أنصتي وأنا أناديك
...
من فوق أغاني الأحراش المحطومة
أنصتي إليّ إنني أتكلم
بأفواه الموتى
أنصتي إليّ إنني أكتب
يدي مكسورة على قيثاره
إنني مرآتك
ما أجمل السفاح
أما قبحي فهو القبح الدقيق المضبوط
قبح الحقيقة التي يوجع القول بها
( إلى اللص ) صرخة تتردد كلما غرق الشاعر
في قلب الهامة و في قلب الكلمات
أما أنا فالكلمات التي أكتبها حسابات و أرقام
لقد قتل ذلك العدد من الجزائريين !
( إلى اللص ) صرخة تتردد كلما كانت القافية تنتظر
في بهرجها و زينتها ، أن يأتيها الوزن الأنيق
أما أنا فأعرف الحب
من خلال التليفون والحمام
( إلى اللص ) صرخة تتردد
كلما جعلنا من التاريخ زينة مصنوعة
و خطبنا ودّ الكلمات
و نظرنا إلى أنفسنا في المرآة
لكي نكتب قصيدة
الكوخ و القلب . .
إن فيلا ( سيسيني )
على جبال الجزائر
هي قصرحبي
حقيقتها كلها حلم لا عداد له
قيل لي إن العذوبة في جانب الطفولة
أما أنا فقد أحصيت
الأحياء
والأموات
والباقين على قيد الحياة
ينبغي أن يمر ألف عام
قبل أن نستطيع النسيان
جاءت موسيقاي
تتحامى
إزعاج
أولئك الذين ينامون في كل مكان
على الأرض الجزائرية
أنصتي وأنا أناديك
تذكري
عندما كنت أجرُّ جثتي في المنفى
عندها انت عيناي تريانك دون أن تلتقيا بعينيك
وإذ كنت أفتح صحيفتي قبل أن أفتض خطاباتي
إذ لم أعد أقدر مدى رقة الورود
إذ كنت أتغنى من بعيد بالأغنية التي يسمعونها
إذ لم يكن قلبي هناك حينما يتغنى قلبك بي
أنصتي و أنا أناديك
وتذكري
أنني قد لقيت معهم موتي..
مالك حداد
سأهبك غزالة
قصة نقلها من الفرنسية إلى العربية
صالح القرمادي
الأستاذ بدار المعلمين العليا بتونس
الدار التونسية للنشر
1968
اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني
أشد وأقوى من حاجز البحر الأبيض
المتوسط ...
وأنا عاجز عن أن أعبر بالعربية عما
أشعر به بالعربية ...
ان الفرنسية لمنفاي !..
مالك حداد
إلى صاحب هذه الصرخة الحبلى ،
وساجن الحب الأشقر والقواميس الألمانية – الفرنسية بفنادق باريس، ومغرق
الصحراء والحي اللاتيني في كؤوس "الروزي"، ومبيد الغزلان في أعين
عشاق العرق الشرقي الأكبر...
إلى الصديق الذي لا أعرفه إلا من خلال صدفة افريقيتنا الشمالية، وفصاحته
الفرنسية، وكأس قد شربنا بعقر حانوت لبيع الكتب العتيقة بنهج "الاوديون"
بباريس ذات عشية، كأس واحدة جمعتنا لأول مرة مشعشعة بمحادثة ثائرة
ثورة الاخاء، رقصت فيها أمانينا اللغوية وعربنا فيها بالخيال جميع ما ألفه
الكتاب الجزائريون.
وإلى جميع قراء العربية سواء أنطقوا بالضاد أم لا.
أقدم هذه الترجمة.
صالح القرمادي
تونس 1966
.
.
إلى مريم وإلى جمال علي - خوجة
.
.
لا تطرق الباب كل هذا الطرق
فإني لم أعد أسكن هنا !
.
.
ما أعظم الله ! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد. إني لأرى المؤلف فيبدو لي كأنه لوحة. وهيئته بباريس اللا نهائية ليست كهيئة أهل مهنته. انه لا يعبر البتة عن مقصوده بألفاظ خاوية لا تعبير فيها. فهو والالفاظ شيء واحد، شيء ذو بال، شيء ذو كيان ووجود.
عندما وضع المخطوط لم يكن بالمكتب أحد. ان المؤلف وحيد في حياته. ذلك أنه قادر على تسيير حياته وحده وبدون تدخل أحد سواه كما يسير سفينته الربان. وهو لا يرى نص الاشهار مشرقة ألفاظه في السماء، ولا يفهم من الأمور شيئاً عدا شباكه وعينيه. وما الفرق بين الشباك والعينين يا ترى؟ أجل ان الفرق موجود على كل حال. فالمرء يفتح شباكه لينظر إلى الخارج ويفتح عينيه لينظر إلى الباطن. وما النظر إلا تسلقك الجدار الفاصل بينك وبين الحرية. ولذلك نجد في الدنيا النظر القصير كما وجدنا فيها السلم القصير.
وضع المؤلف مخطوطه على طاولة عليها ممحاة فحاذى المخطوط الممحاة وكان بجانب الطاولة سلة للمهملات. ان الموجود باق. فالمماحي وسلال المهملات تترقب في خبث اتلاف المؤلف عمله بنفسه. ان حركة واحدة تكفي لذلك. غير أن عمل هذا الشيء الذي يسمونه رواية قد تطلب من الحركات ما لا يحصيه إلا الله. ذلك أن قطرة ماء واحدة تضاف إلى المحيط أمر ذو بال وخطر وعلى الانسان أن يحسب لها حسابها. ان اعتزاز المنتحرين كامن في احترامهم المماحي وسلال المهملات في سذاجة أكثر مما هو كامن في حاجتهم إلى اثبات أنفسهم باعدامهم. وليس الموت بقطرة ماء بل هو حصاة تلقى في البحر.
نظر المؤلف إلى يومية قديمة عليها تاريخ السنة الماضية. فخطر بباله أن في السنة عددا كبيرا من الايام. فياله من سلم! ثم هو يتكرر وسيتكرر من جديد. لقد كانت نظرته إلى الأشياء نظرة عمودية. فقد تعلم كلما تعلمه في صباه على سبورة بالحائط.
ولاحظ المؤلف أن المحابر قد انعدمت من على الطواول منذ أن اخترعوا أقلام الكرة الحبرية. فأزاح ذهابها عن طواول العمل صبغة هذه الطواول الخاصة بها وهي أنها مجعولة للكتابة. ان قلم الكرة الحبرية يمنح حامله رباطة جأش لا تتماشى والتفكير. والانسان الراغب في رسم سطر لا يحتاج إلى المسطرة مع هذا النوع من الأقلام. أما المؤلف فكان يستعمل للكتابة قلم حبر غليظا منتفخ الأوداج. وكان مولعا بملئه كلما اتفق أن تعطلت أفكاره أو نفذ حبره في أثناء جملة من الجمل. ان المؤلف لرائد . والانسان اذا استعمل قلم الكرة الحبرية لا يتعرض للتعطيل ولا للنفاذ أبداً. وترى كيف يمكن تقدير المجهود والتمتع به اذا انعدمت العلاقات المعتادة الدالة على النفاد؟
وكانت شذرات من الشمس المتفرغة العاطلة مارقة من خلال نافذة المكتب الضيقة. كانت شمسا متغضنة دخلت فلم تكد تتعدى سلة المهملات. وكنت تلاحظ علما متدليا من الطابق الأعلى كأنه في تدليه أذن بائسة. ان المجد لفي ابتهاج. ولم يكن هناك ريح ولا "استرليتز" ولا جسر "آكول".
لقد كان ذلك العلم في أساه المثلث الألوان كمحارب من قدماء المحاربين شاخ فأحالوه على المعاش. ونظر المؤلف إلى ساعته بدون أن يقرأ فيها الوقت ، وخطر له أنه لم يعد ثمة موجب لبقائه بذلك المكتب فاتجه نحو الباب، وكان الباب محفوفا بدفاتر عديمة الجدوى. ذلك أنه كان من عادته أن يحكم على جميع الأمور التي لا يفهمها بعدم الجدوى. وما أكثر الأمور التي كان لا يفهمها! لقد كان الناس يقولون له ويكررون انه عائش في السماء. وفي الواقع فقد كان لا يفهم السماء. ومع ذلك كان يعتقد اعتقاد اليقين بأن السماء لا دفاتر فيها.
وآل الأمر بشذرات الشمس المتفرغة العاطلة إلى أن وقعت في سلة المهملات وما أغرب الشمس تقع في سلة المهملات! وابتسم المؤلف وكان الابتسام يجعل منه رجلا شديدا صارما. لقد وقع نظره ذات يوم على صندوق من صناديق القذارات به صورة من نوع الصور التي تلتقط للعروسين أثناء العرسات. كانت العروسة مرتدية فستانا أشد بياضا من ابتسامتها الحذرة الموهوبة لآمالها قصد مداراتها. وآما العروس فقد كانت تبدو عليه علامات الرصانة والجد: ابتسام. وأطفال سيلعبون غدا. وأكاليل اللطف والحنان. واليد في اليد. يا له من تكرار لفظي مقدس! ابتسام ورصانة... وفي نهاية المطاف تلك الصورة البائسة، تلك الصورة المسكينة. في صندوق من صناديق القذارات. لا بد أن تكون القضية قضية انسان نظم أوراقه ورتب ذكرياته.
كان المخطوط على الطاولة، هادئا كالاسطوانة في غلافها.
وبينما كان المؤلف يهم بالخروج تذكر أنه لم يكتب العنوان لا على الصفحة الأولى من الكتاب ولا على ورقة الكاغذ المقوى الذابلة التي كان المخطوط محفوظا فيها فرجع أدراجه إلى المكتب وكتب بحروف كبيرة:
.
.



رد مع الاستدلال





الروابط المفضلة