب!. فكلما تزداد الأعمدة بياضا يزداد تحدّب العالم وتفاؤله، وكل ما أتذكرك لدرجة أقل يصبح حضورك أكثر وضوحا. وأنا اشك بأن هذا الحضور يزداد كثافة حين يكون بافلوف حاضرا.
    في الماضي حين تنزهنا معا ، هربت مني فجأة وإختبأت في مكان ما. أصابني الذعر وأخذت أهرول هنا وهناك وأنادي : ( أو - أو - أو ). وكان العابرون يلقون عليّ نظرات رثاء. إختبأت أحيانا في خلفية السماء الليلية. من كثرة التحديق اليك سرى الخدر في عنقي. وكان المكان المفضل لتسليتك هذه خلفية الدب الكبير. إنطفأت نجومه التي كنت تحجبينها. عدا الأخيرة المكشوفة . كانت تتلامع كما لو أنه لم يحدث أي شيء. ( أو ) صرخت مصدوما وأنا أشير بإصبعي الى السماء. وعندما لم تتحملي الإنتظار قفزت صوبي ، وكانت الفرحة كبيرة.
    والآن تعيدين الكرّة! أسير مع بافلوف . السماء الواطئة مبذورة بالنجوم. وأنتبه فجأة الى أن الدبين الكبير والصغير وثلاثة مصابيح شارع تحتهما في ساحة بوشكين هي معتمة. وكان تعتيما سيئا متوترا واخزا.
    بافلوف الذي كان يتكلم عن شيء بدا على إستعجال. قطع الحديث فجأة وإنعطف صوب المترو. مضى في ظلمة الزحام الآخذ بالإشتداد. وهبّت ريح موسكو الخفيفة.
    وأبحر بافلوف تحت أشرعه شعره الأبيض الممتلئة رياحا. لكن وقت رحيلنا قد حان. ضيعة مور تبعد عن لندن بحوالي ساعة ونصف بالسيارة. الا أنه بعد الأمسية الشعرية في (راوند هاوز) ، نقوم بجولة في البلاد ونصل الى مور قادمين من جهة البحيرات.
    بأي شيء أفكر وأنا متمدد في سرعة السيارة المتزايدة وفي وتيرة الغروب المتزايدة أيضا؟.
    الغروب هو ثغرة سوداء مخففة. أحس بنظراتك التي تنبهني.
    أريد أن أرد الإعتبار للغروب. ودون حق عمّدوا به عصر السقوط. أنا أحب الساعة الرمادية . إنها حالة الروح واليوم الأكثر سحرا. فهي وقت توتر القوى الروحية والتموّج المحسوس لحركة الزمن. إنها التسامي الخلاق للأفكار. الغروب أملى على تشايكوفسكي وبلوك الموسيقى الأكثر عذوبة.
    ولربما قد حان الآن غروب القرن؟ الستينات كانت ذروة المائة سنة . فوقتها كان منيرا بفضل كشافات الضوء. وإنعكاسات ضوء القرون الأخرى كانت واضحة ومنيرة. الآن تأتي فترة الإنتقال من عصر الى آخر، يأتي وقت إنتظار الثقافة ونموها الخلاق.
    تنفلت زنابير أضواء السيارات الأخرى التي إستطالت بفعل السرعة. والسير على اليسار ينبه الأفكار الى حالة الإختلاف. يغور قصر أدنبره. الصخرة تدخل بشكل غير ملحوظ في جدرانه وقلاعه كما لو أن يد عملاق سحقت قمة الجبل التي صارت كيسا ورقيا. وبهذه الصورة نشأت ثنيات القصر المتلامع. موسيقى القيثارة القديمة تنساب من مذياع السيارة ويبدو أنها شائعة في هذا الموسم. يعود أصلها الى عصر أوسيان "30".
    لماذا يفقد الناس حياتهم الوحيدة ، يضحون بالنجاح والعائلة والثروة كي يؤلفوا الأصوات التي تسميها بساطة الروح بالسماوية؟.
    على الطريق وجدران البيوت وظهور العابرين تبيض الدوائر المرسومة بالطباشير- شعار الحركة المعادية للحرب. وهذه إنفجرت فجأة من تحت الأرض ، وصارت اليوم الأكثر حيوية وجماعية في أوربا. رسولها زارني في الفندق حين عدت من مور. كان يغوص في مقعده في البار ويتصفح جريدة الغارديان التي هاجمته في مقالة أخرى. على المقعد المجاور كانت ملقاة حقيبة خطوط جوية ومعطف - كنزه الأرضي البسيط قبل التحرك صوب السماء. بعدها بأربع ساعات طار الى هامبورغ حيث نظم إجتماعا معاديا للحرب. خطبه تجذب عشرات الآلاف من الناس.
    في أثناء الحديث ينفض، بصورة تلقائية ، الرماد المتمرد لشعره الأسود الباهت. تحت عيونه ثمة ظلال لثقافة عالمية ، وفي جسمه الرياضي يحس المرء بملل الأرستقراطي الإنجليزي . تلاميذه يرسمون على أسفلت الشوارع إشارة شبيهة بمقود سيارة أبيض. عند الغروب يبدو أن البيوت والأشجار والطرق قد اصبحت ، فجأة ، سيارات تتحرك ذاتيا بعد أن إكتسبت مهارة التحرك. المقود الأبيض يريدك أن تختار البيوت الأشجار إتجاها آمنا، لكي لاتمضي صوب الهاوية. للمرة الأولى تنصّب جميع المشاكل الفلسفية التي تقلق الجنس البشري في سؤال شامل: أن تكون أو لا تكون في الحياة على الإطلاق؟.
    والى أين يغذ العالم السير؟.
    الشاعر هو الأكثر قومية ، فهو قائم في عنصر اللغة ، وفي ذات الوقت لايمكن أن تكون غريبة عليه الثقافة والفكر العالميان. بوشكين ، العبقري الروسي أحس بصلة القربى مع بايرون. وحتى الآن في لحظة تهاوي العالم يتحد الشعراء في دائرة مشتركة. والحرف الأكثر روسية ( أو ) هو مشترك لكل اللغات الأوربية. والناس وراء المحيط الأطلسي يرفعون موافقين الأصابع بشكل ( أو ). لربما يصنع أحدهم ، مرة ، في المستقبل تاجا يحلق في الهواء ، وهو ( غيمة الثقافة ) التي تتشابك فيها أغصان ليرمنتوف وروستافيليه "31" وشيللي؟ لربما سترحل غيمة اللغة من عاصمة الى أخرى كنصب في حفل خاص ، ومن الأفضل أن تتبادل الأمم بينها مثل هذه الغيمات، وليس الأخرى الذرية.
    وسيتعرف الشعراء فيما بينهم ، من النظرة.
    سرت مرة في ليلة موسكوفية ذات زمهرير قاس. على جانب الطريق كانت ملقاة سيارة ( فولغا) يعلوها رشاش الثلج وبدت كفرخ طير سقط من عشه مهدود القوى قانطا. قفزت في الثلج وفتحت باب السيارة . في الظلام كان أحدهم نائما - جسد ثقيل إنزاح عن المقود صوب الباب الآخر. حاولت رفعه وإخراجه من السيارة لكنني لم أفلح.
    عرفت ، فجأة ، هذا الوجه الصخري الأسمر. كان موهبة ضخمة متفجرة عنيدة. حارب على الجبهة وعبر متاهات العالم. ناروفتشاتوف حمله تحت النيران على ظهر حين كان جريحا. لم نكن أصدقاء. حين يقرأ كان يسلب اللب بذلك التلاعب الأصيل بالنغمات الصوتية أي بمصيره. شفتان مرفوعتان قليلا، فتحتا الأنف مفروشتان كما لو أنهما إعتادتا ، بعد ريح الحرب المدوية، على الرائحة الحامضة لتعب اليومي البائس. والآن في حلم كئيب وثقيل إنفرجت شفتاه كالطفل.
    كانت سيارة الفولغا راقدة في مكان معاكس لحركة السير. كما يبدو فقد وعيه حين إستدار أو أنه دخل طريقا خاطئا في الوجود السلمي غير المفهوم. لربما أراد أن يتحدى كل شيء ، من يعرف؟.
    وفي هذه الساعة الصماء لايمكن توقع عبور سيارات في الطريق الرئيسي ولا في غيره. توجهت صوب مرأب الحي وأيقظت الحارس ، وإنتزعنا معا من الفراش الدافيء والأحلام البيتية السائق الذي نامت معه فانيلته. وهذا أطلق بضع شتائم بذيئة الا أنه إعتبر النهوض أمرا لا يحتمل المناقشة.
    سحبنا الفولغا التي بدت كأنها تفضل البقاء هناك وعدم ترك هذا العش اللين البارد في الثلج، والخروج من الأحلام من الخدر وذكريات الحرب والشباب، فالروح والحياة المنفلتة تتمردان على السواء ، وبغضب ، على إرادة المحبين. وبعد أن إستمرأت طعم الحرية الكئيبة والوحشية أخذت تقاوم الآن خط الأحياء الذي يجرها بحزم وعناد من خلال ثقب لاعقلاني ، االى الوجود الأرضي ثانية.
    وفيما بعد في أثناء لقائنا لم نتحدث قط عن ذلك الطريق ، إلا أن شيئا ما وقف حائلا بيننا. كنت أشعر في أغلب الأحوال بسواد نظرته الحار المخيم عليّ.
    فرامل السيارة تنتزعني من تهمويمات الذكريات الروسية. تعيدني الى عادية الحياة ، الى الواقع.
    - لقد وصلنا!.
    نمدد أرجلنا التي سرى فيها الخدر، أمامنا بيت مور الأبيض. وهكذا تغلق الدائرة..
    لنأخذ جانب الحذر ولا نزعج المعلم الكبير . مور ينحت بهدوء لا يعكره شيء ، شخوصه الصغيرة. ينحنتنا نحن الناس. الدائرة تغلق . القرن ينتهي . وهو ما زال على حاله كأنه لم يفهم سبب مجيئنا و موضع أسئلتنا.
    عرابي السرّي يستقبل الضيوف بصورة قلبية. ووراء مائدة الطعام يجلسني في طرفها الآخر، ومن هناك يمكن رؤية جداريات أنتيكية مسلط عليها كشاف ضوء قوي من تحت. يدخل علينا عامل يحمل قندسا. في أثناء الحديث يمرر أصابعه على الحيوان الصغير كما لو أنه يمرر يده على مسبحة ذهبية حيّة متدلية. والقندس لا يعجبه الحال - الدليل هو ذلك الإصبع المعضوض. مور يقتحم ، بضراوة ، الشكل الذهبي المنحني. ومرة أخرى يتظاهر بأنه لم ينتبه الى تحدّبي بشكل علامة سؤال ، عند الوداع.
    بدل الرد يغمغم بكلمات غير مفهومة وهويقدّم أحد رسومه هدية لي . يغلفه بنفسه . أراه في البيت . أنا أفهم كل شيء - يقول. يغلف الرسم بالسلوفان ثم يضعه في كارتون. حين لا يعثر على ورقة أخرى ينتزع غلاف دفتر رسومه. وبعدها يلصق بالصمغ كل شيء بعناية.
    والأن أجب عن سؤالك ، لماذا لم تبقها عندك آنذاك؟.
    ( التجديد الجريء للشكل وإمتلاك الحياة ممتلئة هو أمر حسن لكن الضياع ودخول المتاهات والثقب الأسود أمورغير مسموح بها) - قال لي بافلوف.
    وسط غرفتي تنتصب الثغرة السوداء . نظرتها مفتوحة ومترقبة . دخلت الثغرة السوداء

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    دانتي أخطأ حين وصفها كقبو معدوم الأمل ونتن. فجحيمه هو الذاكرة . وأرغم على نسيان ما رآه ، بدل ذلك دسّت له معلومات زائفة.
    دليلي الذي يعينني في تذكر المكان الذي دخلته كان جسدي لا غيره، جسدي المعلق كأنه على شماعة, والذي أكله العث، وذلك الأنف العتيق المخالف للموضة ، الأنف الذي مر بأكثر من تجربة. وكان يحزنني أن أفترق عنه، فالجسد إبتعد وأخذ يتناهى في الصغر.
    غيرت المكان ومررت بالمطبات الهوائية. في أنظمة الطغيان الشرقية إستخدم مثل هذا التعذيب: أجلسوا الإنسان على جردل بداخله جرذي. الحيوان المسكين يأكل الأحشاء كي يخرج من هذه المصيدة.
    عند الطرف ذاته هناك نتاج شاحب للإسراع . وكم من مرة ضرب رأس الأم بالمطرقة. المرأة المعذبة ترفع رأسها الذي يسيل منه الدم وتتوسل : أتركوه. ليس ذنبه ، أنا أصبت رأسي.
    شاب مجهد لاهث يسألني أنت أيها الجار الجديد ، بأي شيء يلغطون الآن على الكوكب ؟ هل صحيح أن ( تشيك) جاء الى موسكو ؟ ذكرني أنت ب(بينكة فلويد). ذاكرتي نكحت كلها.
    تذكرت . شكرني بإنحناءة رأس كأنني أعطيته سيجارة ، وعاد الى مشاغله.
    الطاغية الذي إنطفأ نجمه، قبّل رأس عشيقته المقطوع. المصور المنهك حتى الأعياء مزقت أوصاله طيور بوجوه وأثداء نساء . وهنا فقدت البصر.
    لم يسمع غير الصوت. حينها لم أكن إلا عند عتبة الثغرة. وكان ملؤه السؤال.
    في الواقع كان هناك صوتان وجههما السؤال:
    ( أي شيء هو الأهم ؟ الإيمان أم مادته؟ معنى الحياة أم حياة المعنى؟ الحرية أم الطريق إليها؟ لامحدودية الفكر أم تحديد القدرات الأرضية؟).
    بين الأسئلة تدفقت الطاقة . خلقت المدن . وإزدهرت فوقها كقوس قزح، الحضارات وزالت. وبين الأسئلة ( بين سؤال وآخر ) إنفجرت الحروب.
    سألوني : ( هل تريد معرفة الجواب ؟). أردت. ( لكنك رأيت الذين حاولوا المعرفة والدخول .. الحياة هي ثمن الجواب ). ( هناك من يدفع حياته ثمنا لكيلوغرام من السجق).
    (وماذا لو لعنت النفس بعد معرفة الجواب ، وإذا كان الجواب يعني أن أحلامك مجرد أوهام ، وأن الملك عار وأن الزبالة أروع من ليف تولستوي ؟ وإذا كان مخك غير قادر على إستيعاب الجواب، وأنت لاتعرف غير الإنصياع الى أوهام مداركك الفقيرة شأن الناس الذين وصلوا بعد قرون وفق إنجيل كتب صورة خاطئة). وما الذي سيحصل حين تعرف الجواب وتنسى كل شيء على الفور؟.
    وأنا دخلت الجواب.
    ادهشني وضوح الجواب ، كان في كلمة واحدة حسب. وهذه الكلمة الخالقة إمتلكت جوهري كله ومنحته السعادة. وأدركت ان حياتي كلها قد أدت مهمتها، وأنها قد نجحت لكنها فقدت الأهمية ولأنها إتحدت بالجواب. وأنا ذبت في الكلمة.
    لا أعرف الى متى سيستمر الحال، سنينا ، قرونا ؟. لكنني وأنا مغمور بالسعادة ومصهور في أمكنة التأريخ إبتعدت، بشكل ما ، صوب النهايات وشعرت بشيء شبيه بخزانة سرّية أو معبر سرّي في الحائط تتعرف على فراغه حين تطرق الحائط. وكانت خزانة الثغرة السوداء . كانت الذاكرة الخجلة التي تذكرت ما أخفته عن نفسها.
    رأيت غرفة صغيرة ، فقيرة بخزانتها التالفة. بورتريه صاحبها المائل كان يسند ورق الحائط الذي تقوّس. الضوء لم يكن مطفأ. فالمصباح الداكن أنخنى على اللوحة المثبت عليها تخطيط لغيمة ما.
    وكانت النافذة مفتوحة بقنوط.
    حين أجلت النظر حواليّ عثرت في الخارج ، بالقرب مني، على جسدي . كان بحالة جيدة. أخذت بالدخول فيه. كان أمرا صعبا إذ أنه تقلص وإلتوى ولم يتعرف عليّ. القدم صارت كبيرة . لايهم، ستعتاد على السير !.
    أشرعت النافذة . أحدثت صريرا و قفزت الى الغرفة.
    ( أو - أو - أو ) سمعت ورائي الواوات المظلومات التي هي بلاحدود -
    ( أو - أو - أو ) ..
    البورتريه الذي لم يتعرف عليّ قفز نافرا وإلتصق بالحائط. ( لماذا تهرس النفس ؟) قالها وهو يرتجف رعبا. وكانت الطاولة العرجاء أول من تعرف علي. هرعت إلي وهي تعوي كالكلب وإلتصقت ببطني. من الخزانة المفتوحة قفزت مزهرية وكانت هدية منك ، وحطت على كتفي. بللت قميصي كله بالدموع. مسكتها قبل أن تسقط. أزهار البابونج المكسوة بالشعر قرعت النفاذة وبدأت تتحبب إليّ. الواح الأرضية إنحنت وهي تموء وتتمسح بقدمي.
    وفي تلك اللحظة أدركت بأنني قد نسيت الجواب.
    أنا أعيش ، وفي كل يوم أجهد في تذكر هذا الجواب. البورتريه لايعرفني!.
    ياله من عذاب - أن تجهد في التذكر ، أن تثير الذاكرة ، والنتيجة هي لاشيء.
    أهي الكلمة تتكون بنفسها من حروف الغيمة المرفوعة؟ لربما لاينبغي توقع الجواب من السماء بل الإنسان يشيده بنفسه، وهل في هذا الأمر يكمن معنى الجواب؟.
    ( سيدي ، أترك فكرة الغيمة. إنها شيء لايخلو من المجازفة: العودة الى المعمار بعد هذه السنين الطويلة من الإنقطاع. الأفضل أن تنسحب ! وخلافا للمباني لايقف المعمار في مكان واحد. وفي كل الأحوال ففكرتك عن الغيمة ستكون منبوذة. أومليتوف يقف بكل إصرار. يتلفن ليلا الى البنائين الى أعضاء المجلس الفني الى من شاركك الفكرة، يرهبهم ، يغيّر صوته في السماعة، يصرخ ويسعل.. ويموء. من أين تعرف؟ نعم إنه يموء).
    يالله ، إذن تجاوز إنتقامك، يا ثغرة ، كل الحدود ، ولربما تكون الفكرة غير موفقة فعلا؟.
    وها هو الإنتقام!.
    إنخفضت السماوات غاضبة معربدة . فقدت الطبيعة ذاكرتها. في حزيران سقط الثلج قرب موسكو . المحصول إحترق أو أتلفه الصقيع. الكرة التعيسة المبحلقة تطوف فوق الحي .
    ( الويل ! أردت معمارا ، إذن سأريك كيف هو !.سأريك كيف تسرق الجواب ! مع مثل هذه الحالات تعقد الصلات !).
    أنزلت عليّ كالسوط البرق الأسود. كنت عمياء في غضبك ويأسك ولذلك أخطأت الهدف. طشقند أصابها الزلزال الأرضي. وأنت كبست الكنائس تحت الأرض كما لو أنها كانت فناجينا.
    ( سٍأريك كيف تكون مغازلة " الثغرات البيض"!).
    حصل كسوف شامل للعقل!. أدغال زهور الغابة البيض تفتحت بأخرى سود. في المنطقة كلها صار الحليب في الفناجين أسود ومن ثم تحول الى فراغ. لا أقدر على الرسم ولا الكتابة. الورد اسود، والكلمات غرقت فيه وإمتصها الظلام.
    تقمصت أجسام القطط المجنونة والدجاج والعابرين ، والكل يطاردني ، يريد أن يعثر عليّ ، أن ينشب المخلب وينقر ويدعس.
    الشمس قريبتك إسوّدت وهي تحمل فوق الراس قبضات حانقة كما لو أنها تريد التعلق بعارضة غير مرئية. تصرخ بصوت معهود لدى طير السمان. هو رفيع والأعلى بين الكورال.
    ( الطقس يعربد - الجيران أوصدوا بإحكام ، الأبواب والنوافذ - السماء كلها مثقوبة).
    أنا الوحيد الذي عرف أنني السبب في ما حصل، لماذا سمحت لك بالإعتياد على متعنا الأرضية ؟ وهو ذنبي حين إحترقت الغلال. لقد إرتكبت الذنب ،ولأنني مجرد إنسان ، وأتصرف كإنسان ، وللأسف لا أملك عقلا أسمى. فأنا أفكر بغباء ، بصورة بشرية حسب.
    وأنت جننت ، طار لبك، وفقدت الحكمة!. ( أين تختبيء؟ آها ، أغلقت جميع النوافذ!. أكيد أنك مع مخلوقتك تلك. نعم أنا صماء وعمياء لكن أنظر الى نفسك. البورتريهات تتراجع.( البورتريه إكفهر وبصق عليّ) أي شيء رأيته في هذا الوجه المقيت؟ أنظر في المرآة ، اللحية مصبوغة كلها ، و لربما هذا هو أحمر شفاه ( وحطمت المرآة في نثار رقيق ). الآن لا أخطيء الهدف!).
    وأخذت العمياء تحلق جنبي .
    وفجأة تذكرت أمرا ما ، جمدت في الفضاء فوق البيت بالضبط. الآن تأتي الضربة الأكيدة ز. لن تخطيء. لكنها تبأطات. أكيد أنها تريد أن تطيل أمد لذة الإنتقام.
    بعدها إرتعشت حين صارت غيمة ضبابية ما.
    أنت تبكين ؟ أتعرفين البكاء أيتها القميئة التعسة الخبيثة؟ إنك مبتلة كماكنة غسيل السيارات ، الأوتوماتيكية . للمرة الأولى تبكين، إذن تعرفين البكاء أيتها الخرساء القبيحة.
    صار كل شيء في الغرفة رطبا. الأوراق السود إبيضت الا أنها كانت مبتلة وسالت كلماتها. أنظروا الآن. هاهي تصرخ وتزعق وتهشم كل شيء وبعدها تنتظر الترضية !.
    الزجاج غطاه البخار من الخارج. ثم سالت عليه خيوط نقية .
    لم تكني حينها. الشمس المتعبة غربت وراء الحقول وهي ترفع وترخي قبضتها كما لو أنها تسحب الماء. ورافقها حفيف أوراق غابة المقبرة الصغيرة كأنه تصفيق يعلو ويخفت.
    قفزت الى البستان. لصقت وجهي بالجانب الخارجي من الزجاج. الخدّان إبتلا بدموعك.
    كم من الوقت إستمر الحال؟ سنين ، قرونا؟ لا أتذكر.
    أيتها الرواية الجهمة وداعا!. فها أنني على وشك الإنتهاء. في القريب كحبات عقد إنقطع خيطه ستتطاير في العالم الآلاف من حروفك ولكن في كل ( أو ) صغيرة سيسطع بريق دفئك.
    يهبط المساء . أكتب في بيرييدييلكنو على طاولة حديقة . في العتمة الخفيفة تبتعد أطر البيت البيض. سواد حروفي يغطي بياض الورق ، البياض يختفي تحت السطور.
    الظلام يسود المكان الآن. لا أرى الورق ولا القلم ولا اليد - كل شيء يغرق في ظلامك. قضيت معك أياما كثيرة. من أجلك نسيت الأصدقاء والقضايا المهمة. لقد اتعبتيني للغاية ! شكرا لك حين عثرت عليّ.
    في الرسم الذي أهداه لي مور السماء الرصاصية ملونة بمزيج من العنبري والأزرق البروسي . غروب قلق . السماء المستثارة تبحث عنك. في الغيوم تشع ثغرة كأنها شباك مفتوح.
    شكل البحيرة البيضوي المرسوم على عجل ، وعلى الضفة الأخرى أربع شجرات. في وسطها ( الحسان الثلاث )"33" - الشعر؟ المعمار؟ الفراق ؟ الواحدة تحضن الأخرى وهن يكوّن عمودا أحاديا - ثلاثيا من الرخام الأبيض.
    يقفن على قاعدة غامضة اللون. الزعنفة السوداء قد تكون لدلفين أو حوت أو وحش خرافي. ولربما هي العجلات المسننة السود لقرننا الحالي ؟.
    يبدو واضحا كم كان الفنان عجولا وكم هي عجلة ضربات الفرشاة لدرجة أن الرشاش يتطاير ويبدو واضحا بأي وله يهييء مور الصباغ في الزجاجة مازجا الأزرق البروسي بالعنبري وحنينه. الفرشاة تعمل بسرعة ناثرة الماء والصباغ والحياة - إن القرن هو المتعجل. القرن يمر بسرعة. وهو يريد أن يبلغ بشيء مهم، بماحصل له.
    لكن ماهذا؟ أهو عيب على الورق؟ كلا إنها ليست بقعة حبر.
    وسط السماء لطخة سوداء معلقة ومكدرة ، تتهيأ للتحليق. للحظة واحدة ثبتت نظرتها على البحيرة ، على العمود الأبيض علينا جميعا. إسرع ! إنها ستطير بسرعة. يد مور ثبتت تلقائيا ما حصل له في لحظة تحليقك بالضبط. وهذا هو بورتريتك الوحيد.
    أعلق هذا الرسم على حائط الغرفة الصغيرة في بييرييدييكينو حيث قضيت الكثير من الأيام. وضعته جنب السكتش المشمس لمسرح بافلوف على الماء حيث في ثلاث ثغرات بيض يسبح الماء والشمس والإبتسامة.
    أقضي ساعة الغروب مع مور.
    عند الظهر يرافقني بافلوف.
    - صفر ثمانية؟ أنا أسمع بصورة جيدة. أهو أنت أيها النحات؟ السلام عليك، ماذا؟! المجلس الفني وافق على تصميمنا؟! كرر الكلام.. أمر لايصدق! هوررا!. والمعارض أومليتوف؟ لم يأت ؟ ماذا ؟ سقط؟ سار في الشارع وسقط في ثقب ما؟ لكن لاتوجد هناك ثقوب !. توجد. لاشك أنهم أصلحوا شيئا هناك. إنه يستحق هذا الشيء. وليكف عن الحفر تحت أقدام الآخرين..
    في السماعة صرخت في ذات الوقت أصوات مور وبافلوف وكابا وصوتك. الكل كان يصرخ ويقدم التهانيء. كانت تسمع تنهدات و بحة أيضا.
    لماذا إستدرت فجاة؟
    انا أعرف هذه النظرة بين الآلاف. في الركن كانت تنظر ، بتشف ، ثغرتي السوداء . لقد عادت!.
    إنطلقت صوب النافذة وتوقفت للحظات . تباطـت. تأرجحت ثم إستدارت حزينة ولم أرها مرة اخرى .
    هوامش المترجم :


    1 - تكون كلمة الثقب مؤنثة باللغة الروسية شأنها في كل اللغات السلافية. وقد نقلتها الى العربية ك ( ثغرة ) للإبقاء على روح النص الأصلي التي تتعرض للغموض والتشويه في حالة تغيير جنس الكلمة. ويقصد المؤلف بالثقب الأسود أفكارا كالموت والعدم واللاوجود الكوني .
    2- إذا جاء حرف ( أو ) مستقلا فهو يعني في اللغات السلافية : ( عن)
    أو ( حول ).
    3- أوا بوغاتشوفا مغنية روسية معروفة.
    4- إسم إيطالي لنوع من الصخور يستخدم في البناء.
    5- فلاديمير فيسوتسكي (1937 - 1980 ) مغن وممثل وشاعر روسي .
    6- المقصود هنا مارينا فلادي الممثلة الفرنسية المعروفة التي كانت زوجة فيسوتسكي.
    7- بولات أوكيجافا (1937 ) شاعر ومغن ومؤلف موسيقي من جورجيا.
    8- تعني ( أوم ) بالفرنسية الإنسان.
    9- إيفان غونتشاروف ( 1812 -1891 ) روائي روسي مناصر لحركة الإصلاح الإجتماعي، والكلمات الواردة في النص هي أسماء روايات له.
    10- ( ترود ) هو إسم صحيفة النقابات السوفييتية.
    11- نسبة الى مدينة كوستروما الواقعة على نهر الفولغا.
    12 - المعنى الأصلي للكلمة : الباء اللينة . وفي التسجيل الموسيقي تكون إشارة الى خفض الصوت الى نصف نغمة.
    13- فاسيلي المبارك ( 1479 -1533) دوق موسكو الكبير ومن مواصلي سياسة توحيد روسيا.
    14- قماش قطني خفيف يحمل إسم المدينة الفرنسية كريتون.
    15- صيغة الجمع لأسماء غربية ( لاتينية وجرمانية ) للمرأة.
    16 / أ - نسبة الى الأسطورة اليونانية عن حقول الأليزون ( الشانزيليزيه بالفرنسية ) وهي مكان الأفراد القريبين من الآلهة والذين عاشوا حياة فاضلة . والمقصود بالظلال أرواح الموتى الهائمة في هذه الحقول 16/ ب- المقصود هو المصور البيزنطي المسمى ( تيوفان اليوناني ) ( 1350 - 1410 ) وكان قد عمل في روسيا الجداريات والإيقونات.
    17 - ديمتر المغتصب ( 1350 - 1389 ) أمير موسكو الذي وحد أراضي روسيا في عام 1362 وهزم المغول عند نهر الدون . ويسمى أيضا بديمتر الدوني.
    18 - الإمبير هو طراز في الفن إرتبط بالكلاسية المحدّثة، وصادف فترة حكم نابليون ، وخاصة في ميادين العمارة والصناعات الفنية.
    19 - رقصة تحمل إسم عاصمة كوبا وهي شائعة في إسبانيا. 20 - جاءت في النص : الجد - الصقيع وهو رمز الشتاء الروسي.
    21- مدينة فرنسية عاش بيكاسو فيها فترة من الزمن.
    22- نيلس بور عالم فيزياءي دنماركي ( 1885 - 1962 ) أحد واضعي نظرية عن تركيب ذرة الهيدروجين. فاز بجائزة نوبل في عام 1922.
    23 - إسم الغيمة بالروسية: أوبوكو . وما يقصده المؤلف هنا هو الحرف الأول من الكلمة.
    24 - المقصود هنا هو الأديب الارجنتيني خوليو كورتاثار.
    25 - ناتاليا غونتشاروفا( 1881 - 1962 ) مصورة روسية معروفة.
    26 - مارينا تسفييتييفا ( 1892 - 1941 ) شاعرة غنائية روسية معروفة.
    27 - أندري بيوي ( 1880-1934 ) شاعر وقصصي روسي من قادة الرمزية الروسية وكان له تأثير واضح في الأدب السوفييتي.
    28- ما يقصده المؤلف هو النموذج الهندسي الذي إكتشفه عالم الرياضيات الألماني أوغست ميبيوس في عام 1858.
    29 - هذه الأحرف الأولى من إسم ( المشاغل الفنية - التقنية العليا ) الروسية المعروفة.
    30 - نسبة الى إسم شاعر أسكتلندي من القرن الثالث ميلادي إخترعه جيمس ماكفير الذي ألقت أشعاره بتأثير بالغ في الرومانسية المبكرة.
    31 - شاعر جورجي من القرن الثاني عشر ويعد مؤسس الشعر القومي وأحد أبرز الدعاة لأفكار النهضة.
    32 - ( الحسان الثلاث ) هن ، وفق الاسطورة الرومانية ، ثلاث آلهات يرمزن الى السعادة والروعة والإزدهار. وكن بنات زيوس ويعتبرن حاميات الخلق الفكري والفني .

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    النهـــــــــــــــــــاية

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    الردود
    65
    سلمتِ

    أحب النهاية

    لا للنهاية

    إنما لأنها عندي بداية

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة دمعة حبر عرض المشاركة
    سلمتِ
    أحب النهاية
    لا للنهاية
    إنما لأنها عندي بداية
    يعطيك ألف عافية دمعة حبر. النهاية تبدأ نحو أشياء نحب ان نفصلها في خيالنا على حد تعبير نفس الشاعر الروسي في حوار له. لك التقدير على مرورك الجميل الطيب

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •