Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 49
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    Lightbulb قصص عالمية مترجمة

    يسرني أن أنقل هنا بعض القصص العالمية المترجمة إلى العربية.. قصص تتشابك فيها الطقوس الفكرية و النفسية لكل دولة لتتوحد في النهاية في نفس الذات الانسانية التواقة إلى الشمس.. إلى الحب.. إلى الحرية. إلى الحياة
    لنبدأ على بركة الله

    دودة قراءة

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    Lightbulb من الأرجنتين

    الزائر
    بقلم الأديبة الأرجنتينية: ايزابيل اللندي

    ترجمها عن الانكليزية : محمد شلاكة





    معلمة المدرسة أنيس دخلت الى محل لؤلؤة الشرق في تلك الساعة لم يكن احدا بداخله فمشت الى المنضدة المقابلة حيث رياض حلبي منشغلا بطي قماشة من الورد اللماع لتخبره بانها قطعت رأس احد الزائرين في النزل الذي تملكه أخرج التاجر منديله واضعا اياه فوق فمه مندهشا .
    "ماذا قلت يا أنيس"
    "بالضبط ما سمعته يا ترك"
    "هل مات حقا"
    "بالتأكيد"
    "والان ماذا ستفعلين"
    "لهذا جئت اليك كي أستشيرك"كلمته وهي تحاول تثبيت شعرها.
    تنهد رياض حلبي ثم قال "أعتقد ان من المستحسن ان اغلق الدكان"
    عرف الاثنين احدهما الآخر منذ مدة طويلة لدرجة انهم لايستطيعون تذكر العدد الفعلي للسنوات رغم انهم يستطيعون تذكر كل التفاصيل الدقيقة ليومهم الاول في الصداقة في ذلك الوقت حلبي كان واحدا من اولئك التجار الذين يدهشك بطرقه الكثيرة كي يبيعك سلعة ما تاجر هاجر بدون بوصلة او اي هدف معين مهاجر عربي بجواز سفر تركي مزور وحيدا وحزينا ورغبتة الشديدة للجلوس في الظل . كانت لاتزال شابة بوركين جميلين وكتفين يزهوان بالفخر المعلمة الوحيدة في البلدة وام لولد بعمر الثانية عشرة وّلد نتيجة علاقة غرام عابرة. كان الصبي مركز حياتها تهتم به بأخلاص وتفان ثابتين وبصعوبة جمة تحاول اخفاء دلالها ففي المدرسة تعامله بشكل اعتيادي وبنظام صارم فرضته على كل التلاميذ. كي لا يقال لها بانها تعامله بشكل مختلف وفي ذات الوقت تأمل من معاملتها له ان لا يكون عنيدا ومتمردا كأبيه بل تفضل ان يكون ذو عقل راجح وقلب رحيم. وفي ذلك المساء الذي امتلك خصوصيته قاد رياض حلبي سيارته الى البلدة "أوكواسانتا"فشاهد في الجهة الاخرى من الشارع مجموعة من الاولاد وهم يحملون ابن معلمة البلدة على نقالة هم صنعوها. لقد دخل الى احد المنازل كي يجمع ثمار المانكو.غير ان مالك الدارالذي لا يعرفة احد معرفة حقيقيه اطلق رصاصة من بندقيته كي يخيف الفتى ليس الا لكنها صنعت فتحة سوداء بجبينه خرجت روحه منها. في تلك اللحظة اكتشف التاجر موهبته في ان يكون قائدا وبدون سابق انذار وجد نفسه وسط كثير من الاشياء فتارة يواسي الام واخرى يحاول ترتيب العزاء كانه فردا من العائلة او يهدأ من جماح الناس الذين أرادوا تقطيع المجرم جزاء فعلته في تلك الاثناء أكتشف المجرم بان حيلته لن تساوي شيئا ان هو بقى هناك لهذا قرر الهرب دون رجعة.
    صباح اليوم التالي قاد رياض حلبي جمعا من الناس من المقبرة حتى المكان الذي سقط فيه الفتى كل ابناء بلدة"اكواسانتا"أولائك الذين قضوا يومهم كله وهم يجمعون المانكوالذي رموه من خلال نوافذ المنزل الا ان امتلأ من الارضية حتى السقف. بعد اسابيع قليلة وبفعل الشمس الحارة تخمرت تلك الفاكهة الذي ادى الى انفلاقها فارزة عصارة لزجة خضبت الجدران بلون الدم المذهب بالالتماعات ذلك الصديد الحلو احال لون البيت الى هيئة كالحة كانه من العصور الحجرية القديمة او شبيها ببهيمة فاطسة في طريقها الى التعفن.
    موت الصبي وما فعله رياض حلبي في تلك الايام وذلك الترحيب الذي ناله في "أوكواسانتا" حدد مصيره وما تبقى من حياته .فقرر البقاء في البلدة ناسيا بأنه من أصل سلالة تعشق الترحال. ففتتح متجره لؤلؤة الشرق ثم تزوج واصبح ارملا وتزوج ثانية وبقى مستمرا على تجارته بينما سمعته الحسنة كرجل شهم في ازدياد. كي تعيد انيس الجميل الى اهالي البلدة فقد خرجت على يديها الكثير من الاجيال مع عاطفة قوية وهبتها لهم عرفانا لذكرى ابنها الى ان استنفذت كل طاقاتها فتنحت جانبا للمعلمين الذين وصلوا من المدينة بمناهجهم الجديدة ثم تقاعدت. بعد تركها قاعات الدرس شعرت بتقادم السنوات بشكل مذهل يغلفهن الحزن فالايام تمر بسرعة لدرجة لا تستطيع ان تتذكر اين ذهبت كل تلك الساعات .
    "ادور على نفسي في حالة ذهول انا ميتة غير اني لم اعرف هذا بذلك ايها التركي"
    "انيس انك بصحة جيدة وكما عهدتك" المشكلة انك ضجرة لهذا يجب ان لا تبقي كسولة لهذا اقترح رياض حلبي ان هي اضافت بعض الحجرات لبيتها كي تؤجرهن لاننا لا نملك فندقا في البلدة.
    "ونحن لا نملك السياح ايضا"
    "فراش نظيف ووجبة افطار دافئة سيكون نعمة للمسافرين"
    قرروا فعل ذلك فامسى المكان مفضلا لسواق الشاحنات وعمال شركة النفط الوطنية اؤلئك الذين يقضون الليل في النزل كي يرتاحوا من عناء السفر وضجر الطريق الذي يملا رؤوسهم بما يشبه الهذيانات.

    أنيس معلمة المدرسة كانت اكثر الناس أحتراما وتقديرا في كل "أوكوسانتا" فقد علمت اطفال القرية لعقود كثيرة مما منحها الصلاحية في التدخل في حياتهم الخاصة حتى انها تشد اذانهم اذا شعرت بأن ذلك يساعد في تقويمهم . اما البنات فيجلبن احبابهن اليها كي توافق عليهم بينما الازواج والزوجات ياتون اليها محملين بمشاكلهم المنزلية كانت ترشدهم اوتتوسط بينهم كذلك تقضي بكل مشاكل تلك المدينة الصغيرة.في الحقيقة صلاحيتها كانت اوسع من صلاحيات القس والطبيب وحتى الشرطة لا احد يستطيع ايقافها او ايقاف ممارستها لتلك السلطة. ففي احدى االحوادث تلك دخلت الى سجن البلدة مارة بالملازم دون ان تتفوه بكلمة واحدة منتزعة المفاتيح من مسمار الحائط واخرجت من الزنزانة احد تلامذتها الذي قبض عليه سكرانا. حاول الضابط ان يقف في طريقها غير انها دفعته الى الجانب واخذت الصبي خارجا ماسكة اياه من ياقته وعندما اصبحت في الشارع صفعته مرتين وحذرته اذا ما اعادها مرة اخرى فستخلع بنطاله وتشبعه ضربا لن ينساه ابدا. اليوم الذي اتت فيه انيس الى رياض حلبي كي تخبره بانها قتلت احد النزلاء لم يشك للحظة واحده بانها كانت جادة بما تقول لانه يعرفها جيدا . أخذ بذراعها ثم مشى معها مسافة شارعين يفصلان لؤلؤة الشرق عن بيتها الذي كان واحدا من اقدم البنايات في البلدة بني من الطين والخشب مع شرفة عريضة حيث علقوا ارجوحة للحظات القيلولة وزودوا كل غرف بمروحة سقفية في تلك الساعة يكون البيت شبه خالي فقط زائر وحيد جلس في قاعة الاستقبال محتسيا البيرة ومندهشا لما يعرضه التلفاز .
    همس لها التاجر العربي "اين هو"
    اجابته دون ان تخفض صوتها"في احدى الغرف الخلفية"
    اخذته الى صف من الغرف التي تؤجرهن –كلهن يتمتعن برواق يتالق بضوء الصباح البنفسجي الذي انزلق على الاعمدة بينما نباتات السرخس علقت بالعوارض- يحدهن فناء زرع باشجار الموز واشجار المشملة. فتحت انيس اخر باب ثم دخل رياض حلبي الى الغرفة نوافذها مغلقة يظلله فيْ عميق مرت لحظات بعدها وفوق السرير رأى رجل طاعن في السن وذو سحنة مسالمة شيخا غريبا يسبح في بركة صغيرة من الموت اما بنطاله فلطخ بالبراز بينما رأسه
    تعلق بجلده الشاحب ميوشحا بمحنة رهيبة كانه يعتذر لكل ذلك القلق والدم وذلك الارباك الغيرطبيعي كانه يلوم نفسة لانه سمح لها ان تموت لك تلك الاشياء واضحة عليه.جلس رياض حلبي فوق الكرسي اليتيم في الغرفة محدقا في الارض ومحاولا السيطرة على ما يحدث داخل امعائه . اما انيس فبقيت واقفة ويديها متصالبة على صدرها تحاول تقدير عدد الايام التي تحتاجها لتنضيف الغرفة وازالةلرائحة الموت والخوف من الغرفة.
    "كيف فعلت هذا" سألها رياض حلبي وهو يمسح العرق من جبينه .
    "بالمدية التي أحصد بها جوز الهند". لقد اتيت من وراءه ثم هويت على راسه بضربة مفاجتة واحده لم يعرف ما الذي اصابه ذلك الرجل المسكين.
    "لماذا"
    "كان يجب ان اقوم بذلك الفعل انه القدر هذا الرجل المسن لم يكن محظوظا بما فيه الكفاية امتلك حظا سيئا جدا.لم يرغب ان يتوقف في اكوسانتا لقد كان مارا بالبلدة حينا ضربت حصوة زجاج نافذته اتى الى هنا كي يقضي ساعات معدودة بينما الايطالي الذي يعمل في الكراج يحاول ان يجد له زجاجة اخرى. لقد تغير كثيرا –كلنا كبرنا حسب ما اظن- غير اني عرفته بسرعة كنت انتظره كل تلك السنوات وكنت اهجس بانه سيعود الان او فيما بعد.انه رجل المانكوز"
    " احفظنا يا الله" تمتم رياض حلبي بلغته العربية.
    لماذا قلت ذلك هذا الامر لن يكون ابدا"
    "انا المحقة فقد قتل ابني"
    أنيس ان الملازم لن يفهم ذلك"
    "العين بالعين والسن بالسن.يا ترك. اليس هذا ما تعلمناه من الدين"
    ولكن القانون لايعمل بهذه الصورة يا انيس"
    "حسنا نستطيع ان نرتب الامور هنا ونقول بانه انتحر"
    "اياك ان تلمسي الجثة كم من الزوار لديكفي النزل"
    فقط سائق الشاحنة سيكون في طريقه الى العاصمة عندما يبرد الجو قليلا"
    "حسنا لاتستقبلي اي زائر جديد أقفلي باب الغرفة وانتظريني ساعود هذه الليلة"
    "ماذا ستفعل"
    "دعيني وشاني ساهتم بهذا الموضوع بطريقتي الخاصة"
    رياض حلبي ذلك الرجل الذي ناهز الخامسة والستين من العمر لكنه حافظ على نضارة الشباب وحويتهم وبقى بذات الروح التي جعلت منه قائدا لذلك الحشد في اليوم الذي وصل فيه الى"اكواسانتا".خرج من منزل المعلمة ماشيا بسرعة كي يقوم باول زياراته ذلك المساء وبعد فترة وجيزة من الوقت بدأ همس خفي ينتشر في البلدة أفاق على اثره ساكني أكواسانتا من سباتهم الذي امتد لسنوات فقد نبههم ذلك النبأ الذي لا يصدق فبدا الناس ينقلوه من بيت الى بيت بما يشبه ثرثرة يصعب كبحها او هي أخبار محزنة بدأت بالهمس حتى انتهت بالصراخ أشاعة من المفترض ان تظل همسا غير انها امست حالة خاصةجدا. قبيل الغروب تستطيع ان تهجس بالهواء مملوءا بالبهجة المضطربة والقلق الذي لازمهم لسنوات طويلة وجعله ميزة خاصة باهالي البلدة وغامضا على اؤلائك الغرباء الذين يخترقون البلدة بين فترة واخرى لانهم لن يستطيعوا ان يجدوا اي شيْ استثنائي او روعة في هذه البلدة التي تظهر للعيان وقد بنيت بالقرب من مياه بركة راكدة لا تختلف باي شي عن بقية البلدات على حافات الغابة. في بداية المساء بدا الرجال يصلون الى الحانة بينما النساء فحملن كراسي المطابخ كي يجلسن على ارصفة الدروب ليستمتعن بالهواء العليل أما الشباب فاحتشدوا على شكل جماعات وسط السوق حتى ليخيل لك بانه احد ايام الاحد. وكعادة الملازم وجنوده انهوا دورياتهم حول البلدة ثم قبلوا دعوة بعض البنات لحفلة عيد ميلاد احداهن- حسب مزاعمهن- في بيت العاهراتوحينما حل الظلام كان هناك الكثير من الناس في الشوارع اكثر من كل ايام عيد القديسين, فترى كل واحد منهم منكب على نشاط خاص به حتى يخيل اليك بانهم يتمرنون على مشاهد لفلم : فالبعض يلعب الدومينو واخرين اتخذوا من اركان الشارع مكانا كي يشربوا الجعة وللتدخين, اما الاحباب فتراهم يمشون يدا بيد كانهم في نزهة, والامهات منهن يركضن خلف اولادهن بينما الجدات فيحدقن بفضول من مداخل البيوت.أضاء القس قناديل الكنيسة ثم حرك الاجراس معلنا الصلاة على روح القديس اسيدرو الشهيد, غير ان لا احد اكترث لذلك النوع من الصلاوات.
    بدأ الاجتماع في التاسعة والنصف ببيت انيس المعلمة: الترك, طبيب المدينة, وأربعة رجال درستهم منذ الصف الاول الى ان اصبحوا محاربين اقوياء حتى تسرسحهم من الخدمة العسكرية.قادهم رياض حلبي الى الغرفة الخلفية هناك حيث وجدوا جثة وقد غطيت بكل انواع الحشرات والبعوض الذي دخل من النافذة , وضعوا الضحية في كيس من الجنفاص ثم حملوه الى الخارج وبكل برود رموه في في شاحنة رياض حلبي ثم قادوا السيارة خلال الشارع الرئيسي للبلدة, وكعادتهم بدأوا يلوحون للمارة. كان البعض يعيد التحية بحماس مفرط بينما اخرين يتظاهرون كانهم لم يروهم وهم يختنقون بضحكة ماكرة, كانهم اطفال فوجئوا بسوء اعمالهم الشيطانية. قاد الرجال السيارة تحت ضوء القمر المتألق الى ذات المكان الذي وقف فيه ابن المعلمة انيس لأخر مرة محاولا جمع ثمار المانكو. اكتسحت الاعشاب البرية المكان والبيت قبع وسط حشاتش ضارة نمت بسبب الاهمال الذي طاله, وبسبب الزمن والذكريات السيئة تراه متضعضعاو اما التل القريب ذو الاشجار المتشابكة الاشجار حيث اشجار المانكو نمت بشكل طبيعي من تلك الفاكهة التي تسقط من الاشجار وتغطس في اديم الارض كي تبت اشجارا جديدة تلد اخرى حتى صار المكان كانه غابة يكتنفها الغموض فترى النباتات قد تسلقت الاسوار والممرات وحتى حطام البيت الذي زخرفه عصارة المانكو ورائحته.أضاء الرجال فوانيسهم النفطية, بعدها وبمدياتهم الطويلة صنعوا لهم دربا في كثافة الاعشاب وحينما شعروا بأنهم مشوا بما فيه الكفاية اشار أحدهم الى بقعة في الارض بالقرب من جذع شجرة عملاقة حملت اغصانها الكثير من الفاكهة حفروا حفرة عميقة ثم وضعوا فيها كيس الجنفاص , وقبل ان يهيلوا التراب الى مكانه قرأ رياض حلبي الفاتحة
    وعندما رجعوا عند منتصف الليل , اكتشفوا بان لا احد قد ذهب الى فراشه, فعند كل نافذة ترى الاضواء تلمع والناس ينتشرون في الشوارع .
    خلال ذلك , معلمة المدرسة انيس فركت الجدران ونظفت الآثاث بواسطة الصابون والماء, بعدها احرقت كل أغطية الفراش, ثم فتحت الشبابيك كي تدع الهواء يدخل الى المنزل, وانتظرت عودة أصدقائها حول مائدة العشاء مع ابريق من الجعة وعصير الاناناس. ألتهموا طعامهم وهم يثرثرون بفرح غامر حول اخر جولات صراع الديكة يلك التي تظن معلمة المدرسة بانها رياضة وحشية , لكنها اقل وحشية من مصارعة الثيران هذا ما زعمه الرجال لان بسببها فقد احد مصارعي الثيران الكولومبيين كبده بسببها.
    كان رياض حلبي اخر شخص يقول وداعا في تلك الليلة , معلمة المدرسةانيس اخذت بيده للحظات قبل ان تقول له
    "اشكرك ايها الترك"
    "انيس لماذا اتيت اليّ"
    "لانك الشخص الذي احببته اكثر من اي شي في هذا العالم, كذلك لانك الاب الفعلي لابني"
    حينما اصبح اليوم التالي عاد سكان بلدة اوكوسانتا الى حياتهم الاعتيادية, تحيطهم روعة وفخامة العمل الذي قاموا به, وذلك السر الذي احتفظوا به الجيران الجيدين وكل واحد منهم حفظه بتصميم مطلق , حتى موت مدرسة البلدة. والان استطيع ان اسرد لكم الحكاية.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    وردة باراكيلسوس

    خورخي لويس بورخيس




    في مشغله الذي يحتل حجرتين في القبو دعا باراكيلسوس (1) ربّه، أن يرسل إليه تلميذا. كانت الدنيا قد اظلمت. وألقت النار الواهنة في الموقد ظلالا غير منتظمة. بذل هو جهدا كبيرا لكي ينهض ويشعل المصباح الحديدي. كان باراكيلسوس الشارد البال بسبب التعب قد نسي دعاءه. وحين محا الليل هيئات البوتقة والأنابيق المتربة، ارتفعت أصوات قرع علي البوابة.نهض مغالبا النعاس وصعد السلالم الحلزونية القصيرة ثم فتح إحدي ضلفتي الباب. دخل رجل غريب. كان هو أيضا متعبا جدا. أشار باراكيلسوس الي المصطبة لكي يجلس الغريب. جلس هذا وإنتظر. لوقت ما لم يتبادلا الكلام..
    كان الأستاذ هو البادئ بالكلام:
    ــ أنا أتذكر وجوها من الغرب ووجوها من الشرق ــ قال لكن ليس من دون إنفعال معيّن ــ إلا أن وجهك لا أتذكره. من أنت وما تريده مني؟.
    ــ اسمي لا أهمية له ــ أجاب الغريب. ــ ثلاثة أيام وليال قضيتها في الطريق لكي أدخل الي بيتك. أريد أن أكون تلميذك. جئتك بكل ما أملكه.
    أخرج كيس نقود وهزّه فوق الطاولة. فعل ذلك بيده اليمني. كانت قطع النقود كثيرة ومن الذهب. وقف باراكيلسوس خلف الغريب لكي يشعل المصباح. وعندما إلتفت لاحظ أن يد القادم اليسري تمسك بوردة. الوردة أقلقته.
    إنحني وجمع أطراف أصابع يديه ثم قال:
    ــ أنت تتصور بأنني قادر علي خلق حجارة تحّول كل العناصر الي ذهب بينما أنت نفسك تعطيني الذهب. أنا لا أبحث عن الذهب، وإذا أردت الذهب فسوف لن تكون تلميذي أبدا.
    ــ أنا لا أريد الذهب ــ أجاب الغريب. ــ وهذه النقود لاتشهد الا علي أمر واحد وهو أرادتي القوية في الدرس. أريد أن تعلمني الفن. أريد أن أقطع الي جانبك الطريق الذي يؤدي الي ( الحجر).
    أجاب باراكيلسوس ببطء:
    ــ الطريق هو (الحجر). البداية هي (الحجر) وإذا لم تفهم هذه الكلمات فهذا يعني أنك لم تبدأ في الفهم بعد. إن كل خطوة تقوم بها هي الهدف.
    نظر الغريب إليه وهو غير مصدّق. قال بصوت متبدل:
    ــ ولكن هل يوجد الهدف ؟.
    إبتسم باراكيلسوس:
    ــ المفترون الذين لايقل عددهم عن عدد الحمقي يدعّون بأن لاوجود له وهم ينعتوني بالدجّال. أنا لا أعطيهم الحق. ولو أنه ليس من المستبعد أن الهدف هو محض وهم. أنا أعرف بأن الطريق (يوجد).
    ساد الصمت الذي قطعه الغريب:
    ــ أنا مستعد لقطع الطريق معك وحتي لوكان علينا أن نتجول لسنوات طويلة. إسمح لي بأن أقطع الصحراء، إسمح لي بأن أري، ولو من بعيد، الأرض الموعودة، وحتي لو لم تسمح لي النجوم بوضع قدمي عليها. أنا أرغب بدليل قبل أن أمضي في الطريق.
    ــ متي؟ ــ سائله باراكيلسوس بقلق.
    ــ فورا ــ قال التلميذ بحزم مفاجئ.
    كانا قد بدءا الحديث باللاتينية، والآن أخذا يتكلمان بالألمانية.
    رفع الشاب الوردة الي أعلي.
    ــ يروون ــ قال ــ إنك تقدر علي حرق الوردة وعلي بعثها بقدرة فنك. إسمح لي بأن أكون شاهد هذه المعجزة. أنا أرجوك من أجل ذلك وبعدها أعطيك حياتي كلها.
    ــ أنت سريع التصديق ــ قال الأستاذ. ــ وأنا لست بحاجة الي هذا، أنا أطالب بالإيمان.
    ــ ولكنني لست سريع التصديق ولذلك أرغب أن أري بعيني تدمير هذه الوردة وبعثها.
    أخذ باراكيلسوس الوردة وبدأ يلهو بها أثناء الحديث.
    ــ أنت سريع التصديق ــ قال. ــ تقول بأنني أقدر علي تدميرها؟.
    ــ كل واحد قادر علي تدميرها ــ قال التلميذ.
    ــ أنت مخطئ هل تظن بأن أي شيء يمكنه أن يعيد العدم؟ هل تظن بأن الإنسان الأول في (الجنة) كان قادرا علي أن يدمر لو زهرة واحدة ولو ورقة واحدة من العشب؟.
    ــ لسنا في (الجنة) ــ قال الشاب بعناد.ــ نحن هنا تحت القمر وكل شيء هو فان.
    نهض باراكيلسوس
    ــ وفي أي مكان آخر نحن؟ هل تعتقد بأن (السقوط) هو شيء آخر غير جهلنا بأننا في الجنة؟.
    ــ يمكن لكل وردة أن تحترق ــ قال التلميذ بتحد.
    ــ ما تزال النار في المدفئة ــ قال باراكيلسوس.ــ وإذا رميت الوردة في الموقد هل تعتقد بأن النار تلتهمها وليس من شيء حقيقي غير الرماد. أقول لك إ ن الوردة خالدة ولا يتغير فيها شيء سوي الشكل. وقد تكفيك كلمتي لكي تري الوردة من جديد.
    ــ كلمة واحدة؟ ــ سأل التلميذ مستغربا ــ البوتقة مطفأة والأنابيق مملوءة بالرماد. هل تفعل شيئا لكي تبعث الوردة؟.
    نظر باراكيلسوس إليه بحزن.
    ــ البوتقة مطفأة ــ كرر الكلام ــ والأنابيق مملوءة بالرماد. عند غروب أيامي الطويلة أستعمل انا أدوات أخري.
    ــ أنا لا أجرؤ علي السؤال: أي أدوات ــ قال الغريب بمكر، ولربما بتواضع.
    ــ أنا أتكلم عن الأداة التي إستخدمت في خلق السماء والأرض و(الجنة) غير المرئية التي نحن فيها، ولكن الخطيئة الأولي تخفيها عنا. أنا أتكلم عن (الكلمة) التي تعلمنا القبلة (2) أياها.
    قال التلميذ ببرود:
    ــ أنا أرجوك بكل تواضع. أرني كيف تختفي الوردة و تظهر. لا فارق لديّ إن كنت تستخدم الإنبيق أم (الكلمة).
    إستغرق باراكيلسوس في التفكير. وفي الأخير قال:
    ــ لو فعلت هذا الشيء لقلت أنت إن هذا الشكل منحه السحر لعينيك. ولماأعطتك المعجزة الإيمان الذي تبحث عنه. إبق الوردة علي حالها.
    بقي الشاب ينظر إليه غير مصدّق. رفع الأستاذ صوته وقال:
    ــ من أنت بالضبط كي تأتي الي بيت الأستاذ وتطلب منه معجزة؟ وأي شيء قمت به لكي تستأهل مثل هذه الهبة ؟.
    أجاب التلميذ وهو يرتعش:
    ــ أعرف بأنني لم أنجز شيئا. أرجوك بأسم هذه السنوات الطويلة التي أضحي بها في التدرب في ظل شخصك، إسمح لي بأن أري الرماد ثم الوردة. أنا لا أرجوك بأكثر من هذا. وسأصدق بشهادة عينيّ.
    مسك، بعنف، الوردة القرمزية التي وضعها باراكيلسوس علي المنصة، ورماها في اللهيب. إختفي اللون ولم يبق غيرعرق من الرماد. وخلال لحظة غير منتهية إنتظر كلمة ومعجزة.
    وقف باراكيلسوس بدون حراك. قال ببساطة خاصة:
    ــ كل رجال الطب وكل الصيادلة في بازل يجزمون بأنني محتال. وقد يكون الحق معهم. هذا هو الرماد الذي كان وردة وهو لن يكون إياها أبدا.
    شعر الشاب بالخجل. إما ان يكون يبركيلسوس مشعوذا وإما متنبئا عاد، أما هو فطفيلي إجتاز عتبة بيته ويرغمه الآن علي الإعتراف بأن فنون سحره المشهورة هي محض مظاهر خادعة.
    ركع وقال له:
    ــ إن فعلتي لا تغتفر. لقد إفتقدت الإيمان الذي تطالب به يا سيدي المؤمنين.. إسمح لي بأن أشاهد الرماد. سأعود عندما سأكون أقوي وحينها سأكون تلميذك، وفي نهاية ( الطريق) سأري الوردة.
    قال بعاطفة صادقة الا أن هذه العاطفة كانت شفقة أثارها فيه الاستاذ العجوز المحبوب كثيرا والمهان كثيرا والمشهور كثيرا وبسبب هذا هو المغتر كثيرا. من كان هو، يوهانيس غريزيباخ، لكي يقوم بإكتشاف مدنس للمقدّس، وأنه تحت القناع لم يكن هناك أحد؟. ولو أبقي النقود الذهبية لكان ذلك صدقة. جمعها وخرج. رافقه باراكيلسوس الي أسفل السلالم وقال له بأنه سيكون منتظرا في هذا البيت. كلاهما عرف بأنهما لن يلتقيا أبدا.
    بقي باراكيلسوس لوحده. وقبل أن يطفئ المصباح جلس علي مقعده المتعب. نثرعلي راحة يده قبضة رماد وقال بصوت خفيض كلمتين فقط: الوردة بعثت.


    *******

    إحالات المترجم:

    (1) باراكيلسوس (1493 ــ 1541) طبيب وكيميائي ألماني وأستاذ جامعة بازل، ويعتبر أول من إستخدم المستحضرات الطبية الكيمياوية. وكان باراكيلسوس من ممثلي فلسفة الطبيعة النهضوية.
    (2) وهي التعليم النقلي التصوفي عند اليهود.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    دليا إيلينا سان ماركو

    خورخي لويس بورخيس





    ودّعنا بعضنا في زاوية الشارع " الحادي عشر ". من الرصيف المقابل استدرتُ لأنظر إلى الوراء، أنت أيضاً التفتِّ، ولوحت ِ لي مودِّعةً.
    نهرٌ من السيارات والبشر كان يتدفّقُ بيننا، والساعة تشير إلى الخامسة في ظهيرة صيفٍ عادية. كيف لي أن أعرف أنّ ذاك النهر كان نهر آكَرون المُحزِن، الذي لا يُقـْهَر.؟
    لم نلتق ثانيةً، وبعدها بعام، صرتِ أنتِ في عدادِ الأموات.
    الآن عندما أنشدُ تلك الذاكرة وأتمعن فيها، أظن أنّها وهمٌ، وأنّ بعد ذاك الوداع العادي فراقٌ أبديٌ.
    سهرتُ الليلة الماضية بعد العشاء وأعدتُ قراءة تعاليم أفلاطون الأخيرة كما وضعها في فم أُستاذه. قرأتُ أنّ الروح ربما تطوفُ بعد فناء الجسد.
    والآن لا أعلم فيما إذا كانت الحقيقة تكمن في التأويل المشؤوم التالي، أو في الوداع الذي لاشكّ فيه.
    فإذا لم تمت الأرواح، فمن الصائب تماماً أن لا نولي اهتماماً كبيراً عندما نودّع بعضنا البعض.
    فحين نقول وداعاً يعني أننا ننكر الفراق. يشبه ذلك تماماً قولنا أننا " نمارس اليوم الفراق ،ولكننا سنلتقي غداً". اخترع الإنسان الوداع لأنه يعلم إلى حد ما أنه خالدٌ، وإن بدا أحياناً مجانيّاً وزائلاً.
    سنلتقي، يا دِليا، في وقتٍ ما - ونبدأ ثانية - قرب أي نهرٍ؟- هذا الحوار اللايقيني، وسنسأل بعضنا فيما إذا كنا،في مدينة مفقودة على سهل ما، حقّاً بورخيس و دِليا.


    ***


    آكَرون: نهر الجحيم ( ميثولوجيا يونانية)




    ترجمة علي مزهر : عن الإنجليزية من مجموعة

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    السور والكتب


    خورخي لويس بورخيس




    ترجمة : علي مزهر



    هو، الذي بسوره العظيم
    يدرأ التتري الجوّاب...

    Dunciad, II, 76.




    قرأتُ، قبل أيام، أن الرجل الذي أمر ببناء سور الصين اللامتناهي، هو نفسه الإمبراطور الأول، شي هانغ تي، والذي أصدر كذلك مرسوماً بإحراق كل الكتب التي كـُتبت قبل عصره. حقيقة ُ كون هذين الأمرين الهائلين – تشييد خمس مائة أو ست مائة فرسخاً من الصخر لردع البرابرة، والإلغاء الجذري للتاريخ، أو بالأحرى، للماضي – قد شرع بهما الشخص نفسه و صارا بالتالي تعبيراً عن شخصيته، أقول هذه الحقيقة أسرّتني بلا سبب، وفي الوقت نفسه، أربكتني. هدفُ هذه الملاحظة هو استقصاء طبيعة هذا الانفعال.
    تاريخياً، ليس هناك إبهامٌ في كلا الإجرائين. فشي هانغ تي، ملك الصين، الذي عاش في زمن حروب هنيبعل، فتح الممالك الستة وقضى على النظام الإقطاعي. شيّد السور، لأن الأسوار دفاعية؛ أحرق الكتب لأن معارضيه كانوا يستحضرونها لمديح الأباطرة الذين سبقوه. إحراق الكتب وإقامة التحصينات هما من مشاغل الأمراء العادية؛ ولكن شي هانغ تي لم يكن عادياً بالمقياس الذي عمل به. على أي حال، هذه بعض آراء المتخصصين بشؤون الصين، ولكنني أعتقد أن هذين الفعلين هما أكثر من كونهما إفراطاً أو مبالغةً في انشغالات عادية. من الشائع أن تحاط حديقة أو بستان بسياج ولكن ليس إمبراطورية بأكملها. وليس بالمسألة الهيّنة إكراه أكثر الأعراق تقليدية على إنكار ذاكرة ماضيه الأسطوري أو الحقيقي. كان للصينيين ثلاثة آلاف عاماً من التاريخ ( ضم هذا التأريخ في حوليّاته الإمبراطور الأصفر وتشانغ- تزي وكونفشيوس ولاو- تزو) عندما أمر شي هانغ تي بأن يكون هو بداية التاريخ.
    نفى شي هانغ تي أمّه لأنها كانت فاجرة؛ ولكن المحافظين لم يروا في عدالته الصارمة إلاّ عقوقاً. ربما أراد شي هانغ تي تدمير كتب الشرائع لأنها أدانته؛ ربما أراد شي هانغ تي إقصاء الماضي كلّه من أجل إقصاء ذكرى واحدة هي ذكرى أمه المهينة. (مثل ملك يهودا الذي أراد أن يقتل طفلاً واحداً فأمر بقتل الأطفال جميعاً.) هذا تخمينٌ صحيح، ولكّنه لا يفيدنا بشيء عن السور، وهو الوجه الآخر للأسطورة. وفقاً للمؤرخين، حظرَ شي هانغ تي ذكر الموت وبحث عن إكسير الخلود. أصبحَ ناسكاً في قصر منيف، فيه غرفٌ بعدد أيام السنة. تثبتُ هذه الوقائع أن السور في المكان والنار في الزمان هما عائقان سحريان لدرء الموت. كتب باروخ سبينوزا عن ميل الكائنات لمواصلة وجودها؛ ربما أيقن الإمبراطور وسَحَرته أن الخلود جوّانيّ ولا يمكن للبلى أن يتغلغل في حيّز مغلق. ربما أراد الإمبراطور تأسيس بداية جديدة للزمن وتسمية نفسه بالأوّل لكي يصبح أولاً فعلاً. ربما أطلق على نفسه اسم هانغ تي لكي يتماهى مع الإمبراطور الأسطوري هانغ تي الذي اخترع الكتابة والبوصلة والذي ، طبقاً لكتاب الشعائر، سمّى الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ فلقد تفاخر شي هانغ تي، في مخطوطات ما زالت موجودة، بأن الأشياء نالت ما يلائمها من أسماء في فترة حكمه. حَلمُ بتأسيس سلالة خالدة؛ أمر خلفاءه بأن يلقبّوا أنفسهم بالإمبراطور الثاني، ثم الإمبراطور الثالث، ثم الإمبراطور الرابع وهكذا إلى الأبد.
    تحدّثتُ عن خطة سحرية؛ ربما نفترض أيضاً أن بناء السور وإحراق الكتب حدثان ليسا متزامنين. وهكذا، استناداً للترتيب الذي نرتئيه، تكون لدينا صورة ملك شرع بالتدمير ثم تخلّى عنه متفرغاً للحماية؛ أو صورة ملك محبط دمّر ما كان يدافع عنه سابقاً. كلا التخمينان دراميان؛ ولكنهما على حد علمي لا يتضمنان حقيقة تاريخية. يروي هربرت ألن جيلس،المتخصص بتأريخ الصين، Herbert Allen Giles أنّ من أخفى كتباً كان يوسم بالحديد الساخن ويُحكمُ عليه بالعمل في السور اللامتناهي حتى يوم وفاته. تدعم هذه الرواية أو تسمح بتأويل آخر. ربما غدا السور استعارة؛ ربما أدان شي هانغ تي أولئك الذين قدّسوا الماضي بمأثرة لها عظمة وغباء وعبثية الماضي. ربما شكّل السور تحدياً وأن شي هانغ تي فكّر في سرّه: " الرجال يحبّون الماضي وأنا عاجز حيال هذا الحب، وجلاديّ كذلك؛ ولكن في يوم ما سيأتي رجلٌ يشعر كما أشعر، ويدمّر السور، كما أحرقت أنا الكتب، ويمحو ذكراي ويصبح ظلّي ومرآتي دون أن يعلم." ربما سوّر شي هانغ تي إمبراطوريته لأنه أدرك هشاشتها، وأحرق الكتب لأنه أدرك قدسيّـتها ( اسم آخر للكتب التي تعلّم ما يعلّمه الكون كلّه أو ما يعلّمه الضمير الإنساني). ربما يُبطل إحراق المكتبات و تشييد السور أحدهما الآخر خفية.
    السور المنيع، والذي يُلقي، في هذه اللحظة، وإلى الأبد، بمنظومة ظلاله على بلاد لن أراها، هو شبح إمبراطور أمَرَ أكثر الأمم توقيراً لماضيها بإحراق هذا الماضي؛ وتلك الفكرة – بعيداً عن التخمينات التي توحي بها – هي ما يؤثر فينا. ( ميزتها الرئيسة تكمن في التباين بين التعمير والتدمير على مستوى شامل). نستطيع تعميم واستنتاج ما يلي: ينبعُ تأثير كل الأشكال من ذواتها وليس من إضفائنا عليها " مضموناً" مُتخيّلاً. وهذا سيدعم نظرية بنيدتو كروشيه Benedetto Croce؛ في 1877، قال باتر Pater أن الفنون كلّها تحاول أن تقلّد الموسيقى، التي هي شكل خالص. فالموسيقى، وأحوال السعادة، و الأسطورة، والوجوه التي أبلاها الزمن، و أمكنة معيّنة وانحطاطات معيّنة – كلها تحاول إخبارنا شيئاً محدداً، أو أخبرتنا شيئاً لا يجدر بنا تجاهله، أو على وشك أن تخبرنا شيئاً ما؛ وشاكة ُ الكشف التي لم تـُنتج بعد، ربما هي، الحقيقة الجمالية.



    بوينس آيرس 1950

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    يوم الميلاد الكئيب

    بتريسيا فونتين



    ترجمة : ياسمينة صالح


    دن... دن... دن..
    حركت السيدة "كلوديا لوروا" حواسها تلتقط دقات الساعة الجدارية الضخمة.. امتزجت الدقات التسعة بدقات قلبها، فرفعت أهدابها المبيضة، ونظرت إلى الساعة مرة أخرى.
    -التاسعة تماماً.
    نهضت من مقعدها الهزاز مستندة على عصاها، واقتربت من النافذة مجهدة.. أحست أنها بذلت جهداً كبيراً للوصول إلى نافذة الصالة، والحال أنها لم تعد تحتمل هذا النوع من الجهد وقد تجاوزت الثمانين من العمر، لهذا السبب اشترى لها أبناؤها الثلاثة كرسياً متحركاً ليساعدها على التنقل من مكان إلى مكان –لكنها- في هذه الليلة بالذات لا تشعر بأدنى رغبة في استعمال كرسيها المتحرك، فالليلة مميزة بالنسبة إليها.. إنها ليلة عيد الميلاد، وهذا معناه أن العائلة كلها سوف تحط رحالها عندها، في سهرة مملوءة بالدفء والفرح.. ابتسمت في سرها وهي تتخيل شكل السهرة العائلية.. أبناؤها الثلاثة "هنري"، "روبرت"، "ديمتري" وزوجاتهم وأبناؤهم..
    ككل ليلة عيد ميلاد يأتون حاملين الهدايا والبهجة والقبلات الحارة التي تملأ قلبها فرحاً وأمناً، فتشعر السيدة "كلوديا" بأنها أقل وحدة عما تصورته منذ رحيل زوجها "شارل" إلى العالم الآخر.
    "أجل.." قالت في نفسها.. "سيمتلئ البيت بالضجيج والضحك وسوف نجتمع كلنا حول مائدة العشاء المكتظة بأنواع شهية من الديك الرومي المحمر، وسوف يغنون للعيد حتى يدركهم التعب في ساعات الصباح الأولى، ليذهب كل واحد إلى غرفته، وكانت قد أشرفت على ترتيبها بمساعدة خادمتها "جوليا" التي بدت في حالة مزرية من كثرة أوامر سيدتها.
    كانت الشوارع تبدو شبه خالية تحت تساقط المطر.. التمع البرق فجأة، فتركت الستارة تسقط، وعادت مجهدة إلى مقعدها مرة أخرى..
    في مثل سن ووضع السيدة "كلوديا لوروا"، الوحدة كالغول، ومع ذلك لا أحد يبدو مهتماً بأمر كهذا.. منذ مات "شارل" تركها الجميع لقدرها وبدورها عز عليها الاعتراف للآخرين أنها تعيش وحدة بوجود "جوليانا" معها صحيح أن "جوليانا" مجرد خادمة لكنها موجودة معها تحت أمرها في الليل والنهار وحدتها جعلتها إلى الخادمة نظرة احتياج عاطفي.
    -لابد أنهم على وصول!
    قالتها مصممة، وحركت حواسها على صوت أبواق سيارات قادمة.. نهضت من مقعدها فرحة، وتوجهت شبه راكضة نحو النافذة لتصطدم بالخيبة وهي ترى الزوار فقد جاءوا للبيت المقابل.. وخزها قلبها، فعادت إلى مقعدها متوجعة.
    "دن.. دن.. دن..
    نظرت إلى الساعة الجدارية الضخة.. العاشرة.. في تلك اللحظة ظهرت "جوليانا" مقتربة بخطوات رتيبة.. قالت بصوت ضجر:
    -إنها العاشرة يا سيدتي!
    -أعرف أنها العاشرة، أو تعتقدينني صماء؟
    لكن، سرعان ما أحست بالذنب من ثورتها على خادمتها.. قالت كأنها تعتذر لها:
    -سيأتون حتماً يا "جوليانا" أليس كذلك؟
    ولاحت على شفتي "جوليانا" ابتسامة مشفقة وقالت:
    -أجل سيدتي، لابد أنهم على وصول.. ككل أعياد الميلاد.
    فجأة، رن جرس الهاتف.. بأمر من عيني السيدة "كلوديا" رفعت "جوليانا" السماعة:
    -منزل السيدة "كلوديا لوروا"، نعم..؟
    -..............
    -أهلاً سيدي "هنري"..
    _..............
    كانت الأمطار قد ازدادت تساقطاً عندما اقتربت "جوليانا" من سيدتها لتقول لها بصوت يشبه العزاء:
    -إنه السيد "هنري" يعتذر باسم الجميع، ويقول إنهم لن يأتوا هذه الليلة.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    لـؤلؤة طـليطلة




    بروسبيير ميرمي

    ترجمة / عامر بن إبراهيم الجهني

    قصة من التراث الأسباني


    من يستطيع أن يقول ما إذا كانت الشمس أكثر جمالا وقت الفجر أم وقت الغروب؟ من يستطيع أن يقول ما إذا كانت شجرة الزيتون أكثر جمالا من شجرة اللوز؟ من يستطيع أن يقول ما إذا كانت الأندلس هي التي أنجبت أشجع الفرسان أم فالنسيا؟ وأي الرجال يستطيع أن يقول من هي أجمل امرأة؟ أنا سأقول لكم من هي الأكثر جمالا على الإطلاق! إنها (أورورا- لؤلؤة طليطلة)!
    صرخ (سوزاني) الأسمر على الجميع بأن يأتوه برمحه وترسه، ثم أمسك الرمح بيده اليمنى بقوة وترسه يتدلى من على عنقه. نزل من القصر إلى اسطبله وبأوامره الصارمة جمع خيوله الملتهبة والمعدة للقتال وعددها أربعون فرسا. بدأ سوزاني بفحصها بعناية ثم قال: "(بيرجا) هي أسرعها جميعا وفرس يعتمد عليها أكثر من الخيل الباقية، وعلى ظهرها القوي سأخطف (لؤلؤة طليطلة)، ستكون لي وسأفوز بها، واحلف بالله لو لم يحدث ذلك فلن تراني قرطبة أبدا."
    بعد ذلك بدأ رحلته، وركب فرسه السريعة إلى أطول مسافة يستطيع الإثنان أن يقطعاها ليصلا إلى طليطلة، وبكل مشقة وصل (سوزاني) إلى بلدة تدعى (زوكاتين) حيث قابل فيها رجل عجوز. قال له :"أيها العجوز- ذو اللحية البيضاء- خذ هذه الرسالة واحملها إلى (دون غوتيرا دي سالدانا) وقل له لو كان رجلا بمعنى الكلمة ليأت ويقابلني في معركة بيني وبينه فقط وذلك عند (نبع ألمامي) والفائز فقط سيحظى بــ (لؤلؤة طليطلة).
    أخذ الرجل العجوز الرسالة وحملها إلى (الكونت سالدانا) وعند وصول الرجل العجوز كان الكونت جالسا يلعب الشطرنج مع (لؤلؤة طليطلة). قرأ الكونت الرسالة وبقبضة يده المغلقة ضرب الطاولة بقوة لدرجة أن جميع أحجار الشطرنج سقطت على الأرض. ثم نهض ونادى بأعلى صوته ليأتوا له برمحه وجواده. فزع الجميع من تصرف الكونت. نهضت (لؤلؤة طليطلة) بعد أن لاحظت أن الكونت سيذهب إلى معركة ما وقالت له :"سيدي غوتيرا دي سالدانا، بالله عليك لا تذهب، إبق معي وأكمل لعبة الشطرنج."
    قال الكونت: "لن ألعب الشطرنج بعد الآن، يجب علي أن ألعب لعبة أخرى حالا، لعبة مبارزة الرماح عند (نبع ألمامي)."
    لم تجد دموع (أورورا) نفعا، لذا أخذت عباءتها وامتطت حصانها وذهبت إلى النبع وراء الكونت..
    وحول النبع كان لون العشب قرمزيا وكذلك كان لون مياه النبع. ربما تحول لون العشب والمياه من الأخضر إلى هذا اللون بسبب دم أحد الفرسان! لا أحد يدري..
    على العشب رأت (لؤلؤة طليطلة) (سوزاني) يرقد على العشب ووجهه الشاحب ينظر إلى السماء ورمح (الكونت غوتيرا) يخترق صدره، ودمه ينزف منه حتى الموت، قطرة قطرة، وفوق رأسه تقف فرسه المخلصة (بيرجا) تنظر إليه وهي تنتحب من العجز لعدم مقدرتها إنقاذ سيدها.
    نزلت (لؤلؤة طليطلة) من على حصانها مسرعة وقالت: "لا تمت يا سيدي العزيز، لا تمت وسوف تعيش طويلا إلى أن تتزوج من امرأة مغربية رائعة الجمال، إن يدي ستشفي جرحك الذي سببه لك رمح سيدي الفارس كونت سالديانا ببراعة."
    نظر إليها (سوزاني) وهمس قائلا :"آه.. أيتها اللؤلؤة البيضاء.. آه.. أيتها اللؤلؤة الجميلة.. اسحبي من صدري رأس الرمح الذي مزقه.. إن برودة الحديد يثلجني ويجمد قلبي."
    وبكل ثقة ورحمة اقتربت منه، لكنه ، وفي آخر رمق له ، جمع قواه الخائرة وغرز سيفه المسنن في وجهها وقلبه ينزف بالحب والحنان..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    أبي القطار




    قصة : دونا لي

    ترجمة : ليلى النيهوم

    ثمة شيئان اتذكرهما كثيراً عن حياتي في لندن - أبي والقطارات كان أبي رجلاً لطيفاً وصيره الموت أكثر لطفاً أتذكر لمحات منه فقط - عينان واسعتان , يداه حول خصري الكلمات الكبيرة التي كان يستعملها وكم بدأ جسده هشاً في آخر مرة رأيته فيها يظل معي , مجرد همسة الآن , أخفّ لمسة على خدي وقبلة في الريح .
    لازالت القطارات تندفع عبر لندن ,ورغم أن هذا حدث منذ عشرون سنة مضت , عمر كامل حقاً , لازال يمكنني الأحساس بهيكل القطار يمضي حولي , داخلي أقود سيارتي عبر اوكلاند ناظرة إلى ما حولي وأفكر, المحُ
    كم لعبنا ألعاب في القطار لنزجي بها الوقت ألمحُ ,ألمحُ بعيني الصغيرة شيء يبدأ بحرف (H) لتدور عيناه خارج النافذة أو نحو ركن من أركان العربة (HOUSE) بيت
    (لا)
    كنت حفظت حيله - انه - ينظر نحو اتجاه ما غير الذي توجد فيه الاجابة
    (HAIR)
    (لا)
    كونه يعرف أنني أعرف هذا فقد ينظر تحديداً إلى حيث تكون الأجابة .
    (HANDBAG) حقيبة يد
    (لا )
    نظرت حولي حانقة عرفت حيلة ولكنني عجزت عن سبر غورها .
    (ساعدني قليلاً )
    (شيء تضعينه)
    (أضع حقيبة يد ) قلت مجربة
    ضحك (ليس حقيبة يد ) وتطفو عيناه فوق وأرى الجواب ينظر كقطة متكورة في شبكة الحقائب (HAT) قبعة
    (أجل )
    (ياااه ) اجعل من نفسي عرضاً صغيراً , أبتسم حتى أكاد أفلق وجهي , جذلي بيداي المرفوعتين زهواً بنصري كم كنت استعراضية صغيرة وكانت العربة عادة مكتضة بأناس أنوفهم مدسوسة في الجرائد أو يحدقون في الفراغ أو ينظرون إلى أي مكان عدا وجه الشخص المقابل : بأستثناء هذه اللحظات , حين يلتفتون لينظروا ناحيتي اعتقد أنهم يضعون ابتساماتهم في جيوبهم ليخرجوها في المناسبات الخاصة كهذه
    (اجلسي - اغمضي عينيك ) كان والدي يضمني أكثر ( هاهي جائزتك قبلة من ملاكك ) وكنت اشعر بلمسة رهيفة على خدي وكنت أفتح عيناي فأراه مسترخياً بلا مبالاة في كرسيه يداه تحضنان رأسه من الخلف ولم يكن يخدعني وقتها فليس للملائكة لحية شائكة
    (دوركِ )
    كانت عيناي تمسحان العربة تغويلان المحتويات عن شيء ما جدير بعمر ابي وحكمته
    (ألمحُ بعيني الصغيرة شيء يبدأ بحرفي P.R)
    لا .لا أعرف
    وفي هذه اللحظة يحبط بيده على جبهته
    ( ياللذكاء لم أعرف حتى أنك تعرفين تلك الكلمات )
    وكان حينها يجذبني بيديه الدبيتان الكبيرتان عازفاً على خصري وكأنني بيانو ثم يطويني أحياناً أخرى كنت أقف في المرر غارسة أصابع قدمي شاعرة محركة القطار تحت رجلي يهدر فوق القضبان أو كنت أسند رأسى على جدار العربة وأحس بحركة القطارتعبرني تفكك فكي ترّجُ اسناني تهز صديقتي المفضلة دليلة في حضني .احيان أخرى يضع أبي أوراقه جانباً وكنت أجلس في حضنه ودليلة في حضني وكان يلف يديه حولي وكنَّا ننظر من النافذة أو داخل انفسنا في تأمل صامت نلتفت فقط لننتظر ربما إمرأة تمر من خلال الباب المفتوح رائحة عطرها تعبق في الهواء ثم تهمي برقة في السكون ربما رجل أعمال يوازن حقيبته وجهاز كمبيوتر تنؤ كتفك بحملها مثل رجل فقير في حقل أرز.
    تمنيت أن أكون تلك المرأة بشفتيها الياقوتتين تلك المرأة العابقة بالورود ولا أعرف ماذا تمني أبي وما إذا رغب أن يكون ذلك الرجل وكنت أراقب البيوت تمر واحدا تلو الآخري والأشجار وأعمدة الكهرباء أوقات مثل هذه كان العالم ما أراقبه يمرق أمامي العالم علي عجلات أو على لوحة متحركة ونكون لازلنا ساكنين و دواخلنا هادئة حياناً يكون انعكاسي ما أراه في الزجاج الأسود وكل شيء معكوس وكانت عيناي وفمي يتساءلون , لماذا عندما أنظر الآن في مرآة الرؤية الخلفية ستركز عيناي على ذاتهما ففي نطاق الخطوط المستقيمة لازالت تلك الاسئلة وشيء آخر .
    كان والدي يخفيني سراً ,ولا أدري لماذا أعتقد بسبب أمي ففي المناسبات حين كانت تكالمني من نيوزيلندا, كانت كتفاه ترتفعان كوحش متأهب للانقضاض وعندما تذهب كان الوحش يغادر جسده , وينحني ظهره ليغمرني في حضنه وكنت أحس أنني أصبحت مجرد غصة في حلقه .
    حتى الآن , أحلم بالمشردين في زكائب نومهم وملابسهم الوسخة ومشقة حياتهم منحوية على وجوههم كنا نمضي عبر ضواحي وانفاق تفوح منها روائح البول والغائط .
    كنت حينها أنظر إلى القضبان وأراقب الفئران تفر مذعورة أنظر إلى الملصقات سودتها مرور أسبوعين أعد الدقائق , أراقب النقاط المضيئة في لوحة الأعلانات تتغير ( 3دق , 2 دق , 1 دق ) فيمكنك أن تسمع القطار قادماً هادراً في النفق ثم تبين لك عيناه المدورتان المضيئتان وكنت أميل أماماً والتفت نحوه وكنت اتخيلني أميل أكثر وأرى مشاهد لباتريك سوايزي يقفز بين القطارات في فيلم ( شبح ) وكانت الريح ترفع شعري وكنت أحس بنفسيث خفيفة جداً واسقط على القضبان مثل طرحة عروس وأشعر برغبة شديدة أن أمد يدي وأمررها على جانب القطار فيما يصطف متوقفاً في محطته أدرت أن أشعر بملاسة حديد العربة المتسارعة
    عندما كنت أذهب للعب عند ماندي كنا نسند ضهرينا إلى غسالتهم المليئة اثناء دورانها وكنا نشعر بملابسنا تنزلق عن سطحها الأملس وعن ضهرينا وعن دفء الآلة اثناء تدويمها وكان جسدانا يرتجان معها مرة أفرغت ماندي حوض الاسماك الذهبية ولبسته في رأسها فكنا رائدتي فضاء ارسلتا إلى الفضاء في وقت آخر كنا ( بوني وكلايد) وكنا جاحظتي العينين ولسانينا يتدليان من فمينا .
    لكن لا شيء في داخلي أخبرني أن ثمة أدعاء وفقد حيث ليس ثمة رجوع لذا على أرصفة القطارات وفي الانفاق بقيت على ما يرام طالما خلف الخط الأصفر حتى آنذاك عرفتُ أن ( الماذا - لو ) كانت خطرة وكان عليَّ الانتباه للحفرة
    كان والدي يمسك يدي ويجثم إلى جواري (إلى أي حد تحبني ? ) كنت أسأل بادئة لعبة أخرى (إلى هذا الحد ) وهذا شرع ذراعي إلى وسعهما ويسع ذراع حزين لبنت في السابعة (إلى هذا الحد )كان أبي يوسع ذراعيه .
    ( أهذا ما لديك )
    ( بوسع عربة القطار )
    وكنت أمطر شفتي وانتظر إليه غير مقتنعة
    (بطول كامل القطار ..بأتساع الكون كله !)
    أحياناً أحلم أبي يفتح ذراعيه على وسعهما حاضناً العالم ويقول أنه يحبني إلى هذا الحد , ويخطو إلى مقدمة القطار , ويمشى على أمتداده , رجل فضي شفاف لم يكن يعي أنه ميت حتى يصل إلى نهاية القطار , ويقف هناك ينظر إليَّ واقف أنا هناك أنظر إلى القضبان .
    إلى حيث رميت حقيبتي يأتيني صوتي من بعيد من الماضى
    ( بابا , دليلة وقعت بابا , انقذها ) والتفت لأخفي بسمتي المرائية (بابا ! بابا أرجوك!!)
    فجأة لم تعد لعبة أنا أجذب طرف ساق بنطاله بقوة لأنني أفكر أنها قد تهوت أفكر أنني قد أكون قتلتها .
    تبعثر وجه دليلة المحطم على القضبان وسيحدث هذا مراراً وتكراراً في أحلامي ,وفي الواقع , لاحقاً رأيت وجه ولد صغيراً محطم جسده منشطر إلى اثنين ولم يكن بسببي كان هذا في نشرة الاخبار ولكن لازال وجه دميتي المحطمة وعينا أبي أحياناً أراه يدغدغني جسدي يترامى ثم ينمو يدان تدلكان أعمق فأعمق أتوقف عن القهقهة لقد أدخل ذراعه في جسدي يده تجذب قلبي محولة صدري إلى دُميّه متحركة .
    (تدُينين لي بواحد )بهمس لي بنعومة حتى أخالني لا أسمع الكلمات .
    أحياناً يهمس لي فقط شفتاه تُمسان جلدي (لماذا فعلتها ? ) يسألني (لماذا ? )
    نفسه أرق وأنعّم مداعبة ألف ذراعي حول نفسي محاولة لملمة القطع لكنني كبيرة الآن وقد احدودبت إلى ما كان طول والدي في الثالثة والثلاثين من عمره وضحفت البشرة المحيطة بعيناي من كثرة ما حكت براجمي العظم ( معتصرة الماء من الحجر ) أطلو شفتي بلون الياقوت وأمرر لساني على فمي بحذر كيلا أترك علامات بقع دم على اسناني وإذا صعدت إلى القطار لربما يلتفت الناس نحوي ولربما يعبق عطري في الهواء .
    لازلت أراه أحياناً يأتيني في نوبات أبي والقطار , أبي داخل القطار أبي تحت القطار شيء احببته يقتل الآخرتوقفت عن النظر إلى القضبان متساءلة (ماذا - لو ) وانتقلت إلى أوكلاند حيث لانستعمل القطارات , وحيث ابتكر لنفسي يوميات مجموعة ذكريات دحرجة الانسياب في قدمي وضحكة أمي أعرف الآن العالم واقف وأنا آمضى أنا أمضي.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    أوراق



    الكاتب : جون أبدايك

    ترجمة :كاظم الحلاق


    أوراق الأشجار خارج نافذتي تبدو رائعة بشكل استثنائي، إنها كغريب تقترب مني، بعد ظلام طويل من الاستغراق في الذات والخوف والخجل من حياتي التي أعيشها. تلك الأشياء جميلة، لأنها لا تعتمد على كوارثنا، وباستمرار تحافظ على دقتها العملية، ووفرتها الإبداعية التي تحققها دون جهد، والتي هي من سمات وخصوصية الطبيعة.

    الطبيعة هذا الصباح تبدو رائعة جدا، حيث يمكن تحديدها بانها ذلك الشيء الذي يوجد دون شعور بالإثم، إن أجسادنا في الطبيعة، أحذيتنا وأربطتها بطرفها البلاستيكي الصغير. كل شيء بتعلق بنا وما حولنا في الطبيعة، ومع هذا فان ثمة شيء ما يبعدنا عنها، كتيار الماء المندفع للأعلى والذي يمنعنا من ملامسة القاع الرملي وهو يتضلع ويضيء بأجزاء هلالية من قشرة المحار، الواضحة جدا لعيوننا.

    طائر أبو زريق(1) يحط على الغصن خارج نافذتي، انه يبدو ثابتا للحظات وهو يقف برجليه المنفرجتين، قائمتاه الخلفيتان باتجاهي، رأسه ساكن تقريبا في صورته الظلية، الأنحاء المفترس لمنقاره منطبعا في الفضاء الأبيض فوق المستنقع المضبب الداكن، انظرْ له، اني أراه، مانعا نفسي من متابعة سلسلة أفكاري. مددت يدي عبر الزجاج ومسكته وطبعته على الورقة، الآن اختفى، ومع ذلك ثمة بضعة سطور، في الأعلى انه ما زال منفرج الرجلين، كفله الأسمر، رأسه متجمد، خدعة رائعة و ربما غير مفيدة، لكنها خاصتي.

    أوراق العنب حينما لا تكون متداخلة في ظلال بعضها انها ذهبية، أوراق كامدة اللون، تأخذ ضوء الشمس دون ان تعكسه، محولة الضوء المحض بجموع أطيافه ومصدره الحياتي، إلى باستيل اصفر كالذي يستخدمه الأطفال في ألعابهم. هنا وهناك ثمة ذبول تحولي، وذلك المتبقي يشع في لون برتقالي متوهج واللون الأخضر للأوراق التي لا زالت طرية، يواصل اخضراره حتى الخريف. اذا تطلعنا محدقين عبر ضوء الشمس فاننا نرى الخضرة الشاحبة للعروق الدقيقة. ظلال هذه الأوراق تسقط على بعضها، وبالرغم من انها مضطربة وغير منتظمة في الريح التي ترسل خشخشة كانسة ومسرعة عبر السقف، ومع هذا انها مختلفة وواضحة إلى حد ما، منطوية على عدد لا يحصى من الإيحاءات المتوحشة، سيوف، أجسام ناتئة، رماح بحواف بارزة متشعبة وخوذ مخيفة، على أية حال في النتيجة النهائية انها غير شريرة. بل على العكس ان تعقيدها يوحي بالإيواء والانفتاح. الدفء والنسيم يدعواني إلى الخارج، عيناي ترتادان الأوراق في البعيد، إنني محاط بالأوراق، أشجار السنديان بأكف صغيرة من اللون البرتقالي، أشجار الدردار بأرياش ضئيلة من الأصفر المبهج، أشجار السماق بلون وردي متوحش. إنني مأخوذ بالهدوء والكون متوهجا بالأوراق. ومع ذلك فان شيئا ما يجرني للوراء، عائدا بي إلى عتمتي الداخلية حيث الإثم هو الشمس.

    الأحداث بحاجة إلى إيضاح، لقد أخبرت بأنني أتصرف بعبث وهذا يحتاج إلى وقت لدمج هذا التعبير الجمعي مع حقي التام في القيام بأفعالي الخاصة، على أية حال، اعترف بأنني أخطأت، الأفعال تجسدت، ومتى ما توضحت الأحداث فأن الأفعال تكون لها دوافعها، وتعطى المواقف النفسية للممثلين، الأخطاء ستضاف والشذوذ سيسمى، وان كل النمو الصاخب والغير معتنى به سيشذب بواسطة الشرح واصول النمو المتجذرة في التاريخ، ثم يعود ثانية كما كان، إلى الطبيعة. ماذا أذن؟ أليس هكذا رجوع زائف؟ا بمقدور أرواحنا دخول ملاذ زمن الفناء والغرق برباطة جأش بين انحلال الأوراق؟ لا: اننا نقف في تقاطع مملكتين وليس ثمة تقدم او تقهقر، فقط حافة مستدقة حيث نقف.

    أتذكر بوضوح حاد سواد ثوب زوجتي عندما غادرت منزلنا لتحصل على الطلاق، كان الثوب من الساتان الأسود الناعم وبتطريز عند الرقبة، وكانت هيلين تبدو فاتنة فيه، انه ينسجم وشحوبها، هذا الصباح خاصة كانت رائعة، كان وجهها أشهب كليا ومتعبا، ومع ذلك بقي جسدها ذلك الشيء العائد للطبيعة متجاهلا كارثتنا، وظل مظهرها وإيماءاتها اعتيادية دون تنافر، قبلتني بشكل خفيف وهي تغادر، وكلانا شعر بان دعابة هذه الرحلة غير فعالة، بعكس أية رحلة من رحلاتها إلى بوسطن لحضور السمفونية أو إلى بانويت، كانت تتحرك بنفس طريقتها في البحث عن مفاتيح السيارة، نفس الإرشادات السريعة لحاضنة الأطفال، ونفس إمالة رأسها المندفع وهي تجلس وراء مقود السيارة. في النهاية كنت راضيا، مطلقا، دارسا وضع أطفالي بعيني شخص تركهم، فاحصا منزلي كشخص يسترجع لقطات فوتوغرافية لزمن لا يستعاد، سائقا سيارتي حول الحديقة المتعطفة مثل رجل يرتدي سترة واقية ويقطع طريقه عبر النار، كنت أتوقع بان زوجتي تبكي الا انها كانت تبتسم، مذهولة إلا انها جريئة، وأحسست برعب لم اقدر على إيقافه، العتمة الداخلية مزقت أحشائي واحاطت بنا كلانا وأغرقت حبنا.ارتد قلبي للوراء، وما زال، لقد تقهقرت، العالم الطبيعي الذي انوجد فيه حبنا كفّ عن الوجود، عدت بسيارتي، أوراق الأشجار على امتداد الطريق أخبرتني عن أشكالها. ليس ثمة قصة لتقال، عبر التلفون مسكت ظهر زوجتي، وسحبتها من سواد ثوبها ناحيتي، ثم استعديت للألم.

    الألم لم يتوقف عن المجيء، كل يوم تقريبا، حصة جديدة تأتي بالبريد، أو بواسطة وجه ما، او بالتلفون، كل يوم لم يتوقف الهاتف عن الرنين، كنت أتوقعه ان يفكّ بعض الاشتباك الجديد للنتائج، جئت للاختفاء في هذا النزل، ولكن حتى هنا، ثمة هاتف، وأصوات الريح وغصون الأشجار الآزة، وحيوانات غير مرئية مشحونة بصمتها الكهربائي، ففي أية لحظة قد تنفجر آلامي وسيُحجب الجمال الغريب للأوراق ثانية.



    بعصبية نهضت ومشيت عبر الأرضية، عنكبوت ابيض نجمي الشكل يتعلق في الهواء أمام وجهي، تطلعت إلى للسقف فلم اقدر أن أرى أين كان يعلق خيطه، كان السقف من الجص الناعم، العنكبوت توانى، لقد شعر بحضور جسم غريب ضخم، أرجله البيضاء البديعة امتدت باحتراس وبوزنه الخاص كان بتعلق مدوّما حول خيط لا مرئي. اصطدت نفسي اقف بطريقة طريفة وعتيقة الطراز لمخرّف(2) ناشدا ان يتعلم درسا من العنكبوت وصرت واعيا لنفسي، ثم أقصيت وعيي النفسي وحضرت بشكل جاد هذه اللحظة.. النجمة الممفصلة والمعلقة بشكل مدبب أمام وجهي، عاجزا عن قراءة الدرس، العنكبوت وأنا كنا متجاورين لكننا متعارضين كونيا، عبر الفجوة التي تفصل بيننا نشعر بالخوف فقط، الهاتف لم يرن. العنكبوت أعاد النظر في دورانه، الريح واصلت تحريك ضياء الشمس، في التمشي خارج النزل طبعتُ الأرضية ببضع أوراق ميتة انضغطت بتسطح كقصاصة كامدة اللون.

    وماذا تكون هذه الصفحات سوى أوراق؟ لماذا أنتجها، لا لشيء سوى لتندفع بواسطة الخلق الذاتي إلى الطبيعة، حيث لا إثم؟ الآن المستنقع يمتد كسجادة، انه مخطط باللون الأخضر الداكن وسط مسحة من اللون البني، الأصفر، الأحمر، الأسمر، الكستنائي، وفي الجانب البعيد، حيث الأرض ترتفع فوق مستوى المياه، الأشجار دائمة الخضرة تقتحم الفضاء بتجهم، وخلفها ثمة هضبة زرقاء اللون منخفضة، في هذا الإقليم الساحلي، الهضاب متواضعة جدا لدرجة انها لا تحمل أسماء، لكني أراها للمرة الأولى خلال شهور، اني أراها كأصابع طفل تتشبث بجدار عال وخشن بينما رقبته ممدودة وهو ينظر إلى سقف احد البيوت.

    تحت نافذتي يبدو المرج أخضر وبأعشاب هزيلة وهو يمتزج بالأوراق المتساقطة من شجرة الدردار الصغيرة، اني أتذكر كيف جئت في المرة الأولى لهذا النزل، مفكرا بأنني تركت منزلي ورائي، ذهبت للسرير وحيدا وشرعت في القراءة، كشخص يقرأ كتب متفرقة في منزل مستعار، بضع أوراق من طبعة قديمة ل( أوراق العشب)، كان نومي متقلبا، لدرجة اني خلال اليقظة شعرت كأنني ما زلت أقرا في الكتاب، ضوء السماء يرتجف عبر الأغصان العارية لشجرة الدردار الفتية، يبدو انها صفحة أخرى لوالت ويتمان، ومن ثم كنت متفتحا بشكل كلي وضائعا كامرأة مشبوبة العاطفة، حرة وواقعة في الحب، دون ظل في أي زاوية من كينونتي، كانت يقظة رائعة، ولكن في الليلة القادمة عدت إلى منزلي.

    الظلال المتوحشة الجاثمة على أوراق العنب انتقلت، وزاوية الرؤية تبدلت، اني أتخيل الدفء يتكأ على الباب، افتح له الباب لأدعه يدخل، ضياء الشمس بتسطح يسقط على قدميّ كشخص نادم.


    ___________

    1- طائر صغير ازرق اللون من فصيلة الغراب، الا انه اصغر حجما منه( المترجم).

    2- واضع الخرافات على السنة الحيوانات( المورد).

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    فانكا


    أنطوان تشيخوف





    في ليلة عيد الميلاد لم ينم الصبي فانكا جوكوف ابن الاعوام التسعة والذي اعطوه منذ ثلاثة أشهر للاسكافي الياخين ليعمل صبيا لديه. وانتظر حتي انصرف أصحاب البيت والاسطوات الي الصلاة فاخرج من صوان الاسكافي محبرة وقلما بسن صديء، وفرش أمامه ورقة مجعدة وراح يكتب. وقبل أن يخط أول حرف نظر الي الباب والنوافذ بحذر، وتطلع بطرف عينه الي الأيقونة الداكنة التي امتدت عن جانبيها أرفف محملة بالنعال، وزفر زفيرا متقطعا. كانت الورقة مبسوطة علي الاريكة، أما هو فقد جثا علي ركبتيه أمامها. وكتب:
    'جدي العزيز قسطنطين مكاريتش! أنا اكتب اليك خطابا. اهنئكم بعيد الميلاد وأرجو لك من الله كل الخير. أنا ليس لدي أب أو أم، ولم يبق لي غيرك وحدك'.
    وحول فانكا بصره الي النافذة المظلمة التي عكست ضوء شمعته المتذبذب، وتخيل بوضوح جده قسطنطين مكاريتش الذي يعمل حارسا ليليا لدي السادة لدي السادة آل جيفارف. هو عجوز صغير نحيل الا انه خفيف الحركة بصورة غير عادية، في حوالي الخامسة والستين، ذو وجه باسم دائما وعينين ثملتين. كان نهارا ينام في مطبخ الخدم أو يثرثر مع الطاهيات، أما في الليل فيطوف حول بيت السادة متدثرا بمعطف فضفاض من جلد الحمل ويدق علي صفيحة. ومن خلفه يسير مطأطأي الرأسين الكلبة العجوز 'كاشتانكا' والكلب 'فيون' الذي سمي هكذا للونه الاسود وجسده الطويل كالنمس.
    كان هذا ال 'فيون' مهذبا ورقيقا بصورة غير عادية، وكان ينظر بنفس الدرجة من التأثر سواء لاصحابه أم للغرباء، ولكنه لم يكن يحظي بالثقة. كان يخفي تحت تهذيبه واستكانته خبثا غادرا الي أقصي حد. فلم يكن هناك من هو أحسن منه في التلصص في الوقت المناسب ليعض الساق، أو التسلل الي المخزن، أو سرقة دجاجة من بيت فلاح. وقد حطموا له ساقيه الخلفيتين غير مرة، وعلقوه مرتين، وكانوا يضربونه كل أسبوع حتي الموت، ولكنه كان يبعث من جديد.
    وربما يقف الجد الآن أمام البوابة ويزر عينيه وهو يتطلع الي نوافذ كنيسة القرية الساطعة الحمرة، ويثرثر مع الخدم وهو يدق الارض بحذائه اللباد. والصفيحة التي يدق عليها معلقة الي خصره،. ويشيح بيديه ثم يتململ من البرد، ويضحك ضحكة عجوز ويقرص الخادم تارة والطاهية تارة أخري.
    ويقول وهو يقدم للفلاحات كيس تبغه:
    الا ترغبن في استنشاق التبغ؟
    وتستنشق الفلاحات ويعطسن، ويستولي علي الجد اعجاب لا يوصف ويقهقه بمرح ويصيح:
    بقوة والا لزقت!
    ويقدمون التبغ للكلاب لتشمه. وتعطس 'كاشتانكا' وتلوي بوزها، وتبتعد مغضبة. اما 'فيون' فلا يعطس تأدبا، بل يهز ذيله. والجو رائع. الهواء هاديء، وشفاف ومنعش.
    والليل حالك ومع ذلك تلوح القرية كلها بأسقف منازلها البيضاء وأعمدة الدخان المنبعثة من المداخن، والاشجار وقد كساها الثلج ثوبا فضيا، وأكوام الثلج. والسماء كلها مرصعة بنجوم تتراقص بمرح، ويبدو درب التبانة واضحا وكأنما غسلوه قبل العيد ودعكوه بالثلج.. وتنهد فانكا، وغمس الريشة في الحبر ومضي يكتب:
    'بالأمس ضربوني علقة، شدني المعلم من شعري الي الحوش وضربني بقالب الاحذية لاني كنت اهز ابنه في المهد فنعست غصبا عني. وفي هذا الاسبوع امرتني المعلمة ان اقشر فسيخة، فبدأت اقشرها من ذيلها، فشدت مني الفسيخة وأخذت تحك رأسها في وجهي. والاسطوات يسخرون مني ويرسلونني الي الخمارة لشراء الفودكا ويأمرونني أن اسرق الخيار من بيت المعلم، والمعلم يضربني بكل ما يقع في يده. وليس هناك أي طعام، في الصباح يعطونني خبزا، وفي الغداء عصيدة، وفي المساء أيضا خبزا، اما الشاي أو الحساء فالسادة وحدهم يشربونه. ويأمرونني ان أنام في المدخل، وعندما يبكي ابنهم لا أنام ابدا وأهز المهد. يا جدي العزيز، اعمل معروفا لله وخذني من هنا الي البيت في القرية. لم اعد احتمل ابدا... اتوسل اليك وسوف اصلي لله دائما، خذني من هنا والا سأموت..
    وقلص فانكا شفتيه ومسح عينيه بقبضته السوداء واجهش.
    ومضي يكتب: 'سأطحن لك التبغ، واصلي لله، واذا بدر مني شيء اضربني كما يضرب الكلب.
    واذا كنت تظن انه ليس لي عمل فسأرجو الخولي بحق المسيح أن يأخذني ولو لتنظيف حذائه، أو اعمل راعيا بدلا من فيدكا. يا جدي العزيز، لم اعد احتمل ابدا، لا شيء سوي الموت. أردت أن اهرب الي القرية ماشيا ولكن ليس لدي حذاء واخشي الصقيع، وعندما اصبح كبيرا فسوف اطعمك مقابل هذا ولن اسمح لاحد أن يمسك، واذا مت يا جدي فسأصلي من أجل روحك كما أصلي من أجل أمي بيلاجيا.
    وموسكو مدينة كبيرة.. والبيوت كلها بيوت أكابر، والخيول كثيرة، وليس هناك غنم، والكلاب ليست شريرة. والاولاد في العيد لا يطوفون بالبيوت منشدين ولا يسمح لأحد بالذهاب للترتيل في الكنيسة. ومرة رأيت في أحد الدكاكين، في الشباك، صنانير تباع بخيوطها لصيد كل أنواع السمك، عظيمة جدا، بل وتوجد صنارة تتحمل قرموطا وزنه بوذ. ورأيت دكاكين فيها مختلف أنواع البنادق التي تشبه بنادق السادة، ويمكن الواحدة منها تساوي مائة روبل.. وفي دكاكين اللحوم يوجد دجاج الغابة وأرانب، ولكن الباعة لا يقولون أين يصطادونها.
    يا جدي العزيز، عندما يقيم السادة شجرة عيد الميلاد خذ لي جوزة مذهبة وخبئها في الصندوق. قل للآنسة أولجا اجناتيفنا انها من أجل فانكا'.
    وتنهد فانكا وسمر عينيه في النافذة من جديد. وتذكر أن جده كان دائما يذهب للغابة لاحضار شجرة عيد الميلاد ويصحب معه حفيده. يا له من عهد سعيد! كان الجد يتنحنح والثلج يتنحنح وفانكا يتنحنح مثلهما. وكان يحدث أن الجد، قبل أن يقطع الشجرة، يجلس ليدخن الغليون، ويشم التبغ طويلا وهو يضحك من فانكا المقرور.. وشجيرات عيد الميلاد الشابة تقف ملفعة بالثلج وساكنة وهي تنتظر أيها التي ستموت؟ وفجأة يمرق أرنب كالسهم عبر أكوام الثلج.. ولا يستطيع الجد أن يمسك نفسه عن الصياح:
    امسك، امسك.. امسك!
    آه، يا شيطان يا ملعون، ثم يسحب الجد الشجرة المقطعوة الي منزل السادة، حيث يشرعون في تزيينها.. وكانت الآنسة اولجا اجتاتيفنا التي يحبها فانكا، هي التي تشغله اكثر من الجميع، وعندما كانت أم فانكا بيلاجيا علي قيد الحياة وتعمل خادما لدي السادة، كانت اولجا اجتناتيفنا تعطي لفانكا الحلوي، ولما لم يكن لديها ما تعمله فقد علمته القراءة والكتابة والعد حتي مائة، بل وحتي رقصة الكادريل، ولما ماتت بيلاجيا، ارسلوا فانكا اليتيم الي جده في المطبخ مع الخدم، ومن المطبخ الي موسكو عند الاسكافي الياخين...
    ومضي فانكا يكتب: 'احضر يا جدي العزيز، استحلفك بالمسيح الرب أن تأخذني من هنا. اشفق علي أنا اليتيم المسكين، لان الجميع يضربونني، وأنا جوعان جدا، ولا استطيع أن أصف لك وحشتي، وابكي طول الوقت. ومن مدة ضربني المعلم بالنعل علي رأسي حتي وقعت ولم افق الا بالعافية. ما أضيع حياتي، اسوأ من حياة أي كلب.. تحياتي لاليونا ويجوركا الاحول، والحوذي، ولا تعط الهارمونيكا لأحد. حفيدك دائما ايفان جوكوف، احضر يا جدي العزيز'.
    وطوي فانكا الورقة المكتوبة اربع مرات ووضعها في مظروف كان قد اشتراه من قبل بكوبيك.. وفكر قليلا ثم غمس الريشة وكتب العنوان:
    إلي قرية جدي
    وحك رأسه وفكر، ثم أضاف: 'قسطنطين مكاريتش'. وارتدي غطاء الرأس وهو سعيد لأن أحدا لم يعطله عن الكتابة، ولم يضع المعطف علي كتفيه، بل انطلق الي الخارج بالقميص فقط...
    كان الباعة في دكان الجزار الذين سألهم من قبل قد اخبروه ان الرسائل تلقي في صناديق البريد، ومن الصناديق تنقل الي جميع انحاء الارض علي عربات بريد بحوذية سكاري وأجرس رنانة.
    وركض فانكا الي أول صندوق بريد صادفه، ودس الرسالة الغالية في فتحة الصندوق.
    وبعد ساعة كان يغط في نوم عميق وقد هدهدت الآمال الحلوة روحه.. وحلم بالفرن. كان جده جالسا علي الفرن مدليا ساقيه العريانتين وهو يقرأ الرسالة للطاهيات.. وبجوار الفرن يسير 'فيون' ويهز ذيله...

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الـــوردة



    بقلم : البرتو مورافيا

    ترجمة: وفاء شوكت

    في شهر أيار، كانت توجد في حديقة هذا البيت الصغير في الضاحية، بالقرب من أشجار الورد، صفوف من الملفوف. كان المالك، وهو عجوز متقاعد، يعيش وحيداً مع طاهيته، يخلع سترته عند الغسق، ويلبس مئزراً من القماش المخطّط وينكش الأرض بالمعول، ويشذِّبها، ويسقيها ساعة، في انتظار وجبة العشاء. وكانت نساء الحيّ تستطيع رؤيته، وهن عائدات مساءً من الحدائق العامَّة مع أطفالهن، من خلال قضبان الشبكة المعدنية، فيما هو يوجِّه الفوارة على المساكب حاملاً خرطوم الماء بيده. وكان الرجل المتقاعد يقطف، من حينٍ لآخر، ملفوفةً، ويعطيها لطاهيته؛ أو يقص بالمقراض بعضاً من تلك الورود، ويضعها في زهرية في منتصف الطاولة، في قاعة الطعام. وعندما يجد وردة جميلة جمالاً خاصاً، كان الرجل المتقاعد يحملها إلى غرفته، ويضعها في كأس بعد ملئها بالماء، ويضعها على منضدةٍ قرب سريره. وكانت الوردة تبقى في الماء تنظر إلى رأس سرير العجوز، حتى تسقط أوراقها، وتتفتَّح كل بتلاتها مثل الأصابع، وتكشف عن قلبها الأشقر والوَبِر. لكن المتقاعد لم يكن يرمي الوردة إلا عندما يجد بتلاتها منثورةً على رخام المنضدة، ولا يوجد في الماء الذي فتر والمليء بالفقاعات سوى الساق المليئة بالأشواك.‏

    وفي صباح أحد أيام شهر أيار، انقضَّت سيتونية(1) مذهَّبة كبيرة، تتبعها ابنتها التي لا تزال شابة، بعد أن حلَّقتا سدىً في حدائق المنطقة، ولم تجدا أية زهرة وقد شاهدتا، من بعيد، مساكب المتقاعد، انقضتا على ورقة شجرة زعرور جرماني، عريضة وقاسية؛ وهنا قالت الأم لابنتها بعد أن استردَّت أنفاسها: "ها قد وصلنا إلى نهاية تجوالنا. فإذا ما انحنيتِ ونظرت إلى الأسفل، سترين زهرات عدة لا تنتظر سوى مجيئك. فنظراً لصغر سنِّك، أردت حتى الآن مرافقتك ونصحك في اختيار الورود وعلاقاتك معها... كنت أخشى أن تتعرض صحتُكِ الجسدية والنفسية للخطر بفعل حداثة الأحاسيس وعنفها إضافة إلى النهم الخاص بشبابك، لكنني وجدت أنكِ سيتونية عاقلة، مثل باقي سيتونيات عائلتنا، وقرَّرت أن الوقت قد حان، من الآن فصاعداً، لكي تعتمدي على نفسك وتحلِّقي بأجنحتك نحو الورود التي تفضلين؛ فمن الأوفق إذاً أن نفترق نهاراً كاملاً؛ وسنعود ونلتقي على ورقة شجرة الزعرور هذه. لكنني سأعطيكِ قبل أن نفترق، بعض التوصيات. تذكّري أن السيتونية خلقت لتلتهم الورود. أو، على العكس، خلق الله الورود كي تتغذّى السيتونيات عليها. وبخلاف ذلك، فلسنا نجد لماذا تصلح هذه الورود. وإذا لم تجدي ورداً، أمسكي وامتنعي عن الطعام، فمن الأفضل تحمّل الجوع على مسّ غذاءٍ غير جدير بعِرقنا. ولا تصدِّقي مغالطات دود الأرض والرعاع الآخرين، الذين يدَّعون أن جميع الورود جيدة. هذا ما يبدو، في أول الأمر لكن بعد ذلك تنكشف بعض الأمور. وبعد أن ينقضي زمن الشباب، تكشف السيتونية التي انحطت، النقاب عن جميع نقائص انحطاطها المخجلة؛ وعليها، بعد أن يتم إبعادها عن قومها أن تقاوم صحبة الخنافس والزنابير والطفيليات، وقائمة طويلة أخرى من الهَنات(2). لأن الوردة، يا صغيرتي، هي غذاء إلهي، قبل أن تكون غذاءً مادياً. ومن جمالها، تنهل السيتونية جمالها هي. إنها أشياء غامضة، ولن أعرف أن أقول لكِ أكثر من ذلك. وأعرف ببساطة، أن بعض القوانين، التي تدعى، بدقةٍ، إلهية، لم تُنْتَهك أبداً دون عقاب. لكنكِ لست بحاجة لمثل هذه التحذيرات، فأنتِ سيتونية سويَّة ونزيهة، وتحكمين بالفطرة على بعض الأشياء. فإلى اللقاء، يا صغيرتي، إلى اللقاء هذا المساء." وبعد أن عبَّرت عن أفكارها على هذا النحو، طارت الأم الشجاعة، لأن وردة قرمزية ضخمة، تفتَّحت أوراقها قبل هنيهة، كانت الآن تستهويها، وتخشى أن تسبقها إليها سيتونية أخرى، أو أن تستميل صراحة، ابنتها.‏

    وبقيت السيتونية الفتيَّة بضع دقائق أخرى على ورقة شجرة الزعرور تتملَّى حديث أمها. ثم طارت بدورها.‏

    إن أحداً آخر غير السيتونية، لا يمكنه أن يتصوَّر ما هي الوردة لسيتونية. فتخيَّلوا الزرقة في شهر أيار، تجتازها موجات شمسية بطيئة، في حديقة مزهرة. وها هو سطح منتفخ وأبيض يظهر أمام عيني السيتونية المحلِّقة والتي يداعب ظلّها بتضاريسه المُهيبة، ويتوِّج الضوء حوافه المتألِّقة؛ سطح واسع وناعم، مماثلٍ لسطح ثدي مثقل بالحليب. إنها الورقة الخارجية لوردة بيضاء، لا تزال منغلقة، لكنها عريضة عند الأطراف، وتكشف عن أوراق أخرى متراصَّة وملتوية بعضها على بعض. وقد أثار هذا البياض الشاسع والبكر، الذي اكتسح فجأةً سماء عينيّ السيتونية، هيجاناً شرهاً، فاتناً ولاهثاً. وكان أول اندفاع شعرت به، هي أن تنقضَّ برأسها أولاً، على هذا اللحم الرائع غير المحمي، وتنهشه، وتمزِّقه لتدمغه بندبة استحواذها المسبق عليه. لكن حدسها أوحى لها بطريقة أكثر نعومة لولوج الوردة؛ وها هي تتشبَّث بحوافي ورقةٍ مفرطة وتتسلل إلى داخل الوردة. كان في الإمكان رؤية جسم السيتونية الأخضر- الذهبي برهة، مماثلاً ليد تندس بين أغطية سرائر من الكتَّان الأبيض، يتخبَّط بيأس، محاولاً شق طريقٍ لنفسه؛ ثم اختفى تقريباً، واستعادت الوردة، المنتصبة على ساقها، مظهرها المألوف، شبيهةً بفتاة شابة، تحتفظ تحت مظهر البراءة العذرية، بالسر الحارق لأول عناقٍ غراميّ لها. لكن، فلنتبع السيتونية في قرارة الوردة. كل شيء حولها ظلام؛ لكنه ظلام نديّ، ذكيّ الرائحة وناعم؛ ظلام يحيا ويخفق في ثناياها الخفيَّة، مثل ثنايا فمٍ مُشْتَهى؛ والسيتونية ذاهلة بعطر الوردة، مبهورة ببياضها الذي تسبره بين البتلات التي تنطبق ثانيةً، وقد اهتاجت بليونة هذا اللحم. وهي ليست سوى رغبة، كما أن الوردة ليست سوى غرام؛ وبحبٍّ جنوني فطري، بدأت تلتهم الأوراق. ليس الجوع، كما قد يُظن خطأ، ما يدفعها إلى تمزيق البتلات وخرقها، لكنها الرغبة المجنونة في الوصول إلى قلب الوردة بأسرع وقتٍ ممكن. إنها تعصر بين براثنها، وتمزِّق، وتقطِّع، وتخزق، وتجزِّئ. وفي الخارج، لا يشك أحد بأمر هذا الولوج المجنون؛ وتحتفظ الوردة المنتصبة والبِكْر تحت ضوء الشمس، بدون خجلٍ، بسرِّها. لقد كسرت السيتونية، في أثناء ذلك الوقت، بهيجانٍ متزايد، غلاف الوردة الأول، والثاني والثالث. وبمقدار ما كانت تلج، كانت الأوراق تصبح أكثر نعومة، وأزكى رائحة، وأكثر بياضاً. وشعرت السيتونية بأنه سيغشى عليها من المباهج، وأن قواها ستخور تقريباً، وتضرب ضربةً أخيرة ببراثنها، وتفتح في متراس البتلات القاتم، فتحة نهائية، وتُدْخِل رأسها أخيراً في الفرو الأبيض والمُسْكِر لغبار الطلع. وستبقى هنا، دائخة، ضائعة، منهكة وكأنها ميتة، في هذه الظلمات الندية والمعطّرة؛ لن تتحرَّك، وستبقى جامدة، ساعات، وأياماً كاملة. أما، في الخارج، فلم يُفْشِ أدنى ارتعاش للأوراق، تحت براءة أشعة شهر أيار، سرَّ الوردة المثير.‏

    هذا هو قدَر السيتونية. لقد كانت هذه الشابَّة التي أعطتها أمها نصائحها التي تظنُّها غير ضرورية، تشعر في الواقع بأنها مختلفة، اختلافاً لا يُحدّ نهائياً، عن رفيقاتها من جنسها. شيء لا يصدَّق، لكنه صحيح: كانت الورود لا تعني لها شيئاً. وكانت سيتونيتنا تشعر، شعوراً عارماً، بأنها مدفوعة لتغيير هذه المشاعر الوراثية والحارَّة، التي تشعر بها السيتونيات نحو أجمل الورود المعطَّرة، منذ الأزمنة السحيقة، إلى اختيارات باردة وخشنة. كانت السيتونية قد اكتشفت باكراً جداً ميولها، ورأت، في مبادرةٍ أولية، أن تكاشف أمها بالأمر. لكنها فيما بعد، ومثلما يحدث دائماً في هذه الحالة، شعرت بالذعر من صعوبة اعترافٍ كهذا، وفي الوقت ذاته ومع شكِّها بالعلاج الأمومي، عدلت عن ذلك. وحاولت جاهدة ولثقتها بقدراتها الشخصية، إصلاح نفسها بنفسها. وهكذا حاولت متنقِّلة من وردةٍ إلى وردة، تحت عيني أمها العطوف، الحصول مع الرضى على هذه الرغبات التي كانت فطرتها ترفض إعطاءها لها. جهد ضائع. فما أن كانت تدخل بين الأوراق حتى تتوقَّف سريعاً، وكأنها مشلولة، وليس فقط غير مبالية، بل صراحةً، عرضة لنفورٍ لا يقاوم. وكان هذا اللَّحم الناعم يبدو لها مغموساً بشهوةٍ لزجة وعسليَّة، والروائح كعفونات مختلطة، والبياض كظلٍّ نجسٍ وفاحش. وكانت تحلم، وهي لا تزال جامدة ومشمئزَّة، بالملفوف الأخضر الطازج والشهي. فالملفوف لا يتزيَّن بألوان البطاقات البريدية المزيَّفة، ولا يتعطَّر بعطر البتشولي(3) المقزِّز والمريب، ولا يعرض بمحاباة هذه العذوبة المغثية. وقلب الملفوف مثير للشهية، يلتوي وهو يتعرَّج بين التِلَع(4)، ورائحته رائحة العشب والندى الصحيِّ، ولونه أخضر زاهٍ. كانت السيتونية تلعن في قلبها، الطبيعة التي جعلتها مختلفة عن ممثِّلات جنسها الأخريات؛ أو بالأحرى ما جعل جميع السيتونيات الأخريات مختلفات عنها. أخيراً، وعندما وجدت أن إرادتها لا تساعدها على النجاح في شيء، وأنها حاولت جاهدة إرغام نفسها كثيراً ولم تستطع حب الورود، قررت ألا تقاوم ميولها أبداً، بل أن تستسلم لها صراحةً. كانت تفكر أحياناً، محاولة تبرئة نفسها بطريقة مغالطة، وإنامة ضميرها تقول: "وفضلاً عن ذلك، ما هو الملفوف؟ إنه وردة خضراء... إذاً، لماذا لا أحبُّ الملفوف...؟"‏

    بعد كل ما قيل، من السَّهل تصوُّر ملاحظات السيتونية الشابة، حول ورقة شجرة الزعرور، حيث تركتها الأم لتطير نحو وردة شهواتها. ولكي نسلّط الضوء على مأساة هذه النّفْس، سنروي بعضاً منها: "شيء حزين أن نُخْلق مختلفين عن الجمهور. لا نعرف لماذا، ولا نعرف كيف يصبح الفرق، فجأة، دونيةً، خطيئةً، وجريمة. ومع ذلك، لا يوجد بين الجمهور وبيني سوى علاقة عدد. مصادفة كون السيتونيات، في غالبيتهن العظمى يحببن الورود؛ من الجيد إذاً، أن نحب الورود. نهج جميل في التفكير. أنا، مثلاً، أحب الملفوف ولا شيء آخر سوى الملفوف. إنني مكونَّة على هذا النحو، ولا أستطيع أن أتغيّر."‏

    ومن غير المجدي، من جهةٍ أخرى، نقل أفكار السيتونية التعيسة كاملةً. يكفي القول، كي نبتّ في أمر تفكيرها الطويل إنها طارت نحو شجرة الزعرور، وبعد عدة جولات استكشافية، ذهبت لتحط على ورقة أكبر ملفوفة موجودة، لونها أخضر-مزرق، منتفخة، ومليئة بالضلوع والتجاعيد. وكي لا تلفت الأنظار إليها، تظاهرت بأنها حطّت على الخضرة لترتاح. وبالتالي، اتخذت وضعاً متراخياً؛ فجلست على جنبها وأسندت رأسها على قائمتها. وكان نعم الرأي، لأن سيتونيتين طائشتين مفعمتين بالحيوية، ظهرتا بعد برهة، وأخذتا ترفرفان حولها. ثم صاحتا ثملتين: "ألن تأتي؟ إننا ذاهبتان إلى الورود." ولحسن الحظ أنهما لم تهتَّما في عجلتهما بمراقبة رد السيتونية على دعوتهما. ................وبعد أن ألقت السيتونية نظرة خاطفة حولها، ولحظت عدم ظهور أي سيتونية في الأفق، تظاهرت بأنها تعثَّرت بضلعٍ من أضلع ورقة الملفوف، وتركت نفسها تتدحرج باتجاه قلب الخضرة. وخلال ثانية واحدة، وبعد أن أحدثت فتحةً بضرباتٍ تشنُّجية في الورقة السمينة والغشائية، اختفت داخل قلبها المجعَّد.‏

    وماذا نقول أكثر من ذلك؟ هل علينا أن نتوقَّف عند وصف الهيجان الذي فتحت به السيتونية طريقاً لها داخل الملفوفة، وقد أصبحت حرة أخيراً في إطلاق غرائزها المكبوتة، وقد انتشت بالنتانة النباتية التي كانت تفوح من قلب النبتة الشحيم، وكيف وصلت إلى قلب الأوراق البارد واللَّزج؟ وكيف بقيت طوال النهار في الداخل، خائرة القوى، وأمضت فيه نهار سكرٍ وعربدةٍ حقيقيين؟ ....... وعند المساء، انسحبت السيتونية، على مضض، بالممر الذي حفرته في قلب الملفوفة، كما هو مقرَّر، وطارت نحو شجرة الزعرور، إلى المكان الذي حدَّدته أمها لموعدهما. فوجدتها منحنية، تنظر حولها، قلقة لأنها لم ترها تظهر. سألت الأم الشجاعة ابنتها سريعاً كيف سارت الأمور خلال النهار؛ فردت السيتونية صراحة، بأن كل شيء تمَّ على أحسن ما يرام: فالورود متوفِّرة بكثرة. وتفحَّصت الأم وجه ابنتها؛ لكنها اطمأنّت تماماً لملاحظتها بأنه صافٍ وبريء مثلما هو دائماً. قالت لها عندئذٍ: "تصوَّري بأن فضيحة قد تفجّرت... لقد شوهدت سيتونية تدخل تحت أوراق، أكاد لا أجرؤ على أن أكرِّر الكلمة، ملفوفة." وزايدت الابنة قائلة: "يا للهول"؛ لكن سرعة دقات قلبها بدأت تشتد، وأضافت: "ومن كانت؟" أجابت الأم: "لم يستطيعوا تبيُّنها. شاهدوها تدخل تحت الأوراق، وهي تخبِّئ رأسها فيها... لكن، تبعاً لأغمدتها يُظَنُّ أنها فتيّة. شقيّة هي الأم التي جعلها حظها العاثر تلد بنتاً كتلك. وأعترف لكِ بأنني لو كنت أعلم أن لابنتي ميولاً مماثلة، لمتُّ من الألم." وردّت البنت قائلة: "إنكِ على حق. إنها أشياء يرفض العقل حتى تصوّرها." فقالت الأم: "هيا بنا." وطارت السيتونيتان في فتور الغسق، نحو حدائق أخرى، وهما تثرثران.‏


    " عن الفرنسية"‏

    (1)- سيتونيه (حشرة تشبه الزيز، من مغمدات الأجنحة).‏

    (2)- هَنَة (ما يرميه الصيادون من صغار السمك).‏

    (3)- بتشولي (عشب عَطِر).‏

    (4)- تلعة ج تِلَع (ما علا من الأرض).‏

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الموت أقوى من الحبّ


    غابرييل غارسيا ماركيز




    عندما وجد السيناتور أونيسمو سانشيز المرأة التي انتظرها طوال عمره، كان لا يزال أمامه ستة أشهر وأحد عشر يوماً قبل أن توافيه المنية. وكان قد التقاها في روزال دل فيري، وهي قرية متخيّلة، كانت تستخدم كرصيف ميناء سري لسفن المهربين في الليل، أما في وضح النهار، فكانت أشبه بمنفذ لا فائدة منه يفضي إلى الصحراء، وتواجه بحراً قاحلاً لا اتجاه له، وكانت قرية نائية وبعيدة عن أي شيء، إلى درجة أن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون بوسع أي انسان أن يغيّر مصير أي فرد من سكانها. حتى أن اسمها كان يثير الضحك نوعا ما، وذلك لأن الوردة الوحيدة الموجودة في تلك القرية كان يضعها السيناتور أونيسمو سانشيز في سترته عصر ذلك اليوم الذي التقى فيه لورا فارينا.
    وكانت كذلك محطة إجبارية في الحملة الانتخابية التي كان يقوم بها السيناتور كلّ أربع سنوات. فقد كانت عربات الكرنفال قد وصلت في الصباح الباكر، ثم تبعتها الشاحنات التي تقل الهنود الذين كانوا يُستأجرون ويُنقلون إلى المدن الصغيرة لزيادة عدد الحشود في الاحتفالات العامة وتضخيمها. وقبل الساعة الحادية عشرة بقليل، وصلت السيارة التابعة للوزارة التي يشبه لونها لون مشروب الفراولة الغازي، بالإضافة إلى السيارات التي تقل الموسيقيين، والألعاب النارية، وسيارات الجيب التي تقل أفراد الحاشية. أما السيناتور أونيسمو سانشيز، فكان يجلس مسترخياً في سيارته المكيّفة، لكنه ما أن فتح باب السيارة، حتى هبّت عليه نفحة قوية من اللهب، وعلى الفور تبلل قميصه المصنوع من الحرير الصافي، وأصبح وكأنه قد غمس في حساء فاتح اللون، واعتراه شعور بأنه كبر عدة سنوات، وأحس بالوحدة على نحو لم يشعر به من قبل. في الحياة الحقيقية، كان قد بلغ الثانية والأربعين من العمر، وكان قد تخرّج من جامعة غوتينجين بدرجة شرف كمهندس في استخراج المعادن. كان قارئاً نهماً للأعمال الكلاسيكية اللاتينية المترجمة ترجمة ركيكة. وكان السيناتور زوج امرأة ألمانية متألقة أنجبت له خمسة أطفال، وكانوا جميعهم يعيشون بسعادة في بيتهم، وكان هو أكثرهم سعادة إلى أن أخبروه، منذ ثلاثة أشهر، بأنه سيموت ميتة أبدية قبل أن يحل عيد الميلاد القادم.
    وفيما كانت التحضيرات للاجتماع الحاشد على وشك أن تُستكمل، تمكّن السيناتور من الاختلاء بنفسه لمدة ساعة في البيت الذي كانوا قد أعدّوه له ليرتاح فيه. وقبل أن يتمدد على الفراش، وضع الوردة التي حافظ عليها طوال رحلته عبر الصحراء في كأس مليء بمياه الشرب، وابتلع الحبوب التي أخذها معه ليتحاشى تناول قطع لحم العنز المقلّي التي كانت تنتظره أثناء النهار، وتناول عدّة حبوب مسكّنة قبل وقتها المحدد خشية أن يعتريه الألم. ثم وضع المروحة الكهربائية قرب الأرجوحة واستلقى عارياً لمدة خمس عشرة دقيقة في ظلّ الوردة، وبذل جهداً كبيراً كي يبعد فكرة الموت عنه كي يغفو قليلاً. وفيما عدا الأطباء، لم يكن أحد يعرف أن أمامه أياماً معدودات سيعيشها، لأنه قرّر أن يبقي سرّه طي الكتمان، وأن لا يغيّر شيئاً في حياته، لا بدافع من الكبرياء، بل بسبب الخجل والخزي.
    أحسّ أنه يمتلك زمام أموره عندما خرج للقاء الجمهور للمرة الثانية في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، مرتاحاً ونظيفاً، وهو يرتدي بنطالاً من الكتّان الخشن، وقميصاً مزّهراً، وكانت الحبوب المضادة للألم قد ساعدته في إضفاء شيء من السكينة على روحه. غير أن التآكل الذي كان الموت يحدثه فيه أكثر خبثاً مما كان يظن، لأنه ما أن صعد إلى المنصة، حتى اعتراه شعور غريب بالازدراء للذين كانوا يسعون جاهدين لأن يحظوا بشرف مصافحته، ولم يشعر بالأسف، كما في السابق، على جموع الهنود الذين قلما كان بوسعهم تحمّل جمرات نترات البوتاسيوم الملتهبة تحت أقدامهم الحافية في الساحة الصغيرة المجدبة. وبحركة من يده أوقف التصفيق، بغضب تقريباً، وبدأ يتكلم دون أن تبدو على وجهه أية تعابير محددة. وكانت عيناه مثبتتين على البحر الذي كان يئن تحت وطأة لهيب الحرارة. وكان صوته العميق الموزون يشبه المياه الراكدة، لكنه كان يعرف أنه لم يكن يقول الصدق في الخطاب الذي كان قد حفظه عن ظهر قلب، والذي كان قد ألقاه أمام الجموع مرات كثيرة، بل كان يناقض أقوال ماركوس أوريليوس صاحب النزعة الجبرية في كتاب تأملاته الرابع.
    "إننا هنا لكي نلحق الهزيمة بالطبيعة"، بدأ خطابه بخلاف كلّ قناعاته. " لن نصبح لقطاء في بلدنا بعد الآن، أيتام الله في عالم العطش والمناخ الرديء، منفيين في أرض آبائنا وأجدادنا. بل سنكون أناساً مختلفين، أيها السيدات والسادة، سنكون أناساً عظماء وسعداء".
    كان ثمة نمط معين في هذا السيرك الذي يقوم به. ففيما كان يلقي كلمته، كان مساعدوه يلقون بمجموعات من الطيور الورقية في الهواء، فتدّب الحياة في هذه المخلوقات الاصطناعية، وتحلّق حول المنصة المنتصبة من ألواح خشبية، وتطير باتجاه البحر. وفي الوقت نفسه، كان رجال آخرون يفرغون بعض جذوع الأشجار من الشاحنات، ويغرسونها في تربة نترات البوتاسيوم وراء الجموع الحاشدة. وكانوا قد أقاموا واجهة كرتونية من بيوت خيالية من الآجر الأحمر ذات نوافذ زجاجية، وأخفوا وراءها الأكواخ الحقيقية البائسة.
    أطال السيناتور خطابه مستشهداً باقتباسين اثنين باللغة اللاتينية ليطيل أمد المهزلة. ووعد الحشد بآلات تصنع المطر، وبأجهزة نقّالة لتربية حيوانات المائدة، وبزيوت السعادة التي تجعل الخضراوات تنمو في تربة نترات البوتاسيوم، وبشتلات من أزهار الثالوث المزروعة في أصص. وعندما رأى أنه استطاع أن يخلق عالمه الخيالي، أشار إليه بيده، وصاح بأعلى صوته: "ذاك الدرب سيكون دربنا، أيها السيدات والسادة. انظروا! ذاك الدرب سيكون لنا".
    التفت الحشد. كانت سفينة مصنوعة من الورق الملّون تعبر وراء البيوت، وكانت أطول من أعلى بيت في المدينة الاصطناعية. وعندها لاحظ السيناتور، أنها بعد أن شُيدت وأُنزلت وحُملت من مكان إلى مكان آخر، التهم الطقس الشنيع البلدة الكرتونية المتداخلة، وكادت تصبح سيئة كما هو حال قرية روزال دل فيري.
    وللمرة الأولى منذ اثتني عشرة سنة، لم يتوجه نلسن فارينا ليرحب بالسيناتور. بل كان يستمع إلى خطاب السيناتور وهو مستلق على أرجوحته في ما تبقى من قيلولته، تحت ظلال عريشة البيت ذي الألواح غير المستوية، الذي بناه بيديّ الصيدلي اللتين جرّ فيهما زوجته الأولى والتي قطعّها إلى أشلاء. ثم هرب من جزيرة الشيطان، وظهر في روزال ديل فيري على متن سفينة محمّلة بببغاوات بريئة من نوع المقو، برفقة امرأة سوداء جميلة كافرة، كان قد التقى بها في باراماريبو وأنجب منها فتاة. لكن المرأة ماتت لأسباب طبيعية بعد فترة قصيرة، ولم تلق مصير المرأة الأخرى، التي ساهمت أعضاؤها المقطعّة إرباً في تسميد قطعة الأرض المزروعة بالقنبيط، بل ووريت التراب بكامل جسدها، محتفظة باسمها الهولندي، في المقبرة المحلية. وقد ورثت الابنة لون أمها وقوامها الجميل، فضلاً عن عينيّ أبيها الصفراوين المندهشتين، وكان يحق له أن يعتقد أنه كان يربّي أجمل امرأة في العالم.
    ومنذ أن اجتمع بالسيناتور أونيسمو سانشيز خلال حملته الانتخابية الأولى، طلب منه نلسن فارينا أن يساعده في الحصول على بطاقة هوية مزورة تجعله في منأى عن قبضة القانون. إلا أن السيناتور رفض بطريقة ودّية، ولكن حازمة. غير أن نلسن فارينا لم يستسلم، بل ظل ولسنوات عديدة، وكلما أتيحت له الفرصة، يكرّر طلبه بأساليب مختلفة. أما هذه المرة، فقد بقي في أرجوحته، وقد كتب عليه أن يتعفّن حياً في عرين القراصنة اللاهب ذاك. وعندما سمع التصفيق الأخير، رفع رأسه، وأخذ يتطلع من فوق ألواح السياج، ورأى الجانب الخلفي من المهزلة: الدعائم التي أُحضرت للمباني، جذوع الأشجار، والمخادعين المتوارين الذين يدفعون السفينة فوق المحيط. ثم بصق بإحساس مفعم بالحقد والازدراء.
    وبعد أن ألقى كلمته، أخذ السيناتور كدأبه يجوب شوارع القرية وسط أنغام الموسيقى والأسهم النارية، وقد تحلّق حوله سكان القرية، الذين راحوا يبثون له شكاويهم ومشاكلهم. وكان السيناتور يصغي إليهم باهتمام وود شديدين ولم يكن يتورع عن مواساة كلّ فرد منهم، دون أن يقدم لأي منهم أي خدمات هامة. وتمكنت امرأة تقف على سطح أحد المنازل مع أطفالها الستة الصغار من أن تُسمعه صوتها وسط الضجيج وأصوات الأسهم النارية.
    "إني لا أطلب الكثير، أيها السيناتور"، قالت"، "حمار واحد فقط لأتمكن من سحب الماء من بئر الرجل المشنوق".
    لاحظ السيناتور الأطفال النحاف الستة وسألها: "ماذا حدث لزوجك؟"
    "ذهب يبحث عن الثروة في جزيرة أروبا"، أجابت المرأة بروح دمثة، "وعثر على امرأة أجنبية، من النوع الذي يضع الماس في أسنانهن".
    أحدث الجواب عاصفة من الضحك.
    "حسناً، قرّر السيناتور، " ستحصلين على حمارك".
    وما هي إلا لحظات، حتى أحضر أحد مساعديه حماراً مزوداً بسرج جيد إلى بيت المرأة، وقد دُوِّن على كفله شعار من شعارات الحملة الانتخابية بطلاء لا يمكن إزالته لكي لا ينسى أحد أبداً أنه هدية من السيناتور.
    وعلى امتداد الشارع القصير، قام ببعض الأعمال الصغيرة الأخرى، بل وحتى قدم ملعقة دواء للرجل المريض الذي أمر بإخراج سريره ووضعه عند باب بيته كي يتمكن من رؤية السيناتور عندما يمرّ.
    في الزاوية الأخيرة تلك، ومن خلال ألواح السياج، رأى نلسن فارينا وهو مستلق في أرجوحته، وقد بدا شاحباً وكئيباً، لكن ومع ذلك، حيّاه السيناتور دون أن يبدي له أية مشاعر بالمودّة.
    "مرحباً، كيف حالك؟"
    التفت نلسن فارينا من فوق أرجوحته ورمقه بنظرته المفعمة بالارتياب والغّل.
    "أنا، كما تعرف"، قال.
    خرجت ابنته إلى الباحة عندما سمعت التحية.
    كانت ترتدي فستاناً هندياً رخيصاً من نوع غواجيرو، وكانت تزّين رأسها أقواس ملوّنة، وكانت قد دهنت وجهها بأصباغ لتقيه من أشعة الشمس. إلا أنه، حتى في وضعها السيئ ذاك، يستطيع المرء أن يتصور أنه لا توجد امرأة أخرى في جمالها على وجه البسيطة كلها. وقف السيناتور منقطع الأنفاس وقال بدهشة: "اللعنة. يفعل الله أكثر الأشياء جنوناً".
    في تلك الليلة، جعل نلسن فارينا ابنته ترتدي أجمل ثيابها، وبعث بها إلى السيناتور. وطلب منها الحارسان المسلحان بالبنادق اللذان كانا يهزان رأسيهما من شدة الحرارة في البيت المستعار، أن تنتظر على الكرسي الوحيد في الردهة.
    كان السيناتور يعقد في الغرفة المجاورة اجتماعاً مع أناس على قدر من الأهمية في روزال دل فالي، الذين كان قد جمعهم لينشد على مسامعهم الحقائق التي لم يكن قد ذكرها في خطابه، والذين كانوا يشبهون إلى درجة كبيرة جميع من كان يلتقي بهم في البلدات الصحراوية كلها. وكان قد بدأ يعتري السيناتور الملل ويشعر بالتعب من تلك الجلسات الليلية التي لم تكن تتوقف. كان قميصه مبللاً بالعرق، وكان يحاول أن يجففه على جسده من التيار الحار المنبعث من المروحة الكهربائية التي كانت تصدر طنيناً كطنين ذبابة الفرس في وسط الحرارة اللاهبة التي تغمر الغرفة.
    قال: "بالطبع لا نستطيع أن نأكل طيوراً ورقية" ثم أضاف: "إنكم تعرفون، وأنا أعرف أن اليوم الذي ستنمو فيه الأشجار والأزهار في كومة روث العنزات هذه، وفي اليوم الذي سيحل سمك الشابل محل الديدان في برك الماء، عندها، لن يعود لكم، ولن يعود لي شيء هنا، هل تفهمون ما أقوله لكم؟"
    لم يحر أحد جواباً. وفيما كان السيناتور يتكلم، مزّق صفحة من التقويم، وشكّل منها بيديه فراشة ورقية، ثم ألقاها نحو تيار الهواء المنبعث من المروحة، فراحت الفراشة تتطاير حول الغرفة، ثم خرجت وانسلت عبر شق الباب الموارب. وتابع السيناتور كلامه، بعد أن تمالك نفسه، يساعده في ذلك الموت المتواطئ معه.
    وأضاف: "لذلك، لا يتعين عليّ أن أكرّر على أسماعكم ما تعرفونه جيداً: بأن انتخابي مرة أخرى هو لمصلحتكم أنتم أكثر مما هو لمصلحتي أنا، لأني سئمت المياه الراكدة وعرق الهنود، في الوقت الذي تكسبون فيه أنتم، أيها الناس، رزقكم منه".
    رأت لورا فارينا الفراشة الورقية وهي تنسرب من باب الغرفة. رأتها فقط لأن الحارسين في البهو كانا يغطان في النوم وهما جالسين على الدرج، يعانق كل منهما بندقيته. وبعد أن دارت عدة دورات، انفتحت الفراشة المثنية بكاملها، وارتطمت بالحائط، والتصقت به. حاولت لورا فارينا أن تقتلعها بأظافرها. إلا أن أحد الحارسين، الذي استيقظ على صوت تصفيق منبعث من الغرفة المجاورة، لاحظ محاولتها العقيمة.
    "لا يمكنك اقتلاعها"، قال بفتور، "إنها مرسومة على الحائط". عادت لورا فارينا وجلست عندما بدأ الرجال يخرجون من الاجتماع. وقف السيناتور عند مدخل الغرفة ويده على المزلاج. ولم يلحظ لورا فارينا إلا عندما أضحت الردهة خاوية.
    "ماذا تفعلين هنا؟"
    قالت: "لقد أرسلني أبي".
    فهم السيناتور . أمعن النظر في الحارسين النائمين، ثم تمعّن في لورا فارينا، التي كان جمالها الفائق يفوق ألمه، وهنا عرف أن الموت هو الذي اتخذ قراره نيابة عنه.
    "ادخلي" قال لها.
    وقفت لورا فارينا والدهشة تعتريها عند مدخل الغرفة: كانت آلاف من الأوراق النقدية تتطاير في الهواء، تخفق كالفراشات. لكن السيناتور أطفأ المروحة، فتوقفت عن السباحة في الهواء وأخذت تتهاوى وتتساقط فوق قطع الأثاث في الغرفة.
    "كما ترين"، قال مبتسماً، " حتى الخراء يمكن أن يطير".
    جلست لورا فارينا على المقعد المدرسي. كانت بشرتها ناعمة ومشدودة، وبلون النفط الخام وكثافته، وكان شعرها مثل عرف فرس صغيرة، وكانت عيناها الواسعتان تمنحان بريقاً أكثر لمعاناً من وهج الضوء. وتبع السيناتور مسار نظرتها ووجد أخيراً الوردة التي تلوثت بنترات البوتاسيوم.
    قال: "إنها وردة".
    "نعم" قالت وفي صوتها نبرة ارتباك. "لقد شاهدتها عندما كنت في ريوهاتشا".
    جلس السيناتور على السرير العسكري، وراح يتحدث عن الورود فيما بدأ يفك أزرار قميصه. وعلى الجانب الذي كان يخيّل إليه أن قلبه موجود فيه داخل صدره، كان قد رُسم وشم في شكل قلب يخترقه سهم. ألقى القميص المبلل على الأرض وطلب من لورا فارينا أن تساعده في خلع حذائه الطويل.
    جثت أمام السرير. لم يبعد السيناتور عينيه عنها وهو يتمعن فيها بدقّة، وفيما كانت تفكّ رباط حذائه، كان يتساءل من منهما سيكون سيء الحظ من لقائهما هذا.
    قال: "إنك مجرد طفلة".
    قالت: "قد لا تصدق. سأبلغ التاسعة عشرة من عمري في شهر نيسان القادم". أبدى السيناتور مزيداً من الاهتمام.
    "في أيّ يوم؟"
    قالت: "في اليوم الحادي عشر".
    أحس السيناتور بأنه أصبح أفضل حالاً، ثم قال: " ننتمي كلانا إلى برج الحمل"، ثم أضاف مبتسماً:
    "إنه برج العزلة".
    لم تكن لورا فارينا تبدي اهتماماً بما كان يقوله لأنها لم تكن تعرف ماذا تفعل بالحذاء. أما السيناتور، فلم يكن يعرف ماذا يفعل بلورا فارينا، لأنه لم يكن قد اعتاد مثل علاقات الحبّ المفاجئة هذه، كما أنه كان يعرف أن أصل هذه العلاقة يعود إلى الذل والمهانة. ولكي يتاح له قليل من الوقت للتفكير، أمسك لورا فارينا بإحكام بين ركبتيه، وضمها حول خصرها، واستلقى على ظهره فوق السرير. ثم أدرك أنها كانت عارية تحت ثيابها، بعد أن انبعثت من جسدها رائحة قوية من عطر حيوان الغابة، لكن قلبها كان واجفاً، وكسا جلدها عرق جليدي.
    "لا أحد يحبّنا"، قال متنهداً.
    حاولت لورا فارينا أن تقول شيئاً، لكن لم يكن لديها من الهواء سوى قدر يكفيها كي تتنفس. جعلها تستلقي بجانبه ليساعدها، وأطفأ الضوء وأصبحت الغرفة في ظلّ الوردة. استسلمت إلى رحمة قدرها. وراح السيناتور يداعبها ببطء، يسعى إليها بيده، يلمسها لمساً خفيفاً، لكنه صادف شيئاً حديدياً يعوق طريقه في البقعة التي كان يسعى إليها.
    "ماذا تضعين هناك؟"
    قالت: "قفل".
    "لماذا بحق السماء!" قال السيناتور غاضباً وسأل عن الشيء الذي يعرفه جيداً. "أين المفتاح؟"
    تنفست لورا فارينا الصعداء.
    أجابت: "إنه موجود عند أبي"، وأضافت: "لقد طلب مني أن أخبرك بأن ترسل أحداً من رجالك للحصول عليه، وأن ترسل معه وعداً خطياً بأنك ستحلّ مشكلته".
    ازداد السيناتور توتراً. ودمدم ساخطاً: "يا له من ضفدع ابن زنى". ثم أغمض عينيه ليسترخي وألقى بنفسه في الظلام. تذكّر، تذكّر، سواء كنت أنت أو شخصاً آخر، فلن تمضي في هذه الحياة فترة طويلة وستموت حتى لن يبقى أحد يلهج باسمك.
    انتظر حتى تلاشت القشعريرة التي اعترته.
    سألها: "قولي لي شيئاً واحداً: ماذا سمعت عني؟"
    "هل تريد أن أقول الحق؟"
    "الحق".
    قالت لورا فارينا: "حسناً، إنهم يقولون إنك أسوأ من الآخرين لأنك مختلف".
    لم ينزعج السيناتور. لاذ بالصمت لفترة طويلة وهو مغمض العينين. وعندما فتحهما ثانية، بدا أنه أفاق من أكثر غرائزه المثيرة للخوف.
    ثم قرّر: "أوه، بحقّ السماء، قولي لأبيك ابن العاهرة بأنني سأحلّ مشكلته".
    "إذا أردت، يمكنني أن أذهب وأجلب المفتاح بنفسي"، قالت لورا فارينا، لكن السيناتور أوقفها.
    قال: "انسِ أمر المفتاح، ونامي قليلاً معي. جميل أن يكون بصحبة المرء أحد عندما يكون وحيداً تماماً".
    ثم وضعت رأسه على كتفها، وعيناها مثبتتان على الوردة. طوّق السيناتور خصرها بذراعيه، ودفن وجهه في إبطها الذي تفوح منه رائحة حيوان الغابة، واستسلم للرعب. وبعد ستة أشهر وأحد عشر يوماً مات وهو في تلك الوضعية ذاتها، مُحتقراً ومُهاناً بسبب الفضيحة التي شاعت بأنه كان مع لورا فارينا وكان يبكي بحرقة لأنه مات بدونها.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    القلب الواشي



    الكاتب: ادجار آلان بو

    ترجمة:
    عيسى الشيباني


    نعم هذا صحيح.. أنا عصبي المزاج.. كنت عصبيا جدا. ولكني لست مجنونا.. لا لست مجنونا.. لا يسمى هذا جنونا. مرضي هذا جعل حواسي أكثر حدة.. لا لم يدمرها ولم يضعفها بل بالعكس زاد من سمعي.. سمعت كل ما دار في السماء من فوقي وفي الأرض من تحتي.. بل حتى سمعت الكثير مما دار في الجحيم.. فكيف إذن تتهمونني بالجنون؟ اسمعوا.. اصفوا الي.. سأروي لكم القصة من ألفها الى يائها.. لاحظوا.. لاحظوا ثقتي بنفسي وهدوء أعصابي وأنا أروي لكم قصتي..
    من المستحيل لأحد أن يعرف كيف دخلت الفكرة رأسي ولكن.. ولكن ما إن تبلورت الفكرة في رأسي حتى استحوذت على تفكيري وأصبحت تؤرقني ليل نهار.. لم.. لم يكن لدي سبب أو هدف للقيام بما فعلته.. ولكن.. كنت أحب الرجل العجوز... لم يظلمني أبدا.. ولم يسبق له أن أهانني يوما أبدا.. ولا تعتقدوا أن الذهب الذي يملكه أغراني.. لا.. لا.. لا!!! بل ما كان يهيج تفكيري أعظم من ذلك.. نعم.. أعظم.. انها.. انها عينه.. نعم.. هي.. هي عينه اللعينة.. ولا شيء غيرها.. كانت.. كانت.. عينه أشبه بعين النسر!! عين زرقاء شاحبة اللون.. كانت تحوي قصة ما.. نعم.. وحينما تنظر إلي أشعر ان الدم يتجمد في عروقي.. وبعد ذلك.. بدأت الأفكار تتكون في رأسي الفكرة تلو الأخرى وقليلا.. قليلا قررت.. نعم.. قررت أن أضع حدا لحياة هذا العجوز.. وهكذا.. هكذا أخلص نفسي من تلك العين اللعينة للأبد.. آه.. للأبد..
    والآن هذا هو المهم في الموضوع.. تظنونني مجنونا.. آه.. آه.؟. المجانين لا يعلمون شيئا أبدا.. ولو كنت قد رأيتموني فقط.. فقط كيف كنت أمضي بكل ثقة وحذر وبصيرة وكثيرا من التصنع عندما ذهبت لأداء ما أنوي فعله، لم أكن أبدا.. أبدا حنونا على الرجل العجوز مثلما كنت قبل أسبوع من قتله.. نعم.. كنت في غاية الهدوء.. وكنت في كل ليلة أي تقريبا في منتصف الليل أمسك مزلاج الباب وافتحه.. نعم.. بهدوء شديد وعندما أشعر ان
    فتحة الباب أصبحت كافية لأن أحشر رأسي، أضع فانوسا مظلما وكل شيء يكون مغلقا.. بل.. بل محكم الإغلاق.. حتى انه لا يرى أي ضوء ومن ثم أحشر رأسي. ها.. ها.. ها كنتم فعلا ستشعرون بالضحك لو رأيتم كيف أدخل رأسي بكل حذر وبعدها أمشي ببط ء شديد.. نعم شديد جدا جدا.. حتى لا أوقظ العجوز المسكين من نومه ها هاها.. ولكن هل تصدقون بأن ذلك استغرق مني ساعة كاملة حتى أستطيع ادخال رأسي من الباب وأرى العجوز وهو نائم بكل هدوء في فراشه... فاهاها.. ها ها هل تظنون بان هناك مجنونا يملك كل هذه الحصافة.. وبعدها وعندما تأكدت بأن رأسي كان داخل الغرفة تماما أطفأت الفانوس بحذر.. أوه بحذر شديد.. شديد جدا- لأنه كان يحدث شيئا من الصرير- أطفأته حتى لم يبق سوى شعاع خافت جدا وقع على عين النسر والتي كانت مغمضة وبذلك تعذر علي إتمام ما كنت أنوي فعله.. لأن ما كان يستثير غضبي ليس الرجل العجوز بل.. بل كانت عينه الشريرة وهذا ما فعلته طوال سبع ليال متواصلة ولكنني في كل مرة أجد عينه مغمضة.. ومع ذلك كنت في كل صباح، وعندما يبدأ النهار.. أذهب الى الغرفة بكل جرأة وأتكلم بكل شجاعة اليه.. أناديه يا عم.. وأستفسر منه كيف قضى ليلته. لاحظوا كم هو عجوز هذا الرجل.. فعلا ليراوده الشك بأنه كل ليلة.. وفي الساعة الثانية عشرة تحديدا.. أنظر اليه وهو نائم في كوخه.
    وفي الليلة الثامنة تحديدا كنت أكثر حذرا من بقية الليالي في فتح الباب.. هل تصدقون أن عقرب الدقائق في الساعة على الرغم من بطئه يتحرك بسرعة أكبرهما كنت افعل أنا.. لقد حدث ذلك فعلا وفي تلك الليلة فقط شعرت بمدى قوتي وحصافتي.. لم.. لم.. أكن قادرا على كتم شعور النصر الذي كان يتأجج بداخلي بمجرد تفكيري أنني مازلت هناك - أفتح الباب - شيئا فشيئا.. وهو لم يكن يحلم حتى بما كنت أنوي فعله أو ما أفكر فيه.. ضحكت بخبث على هذه الأفكار الجهنمية.. وربما سمعني لأنه تحرك فجأة في السرير كما لو أن شيئا أفزعه، أعلم أنكم ستفكرون أني هربت ولكن.. لا.. هيهات كانت غرفته سوداء حالكة الظلام كالفحم.. كان الظلام شديدا.. شديدا جدا - فالنوافذ كانت محكمة الإغلاق - وذلك خوفا من اللصوص ولذا عرفت بأنه لا يمكن رؤية فتحة الباب واستمررت أدفعه بثبات، ثبات شديد.. وبهدوء شديد.
    في تلك اللحظة كان رأسي أصبح داخل الغرفة تماما وكنت على وشك إشعال الفانوس، حين انزلق ابهامي من على الفانوس فنهض العجوز مفزوعا وصرخ "من هناك ؟ من ؟.." بقيت صامتا ولم أنبس بكلمة. لساعة كاملة لم أحرك حتى عضلة واحدة، وطوال ذلك الوقت لم يضطجع العجوز كان لايزال منتصبا في السرير يستمع.. وكما فعلت ليلة بعد أخرى، أجده.. يصغي لساعات الموت تتردد بين الجدران، وفي هذا الوقت سمعت تأوها وعرفت انه أنين الرعب والهلاك.. لا... لا لم تكن تلك صرخة ألم أو حزن لا.. بل هو ذلك الأنين الضعيف الذي ينبع من باطن الروح عندما تزيد رهبتها نعم.. نعم.. عرفت الصوت جيدا.. كان الكثير منه في تلك الليلة.. بل في منتصف كل ليلة.. وعندما يكون الجميع نياما.. يتدفق هذا الصوت من صدري عميقا ومخيفا جدا.. ذلك الرعب الذي لم يضايقني سواه وأنا أحاول إتمام ما كنت أنوي فعله.. أخبرتكم أني أعرف جيدا!! كنت أعلم ما هو إحساس العجوز وكنت أشعر بالشفقة تجاه هذا المسكين بالرغم من أني في الواقع كنت أضحك عليه وعلى طيبته الزائدة، عرفت أن المسكين كان مستلقيا ولكنه ظل يقظا بعد الهلع الذي سيطر عليه في المرة الأولى.. حينما انقلب في سريره. وكان رعبه يزداد لحظة إثر أخرى.. وكان.. وكان يحاول الا يعيرها أي اهتمام ولكن لم يستطع فعل ذلك. كان يردد في نفسه دائما لا شيء... لم يكن إلا صوت الرياح في المدخنة... أو لعله فأر يمشي على الأرض... لا... لا لا.... بل إنه صوت صر صار الليل. نعم... إنه... هو... دون جدوى... نعم دون جدوى... لأن الموت كان يطارده كظله بل أكثر من ذلك وكان تأثير الشعور بالموت، الموت على الضحية شديدا جدا... وكانت شدة تأثره تدعو للرثاء وهو في هذه الحالة المؤسفة عندما أحس بالظل على الرغم من انه لم يكن مرئيا... وهذا هو سبب هلعه - على الرغم من انه لم ير أو يسمع أي شيء- بل لم يشعر حتى بدخول رأسي في هذه الغرفة.
    وانتظرت طويلا كان لا يزال منصبا لم يحرك ساكنا... ولذلك وبهدوء كبير صممت علي فتح الباب قليلا واستطعت أن أحدث شقا صفيرا جدا جدا يدخل منه ضوء الفانوس.
    وهكذا فتحت الباب... ولا يمكنك أن تتخيل كيف أنه وبكل خلسة كنت أحاول إشعال الفانوس.. حتى أخيرا استطعت أن أشعل شعاعا خافتا مثل خيط العنكبوت، انطلق من الشق ووقع على عين النسر مباشرة.
    كانت الفتحة واسعة جدا.. جدا جدا، استطعت من خلالها النظر ولكني شعرت بالقشعريرة في عظامي عندما حدقت فيه.. ورأيت التباين التام في عينه كانت زرقاء باهتة بالكامل ولكني لم أستطع رؤية أي شيء من وجهه أو جسد الرجل العجوز فلقد وجهت الشعاع كما لو كان بالغريزة على العين الملعونة.
    ولكن ما لم أخبركم به ان ما كنتم تعتقدون خطأ انه جنون لم يكن إلا حدة في الحواس.... والآن أقول لكم هنالك وفي تلك اللحظة تهادى إلى أذني صوت ضعيف.. كان صوتا غامضا.. وسريعا.. مثل صوت عقارب الساعة عندما تكون مغطاة بالقطن... وكنت أعرف ذلك الصوت جيدا أيضا.. كان.. كان كانت نبضات قلب الرجل العجوز.. ولكنها زادت من خوفي كانت دقات قلب العجوز أشبه بصوت الطبول عندما تحفز الجنود للحرب. ومع كل ذلك جلست ساكنا وانتظرت. وكنت قليلا ما أتنفس.. حتى لا يحس العجوز بي. أمسكت بالفانوس وكنت خالي المشاعر، وأثناء ذلك زادت دقات قلبه البغيضة.. وكانت تزداد وبسرعة كبيرة... بسرعة !!!
    وكانت في كل مرة تزداد.. وتزداد... وتزداد.. ويبدو أن الرعب الذي كان يعيشه الرجل العجوز قد وصل حده.. وكان الصوت يزداد.. نعم.. يزداد.. كنت أسمعه جيدا.. كان يزداد في كل لحظة.. هل رأيتم ما فعلته.. لقد كنت مضطربا نعم لقد كنت كذلك. وفي تلك اللحظة وفي الساعة الأخيرة من الليل فكرت في أن أبدأ المهمة ولكن الخفقان بدأ يزداد وبدأ يتردد عاليا حتى أنني ظننت أن القلب سينفجر، وفي هذه اللحظة زاد اضطرابي... كان بإمكان الجيران سماع الصوت،، أخيرا، لقد.. لقد حانت ساعة العجوز وعينه اللعينة..!!!
    وبصرخة كبيرة.. اقتحمت الغرفة والمصباح في يدي.. فذهل العجوز المسكين وحاول الصراخ.. نعم لقد حاول فعل ذلك.. ولكنها.. لكنها كانت صرخة واحدة فقط ترددت بين جدران ذلك الكوخ.. فهويت عليه وطرحته أرضا.. وقلبت سريره الثقيل عليه.. بحركة واحدة.. وبعد هذا كله.. تملكني شعور بالزهو والفخر بما فعلته وأخذت في الضحك.. ها ها ها... ومن ثم اردت التأكد من موت العجوز زي العين اللعينة.. فأزلت السرير لأرى الجثة.. لقد.. لقد.. كان بلا حراك كالصخر.. كان ميتا فعلا.. ولكن ليزيد اطمئناني وضعت يدي على قلبه وتحسست نبضه لعدة دقائق.. لم يكن هناك أي نبض.. لم أحس بأي شيء أبدا.. وكانت مشكلتي في الوقت فقط.
    لم تظنون أني مجنون.. أخبركم للمرة الألف أن هذا ليس بجنون.. أوه.. أوه ليس جنونا.. أنا أعلم أنكم لن تستمروا في الظن بي عندما أصف لكم حكمتي التي طبقتها على هذا العجوز لاخفاء جثته من على البسيطة.. كنت دائما أعمل بجد.. وأول شيء فعلته.. هو تشويه الجثة حتى ضاعت معالمها فقمت بفصل رأسه ويديه ورجليه عن بقية جسده. وبعدها أخذت ثلاثة ألواح من أرضية الكوخ.. وضعت كل الأجزاء بين الخشب وبعدها.. أعدت وضع الألواح بذكاء حتى لا يمكن للعين البشرية أن ترى ما قد تم فعله.. حتى عينه هو.. لم يكن هناك أي بقايا من الجثة تستدعي تنظيف الكوخ.. لم يكن هناك أي نوع من الأوساخ أو أي قطرات دم.. كنت قلقا من ذلك.. ولكن حوض الاستحمام تكفل بذلك كله.. هاهاها.
    وعندما انتهيت من هذه المهمة كانت الساعة تشير إلى الرابعة، ولكن الجو في الخارج كان مظلما.. وكأنه منتصف الليل.. وعندما ضرب الجرس معلنا تمام الساعة سمعت طرقا على الباب.. ذهبت لفتح الباب وكنت أشعر بالارتياح لأنه لا يوجد الآن شيء أخاف منه. وهناك دخل ثلاثة رجال.. والذين قدموا أنفسهم.. أنهم محققون من الشرطة.. وأنهم جاءوا عقب إبلاغ جار الرجل العجوز عن سماعه صرخة أثناء الليل مما أثار شكه حول وقوع جريمة فظيعة في بيت العجوز المسكين. فأخبر الشرطة بما لديه من معلومات ومن ثم تم تفويضهم للبحث في المنزل وملحقاته للتأكد من ذلك. وابتسمت.. لا يوجد ما أخاف منه الآن؟ رحبت بالرجال وأوضحت لهم أن الصرخة كانت عندما كنت أحلم وصرخت في حلمي.. لقد كان الرجل العجوز- كما ذكرت لهم ~ غائبا عن البلدة.. أخذت هؤلاء الزائرين في كل انحاء البيت وقلت لهم أن يبحثوا.. يبحثوا جيدا.. في كل مكان.. على طول كوخه.. وأطلعتهم على الكنوز التي يملكها.. كيف هي آمنة ولم يلمسها أحد.. وفي قمة حماسي لثقتي الزائدة بنفسي أحضرت لهم كراسي إلى الغرفة.. ونصحتهم بان يرتاحوا قليلا من الإرهاق.. ووضعت الكرسي الذي أجلس عليه في البقعة التي توجد تحتها جثة الرجل العجوز..
    كان المحققون مرتاحين. وكأن طريقتي أقنعتهم.. وكانوا يتكلمون في أمور أخرى وأجاوب على أسئلتهم بكل سرور.. غير أن هذا لم يدم طويلا.. فقد شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلي.. وتمنيت لو أنهم ذهبوا.. أصبت بالصداع.. وتخيلت صوت رنين في أذني.. ولكنهم جلسوا يثرثرون ويثرثرون.. وبدأ الرنين يظهر أكثر وأكثر.. واستمر الصوت.. وكل مرة يتضح أكثر فأكثر.. حاولت التكلم بجدية وبصرت أعلى.. لأتخلص من هذا الشعور.. لكنه استمر.. وفي كل مرة يكتسب وضوحا..
    أكثر من ذي قبل.. وحتى اكتشفت بعد ذلك أن الصوت لم يكن في أذني.. لا.. لم يكن.. كذلك لم يكن هنالك شك أن الاضطراب بدأ يظهر علي.. ولكنني استمررت بالكلام بطلاقة لكثر.. ولكن الصوت لايزال.. يزيد.. ما الذي يمكنني فعله؟ كان صوتا منخفضا وبغيضا وسريعا.. كالذي يظهر من حركة عقارب الساعة عندما تكون موضوعة في وسط.. ثوب من القطن.. حاولت التنفس بشدة ومع ذلك لم يسمع المحققون ما كنت أفعله.. تكلمت بسرعة أكثر.. وعنف أكثر.. ولكن في كل مرة كانت الضوضاء تزيد أكثر وأكثر.. نهضت وبدأت أتحدث عن مواضيع تافهة. وقمت بحركات عنيفة.. مصاحبة لكلامي.. لكن الضوضاء.. ازدادت.. وكنت أتساءل لماذا لم يغادروا حتى الآن.. قطعت الأرض جيئة وذهابا.. بخطوات ثقيلة.. كما لو كنت متضايقا منهم.. وأخبركم الصراحة لقد كنت خائفا ومتضايقا من مراقبة الرجال لي ولكن الضوضاء كانت تزداد بسرعة كبيرة.أوه يا إلهي ما الذي يمكنني فعله؟ صرخت.. وانفعلت.. ولعنت.. ومسكت الكرسي.. وحطمته على جوانب الغرفة.. واستمر الصوت.. يطو.. ويطو.. ويطو.. ومازالوا يثرثرون بكل بهجة وابتسام.. هل من الممكن أنهم لم يسمعوا إلى الآن هذا الصوت.. يا الله.. لا.. لا.. أكيد أنهم قد سمعوا ذلك.. أنا متأكد.. اعتقد هذا.. نعم.. لقد علموا بكل شيء.. ولكنهم كانوا يسخرون من الفزع الذي كان يتملكني.. هذا ما اعتقدته وما أفكر فيه.. كل شيء يمكن تحمله.. إلا هذه السخرية.. لم استطع تحمل هذه السخرية أكثر من ذلك وشعرت أنه يجب علي أن اصرخ أو أن أموت ولكن.. ولكن.. مرة أخرى.. أسمع الصوت.. أعلى.. فأعلى.. ثم أعلى..
    "أيها الأشرار.. أيها المنافقون الكاذبون" هكذا صرخت فيهم بكل قوتي "لا اريد المزيد من هذا النفاق الزائف.. أي أعترف بما فعلته.. كسروا هذه الألواح الخشبية.. هنا هنا.. فقط يوجد.. هذا هذا.. الخفقان البغيض"..

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    التيوس


    فيكتور يروفييف




    الكاتب في سطور :

    * فيكتور يروفييف من مواليد موسكو عام 1947م أنهى كلية الآداب جامعة موسكو الحكومية عام 1970م . وفى عام 1973م حصل على الدكتوراه من معهد الأدب العالمى . بدأ شهرته بنشر مقالات عن ماركيز دى ساد فى مجلـة " قضايا الأدب " الروسية عام 1973م . له روايات وكتب نقدية عديدة منها " الجميلة الروسية " و " المحكمـة الرهيبة " و " زهور الشر الروسية " .



    ******



    ترجمة : أشرف الصبَّاغ


    حدث وأن أصبح الجميع ، عندنا فى روسيا ، على نحو ما ـ تيوسا .
    رؤساء العمل ـ تيوس .
    المرؤوسون ـ تيوس .
    الديمقراطيون ـ تيوس .
    الشيوعيون ـ تيوس .
    الانتلجنسيا ـ تيوس .
    الشباب ـ تيوس .
    العمال ـ تيوس .
    الروس الجدد ـ تيوس .
    المحالون على المعاش ـ تيوس .
    العلماء ـ تيوس .
    الفلاحون ، بالطبع ، أيضا ـ تيوس .
    فى الجيش ـ كلهم تيوس ، من الجنود إلى الجنرالات .
    ومن البديهى أن يكون الرئيس أيضا ـ التيس الرئيسى .

    كل ذلك ، مثل الوباء ، يوقظ بعض الشئ . وتكون النتيجة أننا نعيش فى دولة تيسية مطلقة ، حيث يتضح أن الغالبية العظمى منا تيوس مرتين وثلاث حينما يجمعون بين الأدوار المختلفة للتيوس . وعلى أية حال لم يكن الجميع فى الماضى تيوسا . فعلى سبيل المثال ، كان هناك استثناء لرواد الفضاء . ومن المشكوك فيه أن أحدا ما قد سمَّى جاجارين تيسا . ولكن صار رواد الفضاء الآن تيوسا أيضا . والشعراء ـ أيضا تيوس . والمغنون المشهورون على وجه الخصوص ـ تيوس . حتى الأجانب فـى روسيا ، أولئك الذين كانوا حتى وقت قريب يتمتعون بالامتيازات ، أصبحوا أيضا تيوسا لا تقل أو تزيد عن التيوس المحلية .

    من جهة أخرى ، فالكثير من الشخصيات الروسية التاريخية التى رحلت عنا ، من أمثال لينين ـ دخلت فى زمرة التيوس . لدينا ماض تيسى . وتَشَكَّل لدينا وضع تيسى ، حتى على الجبهة الجنسية . وإذا أخذنا فى اعتبارنا أن كمية غير قليلة من النساء الروسيات ترى أن الرجال الروس تيوس ، فالوضع يصبح أشد خطرا . وبالتالى فكل ما يجرى فى روسيا ـ أمر بديهى .

    التيس ـ كلمة كريهة ، سباب حاد ، أشد من كلمات السباب بالأم . ولعله أشهر سباب فى روسيا فى يومنا هذا . فهو لا يعرف أية حدود للعمر ، حتى المربون فى رياض الأطفال يستخدمونه .

    إذا كان سكان الدولة من الرجال يقعون تحت طائلة القانون التيسى ، معنى ذلك أنه من اللازم أن يتم التعامل معنا مثلما يتم مع التيوس . أولا ـ لا يجوز إطلاقا أن يكون التيس محبوبا . أبدا . الشاذون ، أولئك المجانين المهتمين جنسيا بالحيوانات ، هم فقط الذين يحبون التيوس . ثانيا ـ لا يوجد أى احترام للتيس . وفى النهاية ـ لا يوجد أى أسف أو حزن عند ذبح التيس . التيس ـ ليس صديق الإنسان . والتراجيديا لدى اليونانيين القدماء كانت تسمى أغنية تيسية ، وهذا يعنى أنه لن يكون هناك أى مستقبل فى بلادنا . فالتيوس لا تملك مستقبل . ومن الصعب أن نجادل فى ذلك .

    ولكن ألا يمكن أن نشك فى الاستنتاج الأولى ؟ فالسباب ـ ليس كنية أو اسم مستعار . ولو حتى كنا تيوسا ، فنحن تيوس بين الأقواس ، أى بالمعنى المجازى حصرا . ومع ذلك ، فهذا لا يعلل أو يواسى ، لأن التيس المجازى كائن متعفن روحيا ، الأمر الذى يعتبر أيضا فى غاية السوء .

    فهل من الممكن أن نبرهن بحق أننا لسنا تيوسا ؟ إذن فأية براهين لدينا يمكن أن نقدمها إلى صديقاتنا وزوجاتنا على أننا لسنا تيوسا ؟ مَنْ مِنَّا فى قرارة نفسه لم يسب نفسه بالتيس ؟ مَنْ مِنَّا لم يجلد نفسه بسبب انتمائه التيسى ؟ إن الهوية التيسية والوعى التيسى موجودان بداخل كل منا . وفى هذا لب القضية . فالتيس يريد أن يرى الجميع تيوسا ، وبخلاف ذلك سيعز عليه الأمر ، سيحزن ويتضايق .

    هل هناك أى مخرج من هذا الوضع الناشئ ؟
    نحن الشعب المؤمن ، الذى يعشق تعاويذ السحرة ورقيهم ، يجب أن نجمع العالم كله : الشباب ورجال الشرطة والشيوعيون والمحالون على المعاش والروس الجدد ، ونشرع فى الغناء :

    نحن ـ لسنا تيوسا .
    تيوس ـ ليس نحن .
    يجب أن نكرر ذلك إلى مالا نهاية وعلى تنويعات موسيقية مناسبــة : راب ... راب ... أو ... تم ...تم . بإيقاع هادئ .. وصاخب . بسرعة وببطء . بعقل وبدون عقل . ولكن الرئيسى هنا هو أن يكون الجميع مبتهجين فرحين مهللين :
    نحن ـ لسنا تيوسا .
    تيوس ـ ليس نحن .
    عندئذ سيكون كل شئ على ما يرام .

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    شجرة سانت مارتن

    باولو كويهلو


    ترجمة : علي إبراهيم صافي


    مساء عيد الميلاد في هذه القرية الصغيرة"سانت مارتن" في بيرييه الفرنسية، بينما كان القس يعد التحضيرات،مجهزا نفسه للقداس،تشمم رائحة ذكية.
    كان شتاءً..
    الزهور اختفت منذ أمد طويل. لكن عبقاً لازال عالقاً في الهواء،هكذا وكأنما الربيع قد عاد مبكراً. وبدافع من فضول،ذهب خارج الكنيسة باحثاً عن مصدر هذا العبق،فيصادف صبياً جالساً على درجات السلم المدرسي. بجانبه كان ثمة شجرة عيد ميلاد ذهبية.
    آه.. انها لشجرة رائعة،قال القس.
    كان القس فرحاً وكأنه عانق السماء..
    - من أين حصلت على هذه الشجرة؟.
    لم يكن الصبي فرحاً بكلمات القس تلك.
    حقيقة،هذه الشجرة تكون أثقل وأثقل وانا احملها،لكن لا أعتقد إنها من ذهب.والآن أنا خائف ماذا عسى أمي وأبي ان يقولا عندما يريا هذه الشجرة.
    الصبي اخبر قصته:-
    اليوم صباحا غادرت من مكان الى المدينة الكبيرة"Tarbes" ومعي النقود التي أعطتني إياها أمي بغية شراء شجرة عيد ميلاد جميلة. لكن ،في الطريق وصلت الى مكان صغير،هناك التقيت عجوزا وحيدة دونما أي فرد من عائلتها،ليحتفل معها هنا في هذا العيد الرباني. أعطيتها بعض المال لعشاء العيد،لأني ،متأكدا، كنت، من حصولي على تخفيضات في سعر الشجرة التي سأشتريها.
    عندما وصلت الى "Tarbes" مررت بسجنها الكبير،كان جمهرة من الناس خارج السجن ينتظرون الزيارة،الجميع حزانى،لأنهم سيحتفلون بعيداً عن أعزاء لهم.سمعت من بعضهم أنه لا يقوى على قطعة حلوى!.
    هناك كان وقع الحزن ثقيلاً على صبي بعمري. لذا قررت توزيع ما تبقى من نقود على المحتشدين بباب السجن الكبير،لأنهم ،قطعا، سيحتاجون المال أكثر مني. احتفظت بالقليل منه لغرض شراء الطعام.
    بائع الزهور الذي سأشتري منه شجرة عيد الميلاد كان صديقا للعائلة،لذلك من المؤكد انه سيعطيني الشجرة. مقابل عملي لديه طوال أسبوع.
    عندما وصلت السوق علمت ان بائع الزهور لم يفتح أبوابه لهذا اليوم،عملت جاهدا لاقتراض بعض المال قصد شراء شجرة عيد الميلاد تلك من مكان آخر،لكني فشلت. أقنعت نفسي؛ سيكون من الأفضل لو اكلتُ بعض الطعام،كي يتسنى لي التفكير بما سأعمله. عندما جئت الى حانة صغيرة،التقيت بطفل صغير يبدو انه غريب،بادرني بالسؤال لأنه لم يأكل ليومين.فكرت: أن الطفل/ المسيح،مؤكدا قد عانى من الجوع ذاته،لذلك أعطيته كل ما عندي وأقفلت راجعاً.
    في الطريق اقتطعت غصن شجرة " "Pinje، وحاولت تزينه قليلاً،كان أقسى من ان ألويه،كما لو انه من الفولاذ.
    هذا قطعا ليس بشجرة عيد الميلاد التي كانت أمي تنتظر ان أعود بها الى البيت.
    عزيزي، أيها القس.
    ان عبق هذه الشجرة،دونما شك،كانت السماء قد أعجبت به ايضا.
    دعني أكمل قصتي بالكامل:-
    في نفس اللحظة التي غادرت انت بها،المرأة العجوز ابتهلت،الى العذراء مريم-كأم شخصية-أن يكافئ هذا العمل الغير مُنتظر،أقارب السجناء وعوائلهم هناك،كانوا على يقين إنهم التقوا ملاكاً،لذلك صلّوا،مبتهلين، شكرا للملائكة عن الحلوى التي اشتروها.
    ايها الصبي انت تلقيت شكر الرب،لأنك فكرت بجوعه. العذراء والملائكة والإله سمعوا أولئك الناس المصلين والمبتهلين لمساعدتك إياهم.
    عندما قطعت شجرة "Pinje" ملأته العذراء برائحة الطفولة وعبق القلوب البريئة،عندما كنتَ ماشياً،حولتْ الملائكة أشواك الغصن الى ذهب.
    في النهاية عندما انتهوا الى رأى المسيح العمل ليباركه.. ومن الآن فصاعدا،من يمسس هذا الغصن..يكون قد برأ من ذنوبه وتحققت أحلامه،وهكذا يكون.
    على حذّ قول العارفين.. يوجد غصن الصاج المقدس ولما يزل في سانت مارتن،وقوته الكبيرة؛انه يعطي البركة لكلّ من يساعد الآخرين مهما كان بعيدا عن هذه القرية الصغيره في بيرييه.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الرجل البدين

    كارين بلكسن

    ترجمة: عدنان المبارك


    في مساء من شهر تشرين الثاني إرتكبت في أوسلو عاصمة النرويج جريمة رهيبة. ففي بيت مهجور من بيوت الضواحي قتل أحدهم صبية صغيرة.
    الصحف أعلمت بذلك بصورة مسهبة ومفصلة. وفي نهارات تشرين الثاني القصيرة والممطرة كان الناس يقفون في الشارع أمام ذلك البيت وينظرون الى جدرانه. الضحية كانت طفلة أحد العمال مما أيقظ في أذهان الجميع الإستياء المرتبط بأحوال الظلم القديمة.
    تعقب البوليس أثرا واحدا لاغير. فقد أفاد صاحب دكان في ذلك الشارع بأنه في اليوم الذي أرتكبت فيه الجريمة حين أغلق دكانه مساء رأى رجلا بدينا ممسكا بيد تلك الطفلة المنكودة.
    إعتقل البوليس بضعة متشردين ومعهم عددا من الرجال المشبوهين. الا أن أمثال هؤلاء ليسوا بالبدن عامة. وهكذا بحث البوليس في مكان آخر ، بين التجار والموظفين. كذلك صارت النظرات مصوبة الى كل بدين في الشوارع.
    في الوقت ذاته كان هناك طالب شاب إسمه كريستوفر لوندون يستعد الى الإمتحان بمجهود كبير. قدم الى المدينة من شمال النرويج حيث يسود النهار طوال نصف السنة، والليل في النصف الثاني منها. ويختلف الناس هناك عن بقية النرويجيين. وفي عالم الحجر والسمنت كان كريستوفر معتلا بسبب الحنين الى التلال والبحر المالح.
    كان أقرباؤه الذين بقيوا في ( نوردلاند) فقراء ولم يعرفوا شيئا عن تكاليف المعيشة في أوسلو. وهو لم يرد إزعاجهمم بطلب النقود. إشتغل بارمان في فندق ( غراند هوتيل ) من الساعة الثامنة مساء الى منتصف الليل ، لكي يكمل دراسته. كان فتى وسيما دمث الأخلاق أدى عمله بإخلاص وشطارة. لم يقرب الشراب الا أن إعداده للآخرين كان بمثابة نوع من الإهتمامات العلمية لديه.
    بهذه الصورة واصل دراسته. غير أنه لم يبق لديه الكثير من الوقت للنوم والعلاقات العادية مع الآخرين. لم يقرأ أي كتاب عدا كتب الدراسة بل لم يكن يلقي ولو نظرة واحدة على الجرائد، ولذلك لم يعرف ماكان يجري حواليه. كان مدركا بأنه لايملك أسلوبا سليما في العيش لكن كلما إزداد نفوره من حالته بذل جهدا أكبر في العمل الذي وجده مخرجا من هذا الوضع.
    في البار كان متعبا على الدوام حتى أنه كان يغفو أحيانا بعينين مفتوحتين. الضوء الساطع وضجة الأحاديث أثارتا شعورا فيه بأن كل شيء يدور أمام عينيه. غير أنه عند العودة الى البيت بعد منتصف الليل كان الهواء ينعشه ويطرد النعاس. عند دخوله الى الغرفة كان يعرف كل مرة بأنها ساعة خطرة ، فإذا خطرت بباله فكرة ما ، تبقى هي هناك بصورة فعلية لكن غير طبيعية مما يحول دون إنقياده الى النوم، و لهذا السبب لم يقدر على أن يواظب على الدرس في اليوم التالي. كان يعد نفسه بأنه سيقرأ هذه المرة ، لكنه بعد خلع الملابس يغلق عينيه وتنتهي يقظته.
    رغم هذا الحذر وقع نظره ذات ليلة على الجريدة التي كان قد لفّ بها قطعة من السجق. بهذه الصورة قرأ عن الجريمة. كانت هذه الجريدة قد صدرت قبل يومين ، وأكيد أن الناس حواليه كان يتكلمون طوال الوقت عن هذا الموضوع لكنه لم يسمع شيئا. كانت الجريدة ممزقة وأفتقدت فيها نهايات الجمل لذلك أضطر الى الإستعانة بالمخيلة. بعدها لم يستطع أن يطرد من رأسه هذه القضية.
    كلمتا ( الرجل البدين ) دفعتاه الى أن يستعرض في ذاكرته جميع الناس البدن الذين كان يعرفهم . في الأخير توقف عند أحدهم.
    كان هذا أحد الجنتلمانات الأنيقين والبدن من مرتادي البار الذي يعمل الشاب فيه. وعرف كريستوفر أن هذا الجنتلمان هو أديب، شاعر من مدرسة خاصة من النوع المتفنن ونصف غيبية. كان كريستوفر قد قرأ بضعة أشعار له وبهره ذلك الإنتقاء الغريب والتذوق المبالغ فيه للكلمات والرموز، وخيل له أنها قد ملئت بألوان الزجاج الكنائسي القديم. كان هذا الفنان يكتب على الغالب عن أساطيرالقرون الوسطى وأسرارها . وفي ذلك الشتاء كانت تعرض في المسرح تمثيلية له بعنوان( المتذئب ). كانت مفزعة إذ يكفي الأشارة هنا الى العنوان ذاته ، لكن فرادتها كانت تكمن ، بالأحرى ، في ذلك الجمال والحلاوة. كان مظهر المؤلف نفسه ملفتا للنظر. كان بدينا ذا شعر غامق اللون ومجعّد، ووجه كبير أبيض اللون. أما شفتاه فكانتا حمراوين وصغيرتين، والعينان شاحبتين بشكل غير مألوف. سمع كريستوفر أن هذا الشاعر كان في الخارج كثيرا من المرات. كان من عادته الجلوس وظهره الى البار وطرح نظرياته الغريبة على حلقة من الشباب المعجبين به . كان إسمه أوسفالد سينين.
    لقد إستحوذ شخص هذا الشاعر على نفس كريستوفر. ولليال طويلة كان يخيل له أنه يرى أمامه وجه المشبوه والذي يعبّر بدون إنقطاع عن شيء آخر. أخذ يشرب الماء البارد الا أنه لم يبّرد جسمه. فكر بأن هذا الرجل البدين من ( غراند هوتيل ) هو ذلك البدين من الجريدة.
    في الصباح لم تخطر بباله فكرة أن يقوم بدور المتحري. ولو أنه ذهب الى البوليس لما تغير شيء في المسألة ، إذ لايقدر على تقديم أي حقائق ، أي براهين ، أي دوافع . فهذا الرجل يملك أدلة على براءته، ولضحك هو وأصدقاؤه وظنوا أن الشاب قد أصيب بخبال أو قد يدفعهم الإستياء الى تقديم شكوى الى مدير الفندق وحينها سيفقد كريستوفر عمله.
    طيلة أسابيع ثلاثة كان هناك ممثلان في هذه المسرحية: البارمان الشاب الجهم والشاعر المبتسم أمام البار. الأول حاول ان يهرب طوال الوقت من هذه اللعبة بينما لايعرف الثاني أي شيء عنها. مرة واحدة إلتقت نظرات البطلين.
    بعد بضعة ايام من معرفة كريستوفر بالجريمة جاء أوسفالد سينين مع صديقه. لم يرد كريستوفر أن يسترق السمع الى حديثهما حين وجد نفسه ، بحكم عمله، في ذلك الجزء من البار حيث يجلس الصديقان.
    كانا يتحدثان عن الوهم والحالة الفعلية. صديق الشاعر قال بأنه لابد من وحدة كلتى الحالتين ولذلك فإن وجودهما هو موفق بطريقة غامضة. الا أن الشاعر البدين لم يتفق مع محدثه ، وكان عليه أن يعزل الأولى عن الثانية بحذر أكبر من حذر الآخرين . أضاف قائلا : ليس المقصود هو الغبطة التي تمنحها الإثنتان ، فغريزتي تفرق بينهما. أنا أعرف ما هو الوهم حين ألتقي به وكذلك أعرف الحالة الفعلية حين ألقاها.
    رسخ هذا الجزء من الحديث في ذهن كريستوفر. كان يكرره على نفسه مرات كثيرة، وفكر بنفسه ، ولكم من مرة ، بمفهوم السعادة. أراد أن يعثر على الجواب على السؤال فيما إذا كان هناك شيء من هذا القبيل قائما بالفعل.. كما تساءل فيما إذا كان أحدهم سعيدا ومن هو. كرر الرجلان الجالسان أمام البار هذه الكلمة مرات كثيرة. إذن قد يكونان سعيدين. وهذا البدين أقرّ بوجود الحالة الفعلية حين يلقاها وقال بنفسه إنه سعيد.
    تذكر كريستوفر شهادة صاحب الدكان الذي قال بأن وجه الصغيرة ( ماتيا ) حين مرت أمامه في الشارع الغارق بالمطر كان مشرقا يعبرعن سعادتها كما لو أن الصبية الصغيرة قد وعدت بشيء أو كانت تتوقع شيئا هرعت صوبه. ذاك الرجل الذي كان معها؟. فكر الطالب : هل إرتسمت السعادة على محياه أيضا؟. لم يسعف الوقت صاحب الدكان برؤية وجه ذلك الرجل بل رأى قفاه فقط.
    طفق كريستوفر يراقب هذا الرجل كل ليلة. في البدء إعتبر محض نكتة مكدرة من نكات الحظ أن عليه القيام بهذه المراقبة كلما كان الرجل في محيط النظر بينما هو لايعرف شيئا عن وجود رفيق له مثل كريستوفر. الا أنه بعد وقت ما أخذ يؤمن بأن المراقبة المتواصلة تلقي بتأثير معيّن على المشتبه به وأنه بعد زمن ما سيحصل تبدل في المراقب بفعل المراقبة. لقد إزداد هذا الرجل سمنة وشحب وجهه كما تعمق صفاء عينيه. وفي مرات عدة كان شارد الذهن مثل كريستوفر. وذلك السيل المدغدغ من الكلمات التي كان يطلقها صار أبطأ الآن، وإنفلت فجأة كما لو أن خطيبا بليغا لم يفلح في العثور على الكلمات المناسبة.
    عندما يبقى أوسفالد سينين في البار حتى يأزف موعد غلقه كان كريستوفر يغادر المكان. وعندما كانوا يساعدون موضع المراقبة في إرتداء المعطف الفرائي كان كريستوفر بإنتظاره عند مدخل الفندق. في معظم الأحيان كانت تقف هناك سيارة سينين الضخمة التي تمضي في البعيد حال صعود الشاعر اليها. غير أنه حصل مرتين أن غادر المكان ومضى سائرا في الشارع. حينها تعقبه كريستوفر الذي شعر كما لو أنه مخلوق وضيع فظ يعود الى المدينة والليل ، متربص بإنسان لم يلق منه أي سوء. لم يكن كريستوفر يعرف شيئا عن هذا الرجل، كما أخذ يضمر الكره لهذه الهيئة التي يمضي وراءها. في أثناء النزهة الثانية مضى الى الأمام طوال الوقت في حين أن الشاب بدأ يفكر بأن حركة الرأس تلك لم تكن من صنع مخيلته.
    في إحدى الأمسيات إلتفت الشاعر في مقعده العميق ونظر الى البارمان.
    وفي نهاية تشرين الثاني تذكر كريستوفر فجأة أنه بعد أسبوع عليه أن يؤدي الإمتحان. أفزعه الأمر وبدأ ضميره يعذبه. فكر بمستقبله وأقربائه في ( نوردلاند). وهذه المخاوف الداخلية إزداد سحقها. كان عليه أن يخرج من دوامة هذه الهواجس وإلا فإنها ستقوده الى الخراب.
    حينها حدث شيء غير متوقع. في مساء ما إستعد أوسفالد سينين الى مغادرة البار. الأصدقاء حاولوا إبقاءه الا أنه رفض رغبتهم.
    - كلا - ردّ عليهم - انا بحاجة الى الراحة. لابد أن أستريح.
    حين غادرهم قال أحد أصدقائه:
    - إنه لايبدو على ما يرام . لقد تغيّر كثيرا. هناك أمر لانعرفه.
    وقال صديق آخر :
    - إنها تلك القضية التي تلاحقه منذ أن كان في الصين. لدى المرء اليوم إنطباع بأن نهايته ستكون قبل أن ينقضي هذا العام.
    عندما سمع كريستوفر هذه الملاحظات من العالم الخارجي والفعلي شعر فجاة بإرتياح بالغ. بالنسبة الى هذا العالم كان ذلك الرجل واقعا فعليا على الأقل. فالناس كانوا يتكلمون عنه.
    سيكون أمرا جيدا ، فكر كريستوفر ، قد يأتي بحل ليس بالسيء إذا إستطاع أن يناقش المسألة برمتها مع أحدهم.
    في كل الأحوال لم يختر أمين سرّه زميلا من زملاء الدراسة. تصور أن أيّ نقاش مع مثل هذا الزميل ستثيره القضية. صار حتى التفكير بهذا الأمر يشوش باله. وهكذا توجه بطلب المساعدة الى شاب بسيط غير متعلم يصغره سنة ولربما ثلاث. كان يغسل الأواني في البار، وإسمه يلمار .
    ولد يلمار وترعرع في أوسلو. عرف عن المدينة كل ما كان ممكنا أن يعرفه ، لكنه لم يعرف شيئا عن كل ماهو خارج حياته. كانا يتبادلان مشاعر الصداقة ، ويلمار كان مغرما بالحديث مع كريستوفر في مكان غسل الأواني ، بعد العمل. كان يدرك أن كريستوفر لن يقاطع حديثه. وكان هناك في بلمار شيء من الثوري ، وفي خطبه الطويلة كان يهاجم زبائن البار الأثرياء المعدومي القيمة الذين يعودون الي بيوتهم بتلك السيارات الفارهة وبصحبة النساء ذوات الشفاه والأظافر الحمر بينما البحارة ذوو الأجور القليلة يسحبون تلك الحبال الملوثة بالقار، والعمال المتعبون يعودون بالحيوانات الى الإسطبلات بعد أن حرثت الأرض. كانت رغبة كريستوفر في أن لايتكلم رفيقه عن هذه القضايا. فنوستالجيا يلمار الى القوارب والقار ورائحة عرق الخيل تصبح بهذه الشدّة التي تتحول الى ألم جسدي. غير أن الرعب المميت الذي إجتاحه حينما فكر بالعودة الى البيت مع إحدى تلك النساء اللواتي تكلم يلمار عنهن، قد أقنعه بأن جهازه العصبي لايعمل كما ينبغي.
    عندما تطرق كريستوفر في الكلام الى الجريمة أيقن بأن غاسل الأواني يعرف كل شيء عنها. كانت جيوب يلمار مملوءة بقصاصات الصحف التي قرأ فيها تقاريرا عن الجريمة وإعتقال المشتبه بهم كذلك الرسائل التي تعبّر عن الغضب من البوليس العاجز.
    لم يعرف كريستوفر تماما بأي صورة عليه أن يطرح أفكاره على يلمار. في الأخير قال:
    - هل تعرف بأنني أعتبر القاتل هو ذلك الجنتلمان البدين من البار.
    بحلق يلمار فيه وفغر فاه ثم فطن الى الأمر وأخذت عيناه تلمعان.
    بعدها بقليل إقترح غاسل الأواني أن يتوجها الى البوليس أو الى مخبر خاص. وإستغرق بعض الوقت إقناع كريستوفر لصديقه، تماما كما أقنع نفسه من قبل ، بان الأساس ضعيف ، والناس ستعتبرالإثنين من المجانين.
    قرر يلمار الذي إنشغل لدرجة أكبر بهذه القضية ، بأن عليهما أن يصبحا مخبرين بأنفسهما.
    بالنسبة الى كريستوفر كانت هذه تجربة غريبة، فهي مهدئة ومستنفرة في آن واحد : عليه أن يتحدى كابوسه في ذلك الضوء الأبيض الساطع في مكان غسل الأواني كما يمسك الغريق بمنقذه. وتملكه الخوف من أنه قد يجرّه في كل لحظة الى بحر الجنون المظلم.
    في المساء التالي قال يلمار بان يعّدا هما الإثنان خطة تعمل على مفاجأة القاتل وعلى نزع القناع عنه. خلال وقت معين إستمع كريستوفر الى شتى إقتراحات هذا الشاب، ثم إرتسمت إبتسامة خفيفة على محياه . قال:
    - يلمار. أنت تملك مثل هذا القدر من الإستقامة... - توقف عن الكلام - كلا، أكيد أنك لاتعرف هذا الشيء. لكن رغم كل شيء إسمح لي بان أقول أكثر :
    "(...)لقد سمعت
    أن المذنب الذي يشاهد المسرح
    يحرّك الفن أحيانا مشاعره
    ويأتيه الندم ويعترف جهارا بالجريمة .
    قد لاتملك الجريمة لسانا
    لكنها تنطق بوسيلة مدهشة ".
    قال يلمار :
    - أنا أفهم الأمر تماما.
    - أحقا يا يلمار ؟. أزاء هذا أضيف القول:
    " أنا أقبض على ضمير الملك
    والمكان هو هذه المسرحية"
    - من أين هذه الأشعار؟. أراد غاسل الواني أن يعرف.
    - من مسرحية بعنوان ( هاملت ) . أجاب كريستوفر.
    - وكيف تريد أن تفعل هذا الشيء؟ . سأل يلمار ثانية .
    صمت كريستوفر للحظات .
    - إسمع يا يلمار - قال في الأخير - قلت إن عندك أختا.
    - نعم - أجاب بلمار - عندي خمس .
    - لكن عمر إحداهن تسع سنوات أي بعمر ( ماتيا )؟.
    - هذا صحيح .
    - ولديها - واصل الطالب كلامه- معطف مدرسي بقلنسوة مثل معطف ( ماتيا) الذي كانت ترتديه في تلك الليلة؟.
    - نعم.
    إرتعش جسم كريستوفر. في الكوميديا التي إعتزما أن يؤدياها كان هناك شيء تجديفي، ولما قدر على مواصلتها لو لم يكن قد حدس بأن هذا يعتمد ، بمعنى ما ، على أمر واحد : هل سيحتفظ بحسّه السليم.
    - إسمع يا يلمار ، سنختار المساء الذي يكون فيه هذا الرجل في البار ، ونقنع أختك بإرتداء معطفها، ونرجو أختا اخرى بأن تقودها الى هنا. قل لها أن تتوجه مباشرة من الباب الى حاجز المقصف ،عبر الصالة كلها لكي تسلمني شيئا... رسالة أو أي شيء تريده أنت. أنا أعطيها شلنا ولتأخذه من على المقصف حين تضع الرسالة، وبعدها لتخرج بذات الطريقة.
    - طيّب.
    - أما أنا فعليّ البقاء - واصل البارمان كلامه- وراء المقصف . سوف لن نرى وجهه، فهو عادة يجلس وقفاه صوبي ويتحدث مع الناس. أما أنت فأترك الغسل وإذهب الى الباب. من هناك ستقدرعلى مراقبته.
    - لاحاجة الى مراقبته - قال يلمار - أكيد أنه سيصرخ أو يغمى عليه أو ينهض فجاة ويهرب.، وإذا أردت ان تعرف.
    - غير مسموح به - حذره كريستوفر - أن تقول لأختك لماذا نأمرها بالمجيء الى هنا.
    - بالطبع.
    وفي ذلك المساء الذي كان على التجربة أن تحدث بقي يلمار صامتا ومرّكزا الإنتباه على مهمته، في حين أن البلبلة كانت تسود فكر كريستوفر. لمرات عديدة كان على وشك التراجع عن الخطة. لكن حتى لو فعل ذلك وأبدى يلمار التفهم وغفره له فكيف سيكون حاله بعدها ؟.
    كعادته جلس أوسفالد سينين في مقعده وظهره الى البار. وقف كريستوفر وراءه. أما يلمار فكان في الصالة وراء الباب الدوّار الذي كان على أخته أن تدخل منه وفق الخطة.
    وعبر زجاج الباب رأى الطفلة بمعطفها ذي القلنسوة المزينة بريشة حمراء ، وبرفقة أختها الأكبر منها إذ أن الناس لم يسمحوا للطفل بالخروج الى الشارع لوحده في أماسي الشتاء . وفي الوقت ذاته جرّ إنتباهه شيء في الصالة لم يلحظه من قبل. ففي كلا جانبي الباب الزجاجي كانت هناك مرايا عالية يقدر بواسطتها أن يرى الوجوه التى لاتقابله. في تلك المرايا رأى الآن وجه أوسفالد سينين.
    لم تقدر الصبية الصغيرة بمعطفها ذي القلنسوة على فتح الباب ، إلا أن شقيقها هرع الى مساعدتها. توجهت بعدها الى البار مباشرة غير مسرعة وغير مبطئة أيضا. وضعت على المقصف الرسالة وأخذت الشلن. عندما فعلت ذلك رفعت قليلا وجهها الشاحب الذي حجبته القلنسوة ، وبشيء من الجرأة إبتسمت لصديق أخيها مؤكدة برّقة على أنها قامت بالمهمة. بعدذلك إستدارت وخرجت غير مسرعة أو متباطئة.
    - هل أنت راض ؟ سألت أخاها الذي كان بإنتظارها قرب الباب. هزّ يلمار رأسه موافقا، إلا أن ما فاجأ الطفلة تعبير وجهه لذلك تظرت الى أختها باحثة عن السبب. ظل يلمار واقفا في الصالة لغاية إختفاء الأختين في الشارع الذي كان المطر يجلده . فجأة سأله البوّاب عما يفعله هنا. وهكذا هرع بالسرعة الممكنة الى الباب الخلفي حيث برميل الغسل والكؤوس.
    والضيف التالي الذي طلب كأسا من الشراب نظر الى البارمان وسأله:
    - ماذا ؟ هل حالك على ما يرام؟.
    لم يجبه البارمان . لم يقل شيئا بعدها بساعة حين أغلق البار وذهب الى صديقه في مكان الغسل.
    - ماذا يا كريستوفر؟ ألم يصرخ أو يغمى عليه ؟ أصحيح؟.
    - كلا.
    صمت يلمار للحظة:
    إنه صلب - قال - إذا كان هو القاتل.
    ولوقت طويل ظل كريستوفر بلاحراك محدقا الى الكؤوس. وفي الأخير سأل صاحبه:
    - هل تعرف لماذا لم يصرخ أو يغمى عليه؟.
    - كلا - أجاب يلمار - لماذا؟.
    - لأنه رأى ما كان يتوقعه فقط. الشيء الوحيد الذي يراه الآن. الباقون أبدوا الإستغراب من منظر الطفلة بمعطفها وهي تدخل البار لقد رأيت وجه الرجل في المرآة. حين ظهرت الصغيرة نظر إليها بإستقامة وتابعها بنظراته عندما خرجت. الا أن تعبير الوجه لم يتغير..
    - ماذا تقول ؟ - دهش يلمار . وبعدها بلحظات كرر السؤال بصوت خفيض: ماذا تقول ؟.
    - نعم - قال كريستوفر - إن الحال هكذا بالضبط. فإلى أي مكان ينظر لا يرى الآن إلا الصبية بمعطفها. قبلها كانت معه في البار. في الشوارع . في بيته. ومنذ ثلاثة اسابيع.
    ساد صمت طويل.
    - هل نذهب الى البوليس يا كريستوفر؟. سأله يلمار.
    - ليس علينا الذهاب الى البوليس - قال صديقه- ليس علينا أن نفعل أي شيء في هذه القضية. نحن الإثنان فاترا الهمّة أو أننا بالغون في العمر كثيرا. إن خطواتها الخفيفة سترافقه طوال الوقت. ستنظر أختك إليه بالصورة التي نظرت فيها إليّ قبل ساعة واحدة.
    قال بأنه يريد أن يستريح . ستمكنه هي من هذه الإستراحة قبل نهاية السنة.

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    زوجة فرعون

    فيتشيسلاف بيتسوخ


    الكاتب في سطور :
    * فيتشيسلاف بيتسوخ من مواليد موسكو عام 1946م . أنهى كلية التاريخ بمعهد موسكو للتربية عام 1970م . كتب أول قصة عام 1973م ، وكانت بداية النشر عام 1978م . صدرت مجموعة القصصية الأولى عام 1983م بعنوان " ألف باء " . له عشر مجموعات منها " الأزمنة السعيدة " و " فلسفة موسكوفية جديدة " و " التنبـؤ بالمستقبل " .

    ******

    ترجمة : أشرف الصبَّاغ
    سونيا باروخودوفا متزوجة منذ عشر سنوات من لص بكنية فرعون . بدأ ذلك الفرعون كصاحب أول دار عرض سينمائى خاصة فى موسكو ، ولكنه أخذ يتطور بالتدريج حتى وصل إلى اللصوصية والإجرام نظرا لقصور النزعة التجارية ومحدوديتها لديه . كما أننا لا نستطيع أن نقول عن سونيا باروخودوفا أنها كانت تحب زوجها ، ولكنها على نحو ما ألفته وتقاربت معه خلال السنوات العشر . كانت أعماله ونشاطاته بالنسبة لها مجرد غرائب لا تزيد ، على سبيل المثال ، عن وظيفة غواص أو ساحـر قروى . وفى عام 1996م اشترى فرعون لسونيا باروخودوفا أتيليه لتصميم الأزياء . من هنا يمكن القول أنها بدأت تنهمك تماما فى مشاغلها الخاصة . فبعد أسبوع أو اثنين كوَّنت فريق عمل ، وموَّنت نفسها جيدا من مصانع الأنسجة بأرخص الأسعار ، وخاصة مما هو مسروق من مصنع " الخشخاش الأحمر " ، واشتركت فى مجلات نسائية لا تعد ولا تحصى ، وعقدت العزم فى جدية تامة على إعطاء أشهر خياط فى موسكو درسا لا ينساه .
    فى صباح 24 سبتمبر 1996م ، بالضبط ، بزغ فى ذهن سونيا باروخودوفا موديل فى غاية الروعة والجمال : قطع من الأقمشة المختلفة ، الألوان حمراء مائلة إلى الصفرة وبالذات البنفسجى مع القرمزى ، الظهر خال تماما من أى شئ ، بفتحة كبيرة عند الصدر تنزل بزاوية حادة إلى ما فوق السُّرة ، ومن فتحتى الأكمام يبدأ جناحان بطوايا وثنايا مثل جناحى الفراشة .
    تراءى هذا الموديل لسونيا باروخودوفا فى وقت مبكر فى المنام . إلا أنها عندما نهضت من الفراش لم تتوجه مباشرة إلى مكتبها لتوجع رأسها ، وإنما أسرعت لإجراء العمليات الصباحية الاعتيادية . بينما الموديل يقف طوال الوقت أمام عينيها بعذاب لذيذ . فى البداية راحت تتأمل نفسها ، وهى ما تزال بقميص النوم ، أمام المرآة الفينيسية العالية التى تعكسها بالكامل : فى الواقع لم يكن هناك أى داع للنظر فى المرآة : سونيا باروخودوفا تتمتع بقوام جيد ونِسَب ممتازة للجسد مع الوجه الرقيق الواهن الذى تتلألأ فيه عينان سلافيتان ورعتان . بعد ذلك أخذت حمَّاما ، ووقفت أمام المرآة القديمة : أنواع مختلفة من الكريم وسوائل التجميل ، والتدليك . بيد أن تدليك الوجه كان أصعب عملية ـ عموما فمن غير الممكن ، بعبارات رجالية ، وصف الجالسة أمام المرآة القديمة بدقة ووضوح إلا إذا أضعنا أربعين دقيقة كاملة . بعد أن انتهت سونيا باروخودوفا من زينتها الصباحية ، احتست أول كأس من الـ " بِرنو " ـ لسبب ما كانت تفضل الفودكا الفرنسية " برنو " من بين جميع المشروبات ، والتى كانوا يطلقون عليها أيضا تسميــــة " باستيس " . بعد ذلك ذهبت إلى المطبخ لتعد القهوة . هذا العمل البسيط تحول لديها إلى عملية طويلة مجهدة . ولكن هاهى رائحة القهوة المُتَحَدِّية ، المفرطة الحلاوة ، تنتشر فى الشقة . صبت سونيا باروخودوفا لنفسها فى فنجان من الخزف الثمين الذى كان شائع الاستعمال فى فرنسا وانجلترا وروسيا فى القرن الثامن عشر . وأقبلت أسوأ فترة خلال اليوم كله : حينما تبدأ الاتصال بالصديقات وهى تحتسـى القهوة ـ عندما تبدأ العمل .
    ـ كاتيا ، أنتِ ؟
    ـ أنا فعلا ، تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
    ـ كيف تسير أمورنا ؟
    ـ أحضروا لتوهم حرير البطانات والزراير والشيفون .
    ـ وماذا بخصوص ثوب تلك العِرْسَة ؟
    ـ نعمل الآن فى خياطة العُرِّى .
    ـ وماذا ...
    ـ حضروا أيضا لإصلاح المكوتين ، ورغم ذلك فالاثنتين فى غاية السوء ، تعملان الآن بالكاد .
    ـ تخلَّصتِ منهم ؟
    ـ طبعا !
    ـ والآن نأتى إلى المهم ... واقفة أم جالسة ؟
    ـ واقفة .
    ـ إذن اجلسى . ابتكرتُ اليوم موديل فى غاية الفنتازيا ـ وراحت سونيا باروخودوفا تصف التفاصيل الدقيقة لموديلها الفنتازى الرائع .
    ـ معنى ذلك أن هذا الوغد سيكتئب ـ قالت كاتيرينا وهى تقصد الخياط الموسكوفى الشهير .
    ـ بمناسبة الحديث عن الأوغاد : كيف تسير أمورك مع صاحبك المحاسب ؟
    ـ بشكل سئ ! ففضلا عن أننى لا أحبه ، فهو يعانى أيضا من مرض البول السكرى ...
    بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ، وفى النهاية وضعت سونيا باروخودوفا السماعة وبدأت تدخن سيجارة . أخذت تجول هنا وهناك وهى تقترب حثيثا من مكتبها . وتجدر الإشارة هنا إلى أن مكتبها كان رائعا ، مغطى بالجوخ الإنجليزى ، ومزيَّن بالبتـولا الكاريلية ، بدرابزين عند الحواف ، ويقف على ـ لا ينبغى القول قائمتين ، وإنما ـ رجلين مفتولتين . على المكتب توجد أدوات التحبير ، وتمثال نصفى من الجبس لنابليون ، ولمبة كيروسين برونزية جميلة بغطاء من الزجاج المعتم . راحت سونيا باروخودوفا تجول هنا وهناك ، ويتولَّد بداخلها تدريجيا ذلك الإحساس السعيد جدا الذى لا تعرفه ، رغم أنه متوتر أحيانا ، إلا الطبائع الفنية ، وتحديدا عندما : هه ، هه ، سوف تتشكل صيغة السعادة . ومن فرط هذا الإحساس تبدأ دغدغة ما فى البطن ، ويندفع الدم إلى اليدين ، وينبض عصب ما فى الدماغ بحذر . جلست فترة طويلة ، أو قصيرة ، خلف مكتبها وهى تثنى قدمها اليمنى تحتها ، فتحت قنينة الحبر الصينى ، نشرت مجموعة الألوان المائية ، تناولـت قلما ، تنهدت مرتين بثقل ، وبدأت العمل فى موديلها الفنتازى الرائع . سار العمل فى البداية بشكل جيد . ولكن الحمية تبددت تدريجيا ، وقضت سونيا باروخودوفا الساعتين التاليتين جالسة على الرسم الكروكى من أجل التظاهر بالعمل ليــس إلا ، وذلك بسبب الانجذاب الطبيعى نحو العمل الإيجابى . إلا أنها نهضت من خلف المكتب فى أسوأ حالاتها المزاجية ، واحتست كأسا أخرى من الـ " برنو " ثم مَزَّتْ بقطعة ليمون مغطاة بحبات ملح كبيرة . وجلست إلى الهاتف .
    ـ كاتيا ، أنتِ ؟
    ـ أنا فعلا ، تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
    ـ هناك شئ ما يحدث لى ، لا شئ يتحقق ...
    ـ أهم شئ ألا تتوترى . تذكرى دائما ما كانوا يعلمونه لنا فى المدرسة : يوجد دائما فى الحياة مكان للتطور ـ يلزم فقط هذا الـ ... الـ ... دأب !
    ـ فى سنوات المدرسة كنتُ أذهب حافية القدمين ، وكنتُ أحصل دوما على درجات الامتياز .
    ـ هه ، أ ترين ! كنتِ متفوِّقة ، ولذا فأهم شئ ـ أن تكونى دؤوبة .
    ـ ولكن ماذا بخصوص ثوب تلك العِرْسَة ؟
    ـ أخذته لتوها .
    ـ كانت سعيدة ؟
    ـ وأية سعادة !
    ـ وكيف لا ! فهى التى يجب أن تلبس الخيش وتتمنطق بالحبال ، سَعَّروها بثمن أكبر وأقاموا لها قصرا مثل قصر الأليزيه .
    ـ بالضبط ، بالضبط .
    ـ اسمعى ، أ لم يتصل بك صاحبك المحاسب ؟
    ـ اتصل ـ ولكن ما الفائدة ؟ إنه للعام الثالث لا يفعل شيئا سوى الاتصال .
    ـ ثلاث سنوات ـ فترة طويلة للكلاب ، ولكنها للإنسان ـ لا شئ .
    بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ، ثم خرجت سونيا باروخودوفا لتشم الهواء فى البلكونة . ولحسن الحظ أن الوقت كان نهاية سبتمبر والطقس صيفى : كان دافئا وجافا رغم تجهمه . غير أن علامات نعاس مقبل قد بدأت تعلن عن نفسها : شئ ما ناعس فـى الهواء ، الضوء خامل وضعيف ، الأوراق على الشجر صارت قاتمة وبدأت تفوح بروائح التحلل ، وفى بلكونة البيت المقابل ردد الجار المجنون كلمات بذيئة وهو يمد يده فى اتجاه سوق تيشينسكى ، وطائر الدِغْنَاش يجلس على الإفريز رغم أن موسمه لم يحن بعد . فجأة امتد شعاع شمس من خلال غشاوة السماء الغائمة فأحدث تأثيرا عذبا للغاية فى نفس سونيا باروخودوفا : شعرت كما لو أن صيغة السعادة سوف تتحقق فى التو واللحظة من تلقاء نفسها ، وستبدأ دغدغة ما فى البطن ن ويندفع الدم حارا إلى اليدين ، وينبض عصب ما فى الدماغ بحذر . فى تلك اللحظة أضاء وجهها بابتسامة كما لو كانت نابعة من الداخل ، فعادت ثانية إلى مكتبها .
    بعد ساعة كان الرسم الكروكى لموديلها الفنتازى الرائع جاهزا فى خطوطه العامة . وصارت سونيا راضية عن نفسها تماما ، واحتست لفرط سعادتها كأسا كاملة من البِرنو . بعد ذلك جلست إلى الهاتف وأخذت تفكر بمن تتصل لتخبره عن نجاحها .
    ـ كاتيا ، أنتِ ؟
    ـ أنا فعلا ، تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
    ـ يبدو أن الهاتف يعمل بشكل سئ ...
    ـ غدا سآمر عمال التليفونات بإصلاحه .
    ـ ولكن إذا حضروا سكارى ؟
    ـ سأطردهم ، وسأرفع على شركتهم قضية فى المحكمة !
    ـ ولكن محاكم هذه الأيام يمكن أن نسميها ...
    ـ طُز فيها كلها ...
    ـ هذا صحيح فعلا .
    بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ، وفى ختام الحديث وجهت سونيا باروخودوفا الدعوة إلى كاتيرينا للذهاب إلى أحد المطاعم الصغيرة كى تحتفلا بميلاد موديلها الفنتازى الرائع . ولكن كاتيرينا اعتذرت بحجة أنهم ، بين اللحظة والأخرى ، سيحضرون إلى الأتيليه مساطر الرسم . وضعت سونيا باروخودوفا سماعة الهاتف وأخذت تفكر طويلا ماذا ترتدى . وفى نهاية المطاف وقع اختيارها على حذاء شمواه بلون أخضر فاتح ، وثوب محتشم من الكشمير الأسود ، وشال اسكتلندى بلون أخضر غامق .
    خرجت من المنزل فى الساعة الرابعة بعد الظهر . جلست فى سيارة تاكسى وانطلقت إلى مطعمها الصغير . من حسن حظها أن السائق كان كثير الكلام فراحا تبادلان الحديث طوال الطريق عن هذا وذاك .
    ـ أ تعرفون ... أنه أحيانا تجول برأسى فكرة غير سارة ـ قال السائق فى معرض حديثه ـ فعلى سبيل المثال ، توجد دوله اسمها أوروجواى حيث من الممكن أن يكون فيها إناس كثيرين رائعين لا يعرفون عنى أى شئ ، وأنا نفسى لا أعرف عنهم شيئا ، ولن أعرف أبدا ، وكأنهم غير موجودين ! وهذا أمـر فظيع ، أولا ـ لأن الحياة تبدو فى هذه الحالة غير مُعاشة كليا ، وثانيا ـ لأننى أنا نفسى وبدرجة ما أصبح غير موجود ـ وأتساءل : كيف يمكن العيش ؟!
    كان المطعم خاليا تماما من الزبائن : فقط نادلان يرتديان ثياب أوبرالية ، وبدا أنهما كانا ينامان واضعين رأسهما على قبضاتهما . طلبت سونيا باروخودوفا قدحا من البرنو وزجاجة شمبانيا وسلطة وجمبرى وكستليته نمساوية ، وكان الحلو عبارة عن آيس كريم من الفراولة . سيطرت عليها حالة عاطفية من تأثير الشمبانيا ، وشعرت برغبة فى الحديث .
    قالت للنادل الذى يحمل الكستليتة النمساوية :
    ـ إذا كان بالأتوبيس رجل عجوز ، وأردتَ أن تبدأ معه الحديث ، فماذا تفعل فى مثل هـذه الحالات ؟
    ـ أنا لا أركب الأتوبيس .
    ـ لنفترض أن هذه الحادثة قد وقعت ...
    ـ من الممكن أن أقول له ، يا والدى ...
    ـ ولكن ، تصوَّر ، هذه الكلمة فى انجلترا غير موجودة ! الكلمة طبعا موجودة ، ولكنهم لا يستخدمونها .
    ـ إذن فماذا يقولون ؟
    ـ إذا كنتَ زبونا فهم يقولون لك : يا سيد .
    ـ ولكن إذا كنتُ أنا الخادم ؟
    ـ إذن فأنت الذى يجب أن يقول : يا سيد . ولكن أن تقول : " أنتِ ، يا أمى ، لا تتدافعى هكذا " ـ فهذا غير موجود لديهم . كما أن الأطفال الإنجليز لا يقولون أبدا للرجال الغرباء ، يا عمى .
    ـ إذن فلمن يقولون ، يا عمى ؟
    ـ فقط إذا كنتَ أخا لأبيهم .
    خرجت سونيا باروخودوفا من المطعم فى حالة نشوة روحية عالية سببها فى المقام الأول الشمبانيا والنادل اللطيف . علاوة على أن اليوم كان صحوا : قد تكون الشمس حامية ، ولكنها مع ذلك تشرق بنفس الحنان والشجن الذين يطل بهما عجوزان لطيفان . كان الهواء راكدا ، ولكن لسبب ما كان شعر المارة منتفشا . وفى المنتزه أشعل الكناسون أوراق الشجر المتساقطة التى نشرت روائح التوابل ، وأشاعت شعورا بالقلق ، وأثَّرَت على الحالة النفسية مثل النبيذ . سارت سونيا باروخودوفا ببطء فى اتجاه شارع ميخافايا . ذَرَّت عينيها فى مواجهة الشمس وفكَّرَت فى حياتها التى هى فى واقع الأمر غاية فى الروعة .
    بيد أنه فى الفترة الأخيرة بدأ يسيطر عليها هاجس مزعج : ذلك الوجود السعيد ، المأمون ، الهادئ جدا ، يمكن أن نسميه ما نشاء ـ شذوذ ، حلم ، إحساس الأحاسيس ، ولكنه ليس الحياة بالمعنى الصحيح للكلمة . فالحياة الحقيقية هى شئ ما سرى ، مجهول ، رهيب ، هى ذلك الألم الفظيع الذى ، إضافة إلى ذلك ، يسحر ويجتذب .
    أخذت سونيا باروخودوفا تتجول فى المحلات ما يقرب من الساعة : اشترت زوج من الأحذية السوداء اللامعة ، زجاجة عطر ، قفازين من جلد الجدى ، طقم من الفرش العمودية للرسم ، علبـة شيكولاته ، باقة من زهور البنفسج ، كيس نقود من الخرز . وقبل انتهاء يوم العمل ذهبت إلى الأتيليه . لم تكن كاتيرينا موجودة ، فراحت تراقب ـ فى تشتت ـ كيف تعمل الفتيات وتتفحص بدقة خياطة أحـد الفساتين ، ودخَّنت سيجارة ثم انصرفت عن طريق الباب الخلفى للأتيليه .
    كانت الساعة حوالى السابعة مساء حينما ركبت سونيا باروخودوفا سيارة التاكسى منطلقة إلى منزلها . فى هذه المرة كان السائق قليل الكلام . فراحت تسأله :
    ـ هل صحيح أنهم سيرفعون أسعار الوقود ثانية ؟
    وهذا صامت .
    وبعد فترة تقول له :
    ـ هؤلاء الحمقى سيدفعون الشعب إلى ثورة روسية رابعة !
    وهذا صامت .
    كان أول شئ فعلته سونيا باروخودوفا بمجرد عودتها إلى البيت أن أخذت حمَّاما ، وارتدت فستانها الأسود القصير من دون أى شئ تحته ، ثم خرجت لتشم الهواء فى البلكونة دون أن تتنبه إلى خطر الإصابة بنوبة برد . كانت الشمس تحط فوق أسطح المنازل فى أزقة كوزيخينسكى ، وفاحت فى الجو رائحة حريق ما . وفى المنزل المقابل صاح الجار المجنون بكلمات بذيئة وهو يمد يده فى اتجاه سوق تيشينسكى ، وعلى الأفاريز راحت طيور الحمام الأزرق العرجاء تتمخطر . تنهدت سونيا باروخودوفا بشجن وعادت إلـى الغرفة . صبت لنفسها كأسا من البرنو وجلست إلى الهاتف .
    ـ كاتيا ، أنتِ ؟
    ـ تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
    ـ لم تصلحى الهاتف بعد .
    ـ أ لم نتفق على إصلاحه غدا !
    ـ أين كنتِ حوالى الساعة السابعة مساء ؟
    ـ ذهبتُ لأتفقَّد بعض أنواع الدانتيللا الجيدة .
    ـ وكيف الحال ؟
    ـ كان من الممكن عدم الذهاب من أصله .
    ـ وهذا التيس ، أ لم يتصل بكِ ؟
    ـ أى تيس ؟
    ـ صاحبك المحاسب ، ناقص النمو هذا .
    ـ اتصل قبل موعد الإغلاق بقليل .
    ـ وماذا يرى ؟
    ـ يرى أننى حمقاء ، ومن الممكن قيادتى عبر سلك التليفون باعتباره أقصر مقود موجود . الشئ الهام هو أننى لا أنوى بأى حال من الأحوال الزواج منه .
    ـ بسب البول السكرى ؟
    ـ لا ، ولكننى ببساطة لن أتزوج من مجرد غراب .
    بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ثم وضعت سونيا باروخودوفا السماعة واقتربت من النافذة المفتوحة . كانت المساء قد ولج بيسر وهدوء فى الليل ، والنجوم لم تظهر بعد ، ولكن السماء كانت قد اكتست بذلك اللون الأحمر القانى الثقيل الذى ينبئ ، كما هو مألوف ، بظهور النجوم فى الطقس الغائم . تلك السماء فيها شئ ما يقبض النفس ويُلَمِّح إلى أمر ما . استولى على سونيا باروخودوفا ثانية هاجس بأنها تمتلك انطباعا سطحيا عن الحياة الإنسانية ـ على الأقل لا تعرف عنها كل شئ . بذلت جهدا شديدا لطرد هذه الفكرة غير اللازمة من رأسها . تجوَّلَت قليلا فـى الغرفة ، ثم جلست خلف المكتب وأخذت تدير لمبة الكيروسين القديمة الموجودة تحت الغطاء الزجاجى المعتم . وفى تمهُّل وحذر رفعت الغطاء ، فصلت الجزء الملئ بالكيروسين ، رفعته فوق رأسها وسكبت كل ما فيه على نفسها . فاحت ، على الفور ، فى الغرفة رائحة دكان المواد الكيميائية . وبدون وعى عادت سونيا باروخودوفا إلى طفولتها فى مدينة إيجيفسك ، فى بيت صغير مكوَّن من طابقين ، وفى أسفله يبيعون أشياء كثيرة من بينها الكيروسين على وجه الخصوص . تناولت علبة الثقاب ، أخذت تحك الأعواد فى محاولة لحرق الثياب التى ترتديها . ولكن إما أن الكيروسين كان مغشوشا ، أو أنه يشتعل بشكل سئ فى الهواء ، مما اضطرها إلى إشعال أكثر من نصف العلبة قبل أن تعلق ألسنة اللهب الوردية بفستانها الأسود فى بطء وتثاقل وتُحدِث دخانا كريها . وعندما بدأ شعرها يطقطق على رأسها ، راودتها فكرة : ها هى الحيـاة الأخرى ، الرهيبة والعظيمة بلا حدود ، تنتهى هى الأخرى بلا رجعة .
    أخذ جلد سونيا باروخودوفا يحترق سريعا ، ودون أن تعى راحت تركض نحو الدرج . ظلت لبضع ثوان تتلفت حولها فى ضراوة ووحشية ، ولكن وعيها كان يتلاشى ، فسقطت على الدرج وأخذت تتدحرج إلى أسفل دون أن تفكَّر ، وإنما كانت تشعر على نحو ما ، أنها الآن تعرف كل شئ .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    جِراءٌ لِلبَيع

    دان كلارك ( كاتب أميركي معاصر )

    ترجمة : ناظم مزهر


    جِراءٌ للبيع ، هي لافِتة صغيرة عُلِّقَت على واجهة أحَد المحال ؛ لافِتةٌ مِثْل هذي بالتأكيد تُثير انتباه الأولاد الصِغار ، إذ سرعان ما توقَّفَ أحَدَهم وسألَ صاحب المَحَل :
    " بِكَمْ تبيع الجرو الواحد ؟"
    " بين الـ 30 والـ 50 دولاراً "
    أدخَل الولد يده في جيبه وقال :
    " لا أمْلُك غَير هذيّن الدولاريّن , هَلْ تسمَحُ لي برؤية الجِراء ؟"
    إبتسَمَ الرجل وصَفَرَ بفَمِهِ وعلى إثر ذلك خَرجَت خمسة جِراء بِيض تسير وراء أمها في المَمر الضيق وكان آخِرُها يَعْرجُ مُتعثراً لا يستطيع الِّلحاق بأخوتهِ ،و سُرعان ما لَفَتَ انتباه الولد فسألَ صاحب المَحَلْ:
    " ما بهذا الجرو ؟"
    أوضَحَ له الرجل إن الطبيب البيطري بعد الفحص أكَّدَ لَه إن الجرو هذا سيبقى أعرجاً طِوال حياته بسبب التواء مَفْصَل الوِرْك ، فسأَله الولدُ متأثراً :
    " بِكَمْ تبيعه ليَّ؟"
    " هذا الجرو ليس للبيع فإن أردتَّه خُذهُ مجاناً ."
    نَظَرَ الولد إلى الرجل وأشار بيده قائلاً بصوت غاضب :
    " كلا , لا أريده مجاناً فهو لا يفرق عن أخوته سأدفع لك ثمنه كاملاً , خُذ الدولاريّن الآن وسأعطيك دولاراً كُلّ شَهر حتَّى يَكْتمل المَبلغ ."
    لكنَّ صاحب المحل اعترضَ قائلاً:
    "لا أنصحك بشرائِه , إنَّه مُجرد جُرو مُعوَّق لا ينفع و ليس بإمكانه أن يركض أو يقفز ولا يمكنك أن تلعب معه مثل بقية الجراء , لِمَ لا تشتري غيره؟ ."
    هُنا إنحنى الولد ورفع أذيال بنطلونه ليكشف عن ساقه الخشبية المُثبَّتة بالسِّيور الجِلديَّة وقال لصاحب المحل :
    " لإنَّه الوحيد الذي يفهم حالتي ."

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    ماضيي ومستقبلي

    ايفان كوليكوف


    الكاتب في سطور :
    *ايفان كوليكوف كاتب بلغاري ساخر ولدفي عام 1951 في احدى القرى البلغاريه التي يقول عنها إنها لاتظهر على خريطة بلغاريا للسبب ذاته الذي لاتظهر فيه بلغاريا على بعض خرائط العالم.

    ترجمة : هادي شنيشل

    -1-


    عندما كان الحاكم الاوحد يتمشى في المتنزه... ناخسا اوراق الاشجار الساقطه بصولجانه بدأ يلاحظ خلال الاوراق ان هناك بشرا ساقطين ايضا...( إنها مشكلة ) قال الحاكم لنفسه( ما الذي أفعله مع الاوراق الساقطه)
    أنه يعرف ما الذي يفعله مع البشر الساقطين______حزب____!

    -2-


    الحاكم الاوحد عنده -أمهة- يحكمها من الصباح حتى الليل,يخطب بها,يغني لها,يٌطعمها,يقّـــّولبها, يوزعها كأفراد يراقب بعضهم بعضا ثمّ يجمعهم سويه على طاوله واحدة,يُقحم الامة في الانجماد ثم يحشرها في الفرن ويأخذها للشارع يلعب معها- لعبة الحرب - ويجعلها تبكي وتضحك, يقول لها : ماما , يسكر , يئن أو يفعل أي شئ حتى تنفد البطاريات تماما. في الليل لايترك الحاكم -الامة- بل يضطجع لينام معها, وعندما يتعب من كل ذلك يرميهافي مكان ما وينساها, لاتشعر الامه انها حره! بل وحــــــيــــده!

    -3-


    رجل عنده بقرة
    تعطيه الحليب
    البقره ماتت
    أقام لها الرجل نصبا تذكاريا
    وأستمر يحلب التمثـــــــــال!

    -4-


    نملك أرضا
    لدينـــــــــا مياه
    صانعو وحـــول نحنُ.

    -5-


    أحد مشردي مدينة( فارنا) نائم في الشارع الرئيسي في كارتونة فارغة لتلفزيون ماركة(صوفيا) يحلم بالغرب... نشطاء من الحزب الوطني رأوه...هشّموا وجهه القبيح ولإرضاء الرجل المشرد مرّ اعضاء من حزب (أوربا) بقربه, وأعطوه كارتونة فارغة لثلاجه ماركة فيليبس !

    -6-


    سادس رجل مهم في بلغاريا, ذهب في رحلة الى نيويورك, وحال بدء رحلته وبعيون مبحلقه تجول في الوول ستريت مستديرا يمينا نحوالبرودواي
    التُقطت له صورة امام مركز التجاره العالمي وأكمل طريقه على طول البرودواي حتى وصل الى شارع الكنال ستريت . هناك وجد مكانا بأمكانك أن تتناول وجبة غداء فيه ب99 سنتا, للمرة الأولى أحس بأنه في وسط ملائم.

    -7-


    البلغار مع مراقبهم يأكلون ويشربون ثلاث مرات يوميا, في احد الايام لم يأتِ المراقب, داخ الناس وفزعوا وفقدوا صوابهم خشية أن لايجدوا كسرة خبز أو قطره يشربونها, سمع الناس في الخارج أن البلغار لايجدوا ما يشربوه او يأكلوه, أرسلوا لهم كل انواع الاطعمه والعصائر والنقود, لكن الاخبار التي أستمرت تبثهاالسي ان ان أو تنشرها الليموند بقيت كماهي, أتى الناس بأنفسهم الى بلغاريا... وجدوا كل شئ :الاكل والشرب والنقود, لكنهم لم يجدوا البلغار.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الصــوفـي

    يوري ماملييف

    ترجمة : د. فالح الحمراني


    الكاتب في سطور :
    يواصل الاديب الروسي يوري ماملييف في اعماله تقاليد السوريالية الاوربية ويضفي نكهة روسية عليها. ويصف ماملييف نفسه بانه واقعي ميافيزيقي، وهذا لايجعل اعماله تتناقض مع المنطلقات الجمالية للسوريالية. ففي اعماله يتوحد الوجود مع الميتافيزيقي غير المدرك.وفي قصصه القصيره وروايته يجري تقارب بين اللاعقلاني واللاوعي والطبيعي الملموس.ويرسم ممالييف صورة ميتافيزيقية للعالم، ويستخدم لهذا الغرض الوسائل الفنية التقليدية لرسم صور بشرية وحياتية غير واقعية. وتبحث شخوص ماملييف طيلة الوقت عن الملكوت الرباني والمطلق ويقفون خلال البحث على شفر حافة الوجود والعدم في مسعي لتلمس الحد الاقصى للحالة التي يعيشونها. ويثير قلقهم السؤال عن الموت وعما يوجد هناك، ما بعد الحياة. وعالم قصصه وروايته وحكايته من ناحية عالم غامض، ملئ بالاسرار والهمس والغرائب ومن ناحية اخرى يؤكد اليومي. وتسعى شخوصه للتمكن من اسرار الكون والخليقة، بيد ان التجربة تبرهن على ان العقل عاجز عن بلوغ كل ذلك.
    ولد يوري فاسيلفتش ماملييف في عام 1931 في عائلة بروفيسور الامراض العصابية. وانهى في عام 1955 معهد تكنولوجيات الغابة، واشتغل حتى عام 1974 معلما لتدريس الرياضات. ومارس ماملييف حياته الحقيقية والاصيلة في الخفاء، حيث درس الفلسفة الهندية، والصوفية والغيبيات والماورائيات.واصدر مع نظرائه في الفكر في نهاية خمسينات القرن الماضي مجلة سرية تهتم بتلك الموضوعات التي كانت السلطات السوفياتية تحرم الخوض فيها.ومنذ 1953 وحتى عام 1973 كتب اكثر من مائة عملا نثريا مع انه كان يعرف انها لن تنشر في الاتحاد السوفياتي. وحصل عام 1974 السماح بالهجرة من الاتحاد السوفياتي وحتى عام 1983 عاش في اميركا ومن ثم انتقل الى باريس. ومنذ عام 1975 بدات اعمله القصصية تنشر في مختلف المجلات الادبية. وصدرت منتخبات من قصصة القصيرة في حولية "ابولون 77" و مجموعته القصصية بالانجليزية بعنوان "سماء فوق الجحيم". وتوالى من حينها نشراعماله القصصية والروائية ومقالاته ودراساته النقدية. ورات روايته الاولى " اذرع التوصيل" النوربعد عشرين عاما من كتابتها. وتدور احداث الرواية حول عملية قتل من اجل التغلغل في روح المقتول، وفي الوقت نفسه في العالم الاخر. وعاد ماملييف الى موسكو من المنفى اختياري عام 1994. ولاول رات اعماله النور في روسيا في عام 1990 بفضل اشاعة الديمقراطية.
    والاساس الروحي لاعمال ماملييف تتمثل في ادراك الحياة الدنيا باعتبارها مرحلة من تحولات غير مادية لذلك فان الموت يعني تحرر " الانا" من الجسد.وقصة "الصوفي(Mystic) نموذج لقصص يوري ممالييف.

    *******

    هذا الفناء كائن على مشارف موسكو، في زقاق ضيق، يلوح صغيرا وبلدة معزولة. ونادرا ما يترامى فيه ازيز سيارة حمولة متربة، الرب وحده يعرف من اين جاءت والى اي مكان تتجه. واستوت في الفناء زاوية مريحة وسخة استظلت بالواح خشبية قطعت بسكين. كانت فيها مساطب ومنضدة خشبية مائلة. وعند الامسية الصيفية حينما تنهال من السقوف والبيتوتات المتدلية لدور الفناء ذات الطابقين ويترامى مواء القطط، يتجه باشا وهو رجل سمين له اربعون عاما نحو الزاوية الهادئة وبوقار. يتهادى بكرش تدلى كشفتين. واذ اجتمع الجمهور هنا، يروح باشا بغير عجلة من امره، يسرد بجدية حكايته الطويلة العذبة عن الحياة الاخرى. ويروي كيف تواجد في العالم الاخر.
    وياتي الجمهور للاستماع له من الشوارع المجاورة والبعيدة،. ويجلب البعض معه القدور بالاكل، والمناشف ويقتعدون الحشائش.وتاتي احدى النساء الراضعات الى هنا حاملة طفلها ابن السنة، ورغم انه يغط دائما في النوم، فانها تدير وجهه كل مرة الى جهة الحكواتي.
    ويجلس باشا الحكواتي عادة نصف عاري، بقميص فانيلة وبنطلون، فيلوح صدره كث الشعر، وتتدلى دوما من جيبة سمكة "فوبلا" مقددة.ويستلقي الى جانبه المعجبون المقربون منه: ثلاثة مقعدين، وعجوزة ناحلة لفت على رقبتها ربطة عنق الطلائع اللينينية، وعامل عابس الوجه قوي الملاحظة ـ يجلسون بالقرب منه مثل سلسلة، ويضايقون على الاخرين. وهناك رجل عجوز بنظارة، عقلاني جدا يكتب في حزمة اوراق مدعوسة ومشعثة. و من نافذة احدى البيوت القريبة يبرز عند البداية فقط، قوام اسمر، ناحف. انها ليدَتشكا. بغي الحارة واول المعجبين بحكايات باشا عن العالم الاخر. ترتدي فستانا غريبا ملطخا اما بقذارة او بالبول، عيونها متعبة كانها تبحث عن الملكوت في السماء، واعتمرت اكليل اطفال من الاقحوان البري.ويستدير باشا نحوها براسه الكبيرة التي اثقلتها الافكار، ويدعوها له بشفتيه. فتهرع لِيدَتشكا الى باشا بكل تالق اعوامها التسعة عشر. لقد اعتدن نسوان الحارة العابسات السمينات كرغيف خبز، على ليدتشكا. ورغم انها تعاشر ازواجهن، فانهن يضمرن لها حب عميق وخالص. يضمرن لها الحب لان الازواج بكل الاحوال سيمارسون الخيانة الزوجية، وحتى النوم مع ظلالهم مثل الرجل المهبول من الطابق الثاني، ولولم تكن ليدتشكا وقصصها، لما كان لدى نساء الحارة موضوع للخوض فيه في الاماسي الطويلة ليوم الجمعة.فماعدا حكايات باشا عن العالم الاخر فالمتنفس الوحيد لنسوان الحارة كانت الاحاديث الطويلة الصاخبة عن مغامرات ليِدَتشكا. وغالبا ماشرعت بهذه الاحاديث تلك المراة التي يتنادم الان زوجها مع لِيدَتشكا، وتروح بدقة وتفصيل وبحماسة تقص كم من النقود انفق زوجها على لِيدَتشكا، وكم من القدور والمسامير اهداها.كل ذلك كان شيقا للغاية لذلك فان النساء قبلن بليدتشكا.
    وتشق ليدتشكا طريقها بين المساطب و كالعادة تستلقي على الارض عند اقدام باشا، ووجها نحو السماء. فبعد البغاء فشغلها الشاغل كان الرنو الى السحب الشاهقة في السماء0عقب ذلك يتنحنح باشا ويطفق بالحديث في البداية بصوت واطئ خجل، ومن ثم عاليا فعاليا:
    ـ حدث هذا بالضبط عشية الجمعة، وجدت نفسي بالخطأ في العالم الاخر. ومن ثم اعترفوا بالخطأ، فانبثقت فجأة.
    ويسحب باشا بحذر في هذه اللحظة من سرواله سمكة الفوبلا المقددة ويروح يشمها على مهل.ويواصل:
    ـ اقول لكم ان هذا البلد، اي عالم الحياة الاخرى عالم فاتن وبديع، فكل ما هناك يختلف عن ما لدينا. في البداية اعتراني الخوف، وبكيت مثل طفل معتوه، لا ادري مالعمل...الشئ السئ هناك انه ومن كافة الجهات واينما تتجة، تواجهك حفرة...طويلة مثل طريق التبانة... ومهما حاولت السير على جنب تجد نفسك دائما تمشي على الحافة... وبعد ذلك بدا الامر سهلا، فتعودت... وما يتعلق بالنساء،يا بنات ابدا ابدا لاشئ ...لانعدام وجودهن... فهناك كل شئ يبدو هوائيا. ولكن يمكنك ان تحب أي كان... لان الغرام لديهم من اجل الاحاديث... فاذا وقع احد في حب الاخر، فانهما ببساطة يجلسان ويتجاذبان اطراف الحديث طيلة الوقت عن مختلف الاشياء... وهذا هو الحب كله...والبعض يقول ان هذا افضل مما لدينا... وفي هذه الاثناء عادة ما تتأوه وتندب العجائز والنسوان المحيطات بباشا. وتردد العجوز الناحلة طيلة الوقت:
    ـ ياللرعب وينتعش باشا.
    ـ اذا وقع الاحد بحب صديقته، فهناك فقاعة لها الغرض... حيث تبرز من عيون المحبين فقاعة كبيرة وتلفهما في حزمة واحدة، ومع ذلك فانهما يظلان منفردين... فالاتصال يظل روحيا وانهما يظلان محميين من الفقاعات الاخرى...
    وبغتة تغمر عيون باشا كآبة وحشية، ويطفق بقظم سمكة الفوبلا على عجل.
    وتتعالى الاسئلة ـ ما بك يا باشا ويتمتم باشا وكانه يتحدث في الفراغ:
    ـ فقدت صديق لي هناك، احيانا يراودني في الحلم... وقد حدث ذلك بهذا الشكل. عندما وجدت نفسي هناك، اردت في البداية ان افتش عن امي وعن ابي. وجدي. لكن البحث هناك ليس سهلا، فانت ترى الناس ولاتراهم ولاتعرف ان كان الوقت ضياءا او ظلمة فليس ثمة قمر ولاشمس ولانجوم. ليس هناك شئ من هذا.تشعر بالحفرة في كل مكان. غرقت بالحزن وفكرت بالانتحار، تمضي تمضي ولاتعرف الى اين، ولايعير لك الناس اهتماما، كانك وسط اسماك، بيد ان وبالصدفة تعرفت على رجل سمين، رجل ممتاز، اسمه" ينتيم" ظهر انه بابلي... مهنته حمامجي... لقي حتفه قبل خمسة الاف سنة... فرحت للغاية، حتى رقصت من شدة السرور، ذهبت معه الى الاعلى وانغمرنا في الاحاديث. حكا لي كيف لقى حتفه. فقد مات على يد حلاق... استعمل فاسا غير مؤاتية لقص شعره وهذا ما افضى لموته...
    غرق الفناء بالسكون العميق، مثلما في اجتماع يعتزم تبني اجراءات خطيرة. ويستمر على هذا المنوال ساعة او ساعة ونصف، لاتنقطع الا حين تطرد عجوز صبيا وقحا.
    ويختتم باشا في نهاية المطاف حكايته. واول من ينهض ليدتشكا، وقد اغرورقت عينيها بالدموع. وتعدل الاكليل على رأساها وتاخذ باشا من يده. وكان باشا الرجل الوحيد الذي تمنحه ليدتشكا نفسها مجانا.والدمعات التي تفيض بها عيون ليدتشكا لاتعدو غير حبات بلورية تعبد الطريق لقلب باشا وللكائنات العليا.
    وعقب ان يهدأ الجميع، تاخذ ليدتشكا القيثارة، وتجلس على المائدة وتنشد اغاني مشحونة بالكلمات البذيئة...
    وبالتالي يسدل الظلام استاره، واول من ينسحب باشا مع ليدتشكا. يسيران متعانقين، رجل اعرج يتهادى بكرشه الكبير، وفتاة رشيقة القوام في فستان ملطخ بالبول.
    وتشيعهما نظرات العجائز. فيخيل لهن ان الاكليل من الاقحوان البري تي على راس ليدتشكا، هالة خفية متوهجة.
    وغالبا ما يقلن عنها :
    ـ قديسة
    وتعشق ليدتشكا باشا وحكاياته. بيد انها سرقت منه ذات مرة فنجانا عتيقا، حقا انه رخيص الثمن ولكنه عزيز على قلب باشا لانه ورثه عن جده، غير ان ليدتشكا ارادت شراء حذاء جديد ونقصتها بعض الروبلات.
    الجميع يراقبون اختفائهما في ثقب القبو المعتم. يختفيان وقد التصق احدهما بالاخر مثل اوراق من شجرة واحدة...وبعدها يتفرق الاخرون.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •