Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 25
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    Lightbulb الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي في سطور

    هي الرواية الجميلة.. الساحرة.. و المبدعة بامتياز. شاعرة الرواية العربية.. و ليس غريبا عليها ذلك، فهي بدأت حياتها الأدبية في كتابة الشعر، و تحولت إلى الرواية في أروع عطاء صنعته إلى الآن على شكل ثلاثية أقل ما يقال عنها أنها تحفة الأدب العربي..
    أحلام مستغاني الجزائرية التي ترعرعت في عائلة بسيطة و كريمة.. منذ ثلاثين سنة غادرت فيها الجزائر حاملة احساسا بالمرارة، ربما لأنها مبدعة في زمن لم يكن يفقه فيه كثير من الناس قيمة ما تكتبه، و لأنها كانت مختلفة أيضا في أفكارها، جريئة في مجتمع محافظ.. سافرت إلى فرنسا، و تزوجت من الاعلامي اللبناني المعروف جورج الراسي.. و تحولت من شاعرة فقط، إلى أكبر روائية على الاطلاق، فهي لم تكسر حاجز اللغة بالنسبة لها كجزائرية، بل أيضا تجاوزت اللغة التي من خلالها أبهرت كل القراء العرب الذي اكتشفوا الروائية و الشاعرة على حد سواء.. لتحتل اليوم ريادة الأديبات و الأكثر شهرة في العالم العربي بعد أن وصلت مبيعات روايتها الأولى ذاكرة الجسد إلى 500 ألف نسخة.
    أحلام تدرك جيدا متاعب الشهرة. تدرك أن عليها أن تبقى في القمة، و أن عليها ألا تتراجع، فكلما أصدرت كتابا تراهن من خلاله على الريادة و هو أمر يبدو متعبا في ظل الوافدين إلى الشهرة من باب الرواية تحديدا..
    دودة قراء

    سأعود

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    أحلام مستغانمي من مواليد الجزائر العاصمة عام 1953. وقد نالت البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة الجزائر عام 1976. وفي مطلع السبعينيات أسهمت في تقديم الشعر في الإذاعة الجزائرية شفاهياً وفي جريدة الشعب تحريراً. وبعد تخرجها، سافرت إلى باريس حيث أكملت في عام 1980 بحوثها ونالت شهادة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة السوربون. وقد نشرت رسالتها المكتوبة بالفرنسية بتقديم المستعرب جاك بيرك عام 1985 وعنوانها "الجزائر: المرأة والكتابة". راجع Ahlem Mosteghanemi, Algérie: Femme et écritures (Paris: L'Harmattan, 1985). ولها مجموعتان شعريتان، على مرفأ الأيام (الجزائر: الشركة القومية للنشر والتوزيع، 1973)؛ الكتابة في لحظة عري (بيروت: دار الآداب، 1976)، بالإضافة إلى ثلاث روايات: ذاكرة الجسد (بيروت: دار الآداب، 1993)؛ فوضى الحواس (بيروت: دار الآداب، 1997)؛ عابر سرير (بيروت: منشورات أحلام مستغانمي، 2003). وقد نالت روايتها الأولى جائزة نجيب محفوظ عام 1998، وترجمت إلى الإنجليزية عام 2000 ثم أعيد نشر الترجمة منقحة عام 2003 (صدرت الطبعتان عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة)، كما ترجمت إلى الفرنسية (دار ألبان ميشيل)، عام 2002، وهناك مشروع نقل الرواية إلى الشاشة. وكل الإشارات إلى صفحات رواية ذاكرة الجسد في المقالة ترجع إلى طبعة دار الآداب الأولى.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    أحلام مستغانمي كاتبة تخفي خلف روايتها أبًا لطالما طبع حياتها بشخصيته الفذّة وتاريخه النضاليّ. لن نذهب إلى القول بأنّها أخذت عنه محاور رواياتها اقتباسًا. ولكن ما من شك في أنّ مسيرة حياته التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت صدى واسعًا عبر مؤلِّفاتها.
    كان والدها "محمد الشريف" من هواة الأدب الفرنسي. وقارئًا ذا ميول كلاسيكيّ لأمثال :
    Victor Hugo, Voltaire, Jean Jaques Rousseau . يستشف ذلك كلّ من يجالسه لأوّل مرّة. كما كانت له القدرة على سرد الكثير من القصص عن مدينته الأصليّة مسقط رأسه "قسنطينة" مع إدماج عنصر الوطنيّة وتاريخ الجزائر في كلّ حوار يخوضه. وذلك بفصاحة فرنسيّة وخطابة نادرة.
    هذا الأبّ عرف السجون الفرنسيّة, بسبب مشاركته في مظاهرات 8 ماي 1945 . وبعد أن أطلق سراحه سنة 1947 كان قد فقد عمله بالبلديّة, ومع ذلك فإنّه يعتبر محظوظاً إذ لم يلق حتفه مع من مات آنذاك ( 45 ألف شهيد سقطوا خلال تلك المظاهرات) وأصبح ملاحقًا من قبل الشرطة الفرنسيّة, بسبب نشاطه السياسي بعد حلّ حزب الشعب الجزائري. الذي أدّى إلى ولادة ما هو أكثر أهميّة, ويحسب له المستعمر الفرنسي ألف حساب: حزب جبهة التحرير الوطني FLN .
    وأمّا عن الجدّة فاطمة الزهراء, فقد كانت أكثر ما تخشاه, هو فقدان آخر أبنائها بعد أن ثكلت كل إخوته, أثناء مظاهرات 1945 في مدينة قالمة. هذه المأساة, لم تكن مصيراً لأسرة المستغانمي فقط. بل لكلّ الجزائر من خلال ملايين العائلات التي وجدت نفسها ممزّقة تحت وطأة الدمار الذي خلّفه الإستعمار. بعد أشهر قليلة, يتوّجه محمد الشريف مع أمّه وزوجته وأحزانه إلى تونس كما لو أنّ روحه سحبت منه. فقد ودّع مدينة قسنطينة أرض آبائه وأجداده.
    كانت تونس فيما مضى مقرًّا لبعض الرِفاق الأمير عبد القادر والمقراني بعد نفيهما. ويجد محمد الشريف نفسه محاطاً بجوٍّ ساخن لا يخلو من النضال, والجهاد في حزبي MTLD و PPA بطريقة تختلف عن نضاله السابق ولكن لا تقلّ أهميّة عن الذين يخوضون المعارك. في هذه الظروف التي كانت تحمل مخاض الثورة, وإرهاصاتها الأولى تولد أحلام في تونس. ولكي تعيش أسرته, يضطر الوالد للعمل كمدرّس للّغة الفرنسيّة. لأنّه لا يملك تأهيلاً غير تلك اللّغة, لذلك, سوف يبذل الأب كلّ ما بوسعه بعد ذلك, لتتعلَّم ابنته اللغة العربيّة التي مُنع هو من تعلمها. وبالإضافة إلى عمله, ناضل محمد الشريف في حزب الدستور التونسي (منزل تميم) محافظًا بذلك على نشاطه النضالي المغاربيّ ضد الإستعمار.
    وعندما اندلعت الثورة الجزائريّة في أوّل نوفمبر 1954 شارك أبناء إخوته عزّ الدين وبديعة اللذان كانا يقيمان تحت كنفه منذ قتل والدهما, شاركا في مظاهرات طلاّبيّة تضامنًا مع المجاهدين قبل أن يلتحقا فيما بعد سنة 1955 بالأوراس الجزائريّة. وتصبح بديعة الحاصلة لتوّها على الباكالوريا, من أولى الفتيات الجزائريات اللاتي استبدلن بالجامعة الرشّاش, وانخرطن في الكفاح المسلَّح. ما زلت لحدّ الآن, صور بديعة تظهر في الأفلام الوثائقية عن الثورة الجزائرية. حيث تبدو بالزي العسكري رفقة المجاهدين. وما زالت بعض آثار تلك الأحداث في ذاكرة أحلام الطفوليّة. حيث كان منزل أبيها مركزاً يلتقي فيه المجاهدون الذين سيلتحقون بالجبال, أو العائدين للمعالجة في تونس من الإصابات.
    بعد الإستقلال, عاد جميع أفراد الأسرة إلى الوطن. واستقرّ الأب في العاصمة حيث كان يشغل منصب مستشار تقنيّ لدى رئاسة الجمهوريّة, ثم مديراً في وزارة الفلاحة, وأوّل مسؤول عن إدارة وتوزيع الأملاك الشاغرة, والمزارع والأراضي الفلاحيّة التي تركها المعمّرون الفرنسيون بعد مغادرتهم الجزائر. إضافة إلى نشاطه الدائم في اتحاد العمال الجزائريّين, الذي كان أحد ممثليه أثناء حرب التحرير. غير أن حماسه لبناء الجزائر المستقلّة لتوّها, جعله يتطوّع في كل مشروع يساعد في الإسراع في إعمارها. وهكذا إضافة إلى المهمّات التي كان يقوم بها داخليًّا لتفقّد أوضاع الفلاّحين, تطوَّع لإعداد برنامج إذاعي (باللّغة الفرنسيّة) لشرح خطة التسيير الذاتي الفلاحي. ثمّ ساهم في حملة محو الأميّة التي دعا إليها الرئيس أحمد بن بلّة بإشرافه على إعداد كتب لهذه الغاية.
    وهكذا نشأت ابنته الكبرى في محيط عائلي يلعب الأب فيه دورًا أساسيًّا. وكانت مقرّبة كثيرًا من أبيها وخالها عزّ الدين الضابط في جيش التحرير الذي كان كأخيها الأكبر. عبر هاتين الشخصيتين, عاشت كلّ المؤثّرات التي تطرأ على الساحة السياسيّة. و التي كشفت لها عن بعد أعمق, للجرح الجزائري (التصحيح الثوري للعقيد هواري بومدين, ومحاولة الانقلاب للعقيد الطاهر زبيري), عاشت الأزمة الجزائرية يومًّا بيوم من خلال مشاركة أبيها في حياته العمليّة, وحواراته الدائمة معها.
    لم تكن أحلام غريبة عن ماضي الجزائر, ولا عن الحاضر الذي يعيشه الوطن. مما جعل كلّ مؤلفاتها تحمل شيئًا عن والدها, وإن لم يأتِ ذكره صراحة. فقد ترك بصماته عليها إلى الأبد. بدءًا من اختياره العربيّة لغة لها. لتثأر له بها. فحال إستقلال الجزائر ستكون أحلام مع أوّل فوج للبنات يتابع تعليمه في مدرسة الثعالبيّة, أولى مدرسة معرّبة للبنات في العاصمة. وتنتقل منها إلى ثانوية عائشة أم المؤمنين. لتتخرّج سنة 1971 من كليّة الآداب في الجزائر ضمن أوّل دفعة معرّبة تتخرّج بعد الإستقلال من جامعات الجزائر.
    لكن قبل ذلك, سنة 1967 , وإثر إنقلاب بومدين واعتقال الرئيس أحمد بن بلّة. يقع الأب مريضًا نتيجة للخلافات "القبليّة" والانقلابات السياسيّة التي أصبح فيها رفاق الأمس ألدّ الأعداء.
    هذه الأزمة النفسيّة, أو الانهيار العصبيّ الذي أصابه, جعله يفقد صوابه في بعض الأحيان. خاصة بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال, مما أدّى إلى الإقامة من حين لآخر في مصحّ عقليّ تابع للجيش الوطني الشعبيّ. كانت أحلام آنذاك في سن المراهقة, طالبة في ثانوية عائشة بالعاصمة. وبما أنّها كانت أكبر إخواتها الأربعة, كان عليها هي أن تزور والدها في المستشفى المذكور, والواقع في حيّ باب الواد, ثلاث مرّات على الأقلّ كلّ أسبوع. كان مرض أبيها مرض الجزائر. هكذا كانت تراه وتعيشه.
    قبل أن تبلغ أحلام الثامنة عشرة عاماً. وأثناء إعدادها لشهادة الباكلوريا, كان عليها ان تعمل لتساهم في إعالة إخوتها وعائلة تركها الوالد دون مورد. ولذا خلال ثلاث سنوات كانت أحلام تعدّ وتقدّم برنامجًا يوميًا في الإذاعة الجزائريّة يبثّ في ساعة متأخرّة من المساء تحت عنوان "همسات". وقد لاقت تلك "الوشوشات" الشعريّة نجاحًا كبيرًا تجاوز الحدود الجزائرية الى دول المغرب العربي. وساهمت في ميلاد إسم أحلام مستغانمي الشعريّ, الذي وجد له سندًا في صوتها الأذاعيّ المميّز وفي مقالات وقصائد كانت تنشرها أحلام في الصحافة الجزائرية. وديوان أوّل أصدرته سنة 1971 في الجزائر تحت عنوان "على مرفأ الأيام".
    في هذا الوقت لم يكن أبوها حاضراً ليشهد ما حقّفته ابنته. بل كان يتواجد في المستشفى لفترات طويلة, بعد أن ساءت حالته.
    هذا الوضع سبّب لأحلام معاناة كبيرة. فقد كانت كلّ نجاحاتها من أجل إسعاده هو, برغم علمها أنّه لن يتمكن يومًا من قراءتها لعدم إتقانه القراءة بالعربية. وكانت فاجعة الأب الثانية, عندما انفصلت عنه أحلام وذهبت لتقيم في باريس حيث تزوّجت من صحفي لبناني ممن يكنّون ودًّا كبيرًا للجزائريين. وابتعدت عن الحياة الثقافية لبضع سنوات كي تكرِّس حياتها لأسرتها. قبل أن تعود في بداية الثمانينات لتتعاطى مع الأدب العربيّ من جديد. أوّلاً بتحضير شهادة دكتوراه في جامعة السوربون. ثمّ مشاركتها في الكتابة في مجلّة "الحوار" التي كان يصدرها زوجها من باريس, ومجلة "التضامن" التي كانت تصدر من لندن. أثناء ذلك وجد الأب نفسه في مواجهة المرض والشيخوخة والوحدة. وراح يتواصل معها بالكتابة إليها في كلّ مناسبة وطنية عن ذاكرته النضاليّة وذلك الزمن الجميل الذي عاشه مع الرفاق في قسنطينة.
    ثمّ ذات يوم توّقفت تلك الرسائل الطويلة المكتوبة دائمًا بخط أنيق وتعابير منتقاة. كان ذلك الأب الذي لا يفوّت مناسبة, مشغولاً بانتقاء تاريخ موته, كما لو كان يختار عنوانًا لقصائده. في ليلة أوّل نوفمبر 1992 , التاريخ المصادف لاندلاع الثورة الجزائريّة, كان محمد الشريف يوارى التراب في مقبرة العلياء, غير بعيد عن قبور رفاقه. كما لو كان يعود إلى الجزائر مع شهدائها. بتوقيت الرصاصة الأولى. فقد كان أحد ضحاياها وشهدائها الأحياء. وكان جثمانه يغادر مصادفة المستشفى العسكري على وقع النشيد الوطنيّ الذي كان يعزف لرفع العلم بمناسبة أوّل نوفمبر. ومصادفة أيضًا, كانت السيارات العسكريّة تنقل نحو المستشفى الجثث المشوّهة لعدّة جنود قد تمّ التنكيل بهم على يد من لم يكن بعد معترفًا بوجودهم كجبهة إسلاميّة مسلّحة.
    لقد أغمض عينيه قبل ذلك بقليل, متوجّسًا الفاجعة. ذلك الرجل الذي أدهش مرة إحدى الصحافيّات عندما سألته عن سيرته النضاليّة, فأجابها مستخفًّا بعمر قضاه بين المعتقلات والمصحّات والمنافي, قائلاً: "إن كنت جئت إلى العالم فقط لأنجب أحلام. فهذا يكفيني فخرًا. إنّها أهمّ إنجازاتي. أريد أن يقال إنني "أبو أحلام" أن أنسب إليها.. كما تنسب هي لي".
    كان يدري وهو الشاعر, أنّ الكلمة هي الأبقى. وهي الأرفع. ولذا حمَّل ابنته إرثًا نضاليًا لا نجاة منه. بحكم الظروف التاريخيّة لميلاد قلمها, الذي جاء منغمسًا في القضايا الوطنيّة والقوميّة التي نذرت لها أحلام أدبها. وفاءًا لقارىء لن يقرأها يومًا.. ولم تكتب أحلام سواه. عساها بأدبها تردّ عنه بعض ما ألحق الوطن من أذى بأحلامه.
    مراد مستغانمي شقيق الكاتبة
    الجزائر حزيران 2001

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    أن تكون كاتباً جزائرياً

    ألقيت هذه الشهادة في مؤتمر الروائيين العرب في القاهرة 1998

    عندما تكون كاتباً جزائرياً, وتأتيك الجزائر يومياً بقوافل قتلاها, بين اغتيالاتها الفردية, ومذابحها الجماعية, وأخبار الموت الوحشي في تفاصيله المرعبة, وقصص أناسه البسطاء في مواجهة أقدار ظالمة. لا بد أن تسأل نفسك ما جدوى الكتابة؟ وهل الحياة في حاجة حقاً الى كتّاب وروائيين؟ ما دام ما تكتبه في هذه الحالات ليس سوى اعتذار لمن ماتوا كي تبقى على قيد الحياة.
    وما دامت النصوص الأهم, هي ليست تلك التي توقّعها أنت باسم كبير, بل تلك التي يكتبها بدمهم الكتاب والصحافيون المعرفون منهم والذكرة, الصامدون في الجزائر. والواقفون دون انحناء بين ناري السلطة والإرهاب والذين دفعوا حتى الآن ستين قتيلاً.. مقابل الحقيقة وحفنة من الكلمات.
    عندما تكون كاتباً جزائرياً مغترباً, وتكتب عن الجزائر, لا بد أن تكتب عنها بكثير من الحياء, بكثير من التواضع, حتى لا تتطاول دون قصد على قامة الواقفين هناك. أو على أولئك البسطاء الذين فرشوا بجثثهم سجاداً للوطن. كي تواصل أجيالاً أخرى المشي نحو حلم سميناه الجزائر. والذين على بساطتهم, وعلى أهميتك, لن يرفعك سوى الموت من أجل الجزائر الى مرتبتهم.
    الجزائر التي لم تكن مسقط رأسي بل مسقط قلبي وقلمي, ها هي ذي تصبح مسقط دمي. والأرض التي يقتل عليها بعضي بعضي, فكيف يمكنني مواصلة الكتابة عنها ولها. واقفة على مسافة وسطية بين القاتل والقتيل.
    لقد فقدنا في الجزائر خلال السنوات الأخيرة أكثر من ستين كاتب ومبدع. هم أكثر من نصف ثروتنا الإعلامية. ولم يبق لنا من الروائيين أكثر من عدد أصابع اليدين في بلد يفوق سكانه الثلاثين مليون نسمة, أي انه لا يوجد في مقابل كل مليون جزائري, كاتب واحد ينطق ويكتب ويحلم ويفكر باسم مليون شخص.
    فأي نزيف فكري هو هذا؟.. وأيّة فاجعة وطنية هي هذه! ولذا كلما دعيت الى ملتقى حول الكتابة بدأ لي الجدل حول بعض المواضيع النقدية أو الفنية أمراً يقارب في طرحه مسرح العبث.. عندما يتعلّق الأمر ببلد يشكل فيه الكاتب في حد ذاته نوعاً بشرياً على وشك الإنقراض, وتشكّل فيه الكتابة في حد ذاتها تهمة لم يعد الكاتب يدري كيف يتبرّأ منها.. وذنباً لم يعد يدري كيف يجب أن يعلن توبته عنه أمام الملأ ليتمكن أخيراً من العيش بأمان.
    فما الذي حلّ بنا اليوم؟
    منذ الأزل نكتب وندري أن في آخر كل صفحة ينتظرنا رقيب ينبش بين سطورنا, يراقب صمتنا وأنفاسنا, ويتربص بنا بين جملتين.
    كنا نعرف الرقيب ونتحايل عليه. ولكن الجديد في الكتابة اليوم أننا لا ندري من يراقب من.. وما هي المقاييس الجديدة للكتابة.
    الجديد في الكتابة اليوم, أنّ أحلامنا تواضعت في بضع سنوات. فقد كنا نحلم أن نعيش يوماً بما نكتب.. فأصبحنا نحلم ألا نموت يوماً بسبب ما نكتب.
    كنا نحلم في بدايتنا أن نغادر الوطن ونصبح كتاباً مشهورين في الخارج. اليوم وقد أصبحنا كذلك أصبح حلمنا أن نعود الى وطننا ونعيش فيه نكرات لبضعة أيام.
    كنا نحلم بكتابة كتب جديدة.. أصبحنا نحلم بإعادة طبع كتبنا القديمة ليس أكثر .. فالذي كتبناه منذ عشرين سنة لم نعد نجرؤ على كتابته اليوم.
    عندما تكون كاتباً جزائرياً. كيف لك اليوم أن تجلس لتكتب شيئاً في أي موضوع كان دون أن تسند ظهرك الى قبر.
    في زمن العنف العدميّ, والموت العبثي, كم مرة تسأل نفسك. ماذا تكتب؟ ولمن؟ داخلاً في كل موت في حالة صمت حتى تكاد تصدّق أنّ في صمت الكاتب عنفاً أيضاً.
    ماذا تكتب أيّها الروائي المتذاكي.. ما دام أيّ مجرم صغير هو أكثر خيالاً منك. وما دامت الروايات اكثر عجائبية وإدهاشاً تكتبها الحياة.. هناك.
    سواء أكانت تريد أن تكتب قصة تاريخية, أم عاطفية أو بوليسية. رواية عن الرعب أ عن المنفى. عن الخيبة, عن المهزلة, عن الجنون.. عن الذعر.. عن العشق.. عن التفكك.. عن التشتت عن الموت الملفّق.. عن الأحلام المعطوبة.. عن الثروات المنهوبة أثناء ذلك بالملايين بين مذبحتين.
    لا تتعب نفسك, لقد سبقتك جزائر الأكاذيب والخوف وكتبتها.
    الحياة هي الروائي الأول في الجزائر. وأنت, أيّها الروائي الذي تملك العالم بالوكالة, وتدير شؤونه في كتاب. الذي يكتب قطعاً ليس أنت. ما دمت تكتب بقلم قصصاً يشاركك القدر في كتابتها بالدم.
    كنا نحلم بوطن نموت من أجله.. فأصبح لنا وطن نموت على يده.
    فلماذا تكتب؟ ولمن؟ وكيف يمكن فضّ الاشتباك بينك ككاتب والوطن؟ وهل المنفى هو المكان الأمثل لطرح تلك الأسئلة الموجعة أكثر من أجوبتها.
    أراغون الذي قال صدقتها "الرواية أي مفتاح الغرف الممنوعة في بيتنا" لم يكن عربياً. وإلا لكان قال "إن الرواية هي مفتاح الأوطان المغلقة في وجهنا.
    إنه التعريف الأنسب للرواية المعاصرة, التي منذ جيلين أكثر تولد في المنافي القسرية أو الإختيارية. موزعة على الخرائط العربية والغربية. هناك حيث ينتظر عشرات المبدعين العرب موتهم. حالمين أن يثأروا يوماً لغربتهم بالعودة في صناديق مفخخة بالكتب, فيحدثوا أخيراً ذلك الدوي الذي عاشوا دون أن يسمعوه: دويّ ارتطامهم بالوطن.
    إنه زمن الشتات الجزائري إذن. وطن يفرغ ليتبعثر كتّابه ومثقفوه بين المقابر والمنافي ليواصلوا الميراث التراجيدي للكتابة العربية, وينضمّوا للشتات الفلسطيني وللشتات العراقي.. والشتات غير المعلن لأكثر من بلد عربي, تنفى منه شعوب بأكملها, وتنكسر فيه أجيال من الأقلام إكراماً لرجل أو لحفنة من الرجال, يفكرون بطريقة مختلفة ولا يغفرون لك ان تكون مختلفاً.
    ذلك ان الكتابة أصبحت الآن أخطر مهنة. والتفكير أصبح أكبر تهمة, حتى أنه يشترك مع التكفير في كل حروفه ويبدو أمامه مجرد زلة لسان.
    فلماذا نصرّ إذن على التفكير؟ ولماذا نصرّ على الكتابة؟ وهل يستحق أولئك الذين نكتب من أجلهم كل هذه المجازفة؟
    إن وطناً أذلّنا أحياء لا يعنينا أن يكرّمنا امواتاً. ووطناً لا تقوم فيه الدولة سوى بجهد تأمين علم وطني تلف به جثماننا, هو وطن لا تصبح فيه مواطناً إلا عندما تموت.
    يبقى أن الذين يتحملّون جريمة الحبر الجزائري ليسوا القتلة. والذين يحملون على يدهم آثار دم لما يقارب المائة ألف شخص كانوا يعيشون آمنين.. ليسوا التقلة. وإنما أولئك الذين لم تمنعهم كلّ فجائعنا من مواصلة الحياة بالطمأنينة والرخاء نفسه, والذين استرخصوا دمنا.. حتى أصبح الذبح والقتل أمراً عادياً لا يستوقف في بشاعته حتى المثقفين العرب أنفسهم.
    والذين تفرّجوا خلال السنوات الأخيرة بلا مبالاة مدهشة على جثتنا. والذين جعلوننا نصدق ذلك الكاتب الذي قال:
    "لا تخش أعداءك, ففي أسوأ الحالات يمكنهم قتلك
    لاتخش أصدقاءك ففي أسوأ الحالات يمكنهم خيانتك
    إخش اللامبالين فصمتهم يجيز الجريمة والخيانة".

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    شهادة في الكتابة

    قدمّت هذه الشهادة في معهد العالم العربي في باريس سنة 1997
    ككّل مرة يطلب مني ان أتحدث عن تجربتي في الكتابة أجدني أنا التي احترف الكلمات, لا أدري كيف ألخّص عمري على ورق. ولا أعرف متى كان مولدي بالتحديد.
    فالكاتب يولد فجأة, ولكن غالباً في غير التاريخ الذي يتوّقعه.
    هناك من يعتقد انه كاتباً منذ الأزل. وهناك من ولد أمام أول كتاب أصدره. وآخر لم يولد إلا في الأربعين, أمام نصّه الأخير.
    لكن, أن تسوّد عشرات الأوراق, لا يعني أنك مبدع. وأن تصدر أكثر من كتاب لا يعني أنك كاتب. "همنغواي" كان يقول "الكاتب هو من له قراء" وربما كان يعني من له معجبون وأعداء. وحسب هذا المفهوم, يمكنني أن أقول أنني كاتبة.
    فأن تكتب يعني تفكّر ضدّ نفسك. أن تجادل أن تعارض أن تجازف, أن تعي منذ البداية, أن لا أدب خارج المحظور, ولا إبداع خارج الممنوع, ولا خارج الأسئلة الكبيرة التي لا جواب لها. ولو كانت الكتابة غير هذا, لاكتفت البشريّة بالكتب السماوية وانتهى الأمر. ولكن, خطر الكتابة ومتعها يكمنان في كونها إعادة نظر, ومساءلة دائمة للذات. أي كونها مجازفة دائمة. ألهذا, كلما تقدمت بي الكتابة, غادرت عمر القناعات, ودخلت سنّ الشك. ربما لأنّ الكتابة لا يمكن أن تتم على أرض ثابتة, حتى أنك تنتقل فيها من صنف أدبيّ الى آخر دون سابق قرار.
    في البدء, كنت شاعرة, وربما جئت الى الشعر في لحظة تحد. أتوّقع أن أكون ولدت في السابعة عشرة من عمري. عندما وقفت لألقي شعراً في الجزائر على جهور متحمّس وشرس. جاء نصفه ليصفق لي. ونصفه الآخر ليحاكمني بتهمة أنوثتي, والكتابة عن الحب, في زمن لم ينته فيه الأخرون من دفن الشهداء على صفحات الجرائد والكتب. أعتقد ذلك, لأن الشاعر يولد دائماً في لحظة مواجهة.
    وكهامش لهذه الحادثة التي تناقلت الصحافة الجزائرية آنذاك تفاصيلها. بما في ذلك تدخّل والدي نيابة عني للرد على الجمهور, نظراً لصغر سني وعدم قدرتي على مواجهة قاعة بأكملها.
    أذكر الآن بألم, أن أمسيتي الشعرية تلك كانت في إطار موسم شعري سنة 1973 أقيم في قاعة "الموغار". أخذ فيه شعر الشباب باللغتين الحيّز الأكبر. وهكذا فقد جاءت بين أمسيتين للشاعرين الشهيدين الطاهر جعوط ويوسف سبتي, اللذين كانا يكتبان باللغة الفرنسية. وبدآ مشوارهما الشعري معي في ذلك الموسم نفسه. وحتماً كانا يجهلان آنذاك أنه برغم الهدوء والفتور الذين قوبلا بهما من طرف الجمهور, ورغم الزوبعة الإعلامية التي حسداني عليها. سيأتي يوم بعد عشرين سنة يتصدران فيه جميع الجرائد العربية والأجنبية كشهيدين للشعر الجزائري, سقطا ذبحاً.. ورمياً بالرصاص.. بتهمة الكتابة.
    كان ذلك زمن التحدي الجميل. ورغم أنني كنت الفتاة الوحيدة التي تكتب آنذاك بين شعراء اللغتين, فقد كنت أشعر دائماً ان انتمائي لأحلام ذلك الجيل من الشباب يفوق انتمائي لأنوثتي, وأن الشعر والوطن هما قضيتي الأولى. وأما الأنوثة فهي مشكلتي وحدي.
    تأكّد لي ذلك بعد عدّة سنوات, عندما غادرت الجزائر لأقيم في فرنسا وأدخل دوّامة الحياة الزوجية والأمومة والإلتزامات الإجتماعية.
    ذات صباح استيقظت وإذا بي زوجة وأمّ لثلاثة صبيان ودكتورة في السوربون وباحثة في علم الاجتماع وطبّاخة وغسّالة وجلاّية ومربيّة في كل ساعات النهار. كان لي أكثر من لقب وأكثر من مهنة. غير أني كنت قد فقدت لقب "شاعرة".
    أعتقد أنني أنا التي أخذت قرار التخلي عن الشعر. خشية أن أصبح أدنى منه.
    أن تحترم الشعر, حدّ الإعتراف في أول خيانة له بأنك لم تعد شاعراً. هي الطريقة الوحيدة لتحافظ على لقب شاعر, ولو بينك وبين نفسك.
    فإذا كان لا شيء أكثر سطوة ووجاهة من لقب شاعر. فلا شيء أيضاً أثقل حملاً ولا أسرع عطباً من هذا اللقب.
    فإن تكون شاعراً يعني أن تكون إنساناً حراً, حريّة مطلقة. ولا أقصد فقط أن تكون حراً في الإدلاء برأيك أو حراً في الذهاب بجنونك حيث شئت قولاً وفعلاً. بل يتطلّب أيضاً أن تكون حراً في وقتك. أن تكون شاعراً يعني أن تكون بتصرّف الشعر وكأنك نذرت نفسك له. فهو ككل حالات الإبداع يأتيك متى شاء, فيلغي لك موعداً ويأخذ لك آخر. ويحجزك ساعات أمام ورقة. ويخرجك من طورك لأيام. ولذا الشعر ترف ليس في متناول أمرأة عندنا. إنه يذكرني بذلك التعبير الجميل (لمورياك) عندما يقول "أنا حصان الشعر الجامح.. لكنني مشدود الى عربة المحراث".
    وأن أكتشف أن الشعر قد غادرني لم يخفني, بقدر ما خفت أن يغادرني الحبر أيضاً, وتخونني الكلمات. فأنا إمرأة من ورق. تعوّدت أن أعيش بين دفتي الكتب. أن أحب وأكره وأفرح وأحزن وأقترف كل خطاياي على ورق. تعلّمت ان أكون كائناً حبرياً, ألآ أخاف من رؤية نفسي عارية مرتجفة على ورق.
    فأنا أحب عُريي هذا. أحب قشعريرة جسدي العاري أمام بركة حبر. وأؤمن أن الكلمات التي تعرينا هي وحدها التي تشبهنا. أمّا تلك التي تكسونا فهي تشوهنا. ولذا كان عنوان ديواني الثاني منذ عشرين سنة "الكتابة في لحظة عري".
    وربما كان لحياة الأمومة والبيت التي عشتها خمس عشرة سنة متتالية أثر في تغيير مزاجي الحبري, ونظرني الى الكتابة. ذلك ان الكتابة لم تعد كل حياتي. بل حياة مسروقة من حياتي الشرعيّة . أصبحتْ أشهى وأصبحتْ أخطر. أصبحتْ حالة مرضية. وعكة حبر, وحالة خوف وذعر من شيء لا يمكن تحديده. أصبحتْ حالة تعددية وقدرة على أن أعيش داخل أكثر من امرأة. أن يكون لي أكثر من نشرة جويّة في اليوم. وأكثر من جسد كل ليلّة. وأكثر من مزاج عشقي, وأن تكون لي يد واحدة لا أكثر أكتب بها كل هذا.. وأسرق بها كل هذا.
    (جان جنيه) كان يقول "كنت من قبل أسرق, اليوم صرت أكتب الكتب" وبإمكاني أن أقول العكس: فلقد بدأت كاتبة, وانتهيت سارقة. فالكتابة بالنسبة لي مواجهة مع الواقع المضاد. إنّها نهب وسطو دائم. فأنا أسرق الوقت لأكتب. وأسطو على مكتب إبني لأكتب, وأتحايل على من حولي لأخذ موعداً مع الورق.
    وسأظل أنهب الكلمات كما ينهب بعضهم السعادة. ذلك أنّ الكتابة هي المغامرة النسائية الوحيدة التي تستحق المجازفة. وعلي أن أعيشها بشراسة الفقدان كمتعة مهددة.
    لقد عشت عدة سنوات دون مكتب ودون غرفة للكتابة. أنقل أوراقي من غرفة الى أخرى. الأن كل الغرف من حولي كانت محجوزة, تعوّدت أن أسكن ذاتي. ولأن كل الأبواب كانت مغلقة حولي فتحت يوماً خطأ باباً كان لا بد ألا أفتحه. وإذا بي أمام نفسي. وإذا بي روائية.
    لأراغون مقولة جميلة "الرواية هي مفتاح الغرف الممنوعة في بيتنا" يوم قرأتها أدركت أنني دخلت الرواية دون أن أدري. وأنا أفتح ذلك الباب بحشريّة وفضول. وإذا بي أصاب بالدوار والذهول وانا أقع على امرأة توقعتها غيري.. وإذا بطوفان الكلمات يذهب بي نحو نصّ مفتوح ومخيف في نزيفه. لم يكن إلا رواية سيكون حجمها أربع مئة صفحة ويكون إسمها "ذاكرة الجسد".
    عن هذه الرواية التي كان لها قدر أكبر مما توقعت, لن أقول لكم شيئاً. فأنا لست هنا لأروج لها. إنني اعتبر صمت الكاتب بعد كل كتاب جزءاً من إبداعه.
    فالكاتب عليه أن يقول كل شيء في كتابه وليس بعد صدوره. وليس عليه أن يقول أكثر مما كتب ليشرح للآخرين ما كان ينوي قوله. كل كتابة لا بد أن تؤدي الى الصمت. ولذا الأجمل أن يصمت الكاتب بعد كل كتاب أحتراماً لذكاء القارىء. ولأبطال لم يعودوا في حاجة إليه بعد الآن.
    ولكن ما أريد قوله, هو أن الكتابة مشروع شخصي. ورحلة لا يقوم بها المسافر إلا وحده. لسبب وحده معني به.
    وحتماً إن رحلة على هذا القدر من المجازفة والمواجهة تكون شاقة أكثر بالنسبة الى المرأة التي تدفع مقابلها ثمناً مزدوجاً. هو ثمن الكتابة.. وثمن الأنوثة.
    أمّا إذا كانت جزائرية وتكتب باللغة العربية, فهي معرّضة لمخالفتين إضافيتين, الأولى أن تدفع ثمن هويّتها والثانية ثمن اختيارها الكتابة بلغة محفوفة بالمخاطر أكثر من غيرها.
    فهل نعجب بعد هذا, أن لا يكون لنا في الجزائر شاعرات أو روائيات باللغة العربية. على ألأقلّ بما يعادل باللغة الفرنسية على قلّتهن. وهل نعجب أن يكون ديواني الصادر سنة 1973 في الجزائر أوّل ديوان شعري نسائي باللغة العربية. وأن تكون روايتي (ذاكرة الجسد) الصادرة بعد ذلك بعشرين سنة تماماً. هي أيضاً أول عمل روائي نسائي باللغة العربية. وكأن الأدب الجزائري المكتوب باللّغة العربية لم يكن ينتظر غيري طوال عشرين سنة. في بلد تتخرّج عن جامعاته كلّ سنة آلاف الطالبات, بإتقان للغة العربية.
    إن اكتشافاً كهذا لا يملأني زهواً فأنا أعي أن وجاهتي الأدبية تعود لمصادفة تاريخية وجغرافية, ليس أكثر.
    بقدر ما يملأني بإحساس غامض بالخوف على اجيال لن تعرف متعة الكتابة بهذه اللغة. بل وقد لا تعرف متعة الكتابة على الإطلاق. بعد أن حرمها البعض من متعة القراءة أيضاً. وأقنعها أن الكتاب صديق سوء. وأن هناك كتباً مفخّخة تنفجر في قارئها. وأن الكتّاب قطاع طرق يتربصون بالقارىء بين صفحتين, ومجرمون يتنقلون وفي حوزتهم أوراقاً وأقلاماً. وأنهم صنف بشري لا يستحق الحياة.
    في زمن ما زالت فيه الحدود مغلقة أمام ما تبقى واقفاً من أقلام. وما زال فيه أنظمة عربية من الجهل, بحيث تخاف حتى من عناوين كتبنا. وتمنع مؤلفاتنا من قبل حتى أن تقرأنا. وثمّة أخرى استرخص فيها دم وشرف الكتاب بحيث يموتون كل يوم مقابل حفنة من الكلمات. نحن نطمح أن تعيش كتبنا.. لا ان نعيش منها. نطمح أن تسافر كتبنا لا أن نسافر على حسابها. نطمح أن لا يشتري القارىء كتبنا على حساب لقمته. لأنه لن يزيدنا ثراءاً.. وإنما يزيد من عقدة ذنبنا.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    في غرفة لها باب وسقف وشباك
    الردود
    271
    ممكن سؤال

    هل قرأت رواياتها؟

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    يوم كامل مع أحلام في قسنطينة

    فوضى الأشياء في مدينة فقدت رونقها
    خلال الزيارة التي قامت بها الروائية أحلام مستغانمي مؤخراً الى الجزائر لحضور حفل تسليم جائزة مالك حداد الأدبية, انتقلت الى مسقط رأسها قسنطينة, بحثاً عن الملاية ومالك حداد والحياة التي تركتها ذات يوم, فلم تجد سوى الفنادق البائسة ومظاهر الحياة الجديدة التي قضت على التقاليد التي جاءت من أجلها, وبروحها النقدية" التي تلازمها كالقلم عبّرت عن سخطها ورفضها لهذا الواقع.
    * *
    كتبت أحلام مستغانمي في روايتها الشهيرة "ذاكرة الجسد":
    "قسنطينة...
    كيف أنت يا أميمة.. واشك؟
    أشرعي بابك واحضنيني.. موجعة تلك الغربة.. موجعة هذه العودة...
    بارد مطارك الذي لم أعد أذكره.. بارد ليلك الجبليّ الذي لم يعد يذكرني. دثريني يا سيدة الدفء والبرد معاً..
    أجلي بردك قليلاً.. أجلي خيبتي قليلاً...
    قادم اليك أنا من سنوات الصقيع والخيبة, من مدن الثلج والوحدة.. فلا تتركيني واقفاً في مهب الجرح".
    هكذا حدست زيارة أحلام مستغانمي لقسنطينة من الوصفة الجاهزة, "ولكن من يملك ما يكفي من الحدس لقراءة خطى امرأة ذاهبة أو عائدة من موعد حب؟" المشهد لم يكن معقداً كما توقعته ولا درامياً, لم تذرف أحلام مستغانمي دمعة اللقاء الحار ولم تفتح عينيها دهشة أمام الجمال الخرافي الذي يصيب الغرباء بالدوار, أحلام مستغانمي وهي تلتصق جسداً نابضاً وجميلاً بذاكرة صعبة ومتعبة كانت كالمدينة معلقة, وقلبت هذه السيدة منطق توقعاتي فالمشهد المعقد الدرامي كنته وحدي أنا.
    "جميل ما يحدث لي هذا الصباح, كأن تستيقظ من نوم شتوي, تزيل ستائر نافذتك بكسل وفضول من يريد أن يعرف ماذا حدث في العالم أثناء نومه, واذا بالحب يطالع جريدة على كرسي في حديقة بيته.. وينتظره, بينك وبينه لم يكن سوى زجاج النافذة المبلل وفصل "-فوضى الحواس- فتحت النافذة وقطعت الفصل للوصول. في صالون فندق البانوراميك, التقيت بالقلم الذي هزّ أركان المشرق والمغرب, وكانت على قدر تلك الأمجاد بسيطة, مباشرة وثائرة, كانت تبدو مسيرة للفرح في مدينة جنائزية, بدأت في انتقاد الفندق الذي لا يمكنه أن يشرّف أحداً أو مدينة "يجب أن نفعل شيئاً, ماذا يكلّف بناء فندق لائق؟ لمَ لا نكتب لائحة أوقعها ويوقعها كل مواطن؟" مطالب لا علاقة لها بالشعر ولكن بالثورة, كيف استطعت ان تهبي كل تلك الحياة لكل ذاك الموت؟ رافقت وفد أحلام الصغير إلى قسنطينة العتيقة, وكان يتكوّن من الكاتبة وشقيقها (ياسين), صديقين و"منخب" كان دليلنا ونحن نتسلّق وجه سيرتا المجعّد. من حيّ القصبة إلى قصر الباي, المسافة كانت بعض خطوات لمعاينة مأساة القصر الذي تحوّل من معلم حضاري كوني الى ما يشبه البيوت الممهجورة التي تتحوّل مع الوقت الى بيوت "مسكونة" بالأشباح!
    "خسارة" لم تتوّقف أحلام عن ترديد هذه الكلمة بلهجة جزائرية حادة وصلبة, لم تخفِ قناعتها بأن هذا القصر ورغم محاولات انتشاله لن يكون كامل الجثة " c est fini - ماذا سيرمّمون فيه؟" لم تقتنع بشيء أمام المهزلة الحيّة, "لماذا تركتموه كل هذه المدة بلا عناية؟.." قالت أحلام الجملة المزعجة المفيدة.. ثم شارع فرنسا الغاص بالمارة وباعة كل شيء وأي شيء, هناك بدأ البعض ينتبه للزائرة المختلفة, تطلعت العيون إليها واشتدّ الهمس أحياناً "هذي أحلام!" كنا محتاجين للكلام الذي قلتِه في التلفزيون" وعلق صديق مرافق "لهذا لا يريدون تحرير التلفزيون" كانت الأصوات تناديها بألفة غريبة, في كل مرّة يستوقفها معجب أو معجبة ليخبروها عن حبهم لما تكتب, ولمرورها الجميل, "مرحباً بك" كانت الكلمات تلقى باتجاهها كالورد في كل مرة حتى من تلك السيدة التي تعاني الصمم والبكم, كما أحبت أحلام وردتها هي, بنفس الابتسامة التي لا تتعب, ووقعت كتاباص لمعجبة مذهولة انحنت تقبل اطفالاً رأوها في نشرة اخبار تلفزيون الأمس, ورفعت رأسها لتحية المرحبين من إحدى نوافذ البيوت العتيقة ثم تعليق أحد الشاب الذي استوقفها "هذِ هي البلاد!" ليمتدّ شاطىء الحديث الجميل بينهما, من قال أن الجزائريين غير مهتمين. قالت "أترين إنها شبهة لا تجوز في حق الجزائريين" فقلت "نعم". سرت أحياناً خلف كاتبتي ولم أكن أستطيع التمييز بينها وبين أبطال روايتها, ها هما يسيران خالد بن طوبال وأحلام جنباً الى جنب أو ربما بعضاً في بعض يوّحدهما الجسد الانثوي القادم من الشرق وقلب حامل عدسة مكبرة لاقتفاء آثاره, ذلك المالك حداد. بعد دهر أو 20 سنة إكتشفت الزائرة حمام سوق الغزل ودار البحري أو "دار الوصفان" كما هي معروفة لدى الأهالي, وحيث ما زالت "النشرة" تمارس بطقوس السنين كل يوم إثنين. التقطت أحلام صورة في كل مكان (هي التي لا تحبّ الصور) في "دار عرب" و"زنقة عرب" وفي "المدرسة" أو الاكاديمية الجماعية كما تسمى اليوم, ثم يا أحلام.. هذا مقهى النجمة, قلت لأحلام التي فتحت عينيها حباً وشهوة, قلت لها أنه مكان كاتب ياسين أيضاً ولا أدري إن سمعتني لأني رأيتها تحتل مكاناً على طاولة ومكاناً في صورة للذكرى, ربما بطريقة ما حفرت مرورها على مقهى النجمة الذي يجب أن يغيّر أهدافه ويستميت في الدفاع عن اسمه.
    البحث عن الملاية من زنقة الى اخرى
    قالت: أبحث عن ملاية, قلت: سيكون الأمر صعباً قالت: وعلاش؟ قلت: لأن "مودة الحجاب قضت على التقليد الجميل. لكن حظها كان جميلاً لأنها أفلحت في اصطياد معلم ينقرض, وافتكت صور تخدم حبها للمدينة.. هو لك أحلام, متحف الحداد النسائي علي صالح باي.. إستمتعت كثيراً وأنا أراقب هاتين اليدين وهما تحاولان جمع مشاهد اللوحة المحطّمة, ساعتان من التنقل بين زنقة وأخرى, ساعتان من ورطة الخروج عن النصّ أو محاولة الدخول فيه, ساعتان لم تقل فيهما أحلام أشياء كثيرة عن إحساسها أو بالأحرى لم تقل شيئاً هل هي سعيدة أو محبطة؟ وعندما لم يبق لفضولي الصحفي متسع صبر سألتها: هي منفرة هذه المدينة الصابرة. إستجابت بسرعة المستفز, "لا لماذا تقولين ذلك. إنني فقط عاجزة عن الكلام أفضل الكتابة". ثم صمتت, فهمت أنها الصدمة فهي من تعطّل كل شعور بالسعادة أو الألم الى ما بعد حالة دفن الحدث, فهمت أيضاً أن حديثاً صحفياً تقليدياً لا يعني شيئاً طالما أنني لا أستطيع إفتكاك "الانطباع" لكنني بالمقابل افتككت شيئاً آخر, أو تراها كانت عمليّة تعويض مقصودة؟ لأنه كان من المفترض أن تزور صاحبة الجسد والذاكرة متحف سيرتا, لم تفعل وفاجأت دليلها بالطلب الآتي: ياخويا أنا حابّا نشوف الجبّانة (المقبرة)" ثم أضافت "عندما يموت شخص مهم في الخارج ويحمل كي يدفن هنا.. وين تدفنوه؟" في المقبرة المركزية تؤكّد إجابات متفرّقة, قالت إحملوني إليها.. الأمر كان يتعلق بوفاة خالد بن طوبال بطل روايتها الثالثة, قالت هل هناك مكان محجوز للشخصيات. لا إنه لم يعد في هذا المقبرة مكان لأي موتى أصلاً لكن يضيف المنتخب مازحاً ما دام لدينا بعض نفوذ في المدينة "نلقاولو بًليْصَه مليحه, كِي تجيبيه رانا هنا". بصمت كنت اتلقّى رغبات هذه السيدة كثلج في آب, لا أعلم لماذا وأنا أقرأ من فوضى الحواس جملتك التالية تذكرت تلك الزيارة التي كانت خارج التوقيت التقليدي (السبت الرابعة مساءا) "الأدب يجعلك تتوهّم أنك تواصل في الحياة نصاً بدأت كتابته في كتاب".
    لحظة غضب
    أيعقل ان تمنحيني بهذه البساطة لحظة من لحظات الميلاد؟ أيعقل ان تجعلي مني شاهداً على ميلاد جنازة بن طوبال. كيف سحبتني نحو لحظة الشذوذ بين أنثيين, كاتبة ومدينة لتأكيد شرعية المولود؟ من سيتجرّأ على القول بعدها أن "عابر سرير" طفل أنابيب أو يدعي بأنه متبنى؟؟ أردت أن أقول مثلك: "يتركني المشهد جثة حب على شاطىء الذهول", لا يهتم لوجودي الطحلبي ينسانس وينتهي.." لكن عيناي امتلأت برائحة الأرض والصنوبر في المقبرة الآمنة, والتصقت بشفتاي صورة امرأة متحمّسة لقبر ما وأمسكت بيدي صوتاً حاداً يعلن عن تحقيق الهدف: "يوريكا بن طوبال قد ينام هنا. في لحظة وعي كادت أن تكون عابرة فهمت بأن قوة المشهد أصابتني بفوضى الحواس, ركضت صامتة كاتمة ذعري نحو سيارتي متخذة قراراً عسكرياً باستبعاد التحكم بي, لكن قرار أحلام أسرع مني لقد قررت مرافقتي في السيارة وستؤرخ عن غير قصد لتلك "اللذة المنهوبة". على الطريق تداخلت الأشياء في حديث كان أشبه بزمن الهمبرغر مستعجل ومختصر, كان حول البلد والحرية والرواية القادمة "عابر سرير" ثم نزار قباني "قال لي ان الكلمة التي تخافين منها هي التي يجب أن تكتبيها وتستميتي في الدفاع عنها" وأقول لك عفواً فقد أخذت مكاناً في مدرسة نزار من خلالك وحفظت الدرس. نزلت الكاتبة في دار البلدية حيث كان ينتظرها كومة من المنتخبين الذين لا يعرفون عن ذاكرة الجسد شيئاً وقلة مختلفة, إستقبلها الفرقاتي أيضاً وغنّى لها شيئاً عن الاقمار وقدمت لها قندورة تقليديّة لكن ذلك لم يثنها عن مطالبة المسؤولين بإنشاء فندق للمدينة, لا يعقل ان تدعو هذه المدينة شخصيات دولية الى فنادق بائسة.. من يقبل النوم مع الصراصير؟ سألت ثم أضافت كيف لم يفكر مسؤول واحد منذ 40 سنة في مشروع مهم كهذا؟ لوجاء ضيوفي معي (كانت تقصد نور الشريف ود. سهيل إدريس, وبعض الكتاب من لبنان وأبو ظبي) لتهدّم في لحظة ما بنيته في سنوات.. وتساءلتُ كيف أنها استطاعت الانتصار على لوثة المراسيم.. ثورة على قدمين كانت تلك الأحلام ومرّت كالشهب المضيئة, كالنجم الهارب, لذلك أغمضت عيني وأسريت الى الله بأمينة.. حان وقت المغادرة ولم يبق على موعد إقلاع الطائرة إلا بعض ساعة نستعد لأخذ طريق المطار , لكن شهرزاد تغير مسار الحكاية.. إتجهنا الى بيت مالك حداد, هذا الرجل الذي حفر بِصمته معجزة ما في روح هذه المرأة.. إنها تحبه حدّ الولع, وربما قال لها مالك حداد يوماً شيئاً ما وربما لم يقل لكنه في كل حالات التواصل حقق لنفسه امتداداً غريباً في قلم كسب تأييد القراء ورفعه باللغة التي قتلته حباً, إلتقت بزوجته وتحدثت طويلاً.. مدت حبال الحديث الى بعض الكواكب كانت تحوم في المجرة لتقول أحبه لكن المجرّة ابتلعتها. هل تزور أحلام قسنطينة ولا تنهب شيئاً من مالك حداد لتهربيه معها؟ جاءت تبحث عن ذراع خالد بن طوبال المبتورة كي تشدّ عليها في بيته ورائحته وصوره, كانت أحلام تصلّي, وكنت أتفرج على مشهد حار وواحد, قالت: "عليك أن تعيشي السعادة كلحظة مهدّدة, أن تعي أن اللذة نهب والفرح نهب والحب.. وكل الأشياء الجميلة لا يمكن الاّ أن تكون مسروقة من الحياة أو من الاخرين.. "قطعت أحلام مستغانمي مئات الآميال بحثاً عن شبح مدينة وشبح رجل وأشباح كثيرة أخرى لا علاقة لها بالتجارة الخارجية والتبزنيس. ثم الطريق الى المطار.. لا شيء يقال هنا غير أنني عانقت قوس قزح بمحبة بعد أن قالت لي "أكتبي أن احلام مستغانمي إغتالها الحب في قسنطيتة" لكنني اعتذرت لأنني أكره الاغتيال وأخاف الموت, قلت لها: أعذريني أحلام لن أوقّع على كلمة اغتيالك ولو بالحب, لكنني سأوقع على جملة أخرى من مالك حداد اليك:
    "الشمس تريدين؟
    إليك الشمس
    اريد الابتسام للأغنية التي ستقول رغم كل شيء
    أنّ الموسيقيّ ليس سعيداً..
    وأريد أن أقول شكراً.." من مالك حداد الى أحلام مستغانمي..
    غ.رشيدة
    جريدة الخبر 25 حزيران 2001

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    ساحرة بصيغة شاعرة

    حين تولد أنثى خارج حرب الجزائر, وتخرج من قشرة الجسد في تونس, إنما تبدأ مغامرات وجودها مهاجرة من مكان الى مكان آخر, ومن أعماق الأحاسيس الى أحداق الحواس, مسكونة بذاكرة لا سبيل الى وصفها الا بصوت القاص أو الراوي, الروائي. هي حلم بين أحلام كثيرة حملها الجزائريون معهم إبان حرب التحرير. ولكن والدها, الذي تحبه كثيراً, لدرجة عدم البوح باسمه اقله على صفحات كتاباتها, فهو من مستغانم, أورثها غنائمه, وحمّلها أحلامه, من قسنطينة الى اللامتناهي. أمّا هي فقد اكتشفت مبكراً أنثاها الساحرة, فلم تدخر أنوثة الثقافة والجماليات لكي تكتب ملحمتها الشعرية, وتخرج الى المسرح الأدبي الكبير, روائية ساحرة بصيغة شاعرة.
    أحلام مستغانمي, ما زالت تخاطبنا وكأنها لم تكتب بعد "الأحلام الكبيرة" أو الأخيرة, إن كان للأحلام من آخر. بين الجزائر وباريس, احرزت تكويناً أدبياً وعلمياً رفيعاً, فتخرجت من كلية الآداب بجامعة الجزائر, حملت دكتوراه في علم الاجتماع من السوربون, ولعلها رغبت في التخفيف من اثقالها فلم تقرن اسمها بألقاب ولانعوت.
    سنة 1973, نشرت أحلام مستغانمي, في الجزائر, مجموعتها الشعرية الاولى: "على مرفأ الايام". وجاءت الى لبنان, شاعرة وكاتبة بادئة/باهرة, حيث تعرفت في بيروت على رفيق عمرها الدائم (جودت) أو جورج الراسي, الذي صار باحثاً ودكتوراً وكاتباً,.. لكنه لم يدخل مع زوجته عالم الأدب والرواية. تزوجت أحلام وأنجبت ثلاثة أبناء, وصارت لبنانية –جزائرية, عربية على كل حال, وانسانية عالمية في وجهها الأدبي الآخر.
    هربت من آثار حرب الجزائر لتواجهها في لبنان حرب فلسطين, ثم حروب على لبنان نفسه. فغادرت مع زوجها الى فرنسا, وكان غياب جسدي طويل, لكن ذاكرة الحبر كانت تطوّق فينا ذكريات الاجساد, وهي تعبر الآفاق المتحولة, من الاعماق الى الاحداق. فجأة أحلام مستغانمي, ذات اللغة الفرنسية, ولكن هذه المرة بلسان عربي, فتقتحم عالم الكتابة بعنوان مثير كالحرب: "الكتابة في لحظة عري" (الآداب, بيروت 1976). هنا أدركت أحلام حرية الكتابة بلا مواربة, تأصلت في محبرة ذاتها, بعد تلوّث طبيعي بأقلام آخرين.
    مفارقة الباحثة والروائية
    الدكتورة أحلام مستغانمي, كالدكتورة نوال السعداوي, مثلاً, تعتبر دون إعلان أن "الدكترة" هي الاستثناء وأن الكتابة هي الاصل, والقاعدة بالنسبة الى النساء العربيات اللواتي حرمن بقوة "الحريم الثقافي" من حق القراءة والكتابة فكان ردها على القهر النسائي الثقافي في أسلوبين:
    -أسلوب البحث العلمي الاجتماعي, من خلال اطروحتها: "الجزائر, المرأة والكتابة". بالفرنسية, المنشورة في باريس سنة 1985, ومن خلاله بحثها السابق, بالعربية: "المرأة في الادب الجزائري المعاصر" (1981).
    -اسلوب السرد الروائي, الابداعي على خلاف ما عرفته الجزائر من قبل ولا سيما مع آسيا جبار (الجزائر-1926) التي نشرت رواية "العطش" سنة 1957, ولم تعد تبحث عن ماء آخر في السبيل المستحيل, كما ستفعل أحلام مستغانمي, حين أُخرجت من لهيب الحبر روايتها الاولى, المثيرة: "ذاكرة الجسد" التي صدرت للمرة الاولى عن دار الآداب (بيروت-1993). فأكملتها بجزئها الثاني (فوضى الحواس) عن الدار نفسها, سنة 1998.
    جديد أحلام إبداعها. فهي من جيل ثقافي عروبي يدافع عن إرثه ومستقبله, كأنه يرفض ان يواري "حلمه الثوري الكبير" فابتكرت في الجزءين الأول والثاني من روايتها (التي يفترض ان يكون لها جزء ثالث, وربما رابع), نموذجاً أدبياً للعربي الصامد, المقاوم, الممانع, الجميل في لغته والثابت في مسعاه وكدحه لأجل حياة حرة وكريمة على أرضه, إنه نموذج شعري, مسكون بالوعي السياسي لتاريخ حاضر ولكن على أشلاء واندثارات, تسعى بالذاكرة الى تجميعه من وراء "فوضى حواسه" التي لم يعد يجممعها كلها عقل أو قبضة واحدة, كأصابع اليد. اكثر من ذلك, البطل في "ذاكرة الجسد" أبتر, فقد في الحرب يديه! والبطلة في "فوض الحواس" تبدو عطراً بلا جسد, تخرج من المحبرة, وتكبر خارج الحبر.
    في جزئي روايتها المتصلة (ذاكرة/فوضى) تشدنا أحلام من أحداقنا الى أعماقها, الى لسان صدقها وتحبسنا في أفكار وأحلام مبتكرة تماماً, بلا بداية ولا نهاية.
    أحلام مستغانمي تكتب عذاب العرب المعاصرين من داخل جسدها, على ايقاعات معذبيها الجدّد. ومن روع حبها تجعلنا نتخيّل مع روايتيها أننا نقرأ رواية عربية, تعاش في الجزائر, في لبنان أو فلسطين أو أينما شئت من أقطار الوطن العربي, روايتها "ذاكرة الجسد" زلزال ثقافي, لم يسبق أن أصاب الأرض العربية الراكدة, ما يوازيه.
    الدم وبطولة الحبر
    في "فوضى الحواس" تخرج البطلة الساحرة حقاً, من إناء الحبر, بعدما داخت وراء البطل المذكر. المؤنث, وعلى البطل هنا أن يسعى وراء البطلة الحبرية الدامية ليشهد ولادة حرية المرأة العربية من الداخل الفكري, لا من الخارج السياسي.
    البطلة أنثى خالدة, تحمل كل الأسماء والألوان والعناوين, ولكنها مسحورة, لا تُعرف بسهولة ولا من "الوهلة الاولى". إذ تسعى البطلة الى استنهاض حواس أدبية من أجسادنا ومن أبجديتنا العربية, لتنفر بنا في صحراء الكلام المثير إلى أعماق سيمفونية النهوض من كبوة الدم ببطولة الحبر أو القول, أولاً.
    رواية متصلة بجزءين (في779 صفحة) تنتظر جزءها الثالث, قريباً, الكاتبة هي نفسها البطلة, ولو سعت الى إخفاء نفسها في محبرة لا لونية, شيمة كل المواد الاولى للابداع الاول. فالكاتبة تسارع دوماً الى فرز ألوان أبطالها, آخذة بيد الفتاة, الضحية في "ذاكرة الجسد" لتخرجها من قمقم الحبر أو العطر الى دور البطولة على مسرح الدم. وتبدو البطلة منشطرة بين وجهي رؤية أو مرآة واحدة, لكنها ليست وحيدة فالفتاة/البطلة هي عينها الكاتبة التي تحلم بنفسها في سياق آخر. بلا زمان وبلا مكان! فهل أبقت لنا الكاتبة مسافة ثقافية في أدبها الروائي, ما بين وجهي الانسان, وحاستيه, الأذن التي تسمع وتتذكر, والعين التي تنظر وترى وتحس الألوان, كزبونة وحيدة للخيال أو الصورة, مسافة معرفية بين الدم والدمع والحبر والنار؟
    في "فوضى الحواس", تتصاعد كائنات دموية متصارعة على خرائط الدم العربي, وتتقابل مع كائنات عبقرية جنيّة أو محبريّة سريّة, ترفعها الكاتبة شعراً الى خيالنا, لتمحو باسفنجة حبها الأبعد والألطف, عذابات القمر العربي الذي يبدو قاراً في محاقه, منتظراً دورة جديدة للعرب وثقافاتهم حول أنفسهم, كما تحاول ذلك أحلام مستغانمي:
    -"هي لا تدري كيف اهتدت أنوثتها اليه.
    -"... أما هي فكانت تعتقد دائماً أنّ على المرأة ان تكون قادرة على التخلي عن أي شيء, لتحفتظ بالرجل الذي تحبه" (فوضى الحواس).
    -" ما زلت أذكّر قولك ذات يوم:
    "الحب هو ما حدث بيننا والأدب هو كل ما لم يحدث".
    (ذاكرة الجسد).
    د. خليل احمد خليل
    جريدة الخليج 12/1/2000

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    الأناقة والاغراء في لغة أحلام مستغانمي

    * عبد السلام صحراوي * أكاديمي من الجزائر
    تفردت الكاتبة والشاعرة الجزائرية "أحلام مستغانمي" وتميزت في تجربتها الكتابية لكونها أول كاتبة جزائرية وتميزت في تجربتها الكتابية لكونها اول إمرأة تخوض مغامرة الكتابة الروائية باللغة العربية، وهي دون شك مغامرة صعبة سيما حين نعلم ان جل الأدباء، والأديبات في الجزائر (الجزائريين) كتبوا بالفرنسية وترجمت أعمالهم بعد ذلك الى العربية. والأديبة "أحلام " تشير الى هذا الموضوع اشارة بليغة للغاية حينما تهدي روايتها الأولى "الى مالك حداد.. ابن قسنطينة، اذ تقول في اهداء روايتها "ذاكرة الجسد": "الي مالك حداد.. ابن قسنطينة " الذي أقسم بعد استقلال الجزائر الا يكتب بلغة ليست لغته.. فاغتالته الصفحة البيضاء.. ومات متأثرا بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة العربية، واول كاتب قرر أن يموت صمتا وقهرا وعشقا لها": وتقول أيضا في هذا الاهداء: "والى أبي.. عساه يجد هناك من يتقن العربية، فيقرأ له أخيرا هذا الكتاب.. كتابه " ا`ا. وليس عبثا ان تضمن "أحلام " هذا الاهداء لروايتها فالامع لا محالة متعلق بعشقها وحبها للغة العربية وهي تبعا لهذا تتجه نحو خرق القاعدة وتصدر روايتها الأولى باللغة العربية في الجزائر سنة 1993عن دار الآداب ببيروت، ويعاد طبعها عام 1996 في طبعة ثانية وفي طبعات أخرى فيما بعد. غير إن الطبعة الثانية لرواية "ذاكرة الجسد" يكتب مقدمتها الشاعر العربي الكبير نزار قباني.. وبعد سنوات من كتابتها "ذاكرة الجسد" تعود فتطل علينا من جديد برواية ثانية هي "فوضى الحواس" هذا العنوان الثاني لأعمالها الروائية الذي ارادته الكاتبة عنوانا للمرحلة الثانية من عملها الروائي الذي اشارت الكاتبة الى انه سيكون على ثلاث مراحل أي في شكل ثلاثية. فهي بذلك تعد بعمل روائي ثالث في المستقبل. اما "فوضى الحواس" فقد كان صدورها عام 1998 عن دار الآداب ببيروت (2). وقد اعتمد هذان العملان الروائيان للتدريس في كثير من الجامعات والمعاهد العربية، منها جامعة بيروت الامريكية وكذا معاهد الآداب في الجامعات الجزائرية من خلال اجتهاد بعض الاساتذة والطلاب. كما ان للكاتبة بعض الاصدارات الاخري خارج الرواية وفي الشعر تحديدا منها "على مرفأ الأيام "- الجزائر 1973، و"الكتابة في لحظة عري" عن دار الآداب 1976، وكتاب صدر لها في باريس يحمل عنوان "الجزائر- المرأة والكتابة "(سنة1985). والمقام لا يتسع هنا للحديث عن مضمون هذين العملين الروائيين لهذه الكاتبة، فليس موضوعنا هوا لتعرض للمضمون وانما أردناه حول: "لغة الكاتبة في كتابتها الروائية كما هي واضحة في عمليها الروائيين "ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس ". ولعل أفضل ما يلخص مضمون العملين ما قاله نزار قباني عن "ذاكرة الجسد" وهو ينطبق على "فوضى الحواس" لكونها استمرارا ومرحلة ثانية لـ"لذاكرة الجسد" قال نزار عن "ذاكرة الجسد". وعن الكاتبة "أحلام ": "روايتها دوختني. وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة ان النص الذي قرأته يشبهني الى درجة التطابق فهو مجنون، ومتوتر، واقتحامي، ومتوحش، وانساني، وشهواني.. وخارج على القانون مثلي. ولو ان أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر.. لما ترددت لحظة واحدة ". ويتابع نزار قباني قائلا: "هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تكتبني) دون أن تدري.. لقد كانت مثلي متهجمة على الورقة البيضاء، بجمالية لا حد لها.. وشراسة لا حد لها.. وجنون لا حد له. الرواية قصيدة مكتوبة على كل البخور.. بحر الحب، وبحر الجنس، وبحر الايديولوجيا، وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها، وأبطالها وقاتليها، وملائكتها وشياطينها، وأنبيائها، وسارقيها..
    هذه الرواية لا تختصر "ذاكرة الجسد" فحسب ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري، والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي..."(3).
    والذي يعود الى"ذاكرة الجسد" و" فوضى الحواس"سيقف على مدى صدق نزار قباني عندما علق على ما كتبته أحلام بهذه الكلمات الموحية، ويقف على الأحداث التي ضمنتها الكاتبة روايتها، وهي الأحداث التي طبعت تاريخ الجزائر أثناء الثورة الجزائرية المظفرة، وبعد الاستقلال وصولا الى الأزمة والمأساة التي لطخت تاريخ هذا البلد الشامخ باسم الديمقراطية والتعددية وايديولوجيات شرقية وغربية دفعت بأبناء البلاد الى التناحر، والتطاحن والقتال والاقتتال والسبية كانت "الجزائر" هذا البلد العزيز على قلوب الوطنيين والغيورين، والبلد المقدس في عيون الشهداء الأبرار.
    ان ما يهمنا في هذا البحث المتواضع هو الوقوف على لغة الكتابة الروائية لهذه الكاتبة التي فاجأت القواء بعملين روائيين هما مفخرة الأدب الجزائري الروائي.. اذ تمثل الكاتبة نموذجا فريدا للكتابة الروائية "النسائية " في الجزائر. وهي التي ترفض أن تحاكم ككاتبة وتعتبر مصطلح "الأدب النسائي" نوعا من الاهانة للمرأة اذ تقول في حوار أجرته معها مجلة "زهرة الخليج ": "أنا أريد أن أحاكم ككاتبة بدون تاء التأنيث وأن يحاكم نصي منفصلا عن أنوثتي، ودون مراعاة أي شيء"(4).
    وتقول في موضع آخر: "ان الكتابة بالنسبة لي متعة، ولا أمارسها الا من هذا المنطلق..." غير ان من أجمل ما كتبته فيما يتعلق باللغة والكلمات والكتابة يرد في نصوصها الروائية ومن ذلك ما تحدثنا به في رواية "فوضى الحواس" اذ تقول: " يحدث للغة أن تكون أجمل منا، بل نحن نتجمل بالكلمات، نختارها كما نختار ثيابنا، حسب مزاجنا ونوايانا". وتتابع قائلة: "هنالك أيضا، تلك الكلمات التي لا لون لها ذات الشفافية الفاضحة كامرأة خارجة توا من البحر، بثوب خفيف ملتصق بجسدها إنها الأخطر حتما لأنها ملتصقة بنا حد تقمصنا". ان عناية الكاتبة بلغتها الروائية يفوق كل توقع، حتى ليخيل للقارئ ان لغة الخطاب الروائي عند "أحلام" هو موضوع النص ذاته، وهذا ليس غريبا حين نعلم أن الكاتبة عاشقة للغة العربية وهي تريد أن تصل باللغة الى مجدها أو تعيد لها فطرتها الاولي بعيدا عن الدنس والابتذال. وهذا الاحتفال والاحتفاء باللغة في الكتابة الروائية عند أحلام يتبدى في كل مقاطع النصوص التي يصدم بها القارئ وهو يقرأ في "فوضى الحواس" أو في "ذاكرة الجسد". ان "أحلام " يمتد بها سرورها باللغة الى جعلها "بطل" النص كما يذهب الى القول أحد الباحثين.(5)
    وقد ذهب عبدالله الغدامي في ترضيه العلاقة بين الكاتبة أحلام ولغتها الروائية الى حد القول ان الكاتبة استطاعت ان تكسر سلطة الرجل على اللغة، هذه اللغة التي كانت منذ أزمنة طويلة حكرا على الرجل واتسمت بفحولته، وهو الذي يقرر ألفاظها ومعانيها فكانت دائما تقرأ وتكتب من خلال فحولة الرجل الذي احتكر كل شيء حتى اللغة ذاتها. واذا كانت أحلام تريد أن تحاكم ككاتبة بدون تاء التأنيث فان روايتيها ملتصقتان بالأنوثة وهذا الالتصاق هو الذي جعل عملها الروائي يحظى بالتقدير والتفوق، حيث استطاعت ان تصنع من عادتها اللغوية نصوصا تكسر فيها عادات التعبير المألوف المبتذل وتجعل منها مواد اغراء وشهية، وراحت وهي تكتب تحتفل بهذه اللغة التي أصبحت مؤنثة كأنوثتها، وأقامت معها علاقة حب وعشق دلا على أن اللغة ليست حكرا على فحولة الرجال بل تستطيع أن تكون أيضا الى جانب الانوثة، فصارت اللغة حرة من القيد والثابوهات وصار للمرأة مجال "لأن تداخل الفعل اللغوي وتصبح فاعلة فيه فاستردت بذلك حريتها وحرية اللغة. وكل ذلك من خلال علاقة جديدة حميمية بين المؤلفة واللفة وبالأحرى بين الكاتبة ونسغ الخطاب اللغوي المتألق والمغري كما يبدو عند أحلام. "فأحلام" هي مؤلفة الرواية، وأحلام هي ايضا بطلة النص، واللغة فيما كتبته أحلام هي الأخرى بطلة، بحيث ان اللغة الروائية في هذين العملين تطغى على كل شيء وتتحول الى موضوع الخطاب وموضوع النص. فامتزجت بذلك انوثة اللغة المستعادة مع انوثة المؤلفة وكذا انوثة "أحلام " البطلة في الروايتين ووحدة العلاقة بين الانثى خارج النص والانثى التي في داخل النص تعني عضوية العلاقة بين المؤلفة ولغتها. وتمتد هذه العلاقة من خلال "اتحاد الانثى (أحلام مع كل العناصر الاساسية في الروايتين فأحلام هي أحلام، وهي المدينة وهي قسنطينة، وهي البطل وهي الوطن وهي الذاكرة وهي الحياة، لأنها في البداية كان اسمها حياة، وهي النص وهي المنصوص، وهي الكاتبة وهي المكتوبة وهي العاشقة وهي المعشوقة وهي اللغة وهي الحلم وهي الألم لأن الحلم والألم: أحلام تساوي حلما وألما.(6)
    في الروايتين تحررت المرأة "البطلة " وتحررت معها "اللغة" وتولد من ذلك نص روائي جديد يمجد اللغة بالدرجة الأولى ويحتفي بها. الأدب فن اداته اللغة، فاللغة هي الاداة الرئيسية لكل خطاب أدبي، وكيفية وأسلوب التعامل مع اللغة هو الذي يحدد قيمة وطبيعة الخطاب، فعلاقة الأديب باللغة هي في كل الحالات علاقة خاصة واستثنائية ومن هنا تصبح هذه العلاقة الخاصة، عبارة عن ممارسة للغة ( Une pratique ) ,تكتسب ابعادا مختلفة وترتقي الى مستوى الحميمية ( L'intirnite ) ومن ثم فان الخطاب الأدبي من هذا المنطلق، ومن كونه يعتمد على اللغة بل هو اللغة ذاتها يصبح خطابا خاصا باعتبار خصوصية العلاقة ما بين اللغة وصاحب الخطاب، ومادام الأدب فنا، فالفن ينتج عادة للتأثير في الآخرين شعوريا وجماليا، والجمالية ( L'esthétique ) لا تتأتى للخطاب الأدبي الا من خلال لغته، ومن ثم فان الكتابة الأدبية تتحول لدى الأدباء الى عملية إغراء ( Séduction ) طريق اللغة( discours séducteur ) التي هي الأداة الاساسية لديهم. وهذه العلاقة الخاصة مع اللغة تكتسي أهمية خاصة في التأثير وجلب انتباه الآخرين واهتمامهم ثم تقديرهم. ان الأدب لا يتأتى له ذلك الا بفضل ما للغة من امكانيات هائلة في التعبير التي مصدرها الأساسي هو (المجاز) داخل الاستعمال اللغوي في مجال التعبير الأدبي. ففي الكتابة الأدبية تتحول اللغة من كونها تؤدي وظيفة الاتصال والابلاغ فحسب الى مستويات تعبيرية أخرى، وذلك بتفجير طاقاتها الكامنة عن طريق المجاز وبطرق لم يسبق لها مثيل. ولو ان الأدب كان مجرد كلام عادي لكان ككل كلام. غير أن الادب هو ان تعبر عن الأشياء على غير منوال سابق وهو "السمو بتعبيرية الأشياء والسعي الى احداث عملية تشويش مقصودة في قاموس اللغة..." (8).
    والأديبة الروائية "أحلام مستغانمي" تمارس علاقة خاصة مع اللغة، هذه العلاقة الخاصة مع لغتها تجعلها تكسر تلك المعادلة التقليدية والكلاسيكية بين الدال والمدلول، ناهيك ان اللغة في كتابات "أحلام" تتحول الى أداة "اغراء" ( Séduction ) ان "احلام " تتألق في "ذاكرة الجسد" وفي "فوضى الحواس " بل انها تتأنق وتمتاز بلغتها الساحرة المغرية للقارئ، حيث تمارس نوعا من العشق والمحبة للغة، وتصنع من هذا العشق وهذه اللغة أشكالا تعبيرية مريعة ومغرية للقارئ. والأكثر من ذلك أنها - ولا شك - تستمتع وهي تكتب وتبدي نوعا من اللذة والاشتهاء للكلمات والأشياء بغريزة الأنثى التي تعرف قيمة الكلمات المؤثرة.. ويمتد بها الأمر الى حدود المتعة والسرور بالكلمات وباللغة. وهي لا تريد ان يخصها هذا الأمر وحدها.. بل انها تلقي به الى المتلقي- القارئ- حيث تستدرجه بلفة رائعة، صافية، كالحب، كالمتعة، كالشهية.. تستدرجه الى ساحات الريع الكلامي، وساحات الحبور والاحتفاء بالكلمات. أكثر ما يميز كتابتها الروائية هي هذه اللغة الأسرة، التي تأخذك على حين غرة وتأسرك وتمتعك، وتحاول دائما ان تشبهك، حتى تنال منك.. وتغريك بالمزيد من المتعة والجمال.. فهي منذ الوهلة الاولي تمارس دور "الـداندي" ( Dandy ) الذي يختار لنفسه الصدارة والمنصة البارزة، المتمرد ضد الزمان والمكان وأفكار الآخرين، والبدع للجماليات، والمتمرد على القوالب الجاهزة المأخوذة باناقته وتألقه والذي يشع كشمس غاربة او ككوكب مائل " (9)
    ولا يمكن الوقوف على ظاهرة "الاغراء" في لغة "أحلام" الروائية الا بالعودة الى بعض النصوص من روايتيها "ذاكرة الجسد" و "فوضى الحواس" فهي في الاولي ومنذ الصفحة رقم 1 تبدد كل وهم وابتذال وآلية اللغة المحيطة بنا اذ تقول في دعوة مغرية الى مرافقتها وقراءة روايتها: "الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث... يمكنني اليوم، بعدما انتهى كل شيء أن أقول: هنيئا للأدب على فجيعتنا اذن فما أكبر مساحة ما لم يحدث، انها تصلح اليوم لأكثر من كتاب، وهنيئا للحب أيضا.. فما أجمل الذي حدث بيننا، ما أجمل الذي لم يحدث.. ما أجمل الذي لن يحدث". (10).
    وهذا الكلام يفري بسرد الحكاية وهو نفسه الذي تعيده الكاتبة عند خاتمة الرواية: "الحب هو ما حدث بيننا والأدب هو كل ما لم يحدث" ص 403.
    ويعلق أحد الباحثين مشبها أحلام بشهرزاد موحيا بما كانت تغري به شهريار من حكاية وسرد وقصص ورواية، يقول: "بين ما لم يحدث وما حدث يقع النص بين جملتين امتد الفاصل بينهما ما يقارب 400 صفحة، وامتد زمنيا على مدى سبع سنوات وستة أشهر(11) أي لمدة ألفين وسبع مائة وأر بعين يوما (أو ليلة) مما يجعله يعادل حكايات ألف ليلة وليلة مرتين ونصف المرة أو أكثر. انه النص الذيس ينقض ليالي شهرزاد ليضع مقابلها أيام أحلام...".(12)
    ولكن في ألف ليلة وليلة تحكي المرأة ويدون الرجل وفي "ذاكرة الجسد" يحكي الرجل (خالد) وتدون المرأة "أحلام " وهل كانت شهرزاد غير امرأة تحسن القصص وتغري بالمزيد؟ وكذلك كانت "أحلام " ومن أول صفحة امرأة تحكي على لسان رجل وتغري القارئ بالمزيد، فيرافقها على مدى 404 صفحات دون كلل ولا ملل وهو مأخوذ بلغة ساحرة أخاذة لم يعهدها في الرواية والقصص.
    الاغراء قوة جذابة، وهنا الاغراء تمارسه الروائية بلغتها الساحرة وتقترن اللغة بالانوثة في النص فتصير شباكا وجمالا خالصا يعد بالمتعة والجمال، وتعرف صاحبة القلم كيف تطرز لغتها ونصها فتزيح الكآبة واليأس عن القارئ وتعده بالنجاة والسلامة والدفء. ومهما قالت أحلام وصرحت، فاننا لا نزال نعتقد بقوة ان لغتها مغموسة ومعجونة بأنوثتها يفوح منها عطر الانوثة ودفئها، وأريج خدود المرأة، ورائحة مواد التجميل، ومسحوق الزينة، ان النص الروائي هنا هو مريب من سحر الانوثة وسحر اللغة حيث يمتزج الاثنان فيصبح النص اغراء بالحب وبالعطر وبالشوق وبالرغبة وبالذاكرة وبالصدق والكذب. انظر الى هذا المقطع من "فوضى الحواس " كم هو "اغراء" وسيلته اللغة الساحرة المغرية بالبوح: "في ساعة متأخرة من الشرق، يداهمها حبه. هو رجل الوقت ليلا، يأتي في ساعة متأخرة من الذكرى، يباغتها بين نسيان وآخر، يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل. تمتطي اليه جنونها، وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق، وخيول الشرق الوحشية تأخذها اليه. هو رجل الوقت سهوا، حبه حالة ضوئية، في عتمة الحواس يأتي. يدخل الكهرباء الى اهازيج نفسها، يوقظ رغباتها المستترة، يشعل كل شيء في داخلها، ويمضي. هو رجل الوقت عطرا، ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه ؟ وثمة هدنة مع الحب، خرقها حبه، ومقعد للذاكرة، مازال شاغرا بعده، وأبواب مواربة للترقب، وامرأة، ريثما يأتي، تحبه كما لو انه لن يأتي، كي يجيء. لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقا، تخاف ان يشي به فرحها المباغت، بعدما لم يثر غير الحبر بغيابه. ان يأتي، لو يأتي. كم يلزمها من الأكاذيب، كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت كم يلزمها من الصدق، كي تقنعه انها انتظرته حقا.."(13). ان اللغة هنا تتحول الى مفاجأة مدهشة، وهي لم تعد "نظاما علاماتيا محايدا، لقد تحولت الى انثى مغرية قاتلة مع سمات انثوية قوامها الشعرية والسردية وجرعات زائدة من الذاتية والانفعالية والوجدانية.."، وما يبدو في هذا النص وفي نصوص ومقاطع كثيرة من الروايتين ان أحلام تتحكم في لغتها، تتقنها وتتأنق في استعمالاتها، وتذهب بها الى حدود بعيدة من الشعرية والأدبية، تمارس مع لغتها الغرابة والانزياح حينا والدهشة والفرحة والسرور حينا آخر، تلاعبها، تعانقها وتنتشي بها ولها، وتلامس الكلمات كما تلامس الورود والعطور في دفء، وفي عشق وفي نشوة عارمة تغري وتغري بالبوح دون ان تقول شيئا محددا تماما. ان ملامسة الكلمات على هذا النحو، يذكرنا بقولها في الرواية، في الصفحة الاولي منها: "هو الذي يعرف كيف يلامس أنثى، تماما، كما يعرف ملامسة الكلمات.. الى ان تقول: "يحتضنها من الخلف كما يحتضن جملة هاربة بشيء من الكسل الكاذب..".(14)
    لقد اختلط ما هنا حب اللغة بحب الجسد، وصارت اللغة جسدا للمغازلة والملامسة والاحتفاء، صارت اللغة والكلمات موضوع عشق ومحبة ومصدر متعة وروعة، وجمال ونشوة، بجمالية لا نجدها الا عند كبار من قالوا بالدهشة والغرابة في الأدب، وذلك في تراث الشكلانيين الروس في بحث مضن عن الأدبية والشعرية والجمال في الخطاب الأدبي.. وهم الذين أكدوا على "الاغراب" او "نزع الالفة ": "فالشيء النوعي بالنسبة للغة الأدبية - ما يميزها عن أشكال الخطاب الأخرى- هو انها "تشوه " اللغة العادية بطرق متنوعة. فتحت ضغوط الادوات الادبية، تتكثف اللغة العادية، وتتركز، وتلوى، وتنضغط، وتتمدد، وتنقلب على رأسها، انها لغة جعلت غريبة، وبسبب هذا الاغراب يصبح العالم اليومي، بدوره، غير مألوف فجأة.."(15).
    وتزخر رواية "ذاكرة الجسد" وكذا رواية "فوضى الحواس"، بلغة الكاتبة التي صنعتها لنفسها وصنعت أدبها بلغة خاصة هي لغتها التي أحبتها وصارت عندها أداة إبداعية ووسيلة إغراء بالجمال الأدبي والفني والمتعة الفنية التي تسحر القارئ وتأخذه إليها طمعا في مذاق جديد للكلمة وللغة الأدبية التي كثيرا ما زج بها في خطابات مبتذلة سميت أدبا تجاوزا أو قهرا. وفي ختام هذا البحث نقدم هذا المقطع من "ذاكرة الجسد" الذي يختلط فيه الشعر بالنثر واللغة بالجسد جسد المرأة وجسد اللغة، وقسنطينة المدينة، وذاكرة الوطن، والرغبة بالخجل، والحب بالحلم، والحرائق والعشق، والمقطع على لسان خالد بطل الرواية: "أكان يمكن أن أصمد طويلا في وجه انوثتك ؟ ها هي سنواتي الخمسون تلتهم شفتيك وما هي الحمى تنتقل الي وها أنا أذوب أخيرا في قبلة قسنطينية المذاق، جزائرية الارتباك.. لا أجمل من حرائقك.. باردة قبل الغربة لو تدرين، باردة تلك الشفاه الكثيرة الحمرة والقليلة الدفء... دعيني أتزود منك لسنوات الصقيع، دعيني أخبئ رأسي في عنقك، اختبئ طفلا حزينا في حضنك. دعيني أسرق من العمر الهارب لحظة واحدة، وأحلم أن كل هذه المساحات المحرقة، لي فاحرقيني عشقا قسنطينة شهيتين شفتاك كانتا، كحبات توت نضجت على مهل، عبقا جسدك كان، كشجرة ياسمين تفتحت على عجل. جائع أنا إليك.. عمر من الظمأ والانتظار.. عمر من العقد والحواجز والتناقضات، عمر من الرغبة ومن الخجل، من القيم الموروثة، ومن الرغبات المكبوتة، عمر من الارتباك والنفاق. على شفتيك رحت ألملم شتات عمري..(16) وهذا النص الأخير أبلغ مثال على عنوان البحث وأشد تأكيدا على ما ذهبنا اليه..
    الهوامش
    - أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، دار الأدب بيروت، ط 5، 1998. ص 5.
    أحلام مستغانمي: ددفرضى الحواس"، دار الأدب، ط 1، 1998م.
    انظر غلاف رواية أحلام مستغانمي: "ذاكرة الجسد" (بقلم نزار قباني، لندن) ط 5، 1998.
    أحلام مستغانمي: "فوضى الحواس"، ط 1، ص 32.
    عبدالله محمد الغدامي. المرأة واللغة، ط 1، 1996. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص 191.
    انظر في هذا عبدالله الغدامي: المرأة واللغة ص 192، 193.
    Séduction : Action de séduire -voir les sens du mot séduction et du mot séduire pour pouvoir assimiler et comprendre ce terme dans la littérature et I'art.
    عبدالله حمادي: "ماهية الشعر". مقدمة ديوان "البرزخ والسكين "، وزارة الثقافة، دمشق 1998،ص 6.
    أنظر عبدالله حمادي: مساءلات في الفكر والأدب (مقال بعنوان. طاهرة الدايديزم في الأدب العرمي) ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1994
    "ذاكرة الجسد"، ص 7.
    عبدالله الغدامي: المرأة واللغة، ص 185. لا بدأت أحداث الرواية في ابريل 1981 (ص 65) واستمرت حتى عام 1988، "ذاكرة الجسد".
    "فوضى الحواس " ص 10، 11.
    عبدالله الغدامى: المرأة واللغة.
    فوضى الحواس، ص 1.
    تيري انجلطون: مقدمة في نظرية الأدب، ترجمة: أحمد حسان، ط 2،
    القاهرة 1112، ص ا 1.
    16 - ذاكرة الجسد، ص: 172- 123

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة قنديش عرض المشاركة
    ممكن سؤال
    هل قرأت رواياتها؟
    هلا قنديش
    ممكن سؤال قبل أن أرد؟ ليش سؤالك؟ هل يبدو أنني لم أقرأ لها؟
    بالخصوص أن رواياتها مطروحة للتحميل هنا في منتديات الساخر
    أجبني لأعرف الرد عليك بشكل أعمق
    تقديري

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512


    ذاكرة الأ(د)ب في "ذاكرة الجسد"
    فريال جبوري غزول



    شكّلت رواية أحلام مستغانمي(1) الأولى، ذاكرة الجسد، ظاهرة لم يسبق لها مثيل في مجال الرواية العربية الحديثة. فبعد أن نشرت دار الآداب اللبنانية الطبعة الأولى منها في عام 1993، ونشرتها دار موفم للنشر الجزائرية في العام نفسه، تبعتها طبعات متتالية تقترب من خمس عشرة طبعة، وقد تجاوزت مبيعات هذه الرواية خمسين ألف نسخة،(2) هذا على الرغم من سوء توزيع الكتاب في العالم العربي، وعزوف المواطنين العاديين عن القراءة عامةً، وعن اقتناء الكتاب الأدبي خاصةً. فما تكاد هذه الرواية تأخذ مكانها على رفوف مكتبات البيع حتى تتخاطفها أيدي المشترين، مع العلم أن أعمالاً روائية متميزة لا تبيع في أحسن الأحوال أكثر من ثلاثة آلاف نسخة، مع أن مؤلفيها نجوم في حقل الرواية العربية. ومن اللافت إزاء جماهيرية هذه الرواية اختلاف النقاد حولها اختلافاً بيناً، فمنهم من لم يكتف بالانصراف عنها، فقرر إدانتها لاعتبارات كثيراً ما كانت خارجة عن موازين النقد ومعاييره. وهناك من فتنوا بها وأشادوا بقيمتها. ولعبت الصحافة دوراً في الانتقاص من قيمة هذا النجاح الهائل. فزعم البعض أن مستغانمي انتحلت هذا العمل، ولكن اختلفوا فيمن يكون صاحبه الأصلي (وهذا الزعم في ذاته يشير إلى التفوق الأدبي الذي لا يمكن في نظر البعض أن تتميز به روائية ناشئة). فمرة يشار إلى الشاعر العراقي سعدي يوسف، ومرة أخرى إلى الشاعر السوري نزار قباني، ومرة ثالثة إلى الروائي الجزائري واسيني الأعرج (ربما لأنه أيضاً يكتب الرواية الشعرية مثل مستغانمي)، ومرة رابعة إلى الروائي السوري حيدر حيدر، إلخ. فعوضاً عن الابتهاج بعمل أدبي يقبل القراء عليه، تسابقت الأقلام في استدعاء آباء غير شرعيين لهذه الرواية، وأطلق البعض عليها "الكتابة بالجسد" عوضاً عن "ذاكرة الجسد"، مما يتجاوز التلويح بالتزييف إلى التشهير بالكاتبة نفسها. وأما أحلام مستغانمي فقد تعالت على هذا الاغتياب الرخيص، وأطلقت على هذه الكتابات ذات الطابع النميمي التي تدور حول ذاكرة الجسد تعبير "ذاكرة الحسد"، وطالبت بنقد أمين يصحح ويقيم ولا ينحدر إلى مستوى الترهات، فلا مانع عندها من أن يكون لها خصوم على شرط أن يكونوا شرفاء.(3)

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    التلقي المتباين للرواية:
    ومع أن هذه الإشاعات المغرضة حول رواية ذاكرة الجسد قد تمّ تكذيبها، فقد استمرت الصحف في التنديد بكاتبتنا مستغانمي، مستكثرين عليها النجاح والتقدير. فقد كذّب سعدي يوسف ما قيل عن دوره في كتابة هذه الرواية. وذكر بالنص "الخبر غير صحيح وهو إساءة إلى أحلام وإليّ"،(4) كما امتدح واسيني الأعرج أحلام مستغانمي باعتبارها "ظاهرة تستحق التأمل والقراءة".(5) وقد نفى سهيل إدريس صاحب دار الآداب بشكل قاطع أي دور لنزار قباني في كتابة ذاكرة الجسد في مقالة في جريدة الحياة. وفي شهادة أخرى له عن الموضوع، ذكر كيف أنه حدّث نزار قباني عن رواية ذاكرة الجسد وأهداه نسخة منها، بعد أن رفضت المؤلفة أن تفعل ذلك منعاً للحرج، فشغف قباني بها، وعكف على قراءتها وكتب كلمة على غلاف طبعتها الثالثة.(6) وقد قام الناقد رجاء النقاش بتحليل رواية حيدر حيدر وليمة لأعشاب البحر(7) من جانب ورواية ذاكرة الجسد من جانب آخر ليجد تشابهاً مفرطاً يوحي له بأن مستغانمي نقلت عن حيدر حيدر وسرقت من روايته.(8) فهو يرى تناظراً بين العملين. وإن كان يقرّ بأن ذاكرة الجسد تتفوق أدبياً على سابقتها وليمة لأعشاب البحر. والتفوق في الأسلوب، حسب رأيه، لا ينفي الاقتباس لأن التيمات تتشابه إلى درجة عدم إمكان ورودها إلا من باب استعارة من نص سابق. ويعطي النقاش عشرة أدلة على ذلك، أولها تشابه الخلفية العامة للروايتين وآخرها تشابه شكلي، ففي كليهما يحمل البطل اسم خالد. ولكن خالد ـ كما هو معروف ـ اسم دارج في الوطن العربي، فوروده في أكثر من رواية ليس بدليل على الإطلاق على سرقة، بل بالعكس لو كانت هناك فعلاً سرقة أدبية ما فالأولى بالسارق أن يخفي فعلته باستخدام اسم آخر. وأما التشابه في الخلفية العامة وفي وصف ما يجري في الجزائر من تفسخ القيم الثورية، فهذا بدوره لا يعني على الإطلاق نقل رواية عن أخرى، وإنما يعني أن المرجع العيني واحد، ألا وهو الواقع الجزائري. فتماثل الروايتين كما يقدمه النقاش بدقته، وبما يطلق عليه "أدلة وبراهين"، لا يعني أخذ الرواية اللاحقة عن الرواية السابقة، بقدر ما يعني تدهور الوضع الإنساني في الجزائر الذي نعرفه جميعاً، والذي يجعل الروايات المكتوبة عنه تتمثله. ولو راجعنا روايات أخرى عن الجزائر المعاصرة لوجدنا هذا التشابه أيضاً على مستوى الأجواء والأحداث، وهذا أمر طبيعي. ففي الروايات المكتوبة، على سبيل المثال، عن الحرب الأهلية اللبنانية نجد الكثير من التقاطع في الوصف والمقاربة؛ لا لأن هناك قناة ناقلة، وإنما لأن التجربة بعنفها وفوضاها واحدة.
    وقد فسّرت مستغانمي هذه الاتهامات العديدة تفسيراً اجتماعياً ونسوياً. فهي باحثة في قضايا الكتابة والمرأة في وطنها الجزائر وتخصصت في دراستها العليا بهذا الموضوع. إنها ترى علاقة قوية بين النسق الاجتماعي السائد وحملة التشهير بها، فتقول: "المسألة ليست مسألة ذاكرة الجسد، ولا القضية قضية أحلام مستغانمي، وإنما كوننا ننتمي إلى مجتمع ذكوري يرفض الأنثى، ويحتقر النساء، حتى إنه ما ظهرت كاتبة أو شاعرة عربية إلا وجاء من يقول إن رجلاً يكتب لها".(9) ويجب أن لا يجعلنا هذا التشويه نتصور أن حق مستغانمي قد هضم، فقد أشاد بها الكثير من النقاد، وقام آخرون بتحليل عملها، قبل حصولها على جائزة نجيب محفوظ وبعده، ومنهم علي الراعي،(10) وعلي خفيف،(11) وصبري حافظ،(12) وبيتر كلارك،(13) وعايدة بامية،(14) وكيم جانسن.(15) وأما الشاعر والروائي والناقد عبده وازن فيبتعد عن التحليل وينحاز للإثارة الصحفية، مطلقاً إدانته لهذا العمل على مختلف المستويات. فهو يرى أن الرواية "لا تنتمي إلى الحركة الجزائرية مقدار انتمائها إلى الأدب الرائج أو الجماهيري الذي يتخطى كل التصنيفات والانتماءات الوطنية وسواها".(16) ومع هذا فهو يناقض نفسه في مقالة أخرى عندما ينفي إمكانية أن يكون سعدي يوسف وراء هذه الرواية فيقول: "من الصعب على شاعر عراقي أن يلمّ بما أوردت الروائية من تفاصيل جزائرية صرف، ومن معالم بيئية لا يدركها سوى الجزائري نفسه".(17) وفات عبده وازن أن حتى الأدب "الجماهيري" يتسم بمعالم الثقافة التي أنتجته، فرواية جماهيرية أمريكية غير الرواية الجماهيرية العربية أو اليابانية، وهو ما يشير إليه ضمناً عندما يتحدث عن الحس الجزائري في الرواية. وينطلق عبده وازن في استعلائه على الذوق الجماهيري، قائلاً: "لعل أجمل وصف أطلق على الرواية {ذاكرة الجسد} هو ما وصفته بها إحدى الصحف في أنها تنتمي إلى أدب المسلسلات المكسيكية الرائجة جماهيرياً".(18)

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    وعلى عكس هذا التعالي النخبوي، نجد مقالة صبري حافظ تبحث في أسباب هذا الرواج من منطلق سوسيولوجي، ومع أن حافظ لا يرجع إلى المفكر جرامشي وكتاباته عن رواج الرواية الفرنسية المترجمة والمنشورة مسلسلةً في الصحف الإيطالية، فإن تحليله يتضمن ما توصل إليه جرامشي ويتقاطع معه. رأى جرامشي أن الإقبال الإيطالي على روايات فرنسية مترجمة ومنشورة كأدب مسلسلات (مثل رواية الكونت دي مونت كريستو) يرجع إلى أن النزعة الرومانسية فيها تتجاوب مع النزعة الوطنية الإيطالية الصاعدة حينذاك (نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين)، ومن هذا المنطلق يمكن تفهم انصراف القارئ الإيطالي عن أدبه المتمثل في كتابات بيرانديلو ودانونزيو، والتي لم تكن تحقق رومانسية نزعته القومية.(19) إذ يفسّر صبري حافظ سر شعبية هذه الرواية في "عربيتها، وشاعرية لغتها وبلاغتها التقليدية، وبساطة بنيتها التي تردنا إلى مرحلة النشأة والتأسيس في الرواية".(20) فهو يرى، أولاً، إحالة الرواية إلى الوضع العربي العام على الرغم من ارتباطها بالجزائر بشكل خاص؛ فهي "رواية العذاب الذي يعانيه الذين يخلصون في حب الوطن".(21) وهذ أمر أتفق معه وأضيف: إنها الرواية التي تعبر عن هول الواقع، مخالفة بذلك الخطاب الرسمي المنشرح والمنافق والمدّعي بإنجازات وهمية، على الرغم من الخراب المقيم. في رواية مستغانمي تحرير للحزن المكبوت في كل مواطن، فالأسباب تتعدد والخيبة واحدة. وثانياً، يرى حافظ سر رواج العمل في أسلوبه الشعري الإنشائي وجاذبيته التقليدية؛ وهنا أختلف شيئاً ما مع حافظ. فالأسلوب شعري غنائي، وليس إنشائياً. وهو جذاب، لا لأنه تقليدي، بل لأنه يعتمد على استعارات في متناول القارئ العادي، تبتعد عن التجريد والتعقيد؛ كما أن الأسلوب يتوسل الأمثال الشعبية، والأقوال المأثورة. وذاكرة الجسد ليست رواية تقليدية: إنها استرجاع عبر مونولوج داخلي لما كان ولما لم يكن، وكما في عملية التذكر، نقع على شذرات وإلماعات، على القارئ أن يجمعها ليشكل منها حبكة الرواية. وهذا التبعثر والابتعاد عن حبكة مرسومة ومخطط لها من بداية ونهاية وما بينهما، تجعل من العمل تحدياً للقارئ واستدراجاً له ليدخل في لعبة القراءة. وإن كان القارئ العادي ينصرف عن مجهود الربط والتأويل، فهو هنا ينخرط في ذلك تماهياً مع عالم الرواية.
    وفي المقام الثالث يرى حافظ أن رواج الرواية يرجع لكونها رواية نشأة وتأسيس "تطرح المرأة كمعادل للوطن كما فعل حسين هيكل في روايته زينب".(22) وهنا أختلف مع حافظ، فكون المرأة معادلاً للوطن أمر لا يقتصر على رواية التأسيس، بل يتجاوزها ليكون قاسماً مشتركاً في الأدب العالمي بدءاً من أوديب ملكاً لسوفوكليس الإغريقي، إلي رواية نجمة لكاتب ياسين الجزائري التي قال عنها صاحبها: "لقد أردت أن أعطي من خلالها صورة للجزائر من خلال صور المرأة فيها".(23) كما أن بنية رواية مستغانمي، كما يذكر حافظ نفسه، تعتمد على "لعبة التقديم والتأخير في تناولها للزمن، وأنها تلجأ كذلك إلى لعبة النص داخل النص"،(24) مما يختلف جذرياً عن فجر الرواية العربية وبنيات تأسيسها.(25) ويجدر أن أذكّر القارئ، في هذ السياق، بأنّ هناك أعمالاً كثيرة في تاريخ الرواية والسرديات كانت رائجة شعبياً ومهملة من المؤسسة الثقافية. فهناك صفوة أدبية ترفض الجماهيري باعتباره أدباً رائجاً لا صنف له ولا انتماء. وتبتهج لوقوعها على تصنيف جاهز (أدب المسلسلات) لتستعلي عليه. كما أن هناك أعمالاً شاعت جماهيرياً وتجاهلها النقاد أو هاجموها، لكنها فيما بعد أخذت مكانتها بين عيون الكتب وأمهات الروايات. وعلى سبيل الذكر، لا الحصر، رواية الأديبة الإنجليزية شارلوت برونتي، جين إير (1847). ويقال إنها الرواية الأكثر انتشاراً في العالم الأنجلو سكسوني.(26) وحتى منتصف القرن العشرين، كان النقاد والأكاديميون يدينون هذه الرواية ـ على عكس قرّائها وقارئاتها ـ باعتبارها عملاً مبتذلاً تنقصه "الكفاءة الروائية".(27)
    وتجلى استعلاء المؤسسة الأكاديمية والنخبة النقدية على هذه الرواية في تجاهلها أحياناً وتحقيرها أحياناً أخرى. وأما الآن، فقد أصبحت هذه الرواية نموذجاً في الدراسات العليا ومحكاً للنظريات الجديدة، فقد تناولتها أقلام النقد النسوي والنقد ما بعد الكولونيالي من أمثال شوالتر وجلبرت وجوبر وسياك. وأما بالنسبة لتراثنا، فهناك ألف ليلة وليلة التي تخاطب ذائقة العامة والتي تجاهلها وأدانها النقد العربي القديم باعتبارها عملاً غثاً؛ وأصبحت الآن محط أنظار النقد الرفيع، شرقاً وغرباً، وتقام الندوات والمؤتمرات من أجل دراستها، وتدخل في سياق تنظير كبار النقاد من أمثال فوكو وتودوروف، عبد الفتاح كيليطو ومحسن مهدي.
    ومن الاتهامات التي وجهها عبده وازن لرواية مستغانمي كونها بعيدة كل البعد عن الحركة الروائية العالمية، بعد أن زعم أنها أيضاً بعيدة كل البعد عن الرواية الجزائرية: "فهي لم تستطع أن ترث الروائيين الجزائريين الكبار ولا أن تنطلق من تراثهم المهم لتبني عالمها الخاص".(28) وهذا أغرب ما يمكن أن يقال في الرواية، فأحلام مستغانمي تتواصل مع الأدباء الجزائريين، بل تصر في هذه الرواية على حبكها مع روايات الروائي والشاعر الجزائري مالك حداد (مما سيأتي تفصيله فيما بعد). وفي دراسة الناقدة الفلسطينية عايدة بامية، المتخصصة في الأدب الجزائري، تحليل للعلاقة الحميمة والقرابة الأدبية بين ذاكرة الجسد وروايات أدباء جزائريين من أمثال محمد ديب وكاتب ياسين والطاهر وطار وآسيا جبار. وأما "انقطاع" مستغانمي عن الرواية العالمية فيستدل عليه عبده وازن من إشارات في رواية ذاكرة الجسد، فيقول: "أما أن تذكر الكاتبة في روايتها الروائي الفرنسي مارسيل انيول والروائية الإنجليزية أغاثا كريستي وأن تورد أسماء مونترلان وبول إيلوار وسواهما فهو دليل ساطع على انقطاعها عن العالمية . . . فمارسيل انيول روائي مدرسي بامتياز وأغاثا كريستي روائية شعبية ولا مكانة لها في الحركة الروائية العالمية".(29) إن نقد وازن، في حقيقة الأمر، دليل ساطع على انقطاع صاحبه عن التيارات العالمية في النقد والأدب (أو تجاهلها عن عمد)، وليس بدليل على انقطاع مستغانمي عنها، كما سأوضح. بدءاً، نقول إن الإشارات إلى روائيين مدرسيين أو جماهيريين (أي من درجة أدنى فنياً) يعني في سياق الرواية توصيفاً للشخصيات التي يتضمنها العمل، فأن نقول إن فلاناً يقرأ أغاثا كريستي، أو يحضر في مونولوجه الداخلي انيول، لا فيرجينيا وولف ولا جيمس جويس مثلاً، ليس إلا تقنية تعريف، كأن نقول فلانة تلبس المقياس (سوار جزائري تقليدي) في معصمها أو تتزين بعقد من تيفاني (المتخصص في بيع الحلي الغربية والمجوهرات الحديثة). صحيح أن مرجعية الشخصية، لو اقتصرت في تفكيرها على انيول وكريستي، لكانت فقيرة أدبياً وسطحية فلسفياً. ولكن ألا يوظف هذا في سياق الرواية لإلقاء الضوء على جوانب سطحية وتقليدية في الشخصيات؟

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    إن بطلي الرواية خالد وحياة/أحلام (للبطلة اسمان أو اسم مزدوج) لا يُقدمان باعتبارهما نموذجين للاحتذاء بهما (وبالتالي فالبعد الأمثولي في الرواية يضيء أيضاً الجوانب السطحية والتقليدية في الوطن نفسه). فالبطلة ترضخ للتقاليد والصفقات العائلية وتوافق، ربما على مضض وربما عن تواطؤ، بالزواج من رجل متزوج، من الأثرياء الجدد. وأما البطل خالد فقد لعب دور الرقيب، وطلب من الشاعر الفلسطيني زياد، الذي جاء بديوانه ليطبعه في مؤسسة النشر في الجزائر، حذف ما هو تهجمي على الحكومات العربية. وحتى لو افترضنا أن هناك تماهياً بين المؤلفة أحلام وقرينتها حياة/أحلام، فهذا لا يعني غياب نقد الذات. وقد فعل ذلك من قبل فلوبير عندما رسم شخصية سطحية (وإن كانت تشير ضمناً له في سيرة ذاتية روائية) في فردريك مورو في رائعته التربية العاطفية، وبذلك انتقد ذاته بذاته. ففي رواية مستغانمي رومانسية ونقد للرومانسية في آن واحد. ومن جانب آخر، فإن الرواية العالمية ـ رغم أنف النقاد النخبويين ـ قد تأثرت كثيراً بالرواية الشعبوية وتحديداً الرواية البوليسية من النوع الذي تكتبه أغاثا كريستي، ويتجلى هذا في تلقيح القص بعامل التحري في أعمال إدجار آلان بو، أمبرتو إيكو، خورخي لويس بورخيس، وبول أوستر. بل إن التلاعب بالاسم وتطابق اسم المؤلف واسم الشخصية الرئيسية، كما يرد في ذاكرة الجسد، نجده أيضاً في الجزء الأول من ثلاثية نيويورك المعروف بعنوان مدينة الزجاج، حيث المؤلف بول أوستر وكذلك بطل الرواية يحمل الاسم ذاته.(30) إن من يتابع الحركة الروائية العالمية سيجد تزاوجاً بين الرواية التي يُطلق عليها الأدب الرفيع مع الرواية الجماهيرية الرائجة، بل إن مفهوم ما بعد الحداثة والنقد الثقافي (كما جاءت به مدرسة النقد الثقافي الإنجليزية) يأخذ بنظر الاعتبار والجدية أثر الثقافة الجماهيرية والشعبوية على الأدب.
    قد يكون هناك أكثر من سبب في الإقبال على رواية ذاكرة الجسد، كثفها صبري حافظ في "قدرتها على لمس وتر حساس في القارئ العربي في كل مكان".(31) وهذا يقترب مما تقوله مستغانمي نفسها: "ما شكّل ذاكرة الجسد هو هذه الحالة من الآلام والأحلام، ثم هذه الحالة من الانكسارات المفجعة؛ ثمة رهان جماعي على خيبات عربية متداخلة وليست جزائرية فقط . . . قمة المأساة أن ننتمي إلى أوطان نشعر بواجبنا تجاهها، لكنها لا تمنحنا أية حقوق".(32) إن رواج هذه الرواية لا يرتبط - كما يزعم البعض ـ بجمال صاحبتها وشبابها ـ فالمبدعات الجميلات والشابات كثر ولم يحققن جماهيرية تذكر ـ ولا بقدرتها على التسويق (كما تزعم زليخة أبو ريشة)؛(33) ولا لتقديمها الممنوع والمحرمات، فليس هناك مشهد جنسي واحد، بل أقصى ما تصل إليه علاقة الحب بين البطل والبطلة هو قبلة يتيمة. كما أن رواجها لا يأتي من إحالتها على أشخاص في الواقع المعيش ـ كما يحدث في روايات تتناول شخصيات سياسية مقنّعة ـ وإنما تقدم الرواية أنماطاً من الشخصيات التي أفرزتها الجزائر في مراحل تاريخها المختلفة، بدءاً من انتفاضة الأربعينيات (1945) في شرق الجزائر ضد الاستعمار وانتهاءً بانتفاضة الثمانينيات (1988) ضد الغلاء والظروف الاقتصادية. واستحضار ماض مشرق في الرواية ليس من باب النوستالجيا السنتيمنتالية وإنما من باب النوستالجيا النقدية التي نظّر لها الناقد الإنجليزي الماركسي رايموند ويليامز، والتي تستدعي ماضياً كريماً لتنتقد حاضراً هابطاً وتستجوبه.(34)

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    رؤية تأويلية لتيمات الرواية ونسيجها:
    تقدم ذاكرة الجسد، سواء كان ذلك تخطيطاً واعياً من المؤلفة أو إبداعاً جدسياً، علاقات مركبة ومتشابكة تسمح بقراءات متعددة وعلى مستويات مختلفة، لكنها تتضافر جميعها في استدراج القارئ إلى اقتفاء أثر القديم في الجديد أو الماضي في الحاضر. فهناك حكاية حب غير متحقق، وهناك حكاية وطن مفقود، وهناك حكاية الحكاية مطروحة في صيغة تساؤلية؛ أي كيف ومتى ولماذا نكتب الرواية. ففي حكاية الحب غير المكتمل بين خالد وحياة/أحلام نجد البعد الرومانسي، لكننا نجد أيضاً ما هو أعمق، ألا وهو استبطان معنى العشق واحتواؤه على علاقات القرابة الحميمة من أمومة وأبوة، ومن بنوة وأخوة. وهذا يؤهل الرواية لدراسات تجمع بين النقد الأدبي والتحليل النفسي. وحكاية الوطن المفقود بوجهي الفقدان - عندما نغترب عنه وعندما نغترب فيه - تُعالج متمثلة في خالد الرسام الجزائري المقيم في باريس، وناصر، أخي حياة/أحلام، المقيم في قسنطينة. في هذا المستوى من العمل، نجد البعد التاريخي والوطني، الذي يثير سؤالاً جوهرياً: لماذا أُحبط المشروع الوطني وكيف وهل كان بالإمكان مسار آخر وأفضل؟ إن الثورة الجزائرية على خلاف الثورات العربية الأخرى، لم تكن انقلاباً عسكرياً، بل تعبئة شعبية. كانت كفاحاً خارقاً كلّف الشعب الجزائري مليون شهيد. وأصبحت التجربة الجزائرية نموذجاً من الكفاح المسلّح ضد المستعمِر، عُرفت لا على الصعيد العربي فقط، بل على صعيد العالم. وقام المفكرون الثوريون بالتنظير حول المقاومة بناء على هذه التجربة التاريخية الفذة، وأبرزهم فرانز فانون.(35) وبالتالي فهناك تساؤل مبطن وأحياناً يُلوّح به: كيف يمكن لكل هذه التضحيات والبطولات أن تنقلب لتصبح الجزائر وطناً مستحيلاً لمواطنيه، يُستبعد فيه المجاهد أو يُتاجر باسمه؟ وكيف استطاع المرتزقة ورجال الصفقات الهيمنة على الوطن فلا يبقى للمواطن إلا الالتجاء إلى الدين في صورته المتطرفة أو الارتحال إلى المنفى الاختياري؟ في ظل الرقابة الفكرية والتبجح الحكومي وتهميش المثقف العضوي بقيت هذه الأسئلة تراود أهل الضمائر دون أن تجد جواباً شافياً في البحث، بل دون أن تُطرح كأسئلة مع أنها تهم كل مفكر، وبشكل خاص كل مفكر عربي، وبشكل أخص كل مفكر جزائري. وفي مقطع من الرواية يتساءل خالد:
    هل هناك من فرق بين القتلة؟ على يد الفرنسيين مات سي الطاهر .. وعلى يد الإسرائيليين مات زياد .. وها هو حسّان يموت على يد الجزائريين اليوم. فهل هناك درجات في الاستشهاد؟ وماذا لو كان الوطن هو القاتل والشهيد معاً؟ (ص396) ومن زاوية أخرى، ذاكرة الجسد عمل عن الذاكرة والكتابة. لماذا نكتب وكيف نكتب؟ ولماذا نختار كتابة الرواية لا القصيدة أو العكس؟ ولماذا في الفن يختار البعض الصورة وآخرون الكلمة؟ إن الرواية تسائل نفسها بنفسها مما درج على تسميته بالعمل العاكس لذاته. ونجد هذا الانعكاس الذاتي عند يرانديلو وفيلليني، عند مالارميه وول أوستر وسلمان رشدي. وتحاول مستغانمي عبر شخصيات روايتها أن ترد على هذا التساؤل، ولهذا نجد مقولات الكثير من الأدباء (وليس انيول وكريستي فقط) ومن الفنانين. ذاكرة الجسد عمل يتناول العلاقات الفردية والتاريخية والأدبية، التي يمكن قراءة كل منها منفصلة أو متصلة وفي شبكة علاقات. وسأتناول كلاً منها على حدة.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    حكاية الحب في الرواية:
    ظل العشق مستعصياً على الفهم والإدراك. عالجه العديد من الفلاسفة والفقهاء والأطباء والنقاد وكتب عنه الأدباء والشعراء، وعرفه معظم الناس وإن بقي لغزاً حتى لمن عايشه. كتب عنه أفلاطون في محاورة المأدبة، وابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة، ورولان بارت في شذرات من خطاب في العشق. ويفترض بارت في كتابه غير التقليدي أن العشق مستحيل التحقق لأنه في حقيقة الأمر الرغبة الكامنة في التوحد مع الأم: "باستثناء الاقتران (ولنلق بالمخيلة إلى الجحيم) يوجد هذا العناق الآخر الذي يعتبر ارتباطاً ثابتاً: إننا مفتونان ومسحوران راقدان من دون سبات. إننا في لذة النعاس الطفولية. إنها لحظة الحكايات ولحظة الصوت الذي يأتي ليسكنني ويصفعني. إنها العودة إلى الأم".(36) ويستطرد بارت ليقول إن في هذه العلاقة شيئاً من عشق المحرمات يتوقف فيها الزمن والقوانين والممنوعات. وتقدم الرواية حكاية حب بين خالد وحياة/أحلام من هذه الزاوية فهو بشكل ما أبوها، قام مقامه عندما سجلها باسم أحلام وهي طفلة بعد أن كانت أمها قد أطلقت عليها اسم حياة وهي في تونس؛ كما أنها بالنسبة له الأم والبنت في آن واحد. كان سي الطاهر مشغولاً بمسئولياته في المقاومة ففوّض صديقه ومرؤسه في الجهاد خالد كي يقوم بهذه المهمة: "لو وضعت في جيبك عنوان العائلة في تونس وشيئاً من الدراهم . . . لو قدّر لك أن تصل إلى هناك .. أتمنى أن تذهب لزيارتهم حين تشفى وتسلم هذا المبلغ إلى (أما) لتشتري به هدية للصغيرة، وأود أيضاً أن تقوم بتسجيلها في دار البلدية" (ص 36). الاسم المزدوج يحمل أيضاً دلالات مختلفة فالأم بتسمية ابنتها حياة اختارت لها اسماً يدل على الحاضر لشيوعه، بينما والدها اختار لها اسماً غير مألوف "أحلام" دلالة على المستقبل، وهي كما تقول في الرواية لو أن جدتها سمّتها لكان الاختيار "السيدة" وذلك "تيمناً ببركة السيدة المنوبية" (ص 011)، وهم اسم يحمل في ثناياه الماضي والتقليدي.
    وتتخذ حياة/أحلام وظائف مختلفة في مخيلة خالد، فهي الأم والابنة والحبيبة. فعندما يلتقي خالد لأول مرة بحياة/أحلام في باريس بعد ربع قرن من تسجيلها رسمياً في تونس، يقع نظره على سوارها فيتمثل أمه (أما) كما يتمثل عبرها مدينته قسنطينة التي يحب، وهي كناية عن الجزائر: "وقبل أن تصلني كلماتك .. كان نظري قد توقف عند ذلك السوار الذي يزين معصمك العاري الممدود نحوي. كان إحدى الحليّ القسنطينية التي تعرف من ذهبها الأصفر المضفور، ومن نقشتها المميزة. تلك "الخلاخل" التي لم يكن يخلو منها في الماضي، جهاز عروس ولا معصم امرأة من الشرق الجزائري. مددت يدي إليك دون أن أرفع عيني تماماً عنه. وفي عمر لحظة، عادت ذاكرتي عمراً إلى الوراء، إلى معصم (أمّا) الذي لم يفارقه هذا السوار قط. (ص 53) هكذا نجد في تعلق خالد بحياة/أحلام رغبة في العودة إلى الأم، وفي هذه الحالة بديلتها التي لا تتطابق معها، لكنها تتقاطع معها في ذلك السوار رمز الأمومة. وهي بالنسبة لخالد، كما يقول في مونولوجه الداخلي: "إنها امرأة كانت دائماً على وشك أن تكون حبيبتي" (ص76). وتبادل الأدوار القرابية الحميمة واضح عندما يقول خالد لنفسه: "كنت هنا أعرض عليك أبوتي، وكنت تعرضين علي أمومتك. أنت الفتاة التي كان يمكن أن تكون ابنتي والتي أصبحت دون أن تدري .. أمي!" (ص 118). وهكذا نجد بارت معيناً لنا في فهم هذه العلاقة، لا من منطلق نشوئها فحسب، بل أيضاً لماذا بقيت هذه العلاقة احتمالية، على وشك أن تكون دون أن تكون: إنها علاقة عصية على التحقق لأنها في التحليل الأخير تتطلع إلى التوحد المستحيل مع الأم.
    وفي المقابل تتعلق حياة/أحلام بخالد الذي يرتبط بوالدها لا عن طريق القرابة البيولوجية بل عن طريق القرابة الروحية، فقد عملا معاً في المقاومة السرية. لم تلتق حياة/أحلام بوالدها - الذي استشهد وهي طفلة صغيرة - إلا مرات معدودة، فعرفته بالسمعة والشهرة، فهي تفتقد المعرفة الحميمية التي أسقطتها على خالد، الذي يقول لنفسه: "وربما كان هذا سر تعلقك بي؛ أنا الذي أعرف الحلقة المفقودة من عمرك، وأعرف ذلك الأب الذي لم تريه سوى مرات قليلة في حياتك . . . أنت التي تعلقت بي لتكتشفي ما تجهلينه. . . . كان (سي الطاهر) طرفاً ثالثاً في قصتنا منذ البدء" (ص 43). تقدم الرواية العائلة وعلاقاتها على مستويين: قرابة الدم وقرابة الفكر، أي قرابة النسب والانتساب. وقد فصّل الناقد إدوارد سعيد في الفصل الأول من كتابه العالم والنص والناقد نمطين من العلاقات والروابط أحدهما مبني على علاقات القرابة الحرفية، والثاني على علاقات القرابة المجازية. وأشار إلى أن النوع الأول من العلاقات يتبع النسق التراتبي العمودي، والثاني النسق التجاوري الأفقي. ففي الأول علاقة طاعة وفي الثاني علاقة حوار.(37) ومن هذا المنطلق السعيدي، يمكننا أن ندرك لماذا فضلت حياة/أحلام زياد الشاعر الفلسطيني على خالد الرسام الجزائري، فالأول بمثابة الند والزميل والآخر بمثابة السلطة الأبوية. وكل من زياد وحياة/أحلام مشدودان إلى الكلمة مما أوجد بينهما علاقة انتساب، علاقة مبنية على التبادل الأفقي. والرواية لا توضح لنا نوعية العلاقة بين زياد وحياة/أحلام، فنحن نتعرّف عليها عبر الراوي خالد. هل هي علاقة تواطؤ فكري وأدبي أم تتجاوز ذلك إلى تواطؤ نفسي وجسدي؟ هل هي الغيرة وأوهامها في ذهن خالد أم هناك اعتراف ضمني بأن العلاقات الأبوية (العمودية) لابد أن تنزاح لتعطي مكاناً للعلاقات الندية (الأفقية)؟ فالنسب ـ حتى في صيغته المجازية ـ ينزاح مفسحاً المجال لعلاقات الانتساب، في صيغتها المجازية أيضاً.
    إن إهداء المؤلفة الرواية إلى أبيها الحقيقي وإلى مالك حداد، أبيها المجازي، في ذاته يؤكد على نوعين من القرابة: قرابة الدم وقرابة الروح، وعندما تقول في إهدائها لأبيها إن كتابها هو كتابه (ص 5)، فهي تعبّر عن كونها امتداداً له، وأن أثر الأب حاضر على الرغم من غيابه. إنها لا تتماهى معه وإنما تستحضره وتتمثله أدبياً. وسواء كان والد أحلام مستغانمي ـ المؤلفة ـ هو نموذج سي الطاهر والد البطلة ـ حياة/أحلام ـ في الرواية أو لم يكن، فالأمر سيان. المهم هو هذا الحنين إلى الأب الغائب، وهذه الاستمرارية بين الماضي المتمثل في الأب المزدوج ـ بوجهيه الحقيقي والمجازي ـ وبين الحاضر المتمثل في البنت الكاتبة، دون أن تشكل هذه الاستمرارية تطابقاً أو تكراراً.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •