Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52

    ماري عجمي... من كتاب /نساء رائدات/ لـ إيميلي نصرالله

    "إن أمة هان على أبنائها بذل الدماء، لا يصعب عليها الإنتصار في ميادين العمل".

    ...

    الإسم يمر أحياناً في الذاكرة. ربما عالق بها من أيام الدراسة، من قطعة أدب مختارة في كتاب القراءة، أو قصيدة وطنية، تتغنى فيها بتراب الوطن، وتشيد بالإنسان العامل من أجل بناء ذلك الوطن.

    ولكن، هل يحمل اسمها أي معنى للأجيال الناشئة؟ هي ورفيقات لها من رائدات النهضة الأدبية، النسائية؟... المناضلات في صفوف الوطنيين، على دروب التحرر، حين كان النضال، تلك الشعلة التي تنير السبل، وتشحذ الهمم، وتجمع النفوس والقوى، وتشحن الطاقات، في سبيل البناء والعمران؟!..

    في ذلك الزمان البعيد، حين كان التحدي كبيراً.

    ....


    ويبقى اسم ماري علامة فارقة بل ومميزة، في مسيرة النهضة العربية، في أي بلد كانت. فهي تقف في صف هدى شعراوي (مصر)، ومي زيادة الأدب، وجوليا طعمة دمشقية الصحافة، وسواهن من صاحبات اليقظة المبكرة، والوعي النير، حاملات مشعل العلم والتقدم في العالم العربي، دون التفرقة بين بلد وآخر.

    وميزة هذه الكاتبة، عن سائر الرائدات المعاصرات، أن قدرها وضعها لفترة من الزمن، هي مرحلة تفتح الصبا، وضعها في صميم معركة النضال الوطني في بلادها. وقد خاضت عمليا دروب الكفاح، وأطلعت عن كثب على المعاملة السيئة التي لقيها الوطنيون على أيدي المستعمر، والتي بلغت حد الاستشهاد كما سنرى.

    .../يتبع
    اليوم هو غد الأمس ..
    وسيكـون أمـس الغــد ..
    كلماتي لا تصيب الزمن بالشيخوخة ،
    بل أشيخ ويبقى الدهر شابا يقتبس من لحظاتي طفولته ...

    "إبراهيم سنان"

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    لا بد من العودة قليلاً مع الزمن، لنتعرف على بدايات هذه الكاتبة: فقد ولدت في دمشق بتاريخ الرابع عشر من أيار سنة 1888 في اسرة حموية الأصل، وتلقت علومها الأولى في المدرسة الروسية، ومنها انتقلت إلى المعهد الإيرلندي.

    وبالطبع، درست إلى جانب العربية، اللغتين الروسية والإنكليزية، وحصلت على شهادة المعهد سنة 1903. ثم انصرفت إلى التدريس لمدة سنة واحدة، قبل أن تلتحق بمدرسة التمريض في الكلية الأمريكية ببيروت. لكن الطالبة على شغفها بالعلم لم تتمكن من المتابعة لأسباب صحية، فعادت إلى دمشق وعينت معلمة من درجة أولى في المدرسة الروسية.

    إلى جانب العلم كان لـ ماري تطلعات أخرى. فهي تهوى الكتابة، وقلمها طيع في الشعر والنثر. والعصر عصر انتشار الفكر وإنشاء المجلات والصحف. كما هو عصر تفتح الوعي على الصعيدين: الإنساني والوطني. وكانت الصحف والمجلات شخصية فردية، أي أن صاحب المجلة يقوم بكل ما تتطلبه من أعمال، ويحرر إذا اقتضى الأمر جميع المقالات ويستعير لها الأسماء.

    وهكذا وجدت ماري أن عدداً من الصحف يفتح صدره بالترحاب لاستقبال قصائدها أو مقالاتها التوجيهية، وقد حررتها في البداية ـ وكما كانت تقتضي "الموضة" تحت اسم مستعار "ليلى" ـ وبعدما نالت شهرة ترضيها، تخلت عن "ليلى" المستعارة وعادت إلى ماري الأصلية. ولم تقف ضمن حدود وطنها، بل راسلت صحفا في كل من لبنان ومصر، وبات لها اصدقاء وصديقات، ومعجبون بقلمها، وانطلقت هي تكتب عن الآمال المعقودة على النهضة، وكان التوجه التربوي غالبا في مقالاتها، ولا غرو في ذلك، أوليست هي معلمة؟.

    وبقي التعليم مهنتها ومصدر عيشها، لا الأدب "الذي لم يكن يطعم خبزا". وفي سبيل التدريس، انتقلت سنة 1909 إلى الإسكندرية حيث عينت ناظرة لمدرسة الأقباط في تلك المدينة. غير أنها لم تلبث أن عادت تنتقل بين معاهد التعليم في سوريا، ولبنان، والعراق، وفلسطين، وحيثما حلت كانت تفرض شخصيتها بمواهبها الثلاث: التعليم، الكتابة، والخطابة.

    ولا عجب إذن أن نسمع الأستاذ فارس الخوري وهو من أكبر رجالات الفكر والسياسة في عصره، يقول فيها هذين البيتين :
    يا أهيل العبقرية سجلوا هذه الشهادة
    إن ماري العجمية هي مي وزيادة

    وقبل أن أسجل شهادة الإعجاب هذه رأيت أن أسأل بعض من عاصروا ماري عجمي أو عرفوها في أوج تألقها، إذا كانت هناك مبالغة، واجابتني السيدة عنبرة سلام فقالت: "طبعا هناك مبالغة ..." .

    لكن وصف الأستاذ الكبير، ربما طابق مواقف لها، كانت غاية في الجرأة، والشجاعة، والوطنية. وقد ارتقت بها، وحلقت، وليس بالكلمة وحدها.

    .../يتبع

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    العام 1910 كان موعد صدور مجلة "العروس" وبذلك، تكون ماري قد حققت طموحا دغدغ مشاعر كل كاتب وكاتبة في تلك الحقبة. إذ صدرت خلال تلك الأعوام، عشرات الصحف والمجلات. وكانت منابر لأقلام أصحابها وصاحباتها في الدرجة الأولى، وإذا جاء مقال أو قصيدة، من كاتب لم ينشئ صحيفته بعد، فلا بأس، ينشر له محاطا بالحفاوة والتكريم.

    لكن "العروس" لم تقو على عبور سنوات الحرب الصعبة، فتوقفت عن الصدور سنة 1914، أي مع نشوب الحرب العالمية الأولى، لتعود فتظهر سنة 1918، ولمدة سبع سنوات.

    لكن صاحبة "العروس" لم توقف نشاطها الآخر، التدريس، فانصرفت تمارسه في معهد انشأته ورعته بنفسها، ودأبت فيه، على غرس الحس الوطني الصحيح في صدور الطالبات، وتوجيههن في الخط القويم، كما غرست في نفوسهم اليافعة، بذور مناهضة الحكم العثماني.

    ولم ينحصر نشاطها في التعليم وحده، خلال تلك الفترة القاسية على شعبها ووطنها، بل قامت تلبي الحاجات الاجتماعية الناتجة عن الحرب. وأسست مع نازل العابد (بيهم) "النادي النسائي الأدبي" ثم "جمعية نور الفيحاء" و "مدرسة بنات الشهداء". كما انتخبت عضوا في "الرابطة الأدبية" التي أسسها خليل مردم. وكانت المرأة الوحيدة فيها.

    ومثلما أحيطت الكاتبة بتقدير مواطنيها وإعجابهم، كذلك حظيت بتقدير البلدان العربية المجاورة. ففي لبنان، دعا الأستاذ جرجي نقولا باز، الملقب بنصير المرأة، إلى حفلة أقامها على شرفها سنة 1926 وذلك اعترافا بالمكانة الرفيعة التي كانت تحتلها في نفوس قرائها وأصدقائها. وتقديرا لنضالها في حقلي الأدب والصحافة.

    ومن بعده، تعاقبت على تكريمها المحافل الأدبية في حيفا ويافا، كما أن الكلمات التي ألقيت في تلك الاحتفالات لم تركز على قيمتها الفكرية وحسب، بل على مواقفها النضالية.


    .../يتبع

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    عند هذه النقطة، لا بد من وقفة في أهم محطة من حياة ماري، ففي بعض مسيرتها النضالية التقت الصحفي المناضل "بترو باولي" وتبادلت وإياه الحب والإعجاب. كما تواعدا على الزواج، فعقدا خطبتهما إلى أن تحين الفرصة. وكانت الكاتبة تطلق على خطيبها لقب الباتر نظرا لجرأته الأدبية والسياسية، وثباته في مواقف نضالية خاضها وقادته في النهاية إلى حبل المشنقة.

    أجل، الباتر كان بين الجماعة المناهضة للحكم العثماني. وخاض ضده حربا شعواء، سلاحها الكلمة الجريئة الصادقة والتي كانت تنير الرأي العام بقدر ما تثير حقد الطغاة. وقد أدخل السجن أكثر من مرة بسبب كتابته. وكانت الخطيبة لا تنقطع عن مراسلته، حتى وهو خلف قضبان السجن. وأحيانا، كانت تكتب الرسالة ثم تحملها بيدها وتمضي إلى زيارته غير مبالية بما يحيط بها من صعوبة ومخاطر. وكيف تبالي بالخطر، والرجل الذي أحبت سجين، وهي تعلم أنه مظلوم في تلقي الأحكام الجائرة، دون أن يعطى فرصة الدفاع عن النفس؟... وبالطبع، لم يكن الباتر السجين الوحيد، ففي سجن عاليه كما في سجن "جامع المعلقة" في دمشق، عشرات بل مئات السجناء. ولكن الذين كانوا يثيرون اهتمامها (واهتمام الصحافة والرأي العام بالطبع) هم السجناء السياسيون وبينهم رجال الصحافة.

    وكانت ماري تحمل الرسالة إلى الخطيب بنفسها. فإذا استوقفها شرطي نهرته بعكاز لم يكن يفارقها، بسبب ضعف في إحدى ساقيها. أما إذا تمادى الحارس في وقاحته معها، استعانت عليه بالمتنفذين من وجهاء البلد. وأحيانا "كانت تستخدم قسطل الماء لابلاغ رسالة شفوية إلى أحد السجناء في قاع الزنزانة".

    والباتر وكيل مجلتها في بيروت. وبينما كان ذاهبا إلى بيت مري حيث له أخ مريض، خدعه الشرطي، واقتاده إلى دائرة البوليس حيث قضى ثلاثة أيام اندلعت خلالها الحرب العالمية الأولى. فنقل السجناء وهو في جملتهم إلى دمشق. وعندما علمت به ماري جن جنونها، وأشارت عليه أن يهرب. لكنه لم يصغ إليها، إذ كان بريئا ولم يرتكب جرما يدفعه إلى الهرب.

    وظلت تراسله، وتحمل الرسالة بيدها، إذ لم يتوفر لها من ينقل كلماتها واشواقها إلى الحبيب:
    "أخي السجين، أكتب إليك على ضوء القنديل، ولكن ما ينفع النور إذا كان القلب مظلما؟.. أراك على كرسيك الطويل وهو عرشك الجديد في مملكة المجرمين، تتلو على مسامعهم سمرا لطيفا يخفف من بلوائهم، فأنت في موقف قلما تسنى لكاتب إلا أجاد في وصفه، فلا تعبث بتأملاتك، بل قيدها، لأن الزمان قد قيد عليك الوجود بين المجرمين.. لقد نسيت العالم منذ رأيتك على هذه الحال.. خذ حرية كحريتي، إن شئت، وأعطني سجنا كسجنك..."

    وفي رسالة أخرى تقول: "أخي السجين: أتدري أنك في سجنك أكثر حرية مني، وأن السلاسل والأقفال التي يغلون بها أيدي السجناء ليست بأشد مما توجه إلى ذاكرتي..."

    .../يتبع

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    وفي يوم، اقتحمت مقر الحاكم الذي كان يذر الرعب في النفوس، جمال باشا، وحظيت منه بمقابلة، وناقشته، وهي امرأة، في أمور كثيرة، وخرجت من المقابلة لتكتب مقالا وصفت فيه الرجل وما جرى بينهما، وكاد ذلك يقودها إلى السجن وربما إلى الموت.

    لكنها، مع الأسف الشديد، لم تفلح في إنقاذ خطيبها ورفاقه، وقد استشهدوا شنقاً في السادس من أيار، في ساحة الشهداء، ببيروت، وساحة المرجة بدمشق.

    والباتر لم يتخل لحظة عن شجاعته، لا في مواقفه الفكرية، ولا الإنسانية. فها هو يصرخ وقبل أن يعلقوا الحبل في عنقه بلحظات:
    "هلموا أيها الأخوان
    إنها أرجوحة الأبطال
    وأنت، يا تركيا الشقية
    حياتنا في ظلك ممات
    ومماتنا في ظلك حياة
    فدونك إذن، هذه الروح
    التي اقمت منذ عامين
    تحومين حول نزعها، بكل ما لديك
    من وسائل الإضطهاد
    وما عهد سقوطك ببعيد
    وهنيئا لمن يعيش ليرى الرجاء.."

    ولم يدعه الجلاد يكمل الحرف الأخير، إذ تقدم منه، وأحاط عنقه بالحبل. فرفس الباتر الكرسي بقدميه، ولسان حاله يقول: "من لم يمت بالسيف مات بحبل المشنقة".

    أما ماري الرفيقة والحبيبة، فقد انفجرت كالبركان الثائر. والحزن الذي تغلغل إلى أعماق نفسهان راح يتشظى عبر قلمها، فكتبت تخاطب الشهداء بنبرة تحمل إلى جانب الحزن، تحدي المرأة الجريح:
    "أما تبرحون غارقين في رقادكم أيها النائمون؟ أما تعبت أجنابكم، وملت من اللصوق بالرمال؟ قوموا، فقد نمتم طويلاً...
    إن نفحات الربيع مالئة الفضاء، والأطيار تتسابق على الأفنان، والجداول تناديكم: أن هيا، عودوا إلينا لقد كفى القلوب وجدا وأنينا، قوموا، فإن الأمة التي تعرفتموها، لا تريد أن تتعرفكم.
    لقد اتخذت لنفسها أحبابا من بعدكم يراوغونها مراوغة الثعالب، لقد غدت تطرد أبناءها، وتبيع حق حياتها للغريب، رخيصا، وتجد لذة في امتصاص دمها.
    عودوا... فقد عادت الورود الحمراء إلى مآقينا".

    إن العلاقة التي كانت تربط بين الكاتبة والشهيد، هي علاقة وثيقة، وحميمة، ومن هذا المنطلق، ومن أعماق الياس والحزن، تستل قوتها، غير هيابة. فإذا قضى الحبيب، ماذا تريد من دنياها، أكثر من وقفة شموخ واعتزاز؟.. لن تطأطئ رأسها. لن ترضخ للعثمانيين، ولا حتى لمن جاء بعدهم، وحاولوا استمالتها.

    وهذا الحب الحزين في فؤادها، راح يتفجر مقالات تشحذ فيها همم أبناء وطنها، لمناهضة المستعمر، والالتفات إلى دواخل النفوس والاهتمام بالثروات الطبيعية والإنسانية، وتطويرها واستثمارها.

    وقد رأى البعض في مقالاتها، بذور الدعوة الغاندية لإنعاش المصنوعات الوطنية:
    "إن المحراث في يدك أيها الرجل، لسيف تذود به عن حياتك، والمغزل في عينيك، أرهف سهم تناضل به، دون مالك واستقلالك.
    إن لبن الأم، يا قوم، خير من لبن المرضع، إن ثوبا تهديه إليكم بلادكم يستبقي مالك الضائع. إلى مصنوعاتكم أيها السوريون فإنها لراية لبلاد لم تبق لها راية. وإن أمه هان على أبنائها بذل الدماء، لا يصعب عليها الانتصار في ميادين العمل".

    وهكذا تتخذ الكاتبة من مناسبة الشهادة القدوة والمثال، لتحث الهمم، وتذكي في النفوس الحماسة للعمل، وفي كل مجال، لأن البلدان لا تبنى او تنهض إلا بسواعد بنيها.

    ونسمعها تتغزل، في قصائدها، بالفلاح والصانع والزارع، وترى في خشونة الأيدي العاملة كل الخير والبركة ولا تبخل، في شعرها ومقالاتها، على الجندي الذي:
    "باع يوم النصر طوعا روحه،
    ويكفيه مفاتيح الردى،
    وبعينيه اتقاد الهاجرة،
    مؤمن بالحق صلب خشن
    غير عاص شرعة أو آمرة".



    .../يتبع

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    وقد تكون ماري الكاتبة الوحيدة التي توغلت في السجن، إبان الحكم العثماني، وشهدت فيه، ما يعانيه السجناء (وجلهم من رجال السياسة والصحافة) من جور وتعسف. ولما طلب إليها أن تكتب وصفا لمشاهداتها، كان ردها على ذلك، ما ورد في مقال عنوانه "السادس من أيار" قالت فيه:
    "دخلت بابا، قام على جانبيه وفي صدره ثلاثة سجون منفصلة، لكل منها حاجز خاص، مصنوع من القضبان الحديدية، وهي مجموعة سجون، أو عبارة عن كهوف صخرية، يوصل إليها بثماني درجات، فرأيت وراء أحد تلك الأبواب نخلة باشا (المطران) جالسا عن كثب، عند مدخل مغارته الضيقة المنخفضة السقف، أمامه سلسلة ضخمة معلقة إلى قدميه، تزن ثلاثين رطلا، لقعقعتها، كلما تحرك، صدى أجش.. وكان يرفعها بيديه إذا مشى. ولما رآني رفع بصره، وأشار علي بالصمت مخافة الجواسيس والرقباء. وأنا أعجب لحالته وتجلده بعد أن نال تلك الإهانات، ولطخ وجهه آن التشهير بالأقذار وصفع مئات الصفعات، بأيدي أناس لم يكن يرضى أن يكونوا له عبيدا...".
    "وخرجت من ذلك المكان، فإذا غلام يحمل قصعة من اللبن، أرسل بطلبها أحد معارفي من السجناء. فإذا الخفير يحفر بأنامله القذرة، حفرة في تلك القصعة للتثبت مما فيها، ثم يلحس أنامله، لتطهيرها مما علق بها، فيفحص غيرها من القصاع، على اختلاف ألوان الطعام...".
    "وما زالت زياراتي للسجون تتوالى، حتى رأيت أن أسعى جهدي لإنقاذ بعض الأدباء ساعة علمت أن لا مفر لهم من حكم الإعدام. وكانت المحكمة العرفية لا تسمح بدفاع المحامين...".

    هذا الوصف الواقعي، وتلك الشهادة لمرحلة هي من أخطر ما مرت فيه البلاد في حينه، هي ما يميز أدب ماري وشخصيتها إذ لم يسبق لكاتبة أن عاشت الأحداث وانغمست فيها، مثلها، ثم شهدت لها في أدبها. وتركت الشهادة ساطعة على المعاناة التي اختبرها حاملو الأقلام والأفكار الوطنية.

    ويبدو أن حربها لم تتوقف، بعد انحسار الحكم العثماني عن لبنان وسوريا. فقد واجهت الإنتداب بالروح الوطنية الرافضة لكل إرادة خارجية. وها هي تدلي بشهادة أخرى هامة، إثر تسلم الفرنسيين الحكم، إذ تقول:
    "بعد أيام قليلة انقضت على استيلاء فرنسا على دمشق جاءني شرطي برقعة، يدعوني فيها رئيس الوزارة الجديد إلى اجتماع أراد عقده. فكتب عليها كلمة "تبلغت" وأبيت أن ألبي الدعوة.. وبعد انعقاد الإجتماع، سألت عن القصد منه، فقيل لي أن مدير إدارة المطبوعات الفرنسية خطب في الحضور، وهم من الكتّاب، وعلمهم كيف يكتبون، ووزع عليهم ورقا بلا ثمن، ووعدهم بالمساعدة.
    ولم يمر ردع طويل على ذلك، حتى طفق أحد معارفي يتردد كل مساء محاولا اقناعي بأنني، إذا هتفت لفرنسا وأنشأت الفصول، معددة الاصلاحات التي تقصد علينا الانتداب من أجلها، فزت بأجر شهري ضخم من الذهب الوهاج...
    وفاجأته يوما بقولي: ما هي تل الإصلاحات التي تريد أن أكتب عنها؟ قال: علي أن آتيك بقائمتها مرة بعد أخرى، وعليك إقناع القوم بها شفاها وخطابة وكتابة، قلت: "لتنجز فرنسا اولا ما تعدنا به من الاصلاحات، فأترنم بذكرها مجانا... وكان جوابي له آخر عهدي به...".

    وإن دلت تلك الشهادات على شيء، فإنما تدل على أهمية حضور تلك الأديبة وعمق تأثيرها في مجتمعها، ولدى قرائها ثم صلابة موقفها، وعدم تخليها عن مبادئها، برغم كل تهديد أو إغراء.

    .../يتبع

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    وتابعت ماري خط نضالها على جبهاتها الثلاث: الكتابة، الخطابة، والتعليم. وكانت تلجأ إلى الشعر في المواقف الحماسية، إذ إنه يعبر بشكل أقوى وأغنى، عما يجيش في صدرها من براكين الغضب:
    "ردوا التراب فما الوقوف بنافع والقوا الستار فمن ثوى لم يرجع"
    بهذه النظرة الواقعية كانت ترى إلى الأحداث وتدعو مواطنيها ليبصروا الحقيقة، ويمعنوا فيها النظر، ويأخذوا منها عبرة لبناء غد أفضل ولتجاوز السقوط في اليأس.

    وبقيت الكاتبة واقفة وسط الصحراء شامخة كنخلة، قوية، بل تلهم القوة، كما توحي إلى من حولها بالتقدير والاحترام، فتحرك قريحة رجل من أعظم رجالات السياسة العربية، وأعني فارس الخوري، رئيس وزراء سوريا وقتذاك ليقول فيها شهادته.

    وهي، وإن لم تكن في مرتبة مي أدبيا، إنما تركت لنا، أدب الشهادة، بل ما يشبه التوثيق لمرحلة مظلمة من تاريخنا.

    لكن الزهو الذي عرفته في الصبا، ومطلع سن النضج، لم يستمر معها حتى منتصف العمر، حيث خيمت غمامة قاتمة، فوق رأس ماري، وغلفت نفسها بغلاف السوداوية القاتم. وبقيت على تلك الحال ردحا من العمر، وعجزت محاولات الأصدقاء عن إخراجها من عزلتها وسوداويتها. وحاولت جماعة منهم ضم قصائد الشاعرة في ديوان، كما جلدت أعداد مجلتها "العروس" في عدة مجلدات.. لكنها كانت قد أصبحت بعيدة عن ذلك كله، والصدمة التي عرفتها في أوج شبابها، راحت تتغلغل في الأعماق، وتقتات من حيويتها. وحين وافتها المنية، مساء السبت في 25 كانون الأول، سنة 1965 كان عقد الأصدقاء قد انفض من حولها، ومنذ زمن بعيد، ولم يبق، ليشهد آخرتها البائسة سوى نفر من المخلصين، رافقوا جنازتها إلى مثواها الأخير في مقبرة الباب الشرقي للروم الأرثوذكس، في دمشق.

    .........

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    أمل الفلاح
    ماري عجمي

    مَنِ الفارسُ المغوار في ساحة الوغى؟
    مَنِ السهمُ لا يثنيه ردُّ الجَحافل؟
    مَنِ النَّهرُ يجري بين كفّيه صاغراً
    يُغيِّر مجراه برغم الحوائل؟
    مَنِ الغصنُ يهتزّ انشراحاً للمسهِ؟
    ومَن ذا كَسا الجرداءَ أبهى الغلائل؟
    هو الزارعُ الفلاّحُ لولا جهادهُ
    لما شِمتَ بالريحان حُسنَ المخايل
    هو الطَّودُ للعبء الثقيل وقد بدا
    على وجهه منه اتّقاد المشاعل
    نبيٌّ فقد أوحى إلى القفر بالشذا
    وعلّق أقراطَ الغصون الحوامل
    رسالتُه طيبٌ وجَنْيٌ ونشوةٌ
    وكعبتُه الخضراء حجُّ القوافل
    ففي جَدّه عينُ الحياة تَفتّحتْ
    على غُرر من كل صَوْبٍ حَوافل
    بها موكبُ الأرواح والكرم والمُنى
    يرفّ حواليه جناحُ البلابل
    يلين لطلعٍ ناعمِ النسج غضِّهِ
    له صُوَرُ الأحلام في عين آمل
    كأني به أمٌّ تلين لطفلها
    وترعاه في عطف على الدهر شامل
    شغوفٌ بحُسن الأرض يهوى خيالَها
    ولو حال دون الملتقى ألفُ شاغل
    وقد بات مطبوعاً على لوح قلبهِ
    بصورةِ روضٍ ناضر الزهر مائل
    تُغنّي له في كلّ فجرٍ حَمامةٌ
    وتحنو عليه دَوحُهُ في الأصائل
    فتُسرع أسرابُ الطيور مطيعةً
    يُعِدْنَ، ولا يدرين معنى التكاسل
    وكلبٌ حمول للرزايا مُحبَّبٌ
    رقيبٌ وفيّ العهد، ليس بخاذل
    يبيت وقطعانُ النعاج ببابهِ
    فلستَ ترى في أهله غيرَ باذل
    وماذا عليه إن تقوَّس ظهرُهُ
    على كونه في الرقص حَوْر الخمائل؟
    لئن ضاق بالكوخ الصغير مقامُهُ
    فإنّ له رحبَ الفضاء المقابل
    خلا جيبُه: أمّا الفؤادُ فملؤهُ
    حنانٌ يفيض الدهرَ فيضَ الجداول
    تغلغل في صُمّ الجنادل روحُهُ
    ففَجَّر بالإلهام أصفى المناهل
    يشعّ من المحراث ما في فؤادهِ
    من النّار يستحيي بها كلَّ ماحل
    فهل عجبٌ أن بثّ روحاً فردّدتْ
    شفاهُ الأقاحي مدحَه بالهياكل؟
    لئن خَشُنتْ منه اليدان فكفُّهُ
    سَماحٌ وإنّ الجودَ بسطُ الأنامل
    يتيه عليه المترفون بمالهم
    وليس لهم مثلُ ابتسامةِ عاملِ
    فإن أرقوا لم تعرفِ السهدَ عينُهُ
    وإن بطروا أثنى على خيرِ واصل
    وإن ركبوا أسرى فجلّى عليهمُ
    وإن سكروا لم يدرِ معنى التغافل
    وأحلى نشيدٍ في الليالي سماعُهُ
    نشيدَ غيوم الأفق تهمي بوابل
    يُذلّ عُقابَ الشُّمّ بأساً وقوّةً
    وينزل في الغابات أعلى المنازل
    هو الساعدُ المفتولُ لا يعرف الونى
    هو العزّة الشمّاء دونَ تطاول
    فما الزهرُ إلا الشكرُ حُقَّ لجاهدٍ
    وما الخِصبُ إلا من جزاء المناضل

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    ماري عجمي .. رائدة الصحافة النسائية في سوريا


    جريدة البيان

    بيان الكتب: يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة الأعمال المجهولة التي قامت دار رياض الريّس بنشرها مشكورة، وهو يتناول حياة وأعمال «ماري عجمي» إحدى روّاد الثقافة السورية في مطلع القرن المنصرم (1888 ـ 1965) وهي أديبة وشاعرة وصحافية بارزة، أنشأت أوّل مجلة نسائية في سوريا عام 1910 باسم مجلة «العروس»،

    وهي مجلة تعنى بشئون الثقافة والفكر والاجتماع، نشرت موادها في فترة تعتبر من أكثر الفترات قسوة وظلامية في تاريخ سوريا، فالاستبداد التركي كان على أشده، وفي الوقت نفسه كانت الثورة العربية الكبرى في سبيلها إلى النهوض للخلاص من عهود الظلم، التي حكمت الأمة باسم الإسلام،، بينما كان الانتداب الفرنسي يهيئ نفسه ليكون البديل الاستعماري باسم التحديث والتمدين، وكان على ماري عجمي والمثقفين السوريين يومها، أن يتّخذوا موقفاً جديراً بالوطن والثورة والاستقلال، وقارئ هذا الكتاب لابدّ وأن يلتمس مواقفها الجريئة بخصوص الدفاع عن كرامة الإنسان وحريته من خلال مقالاتها الجريئة التي كتبتها في مطلع القرن المنصرم.

    ومؤلّف الكتاب، إذ يتعرض لسيرتها وحياتها بين دمشق وبيروت في الفصول الأول من كتابه، إلاّ انه في الفصول اللاحقة سيتناول شعرها ومقالاتها الصحافية، فيرى أنه لو أنها تفرّغت للشعر ولم تصرف جلّ وقتها في التدريس والترجمة وفي تحرير مجلّتها «العروس»، والدفاع عن حقوق الشعب والمرأة خصوصاً، لكانت تركت ديواناً ضخماً، وسيقول: «ولكن للأسف بعض شعرها قد ضاع، وبعضه سرق، وبعضه مازال مطوياً ينتظر من ينفض عنه الغبار وينشره». والقارئ لأشعارها فيما أورده المؤلّف سيلتمس قدرة بارعة على وصف الطبيعة بذلك الإحساس الأنثوي الشفّاف القادر على التوغّل والتماهي بهذه الفتنة الربّانية، لتنتقل بها في ثنايا النصوص إلى طرح جملة من الأسئلة ذات الطابع الرومانسي بصيغ الاحتجاج والاستفهام عمّا آلت إليه أحوال الشام والعروبة، وقد أعجب الشاعر أمين نخلة بقصيدتها التي رثت بها أمير الشعراء أحمد شوقي: هزّوا الغصون لعله نائم سكران في عشّ الهوى حالم فالخلد فوق رياضه حائم فقال لها: أعطني هذه القصيدة وخذي من شعري ما شئت. وراح يردد عبارتها: هزوا الغصون لعله نائم.. ثمّ إنه عندما توفيت قال في حفل تأبينها: ما لهم لا يهزّون الغصون فلعلها نائمة. ما لهم لايرون في يومها ما رأته هي في يوم شوقي؟ ولكننا بخلاف رأي المؤلّف نرى أن ماري عجمي الفتاة المثقفة كانت أدركت أهمية الصحافة ودورها التنويري الكبير في حياة المجتمع الناهض من سبات طويل، فسارعت إلى إصدار مجلّتها العروس سنة 1910، وهي في مطلع الشباب، كي تتمكّن من إيصال رسالتها في التحرر والتقدّم للمرأة والمجتمع، وفي سبيل هذا الهدف استكتبت مشاهير ذلك العصر من الكتاب والشعراء، ولم يبخل عليها أحد منهم بشعره أومقالاته، فكتب في المجلة كلّ من: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، جميل صدقي الزهاوي، معروف الرصافي، إسماعيل صبري، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، شبلي الملاّط، الشاعر القروي، الأخطل الصغير، إلياس أبو شبكة، عباس محمود العقّاد، المازني، وفارس الخوري وغيرهم. وإن يدلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على مكانة مجلّة العروس، ومكانة ماري عجمي الأديبة والصحافية، وقارئ الكتاب سيتأكد من قدرتها وبراعتها الصحافية من خلال عشرات المقالات التي تناولت الكثير من شئون المجتمع والحياة السياسية بروح جديدة وعقلية نقدية متوثبة وقلب جسور. فالمرأة السورية كانت شغلها الشاغل، وهي إلى ذلك لم تتوان لحظة عن نقد كثير من السلوكات الاجتماعية غير المسئولة التي كانت تمارسها بعض الذاهبات في تقليد ثقافة الغرب وحياته الاستهلاكية، فتحاول ما أمكنها نشر القيم الإنسانية الأصيلة كبديل عن هذه الحياة الزائفة، فهي تعلي من شأن الأمومة الحقّة. الأمومة القائمة على مبدأ تطوير تربية الأجيال الجديدة، شأنها في ذلك شأن سعي العلماء إلى تطوير العلوم والفنون، وعلى أسس وقواعد صحيحة «وليس لتقدّم الصناعة والاختراع من شأن ما دامت البشرية واهنة القوى. وما لم تعمّ الدعوة إلى إصلاح النسل جسماً وعقلاً فلا فائدة ترجى من حضارة ورقيّ لا يصلان إلى تحسين البشر». وهي إلى ذلك ترى أن التربية والتعليم هما الأساس الذي ترتكز عليه الحضارات في تقدّمها، ولا يمكن لبلد ينشد استقلالاً وتحرراً من المستعمر، ولم يتمكّن بعد من تعميم التعليم وجعل المناهج وطنية، لأجل أن تتشبع الأجيال الجديدة بثقافته لا بثقافة المستعمر التي تعممها المدارس الخاصة الأجنبية فتقول: «لا شكّ أن هذه المدارس أرقى نوعاً من المدارس الأمريكية والوطنية، ولكنها لا تفرّق بين مصلحتنا ومصلحتها، فهي تعلّمنا لغة وتاريخ بلادها، وتثير احترامنا لتقديس راياتها، وتضع في أفواهنا نشيداً وطنياً لبلاد لم تقع أعيننا عليها. ولا أزال أذكر كم بكيت في طفولتي على الملكة فكتوريا يوم حضرتها الوفاة إذ رأيت الدموع في عينيّ معلمتي، مع أني لم أبك على أحد من قومي». أما على الصعيد السياسي والوطني، فإن أكثر ما يدهش في خطاب ماري عجمي، هو وعيها بأهمية الوحدة الوطنية ودور المثقف في تأكيد قيم التحرر من الاستعمار والوقوف بوجه أطروحاته المزيفة عن الحرية والإخاء والمساواة، فهاهي بعيد تلقيها دعوة من رئيس الوزراء ترفض دعوته، لأنها تعلّم أن هذا الاجتماع ما كان ليعقّد لولا أنه هناك توصيات محددة من قبل مدير إدارة المطبوعات الفرنسية بالتزام الكتّاب ثقافة الانتداب، والدعاية لها، فتقول: «حاولوا إقناعي بالقبول، ثمّ طفقوا يسخرون معه لإصراري على الرفض، إلى أن فاجأته يوماً بقولي: ما هي تلك الإصلاحات التي تريد أن اكتب عنها؟ قال عليّ أن آتيك بقائمة مرة بعد أخرى، وعليك إقناع القوم بها شفاهاً وخطابة وكتابة. قلت لتنجز فرنسا أولاً ما تعدنا به من الإصلاحات، فأترنّم بذكرها مجاناً!! وكان جوابي هذا له آخر عهدي به». وهي إلى ذلك ستبحث عن مآثر فرنسا التي يريدون الحديث عنها، فلم تجد شيئاً غير المحاكم والضرائب ومنافسة الشركات الفرنسية واستبدادها للشركات الوطنية.


    والكتاب زاخر بالعديد من المقالات التي تنحو هذا المنحى الوطني الأصيل، الذي لم يهادن الأتراك وهم في أوج استبدادهم مع جمال باشا ومواكب الشهداء الذين أعدموا في السادس من مايو، مع بترو باولي حبيبها الذي تناقلته سجون سوريا وبرّ الأناضول تائهاً في بيادي الاستبداد، ومن ثمّ ليعودوا به إلى بيروت مريضاً لا ترتجى له حياة، ولكنهم على الرغم من ذلك حكموا عليه بالإعدام فتقول: «وكما يحتفل الفتى بزفافه هكذا احتفل هذا الشهيد بمشنقته. فما دعي إلى ارتقائها حتى صاح بشركائه فيها: هلموا أيها الأخوان إنها لأرجوحة الأبطال». وهي إلى ذلك ستقارن بين جمال باشا السفّاح وبين الأمير عبد الله قائد الثورة العربية من خلال لقاء صحافي أجرته معه في العام 1918 لتؤكّد على خصال الأمير الأصيلة وثقافته ورؤيته المستقبلية، وذلك عندما يحدثها على وجوب النهضة النسائية لتصبح المرأة العربية في مصاف أرقى نساء الأرض، فتحضر صورة جمال باشا بالمقابل فتتمثل لها مشانق الجند الفارين الذين كانوا يعلقون بالعشرات على أبواب المدينة: «تمثّلت لي تلك الرعشة التي كانت تأخذنا من الصباح إلى المساء، إذ لم يهبّ أحد لنجدة الأمة من الهلاك، كأن الحسّ قد تلاشى في الأعصاب والشهامة ماتت في النفوس! وإذ ببوق الانتقام يدوي في أطراف الحجاز. وهنا شعرت بسرعة جريان الدم في عروقي فقلت ولم أتعود الشكر حاضراً: مولاي إن العرب أجساد أنت روحها، وإننا إذا ذكرنا العرب فأنت كلّ العرب، وليس من العجب أن نرى من يفتدي الأمة من الهلاك يصعد بها إلى أوج الرقي والعمران».


    وفي مقالة لها عن «الحرب والمجد» سوف تتضح لنا أبعاد رؤيتها الإنسانية ومعاداتها لسبل تحقيق المجد بالحروب، وستعتبر ذلك امتهان للكرامة الإنسانية وسلوك وحشي يتساوى فيه السفاح والبطل، فلا فرق بين فرعون ونيرون وتيمور لنك الذين وصفهم التاريخ بالوحشية، وبين الإسكندر وبونابرت وغيرهما من الأبطال الذين يثني عليهم التاريخ، لأنهم جميعاً بحثوا عن أمجاد زائلة فتقودهم الأوهام إلى قبور البشرية مترنمة بأناشيد الموت وهم يحسبونها ألحان الحياة. هكذا تفصل الأجساد عن الرؤوس من أجل أراض صماء تبتلع الإنسانية ولا تفنى. إن كلّ ما أحرزه نابليون من الظفر في «أوستر ليتز» لا يوازي خسارة حياة إنسان واحد في عين الله.. لا أرى في العالم إلاّ شرائع الدمار ووسائط الخراب.. إن حفلة تعقد لترقية المدارس هي خير لدى العقلاء من تأليف أسطول انجليزي ثان، وعمل باستور في العالم هو أشرف وأفضل من عمل جميع أبطال العالم وفاتحيه.


    والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، أنه: لماذا بقيت أعمال ماري عجمي وأولئك النفر من النساء الرائدات مجهولة حتى الآن، ولماذا ظلّ الذكور من رعيلها من الكتاب ممجدين في مناهجنا الدراسية وفي منابرنا الإعلامية؟ ألاّ تستحق المرأة العربية أن تخرج من فضاء الحريم والمطابخ في ذاكرتنا الجمعية إلى ما تستحقه من تكريم، أو على الأقل تأخذ حيّزها المناسب في تاريخنا الثقافي، لدورها الإبداعي والتنويري الذي قامت به؟ أعتقد أن مبادرة دار الريّس لنشر مثل هذه الأعمال المهمّة، تساهم إلى حدّ كبير في بعث تقاليد ثقافة التنوير، التي أريد لها أن تغيب من حياتنا، وهي بذلك تستحقّ منّا جميعاً كلّ الدعم والمساندة.


    عزت عمر

    ((منقول))

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، أنه: لماذا بقيت أعمال ماري عجمي وأولئك النفر من النساء الرائدات مجهولة حتى الآن، ولماذا ظلّ الذكور من رعيلها من الكتاب ممجدين في مناهجنا الدراسية وفي منابرنا الإعلامية؟ ألاّ تستحق المرأة العربية أن تخرج من فضاء الحريم والمطابخ في ذاكرتنا الجمعية إلى ما تستحقه من تكريم، أو على الأقل تأخذ حيّزها المناسب في تاريخنا الثقافي، لدورها الإبداعي والتنويري الذي قامت به؟
    وأنا أتساءل أيضاً ما رأي أولئك اللذين يتهمون كتابات المرأة بأنها مقتصرة على التعبير عن عواطفها ومشاعرها الخاصة وها هي ماري عجمي تثبت قدرتها على النضال بقلمها والدفاع عن قضايا أمتها..

    شكراً لك ( من سكان الرصيف ) لتعريفنا بها
    كل الشكر
    To be or not to be
    That is the question


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •