Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 28 من 28
  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الردود
    40


    صحيح نستحق الرثاء أن أتينا هنا ؟
    يلا يا شطار هاتوا ما عندكم
    ______________


  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    نعود

    قرأت ما كتبته حتى تلك اللحظة ووجدت ان ما وصفته لم يكن فيه مبالغة كثيرة مقارنة مع ما كنت أنويه ، لذلك سأحاول فعل ذلك في الحلقات أو الفصول أو الردود القادمة ، ومن أنواع المبالغة أنك تتحدث عن أشياء وكأنها معجزات وخارقة للعادة او أن الصدفة أتت ساخرة وتقول " يالسخرية القدر " . ومثال ذلك :

    ساعة ساخرة :

    رغم أن العادة المتعارف عليها تجعلنا نفتقد توقع بعض الأمرو ، إلا أننا ما زلنا نصر على أن هناك فكرة ما تحققت بتوفر عنصر يتوافق مع المواقف التي نمر بها . من ذلك أنني حين اقتربت مع موظف المشرحة من الجثث التقطت عيني الساعة المعلقة على جدار المشرحة ، ووجدتها متوقفة على الساعة 4 ومازلنا حتى الآن في الساعة الثانية عشر ظهرا ، فبدأت افلسف الحياة والموت ، واقارب المفارقات التي يمكن لها أن تجعل من الأحداث ذات مغزى أو حكمة ، لم تكن ساعة الحائط الوحيدة المتعطلة في المستشفى الجامعي بل حتى في كلية الطب ، ولكن وجودها هنا له معنى آخر يستحق مني التوقف للحظات أمام الجثة وهي مغلفة برداء أصفر كان أبيضا في بداياته . والنقط البنية عليه كان قصدها أن تكون حمراء . نظرت نحو الساعة والتفت نحو الموظف المسئول عن تسليم الجثث وقلت الجملة التي اتمنى قولها دائما .
    - " يالسخرية القدر "
    - ماذا ؟
    - إن الساعة في هذا المكان ميتة أيضا .
    يعقد حاجبيه ويشاركني ممارسة الحكمة وكأنه هم بقول أمر آخر ولكن اقتراب أحمد منا جعلنا نكتفي ببتادل نظرات الفلاسفة .
    يقترب أحمد بعد ان ظل مبتعدا أثناء إخراج الجثة من الثلاجة ، باب حديدي مربع في وسط أبواب أخرى مشابهة له ، فتحه موظف المشرحة وسحب منه طاولة متحركة وعليها جثة علي المغطاة بالرداء . هذا المنظر روتيني بالنسبة لي وللموظفين ، ولكن أحمد واقع في ذهول ومازال يتنفس بصعوبة ، تذكرت أن للمشرحة رائحة مميزة ما أن يتعود عليها أحدهم حتى تصبح خاصية ينفرد بها في المجتمع ، ولا أدري إن كنت صادقا فيما أقول أم انني مدعي ساعدته الصدف على اثبات ما يدعيه ، رائحة الموت باردة وتحمل نكهة اللحم البائت وعبق الدم المتخثر ، ولو فكرت مليا ماذا تشبه هذه الرائحة فلن تجد وصفا أكثر من ذلك الذي كتبه ارنست همنغواي في روايته " لمن تدق الأجراس " _ على ما اعتقد _ حين وصف رائحة الموت بأنها خليط من الزهور الذابلة مع عطور مختمرة في أعناق عجائز متصابيات قطعن شوطا كبيرا في التنزه حتى اختلطت تلك الروائح برائحة عرقهم . وصف مقزز ولكنه حقيقي ، وقد يصدمك أن تشمه وأنت تدخل إلى بيت أحدهم ، وحدث لي مرات عديدة وجعلت منه مقياسا لحضور الموت في هذا المكان .

    تفضل الموظف على احمد بقناع طبي كي يهديء من تنفسه الشديد والذي يكاد أن يفقده الوعي . هاهو الآن بجواري وأمامنا الطاولة وعليها الجثة وعلى الطرف الآخر منها الموظفين . يقفان في انتظار لردة الفعل القادمة . هناك انحناءات غريبة المظهر على هذا الرداء وتفاصيل غير تشريحية المعالم لجثة رجل بالغ في حجم علي . الأمر مريب ويدل على أن أحمد يوشك على رؤية شيء بشع .

    هي لحظات سريعة وخاطفة بين ارتفاع الرداء وبين انطلاق غثيان أحمد وركضه نحو الخارج ، اكاد أجزم أنه كان مستعد نفسيا للمنظر دون أن يراه لذلك عبر جسمه سريعا دون تأثير كبير من منظر الجثة . الصمت احاط بنا ونحن نتابع احمد يسرع للخارج ، اعيد النظر في الجثة وأحاول التأكد من أن ما أراه حقيقي .
    - ماهو سبب الوفاة ؟
    سؤالي غبي ولكنني أريد من خلاله ممارسة فرصة المراجعة لبعض الدروس ، أريد التأكيد للموظفين هنا أنني طالب نجيب وطبيب ماهر وأستطيع فهم ما جرى للجثة .
    - ما رأيك أنت ؟
    بوجه ممتعض وعينان متهكمتان وجه لي موظف المشرحة هذا السؤال ، لا ألومه فمن الواضح أن سبب الوفاة هنا شاركت فيه كل الأسباب المدرجة في الكتب الطبية . اطلب قفازا مطاطيا من الموظف واستأذنه في تفحص الجثة . عندما تنظر إلى عيني الميت تشعر بأنه مازال حيا وانه يناديك بصمت كي توقظه من نومه ، وتتذكر كم مرة وقعت تحت وطاة " جاثوم " وهو نوع من الكوابيس يخنقك ويجعلك تصرخ في داخلك وتتمنى من ينقذك . كنت اعتقد أن الموتى يشعرون بمثل هذا ، لذلك تعودت أن انفض كل جثة اقترب منها أو احرك يديها أو إحدى قدميها لعلها تصحو ، لمجرد اسقاط الشعور بتأنيب الضمير . لم يحدث أن استيقظ أحدهم ، ولكن حدث أمر شبيه من ذلك في هذه المرة .
    - لا تعبث بالجثة لو سمحت .
    - لم افعل شيئا
    - لماذا تحرك رأسه تجاهك .
    لقد التفت علي نحوي ورغم أن عينيه مغلقتين إلا أنني شاهدته ينظر لي وكأنه في المقهى الذي تقابلنا فيه ، لم انتبه إلى الجزء الكبير المفقود من الصورة ، ولم أشعر بأن ملامح علي ناقصة ، عين واحدة وجزء من رأسه والجهة اليمنى من وجهه كانت كافية لتكمل لي الصورة الملتقطة والخزنة في ذاكرتي .

    رغم الترميم الذي قام به جراحوا المستشفى ، إلا أن علي فقد جزءا كبير من وجهه وجمجمته ، لقد كان الحادث عنيفا ، وكما شرح لي الموظف فإن المسعفين والشرطة اخبروه بأن سيارته اصطدمت بشاحنة كبيرة فكان " مصد " تلك الشاحة مرتفعا بحيث أن اقتحم الزجاج الأمامي لسيارة علي وهشم الجزء الأيسر من وجهه وجمجمته وكذلك طحن ترقوته وكتفه ، بل أنهم زادوا على ذلك بإخباري أن الجراح أخرج قطع الزجاج من داخل جمجمة علي ، لقد كانت الجمجمة مغطاة بطبقة من الجلد المسحوب من رقبته ليغطي تلك الفجوة الكبيرة ، لتصبح الجمجمة كطبل صغير مجوف ويغطيها الجد . عينه الأخرى مفقودة ولم يبقى سوى نصف المحجر الذي كانت تدور في داخله . انظر ويسري في داخلي برودة شديدة ، واعتراف ضمني بأني جديد على عالم الأموات ، ورغم ما يمكن لنا اختباره ، إلا أننا نصبح أكثر تورطا فيه حين يكون الشخص متورطا بنا في حياته ولو لمرة واحدة .

    . حين التفت علي تجاهي كان السبب عدم التوازن في جثته . والحركة الخفيفة التي نتجت عن رفع الرداء من فوق الجثة جعلتها تهتز وتلتفت نحوي وكأنها توجه لي حديثا وتطلب مني أمرا .

    اكتشفت للمرة الأولى جمال عيني علي وكثافة حاجبيه وأهدابه ، وكذلك نعومة شعره الذي لم يتبقى منه سوى قدر صغير على جانب واحد من رأسه ، وأما البقية فإنها اختفت مع الجلد المقطب بطريقة عشوائية لترميم الجثة . أخذت أدقق فيه كثيرا واحاول استعادة كل لحظاته الحية التي صادفته فيها ، وظلت الصور تتوارد في ذهني بطريقة تزيد من تكدر نفسي وبطيء أنفاسي ، كأنني للمرة الأولى أقف أمام جثة . شعرت بالغثيان ، وحاولت الإسراع نحو احمد كي اشاركه مآساته . لكنني فضلت ممارسة القدرة على التحمل والبقاء في مظهر الطبيب والمختص ، الموظفين تحدثا عن أن الجراحين حاولوا قدر الإمكان ترميم وجه علي ، ولكن اللحم المفروم والعظام المهشمة اختلطت في حديد السيارة ولم يكن بالإمكان انتزاع الجثة بطريقة تبقي على تلك الأجزاء صالحة للاستعمال . اشكرهم على تعاونهم واطمئنهم على احمد وأنه سيكون بخير ويعتذرون عن أشياء كثيرة لا اتذكر ما هي ، ولا ادري ما علاقتهم بتقززنا او شعورنا بالحزن ، إن كان هناك من شخص جدير بالاعتذار فهو علي ، صاحب ذلك الوجه او بالأصح نصف الوجه .
    ارجعناه إلى وضعيته السابقة ورمينا فوقه الرداء ودفعنا به داخل الثلاجة ، تحدثنا قليلا عن حوادث السيارات وسوابق بشعة واشد قسوة من منظر علي ، وتحول علي في ظرف دقائق وفي حضوره _ وإن لم يكن حيا _ إلى قصة تشبه تلك التي يتبادلها الأصدقاء في اجتماعاتهم ، حين يبدأ أحدهم بسرد قصة حادث مأساوي فإن غيرة الآخر تدفعه للمشاركة بقصة أشد بشاعة وهكذا نبدأ سباق الفضائع باتجاه الأكثر قسوة وهنا نصمت وندعي بأن ما وصلنا إليه هو أسوأ صورة يمكن تخيلها . لعلني الآن أملك قصة مختلفة وبشاعة شديدة دفعتني للمشاركة بها معكم ومع آخرين ممن أصادفهم .

    توجهنا خارج المشرحة وسألتهم عن دورات المياه ، فمن المفترض أن أحمد اتجه إلى هناك ، وبالفعل رأيته يقف أمام إحدى المغاسل وهو يغسل وجهه مرارا بالماء البارد ، ويعاود الغثيان بطريقة مؤلمة كون معدته فارغة واعتصارها يجعلها تنزف صفار مرارتها . اقترب منه وابدأ بفرك رقبته وكتفيه احاول تهدئة نوبة الغثيان ، لم اشاهد أي دمعة في عينيه ، لعله استفرغ كل السوائل جسده حتى لم يبقى لعينيه ما يفي بحق ذرف الدموع من أجل صديقه علي .
    - الله يرحمه يا أحمد . اذكر الله ودعنا نذهب من هنا
    ينظر إلى وجهي المنعكس على المرآة ، وانظر إليه هناك أيضا ، نتقابل على الزجاج ولا تلتقي أعيننا مباشرة ، يحاول التعبير بأي كلمة لكنني أمنعه واطلب منه الاستمرار في غسيل وجهه ومازلت افرك على رقبته وهاهو بدأ يستقر . وعلى المغسلة الأخرى حين انسجمت في رؤية منقطعة ومسترسلة نحو اللاشيء ، يقفز شيء يسرق انتباهي تماما ويبعدني عن كل ما يجري لي منذ الصباح .

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    حيث لا يمكن أن تتوقع !
    الردود
    4,284

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شلفنطح شطح نطح عرض المشاركة
    وناوين نسافر مكة ناخذ عمرة .
    أكيد ؟!
    بدري عليك يا رجل .. بكرة بتكبر وتعبد الله براحتك !
    الله غفور رحيم .

    .

    أزهر : ذات تذكير .

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    الردود
    428
    قال ابتسامه ورائحة جميلة..
    اشتقت الى نكهة الحكمة وسط هذا السرد..
    متابع بنصف وجه

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    بَيْنَ ( مَهْدِيْ \ وَلَحْدِيْ )
    الردود
    433
    التدوينات
    3
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شلفنطح شطح نطح عرض المشاركة
    رائحة الموت باردة
    هي كذلك .. يا إبراهيم .. هي كذلك والله .
    يا لروعة الوصف وصدق التعبير .


    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شلفنطح شطح نطح عرض المشاركة
    عندما تنظر إلى عيني الميت تشعر بأنه مازال حيا وانه يناديك بصمت كي توقظه من نومه ، وتتذكر كم مرة وقعت تحت وطاة " جاثوم " وهو نوع من الكوابيس يخنقك ويجعلك تصرخ في داخلك وتتمنى من ينقذك . كنت اعتقد أن الموتى يشعرون بمثل هذا ، لذلك تعودت أن انفض كل جثة اقترب منها أو احرك يديها أو إحدى قدميها لعلها تصحو ، لمجرد اسقاط الشعور بتأنيب الضمير . لم يحدث أن استيقظ أحدهم
    لدي إيمان عميق يا إبراهيم .. بأن الكاتب الحقيقي .. هو من يستطيع أن يُشعر القاريء بالصدق فيما يقرأه .. ووالله إنك أجدت ذلك .. بوصفك لأدق المشاعر التي اعترتك هنا .


    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شلفنطح شطح نطح عرض المشاركة
    وتحول علي في ظرف دقائق وفي حضوره _ وإن لم يكن حيا _ إلى قصة تشبه تلك التي يتبادلها الأصدقاء في اجتماعاتهم
    تحول إلى قصة .. مؤلم جداً يا إبراهيم .. كيف استطعت أن تُجرّد هذه الحقيقة المؤلمة لتجعلها
    أكثر إيلاماً وصدقاً .


    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شلفنطح شطح نطح عرض المشاركة
    لم اشاهد أي دمعة في عينيه ، لعله استفرغ كل السوائل جسده حتى لم يبقى لعينيه ما يفي بحق ذرف الدموع من أجل صديقه علي .
    لديك قدرة " عجيبة " على تصوير الحدث .. بأدق التفاصيل .


    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شلفنطح شطح نطح عرض المشاركة
    ينظر إلى وجهي المنعكس على المرآة ، وانظر إليه هناك أيضا ، نتقابل على الزجاج .

    أستاذ إبراهيم ..

    دمت بخير .. وعافية ما حييت

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    لعله يكتمل قريبا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    حسنا ماذا أريد أن أقول: _ مقدمتي _

    إن العودة للاستمرار في حديث منقطع ، تعطي انطباعا بالملل ، ويشعرك بأن أحدهم ليس لديه شيء آخر سوى إثقال الآخرين بكلماته التي لا تنتهي وتظل تتكرر من وقت إلى آخر ، وهذا ربما ما يجعلنا نمل من أولئك الذين يتحدثون عن أنفسهم ، لأن الإنسان يظل سردا مستمرا في نظر الآخرين ، وهو يعتقد أنه متجدد مع إشراقة كل يوم جديد ، ولمجرد أنه قادر على الكلام ، فهو قادر على الاستمرار بالحديث عن نفسه . وماذا يمكن لأي إنسان إضافته بشكل مختلف ، إن كان هو يعتقد في قرارة ذاته أن أحاديثه ليست سوى مشاركة في ظاهرة الكلام ، وحين أفكر في تطور الكلام لدى الإنسان وأغرق في القراءات الانثروبولجية أعتقد بأن الإنسان كان أكثر بساطة عندما كان أكثر صمتا ، والحياة أبسط مما هي عليه اليوم ، لأن كل شخص يفهم احتياجاته وعلاقته بالآخرين من خلال ممارسة الحياة فقط ، وكان الواقع البسيط في البحث عن الطعام والتزاوج والتعبير عن كل الغرائز دون قوانين ودون أنظمة وأديان ، إنما هو واقع الحياة الفعلي قبل أن يصبح مليئا بالظواهر التي جعلته أشد تعقيدا وتدفعه للبحث عن وسائل أخرى تساعده على الاستمرار ، ليصبح الكلام تجارة بحد ذاتها يقايض بها البشر تواجدهم الطبيعي ليجدوا لهم مساحات قادرة على استيعاب كل طبائعهم البسيطة .ولذلك كان رجال الكهف في الحقيقة أكثر حكمة من رجال البيوت الإسمنتية في هذه الأيام. واعذروني حين أثرثر ، فلدي طاقة كبيرة من الكلام وجدت أنها تحتاج للإخراج ، فهي فضلات فكرية لا بد لي أن أتخلص منها حتى اخلق مساحات جديدة للمزيد من الأفكار التي أصبحت تتكاثر في تطور سريع يجعلك تعتقد أن الدنيا التي تراها كل يوم هي عمر جديد وجيل جديد تحتاج إلى متابعته كي لا تصبح كهلا بعدد الأيام لا بعدد السنين التي كانت هي عادة التقدم في حياة البشرية ، وسيأتي يوم تصبح فيه الساعات هي العمر الحقيقي الذي يقيس لنا عمر الآخرين من حولنا .

    أصدقكم القول أنني شعرت بأن هذه الرواية قد ذهبت أدراج الرياح. وان فكرتها لم تعد متوفرة في ذهني ، ولكن عندما أعدت قراءتها تذكرت كل تلك التفاصيل التي كنت انوي كتابتها لكم ، وحين أقول لكم ، فلأني هذه المرة لا أمارس الكتابة لنفسي ، ولقد وجدت أن ذلك أمر سخيف ، ومن الأفضل للإنسان الذي يكتب لنفسه أن يفكر بما يريد كتابته دون تدوينه فهذا الأمر اقل خطورة من الكتابة لأنه يساعد على النسيان حين أصبح الورق ذاكرة لنا ولمن يقرأنا . والتناقض كبير فيما أقول وفيما أنوي ارتكابه ولكنني سأبرر لنفسي بما برره لي الآخرين من قبل ، وهو أنني كاتب ومفكر وهناك من يتابعني وهناك من يهمه ما اكتب ، وتلك أشياء صدقتها ليس لأني مقتنع بها ولكن لأن هناك من يؤمن بها ويصدقها ، وتلك هي الأكاذيب التي نمارسها ويمارسها غيرنا في هذه الحياة ، لعل الحكماء والفلاسفة صدقوا كذبهم لأن هناك من آمن به ، والمؤمنون بأفكارهم هم سبب تكون الاعتقادات والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وجعلها صالحة للاستخدام ، ومراجعة أخيرة ، تلك الأفكار التي لخصها لنا الروائيين أو المفكرين ، هي فضلات عقولهم الذهنية ، وهذا ما يجعلني أثق بالحكمة البسيطة التي تقول أن " نفايات كائن ما هي أحيانا غذاء كائن آخر " ، ولأن هذه الحكمة تشكل في فحواها وصفا بسيطا وربما سيئا لواقع الحياة واستمرارها ، وكيف أن الموت والحياة نقائض تمارسها علينا الأقدار وتجعلنا نحب ممارستها على الآخرين انتقاما من شيء لا نستطيع التحكم به ، وهكذا أفعل هنا ، لذلك سيكون ما اكتبه هنا هو جزء من ذاكرة الحياة والموت ، والخص تجارب تختلط فيها الكثير من المشاعر والأفكار التي قد تمر بأحدهم ، ومن هذا المنطلق لن استطيع مفاجئتكم بشيء جديد ، ولعل الكثير شاركوا بالأحداث لمجرد كونهم ( ناس ) يجري عليهم قدر الموت والحياة .

    الأحداث: _ مقدمة البقية _

    انتهيت في السابق بكم ومعكم عند أحمد الذي كان يقف في دورة المياه الخاصة بالمستشفى ، والجدير بالذكر أنني انتقلت للخارج لأبدا الحديث مع أنني أتذكر جيدا كيف كانت لي وقفة استرقتها في انسجام سريع ومؤرق عندما كنت أهدئ من روع أحمد ، وهو يحاول استجماع أعصابه التي انفرط عقدها عند رؤيته لجثة علي . وفي تلك الأثناء استدركت حقيقة دورات المياه التي لو قام أحد الأدباء بتلخيص سيرتها وما يكتب على جدرانها وعلى أبوابها لوجد سردا كثيرا يلخص أدق مشاعر الإنسانية ، ولا أدري ما هو الشيء الذي يدفع أحدهم إلى كتابة شيء أو التفكير بشيء جميل كهذا في مكان كدورة المياه ، ولعل الكثير صادف ذلك عند استخدامه لأحد دورات المياه في الأماكن العامة ، وكيف أنه بطريقة ما اندرج في نفس الشعور الذي تركه أشخاص قبله كانوا يقومون بنفس العمل الطبيعي الذي يقوم به ، فيبدأ بقراءة الكلمات والخطوط والجمل التي كتبها آخرين قبله ، ويجد فيها متعة غريبة وربما حكم ساخرة ، وربما يشعر بها وكأنها تعنيه لدرجة أنه سيهم بكتابة ردود أو تعليقات أخرى ، هناك ذاكرة كبيرة يتركها البشر كما يتركون فضلاتهم ، ولعلهم في هذا يستمرون في إثبات النقائض والمفارقات التي تخلقها فينا طبيعة الحياة . وتظل عالقة فينا أبسط صورها الحية في التبادل الذي قد يثير الاشمئزاز.

    ولكي لا اجعل هذه الرواية مملة دعوني اسرد لكم شيئا يندرج ضمن ما يسمونه الآن " إيحاءات جنسية " طريقة ممتعة قد تجد وقعا جميلا في نفوس أولئك الذين يبحثون عن أسرارهم وأفكارهم السيئة في صفحات الكتب كي يثبتوا لأنفسهم أنهم صالحين وان ما يفكرون فيه ظاهرة إنسانية يمارسها الجميع لدرجة أن يكتب عنها الأدباء .

    ساعة حياة بجوار الموت:

    على أطراف المغسلة التي وقف عليها أحمد وقعت عيني على شيء أثار في نفسي مفارقة ساخرة وسيئة ، ربما لا يجدر الحديث عنها ، ولكن لدي طاقة كبيرة تتجاوز كل حدود المسموح ، وتجعله يصب في خانة الضرورة التي قد لا تجدونها كذلك ، ولكن يكفيني أن أفكر هكذا حتى أبرر ارتكابي لهذا الحمق .
    ذبابتان في انعزال تام وهدوء غريب ، ليس كما تعودت عليه من هذه الكائنات ، عندما تظل تزن حول أذنك وكأنها تريد إثبات وجودها الصغير في عالمنا الكبير ، تقومان بعملية التزاوج ، في مكان مازالت رائحة الموت تتسرب إليه من الغرفة المجاورة حيث ثلاجة الموتى ، على مغسلة مليئة بأنواع الدلائل التي تشير على أن أحدهم مر من هنا ليغسل الدم عن يديه اللتان حمل بها ميتا آخر ، في تواجد وحضور مثل هذا لا يمكنك أبدا أن تفكر بأي علاقة حميمة كما تفعل تلك الذبابتان ، وسيكون من السهل علي أن اعتقد أن الذباب كائنات قذرة وليس لديها أي شعور بالإنسانية ، لأفاجأ بأن عقلي انتقل من تلك الصورة ليتذكر أشياء كثيرة لها علاقة رمزية بما تفعله تلك الذبابتين ، إنني أمارس الإنسانية الفجة كما تفعل تلك الكائنات ، ولعلها ليست إنسانية على الإطلاق ، هي غرائز حيوانية طبيعية خلقت فينا لتبقي سلالتنا مستمرة ، وكذلك خلقت في تلك الكائنات ، تذكرت أن علي الذي أصبح جثة في الغرفة المجاورة نتج عن مثل هذا التصرف ، وأنه كان يسعى لفعله يوما ما ، وأن أحمد الذي كان يحب على هاتفه ويستجدي عطف حبيبته فكر أيضا بممارسة نفس الشيء ، إن كل تلك التعقيدات التي نسميها حياة ، هي ممارسات بسيطة جدا لا تحتاج منا إلى التفكير ، وما أن يصل بالإنسان إلى مرحلة البلوغ حتى تبدأ تلك الغرائز بالانهمار ، لتصبح مرتبطة بكل حياته وبحثه المستمر عن أشياء أخرى كالوظيفة والسكن والمال والتعليم ، ويندرج في عجلة الحياة الاجتماعية التي قد تنتهي يوما ما كما بدأت ، ويصبح الموت والحياة عمليتان لا تحتاجان لكثير من المظاهر سوى مغسلة في دورة مياه ، وثلاجة موتى في غرفة للتشريح .

    يتبع .........
    كلـما أدبني الدهـر --- أراني نقص عقلي
    وإذا ما ازددت علما --- زادني علما بجهلي
    ـ ـ ـ ـ ـ

    "سـيرة عقـل"

    ibraheems@hotmail.com

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2004
    المكان
    قبضة القدر ..!
    الردود
    52
    يبدو بأن لهجة الصيف عادت مضمخة بالشدة وأكثر

    لم يكن مللاً ما خرجت به من عودتك، ابراهيم.. بل كان شوقا لحرفك ولرؤية الحياة مجددا بمنظارك .. تدرك ولا شك بأن لك نظرة مغايرة للأمور، أو ربما تكون مشابهة لغيرها، ولكنها تختلف برداء الفلسفة التي تتدثر به دوما.. وهذا ما يجعل حرفك أكثر إغواء للارتماء بين أبعاده التي تتسع لتحوي كل صاحب ذي فكر وذوق أدبي.. (وعتبي دائم على تسرعك بالطباعة ).

    ..

    قد لا يحتاج الأمر لأكثر من مغسلة وثلاجة للقدوم والرحيل يا عزيزي.. ولكن ما بينهما يحتاج للكثير طالما أننا خلقنا بأعضاء يتعدى عملها المادة ويتجاوزها إلى عوالم أثيرية لا قوانين تحكمها سوى ما هو مفترض بعيدا عن الجزم..

    ولكن يكفيني أن أفكر هكذا حتى أبرر ارتكابي لهذا الحمق .
    "إنه لمن الطبيعة البشرية أن نفكر بحكمة وأن نتصرف بحمق" .. والقول هنا لـ أناتول فرانس.

    تحياتي.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •