Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 36
  1. #1

    يوم تركت الصلاة ........ (نجيب الزامل)

    سأضع موضوعاً هاهنا وأرجو من المشرفين نقله إلى مكانه الصحيح....
    يوم تركتُ الصلاة..
    نجيب الزامل







    "السرّ في الصلاة أنها لا تغير العالم. الصلاة تغيرنا نحن.. ونحن نغير العالم."
    .. كنتُ شابا صغيرا، وكانت التياراتُ تلاحقنا في كل مكان، في كل كتاب، في كل نقاش، كانت أيام الثانوية أصعب أيام، وهي أيام الشك والحيرة، والضياع والزوغان بين مدارس الفكر الوضعي، وأخذتني المدارس واستلهمت كبار مفكري العالم، فانقطعت مدة طويلة متبتلا بالفكر الألماني، ومع أني أقرأ من صغري بالإنجليزية، إلا أن تراجم الإنجليز لجوته، وتشيلر، وكانت، ونيتشه، وريلكه، أخذت بلبي، ثم تعرفت على شبنهاور فصقل فكر نيتشه في رأسي عن عنفوان القوة، وعدل البأس والجبروت، وكأنه دين يُبَشـّر به، أخذني نيتشه إلى مسوغاته، ومبرراته الصعبة التي كانت بمشقة تسلق جبال بافاريا، وكانت القمة هي ما أسماه مصطلحا "بالإرادة العلـّية"، ثم قذفني إلى شواطئ برتراند الرسل المتصوف المادي الرياضي، وهـُمْتُ بعد ذاك بمدارس الفابية مع برناردشو في شقـِّهِ الجاد، وتبتلتُ مع إنجلز.. وأخذ الفكرُ يجرفني تماما وبعيدا عن الروح المتصلة بالسماء، حيث اليقين كل شيء، حيث الإيمان هو الشمس التي تسطع من بعيد، ولكنها أقرب لك من أي عنصر في الكون، لأنها طاقة الوجود، فضعت كثيرا، وتجبرت بما سفحت من معلومات وكتب وظننت أني في تلك السن الباكرة قد جمعتُ سحرَ العلوم، وكأني خيميائي المعرفة.. ولم أعد أقرأ الكتبَ التي كنت أتوسدها في السابق حتى يغالبني النوم من أمهات الثقافة الدينية في التفسير والفقه الحديث، والأدب العربي.. ونفضتُ عني ما حسبت وقتها أنه عالمٌ عتيقٌ مليءٌ بغبار الغابر من التاريخ المعتم، إلى معارف تُشرق فيها أنوارُ العقل الإنساني متوهجا سواء في التاريخ أو المعاصر. .. ثم تركتُ الصلاة.
    وكان مدرسي, يرحمه الله, في اللغة العربية رجل من غزة متدين، وقويم الفكر، ويؤثرني لميلي إلى الاطلاع، ولظهوري في اللغة، ثم توطدتْ بيننا صداقةٌ غير صفيّة، حتى انتزعتني أفكار الوجودية، والتي كانت أول مزالقي نحو كل الفلسفات، وصار يقف ضد هذا التوجه ويحذرني كثيرا، ويقول لي لستَ في سنٍّ تحكم فيها على العالم، ولا على معارف أمتك ولا أمم الآخرين.. ارجع إلى منبعك وانهل منه، وتقو، ثم رِدْ من كل منهل، وستجد أنك ستتذوقه وتعرف مكوناته، ولكن لن تدخله جوفك لأن ذائقتك المعرفية المتينة من بنيان تشربك المعرفي لدينك وثقافتك ستمنعك من ذاك.. ولكني تماديت، وشعرت أنّ موجة مشرقة أخذتني منه بعيدا تاركا له كل بحار الظلام..
    وأنا في طريقي المادي الجديد، بدأت في سن السابعة عشرة أكتب لمجلة "الجمهور" اللبنانية، وكانوا يحسبوني شخصا كبيرا في بلادي ويخاطبوني كما يخاطبون الكبار، وتـُرسل لي تحويلات النقد، ثم صرتُ أكتب في مجلةٍ إنجليزيةٍ تصدر من البحرين، ودار اسمي تحت اسم المفكر المتحرر.
    وكانت كتاباتي تنضح عما في داخلي من معلومات وكتبٍ سفحتها سنوات لا أرفع رأسي من متن كتابٍ إلا إلى آخر، فأغوتني علوم الفلك والإنسان، والحفريات التاريخية، والطب، والجغرافيا.. وكنت أقرأ لعلماء أتأكد من كونهم غير روحانيين.. حتى لا يشوشوا علي بأفكار لا تثبت بالاستدلال المادي.. وانفتحت أمامي المجلاتُ والصحف، وصرت أكتب وأنا في الثانوية بغزارةٍ لمجلات وجرائد في لبنان, الكويت، إيران، البحرين، وأمريكا.. وانفتنتُ بنفسي.. وأرى أستاذي، وأكاد أطل عليه بمكابرةٍ من علٍ.
    " لماذا لم تعد تصلي ؟ " سألني أستاذي بحدة عميقة، فأجبته : " وهل تغير الصلاةُ العالم؟ " فأجابني إجابة طيرت عقلي، وخلخلت أركانَ نفسي التي ظننت أنها مكينة.. "نعم الصلاة لا تغير العالم، ولكنها تغيرنا فنغير نحن العالم".. ولكني صارعت أثر الجملة المريعة.. ومضيت في غيِّي.
    مرت سنوات، عدت للمنزل.. وكان بيتنا لا مهادنة فيه بالنسبة للصلاة وفي المسجد، كان أبي يجعل من خروجه للمسجد طقسا ضوئيا، ووالدتي توقظنا للصلاة قبل أن يصدح الأذان.. جرْجرتُ نفسي وعدتُ للصلاة، ولكن مكابرتي كانت في الداخل. ..
    .. ويوماً مرضتُ.. وقال لي الطبيب : " آسف يا نجيب، ستموت لا محالة بعد تسعة أشهر "..
    كنت في مدينة تاكوما الساحلية بأمريكا، ورحتُ وحيدا إلى تلة خضراء، ورأيت المحيط الجبّارَ شاسعا أمامي.. ولا شيء إلا أنا والسماء والماء.. والموت، والحياة. وسألت نفسي هل أغيرُ شيئا؟". ورحت متأملا، والدموع تنفر فتغطي شساعة المحيط بسرابيةٍ مهيبةٍ مبهمة.. وفجأة، قفزت تلك العبارة إلى رأسي: " الصلاة تغيرنا، ونحن نغير العالم".. وبسرعة ذهبت إلى حيث أقيم وأبرقت لأستاذي تلك الجملة بلا مقدمات ولا خواتيم.. وردّ علي. " لقد استردك الله.. عش مطمئنا."
    أعظم صلاة أخذت بمجامعي كانت على ساحل الأطلسي في تاكوما الأمريكية.. وعرفت أن الله حق.. وعرفت ما معنى الحق.. وأن معناه النهائي في السماء لا في الأرض..
    ولم أمُتْ.. حتى الآن.



    Najeeb@sahar.com




    ______________________

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الردود
    1

    Smile

    هكذا يعلمنا الله!!!!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المكان
    بالسعودية (أيقونة قلب)
    الردود
    1,754
    رحلة تستحق التأمل ,

    و مقال استحق النقل بجدارة ..

    شكراً للأستاذ نجيب و شكراً لناقل المقال
    Ana la 9'agt be aldenya
    tjene 7alat estihbal

    (aygonat wa7ed yestahbil)

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    الردود
    7
    اولا هنيئا لك بالصلاة
    ومن هذه التجربة تجددت نية الصلاة فى انفسنا فجزاك الله خيرا وادام الله علينا نعمة الاسلام

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المكان
    KSA
    الردود
    26
    هناك...

    مقال رااااائع لأديب رااااائع... أما المضمون فهو الاروع

    زادنا الله خشوعا في الصلاة وتقربا ً منه
    (اللهم آمين)

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الردود
    34
    رائع ممتاز

    "ورحتُ وحيدا إلى تلة خضراء، ورأيت المحيط الجبّارَ شاسعا أمامي.. ولا شيء إلا أنا والسماء والماء.. والموت، والحياة. وسألت نفسي هل أغيرُ شيئا؟". ورحت متأملا، والدموع تنفر فتغطي شساعة المحيط بسرابيةٍ مهيبةٍ مبهمة."

    أحسنت
    صيد موفق
    تحيتي

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الردود
    5
    فعلا لا بد و أن ننهل أولا من معين شرعنا الصافي......

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    تائه لو لم يأوني سيدي
    الردود
    3
    اذا عانيت ظلام الليل وبرودة الوحدة أدركت نور الصبح و دفء المعية
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    402
    التدوينات
    1
    .."السرّ في الصلاة أنها لا تغير العالم. الصلاة تغيرنا نحن.. ونحن نغير العالم."

    جزاك الله ألف خير ..
    ولك كل النبل والأمتنان

    ساري

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    بدون مسخرة...
    الردود
    389
    وقفت هنا

    وقرأت هنا

    وما أجمل ما قرأت

    بوركتموا جميعا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الردود
    3
    بوركت اخي على هذه الاضاءة,,,,,

  12. #12
    استمتعت هنا.........

    بوركت الايادي

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الردود
    2

    salam

    بارك الله فيك اسلوب سلس وعدب يخاطب في أن واحد الروح و القلب

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    في الساخر
    الردود
    193

    حضارة حفظ العقول

    جميل جدآ...........

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    هنا
    الردود
    175
    السرّ في الصلاة أنها لا تغير العالم. الصلاة تغيرنا نحن.. ونحن نغير العالم."
    هزتنى تلك الجملة كثيرا
    رحلة رائعة لا بل هى الروعة فى حد ذاتها
    شكرا لك

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الردود
    2
    أحسنت الصلاة تغيرنا ونحن نغير العالم

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المكان
    في مقهى الشباب الضائع
    الردود
    176
    أقم صـلاتك تنعم حياتك ..


    محبك / فيصل الخلف ......
    حبّي لك أكبر من جميع التواصيف !

  18. #18
    .."السرّ في الصلاة أنها لا تغير العالم. الصلاة تغيرنا نحن.. ونحن نغير العالم."




    استمتعت هنا.........

    بوركت الايادي

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Feb 2008
    الردود
    1
    مقال رائع ...
    بوركت

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بعيد جداً
    الردود
    4,712
    جميل يا نجيب

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •