Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الردود
    49

    السفسطائيون..سقراط .. أرسطو.. وأفلاطون




    لماذا الفلسفة الإغريقية؟

    تعتبر الفلسفة الإغريقية الأكثر أهمية والأبعد أثراً في تراث الإنسانية وهي من أهم مظاهر لعبقرية الإغريق.
    إنها فلسفة الشرق الأدنى منذ فتوحات الاسكندر وهي فلسفة الغرب منذ استولى الرومان على بلاد اليونان، إذ كان للرومان السيادة السياسية بينما كان لليونان السيادة الفكرية، وحينما قامت المسيحية اصطفت هذه الفلسفة.

    فالفكر الأوربي في العصر الوسيط إنما تشكله عقيدة العبرانيين وفكر اليونانيينن، كذلك تأثر بها فلاسفة الإسلام إذ كان شغلهم الشاغل التوفيق بين عقيدة الإسلام وفلسفة اليونان، واذا كان مفكرو الغرب المحدثون يرجعون أصل حضارتهم الحديثة إلى اليونان فإن الفلسفة الحديثة مهما تباينت مذاهبها وتنوعت اتجاهاتها فيمكن أن تلتمس لها بذور أو جذور لدى فلاسفة اليونان بل إن هناك من يذهب إلى أن شتى تيارات الفكر الحديث إنما تتأرجح بين قطبي الفلسفة اليونانية: أفلاطون وأرسطو..


    ما هو سر انفراد اليونان بنشأة الفلسفة فيها:

    1- ضعف سلطة الدين: فوجود فراغ عقائدي وصورة مهزوزة عن الالهة وأديان لا تشبع ولا ترضي الوجدان أدى إلى ضرورة وجود نتاج فكر يوناني خالص، فكانت الفلسفة التي نشأت لتجيب على تساؤلات الاغريق: كيف نشأ الكون؟ ما هو أصل الانسان؟ ومامصيره بعد الموت؟
    إضافة لعدم وجود سلطة كهنوتية تقيد الفكر وتفرض عليه عقائد معينة لا يستطيع الحياد عنها أتاح حرية الفكر ونشأة الفلسفة.

    2- النزعة الفردية ونظام دولة المدينة: عاش الإغريق في ظل مدن يكفل استقلالها بعضها عن بعض حرية الحركة، وعن حرية الحركة تلزم حرية الفكر.


    السفسطائيون

    في الوقت الذي كانت فيه المدارس الفلسفية تنمو خلال القرن الخامس، ظهرت جماعة من الناس كانت بمعنى ما على هامش الفلسفة، هؤلاء هم الذي يُطلق عليهم عادة اسم (السفسطائيين) الذين يشير إليهم سقراط بازدراء، بوصفهم أولئك الذين يجعلون الحجة الأضعف وكأنها هي الأقوى.

    كيف ظهرت هذه الحركة وما هي وظيفتها في المجتمع اليوناني:

    لم تبلغ الصلة الوثيقة بين الفلسفة وبين المجتمع في اليونان عند مذهب فلسفي كما بلغت لدى السوفسطائية لأنها حركة أظهرتها الظروف السياسية والاجتماعية في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ سخر السوفسطائيون الفلسفة للخدمة العامة ولم يروا فيها رأي الأولين من نظر مجرد في الوجود.

    لقد وصف شيشرون سقراط بأنه أنزل الفلسفة من السماء وأودعها المدن وأدخلها البيوت وجعلها ضرورية لكل بحث في الحياة والأخلاق، وتلك العبارة تصدق تماماً على السوفسطائيين، لأن سقراط يختلف معهم مذهباً ولكنه لا يختلف معهم في موضوع الفلسفة (الانسان والأخلاق والحياة).

    كان الفكر الفلسفي قبل ظهور السفسطائيين متجهاً نحو العالم الخارجي مستغرقاً فيه، فجاء السفسطائيون واتخذوا الانسان وحضارته موضوعاً لهم، وشغلوا بجزئيات الحياة فكان منهجهم واقعياً تجريبياً. بينما شغل الفلاسفة السابقون بالوجود الخارجي ومشكلاته وانتهجوا منهج تأملي جدلي من أجل وضع مبادئ عامة لتفسير الوجود.

    فغاية السوفسطائيين كانت عملية إذ يلقنون تلاميذهم ما يعينهم على الحياة. ولا سيما أن الديمقراطية الأثينية قد أوصلت إلى الزعامة أناساً أميين، وزادت القضايا أمام المحاكم وشاع الجدل القانوني والسياسي فنشأت الحاجة إلى تعليم الخطابة وأساليب الجدل واستمالة الجماهير ومن ثم إلى معلمي خطابة أو بلاغة أو بيان أو أي موضوع يتعلق بمشكلات الحياة العامة.

    لذا فقد كان ظهور السفسطائيين تلبية لحاجة فكرية في المجتمع الاغريقي بعامة والأثيني بخاصة في القرن الخامس قبل الميلاد.


    النواحي الإيجابية للسفسطائية:

    كان السوفسطائيون ممثلي عصرهم بما فيه من تغير وصراع: القديم بقيمه وتقاليده، والجديد بآماله وأفكاره فكانوا أساتذو الجيل، غرسوا الشك بدلاً عن العقائدية الدجماطيقية ( أي النزعة التأكيدية أو القطعية بزعم الفيلسوف أو مذهبه هو الحق وأن سائر المذاهب خطأ) وكانوا معبرين عن روح حضارتهم في عصرهم تماماً كفلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر، فحل التسامح في قبول الرأي ونقيضه عن الحقيقة الموضوعية المطلقة.

    مثال عن أحد فلاسفتهم:

    يقول جورجياس صاحب القضايا المتعارضة : ما من دليل إلا وينهض مقابله دليل، وجعل هذا القول براعة السفسطائي تقاس بمقدرته على تدعيم أوهى الدعاوي.


    سبب سوء سمعتهم:

    يعد أفلاطون وأرسطو مسؤولين عن الفكرة السيئة التي شاعت عنهم، أنهم بائعو سلع عقلية لأنهم يتلقون أجراً على دروسهم، أو أنهم أدعياء الحكمة أو منتحلوها.

    وإن كانت الفلسفة الحقة تدين الشك الهدمي ذلك أن الحكمة الأصلية لا تهدف إلا إلى تحري الحقيقة ذاتها، فإن الحياة العملية تقتضي أسلوب السوفسطائيين ولا يُعنى بذلك أن يسعى المتقاضي إلى كسب دعواه حقاً كان أم باطلاً أو إلى إثارة الشك في القيم، حقيقة كان مما يؤخذ عليهم أن ألبسوا الباطل ثوب الحق كما كانوا يطفئون الجد في الجدل بالهزل ويضيعون متعة الهزل باصطناع الجد، ومع ذلك كله فإن علماً كالتأريخ قد أفاد من منهج السوفسطائيين.


    الآثار الإيجابية للسوفسطائية:

    1- أول من نبه إلى قيمة التربية وأهميتها في إرشاد النشئ، لقد كان الاثينيون يعتقدون أن الأخلاق ميل طبيعي ولكن بروتاغوراس أكد امكان ترويض النفس البشرية ونزع نزعات الشر كما يمكن للطبيب علاج أمراض الجسم وإن العقاب يقصد به الردع لا الإنتقام.

    2- لفتوا النظر إلى أهمية اللغة في الجدل وضرورة تحري دقة الألفاظ.

    3- حددوا بعض موضوعات علوم السياسة والاجتماع والتاريخ، هل الدولة أو المجتمع نظام طبيعي تلقائي أم وضعي تحكمي؟

    4- كانت الحافز وراء ظهور أكبر المدارس الفلسفية في بلاد اليونان، فإن كثيراً من نظرياتهم لا سيما في الأخلاق والسياسة إنما جاءت ردوداً على آراء السوفسطائيين.

    ***


    اخترت للمشاركة في شهر الفلسفة الحديث عن بدايات الفلسفة الإغريقية وسأخلص مذاهب أهم ثلاثة فلاسفة ارتكزت على فلسفتهم كل الفلسفات الحديثة
    وسأعتمد في ذلك على مراجع عدة .. وبدأت الآن بالحديث عن السفسطائيين
    بتصرف عن كتاب(الحضارة الإغريقية) لمحمد الخطيب
    يتبع مع سقراط..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الردود
    49



    سقراط

    الفيلسوف الذي شطر الفلسفة شطرين؛ ماقبله وما بعده
    والذي أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض
    ومن الوجود إلى الإنسان بعبارته:
    "اعرف نفسك"


    بعد أن رأينا كيف اتجه السفسطائيين للإنسان بعد أن كانت الفلسفة متجهة للعالم الخارجي، ولكن دون مذهب معين فقد كانوا معلمي بيان لا معلمي فكر وفلسفة في الوقت الذي كانت فيه أثينا ، مركز الفكر بعد حربها وانتصارها على الفرس، بحاجة إلى معلم فكر وكان سقراط معلم أثينا في طور الفلسفة.


    مهنته كانت "قابلة" أفكار :

    يبدو أن هذا الفيلسوف قد ورث عن أمه مهنة التوليد، فكما كانت أمه تولد البشر، كان هو يولد الأفكار من العقول الحوامل، إذ طفق يتحرى حقيقة ذلك باحثاً عن العلم أو الحكمة لدى الشعراء والخطباء والسياسيين وأصحاب الحرف، فكان في بحثه هذا مولداً للأفكار.


    بين التنظير والممارسة الفعلية للفلسفة

    إن ماخلد ذكر سقراط أنه كان يحث مواطنيه على الفضيلة ويرشدهم إلى الخير ويستحثهم على ذلك كما تستحث النحلة الفرس على الحركة على حد تعبيره.
    لذلك كانت شخصيته أبعد تأثيراً في نفوس تلاميذه من دورسه النظرية، حيث يطغى الجانب العملي على الجانب النظري. فقد كانت محاوراته تدور حول موضوعات أخلاقية وثيقة الصلة بالحياة العملية ولهذا فإن المدارس السقراطية التي ظهرت بعده أخذت تعنى بالعمل على حساب العلم.


    لا أعرف سوى شيء واحد هو أني لا أعرف!

    لم يكن لسقراط مذهباً فلسفياً واضحاً ولكن كان هذا منهجه. ولم يخلف لنا فكراً بقدر ما قدم لنا منهجاً للتفلسف.
    كان يتبع مرحلتين، مرحلة سلبية يتصنع فيها الجهل ويلقي الأسئلة على محاوريه مدعياً طلب التعليم منهم، وما زال في أسئلته في تركيب محكم تخفي سخرية لاذعة وراء سذاجة مقصودة مستخدماً كثيراً من التشبيهات والأمثلة من الواقع المحسوس مما يضفي على الحوار صورة حية تمكن الحاضرين من متابعة المناقشة دون أن يدع للمتحاور معه فرصة أن ينحرف عن الموضوع حتى يوقعه في الحيرة والتناقض، وهو يتبع ذلك غالباً مع أدعياء العلم والحكمة، ذلك جانب التهكم.

    وفي المرحلة الثانية وهي مرحلة إيجابية تسمى (التوليد) يساعد سقراط محاوره على الوصول إلى الحقيقة بنفسه، ولا يفرض سقراط رأيه في الموضوع الذي أثاره والذي انتقد فيه رأي من يحاوره.

    قيمة هذا المنهج وهو أهم ما قدمه سقراط للفلسفة أنه أول من طلب الحد الكلي بالاستقراء، إذ يقوم العلم على دعامتين يكتسب الحد بالاستقراء ويركب القياس بالحد، وقد ميز سقراط بين موضوع العقل وبين موضوع الحس وذلك بما بينه من أهمية تحديد الألفاظ تحديداً دقيقاً حتى تتفق عليها فيمتنع الخطأ والالتباس، وذلك ينبه إلى أهمية طلب ماهية الشيء.

    كان اذا تحدث الناس عن العدالة المتعارفة، يسألهم بهدوء، ما هي هذه العدالة؟ وماذا تعنون بهذه الكلمات المجردة التي تحلون بها بمثل هذه السهولة مشاكل الحياة والموت؟ وماذا تعنون بكلمة الشرف، والفضيلة، والأخلاق والوطنية؟ وماذا تعني بنفسك؟ لقد أحب سقراط أن يتناول بالبحث والسؤال مثل هذه الأسئلة الأخلاقية والنفسانية.

    وقد اعترض البعض على طريقته هذه، وقالوا له أنه يسأل أكثر مما يجب، ويترك عقول الرجال أكثر اضطراباً مما كانت عليه قبل المحاورة والنقاش أو الحديث، ومع ذلك فقد قدم إلى الفلسفة جوابين ثابتين لسؤالين من أكثر مشاكلنا تعقيداً، ومما ما هو معنى الفضيلة؟ وما هي أفضل دولة؟.


    شهيد الفلسفة

    قد تكون مسألة إعدام سقراط هي التي أضفت عليه تلك الهالة من القداسة في نفوس المثقفين بعامة ودارسي الفلسفة بخاصة على مر العصور، والصورة قدمها لنا أخلص تلاميذه أفلاطون، وهي بقدر ما تضفي من قداسة على سقراط بوصفه شهيد الكلمة وحرية الرأي بقدر ما يشير أصبع الاتهام إلى أثينا ونظامها الديمقراطي، ولا شك أن أثينا قد أخطأت في حق نفسها بقدر ما أجرمت في حق سقراط حين أعدمته.

    لقد كان المواطنون الاثينيون الكبار في السن على استعداد لتشريفه لو حاول استعادة الدين القديم الذي يؤمن بتعدد الآلهة، ولو أنه دعا الشباب المتحرر من الخرافات والأساطير القديمة إلى المعابد والحدائق المقدسة. وطلب منهم مرة ثانية تقديم الأضاحي لآلهة آبائهم. ولكنه اعتقد أن تلك سياسة انتحارية لا أمل فيها وأنها تقدم إلى الوراء. لقد كان له ايمانه الخاص به، لقد آمن بإله واحد، وآمن باعتدال أن الموت سوف لا يقضي عليه تماماً، أدرك أن هناك شريعة أخلاقية أبدية لا يمكن أن تقوم على دين ضعيف كالدين الذي آمنت به أثينا في ذلك الوقت. وإذا كان الانسان يقدر على بناء نظام من الأخلاق مستقل تماماً عن المبادئ الدينية، ويطبق على الملحد والقسيس على السواء، عندئذ قد تأتي الديانة وتروح من غير أن تحل الاسمنت الأخلاقي الذي يجعل من الأفراد مواطنين مسالمين في المجتمع.

    أعدموه لأنه كشف لهم جهلهم.. لأنه سخر من حكومة ديمقراطية يحل العدد فيها محل الحكمة ويرأسها الجاهل لا الحكيم..

    سجل تلميذه أفلاطون لحظات موته في نثر أشد روعة من الشعر وهو الدفاع البسيط الذي أعلن فيه أول شهيد للفلسفة حقوق الانسان، وضرورة حرية الأفكار..

    _____________
    الحضارة الاغريقية، محمد الخطيب
    قصة الفلسفة، ول ديورانت

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الردود
    49



    أفلاطون


    بعد أن أعدم أستاذه سقراط تملكه الغم والحزن وغادر أثينا إلى ميجار التي سافر إليها بعض تلاميذ سقراط ملتفين حول اقليدس الميغاري، مكث أفلاطون بها ثلاث سنين سافر منها إلى قورنيا حيث كان اريستبوس أحد تلاميذ سقراط قد أنشأ بها مدرسة، سافر أفلاطون إلى مصر حيث درس على الكهنة العلوم الرياضية والمعارف التاريخية وأخذ بنصيب من الفلك كما استفاد من تعرفه على ديانة المصريين ونظام الحكم والأخلاق.

    إن سقراط هو صاحب الفضل الأكبر عليه منهجاً وروحاً وأخلاقاً، فلقد حوله من الشعر إلى الفلسفة، وإن بقي له أسلوبه الأدبي الرفيع، وهكذا صبت في شخص أفلاطون وفكره كل روافد الفلاسفة السابقين عليه.

    صاغ مؤلفاته في شكل حوار فلسفي، وجعل من سقراط الشخص الرئيسي في كل محاوراته حتى تعذر فصل أفكاره عن آراء أستاذه.


    قيمة منهج أفلاطون من الناحية الفلسفية تتلخص فيما يأتي:

    1- المنهج التلفيقي: من حيث مصادر أو أصول فلسفته استطاع أفلاطون بالرغم من المصادر المتباينة لفلسفته أن يجمعها في نسق مترابط يخضع فيه المحسوس للمعقول والجزئي للكلي، ويجمع بين تغير هيرقليط وثبات بارمندس ويؤلف بين الوحدة والكثرة. وطبع كل ما تلقاه بطابعه.

    2- المنهج الجدلي: من حيث عرض فلسفته ويعد أفلاطون أول من صاغ الجدل (الديالكتيك) صياغة فلسفية. ومن خلال منهج الجدل ربط أفلاطون بين مباحث الفلسفة جميعاً إذ ربط الوجود بالمعرفة ما ربط نظريته في النفس بكل من الأخلاق والسياسة.

    3- الثنائية: أقام أفلاطون ثنائية واضحة بين عالم المثل والعالم المحسوس في مجال الوجود، بين المعرفة العقلية والمعرفة الحسية في مجال المعرفة، بين النفس والجسم في الانسان، بين اليوتوبية (المدينة الفاضلة) وما هو واقع في السياسة.


    قيمة فلسفة أفلاطون من حيث المذهب تتلخص فيما يلي:

    1- الميتافيزيقيا: تشرح نظرية المثل الوجودية بجوانبه الثلاثة الله – العالم – النفس، وإن كانت الألوهية لديه لا تتجاوز مفهومه لمثال الخير، كذلك "الصانع" لا يفيد معنى الخالق بالمفهوم الديني، ومع ذلك فلا شك أن أفلاطون قد تجاوز معنى الألوهية فكر الفلاسفة السابقين عليه، كما أضفى عليها دلالة أخلاقية، وبذلك قدم أول نظرية في الفلسفة عن العناية الإلهية، وأدان المعتقدات الشعبية عن إرضاء الآلهة بالقرابين مع تلوث النفس بالاثم.

    2- المذهب المثالي: يعد أفلاطون رائد المذهب المثالي في الفلسفة. سلب أفلاطون العالم الواقعي المحسوس كل حقيقة وجعله مجرد شبح أو خيال بينما جعل الحقيقة في عالم تصوره أفلاطون قائماً وله وجود سابق على هذا العالم.

    3- اليوتوبيا: ربما كان تأثير أفلاطون الالهي في الفلسفتين المسيحية والاسلامية بأشد مما له في حضارته، فلا نجد لنظريته في الألوهية أو خلود النفس تغييراً في معتقدات الأثينيين، ولم تتصدع آلهة المدينة بتأثير نظرية أفلاطون.

    ولكن مدينته الفاضلة جاءت رد فعل لما روعه من فساد أنظمة أثينا السياسية.

    إن نقطة البدء في يوتوبيا أفلاطون – كما هو الحال في كل يوتوبيا – فساد أوضاع سياسية قائمة فساداً يؤدي إلى اليأس في اصلاح الواقع فتكون نقطة البدء من المثل الأعلى لا من الواقع، من العقل لا من التجربة، وبذلك يكون أفلاطون متمشياً تماماً مع فلسفته المثالية: المثل حقيقة، العالم الخارجي أشباح، اليوتوبيا صلاح والواقع فساد. وإذا كانت اليوتوبيا تبدأ من التصور فذلك لا يعني أنها خيال محض، إذ اقتبس أفلاطون في جمهوريته كثيراً مما عرفه عن اسبارطة من نظام دقيق صارم.

    4- الفن: يعد أفلاطون أول من صاغ نظرية في فلسفة الجمال بصرف النظر عن موقعه من الفن ومن الشعر. فهو يرى أن الفن يستند إلى منطق الخيال لا إلى منطق العقل، ومن ثم لا يرقى الفن إلى مستوى العلم القائم على العقل. كما يرى أن الفن قائم على التقليد، وإذا كانت الطبيعة تقليداً لعالم المثل، وكان الفن تقليداً للطبيعة كان الفن تقليداً لتقليد، ومن ثم فإن الفن أدنى من العلم الطبيعي وهذا بدوره أدنى من المتيافيزيقا.

    ومن ناحية أخرى إذا كانت الطبيعة صنع الله والصناعة صنع الإنسان وكان الفن تقليداً للصناعة كان فن الفنان أدنى من صنع الانسان.
    هذا نقد يتعلق بالفن من حيث صورته أو مقولاته وينبثق من مفهوم أفلاطون لنظرية المثل.

    أما الجانب الأخلاقي في الفن فيفسره أفلاطون كما يلي:

    يلجأ الفن وخاصة الشعر إلى تزييف حقائق الأشياء وبين الفن والشعر صلة وثيقة، إن الفن شعر صامت كما أن الشعر فن متكلم، وكلاهما يستند إلى فكرة التقليد أو المحاكاة، ولكنكلاً من الفنان والشاعر إذ يقلدان لا يصفان الأشياء كما هي وإنما يضفي كل منهما من ذاته أو من شيطانه ليزيف حقيقة الأشياء مستنداً إلى الخداع، وإنك إن نزعت عن الشعر إيقاعه وأوزانه وقوافيه – وسائل الخداع – لما بدت لك بعد ذلك إلا معان سطحية تافهة بل ولا أخلاقية، لقد سممت أشعار هوميروس عقول اليونان وأفسدت ضمائرهم بما تروي عن الآلهة والأبطال من أخبار الخصومات وقبيح الأفعال وبما لا تفتأ تردده من أن الرجل العادي يعمل لخير غيره وشقاء نفسه مما يوهن عزيمة الانسان عن فعل الخير وبما يثير من شهوات.

    يعمل الشعر على اثارة العواطف وشلل العقل وذلك يجعلنا نستحسن ونصفق لما نستنكره في الواقع، ولا يعمل الشاعر بما يقول لا يقود الجيوش ولا يشرع القوانين وإنما يكتفي بتمجيد القواد والحكام.
    وأما خداع الفنان أو المصور فإنه يبرزها مشوهة في غير نسبها الحقيقة من حيث الشكل أو المقدار ولا يخدع إلا من بعد ولا ينخدع به إلا الجاهلون.

    هكذا نظر أفلاطون إلى الفن والشعر من منظور أخلاقي سياسي فبالغ في إدانتها، ولقد كان يعتبر الشعر كالأسطورة طوراً تجاوز مسار الفكر البشري إلى الفلسفة، تماماً كما تجاوز الفكر الاغريقي في مرحلته الكلاسيكية مضمون أشعار هوميروس.

    لقد بلغ أفلاطون بالفلسفة قمة ما بلغته الحضارة الاغريقية لا ينافسه في ذلك إلا تلميذه أرسطو وكان أثره في الفكر بالغاً حتى وإن خالف الناس آراءه في المثل وفي السياسة وفي الفن وربما في الحب أيضاً.
    عُدّل الرد بواسطة Athena : 12-09-2007 في 03:08 PM

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المكان
    سوريا - دمشق
    الردود
    69
    أود بداية أن أشكر كاتب الموضوع لهذا الطرح الجميل, لأنني في الواقع قد قرأت حول نفس الموضوع في كتاب تاريخ الفلسفة القديمة و الوسيطة, وهو أحد منشورات جامعة دمشق, و لكن طرحك هنا أجمل و أسهل و أبلغ حتى للفهم. سأحاول فقط أن أكتب بشكل مبسط حول أهم فلاسفة السوفسطائيون, وهم اثنان.
    بروتاغوراس و غورغياس.

    بروتاغوراس ( 480 -410):
    ولد في أبديرا, وعرف فيلسوفها الكبير ديموقريطس, وبعد أن طاف أنحاء ايطاليا الجنوبية واليونان يلقي فيها الخطب البليغة, قدم إلى أثينا ولكن لم تطل اقامته فيها لأنه كان قد نشر كتاباً اسماه "الحقيقة" و جاءت في مقدمة هذا الكتاب هذه العبارة: "لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين, فإن أموراً كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم, أخصها غموض المسألة وقصر الحياة" فاتهم على إثر ذلك بالالحاد, وحكم عليه بالاعدام, وأحرقت كتبه علناً. ففر هارباً, ومات غرقاً في أثناء فراره.
    هناك عبارة أخرى له جاءت في هذا الكتاب وهي:
    "الانسان مقياس الأشياء جميعاً. هو مقياس وجود ما يوجد منها, ومقياس لاوجود ما لايوجد."

    وقد شرحها أفلاطون بشكل مطول ولكن سأحاول أن أعطي المفهوم الرئيسي لها: أن الأشياء هي بالنسبة إليّ على ما تبدو لي, وهي بالنسبة إليك على ما تبدو لك, وأنت انسان و أنا انسان. إذن لا يوجد شيء هو واحد في ذاته وبذاته, ولا يوجد شيء يمكن أن يسمى أو أن يوصف بالضبط... لأن كل شيء في تحول مستمر. فما نحسه فهو موجود على النحو الذي نحسه, وما ليس في حسنا فهو غير موجود, وعلى ذلك تبطل الحقيقة المطلقة, لتحل محلها حقائق متعددة بتعدد الأشخاص.

    غورغياس (480 - 375)

    ولد في ليونتيوم, و تتلمذ على يد أنبادوقليس, واشتغل بالطبيعيات. و اهتم باللغة و البيان, فكان أفصح زمانه وأبلغهم. جاء إلى أثينا يطلب العون لمدينته على أهل سراقوصة, فأعجب الناس بأثينا ببلاغته. يصوره أفلاطون في الحوار المعنون باسمه على أنه مفاخرا بمقدرته على الاجابة عن أي سؤال يلقى عليه. مات في تساليا وقد قاربت سنه المائة أو جاوزتها, وعظم صيته, وضخمت ثروته.
    وضع كتاباً في اللاوجود قد به إلى التمثيل لفنه و الاعلان عن مقدرته بالرد على الايليين و التفوق عليهم في الجدال. ويمكن تلخيص أقواله في قضايا ثلاث:

    1- لايوجد شيء.
    2- إذا كان هناك شيء فالانسان قاصر عن ادراكه.
    3- إذا فرضنا أن انساناً أدركه فلن يستطيع أن يبلغه لغيره من الناس.

    وشرح عباراته بالشكل التالي:
    بالنسبة للعبارة الأولى: اللاوجود غير موجود من حيث أنه لاوجود و الوجود غير موجود كذلك, فإن هذا الوجود اما أن يكون قديماً أو حادثاً؛ فإن كان قديماً فهذا يعني أنه ليس مبدأ, وأنه لامتناه. أما إن كان حادثاً, فإما أن يكون قد حدث بفعل شيء موجود أو بفعل شيء غير موجود.
    أما العبارة الثانية: لكي نعرف وجود الأشياء يجب أن يكون بين تصوراتنا وبين الأشياء علاقة ضرورية هي علاقة المعلوم بالعلم, بمعنى أن يكون الفكر مطابق للوجود, وأن يوجد الوجود على ما نتصوره, ولكن هذا باطل.
    أما العبارة الثالثة: فترجع حجته إلى أن وسيلة التفاهم بين الناس, هي اللغة ولكن ألفاظ اللغة اشارات وضعية و رموز, وليست مشابهة للأشياء المفروض علمها, فكما أن ما هو مدرك بالبصر ليس مدركاً بالسمع, و العكس بالعكس, فإن ما هو موجود خارجاً عنه مغاير للألفاظ, فنحن ننقل للناس ألفاظنا وليس أشياء. فاللغة و الوجود دائرتان متخارجتان.

    هذه أمثلة واضحة لعبث السوفسطائيين و جدلهم الذي لا ينتهي. وعلى الرغم من جميع الآثار الإيجابية لهم من اخراج الثقافة من المدارس الفلسفية و نشرها لعامة الناس و من تمهيد الطريق لعلم المنطق و الأخلاق, إلا أنهم كادوا أن يقضوا على الفلسفة لولا الفضل الكبير لسقراط في إنتشال الفلسفة و تدعيم ركائزها.
    ما هي قيمة الحياة إذا كانت من أجل الحياة فقط لا من أجل فكرة أو بعد أو هدف؟
    دوستويفسكي

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 2 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 2 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •