Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    حلم الحريم كلهم!! .. إسعاد يونس

    حلم الحريم كلهم !!


    وقف حسين في المطار في طابور الجوازات ينتظر دوره.. فقد كان المطار مزدحماً لوصول أكثر من طيارة في وقت واحد.. وما أن بدأ يشعر بالضجر حتى آنسته راحة أنثوية عطرة لم يبحث كثيراً عن مصدرها، فقد كانت تنبعث من تاج من الشعر الكستنائي كان يكسو رأس السيدة التي تقف أمامه في الطابور.. لم تكن مباشرة أمامه ولكن كانت تفصلها سيدة في منتصف العمر وكان من الواضح أنها في صحبتها.. فقد كانتا تتحادثان وتميلان على بعضهما البعض.. وتسلى حسين بمراقبة السيدة من الخلف .. فقد كان القوام ممشوقا والظهر مستقيما والشعر منسدلا في سلوك كستنائية حريرية والعطر يفوح.
    استشعر حسين أن السيدة مصرية وأنها كانت تقيم في الخارج منذ فترة طويلة وغالباً ما كانت في أمريكا، فالطيارة الأخيرة التي استقبلها المطار قادمة من هناك.. وبالفراسة فهم أن السيدة الأخرى يجب أن تكون أمها.. فقد تبادلتا ألفاظ الدلع فيما بينهما.. الكبيرة تنادي الصغيرة بـ نوشي والصغيرة تنادي الكبيرة بـ ميماية.. إذن الصغيرة نوشي والأم ميماية.. لا بأس فلم تعد الموضة أن تنادي البنات أمهاتهن بـ ماما خصوصا اذا كانوا يعيشون في الخارج مثل هؤلاء.

    الطابور طويل. إنهما متقاربتان، فنوشي في حوالي السادسة والثلاثين وميماية في حوالي الخمسين.. لأ.. معقولة؟.. أنجبتها في سن الرابعة عشرة؟.. يعني.. خمسين.. خمسة وخمسين.. انه يسلي نفسه بالاستنتاجات.. هو وراه حاجة؟ ولكن والله عفارم يا ميماية.. فنوشي خلفة متميزة وإنتاج مشرف.. ما هذا؟.. ليس في اليد خاتم زواج.. لا عفارم عفارم.. يعني يا مطلقة . يا أرملة.. زي حالاتي يعني.. على الله ما يكونش فيه أولاد.. اقترب الطابور من ضابط الجوازات.. ووصلت نوشي وقدمت جوازي سفرها هي وميماية ومالت على الشباك بكاملها.. نظر الضابط في جواز سفر ميماية وقال "يااه غيبة طويلة".. ابتسمت ميماية وختم الضابط ثم تناول الباسبور الخاص بنوشي ، وكاد أن يختم ولكن استرجعته معلومة فنظر مليا ثم رفع عينيه ونظر إلى نوشي مليا أيضا.. مالت أكثر على الشباك فغمغم حسين "آااه هناك عطلة".. همس الضابط الذي يبدو والعالم الله أنه كان يتمتع بكثير من الذوق وهمس لنوشي مشيرا الى خانة في الباسبور "يبدو أن هناك خطأ ما في لحتة دي".. أمنت نوشي على كلامه "نعم نعم حتى موظفي الجوازات الأمريكان يرتكبون الأخطاء.. سأصلحه فور دخولي البلد".. ابتسم الضابط وختم وابتسم حسين، فقد هانت.. بلا مبرر وقف حسين على سير الشنط واستلم حقائبه وعاون نوشي وميماية في حمل حقائبهما وتبادل الجميع الابتسامات والتعارف.. لدى باب المطار حدث قلق في التاكسيات وعزم عليهم حسين أن يوصلهما إلى سميراميس.. وفي الطريق عرف أنهما كانتا تعيشان في الولايات المتحدة منذ سنين طويلة وأنه آن الأوان لكي تعودا إلى الوطن وأنهما ستستقران في الفندق إلى أن يتم تجهيز البيت في الهرم لاستقبالهما.

    حلو قوي هذا كارتي وهذه تليفوناتي وأنا في الخدمة.. مع السلامة مع السلامة.. وعقله يقول والله عروسه مش بطالة بعد أن طال البحث.. وآن أوان الاستقرار.
    فعلا احتاجت نوشي إلى بعض الخدمات.. ما تعرفش مبيض كويس؟.. هو حصل ايه للحرفيين؟.. بقالي تلات أشهر ببيض أودة واحدة.. روحي طلعت.. ابتديت أيأس.. ومن هذا الحديث كثرت المواضيع وفرص تقديم الخدمات.. وحسين في منتهة الأدب لا يلمح لشيء وإنما يراقب الشخصية من بعيد ويدرسها.. الملحوظات..

    لم يظهر أي زوج في الأفق لا لهذه ولا هذه.. نوشي تتولى مقاليد الأمور كلها.. وماله بنت بارة بأمها ولا تجعلها تفعل شي .. هناك ثروة يتم تحويلها من أمريكا لتستقر في مصر وهي خاصة بنوشي.. لم يعرف أبداً كم من السنوات استقرت الاثنتان في أمريكا ولكن واضح أن المدة كانت طويلة.. يبدو أن نوشي صحبت أمها إلى هناك وهي طفلة.. ويبدو أن الثروة تكونت من عمل نوشي في إدارة الأعمال.. والله صغيرة على هذا النجاح في العمل.. الأم عادية..
    معلوماتها عادية.. يبدو أنها كانت موظفة عادية في أمريكا ولكنها مؤكد ربت البنت أحسن تربية لأن البنت جهبذ في الأعمال الحرة.. إنها بيزنس وومان من الطراز النادر ولديها خبرة تبدو عتيقة.. إنها تفكر في إنشاء مصنع لاعادة تصنيع المواد الخام المطرودة في القمامة..

    والبنت قارية.. لديها معلومات تاريخية خصوصا المعاصر منها.. ولكن هناك قليل من الجرأة في معاملة الأم والتي تبدو مستسلمة معظم الوقت.. فنوشي كل كلامها أوامر.. وهي تسحب الأم من يدها في معظم الأحوال.. وأحيانا تنظر للأم نظرات تأنيب إذا فعلت شيئاً غبيا والأم تنصاع فورا ولكن هذا لا يمنع أنها رقيقة مع أمها لأقى الحدود وتدلعها كثيراً.. وفكر حسين في "عقل باله" .. عندما أتزوجها سوف أنبه عليها أن تعامل أمها بطريقة أحسن وخصوصا أن الأم تعاملني معاملة في منتهى الحب والحنان وأنا أميل إليها كثيراً..

    مع الوقت وكلما أصبح حسين أكثر قربا منهما بدأ يستشعر أن هناك شيئاً ما يشوب العلاقة وأن هناك خللا ما يسكن في تعامل نوشي وميماية.. إن ميماية تغار من نوشي.. تنظر لها أحياناً في حقد مغلف بالغضب.. وتثور أحيانا على كفاءة نوشي.. بل هي تغير من إحساس التقارب الذي بدأ يظهر من حسين تجاه نوشي وإن لم يحدث العكس بعد.. فنوشي تعامل حسين بمنتهة الحميمية فقط.. ولا يدخل في قاموسها أي ألفاظ موحية.. كأنه ولا على بالها أن يكون حسين معجبا بها.. وكان تحليله ان ما يحدث شيء طبيعي فيجب أن تكون الأسرة تعاني من بعض العقد.. أمال يعني حايكونوا سلام كده بلا عيوب؟؟.. وقرر أنه لما يتجوزها حايبقى يفك العقد دي.. فحتى الآن هو مشدود وناوي عالجواز..
    آن الأوان أن يفصح حسين عن مكنون قلبه.. يمكن يكونوا متوقعين ويمكن يكونوا حايتفاجئوا.. لكنه عقد العزم ونوى.. "ياجماعة أنا جاي بالليل عندكوا علشان نتكلم في موضوع مهم يخص حياتنا".. فرحت ميماية جدا واستقبلت نوشي الأمر بعادية فبرر حسين في عقل باله "إنه التحفظ"..

    في المساء .. وجد حسين حالة من الاستقبال المختلف اللهجة عن جميع الاستقبالات السابقة، فهناك ورد وكيك وطقم شاي الليموج طلع وأطباق الحلو التشاينا كرافت ظهرت..
    وميماية على سنجة عشرة.. أما نوشي فهي أنيقة الأناقة العادية .. لم يختلف شيء إلا أن الروج تقل حبتين واختلف لونه إلى أفقع قليلا.. لا والله هناك بنسة ترفع الخصلة إلى فوق.. حسين يقنع نفسه أن نوشي مهتمة ولكنها تداري.. المهم..

    يا جماعة الخير.. لقد مرت على معرفتنا الجميلة عدة أشهر وقد آن الأوان لكي نوطد علاقتنا بالفعل الجليل.. انشرح وجه ميماية وتأهبت نوشي.. "أستاذ حسين".. "لأ لأ حسين حاف أرجوكي.". "أوكي".. "حسين تسمحلي أسألك سؤال شخصي؟".. "قوي قوي اتفضلي".. عندك كام سنة؟؟.. آااه سؤال جميل سؤال معقول واستهلال يسهل المسألة أنا شاب في الخمسين..
    سارعت ميماية "طبعا شاب".. ورددت نوشي في تقرير "معلوم شاب".

    عازب .. أو أرمل بمعنى أصح.. رددت ميماية "وانا عازبة .. مطلقة يعني..
    وقالت نوشي "أما أنا فأرملة".. وتصعبت آااه .. فين من زمان.. الله يرحمه بقى حبيبي".. استبشرا خيرا.. إن الحماة تحب زوج ابنتها الراحل وسوف تحبني.. "أريد الزواج".. كده عدل بدون لف ولا دوران.. انكسفت ميماية وصرحت نوشي.. "لكن فيه فرق في السن " وسارعت ميماية "مش مهم".. فقال بسرعة لأنه بدأ يشعر أن هناك لبسا خطيرا سوف يحدث .. فعلى ما يبدو أن ميماية حاطه عينها عليه وسوف يتلبك الموقف" فرق السن طبيعي لازم الراجل يكون أكبر من الست.. صمت.. ثم نوشي تسأل في تشاؤم "انهي ست؟"..

    ابتلع ألف لعاب وهو يقول "انتي طبعا"..آاااه .. الطامة الكبرى حلت.. اكتأبت ميماية ونظرت للأرض وزنجرت بينما أحنت نوشي رأسها في أسى وغمغمت "يادي الغلب.. أقول تحصل مصيبة.. ما أقولش تحصل مصيبتين".
    تشاءم حسين بشدة ووضع يده على قلبه هامسا لنفسه "يادي النيلة.. العيلة وقعت في بعضها أنا بوظت الدنيا بين الولية وبنتها.".. "أنا آسف يا جماعة.. فيه لبس حصل باين؟..
    رفعت نوشي رأسها.. سألته .. أستاذ حسين.. تعرف إيه عننا؟.. "أعرف كل خير يا فندم أسرة لطيفة مكونة من أم وبنتها وأنا جاي أتقدم للأم عشان أخطب بنتها.. فيه غلط في الموضوع؟.. ردت نوشي.. فيه.. وما فيش.. يعني إيه وبسرعة عشان الموقف يكاد يجيبلي أزمة قلبية لوحده ودلوقتي بس حسيت إن عندي خمسين سنة بجد"..

    لا ملامة عليك.. انت جاي تتقدم للأم عشان تخطب بنتها.. قال "ألف صلا عليك يا نبي..
    غلطنا في ايه بقى؟.. الغلطة في النيشان فقط.. دعك شاربه في بلاهة "مش فاهم".. قامت من على الكرسي ووقفت وفردت ذراعها على آخره وأشارت .. وياريتها ما وقفت ولا فردت ذراعها ولا أشارت.. "أقدم لك البنت وأمها".. وقع من على الكرسي بلا أي مقاومة أو محاولة لحفظ كرامته الجلوسية.. يا نايبة سودة؟؟؟؟

    أشارت على ميماية قائلة البنت!!!!... وأشارت على نفسها بالأم.. "ما الموضوع ياجماعة الله لا يسيئكم؟؟".. انكتمت ميماية وتشحتفت نوشي "هذا هو سر المأساة.. هذه إبنتي التي أمامك!!!.. عمرها اثنان وخمسون عاماً.. أما أنا فأمها.. ردد حسين بلا وعي قولي كلام معقول.. ارفضيني بأسلوب أكثر تحضرا.. لكن تستهبليني..لأ".

    هذه هي الحقيقة يا أستاذ حسين.. أنا الأم .. عمري ستة وسبعين سنة!!!. وبينما تدلى فك حسين لأسفل وشقشقت الريالة منه استطردت نوشي : "لي شبيهة واحدة في العالم.. في الدانمارك.. مصابة بما يطلق عليه طبيا مرض.. أما في الواقع فهو حلم الملايين خصوصا من النساء.. أنا يا عزيزي لا تصيبني الشيخوخة.. خلاياي لا تكبر ولا تتطور ولا تهرم.. بقالي أربعين سنة شكلي كده.. ودي بنتي.. ميماية بنتي خلفتها وأنا عندي أربعة وعشرين سنة.. أنا يا سيدي الفاضل من مواليد سنة عشرين"!!!!

    بسرعة تذكر عندما كانت تحكي في التاريخ أحداثا دقيقة كانها حضرتها بنفسها.. يادي النيلة.. دي حضرتها بنفسها فعلا.. لأ موش معقول.. ازاي يعني.. وبدأ يسأل ويسأل وهي تجيب.. أليست هذه كما تقولين أمنية البشر؟؟.. ألا يسعدك هذا؟؟.. انك شباب على طول.. إنك حالة يجب أن يتدارسها علماء التجميل في العالم.. ولكنها كانت في وادي آخر..

    أنا وحيدة جدا في هذا العالم.. زوجي مات منذ أكثر من عشرين عاما.. أصحابي نصهم ماتوا.. وأهاليهم بيبصولي بكره.. اشمعنى هم ماتوا بفعل الشيخوخة وأنا لسه عايشة وشباب؟ أصحابي اللي فاضلين على قيد الحياة معظمهم دخلوا بيوت للمسنين. وعندما أعقد صداقة مع أي شخص .. اجد أنه أصبح فرضا علي أن أكذب وإلا تعرضت لموقف مثل الحادث الآن.. وغالبا ما يحدث.. تفتكر أنت أول واحد يعجب بي؟؟ طبعا لأ.. تقدر تقوللي إيه نوع الصدمة التي تعاني منها الآن؟؟ هل لك أن تتخيل رد الفعل علي.. في كل الأحوال ينتهي الأمر بكارثة، لأن العريس يخرج من التجربة وهو مصعوق ويجب أن يحكي لأحد ويتحول الأمر في النهاية إلى نكتة يتندر بها كل المحيطين به.. وكان هذا النوع من الحكايا سببا في هجرتي أنا وميماية من كل بلد استقرينا فيه.. تريثت قليلا والتفتت إلى أمها أقصد ابنتها آمرة "قومي يا ميماية اعمليلنا قهوة".. "حاضر يا مامي!!!!!!!.

    أحكي لك لأني أرتاحلك كثيرا وأتمنى ألا تفضحني في هذا البلد فهو آخر المطاف.. ميماية مسكينة.. طول عمري سيدة أعمال ناجحة.. أدير شركات بأكملها دون سند أو معين.. وخوصا بعد ما مات جوزي.. مقاليد الأمور في يدي دائما.. ربيت بنتي ودلعتها.. قدراتها العقلية محدودة.. ماكانش عندها طموح تبقى حاجة مهمة لأن عندها كل حاجة.. كانت متخيلة إنها حاتورثني لما أموت وخلاص.. تبقى غنية من غير علم ولا كفاح.. خذلتها . .ما عجزتش .. لكن هي عجزت.. ملا جوزتها كان الولد داخل على طمع.. زهق منها ومني..

    لا هي ذكية وبتتحسن ولا أنا بموت.. مشي وسابنا.. قاللي بالحرف الواحد. "انتو باينكوا عيلة ما بتموتش إلا بضرب الرصاص".. مع ان جوزي كان مات وقتها.. لكن عشان ميماية شبهي قال لك دي واخدة عناصرها الوراثية وحاتخلل زيها.." حسين كادت الضحكة أن تقتله ولكن نوشي أكلمت "والله العظيم قاللي كده"..

    تأسف وهو يتنحنح.. آسف على ايه؟.. في البداية كانت شبه النكتة ولكني بدأت أستشعر المأساة الآن ولكن برضه ألا يسعدك إنك شباب على طول.. ردت "أسعدني كثيرا في البداية وفرحت جدا وشعرت أني محظوظة لأكثر درجة.. لكن.. زهقت.. زهقت فعلا من كتر الشباب.. أصحابي تركوني ووجدت نفسي وحدي مع جيل أصغر ثم أصغر .. أتفاهم معهم بأي أسلوب.. فكل جيل يأتي.. عفوا يعني ما انت من جيل الشباب.. يأتي أهيف من اللي قبله.. لا أستطيع التكيف معهم وأشعر بالوحدة الشديدة.. ابنتي في حقيقة الأمر تغار مني.. فهي لم ترث هذا المرض مني بل على العكس تماما.. إن حالتها النفسية وميلها للسمنة جعلاها تهرم قبل الأوان.. وطلقت بسببي .. يا حسين إن مظهري شباب ولكن قلبي عجوز.. وأنا أحب هذا العجز لأنه ينتمي للأوقات السعيدة التي عاشها هذا العالم.. للرخاء والحب والعز.

    تنهدت طويلا وكثيرا وصعبت على حسين جدا وهو يردد في عقل باله "اما حتة حالة".. وطال الصمت الذي قررت أن تقطعه نوشي.. "هيه؟.. لسه عند طلبك؟.. تحب تتجوز ميماية؟.. بلع لسانه وسكت.. "والا تحب تتجوزني وأنا أكبر منك بستة وعشرين سنة؟
    صدقت نوشي عندما قالت له: عداك العيب فأنت حضرت للأم لتخطب ابنتها.. كل الخطأ كان في النيشان..
    خرج حسين وهو يجر أذيال الخيبة ويعلو صوت ساخر في عقل باله ليلومه قائلا.....
    " نشـــــنت يا فـــــــالح؟؟؟؟"



    ..

    إسعاد يونس
    حلم الحريم كلهم!!
    الناشر: مدبولي الصغير
    الطبعة: 2000 م

    هي مجرد لحظة.. لحظة في حياة نسان عادي قد
    تعني الدهر كله.. قد تعني قرار شديد اللهجة يندم
    عليه أو يسعد منه العمر الباقي.
    لحظة قد تعكس الصورة.. قد تجعله يدرك أن
    المنظر كان مقلوباً.
    لحظة قد تجعله يخرج من جلده ويعلو فوق سماء
    الموقف ليرى الحقيقة.. الحقيقة الواضحة أبد
    الدهر لولا تعمدنا أن نتجاهلها..
    إسعاد يونس

  2. #2
    وكاد أن يختم ولكن استرجعته معلومة فنظر مليا ثم رفع عينيه ونظر إلى نوشي مليا أيضا.. مالت أكثر على الشباك فغمغم حسين "آااه هناك عطلة".. همس الضابط الذي يبدو والعالم الله أنه كان يتمتع بكثير من الذوق وهمس لنوشي مشيرا الى خانة في الباسبور "يبدو أن هناك خطأ ما في لحتة دي".. أمنت نوشي على كلامه "نعم نعم حتى موظفي الجوازات الأمريكان يرتكبون الأخطاء.. سأصلحه فور دخولي البلد"..
    مصيبة! مطاراتنا بريئة، غلطة في جواز السفر ليس إلا.
    ألف شكر يا كزبره.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    منتهى الكتابة


    أصدقائي الشباب.. أحبائي الذين ألتقى معهم كل أول شهر على وسادة من الشوق لأصارحكم بمكنون قلبي ووجداني.. نتفق ونختلف ولكن بكل الحب والود والتحضر....
    اليوم أجد نفسي في شديد الحاجة لأطرح عليكم موضوعاً في منتهى الخطورة.. بدأ يشغل بالي منذ مدة طويلة لدرجة أنه أرقني ليالي طويلة.. عانيت منه معاناة شديدة.. وبت لا أرى النوم إلا شتاتاً.. ولأنه أمر خطير جداً.. فقد أصابني بكثير من الحيرة والألم والتوجس..
    كنت أقضي الساعات أدور وألف في الحجرة .. أضرب كفاً على كف.. وأخبط بقبضتي على الحائط عساني أجد حلاً.. ولكن .. هيهات.. فالدوامة تأخذني وتدور بي وأسقط على أرض الواقع ولم أجد بعد رداً على تساؤلاتي أو حيرتي أو ألمي الشديد..
    وفي النهاية بزغ في عقلي نور الحل.. وهو أن أطرح عليكم الموضوع لعلكم تساعدوني في هذا الأمير الخطير وتفكروا معي.. ولعلي لا أشغلكم عن الاحتفال بالعيد السعيد بإذن الله عليكم أجمعين.. أما الموضوع فهو......
    لحظة واحدة.. طرأ طارئ قد يعطلني. . سأعود إليكم بعد لحظة..
    ما هذا الهبل؟.. الراجل الزبال واقف يتخانق ويجعر بعلو حسه.. قال إيه.. كيس الزبالة تقيل عليه مش قادر يشيله .. ليه يا عم.. قال: صايم.. طب نعملك إيه؟.. قال حد يشيله لحد العربية النص نقل بتاعته وهو يديله نص جنيه.. قلتله هو انت حاتدي نص جنيه على كل كيس زبالة بتلمه النهاردة؟.. قاللي آه.. وبتشيل كام كيس زبالة في اليوم؟ .. بتاع خمسين ستين!!.. يدهولك راجل.. يعني مستعد تدفع تلاتين جنيه مشال زبالة في اليوم عشان صايم؟؟
    قال: آه.. ضربتها ف عقل بالي.. تلاتين في تلاتين يوم بتسعميت جنيه في الشهر. . سألته : هو انت يا عم عادة بتجيب حد يشيل لك شغلك بفلوس؟؟.. قال : لأ.. ليه يعني؟.. حمار؟؟
    قلتله: أمال إيه؟؟.. قاللي: صايم!!
    ضربت كف على كف.. وشلتله الكيس لحد العربية.. مد ايده في جيبه وحايناولني النص جنيه.. رحت مناولاه بالبونية مبرطشة أرنبة مناخيره.. صرخ وقاللي: آآآآي.. ايه دخ يا مدام؟؟ .. قلتله: أصلي صايمة!!!!.

    لا مؤاخذة .. نرجع مرجوعنا.. كنا بنقول إيه؟؟.. آه.. الموقف جد خطير.. والأزمة تتصاعد معي.. وكل ما أرجوه أن يتسع صدركم ووقتكم للتفكير في المشكلة.. لأننا كلما فكرنا بسرعة .. قررنا بسرعة.. وأنقذنا الموقف قبل فوات الأوان.. المشكلة يا اخواني...
    لحظة واحدة.. يبدو أن الكتابة أصبحت شيئاً صعبا في هذا الزمان الضنين....
    يا بنتي أنا قلتلك تحطي قرفة على صينية البطاطس؟؟؟... ده غلب إيه ده يا ربي؟... بوظتيلي الصينية.. أعمل فيها إيه دلوقتي.. أقلبها صينية كنافة؟؟.. لحظة واحدة يا جماعة أضرب تليفون لماما.. آلو.. ماما؟.. معلش حاعطلك ثواني.. القرفة صح على صينية البطاطس؟؟.. طب أعمل إيه؟.. أزود الفلفل الأسود؟؟.. ده ليه.. عشان أتوه يعني على ريحة القرفة؟؟.. طيب طيب.. باي يا ماما.. وريني عملتي إيه تاني مع إني كل اللي طلبته منك تبصي عالأكل لحد ما أخلص المقال.. يا لهوووي ي ي ي ي .. إيه اللي جاب فانيليا على صلصة البشامل؟؟؟... لقيتها حاجة بيضا قلتي ف عقلي بالك دي حلويات؟؟.. يعني شايفة قدامك كوسة مسلوقة ومتعصجة في الصينية أبقى كنت بفكاكتك كده ناوية أعمل بيها إيه؟.. صينية كوسا بالكريم شانتيه؟؟.. نعم ياختي؟؟.. افتكرتيها إيه يا حيلتي؟؟.. قرع عسل؟؟؟. اللطف من عندك يا رب وده من ايه يا شابة.. ايه اللي نابك في مخك بعيد عن السامعين والقراء؟.. كنتي بتسللي صيامك!!!!!.

    حسبي الله ونعم الوكيل.. ما علينا .. أصدقائي الشباب.. منذ فترة وأنا أعاني من موضوع.. نعم نعم.. أيوه يا حبيبي.. مكوية .. والله تلاتة بالله مكوية.. مكوه رجل ازاي يعني؟؟.. أنا راضية ذمتك.. دي مكوية مكوة رجل؟.. دانا اللي كاوياها بايدي.. طب ذنبي ايه اذا كانت الموضة سبعميت كورنيش عالصدر؟؟.. يابنتي والله بخيتها بالنشا حتى عملت زي المكوجية وحطيت النشا في بقي وبخيت.. مافيش عليها نشا؟؟ أصل لما حطيته في بقى قام بقى قفش.. بتضحكي على إيه والنبي.. آه والله بقى قفش.. مسك في بعضه كده وما بخش حاجة خالص.. خفت أموت.. يقولوا إيه عليا؟.. وفاة فنانة وكاتبة محترمة في رمضان أثناء تنشية بقها؟؟..

    أحبائي الشباب .. (يمكن لما أقول أحبائي بدل أصدقائي يسيبوني أخلص المقال).. كنا بنقول إيه؟؟ .. آه.. مضى علي وقت طويل وأنا أتدبر أموري.. هل أصارحكم بمشكلتي أم لا.. وقد رست بي السفينة على شاطئ الحقيقة.. فبما أنكم جيل المستقبل.. وبما أنكم أنتم الذين ستحكمون هذا البلد عندما تصبحون مؤهلين لذلك.. فقد بات أمرا حتميا أن تشتركوا معي في حل المعضلة.. ولا يمكن معرفة الحل اذا لم تعرف المشكلة.. فها هي المشكلة..

    يابني ما ينفعش.. تخرج بالمايوه ازاي بس؟؟؟ أنا مالي ومال علاء الدين؟.. يابني ده فيلم كارتون.. الناس تقلع وتلبس فيه على راحتها.. ما يبقاش عندهم برد.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. أنت عايز يجيلك التهاب رئوي؟.. ما اختلفناس يا ابني.. عمرك ما شفت سندريللا عندها سل؟.. ده شيء طبيعي.. علاء الدين بيمرح بالمايوه طول عمره. ده حقه الطبيعي في الحياة اللي عندهم جوه الفيلم.. لكن احنا الجو عندنا زي ما انت لامس واكيد حاسس.. برد شوية.. الله يرضى عليك.. نلبس بقى الجزمة لو سمحت؟؟.. نعم يا حبة عيني؟؟ نعم يا بصيلة شعري؟؟؟. بوجي وطمطم ما بيلبسوش جزم؟.. لأ بقى بيلبسوا .. ويمين على يمينك بيلبسوا.. عمري ما شفت نصهم التحتاني لكن بيلبسوا.. ايه رأيك بقى؟؟.. ثم انت يعني اللي كنت شفت نصهم التحتاني؟؟ تؤكدلي إيه يا نص شبر انت؟؟.. نعم يا حبيبي؟؟ نروح القسم؟؟؟...
    وله .. امشي ياله البس الجزمة والشراب وعقابا ليك حاتلبس فانلة بنص كم وقميص وبلوفر كمان.. هه.. ياللا.. معاملة غير انسانية ف عينك.. اجري من قدامي لابطحك..
    حاجة تجنن.. الواد طوله أربعة سنتي ما يتشافش بالعين المجردة.. ويقوللي معاملة غير إنسانية.
    قال.. ويا ريته بيعرف يتكلم عدل.. اللا كل الحروف عنده لدغة.. معامية غيي إنثانية.. آلو.. أهلا يا فندم.. تحت أمرك طبعاً.. حديث صحفي بالتليفون؟؟.. مدته قد إيه تقريبا؟

    حديث بالتليفون مدته خمسة وأربعين دقيقة؟؟.. مش شايف حضرتك إنه يبقى طويل شوية؟؟..
    لا أصل عندي مقال بكتبه ولازم أخلصه دلوقتي عشان أبعته المجلة.. حضرتك صحفي وعارف .. نحاول نعمله أربعين دقيقة؟؟.. طب مش ممكن نأجله شوية؟.. تلات أربع ساعات بس.. مش ألاطة والله العظيم.. ياسيدي ما تزعلش.. اتفضل .. متأسفة جداً.. ما عنديش أخبار شخصية.. يعني حاكون بعمل ايه في أوقات الفراغ؟؟.. بطبخ وأورق وأشوف طلبات العيال اللي ما بتخلصش.. عادي يعني.. تفتكر ست زيي حتكون بتعمل إيه في رمضان؟؟ بصللي؟؟.. وتفتكر سعادتك ده خبر تقوله للقراء؟؟.. عشان ينبسطوا مني؟؟.. أمرك عجيب يا أستاذ.. هو الواحد بيصللي عشان يبسط القراء؟؟.. قوللي.. هو مش حضرتك برضه بتأكل وتشرب وتدخل الحمام وتنام.. طب ما تنزل الخبر ده عشان القراء ينبسطوا .. عايز أخبار حراقة ازاي يعني؟؟.. طب اكتب اني طبخت للعيال مسقعة وحط عالخبر شوية فلفل حامي يمكن الخبر يطلع حراق.. أهو إنت.. ما هو لو كنت عضو نقابة كنت عرفت أوريك شغلك.. لكن إنت وارد مجلات مشبوهة م اللي مالية البلد اليومين دول.. انت عارف دواك إيه؟.. ليسيد قاتل القمل والصئبان.

    أعزائي القراء الشباب الحلوين.. نبدأ كلامنا بالصلا عالنبي المختار .. بقى يا خوانا لما انتوا..

    آآآآآآه.. لعن الله السهو والدهولة.. يجب أن أصحو في السابعة صباحا غدا للذهاب إلى المحكمة بعيد عنكم.. بقالنا من أول رمضان بنصحى كل يوم أربع الساعة سبعة الصبح عشان نبقى في المحكمة ونحضر الجلسات الخاصة بقضية فيلم "المهاجر" ليوسف شاهين.
    ندخل المحكمة على فلاشات وكاميرات وكالات الأنباء الأجنبية اللي بتصور أحداث منع الفيلم وسلسلة الجلسات.. والحق يتقال برضه كاميرات التليفزيون المصري ممثلة في برنامج "صباح الخير يا مصر".. ونقعد بقى نسمع في مرافعات تمثيلية على مستوى عالي قوي ما يحبكهاش يوسف بيه وهبي في زمانه.. وكلام كلام كلام عن حرية الرأي والتعبير والدستور والميثاق وبيان تلاتين مارس وأي كلام يوجع الدماغ والقلب ويصيب الواحد باكتئاب أكتر ما هو مكؤوب وإحباط أكتر ما هو محبوط ويأس أكتر ما هو ميئوس.. ونقعد لحد ما دماغنا تسقع خصوصا في الصيام.. وفي الآخر يقولولنا.. الجلسة اتأجلت ليوم الأربع اللي الجاي.. وهلم جرا (يعني ايه هلم جرا دي؟).. ونروح نجتمع في مكتب يوسف شاهين علشان نشوف حانعمل ايه الأسبوع اللي بعده.. وهلم جرا تاني..

    العودة من المحكمة .. نفتح المكنة.. أصدقائي الشباب.. أعترف أن مخي واخد هوا.. ومش عارفة أطرح عليكم القضية الخطيرة جدا جدا اللي شاغلة نافوخي.. يبدو أن الإنسان منا أصبح عبداً ذليلاً للسيجارة وفناطيس القهوة التي يعبها كل ساعة لدرجة أنه قبل الإفطار بيكون فريسة للهبل.. وبعد الإفطار بيكون فريسة للعبط.. وفي الحالتين.. أفضل أن ألتقي معكم بعد العيد لكي أعرض عليكم القضية الخطيرة جدا جدا جدا.. واللي أنا مش فاكرة منها ولا كلمة دلوقتي.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة نـوال يوسف عرض المشاركة
    مصيبة! مطاراتنا بريئة، غلطة في جواز السفر ليس إلا.
    ألف شكر يا كزبره.
    الشكر لك يا نوال على قراءتك ومرورك
    شكرا لك

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    كل هذا الذعر


    يسافر الإنسان ويتعلم من جديد.. لا تصدقوا من قال أنني سافرت وتعلمت ثم اكتفى.. بل إن العلم لا يتوقف أبداً.. ثم إن الإنسان قد يلاحظ ويتوقف ويتأمل.. وكلن وارد جدا أن يعود فينخرط في الحياة التي تركها وينسى .. ثم يسافر من جديد ليتذكر ويحاول اللحاق بما فاته.

    ولقد سافرت في الفترة الأخيرة إلى بلاد جديدة عليّ.. رأيت شعوبا تشبهنا إلى حد كبير.. في الأخلاق والعادات والتقاليد.. وربما في بعض اللحظات في التخلف.. رأيت شعب البرازيل في لمحات خاطفة ولكن مدققة إلى حد ما.. شعب كبير متنوع الألوان.. ففيهم الشقر وفيهم السود وفيهم الخلطة اللاتينية بكل مواصفاتها.. فيهم فقر بالهبل.. وغنى بالهبل.. وإن اختلفت النسب طبعاً.. دولة مواردها أقوى من أمريكا ولكن شعبها في عمومه فقير.
    ولقد نظرت للشعب الذي يسير في الشوارع مدققة على قدر استطاعتي.. البلد حر بدرجة عالية جداً ورطوبة بنفس الدرجة.. والناس هناك يسيرون بملابس تشبه ملابس سكان تاهيتي..

    معظمها من قطعتين للنساء وأحياناً قطعة واحدة للرجال.. ولأني كنت في بلد لها شواطئ.. فقد كانت القطعتان تتلخصان في جوب قصيرة أو شورت وقطعة قماش تلف الصدر.. والرجال في كثير من الأحيان يسيرون بالشورت فقط..
    ولأنني آتية من عندنا.. فإن أول ما تبادر إلى خاطري طبعاً أن هذه قلة أدب.. وأن النساء هنا يسرن عاريات ليثرن غرائز الرجال .. والرجال يتعرون لنفس الهدف.. ولكن..
    بعد فترة من التدقيق اكتشفت أن أحداً لا يثير غرائز أحد.. وأن الناس كلها ماشية في الشارع بنفس الزي في الحر والرطوبة.. وانهم يذهبون لأعمالهم بالشورت والبتاعة اللي فوق دي.. وأن الناس يمشون في الشوارع وغرائزهم معهم نايمة وهادية ورايحة الشغل زيهم بالضبط وما فيش أي قلق إلا في دماغي فقط..

    المهم.. طبعاً سألت عن معدل الجريمة لأننا نسمع عن البرازيل وتجارة المخدرات والانحلال الجنسي وخلافه فعلمت أن المعدل عادي ومشابه لمعدلات الإجرام في البلاد الأخرى المتقدمة.. وأن الجريمة لها أماكن معروفة وتجمعات في أحياء ومدن معلومة وأنها ليس من بينها الإرهاب تحت ستار الدين.. هكذا قالوا لي..

    المهم برضه أنني ركزت على الشعب الفقير.. لديهم هموم مافيش كلام.. وديون بلا جدال وعوز ما حدش يقدر ينطق.. لكن.. هناك فلسفة ما تحكم حياتهم.. إنهم يستمتعون بالحياة إلى أقصى درجة .. هم يذهبون للعمل أي نعم.. ويراعون البيت والأطفال أي واجب.. ولكنهم يغنون بمناسبة ومن غير مناسبة.. ويرقصون رقصاتهم البرازيلية المشهورة في البيوت والشوارع والحواري والأزقة.. وطبعا لهم كرنيفال مشهور شهرة عالمية تأتي في مناسبته لهم شعوب الأرض لتشاهدهم يرقصون.. وفي الغالب تخرج عن جمودها وترقص معهم.

    هم يذهبون إلى الشاطئ ليستمتعوا بالمياه والسباحة كل يوم بعد الشغل وفي أيام العطلة طبعاً.

    ولهذا خصصت لهم الحكومة الشاطئ بأكمله .. فممنوع منعاً باتاً على الفنادق السياحية أن تقتطع من الشاطئ جزءا لها وكذا أي منشأة أخرى.. ولا مطاعم ولا دياولو.. كله على الرصيف المقابل للشاطئ.. أما الشاطئ شخصياً فهو للشعب الذي يعرف كيف يستمتع به ويحافظ على نظافته كمان.. يعني مش عشان من أفراد الشعب الكادحين وطالعين رحلة للشاطئ.. نقوم ندهوله بقى؟.. لأ..

    تجد العامل من دول هو ومراته وعياله رايحين إلى الشاطئ بالبسكليتات وكل واحد معاه شنطة صغيرة فيها المايوه والفوطه والضليلة اللي حايقعد تحتها وتيرموس المية وساندويتشين نضاف لا يدخل في تصنيفهم الفسيخ ولا المحشي ولا حزمة الملانة.. وليس معهم بالتأكيد المميت أي باجور جاز ولا سبرتاية ولا أي من المواد المشتعلة.. ياخدوا سباحتهم ويخرجوا يلعبوا شوية راكت وفولي بول ويلموا حاجتهم بمنتهى اليسر ويتكلوا على الله.. يدخل الحارس من بعدهم لينظر على مخلفاتهم فيجدهم قد ساووا الرمل مطرح ما كعبلوه وهم بيلعبوا..

    بل إنه من المناظر الجميلة أن تجد واحد لوحده.. أو واحدة لوحدها جاية تمارس رياضة السباحة والمشي لمدة معينة بدون مضايقة من أحد ولا تلقيح كلام ولا جتت من أي قمور من القمامير منفردا.. ولا من شلة قمامير مجتمعين مع بعض.. حاكم عندنا القمامير أصبحوا لا يخرجون منفردين وإنما أصبحوا يكونون جماعات قمورية لزوم التركيز على الولية اللي حايطلعوا روحها ولزوم السد في الخناقات التي ستتبع ماتش الخفاقة واللطافة التي يستعرضون بها فراغ الدماغ وخواء الجمجمة.. إنه ليس من بينها الإرهاب تحت ستار الدين.

    ولهذا تمنع الحكومة لديهم المرور في شوارع الشواطئ منعا باتا بالنسبة للسيارات والناقلات عموما.. شارع الشاطئ للشعب في أيام العطلات.. إيه الحكمة في كده؟.. عشان الأطفال الذين ينطلقون جرياً هنا وهناك وتحسبا لأي أسباب أخرى أنا مش عارفاها.. شاخدلي بالك؟
    المهم أن الدنيا تكون أمان تمام في هذه الأيام المتفرجة للشعب.. المهم أن يكونوا مبسوطين .. وسألت عموما يعني هل هم مبسوطين؟.. وكانت الإجابة .. نعم.. في الغالب مبسوطون..
    فالانبساط ليس حالة عامة ولا انعكاس رخاء وسؤدد ولا بتاع.. ولكن لأنهم قرروا أن يكونوا مبسوطين .. هم يحبون البلد ويحبون الحياة فيها.. يحبون طعامها.. يحبون اللغة ويتمسكون بها.. يحبون الزي.. يحبون شكلها والطبيعة التي حباها بها الله والتي هي رائعة.. وان كان على المعجزات فمش حاتحصل.. وان كان على الموت ما هو جاي جاي.. وان كان على المرض.. اللي يخاف م العفريت يطلعله.. إذا فلنعش الحياة ولنجعل منها مشروعاً ناجحاً قدر الإمكان.. بالمناسبة لم أر في كل الشوارع التي تجولت بها متسولا واحدا.. يمكن حظ بقى ويمكن مافيش بجد..

    المهم أنني وضعت يدي على فمي وتنحت شوية كتيرة.. الشعب ده وكل الشعوب اللي شبهه مش خايف.. لا أحد يسير في دوامة من الرعب من أي شيء.. هناك أخطار وجريمة وفقر وكل اللي نفسك فيه.. ولكن هناك شبه قرار عمومي بعدم الخوف.. أو بمعنى أصح.. بتحجيم الخوف ووضعه في مكانه الصحيح حتى لا يأكل العمر ولا الصحة..
    أما نحن .. وطبيعي جداً أن أفكر على طول فينا.. لأكتشف أننا نعيش في دوامة من الذعر..
    نحن خائفون من أي شيء ومن كل شيء.. ولهذا نحن نمشي بانحناء وتكاسل وعدم صحة..
    نمشي في الشوارع وعلى وجهنا تكشيرة عمومية ليس لها في الغالب مبرر مباشر.. ولكنها انعكاس طويل المدى ودليل لتراكمات متعددة.. وذعرنا له أسباب كثيرة ومتنوعة.. خد عندك: نحن مبدئيا مذعورون من أشياء وهمية كالحسد والقر والنبر وعين الحسود والكعب الحامي وقدم النحس والعين المدورة والنظرة الوحشة والعتبة الدكر والخميرة المقطوعة م البيت وكل هذا الهراء.. ونحن نقضي العمر في محاربة عفاريت تسكن في خيالنا وحده.. ونصرف أموالا على ذبح ديك عرفه أحمر وجناحه أخضر ولغده شفتشي ويكون مطلق قريب وف شهور العدة..
    وأخذ فردة ضوفر الرجل الشمالي من جدي زرايبي وحيد أمه وأبوه شرط يكون لسه ما اتطاهرش ونحن نذبح الأرانب ونلوص إيدينا في دمها ونلطع بيه الحيطان عشان النفس الوحشة تروح..

    ونلبس الصبيان لبس البنات لحسن يموتوا من الحسد. ونقضي العمر في تبرير الخيابة والأخطاء التي نرتكبها في حق أنفسنا ونلقي باللوم على الأعمال.. هذه معمول لها عمل يوقف حالها ويمنع عنها العرسان.. وده مربوط.. ودي جوزها سابها عشان عدت على سنان ميت مرشوشة على عتبة البيت.. وده خطى على رأس حمار مدبوح في ترب الغفير ومدفون تحت بير السلم..

    ويبرع الأونطجية في استغلال الذعر الذي نعيشه ويقنعوننا أنهم يستطيعون بعون الجن أن يجيبوا التايهة ويرسوا المراكب ويهدوا السر.. حتى أن بعض الناس يلجؤون لهم لجل ما ينجحوهم في الامتحان ويجيبولهم مجموع في الثانوية العامة.. والنبي جوزلي البت لا تبور.. وعايزة أخلف عيلين في بطن واحدة وأخلص.. ويصل الأمر لممكن والله تخسسني تلاتين كيلو وأفضل آكل برضه؟؟؟.

    ونحن مذعورون كل الذعر من كلام الناس .. لدرجة أنه يتحكم فينا تحكم السيد في العبد..
    إنه يقيد حركتنا وحريتنا لأقصى درجة ويتدخل في ملابسنا وتسريحة شعرنا وأكلنا وشربنا وعفشنا.. إننا عبيد لكلام الناس ورأيهم فينا وماذا سيقولون عنا.. ونحن نعلم تماما العلم أن الناس الذين يتكلمون هم أيضاً مذعورون والكل يتكلم والكل مذعورة.. ومعظم الذين يتكلمون ويقودون مسيرة اللت والعجن هم أنفسهم المادة الغنية للحديث.. ولكننا ننظم حركة الكون طبقاً للكلام.. ننظم أفراحنا حسب الكلام.. معقول ما نعملش خطوبة؟؟.. الناس تقول إيه؟ نعمل فرح والراجل ميت ما بقالوش سنة؟ الناس تقول إيه.. أقلع الأسود قبل فوات سنة؟ ما يلبسهاش الشبكة قدام الناس ازاي؟.. كتب كتاب ودخلة من غير فرح؟ الناس حاتقول فيه إنه.. ونصرف أموال نحن في غنى عن صرفها فقط من أجل كلام الناس..

    وينطبق الأمر على الأحزان.. وجميع المناسبات .. وعلى جميع أمور حياتنا بما فيها العمل واللهو..
    والذعر يجتاحنا من حوادث الطريق.. طبعا كل شعوب الدنيا لديها حوادث طريق ترتعب منها وكلن لدينا الأمر يختلف.. فليس لدى شعوب الدنيا مزلقانات سايبة مثل مزلقان قويسنا أخيرا ولا تعاني شعوب الدنيا من حوادث مفجعة يروح ضحيتها العشرات بالزوفة بمعدل حادث كل شهر مع التفاؤل.. وليس هناك حراس مزلقانات مساطيل كسلانين يشيرون للأوتوبيسات بالمرور أثناء مرور الأتوبيس بالعرض فده يهرس ده ويروحوا الناس فطيس.. ولا الناس في أرجاء الدنيا متهورون بلا توقف مهما مرت السنون ويعبرون المزلقانات دون اعتبار للإشارات الضوئية سيرا وركوبا وخلافه.. وليس كل بلاد الدنيا تتمتع بطرق زراعية مظلمة بلا انارة مثلنا ولا ترعها ورياحاتها ومصارفها تبتلع الناس ولا حتى بلاليع المجاري فاتحة بقها لكل من يسير عليها ويسقط فيها ومايبانلوش صاحب.. والاوتوبيسات العمومية لا تسير بسرعة في الشوارع المزدحمة وتكسر على سائقي السيارات والبسكليتات وأطفال المدارس.. وشوارع الدنيا انقرضت منها عربات الكارو واللواري التي تنقط جاز على الخلق...

    وفي بلاد الدنيا لا تسير في الشوارع عربات نقل محملة بالقنابل الموقوتة التي تدعى أنابيت البوتوجاز والتي يتم تعبئتها يدوياً في كثير من المناطق الشعبية أمام الشعب ولا تتم دحرجتها في الطريق العام على جنبها كسلا من العمال المسئولين عن حملها وتسليمها.

    نحن مذعورون من الشائعات.. التي تنطلق من حيث لا يدري البشر وتصيب شظاياها كل من يقف في طريقها.. شائعات السمعة والسلوك.. هذه الشائعات التي تبدأ شرارتها من منظر قد يكون عاديا جدا كأن يشتري انسان ما سيارة غالية شوية.. فتنطلق الشائعة مؤكدة أنه يتاجر في الكوكايين .. وتصيب الشظايا العيال ولاده في المدارس والبنات في الجامعة والمدام في الشغل أو شائعات الأمراض مثل الكوليرا والتيفود والإيدز التي أصبحت مقررة علينا كلما أتى موسم الصيف أو هل الموسم السياحي.

    وهناك الذعر من تلوث الطعام والسالمونيلا والبكتريا والكبدي الوبائي والفاشيولا.. والجبنة فيها فورمالين واللحمة فيها دود واللبن فيه صديد والمية فيها تعابين وبتجيب فشل كلوي.. وآخرة المتمة البقر اتجنن والفراخ إتهرشت في نافوخها والسمك جاله شبق جنسي والخرفان بتتعالج نفسياً عند الدكتور أحمد عكاشة من عقدة العيد..

    ويتبع هذا الذعر ذعر آخر هو الذعر من الأمراض.. والأمراض مشتركة بين شعوب الأرض ولكن ليس الذعر منها بهذه القسوة إلا عندنا.. فنحن نخاف المرض لدرجة أننا ننتظره ولا نستمتع بالصحة والعافية ولا نحافظ عليهما بالرياضة أو اتباع نظام غذائي صحي.. إننا ببساطة في عمومنا شعب غير رياضي.. لا نسير في الشوارع والنوادي لأن الشوارع غير ممهدة ولأن النوادي نادرة نسبة إلى التعداد ولأننا لا نحترم المشى عموما.. ولا نركب دراجات ولا نجري ولا نمارس رياضة في البيوت.. ونحن نأكل بانتقام.. وكل طقة كأنها آخر طقة في العمر..

    ولا نشرب إلا القهوة والشاي.. لا نشرب مشروبات صحية بتاتا رغم توافرها مثل الكركديه والقرفه والجنزبيل والعرقسوس إلا في المناسبات وحين يذكرنا أحد بها.. ونشرب الليمون في المرض فقط.. نحن نمرض أنفسنا ثم تصاب بالذعر من المرض.

    النساء يسرن في الشوارع مرعوبات من المعاكسة والإهانة في الأتوبيسات.. ويسرن في الحياة مذعورات من أن يتزوج الرحل واحدة تانية فقط من أجل فراغة العين ثم حين النقاش يخرج عليها مسلطا سيفا من الآيات القرآنية التي تبرر ذلك.. وتذعر من الطلاق وعدم سداد النفقة وكيفية تربية العيال من غير راجل.. ومن بيت الطاعة وحكم الناشز.

    والرجال يسيرون مذعورين من أن الشقة من حق الزوجة.. ومن النفقة والمؤخر ويا الدفع يا الحبس.. والكل تأتيه نوبات من الذعر الجماعي الموحد من الثانوية العامة.. الأهل قبل العيال ومن الدروس الخصوصية وثمن الكتب وطوابير القبول في المدارس.. هل هناك في الدنيا شعب مذعور من تاريخ ميلاد الأطفال مثلنا.. العريس والعروسة يبدآن حياتهم الزوجية بهم كبير هو علينا أن نلتقي لقاء الأزواج في التاريخ الفلاني حتى إذا حدث الحمل الواد بيجي في شهر كذا فيبقى سنه مناسب عند دخول المدارس وما تضيعيش علينا السنة..

    وذعر الغلاء لا يتحمل حديث .. وذعر الضرائب لم يعد يحتاج لكلام اللا من المسئولين الذين نشف ريقنا معهم والذين هم مطنشون طناشا أبدياً.
    والإنسان المصري يذعر من التقديم لوظيفة ما.. فهو يبيت في رعب من الواسطة والكوسة والمحسوبية.. ويذعر عندما تكون لديه مصلحة حكومية.. فيبيت مهموما من أنها مش حاتمشي وياترى حادفع كام رشوة ويا رب تحنن قلب الموظف عليا وما يمطوحونيش بالتلت والأربع أشهر عقبال ما تنقضى.. وهم ليس في الحسبان الكثير من شعوب بلاد الدنيا.

    رجل الأعمال مذعور من البيروقراطية والغباء الوظيفي والقوانين التي تصدر كل يوم لتلغي قوانين صدرت قبلها بلا تفكير فيما صرفه من قبل طبقاً للقوانين الغاربة ولا في الخسارة التي ستلحق به من الوضع الحالي.. وهو مذعور من الضرائب والجمارك والمبيعات والكساد.
    والكساد يقودنا حتما إلى الإرهاب.. فالشعب كله بلا استثناء مذعورة من الإرهاب..
    حتى الإرهابيين مذعورون من بعضهم البعض.. لأنهم ينقلبون على بعض عندما تتعارض المصالح ويبدوا بعض مقالب وبيتفتشوا أسرار بعض.. خباصين قوي الجماعة دول!!!
    ومن آثار الإرهاب على الشعب أنه ذعر فجأة من فكرة الموت التي يتعايش معها كل إنسان على الأرض بدرجات مختلفة.. ولكن أبدأ ليس بهذا الذعر ويكفي الحديث عن الثعبان الأقرع حتى يعيش الناس في ذعر ليس له مبرر بل إنه يشل حركتهم وقدرتهم على الحياة نفسها.. إنهم يدفنون أنفسهم في المقابر من الآن ويمنعون سبل الحياة ويصابون بشلل الرعب والذعر قبل أن يأتي الموت بسنين خوفاً من الثعبان الأقرع.. والنتيجة هي ما نراه الآن من بشر يسيرون تحت الخيم ويتخفون ويتخلون عن تحديات الحياة نفسها بدعوى العزلة.. ولكن لا يرد على ألسنتهم أبدا أنها دعوى الخوف والجبن والذعر.
    ولكل هذا تعيش الشعوب الأخرى.. بينما نأكل نحن ونتنفس ونذهب إلى الحمام ولكننا لا نعيش مثلهم.. هم يخترعون ويبرعون ويتقدمون وينالون الحريات وعندما نعجز حيلتهم ويتغلب فقرهم.. على الأقل يرقصون.. أما نحن فمذعورون ويوم ما نعوز نرقص.. نفقر!!!

    ولهذا يقتلني ألا نتحرك.. يقتلني ألا ننفض عنا كل هذا الهم والجمود.. فعيوبنا عمرها طوي.. ل معمرة لا تريد أن تتزحزح .. تمر السنون والحقب ونحن نتكلم ولا نفعل شيئاً حقيقياً..
    أصبح الأمر مملا.. خصوصا أننا قد أصبح عندنا قنوات فضائية نحكي فيها مشاكلنا ونستعرض فيها أسباب تخلفنا عن الركب العالمي المتطور..
    وكل الخوف أن تمر سنوات أخرى طويلة ويفتح العالم قنواتنا ليجدنا لازلنا نتكلم.. ساعتها سيغلق العالم التليفزيون وينصرف بفعل الملل ويتركنا وحدنا نعاني من كل هذا الذعر.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    الردود
    30
    موضوع جميل و شيق مع تحياتى و شكرااا للمجهود

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •