Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512

    Lightbulb حكايات جزائرية شعبية -من التراث الشعبي

    مقدمــــــــة

    الحكاية الشعبية، كائن حي.. وله أجنحة.. يطير بها عابراً الحدود، بدون جواز سفر.. لذلك نرى فيها ملامح إنسانية عامة، إذ تتشابه، وتتشابك، وتنمو، وتحيا في أرجاء دنيانا: مثيرة، ممتعة، صالحة في كل مكان وزمان.‏
    ويكفيها فخراً أنها من تأليف "الشعب" بكامل فئاته، وهي ثمرة تفكير عقل جَمْعى، لذلك تنتصر دائماً للخير، ويلقى الشر فيها هزيمة مروعة.. كما أنها تصل مباشرة إلى وجدان سامعها، وقارئها، لا تحتاج إلى استئذان ولا تقف في وجهها أبواب مغلقة أو أسوار عالية..‏
    والعالم يعترف لنا- نحن العرب- بأن لدينا أعظم كنوزه الشعبية: ألف ليلة وليلة، ويرى في شهرزاد أهم راوية للحكايات في كل الدنيا، لذلك أخذوا منها ما أعطوه لأبنائهم، وحولوها إلى مسرحيات، وأفلام، استمتعوا بها، وأسعدتهم، ووسعت من خيالهم وأنعشت دائماً ذاكرتهم.. وفعلوا نفس الشيء مع السير الشعبية العربية مثل عنترة، وعلي الزيبق، وأبي زيد الهلالي والزناتي خليفة ودياب، بجانب سيف بن ذي يزن، والأميرة ذات الهمة.‏
    وكان جميلاً من الأستاذ "رابح خدوسي" والأستاذة "عائشة بنت المعمورة" أن يعيدا صياغة الحكاية الشعبية العربية في الجزائر، وأن يعداها للأطفال، أسوة بما حدث في كل بلدان العالم، وسوف نجد ملامح من سندريلا في قصة "بقرة اليتامى"، واستبدلت حكايتنا الحذاء بالشعرة الصفراء، كما أن حكايتنا كانت أكثر عمقاً وإنسانية عندما جعلت البقرة أكثر عطاءً من البشر، لأنها أعطت اللبن حتى بعد رحيلها.. والنصف الثاني من القصة يذكرنا أيضاً بحكاية "جاك وأعواد الفول"، وغيرها، حين يتحمل الصغار النفي، ويعتمدون على أنفسهم وعلى القدر، وهم ينجحون في النجاة بأنفسهم، بل وتحقيق حياة كريمة..‏
    ونحن قد نجد في الحكاية الشعبية بعض القسوة والعنف لكن أبناءنا أكثر شجاعة من أن يخافوا منها أو ينزعجوا أو يرتجفوا، وهم يتقمصون شخصيات أبطال هذه الأعمال وهم قادرون على احتمال هذا الذي يجري معهم، وإن كنت شخصياً أفضّل استبعاد بعض الأحداث، لأننا نريد للأبناء أن يكونوا أكثر شعوراً بالأمن والطمأنينة..‏
    لأن في دنيانا ما يزيد على الحاجة من الرعب الفزع. وحكاية "الأميرة السجينة" فيها من "جميلة والوحش" ومعروف أن لعقل الإنساني قادر على أن يهزم المارد والوحش والعملاق، إذاً ما أحسنا التفكير والتدبير.‏
    ولا يعني هذا التشابه أننا أخذنا منهم وعنهم، لكن الحقيقة أننا أبدعنا بأنفسنا حكاياتنا، ومن قبلهم، وإنها طارت هنا وهناك، لأنها كائن حي لـه جناحان.. ولا يعقل أن تعلم شهرزاد العالم رواية الحكايات التي أنقذت حياتها، وحياة فتيات كان من الممكن أن يتخلص منهن شهريار، أي أن الحكي قد انتصر على القتل، وهزمه..‏
    لذلك فإن لنا أن نشد على يد الكاتب "رابح" والكاتبة "عائشة"، شاكرين لهما أن قدما لنا هذه الأعمال التي وصلت إلينا عبر الأجيال، وكابدت الزمن، وبقت حية مما يؤكد أصالتها، وهو أمر جعل الناس يتوارثونها، ولا يفرطون فيها.. وهي-أي الحكايات- أروع بكثير من تلك التي تصل إلينا مترجمة ومنقولة، فهي ملكنا، وخاصة بنا، وتمسّ منا العقل والقلب والوجدان، وتجعل منا أناساً طيبين، وقادرين على مواجهة المصاعب، وعلى حل المشكلات، كما يفعل أبطالها..‏
    نعم، إن البطولات التي أبداها شعب الجزائر من أجل الحرية والاستقلال قد يراها البعض أكبر وأعظم من تلك التي يقوم بها أبطال الحكايات الشعبية، لكن هذه الحكايات ساهمت بدون شك في وجود الأبطال الحقيقيين... ومرحباً بحكايات الجزائر الشعبية لكل القراء العرب في وطنهم الكبير.‏
    الدكتور: عبد التواب يوسف‏


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الأميرة السجينة

    قال البرّاح: يا ناس يا سامعين... يا صغار‏
    يا كبار... هكذا الدنيا تلعب بأقدار الملاح... يوم في الأفراح وعشرة في الأتراح...‏
    قد نتعود أشياء ونألفها،، نحببها إلى أنفسنا لأجل المتعة،، هكذا يقتحمنا الزمن دون أن نتخذ له في النفس مكاناً،، فالأحداث المتتابعة،، تختلف من رواية نعرفها لأخرى صاغتها لنا الجدة "زينب" التي لا تتوانى عن مؤانستنا لتخفف عنا وطأة طول الليالي.... ها قد بدأت الحكاية، قصته من عهد الأجداد لنتابع جميعاً:‏
    على سفح الجبل العتيد تتربع دولة شامخة في عزها، هادئة في سير نظامها السياسي والاجتماعي،، تحيط بها البساتين باختلاف زهورها ورقصات فراشاتها وزقزقة عصافيرها وتغاريد طيورها الراقصة بين أفياء الأشجار المنتشرة على صدر البلدة...أو لِنَقُلْ البليدة لأنها صغيرة...‏
    جلس الحاكم ذو اللحية البيضاء والشاربين الطويلين مزهواً ببرنوسه الأحمر وحذائه الجلدي الموشوم برسومات مختلفة واضعاً في رقبته قلادة وخاتماً يلمعان لمعان البرق الخاطف كما قبلتهما الشمس بأشعتها فيزداد المكان ضياء... تحت الشجرة التي اعتاد الجلوس في ظلالها يتزين المجلس بعدل الملك الذي بث الاطمئنان في القلوب ونشر الأمان في سائر أنحاء المملكة،، والورود الحمراء المتفتحة تستقبل قطرات الندى محتضنة إياها في حنو عجيب وحتى زهور الأقحوان تبتسم هي الأخرى سعيدة بمحاذاة السلطان....‏
    وهو في جلسته الهادئة يفكر في العريس المفضل لابنته الوحيدة "كنزة"،، الموضوع الذي شغل باله كثيراً،، بدأت تحوم حولـه فراشة بلباسها المرونق،، تحط هنا وتطير هناك عالية بخفة عجيبة،، يترقبها الملك بنظرات شاردة،، يتبعها ببصره كأنه يستشيرها في طريقه لاختيار موفق لشاب من بين مواكب العرسان التي تتوافد عليه لطلب الأميرة "كنزة"،، وكلّ واحد يتميز بصفات محبوبة،، كالقوة وطيبة القلب والحنكة والدهاء....... واصلت الفراشة ترنحها برقصاتها أمامه ثم اختفت بين الورود، فتّش عنها ببصره فلم يعثر عليها،، وهنا راودته فكرة طريفة حول موضوع زواج ابنته إذ قرر إجراء امتحان لخطاب ابنته... والفائز منهم سيصبح صهراً له!!‏
    إنّ مهرها سهل لكنه ممتنع..... وجاء اليوم المعلوم، يوم الامتحان الذي يكرم المرء فيه أو يهان، فجلس على كرسي العرش وعلى رأسه تاج الملك واضعاً يده على خده، كم كان ذلك الكرسي مغرياً يومض ببريق السلطة الذي يسيل لعاب الطامعين والطامحين،، بدا شكله رائعاً إذ كانت تزينه نقوش أصلية مستوحاة من عالم الطبيعة، ومن الفن التقليدي الأصيل لأجداد الأجداد، حتى أرجله تشبه رؤوس الغزلان، وعليه علّق جراب وبداخله شيء مجهول،، طلب الملك من الشاب معرفته فياله من امتحان! وياله من مهر وياله من مطلب عسير..!!!‏
    ** *‏
    تقدم إلى السلطان حشد من الفرسان يطلبون يد الأميرة يجربون حظوظهم في يوم مشهود حاولوا معرفة ما بداخل الجراب.... لكنهم أخفقوا كلهم في الامتحان، فيهم من قال:‏
    -يوجد تفاح وآخر قال: ذهب،، ومن قال: رأس قرد وآخر قال: كتب،، وآخر قال: ثعبان... وعاد كلّ واحد مكسور الخاطر والوجدان يقول معزيّاً نفسه: المهم المشاركة.‏
    وفي نهاية المنافسة قدم إلى قصر السلطان،، شاب وسيم،، يرتدي ملابس متواضعة،، تسبقه ابتسامته المشرقة التي تخفي ثقة وشجاعة، كما يخفي برنوسه البنفسجي المتدلي وراءه المشدود إلى رقبته أناقته المتميزة،،،، ورغب في المشاركة لمعرفة ما بداخل الجراب..............‏
    حينما رأته الأميرة أعجبت بجماله فراحت تومئ له بإيحاءات وإشارات تدل على ما بداخل الجراب،، من خلف الستار كانت تبدي له في يدها وردة حمراء......‏
    -وأجاب الشاب الوسيم قائلاً:‏
    يوجد داخل الجراب ورد أحمر.... فتهلل وجه السلطان بالبشر وهنأ الشاب على النجاح،، ثم زوّجه ابنته "كنزة" وفاء بعهده،، فأقيمت الأعراس البهيجة الحافلة بأهازيج الطرب المليئة بما لذّ وطاب من طعام ...لحوم وفواكه وحلويات.............‏
    ** *‏
    وذات يوم ليس كغيره من الأيام، في الصباح الباكر تحول الشاب إلى أصله،،، إلى صورته الحقيقية،، وحش غابي،، حمل الأميرة عنوة إلى قمة الجبل بعدما كمّم فمها بقطعة من القماش كي لا تستطيع الصراخ وفي قلعته أغلق حولها كل الأبواب الموصدة بالحديد وأرهبها بالتهديد والوعيد....‏
    احتار السلطان وحزن لغياب ابنته الوحيدة،، ومما زاد في حزنه وعذابه جهله بمصيرها وأخبارها.... فكّر ملياً فخطرت بباله فكرة،، تذكّر حمامة السلام البيضاء،،، الحمامة الزاجلة،، حاملة بريده إلى الأمراء والسلاطين في كل البلدان... فكتب مخطوطاً وعلّقه برجلها اليسرى... وأوصاها قائلاً:‏
    -يا حمامة السّلام هذا الكتاب خذيه أمانة إلى ابنتي المهاجرة،، ابحثي عنها في الأرض وفي السماء، في كل مكان بالمعمورة واحذري أن تسلميه لغيرها.. ولا ترجعي إلى القصر حتى تبلغيها الرسالة وتأتي بأخبارها، زينة البنات.‏
    طارت الحمامة تقطع الجبال والوديان،، تمر على القصور والجسور والمدن والقرى.. باحثة عن الأميرة الغائبة،، تواجه العواصف وزمهرير الرياح ورذاذ المطر ووابله...‏
    وصلت الحمامة البيضاء إلى قلعة حديدية حيث أخبرها هاجس غريزي بواسطة حواسها أن صاحبتها الأميرة موجودة في هذه القلعة المهجورة،، فبدأت تحوم في فضاء القلعة واستمرت في رقصاتها الإستطلاعية. حتى لمحت الأميرة "كنزة" قادمة نحوها والابتسامة الحزينة تفترش محياها الذابل، نظرت إلى الحمامة الطليقة مستبشرة كسجينة اقترب موعد تسريحها، وهتفت:‏
    -آه، أيتها الحمامة البيضاء،، يا رائحة الأهل القادمة،، يا حمامة السلطان العزيز هل تعرفت على التي كانت تقدم لك الحب؟! اقتربي،، حطي على ركبتي هذه،، قبل عودة الوحش الشرس، الذي أغراني بزيف جماله فلم أسأل عن علمه وأخلاقه.‏
    وأحسّت الحمامة بشعور الأميرة فحطت على ركبتيها،، احتضنت الأميرة الحمامة وقبلتها بحرارة ممزوجة بدموع الشوق والألم ثم اكتشفت الرسالة فأخذتها من رجلها وقرأتها،، فهمت ما احتوته فبكت وكتبت في الحين إلى والدها تحكي له مرارة العيش والمعاناة التي تمر بها عند الوحش (الشاب) لقد ندمت كثيراً على زواجها واختيارها المتسرع للجمال الغادر....‏
    طارت الحمامة عائدة بالمرسال والأخبار إلى السلطان... مسك السلطان الرسالة فرحاً،، وعند قراءة المراسلة شعر بنوبة الأسى تحتويه من جديد،، طلب إحضار "الشيخ المدبر" كي يبدي له عمّا يحس به ليشير عليه قصد إنقاذ ابنته من هذا الشاب المتوحش وليسأله:‏
    -هل يفلح الجيش في استعمال القوة لاستعادة الأميرة كنزة المختطفة؟!‏
    أقام الشيخ المدبر في جناح خاص، وعندما عرض عليه الملك الأمر لم يوافق على إرسال الجيش إلى القلعة الحديدية، لأن الشاب المتوحش قد ينتقم من الأميرة عند رؤية الجند قادمين نحوه، وأشار عليه بالذهاب إلى القلعة والتسلل داخلها بحكمة وشجاعة، ودلّه على فرسان يثق فيهم، شباب أبناء عجوز يمتازون بهاتين الصفتين،،،،،،،،‏
    ** *‏
    ذهب السلطان حيث العجوز وروى لها مرارة معاناته بعد اختطاف ابنته، ووعدها بالعيش النعيم هي وأولادها إن أعادوا له فلذة كبده الأميرة "كنزة"...‏
    فكرت العجوز كثيراً ملياً، وبعد تمحص وتدقيق في الموضوع طلبت من حراس الملك إحضار صوف الحرير، فأحضره الحراس على جناح السرعة...‏
    شرعت العجوز الأرملة في حياكة الصوف حيث جلست على الأرض واضعة بين ركبتيها المغزل وبدأت تغزل صوف الحرير، ثم قامت بنسجه، حتى أخذ شكل ثوب مرقوم بأشكال وألوان زاهية، وحين أحسّت بقدوم أبنائها السبعة طلبت من الملك الاختفاء خلف الباب الخشبي...‏
    دخل الشبان على أمهم المنهمكة في الحياكة فسعدوا لنشاطها ثم بدؤوا يسألون ويستفسرون عم تصنعه أمهم، ولمن هذا القميص الجميل، دون أن يشعروا بوجود غريب خلف الباب.. ردّت الأم وهي تبتسم:‏
    "لمن يستحقه منكم يا أبنائي، للشجاع الحكيم... الذي يحقق لي أمنية لكنها محفوفة. بالمخاطر..‏
    (تتنهد الجدة "زينب" الكبدة حنينة قلبي على وليدي انفطر وقلب وليدي على حجر وتواصل وقد أدمعت عيناها، فلقد تذكرت ابنها المهاجر وراحت تردف كلامها):‏
    -إيه يا أبنائي....‏
    لقد بدأ الإخوة في استعراض قوتهم وشجاعتهم والسلطان خلف الباب يستمع، يقطب حاجبيه تارة ويبتسم تارة أخرى، ثم خرج من وراء الباب وخاطبهم وهم مشدوهين أمام المفاجأة الغريبة، فقال:‏
    -إذن الحمد لله لقد عثرت على أشجع الفرسان، ما عليكم أيها الفرسان سوى إرجاع ابنتي من قبضة الوحش وأعدكم بالثراء، والجاه الذي تريدون إن وفقتم في مهمتكم بمشيئة الخالق...‏
    ** *‏
    قاد الأخ الأكبر إخوته الستة، كان يمتاز بدقة النظر وسداد الرأي وحنكة عالية ودهاء كبير، وهم يمشون خلف الحمامة الطائرة، يقطعون أشواطاً للعثور على الأميرة، وما هي إلاّ أيام حتى رأوا على قمة الجبل قصراً منيفاً يلفه الضباب كالثوب الشفاف تحوم حوله الخفافيش، تحرسه من كل غريب يقترب ولو من أسوار القلعة الحديدية المحيطة به...........‏
    لقد كان منظر القصر مرعباً يدخل الفزع في قلوب المشاهدين، لكن الإخوة السبعة لم يتأثروا لذلك ولم يثن من عزمهم الشكل الخارجي الرهيب...‏
    وقف الإخوة يتشاورون ويخططون للدخول وكذا يرصدون حركة الوحش حين دخوله. ولما عاد في المساء وفتح الأبواب الحديدية السبعة ثم غلقها وراءه بمفاتيح مختلفة.. قال كبيرهم:‏
    -إنه سجن يحيط بالأميرة الجميلة...‏
    في منتصف الليل تسلّل الإخوة داخل القلعة الحديدية بواسطة جبل طويل، تعلقوا به ثم نزلوا ساحة القصر في هدوء تام... سمع الإخوة السبعة بعدما اقتربوا من باب القصر الحديدي شخير الوحش ينبعث من جناح النوم مدوياً في سكون الليل كشلال الماء المتدفق من الأعالي، صعد الإخوة مدرجات القصر الواحد تلو الآخر، وفي مهارة عجيبة، استطاع الأخ الأكبر فتح الأبواب المغلقة والوصول إلى مخدع الوحش حيث وجد الأميرة وضفائر شعرها مشدودة بيده الغليظة،،، تنام الأسيرة وخصلات شعرها الذهبي متدفقة كالشلال الحزين على ظهرها،، مستسلمة،، بائسة،، شاحبة الوجه،، نحيفة الجسم،، كأنها في سبات عميق،، مدّ الشاب يده نحو شعرها محاولاً فك ضفائرها من قبضة الوحش،،،، فاستيقظت الأميرة "كنزة" مذعورة لكن الشاب وضع راحة كفه على فمها يمنعها الصراخ ثم طمأنها بإشارة من ملامح وجهه مصحوبة بابتسامة. فاستبشرت بخلاصها وسارعت إلى الهروب مع الشاب وإخوته الستة الذين استعملوا المسلك الذي دخلوا منه كي يهرّبوا، حملوا الأميرة المنهكة القوى بالتناوب وهي مغمى عليها من الخوف الممزوج بالفرحة المفاجئة، واختفوا في الغابة ليأخذوا قسطاً من الراحة فأخذتهم غفوة نعاس من شدة السهر وناموا،،،،‏
    ** *‏
    تحسس الفراش فلم يجد الأميرة بجانبه،، كانت يده خالية من ضفائرها،، وجد قيدها مفككاً ففزع وفاض غيظه،، صرخ صرخة توقظ الموتى من قبورهم فاستيقظت حيوانات الغابة وطارت العصافير من أعشاشها مرعوبة،، كان الزبد يسيل من فمه وهو يبحث عنها في القصر وساحته.. ثم خرج إلى الغابة يقطع.. يكسر أغصان الأشجار بأسنانه ويدوسها بأقدامه الكبيرتين والخفافيش فوقه تشاركه العاصفة إنه الوحش الغاضب.....‏
    اهتزت الأرض تحت أقدام الإخوة السبعة فاستيقظوا من نومهم حائرين،، الوحش يتقدم نحوهم والشرر يتطاير من عينيه......‏
    كان لأحد الإخوة ساقان طويلان فقرر استعمالها،، قال لإخوته:‏
    -لي فكرة،،، نفُّر من الوحش بعد أن نشعل النار في الغابة فيحترق هو وننجو نحن مع الأميرة...‏
    عارضه أصغرهم قائلاً: هل تريد أن نحرق أنفسنا ونحن أحياء؟ وهل نسيت أن الشجرة مقدسة في أعرافنا ولا يجوز حرقها؟! أين شجاعتكم؟‏
    طمأنهم أخوهم الأوسط: اتركوا الأمر لي فسوف أخرج سيفي في وجهه وأقاتله،، كما وعدنا أمنا والسلطان هذه هي الشجاعة،، هل نسيتم؟ وإذا استلزم الأمر سأستدعيكم فوراً..‏
    لكن إخوته قالوا: يجب أن نواجه الوحش جميعاً كرجل واحد وليكن ما يكن،،‏
    وقبل أن يصل الوحش إلى المكان هاجمه الشبان بقوة الأسود وشجاعة الأبطال وخفة الطيور ومهارة الفرسان،، فانهالوا عليه بوابل من ضربات السيوف حتى مزقوه وطار رأسه متدحرجاً على الأرض.... وعادوا والعود أحمد صحبة الأميرة ففرح السلطان فرحاً عظيماً،، وأقام حفلاً متواصلاً تم خلاله مكافأة الإخوة السبعة لعملهم،، لكن الصراع بدأ بينهم...‏
    ** *‏
    تقول الجدة "زينب": هل تعلمون لماذا يا أبنائي، لأن كلّ واحد أراد أن يتزوج الأميرة الحسناء وعندما أستشيرت الأميرة كنزة في الأمر اختارت الشاب الذي فك قيدها وضفائرها من يد الوحش،،، قائلة:‏
    -جمال الرجل في عقله وليس في جسمه أو جيبه..‏
    قال البرّاح: وهكذا تنتصر الحقيقة على الزيف وينكشف كل غادر طال الزمان أم قصر....‏


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    عروس الجبال

    قصة ليست كغيرها من القصص، تميزها عذوبة الأفكار ونكهة الأحداث، وطرافة المواقف، وغرابة الوقائع، إنها حكاية جزائرية احتفظت بها القرون في ذاكرة الأيام....‏
    يومئذ كانت الطبيعة في عيدها تتباهى... تختال من سحرها.. تغازل الأوراس بأسرارها البديعة. الأوراس آية قدسية وهبها الخالق البديع للأرض في عيد الطبيعة، هذه اللوحة الفنية فسيفساء البهاء العذرى.. نقرأ في تضاريسها المرسومة على جبين سكانها ماضي أمة، يجر خلفه حضارة تبدأ من فجر التاريخ، في رحمها قصص كثيرة لمواقف الرجولة والبطولة....‏
    الأوراس عالم فريد من نوعه، يبدو من بعيد كأنه كتلة ضخمة، تشرق على الدنيا... يمنح أفقها أشعة الشمس ونور القمر ووميض البرق وحبات البرد... فنتردد في اقتحام هذا العالم العجيب لأن التوغل فيه صعب..‏
    كل الطرق تؤدي إلى الأوراس، أولها الطريق الشمالي حيث المرتفعات القسنطينية تفترش السبخات... وأجملها الطريق الجنوبي المزين بحدائق النخيل وواحات العسل والتمور الممتدة كسجادة منقوشة بسطها الأوراس لعروس الزيبان بسكرة!!.‏
    إن من يتوغل في جبال الأوراس يجد نفسه أمام منظر طبيعي في غاية الجمال والتنوع، وجه الأوراس كوجه التاريخ.. صحراء من الصخور تلد صحراء من الحصى.. قمم ووهاد.. مرتفعات ومنخفضات.. أودية كثيرة تعانق رياضاً ساحرة، وحدائق من النخيل تناظر غابات من شجر الأرز.. أو هذه الهضاب العليا التي تتزوج الفصول فتلبس لكل واحد حلته وأجملها الحلة الثلجية البيضاء عندما تنعكس منها أشعة الشمس، فتطبع قبلات الصباح على تاج الأوراس الناصع البياض... فيبدو كسبيكة ليس فيه موضع أحسن من موضع.‏
    في وسط هذه الطبيعة الغريبة تبدو القرى في شكل مجموعات من الحصون والقلاع الحجرية المحروسة بأسوارها العتيدة المعزولة عن العالم في رأس جبل أو شاطئ صخري كأنها في سبات عميق....‏
    "الشاوية" سكان الأوراس منذ الأزل، يعيشون في منحدرات الجبال التي تحتضنهم كالأم الحنون، يحتمون بها من غضب الطبيعة، ويستمدون منها لون بشرتهم، ومن صخورها طبيعة مزاجهم... الصلابة والجفاء.. ومن ثم تميزوا عن غيرهم، وكانت طبيعة الأوراس الحارس على وحدة الأصالة للسكان فحافظت على خصائص الأهالي...‏
    قاوم "الشاوية" امتزاج الأجناس واشتهروا بصد الغزاة مهما كانت قوتهم.. وهكذا تمكنوا من الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم ولهجتهم ومعتقداتهم و و و ... الخ.‏
    المقاومة في الأوراس عمرها كعمر الزمان... من الرومان إلى الاحتلال الفرنسي مدة تزيد عن ألفين وخمسمائة سنة، كان أبطال "الشاوية" على ثغورها يلحقون الهزائم بما هو غير أوراسي وكل معاد للشاوية....‏
    في رحاب الأوراس... تحيط بنا الشواهد والأحداث التي نسجت الذاكرة الشعبية بقصص عجيبة غريبة، كقصة "عائشة" هل تعرفها؟ ربما.. لكن إذا كنت شاوياً فأنت محظوظ باستيعاب أحداث قصتها...‏
    إنها "عائشة" ملكة السحر والجمال... عائشة البلهاء.. تنافس الشمس في إشراقها والربيع في بهجته وهي ترفل في لباسها الموشوم بأوسمة الشاوية، تعيش في قلب الأوراس متنقلة كالأميرة الخضراء بين وادي الأبيض ووادي عبدي.. آه.. أين أنتم أيها الأمراء لكي تستمدوا من نضرة وجهها آيات الفتنة والدلال؟!.‏
    ها هي عائشة الجميلة بين الورود كالفراشة المغرمة بجمال الحقول، عائشة تجد بيضة غريبة تتأملها ملياً، تحملها على عجل، كأنها عثرت على كنز ثمين، تلتفت في جميع الاتجاهات ثم تجري مهرولة كالمجنونة... إلى مكان قصي.. لتضع البيضة في مكان أمين بين الصخور..‏
    ماذا لو كسرت "عائشة" البيضة واتلفت محتواها؟ هل تستطيع ذلك يا ترى؟!.‏
    وتمر الأيام.. ترتاد خلالها "عائشة" المكان... البيضة تفقس.. يخرج منها مخلوق صغير على شكل ثعبان.‏
    يا للغرابة؟!. لم تأبه به "عائشة" واصلت تجوالها بين الحقول بحثاً عن نفسها.. ماذا لو قتلت "عائشة" الثعبان.. هل تصبح لقصتها نهاية؟ يكبر ويكبر الثعبان الصغير.. إلى أن يصير عملاقاً يهدد أمن السكان في حياتهم ومواشيهم ومراعيهم...‏
    احتار السكان في الأمر أياماً كثيرة لكن حيرتهم لم تدم لقد أجبرتهم على اتخاذ قرار حاسم.. لابد من مقاومة الثعبان..‏
    وبعد قتال مرير.. انتصر القرويون على العملاق وطرحوه على الأرض صريعاً كالديناصور المتوحش، وتعاونوا على إحضار أكوام الحطب لحرقه ومحو آثاره وكوموا جسمه بالحطب وأشعلوا النار، وسط الأهازيج والأغاني.. وبدأ الدخان يتعالى حاملاً رائحة الاحتراق... وفجأة غطّت الحاضرين سحابة من النحل القادم من كل مكان. اندهش الحاضرون وعادت الحيرة من جديد وهم يشاهدون أسراب النحل تقبل فتمتص إفرازات جسم الثعبان المحترق كامتصاصها رحيق الأزهار..‏
    إنها الكارثة الكبرى.. السم في العسل.. هل سنموت جميعاً إذا ذقنا عسل النحل الممزوج بسم الثعبان؟.‏
    -هكذا تساءل الحاضرون.. ثم انصرفوا يفكرون في مخرج للتأكد من أفكارهم المريبة...‏
    -قالوا:‏
    -"لابد أن يتطوع أحد للاختبار.. إما حياة أو موت"‏
    لكن من يتجرأ على ذلك؟ من يغامر بنفسه؟‏
    بعد صمت قصير كأنه دهر، نطق أحدهم..‏
    الحل عند الشيخ "بوراك" نطعمه العسل لنرى النتيجة؟!‏
    صفّق الجميع مبتهجين بالفكرة.. قائلين:‏
    الشيخ "بوراك" في أرذل العمر.. على حافة القبر.. إذا مات مسموماً فقد استراح من تعب الدنيا وقد أنهكه الفقر وأعجزه الدهر.. وبذلك نكون قد أنجزنا التجربة وعرفنا الحقيقة..‏
    ولمّا حان موسم الشهد والعسل.. بحثوا عن الشيخ "بوراك" حتى وجدوه وقد لجب الجنبان واحدودب الظهر..‏
    وانطفأ نور البصر، "الفم راب والرأس شاب والظهر عاب وتفرق الأحباب.."‏
    قدم العسل المسموم إلى الشيخ المسكين.. ووقف الجميع في انتظار الموت المحتوم.. فأقبلت الحياة.! حدث ما لم يخطر على بال بشر، إنها المعجزة حقاً.!!‏
    لقد استعاد الشيخ الأعمى بصره من جديد بعد أن تجرع العسل.!!‏
    لم يصدق الحاضرون المشهد وحتى الشيخ بدأ يتلمس الحاضرين بين مصدق ومكذب! ثم بدأ يستعيد شبابه، فاسود شعره واستقام ظهره وتزين فمه بالأسنان والأضراس وعاد ربيع العمر إلى جسمه كأنه يوم البعث..!!‏
    ذهل الجميع.. وانبهر الشيخ لحاله ثم قال:‏
    إن لله جنوداً من عسل.. هذا جزاء من يتوكل على الله.. نعم لقد صدق من قال: اتق الله تر العجائب..‏
    تأسف القرويون لسوء نيتهم.. وطلبوا منه الصفح والسماح لكن الشيخ عاتبهم قائلاً:‏
    -أيها الأوغاد.. أردتم قتلي؟!.. طأطأ الحاضرون رؤوسهم وواصل الشيخ الشاب "بوراك" كلامه:‏
    -إني أطالب بالدية المشروعة..‏
    قال أحدهم في استحياء:‏
    -أطلب ما شئت..‏
    قال الشيخ "بوراك":‏
    -ديّتي.. عائشة.. الزواج بعائشة زينة البنات..‏
    فوافق والدها الذي كان حاضراً مع القوم.. تزوج الشيخ ديته "العروس عائشة" وعاشا ردحاً من الزمن في غبطة وسرور وأنجب أطفالاً أطلق عليهم أولاد عبدي..‏
    ومع الأيام بدأ جمال "عائشة" يذبل كلما تقدمت في العمر رغم محاولتها الحفاظ عليه بأنواع العقاقير ولكن الزمن لا يرحم..‏
    وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟!‏
    وكلّما مرت السنون ازداد الشيخ الشاب فتوة وعنفوانا حتى صار كابن العشرين صحة وجمالاً.. فاختار فتاة شابة اسمها "توبة" وتزوجها بعدما طلق "عائشة" البلهاء، تاركاً إياها مع أبنائها أولاد عبدي في ناحية خصبة من ضفاف الوادي، وسكن مع زوجته الجديدة "توبة" على ضفة النهر الأخرى المقابلة فأنجب معها أطفالاً أطلق عليهم اسم "التوابة"..‏
    وبدأ النهر الذي يفصل بين المرأتين وذرية الشيخ يشهد في صمت ميلاد الفتنة... الصراع المرّ بين الإخوة الأشقاء... الإخوة الأعداء.. أولاد عبدي والتوابة أبناء الأب الواحد.‏
    العداوة والبغضاء ينموان على ضفتي النهر.. فيرضعهما الأطفال مع حليب المرأتين... ويشربهما الكبار جرعات حقد من مجرى الواد الحزين.. ويتوارثهما أحفاد القبيلتين جيلاً بعد جيل.. ويلبس الأوراس رداء الخطر... ثم يعلن ثورة الغضب بين أبناء الشيخ الشاب، بلغة قاسية أدواتها كلها غيض وفيض، كرّ وفرّ، اعتداء فانتقام، حتى سكن الهلع قلوب الأهالي في القرى والمداشر، وانعدم الأمن في ربوع الأوراس وحلّت محله أعراس الدم مع زغاريد البارود في السفوح والوهاد، وسائر مرابع الشاوية.‏
    لكن دوام الحال من المحال والأخوة لا تباع بالمال كما يقال؟! ولأن الزمن طبيب فقد ضمد الجراح بهدوء حتى التأمت، جرى ماء الوادي غسولاً طهوراً للقلوب السوداء فابيضّت، وأضاء العقل بحكمته والدين بنوره بصيرة المتخاصمين... فتعانق الجميع وامتزجت دموعهما فرحاً.. بالتسامح والمحبة بينهما وعندئذ صارت التوبة والعبادة عنواناً لقبيلة أولاد عبدي والتوابة.‏
    وجاءت أيام العسرة تباعاً فالتحمت القبيلتان في صف واحد تحت راية الجهاد ضد الأعداء في مقاومة شهد لها القرن العشرين بالجلال، حتى تحقق النصر المبين، ولبس الجميع أثواب المحبة والهناء بعد الخلاف والجفاء... وغنى الأطفال للشمس في أعراسها أغاني السلم والعصافير والعطر... ليمتد ربيع الأوراس طول‏
    الدهر...‏


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    الفرسان السبعة

    في قديم الزمان وغابر العصر والأوان، حدث ما لم يتصوره الحسبان، أحداث غريبة عجيبة في ذاكرة الجزائر الشعبية....‏
    ذاك الزمن الذي كانت فيه القصص فاكهة السهرات الممتعة. روائع نسجتها مخيلة الإنسان قطعاً كسبائك الذهب موروثة من ذاكرة الأجداد الذين يروونها جيلاً بعد جيل.‏
    قبل أن تروي لنا حكايات الماضي، تشعل الجدة "زينب" القنديل وتذهب للتتوضأ.. تتأهب للصلاة.. الله أكبر.. صلاة العشاء.. تكبر.. تركع.. تدعو الله.. تسلم.. تطوي السجادة وتضعها جانباً وتنادي علينا:‏
    يأتيها الواحد تلو الآخر، عدا "صوريّا"‏
    تهتف الجدة:‏
    "صوريّا" بسرعة، هيا بسرعة.‏
    ترد عليها وهي تفرك ضفائر شعرها الذهبي.‏
    -حاضر يا جدتي، أنا قادمة..‏
    -اجلسي، أقص عليكم حكاية الأمير والحمامتين، تاريخها قبل ظهور الإسلام.‏
    يبتسم الأطفال وكلهم شوق لسماع الحكاية:‏
    -في زمن السلاطين والمماليك، وفي بلدة هادئة جميلة بحدائقها وبساتينها اليانعة ونافورات مياهها المتعالية التي تزيّن الساحات الكبرى، كان يعيش أمير وسيم بهي الطلعة، حسن الخَلق والخُلق.‏
    توفي والداه "الملك وزوجته" منذ مدة تاركين وراءهما سبع بنات. قام الأمير الشاب على رعايتهن، وكانت الأخوات كالبدور في الحسن، جميلات لا يخرجن من القصر ولا يهتمن لما يحدث خارجه.‏
    ذات يوم قرّر الأمير السفر لمراعاة شؤون البلاد والعباد حيث يتفقذ سير النظام في الأقاليم.‏
    ترك أخواته السبع في القصر يمرحن ويتمتعن بحياتهن كما يرغبن، يأكلن ما يتلذذن به ويلبسن من الثياب الرائعة ما يروق لهن..‏
    بعد أيام عاد الأمير إلى قصره وكله شوق لمقابلة أخواته، كلّه بهجة بما رأى من عجائب الدنيا، لكن شاءت الأقدار أن تنكسر الفرحة في قلبه.. حيث علم من الحرس ما هو أغرب مما رأى.. أخواته قد اختطفن من قبل أشخاص غرباء...‏
    في غياب الأمير الشاب.. هاجم القصر سبعة فرسان، اختطفوا الفتيات الجميلات وذهبوا بهن بعيداً فأثار ذلك ذعراً وهلعاً كبيرين في المدينة.‏
    غضب غضباً شديداً وأعلن الحداد في سائر أنحاء المملكة، بدأت الحيرة تتملكه واليأس يدمرّه والغضب يمزقه وهو يحدق في ساحة القصر العريض البائسة من غياب الأميرات،، ثم حوّل بصره إلى السماء هروباً من منظر القصر الحزين.‏
    فجأة لمح في الأجواء حمامتين بديعتين تطيران من هنا وتحطان هناك، سعيدتين بين الحدائق والبساتين والمنابع والمرابع.‏
    قفز ليمسك بهما.. جرى خلفهما.. لكنهما طارتا بعيداً وقف يرقبهما يائساً... وبعد حين التفتت نحوه واحدة، كانت كأنها تبتسم لـه في دلال ثم وضعت أمامه رسالة وطارت:‏
    -أيها الحائر.. ما بك.. لا تحزن.. إن أردت اللحاق بنا أو لقاءنا عليك اتباعنا إلى القصر وثمة يكون‏
    ما تريد...‏
    ** *‏
    أسرع الأمير إلى مربط الجياد، فاختار أسرع الخيول، ثم امتطاه كالفارس المغوار وسار لا يدرك سبيل الحمامتين الغائبتين عن الأبصار فاختلط الأمر عليه.‏
    ومع الحيرة ترك حصانه يسير.. يسير.. دون أن يوقفه أو يشده ليعود من حيث أتى.‏
    في طريقه الطويل اللامتناهي صادف الأمير صخرة في شكل هندسي تشبه رأس إنسان بعينيه وأنفه وفمه الواسع الذي يخرج منه الضباب، فزع الأمير لذلك المنظر الرهيب وزاد في رعبه صهيل جواده المتواصل، رفع رأسه ينظر إلى هذا الشكل فوجد أعلاه منصباً كقلعة ضخمة في مدخلها جسر يلج في أعماق حصن منيع.‏
    وفي غمرة مخاوفه الممزوجة بأمله الكبير في العثور على الحمامتين قرّر دخول المبنى.‏
    طرق الأمير الباب العظيم كثيراً ولما فتح له، ظهر الحراس في زيهم المزركش، أدخلوه وفرسه قصد ضيافته إلى حين استقباله من أهل القصر.‏
    بعد فترة وجيزة خرجت سبع فتيات أنيقات وهن يضحكن دامعات العين من فرحتهن الكبيرة بالمفاجأة العجيبة.. لقاء أخيهن الأمير بعدما يئسن من ذلك.. وكان ابتهاج الأمير عظيماً، وفي إقدام الشاب المعروفة وموهبته في سرد الأخبار لم يترك مجالاً للصمت، بل تحدث وهو كله ثقة عن سعيه في العثور عليهن وعلى الحمامتين وكيف شاءت الظروف أن يلتقيا بعد طول غياب...‏
    لكن غضب الأمير على الفرسان الخاطفين بقي مشتعلاً رغم سعادة أخواته بهم بعد الزواج منهم.‏
    قالت له إحدى أخواته: لقد خرجنا من القصر طوعاً ولم نكن مختطفات يا أخي العزيز.‏
    وقبل أن يستفسرها في ذلك...‏
    عاد الفرسان من حيث كانوا وهم مسرعون لرؤية زوجاتهن... أخبرت الجميلات الفرسان بقدوم أخيهن العزيز وطلبت كل واحدة من زوجها ارتداء أفخر الملابس واستقباله بكل حفاوة، وكان لهن ما أردن، حيث أقيمت الأفراح سبعة أيام احتفالاً بالضيف الأمير الذي لم يرض بالمصالحة واشترط مقابل ذلك تحقيق أمنيته التي تشغل باله...‏
    طلب الفرسان من الأمير أن يبدي رغبته في مال أو جاه على أن تُلبى له طلباته مهما كانت؟‏
    شكرهم الأمير على حسن معاملتهم له وطلب منهم المساعدة في العثور على الحمامتين الجميلتين.‏
    توجه الفرسان خارج القصر ليعرضوا الأمر على أبيهم الساكن في مسكنه القريب من القصر، كانوا يريدون منه تحقيق رغبة صهرهم في كيفية الوصول إلى الحمامتين اللتين كانتا سبباً في التعرف على الأميرات السبع.‏
    نادى الفرسان أبيهم المنهمك في أكل لحم القنفذ.. طعامه المفضل كل يوم..‏
    -يا أبانا العزيز.. أيها الفارس الجبّار.. يا كبير القوم ساعدنا..‏
    في البداية لم يرد عليهم وفجأة صرخ من داخل منزله كأن الرعد قصف في وجوههم:‏
    -ما بكم.. دعوني وشأني.. هيا انصرفوا...‏
    لكن الإخوة ألحوا على أبيهم كي يستمع لهم ويساعدهم أو يدلهم على مكان الحمامتين... ولتحقيق حلم صهرهم إكراماً لزوجاتهم.‏
    نظر الأب إلى السماء والشرر يتطاير من عينيه ثم قال:‏
    أين صهركم لأعلكه بين أسناني كاللبان؟! ألا ترون أن الفاكهة تنقص غذائي اليوم.. هيا ارموه أمامي.. أطيعوني.. ألست أباكم..؟!‏
    أحضر الأبناء مجموعة قنافيذ وقدموها لأبيهم المريض بداء الجوع المزمن فوافق على طلبهم وقال:‏
    -العملاقان (طاموس وراموس) يسكنان قصراً على قمة الجبل الأخضر يحرسان ويخدمان فتاتين جميلتين في مقتبل العمر يعيشان معاً.. إنهما صاحبتا الحمامتين..‏
    حينما علم الأمير من الفرسان أن قمة الجبل الأخضر تخفي أسرار الحمامتين سارع إلى جواده، واتجه صوب القمة حيث القصر المنيف والعملاقان المملوكان..‏
    وصل الأمير وكم كانت البهجة تعتري ملامحه وهو يرى الحمامتين تستقبلانه قرب القصر، لم يصدق ما رأت عيناه في بداية الأمر، لكن ترحاب الفتاتين اللتين وجدهما على باب القصر ينتظرانه أكد له أنهما صاحبتا الحمامتين المهاجرتين، وعرف بعدئذ أن الحمامتين تقومان بمساعدة الأسرى والحياري. وأنهما أوصلتا الرسائل بين أخواته والفرسان شهوراً قبل أن يتم الاتفاق على الزواج بينهما، كما أخرجتاه من عزلته وحيرته عندما أبلغته رسالة الفتاتين.‏
    بعد أيام تزوج الأمير بالفتاتين فطربت أخواته لعرسه،،، دقت الطبول وأقيمت الأفراح ورقص الفرسان رقصتهم المعهودة المتمثلة في الالتفاف حول بعضهم على شكل حلقة، يترنحون هنا وهناك يميناً ويساراً في غروب الشمس إلى مطلع الفجر... وعاد الأمير إلى بلدته رفقة زوجتيه سالماً غانماً، مكرماً ناعماً...‏
    ** *‏
    كان للأمير الشاب عمٌّ شديد البأس، غليظ القلب، ملكته الغيرة حينما علم بزواج ابن أخيه ورأى العروسين الباهرتين بجمالهما، فكر بخبث وشرع في تدبير مكيدة للتخلص من ابن أخيه الأمير الشاب قصد امتلاك زوجتيه الجميلتين..‏
    ** *‏
    ذات يوم أرسل الأمير من قبل عمه في رحلة صيد رفقة فارسين من فرسانه الغشومين بغية القضاء عليه..‏
    رافقهما الأمير في رحلتهما وهو لا يدري ما يخفيانه في نفسيهما... نعم إنها المكيدة التي تنتظره فيفقد بعدها عينيه وعروسيه العزيزين...‏
    (إن غدر الزمن غدر الرفيق، رفيق الطريق واجب الحذر منه يا أبنائي "تقول الجدة زينب" لا تأمنوا‏
    لرفقاء السوء جانباً).‏
    عطش الأمير في رحلته الصحراوية فلم يجد ماء في جرابه يطفئ به لهيب الضمأ، ولما طلب من رفيقه جرعة ماء امتنعا.... فاشتد العطش به حتى أشرف على‏
    الهلاك...‏
    وبعد الإلحاح والتهديد استجابا لطلبه بشرط غريب!! هو أن يفقأ عينيه...‏
    غدر الفرسان بالأمير ورموا به في غياهب الصحراء بعدما فقأوا عينيه مقابل جرعتين من الماء... ها هو في لهيب الشمس المحرقة كفيف البصر، يتلمس الطريق فلا يعرف لـه درباً، ويبحث عن قطرة الماء فيسيل عرقه قطرات مما زاده عطشاً وألماً....‏
    سار الأمير حتى تعب فجلس تحت ظل شجرة وهو يتحسس المكان في حالة يرثى لها، على حافة الهلاك المؤكد.‏
    -كان على أغصان الشجرة صغار طائر اللقلق يرقبون هذا الإنسان مشفقين عليه، تألمت اللقالق الصغار لحاله، ولما عاد أبوهم ودنا منهم كعادته ليأخذهم في حضنه، رفضوا الاقتراب منه قائلين:‏
    -لا نقترب منك حتى تساعد هذا المخلوق البائس، انظر إلى الأرض، تأثر اللقلق لقول صغاره فلبى طلبهم في الحين عندما قال:‏
    -أيها الإنسان، ضع يدك يميناً تجد حجرة، حاول أن تقلبها على ظهرها.‏
    -امتدت يد الأمير في رعشة ووهن، نزع الحجر من مكانه، فتنزى الماء ينبوعاً صافياً، روى الأمير عطشه بعدما عبَّ الماء عباً...‏
    كانت فرحة الصغار بأبيهم عظيمة وهو يساعد هذا الضيف الضال ثم قالوا:‏
    -هكذا يا أبي كنت تحثنا على التعاون وحب الخير ومساعدة المظلوم، وحتى تكمل عملك الصالح بمعرفتك وحنكتك الواسعة في هذه الأمور، ساعده على استعادة بصره ألم تر عينيه؟!‏
    فكر اللقلق ذو الساقين الطويلتين في كيفية مساعدته على استرجاع نور البصر، فأشار نحو أوراق الشجرة وهو يقول للأمير:‏
    -انهض وانزع هذه الأوراق، أطحنها بأضراسك حتى تصير كالمضغة ضعها على عينيك، ستشفى.‏
    أسدل الليل ستاره وسطعت النجوم البراقة في هذه الظلمة التي خيمت على نفسية الأمير وكانت البشارة بوجود هذا الطائر الذي كان وصغاره خير أنيس في ظلمة العمى.. وبفضل هذا الطائر وصغاره استعاد الأمير بصره وعادت إليه قوته، وواصل دربه حيث لا يدري، ولم ينس أن يقول للطائر وصغاره:‏
    -شكراً لكم أيها الأصدقاء... لن أنسى جميلكم طول حياتي.‏
    يمشي الأمير تائهاً في الصحارى، غارقاً بأفكاره في بحر كثبانه الرملية وأمواجه السرابية المتلاطمة ترميه مرة، وتصفعه مرّات أخرى...‏
    في طريقه وجد كوخاً قديماً، استأذن من خارجه طالباً الضيافة، فوجد عجوزاً رحبت به وقدمت له جفنة الطعام وقطعة لحم وجرّة حليب، بدأ يأكل ويشرب بنهم، وعندما شبع وارتوى شرع في رواية قصته...‏
    قالت لـه العجوز بعدما نزلت دمعتان من عينيها الغائرتين:‏
    -لا تخف أيها الشاب.. لي ابن فارس قد يساعدك، وهذا أوان عودته؟‏
    رجع الفتى ابن العجوز إلى منزله فوجد الأمير، سعد بلقياه دون أن يعرف حكايته، وبعد حديث طويل بين الاثنين عرف الأمير من كلام الفتى أن عمه كلف الفتى ابن العجوز بمقاتلة العملاقين ليتمكن (العم) من الفتاتين ويتزوجهما بعد أن رجعتا إلى قصرهما إثر غياب زوجهما المفاجئ، كما عرف الأمير من كلام الفتى أن عمه هو الذي دبر له المكيدة للتخلص منه، وبعد صمت قال الأمير للفتى:‏
    -عندي اقتراح... هل تسمح لي بالذهاب الأسبوع المقبل لمقاتلة العملاقين عوضاً عنك؟‏
    وافق الفتى في الحين، وقدم لـه في اليوم الموعود ملابس القتال.. الحصان الأدهم والنبال الحادة والسيف البتار والدرع الواقي، ثم دلّه على الطريق.....‏
    اتجه الأمير متنكراً بلباس الفتى إلى مكان المعركة، فوجد عمه والناس في الانتظار، اتجه مباشرة إلى ساحة القتال، بدأ يهاجم متحدثاً معهما حتى تعرف عليه "العملاقان". فلم يمساه بأي أذى، ثم هرعا إلى العروسين لإخبارهما....‏
    وفي اليوم الموالي طلب الأمير من العجوز أن تملأ له قربة بالدم... فأقدمت العجوز في الحين على ذبح تيس كبير وملأت القربة الصغيرة بدمه، فحملها الأمير على عاتقه واتجه إلى ساحة الوغى...‏
    كان الناس يقفون عن بعد في انتظار المعركة بين الشاب والعملاقين طاموس وراموس.‏
    الفتاتان ترقبان القتال التمثيلي من شرفة القصر، لا تصدقان ما ترى عيونهما.‏
    بدأ القتال الوهمي بين الطرفين.. وفي غمرة الاشتباك أفرغ الأمير المتنكر قربة الدم على العملاقين فتلطخا بالدم، ثم سقطا على الأرض كالموتى، وكأنهما يعرفان ما يقصد الأمير بذلك الدم المسربل على جسميهما...‏
    ظن العم وحاشيته أن "طاموس وراموس" قد هلكا، فدخلوا ساحة القصر متجهين صوب جناح الأميرتين لاختطافهما.. حينئذ قام طاموس وراموس وأحاطا بعم الأمير وحاشيته، وقبضا عليهم... في ذلك الوقت كان الأمير الشاب يحتضن دفء زوجتيه ودموع الفرح تملأ عيونهم، ثم قدم هدايا عديدة "لطاموس وراموس" وعاش الجميع في سعادة كبيرة.‏
    وتصمت الجدة "زينب" معلنة بذلك نهاية الحكاية فيتنفس الأطفال الصعداء لنهايتها السعيدة.‏


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    لونجا

    -"لونجا" الفتاة ذات الجمال الرائع الذي بلغت شهرتها الآفاق، لا يتزوجها إلاّ الشاب الذي يدافع عنها ويدفع مهرها غالياً.. وهو المخاطرة بحياته وسط الأهوال...!! كيف بدأت قصتها؟‏
    الزمن يمر والأجيال المتعاقبة لا تبرح تنسج بأناملها وألسنتها صوراً شتى لحكايات نعتقد أنها منا.. قد تكون حقيقة أو خيالاً.. أو مجرد أسطورة نستلطفها فتشوقنا لمتابعة أحداثها حتى النهاية.‏
    -كانت جدتنا "حجيلة" تحلب الماعز والنعاج في الزريبة بعدما أدخلها الصبية القادمون من المرعى حيث الكلأ واللعب والمرح، مع الغروب حينما تنزع الشمس ثيابها لتنام في حضن الجبال أو لتستحم بماء البحر وتنام بين الأمواج، المهم أنها تغيب حتى ولو أنها لن تنام.. هكذا.. هم يمزحون.. لا يعرف من حديثهم سوى هذه الضحكات المعبرة على قوة الأمل في قلوبهم البريئة..‏
    يجلسون حول "قصعة" الكسكس بالحليب.. يأكلون في سعادة،، يتمعنون في ملامح الجدة،، يترقبون شفتيها حين تنبس بكلمة...... وما تقص عليهم من قصصها الجميلة المسلية.!!. تتنهد الجدة "حجيلة" وهي تضع الملعقة، قائلة:‏
    الحمد لله،، اللهم أدمها نعمة وبارك لنا كما باركت في حياة "لونجا"... ويقاطعها الأبناء وأعينهم تترجاها... لونجا... لونجا... ما قصتها؟‏
    تنهض الجدة "حجيلة" لتتكئ إلى وسادتها ثم تعتدل في جلستها وتبدأ القصة قائلة:‏
    "لونجا" اسم أسطورة الجمال الفاتن،، الفتاة السحرية القادمة من أعماق التاريخ، ذات قوام رشيق وهامة تغطيها خصلات شعرها الذهبي المسترسل على ظهرها،، كانت حلم الشباب،، كل واحد يريد الوصول إلى رضاها ليتزوجها ويفوز بجمالها الباهر الذي شغل بال الجميع،، لكن مزارها بعيد ودون ذلك أهوال ولا يغامر بنفسه إلاّ الشجاع، الذي لا يبالي بالموت من أجل العيش اللذيذ والحياة السعيدة.‏
    ** *‏
    في قلعة عظيمة تضاهي السماء،، يعيش الملك وزوجته وابنهما الوحيد "الأمير زهّار" الذي عرفته البلدة بمروءته وشهامته وطيبة قلبه وشجاعته الفائقة وبجوار قصر الملك يسكن شقيقه "شقران" الذي أَضنته الحياة بأوجاعها وآلامها،، وعسرت عليه الليالي بمحنها،، نظراً لأطماعه الكثيرة وحسده الكبير.‏
    في إحدى الليالي جلس شقيق الملك يفكر في حاله وفي ثروة أخيه الملك العجوز الذي تمتلئ خزائنه بالأموال الطائلة التي جعلت سبب عشيته مترفة بالبذخ والملذات فسكن قلبه الحقد والضغينة وفكر في حيلة ينتقم بها لحاله.. فخطرت بباله فكرة للاستيلاء على ثروة أخيه، قال في نفسه:‏
    -ينبغي القضاء على ابن أخي الملك،، لأصبح الوريث الوحيد للمُلك. وما هي إلاّ لحظات حتى أسرع الخطى نحو العجوز الداهية يستشيرها في طريقة تدبير المصيدة للإيقاع بالأمير الشاب "زهار" والتخلص منه إلى الأبد....‏
    جلس الاثنان،، يتبادلان الحديث في همس، يتناجيان في خبث ومكر،، كان بلحيته السوداء وبرنوسه الأصفر وعمامته الملتوية كنوم الثعابين ومن عينه تتطاير شرارات النار الموقودة في قلبه يشبه العجوز الشمطاء ذات النابين البشعين وهي تعصب رأسها المملوء بالدهاء والحيل التي تفوق حيل الشياطين.. كانت عيناها المرعبتان تحيط بهما تجاعيد المكر، والوشم الأخضر يملأ وجهها الشاحب،، وفي ذراعيها أساوير الفضة المنقوشة وفي حجرها كيس النقود، تتلمسه بأناملها ثم تتحدث خفية مع غرابها الأسود القابع على كتفها أو تنظر إلى الجانب الآخر نحو القط الأسود بنظراته الماكرة ثم ترسل تساؤلات لهذا الشيء الذي يلمع بين يديها والقط يشجعها..... .‏
    اتفق الاثنان على الأمر شريطة أن يكمل لها المبلغ المتبقي حينما تقضي على الأمير "زهار".......‏
    في اليوم الموالي راحت العجوز إلى الغابة حيث البئر العميقة لتملأ جرتها وتستطلع أخبار الأمير "زهار"،، تتفحص أعماله ومواعيده وأوقات خروجه،، وبينما هي في البئر إذ يقف الأمير بشعره الأسود المتدلي وبرنوسه الجميل وصداريته المطرزة بالذهب الخالص يتوسط خصره حزام مزركش علق به سيف ينام في غمده وهو على جواده الأدهم،، يدنو الأمير "زهار" من الحوض، بعدما ابتسم في وجه الماكرة حيّاها، قائلاً لها:‏
    -طبت، هلاّ فسحت جانباً من المكان حتى يشرب الحصان...‏
    نظرت إليه "الماكرة" وهي مقطبة الحاجبين،، وقالت ساخرة،، مستهزئة:‏
    -آه، أحسبت أنك بشجاعتك وشهامتك التي رفعتك بين الأهالي وجمالك الذي تترنح به هنا وهناك على هذا الجواد المسكين،، تفعل ما تشاء؟ من تكون أمام "لونجا" الفاتنة؟‏
    تعجب الأمير الشاب"زهار" مستغرباً أمرها وعاد من حيث أتى حائراً،، مشغول البال،، شارد التفكير يسأل ولا يجد جواباً لسؤاله، حيرته تزداد من يوم لآخر...‏
    لم يطق صبراً فأرسل حراسه لإحضار الداهية وما هي إلاّ ساعات حتى كانت العجوز أمامه،، روت له حكاية "لونجا" ابنة العملاق المتوحش التي تعيش في غياهب الدنيا بأقصى المعمورة حيث لا أحد يمكنه أن يصل إليها، حتى يرى سحرها وروعتها لأنها تقيم وسط متاهات الموت والهلاك....‏
    ** *‏
    امتطى الأمير الوسيم عربة يجرّها حصانان،، تاركا البلدة متوجهاً إلى الناحية التي أشارت لها العجوز حيث توجد "لونجا" ابنة العملاق المتوحش التي ملكته دون أن يراها، والأذن تعشق قبل العين أحياناً..!!‏
    كانت لـه شمس تضيء دربه المحفوف بالمخاطر، صورتها لم تفارق مخيلته طيلة سفره،، وجهها الجميل تتغمده الغيوم السوداء لكن حسنها يومض كالبرق من خلال السحب، خصلات شعرها المتطاير تلف سماء فكره.. نعم لقد كان طيفها رفيق سبيله طول المدة التي كان يقضيها بحثاً عن المكان المسمى غياهب الدنيا... قصد بيت أحد الشيوخ الحكماء وقص عليه حكايته رغبة في المساعدة بالرأي.‏
    رحب به الشيخ واستضافه إذ قدّم له الطعام والحليب في بيته المتواضع المزين بالأواني المزخرفة التي تبدي مهارة اليد هوبة في الإتقان والإبداع،،، الشيخ الوقور بلحيته البيضاء المتدلية... تجاعيد الزمن وخبايا الأيام على جبينه مرسومة، تذكره بتعاسة الماضي وسوداويته المضنية،، إنه شيخ يعرف أسرار الحياة، كثير التجارب، راجح العقل، جامع الأخبار لذلك يسمى الشيخ المدبّر،،، قال للأمير في شفقة وحنو:‏
    -أدرك أيها الأمير قصتك واعرف أن طريقك صعب، لأجل الوصول إلى الحسناء الموت يواجهك كل لحظة،، فكم من فارس مات قبلك في طريق غياهب الدنيا ولم يصل إلى "لونجا" ويا ليتك تنسى هذه الفتاة وتعود إلى أبيك تساعده في أمور السلطة، وقف الأمير "زهار" قائلاً:‏
    -لا يهمني شيء ما دمت بعيداً عن "لونجا" لابد أن أصل مهما كان الثمن...‏
    قال له الشيخ:‏
    -إذاً عليك بتنفيذ التوجيهات التي قدمتها لك واحذر الصخرة العجيبة وستصل إلى "لونجا" بإذن الله...‏
    ** *‏
    اختار الأمير جواده الأدهم رفيقاً له وسار في طريقه أياماً ولياليَ، قطع خلالها المسافات الطويلة ورأى الأهوال المرعبة، واجهها بشاعة،، وشاهد الصخرة العجيبة التي تفتح وتغلق بسرعة غريبة، وفي الفضاء ترقص الوطاويط رقصة الموت وتوطوط منذرة الأمير بخطورة الأمر،، لكن الأمير "زهار" كان شجاعاً وذكياً واستطاع أن ينفذ من الثغرة بخفة وينجو من فم الصخرة كالبرق ودخل بأعجوبة خارقة....‏
    وصل الأمير إلى قلعة ذات شكل عجيب مريب، كأنها رؤوس أسُود وأنياب وحُوش من العهد القديم، تقشعر لها الأبدان وتفزع لمنظرها النفوس.... وجد أمامه كلبة ضخمة هجمت نحوه فرمى لها قطعة لحم ثم لاعبها بمرونة وليونة حتى هدأ من روعها فسكنت حركتها،، ثم بدأ الأمير يصيح منادياً الحسناء:‏
    لونجا أيتها الحسناء، هيا اخرجي،، لقد جئتك فارساً،، أبحث عن حقيقة الأسطورة التي سكنت قلبي فتحديت لأجلها الخطوب....‏
    تظهر الحسناء من الأعالي كالشمس الساطعة في ظلمة الليل،، قائلة في دلال:‏
    -من أنت أيها الغريب،، وكيف دخلت إلى هنا،، (ثم أردفت ناصحة): -أخفض صوتك،، اصمت حتى لا يسمعك الآخرون.‏
    يرد عليها متحدياً:‏
    -لن أخشى أحداً لأجلك، جئت راغباً في الزواج بك... أنا الشاب "زهار" من جزائر الأحلام... وهذا قلبي في كفي أهديه لك عربوناً...‏
    سعدت "لونجا" بقوله ورمت بضفائرها إلى الأرض ليستعين بها عند الصعود.‏
    -انبهر الأمير أمام طول شعرها الذي زادها سحراً، مسك به وصعد إلى غرفتها..‏
    -عاد العملاق المتوحش والد "لونجا" تحسس المكان وأدرك أن أحداً دخل المنزل، اضطربت "لونجا" كثيراً لكنها وجدت مخرجاً لورطتها وقالت لأبيها:‏
    -إن عابر سبيل جائعاً، اقترب من الصخرة طالباً القوت كي لا يموت بالطوى، فقدمت له الخبز واللبن،، ثم انصرف لحاله، اطمأن العملاق المتوحش لقول ابنته وراح ينام في سبات عميق، لكنه من حين لآخر كان يفتح إحدى عينيه وهو ينقلب على أحد جانبيه...‏
    ** *‏
    في الصباح الباكر،، هربت "لونجا" مع الأمير "زهار" على صهوة الجواد الذي جاء به الأمير وأثناء خروجهم من المنفذ تفطنت كلبة العملاق المتوحش الحميمة عند سماعها صهيل الحصان وأدركت أن "لونجا" غير موجودة بل رأتها تهرب مع الشاب، فأيقظت العملاق الذي فتش عن ابنته،، ناداها،، ولا مجيب،، نظر من النافذة فرآها مع شاب يمتطيان الجواد....‏
    هرع نحوهم راكضاً والغضب يملأ أحشاءه وهو يُزمجر بأنيابه الموحشة وبأظافره الشرسة،، لقد اسودت الدنيا أمام عينيه،، ها هو يبحث عن الطريق عن المخرج الضيق،، كأنه غريب عن المكان،، حاول الخروج فأطبقت عليه الصخرة لسمنته وخشونة جسمه واضطرابه الشديد،،، صرخ صرخة مدوية ضجت لها الأسماع وردّدت صداها القمم والأوهاد،، التفت الهاربان خلفهما مندهشين فإذا بهما يشاهدان العملاق المتوحش يَلفظ أنفاسه في منظر بشع ومريع، والصخرة منكبة عليه،، فعادا نحوه حائرين،، كان يخاطبهما بوصايا ثلاث، بمعاناة كبيرة من شدة الموت البطيء الذي يفتك به:‏
    أوصيك "بلونجا" خيراً أيها الشاب الغريب قد تصادفك في طريقكما ثلاثة أشياء فاحذرا الاقتراب منها أولاها:‏
    -رجلان يتنازعان، وثانيها محفظة مملوءة بالذهب، وثالثها نسران يقتتلان أمام النهر،، لا تباليا بأي منهما وإلاّ هلكتما... (وبعد إتمام وصيته سقط جثة هامدة...)‏
    -أدمعت عينا "لونجا" الجميلتان حرقة على وفاة أبيها لكن الأمير الحليم هدأ من روعها وحملها على جواده ثانية، فاحتضنته من الخلف وأطلق العنان لجواده يطوي المسافات طياً فيثير النقع خلفه كالزوبعة الترابية..‏
    ** *‏
    في طريقهما الغابي على سفح الجبل وجدا كيساً من الذهب فتعففا عن حمله ثم شاهدا رجلين يقتتلان،، تذكر الأمير وصية "العملاق المتوحش" لكن بذرة الخير في نفسه جعلته لم يُطق صبرا،، فقفز بجواده نحوهما وأصلح بينهما ووزع كيس الذهب بينهما بالتساوي والتراضي، ثم واصل سيره وهو في طريقه رفقة الحسناء "لونجا" إلى أن شاهدا نسرين يقتتلان،، نسر ضخم يفتك بنسر دونه حجما، تحركت في جوانح الأمير المروءة وروح الإقدام ضد الظلم،، فتدخل بينهما يريد إنقاذ النسر المهيض الجناح،، لكن النسر الكبير انتهز الفرصة واختطف بمخالبه الأمير من ظهره وحلق به في الأجواء العالية تاركاً وراءه "لونجا" وجواده،، ومع الهلع تذكر الأمير وصية "العملاق المتوحش" لكن سحر السماء ومناظر الأرض البديعة أنسته حاله....‏
    "لونجا" الفتاة اليتيمة،، الوحيدة بعد غياب فارس أحلامها تبكي ألماً من لوعة فراق أبيها العملاق وشريك حياتها الأمير "زهار"، تقول نائحة:‏
    -واحسرتاه..‏
    تناديه.. لكن لا جدوى من صراخها ونحيبها‏
    وحزنها...‏
    ركبت حصان الأمير لا تدري لها اتجاهاً.. لكن الحصان كان بغريزته يسير نحو قصر الملك،، ها هي مكسورة الخاطر،، لا رفيق سوى هذا الجواد الأدهم، وطيف الأمير يرافقها الدرب. بعد أيام وليال من السير وحيدة ها هي تقترب من القصر الفاخر،، متخفية في ثياب رثة،، حين دخلته طلبت من الحراس مساعدتها على البقاء والعمل كخادمة لدى الملكة....‏
    كان لها ما أرادت،، وهي بذلك تريد قضاء حياتها قرب والدي "زهار" الأمير، أغلى شيء لديها في الوجود، لكنها وجدت أبويه حزينين لغيابه، فتضاعفت تعاستها، وصار ذلك القصر يسمى: قصر الأحزان.....‏
    كل يوم تجلس "لونجا" بجانب النافذة مهزوزة النفس تنتابها رعشات الوحدة القاسية،، تتذكر حبيبها الفارس.. تتساءل:‏
    -ترى إلى أين طار به النسر؟ وهل مازال حياً أم وافته المنية واختطفته هي الأخرى مني؟‏
    يداعب الجدة "حجيلة" النعاس فتمسح بيديها أجفان عينيها الغائرتين ولما رأت الكرى يداعب أهداب الأطفال قالت:‏
    -هيّا للنوم يا أبنائي وغداً نكمل حكاية-لونجا الحسناء- يجلس الصبية متربعين بعد تمددهم، ويقولون بصوت واحد:‏
    -أرجوك يا جدتنا العزيزة أكمليها لنا الليلة، لا تنامي حتى تقصيها علينا كاملة.‏
    لبّت الجدة طلب أحفادها وواصلت سرد هذه القصة الشيقة التي شدّت سمع الأطفال لها،،، قالت الجدة:‏
    عندما كانت "لونجا" عند النافذة حائرة متسائلة في نفسها... أسئلة لم تعرف لها جواباً،، لمحت على حين غرة نسراً يجوب في الفناء فلوحت بيدها، محاولة إيقافه لكنه غاب عن الأنظار،، وبعد برهة من الزمن عاد إلى سماء القصر-إنه النسر المحقور- الذي تعارك مع النسر الضخم- يحلّق أمامها في حركات تعبيرية كأنه يريد تبليغها رسالة....‏
    قفزت "لونجا" وهي تلوح بيدها يميناً ويساراً، والنسر يواصل حركاته بجناحيه الطويلتين،، خرجت "لونجا" من القصر وتبعت النسر في اتجاهه، متخذة إياه دليلاً. قطعت أراضي البساتين والحقول ثم السهول وبلاد القفار، وعلى رأس هضبة نزال النسر وأخذ ينظر صوب شجرة عظيمة،،، توقفت "لونجا" والعرق يتصبب من جبينها،، لقد أنهكها التعب لكن الأمل في لقاء فارسها المفقود أعطاها قوة إضافية تحملت بطاقتها المصاعب.‏
    اقتربت من الشجرة الكبيرة... فسمعت أنيناً خافتاً،، خفق لـه قلبها،،، إنه الأمير "زهار" ها هو ينادي،،،، أسرعت نحو الشجرة،، لكن النسر العملاق كان أسرع منها،، حيث حمل الأمير وحلّق في السماء،، فصارت الفتاة الحزينة تلوح بيدها مرة أخرى، صارخة في وجه الدنيا،، سمعها الأمير فحاول أن يجيبها بأنفاس متقطعة، وقد أنهكه التعب:‏
    -عليك بذبح خروف سمين وتركه عند النهر، عندما يراه النسر سيأكله فيشبع ويقع طريح الأرض حيث لا يقوى على الطيران،،، وقتها عليك بضربة بعصا غليظة على رأسه فأنجو من قبضته..‏
    -قامت "لونجا" بتنفيذ وصية الأمير المأسور عند النسر الخاطف، فتحقق ما قاله، وأنقذته "لونجا" من قبضة الطائر الجارح، ولكن المسكين مرض مرضاً شديداً أقعده طريح الأرض... لأنه لم يستطع السير على قدميه للعودة إلى القصر وسهرت "لونجا" بجانبه طوال مرضه تخفف حرارة جسمه وتناجيه باسم الشوق وما جرى لها في غيابه... صار "زهار" طريح الفراش الذي صنعته له من أوراق الشجر وحزم الحشيش كانت تداعبه بأناملها،، تخفف عنه الآلام،، ينظر إليها مرات ومرات،، نظراته تكلمها تخاطبها بلغة العيون تستقبلها "لونجا" يتحسسها بأنامله،، يسعد بوجودها، رغم كل شيء هي بجانبه...‏
    ** *‏
    مرت الأيام فبدا الأمير "زهار" شاحب الطلعة،، يمتثل للشفاء،، وكان علاجه الوحيد امتصاص رحيق الأشجار وحب الزيتون الممزوج بنظرات الحب والحنان من فتاته "لونجا"...‏
    كان الملك وزوجته يعيشان في كآبة قاتلة وحزن عميق لفراق ابنهما الأمير الذي انقطعت كل أخباره،، حتى أخذ الحزن موضعه في قلبيهما،، وصار القصر كالكهف المهجور، لقد غابت عنه الضحكات والسهرات الليلية والجلسات الممتعة حول الموائد المليئة بأشهى المأكولات.... وأهله في أثواب من أفخر الملابس يرفلون ويتبادلون البسمات والطرائف....‏
    عادت الحسناء ومعها الأمير الشاب "زهار" الذي دخل المدينة في ثوب متنكر حتى لا يعرفه أحد وفي اليوم الموالي لعودتهما، طلبت الخادمة الحسناء "لونجا" مقابلة الملك وهي في أثوابها الرثة،، الممزقة،، فلم يسمح لها الحرس بمقابلته وهي على هذا الحال، فأحدثت صوتاً مستجدياً وصل مسمع الملك، فأستفسر عن الخبر، قال له حاجبه الحقيقة،، فأذن لها، دخلت عليه بهندامها الممزق، تعجب الملك لحالها ولكن جمالها الفاتن أنساه نظرته المستصغرة لها، سألها:‏
    -ما وراءك أيتها الخادمة؟‏
    -مولاي منذ أن وطئت قدماي هذا القصر لم أر البسمة على شفاهكم أو السرور على ملامح وجوهكم،، نفوسكم حائرة،، صامتة،، نظراتكم بائسة،، جامدة كالجدران تنتظر بشرى سعيدة،،، استغرب الملك قولها لكن لم يقاطع كلامها... استطردت "لونجا" في قولها... اسمح لي بالخروج وسأعود إليك في الحين،، سأرفع بعد قليل ستار الحزن عن القصر وأمسح الدموع من نوافذه،،،‏
    -أومأ برأسه موافقاً على طلبها........؟‏
    -خرجت "لونجا الخادمة" أمام الباب وطلبت من الضيف الدخول إلى الملك وزوجته الحزينين،، كانت أصابع يديهما متشابكة وهما يدخلان،، فاحتار الحرس منبهرين...‏
    الملك وزوجته تغمرهما الفرحة للقاء ابنهما الغريب الحبيب، الذي طالت غيبته أمامهم، حتى يئسوا من عودته،، وفي غمرة فرحتهم الكبرى انصرفت "لونجا الخادمة" إلى خارج مجلس الملك...‏
    غيّرت ملابسها الرثة بأخرى جديدة ثم سرحت شعرها الذهبي،، فتحولت "لونجا" بسحرها وفتنتها صاحبة الجمال الأسطوري إلى ما كانت عليه روعة وبهاء... والفرحة تملأ قلوب العائلة يطلب الأمير "زهار" من الملك قائلاً:‏
    -أبتاه اليوم وبمناسبة رجوعي تتوالى المفاجآت... هل يطيب لكم استقبالها؟ يسعدني أن أقدم لك عروسي المختارة،، التي غبت لأجلها،، وها أنا بينكم اليوم، فما تقولون؟ نادى الأمير "لونجا" فدخلت عليهم في الحين انبهر الملك وزوجته لجمالها الساحر ومحياها المشرق.... وبعد التشاور وافقا على زواجها من ابنهما وأقيمت الأفراح في البلدة احتفاءً بزواج الأمير وسعد الأهالي بعودته بعد إقدامه على مواجهة الأهوال وتحديه الشجاع للمهالك،، وباءت الخطة الجهنمية للعجوز "الماكرة" المدبرة للمكيدة مع شقيق الملك شقران بالفشل وكان جزاؤهما خيبة الأمل التي قتلتهما حسرة وندماً على ما فعلا...‏
    عاش القصر الأفراح والليالي الملاح محتضناً "الأمير ولونجا" في سعادة وهناء.‏
    وتمت الحكاية فتتثاءب الجدة "حجيلة" وترمي برأسها على الوسادة البنية المرقومة بالغزل الأبيض والأسود ويداها المتشققتان شاهدتان على نشاطها المهني.... ثم تقول:‏
    -هكذا يا أبنائي تنتهي حكاية "لونجا الحسناء" بانتصار الحب على البغض، والخير على الشر،، كان بعض الأطفال قد استسلموا للنعاس فناموا قبل أن تنهي جدتهم القصة، وكان من بين المستيقظين الطفل الذكي "رؤوف" نظر صوب الجدة "حجيلة" قائلاً في جرأة عجيبة:‏
    -هل صحيح يا جدتي في الدنيا أغوال موجودة؟ احتارت الجدة لهذا السؤال المفاجئ وبعد تفكير قصير،، قررت الجدة اطلاع الصغار على الحقيقة فأجابت قائلة:‏
    -الحقيقة يا أطفال.. الغول اسم لحيوان وهمي لا وجود لـه على وجه الأرض، ونحن الكبار نخيف به الأطفال الصغار كي يهدأوا، فنتجنب بذلك صراخهم وطلباتهم المتكررة،، فتناول رؤوف كراسه القاموسي وقلمه وكتب: الخير يتفوق على الشر ثم أضاف: الغول: حيوان وهمي لا وجود له.‏


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 2 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 2 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •