Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 26

الموضوع: الميتافيزيقا

  1. #1

    الميتافيزيقا

    منذ أن بدأ شهر الفلسفة وأنا وددت أن أكتب عن الميتافيزيقا وأهميتها في الفلسفة...
    من ساندها ومن نبذها...
    إلا أنه موضوع كبير جدا على شخص واحد فقط...
    لذا توجهت للمثالة الألمانية.
    إلا أن موضوع الميتافيزيقا مهم جدا, وفي كل مرة أتوقف لوضعه, إلا أني متأكد جدا من عدم إكماله في غضون هذه الأيام القليلة وتوضحها يحتاج الكثير من الوقت.
    ولعل أنانيتي أعمتني من حقيقة أننا فريق واحد في هذا المنتدى ومشاركة الكل فيه من المحتمل سيسهل من عمل الفرد الواحد كثرا, ولا أريد أن أجزم بعدم ذكرها في صفحات منتداكم, لكن لم أقرأ أي نبذة عنها وخصوصا نحن في سياق شرح للفلسفة, والميتافيزيقا كانت دوما مرتبطة بالفلسفة وكما يقول أرسطو "الفلسفة الأولى".
    ويجب أن أوضح هنا مرة أخرى عن قصوري لتغطية الموضوع كاملا, فأنا "متوهق" مع موضوع المثالة الألمانية كما تعرفون .
    لذا سأكون ممتنا جدا لمشاركة الجميع في المساهمة في هذا الموضوع القيم كما أراه.
    وبما أن سيتم تخصيص شهر للفلسفة الإسلامية ستم تغطية جانب الميتافيزيقا لدى فلاسفة المسلمين في ذاك الشهر.

    سأبدأ أولا بشرح عام لها...

    والله المستعان.

    دمتم بكل ود

  2. #2
    "الميتافيزيقا" أطلقت هذه الكلمة بداية على مجموعة بحوث (أو مقالات) أرسطية كتبت باللغة اليونانية في عدة كتب (أي فصول), فقد قام أندرونيقوس الردوسي بتصنيف كتب أرسطو وترتيبها ونشرحها مع العمل على شرحها, وأثناء ذلك وجد أن هنالك مجموعة من البحوث لم يطلق عليها أرسطو اسما معينا يستقر عليه جاءت في الترتيب بعد البحوث التي كتبها أرسطو في الطبيعة (الفيزيقا), احتار أندرونيقوس على تسميتها, فأطلق عليها مؤقتا اسم ميتا Meta أي ما بعد, وفيزيقا Physics أي علم الطبيعة, أي أنها البحوث التي تلي كتب الطبيعة في ترتيب المؤلفات الأرسطية. فكلمة "ميتافيزيقا" لا تحمل أي إشارة إلى مضمون هذه البحوث, بل هي ما بعد طبيعة أرسطو فحسب. وهكذا جاءت التسمية عرضا أو مصادفة, لكنها مع تطور المصطلح أصبحت وصفا للموضوعات التي يدرسها هذا العلم, أي العلم الذي يدرس موضوعات تجاوز الظواهر المحسوسة, فهو يعني دراسة الوجود بصفة عامة وملحقاته. أي المقولات التي تعبر عن خصائص أساسية لهذا الوجود, كالجوهر والعرض والتغير والزمان والمكان والعلاقات... إلخ. بالإضافة إلى الوجود الإلهي, وصفاته والنفس والروح.
    أصبحت الميتافيزيقا اسم ل"علم" لا لكتاب بالمعنى الواسع الذي يدل على مجموعة من الأفكار المنظمة والمنسقة التي تدور حول موضوع معين. ويمكننا القول بأن الميتافيزيقا أصبحت أيضا اسما للعلم الذي يبحث عن الأسس أو الأفكار الأولى في أي علم آخر.
    يرى أرسطو أن الميتافيزيقا "الفلسفة الأولى" هي علم المبادئ الأولى والعلل البعيدة التي تشمل جميع المبادئ الأخرى, فهي أكثر وأشمل العلوم وأكثرها يقينا وتجريدا, فضلا على أنها أشرف العلوم لأنها موضوعها النهائي العلة الأولى أو المبدأ الأول وهو أشرف الموضوعات.. الخالق.
    ليس من السهل تعريف الميتافيزيقا وبيان طبيعتها وتحديد مجالها وموضوعاتها وربما كان لسببين:
    الفلاسفة أنفسهم, فالآراء هنا لا تتوخى القصد والاعتدال على الإطلاق, بل تذهب إلى حد موغل في التطرف والتضارب, سواء في القدح أو المدح, الهجاء أو الثناء. فيذهب مثلا وليم جيمس إلى أن " الفيلسوف الميتافيزيقي أشبه بالأعمى, الذي يبحث في حجرة مظلمة, عن قطة سوداء" وهذه العبارة عن مغالاة في الازدراء, والمقصود منها إبراز العبثية واللاجدوى من التفكير الميتافيزيقي بصفة عامة. وهذه النظرة كانت سائدة في القرن الثامن عشر فهاجمها فولتير "إذا رأيت اثنين يتناقشان في موضوع ما, ولا فهم أحدهما الآخر, فأعلم أنهما يتناقشان في الميتافيزيقا". ومع ذلك نجد في نفس العصر فلاسفة ينفون عن نفسهم تهمة تحقير الميتافيزيقا مثل كانط والذي يقول في رسالته إلى مندلسون "إنني أبعد ما أكون عن النظر إلى الميتافيزيقا على أنها شيء تافه يمكن الاستغناء عنه, لدرجة أنني مقتنع تماما بأن الوجود الحق الدائم للجنس البشري لا يقوم إلا عليها ولا يكون إلا بها". فيصفها ب"ملكة العلوم" و "طفلنا المدلل" ويصفها أيضا هيجل ب"قدس الأقداس" في معبد الفكر. ولا أريد التعمق أكثر بآراء الفلاسفة, فهي كثيرة, ولن يسعنا الوقت لذكرها.
    السبب الثاني يكمن في, بساطة المشكلة الميتافيزيقية, يقول الفيلسوف الأفلاطوني المعاصر ألفرد إدوارد تايلور "إذا كان من الصعب, عادة, أن تضع أمام القارئ المبتدئ فكرة تمهيدية عن طبيعة الدراسة التي هو مقبل عليها, فإن هذه الصعوبة تزداد, وبصفة خاصة, في حالة البحوث التي يطلق عليها في العادة اسم الميتافيزيقا... ذلك لأن المسائل التي تعالجها هذه البحوث هي في الواقع من ذلك النوع البسيط المألوف بصفة عامة, غير أن بساطتها وعموميتها هي نفسها التي تؤلف هذه الصعوبة الرئيسية في تعريفها..."
    فعندما يسأل إنسان نفسه ماذا أكون؟ من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟... إلخ يجد نفسه بسهولة شددة في قلب الميتافيزيقا. ولابد لهذه الأسئلة من طرح المزيد من الأسئلة عن طبيعة الوجود وعن خصائصه وسماته ولواحقه (أو ما يسمى بالصفات الكلية أو المقولات). فموضوعات الميتافيزيقا ليست غريبة عننا يصعب الوصول إليها, بل على العكس تماما فهي قريبة ومألوفة جدا ولهذا هي صعبة. ونعجب عادة من دراسة أناس عكفوا طويلا لسنوات على دراسة على سبيل المثال "الزمان", قد تجد أنك لا تصادف أي صعوبة في معرفة "الوقت" وذلك من خلال النظر لساعتك, لكن لو تم سؤالك, ما الزمان؟ ومن أين جاءت معرفتك له؟ أصبح الأمر صعبا, ولا تعجب عندما تعلم بأن عقول ممتازة ظلت تبحث في هذا الموضوع وكذلك المكان لأكثر من ألفي العام من "زينون لأيلي" في القرن السادس قبل الميلاد حتى "آينشتين" في القرن العشرين!.
    فإذا كان هناك اقتناع عام بأن كل علم إذا أراد أن يكون شيئا أكثر من مجرد مناقشات لفظية, ولابد أن يكون له موضوع محدد يدور حوله البحث, فليس من السهل علينا أبدا أن نقول ما هو هذا الموضوع المحدد التي تبحثه الميتافيزيقا على وجه الدقة. صحيح أن الميتافيزيقا تبحث بمعنى عام في كل شيء وانه من الصواب لو قلنا اننا لا نستطيع أن نحدد فئات معينة من الأشياء, إلا أننا ينبغي أن نعرف أن الميتافيزيقا تؤثر في جميع ضروب المعرفة وتتغلغل في جميع العلوم الجزئية, بل لابد أن تكون هي نفسها موضوع بحث مستقل. (وهذا ما سأقدمه إن شاء الله إن أسعفني الوقت وهو المقارنة بين الميتافيزيقا والمنطق).
    إن جميع النتائج التي نصل إليها لابد أن تكون نتيجة لمجهود الفكر وحدة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة, أي نتيجة لتحليل عقلي جاف ودقيق للأفكار, وهكذا تقف الميتافيزيقا وحدها وسط العلوم أو قل: إنها تقف وحدها مع المنطق, حين تعتمد على قدرة الباحث على مواصلة التفكير الشاق المستمر, ولعل هذا هو السبب في أن كثيرين ممن لديهم قدرات ممتازة على العمل في حقل العلوم التجريبية قد يعجزون عن السير في الدراسات الميتافيزيقية, وبالمثل فإن القدرة الميتافيزيقية الممتازة قد لا تمكن صاحبها من الحكم حكما سليما على نتائج العلوم الأخرى ومناهجها.
    هناك أيضا مصدران للغموض لابد من ذكرهما لأنهما يشكلان عقبة كبرى أمام بعض الدارسين لعلم الميتافيزيقا: وهي عدم قدرة الدارس على الاستعانة بالتخيل ولا بالأشكال والرسوم البيانية ذات النفع الكبير في كثير من أفرع الرياضيات وكذلك نحن بطبيعة المشكلة نفسها لا نستمد العون من التجربة الحسية, ذلك لأن التفكير الميتافيزيقي تفكير عقلي أو قبليApriori (أي قبل التجربة), أي أنه يعتمد على منهج العقل وحده وقد يعتمد أحيانا على الحدس أو نور العقلي الطبيعي, وتستخدم الميتافيزيقا المنطق, كما تستخدم المنطق, كما تستخدم التفكير الرياضي على نحو بالغ الوضوح, فضلا على أنها تقوم بتوضيح تصورات ومفاهيم فلسفية تشكل أسس العلم, وتضع ذلك كله في نظرية نسقية (أو نسق استنباطي) ولا تقدمه على أنه مجموعة من الآراء العشوائية.

    ___________________________________
    *مصدري هو كتاب "مدخل إلى الميتافيزيقا" ل أ. د. إمام عبدالفتاح إمام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    بجاور الزنزانة المجاورة
    الردود
    235
    الفيلسوف الميتافيزيقي أشبه بالأعمى, الذي يبحث في حجرة مظلمة, عن قطة سوداء"

    أثــارت إعجابي هذه المقولة لــ وليم جيمس ...

    هذه كل من ألحد وأطلق العنان لفكره سواء كان ميتافيزقي أو غيره ....

    [COLOR="Purple"] الحمد لله على نعمت الإيمان والإسلام .... نور على نور[/ COLOR]

    أشكرك على هذا الجهد الرائع .... أتمنى لك المزيد من الثقة في كتابتك

  4. #4
    زنزانة الفكر...
    أشكر لك وجودك هنا...
    أحببت أن أعقب على كلماتك...
    علم الميتافيزيقا لا يدعو إلى الإلحاد بل إلى فهم العالم, ليس عن طريق الحواس, بل العقل. لو لاحظنا الفلاسفة الملحدين أمثال الماديين (الماركسية) كانوا يحطون من قيمتها, ويصفونها بأنها عبث لا فائدة منه. وأنا إلى الآن لم أقرأ لفيلسوف ميتافيزيقي "ملحد"...
    مرة أخرى شكرا, الثقة موجودة, لكن الوقت محدود

    دمت بود.

  5. #5
    منذ البداية كانت الميتافيزيقا أنطولوجية, واستمرت على ذلك منذ الفلسفة الونانية مع أرسطو حتى تغير في العصر الحديث والعصر التنوير. فقد امتد مجال الميتافيزيقا ليشمل مجال الابستمولوجيا (نظرة المعرفة). فقد اهتمت هذه الفلسفة عند توماس هوبز, الأسقف باركلي, جون لوك وديكارت, وفي عصر التنوير عند ديفيد هيوم ثم عند كانط. فقد وضع هؤلاء الفلاسفة اسئلة تتعلق بمشكلة المعرفة, ماهي مصادر المعرفة؟ أهي الحواس أم العقل أم الجمع بينهما, أم هي حاسة سادسة تسمى بالحدس أو(العيان المباشر)؟ وهل تستطيع قدراتنا وملكاتنا أن تعرف كل شيء؟ أم أن هناك أمورا تجاوز هذه القدرات بحيث يستحيل علينا أن نعرفها؟ وماهي طبيعة المعرفة البشرية العارفة, أعني ما النسيج الذي تتألف منه؟ ... إلخ.
    ذهب الفلاسفة المحدثون إلى أن دراسة هذه المشكلة مسألة جوهرية حتى لدراسة الوجود نفسه وفهمه فهما عميقا وشاملا, إذ إن علينا كما يقول كانط أن نفحص ملكة المعرفة قبل أن نبحث في الوجود الحقيقي للأشياء, إذ "علينا أن نفحص الأداة قبل أن نعهد إليها بالعمل, فننظر فيما إذا كانت قادرة على القيام بعملية المعرفة أم لا...". ويدلنا على الوجود هي الارتباطات القوية التي بين الأنطولوجيا (الوجود) والإبستمولوجيا (المعرفة) وذلك لأن البحث في الطبيعة الحقيقية للأشياء يستلزم البحث في قدرتنا على معرفة هذه الأشياء, ولما كانت قوى الإدراك البشري, سواء كان الحواس أم العقل, تتجه في بداية الأمر إلى العالم الخارجي الذي تقتضي حياة الإنسان أن يلائم بينه وبين نفسه, فقد نشأ البحث في الوجود (الأنطولوجيا) قبل البحث في المعرفة (الإبستمولوجيا) - وعندما فرغ الإنسان التأمل في الموجودات, أخذ يتأمل ذاته وقدراته وملكاته محاولا الكشف عن أسرارها, وعلى هذا النحو كان ظهور مبحث الوجود سابقا على مبحث المعرفة, لكنهما معا مبحثان ميتافيزقيان.
    هناك اعتقدات في العصر الحديث على قيام ميتافيزيقا لا (أنطولوجيا) على نحو ما فعل الفلسوف الإنجليزي المعاصر كولنجوود, الذي أراد أن يجعل الميتافزيقا دراسة للافتراضات السابقة. على اعتبار أن الإنسان عندما يعبر عن فكرة في جملة معينة, فإنه يجد عدد كبير من الأفكار في رأسه أكثر مما تعبر عنه الجملة التي نطق بها. وهي أفكار يمكن أن يسبق بعضها البعض وإن كانت الأسبقية هنا منطقية لا زمنية.
    ويجب أن نعرف بأن معنى الأنطولوجيا قد تغير في الفلسفة المعاصرة, لم يعد الوجود بصفة عامة Being أو دراسة للخصائص الكلية للوجود لأو المقولات التي هي لواحق للوجود. بل أصبحت كلمة الوجود الفعلي Existence, عند الفلسفة الوجودية التي اشتق اسمها منه, تعني أساسا الوجود العيني الفريد Unique لشخصية الموجود البشري الفرد, فهم لا يهتمون بالوجود الخارجي إلا من منظور إنساني, أي منظور وجود الذات البشرية بين غيرها من الموجودات البشرية التي هي الوجود العيني على الأصالة, مثل خاصية العلو والحرية والتفرد وغيرها.
    وعلى هذا النحو يتسع مجال البحث الميتافيزيقي شيئا فشيئا كلما تطور تاريخ الوعي البشري, ومن هنا تنوعت أيضا الموضوعات التي تدرسها الميتافيزيقا. فقد ارتد الوعي البشري إلى نفسه بعد أن اهتم بالوجود الخارجي وبدأ ينشغل بمشكلات إنسانية خالصة, منها مثلا "مشكلة الحياة" نفسها فتساءل الإنسان: لماذا أعيش؟ وما معنى الحياة؟ وهل تستحق أن تعاش الحياة بكل ما فيها من ألم وعذاب ومعاناة؟ فقد يقال أن الحياة واقعة وليس علينا سوى أن نتقبلها, كما قال الفيلسوف الفرنسي باسكال "لقد أبحرت بنا السفينة, وليس في وسعنا سوى أن نمضي!". وقد يسأل, لم يسألنا أحد قبل أن نوجد, هل نريد هذا الوجود أم لا؟ وإن أردنا في أي عصر سنكون؟ وفي أي ثقافة؟ وهذا ما عبر عنه شاعرنا عمر الخيام بقوله:
    لبستُ ثوب العيش لم أُستشر

    وحرتُ فيه بين شتى الفِكَر

    وهذه وجهة نظر ميتافيزيقية انشغلت بها الفلسفة الوجودية المعاصر, وعبر عنها واحد من فلاسفتها "كارل ياسبرز" فيما أطلق عليه اسم "المواقف الحدية" التي تعتبر حدا لقدرات الإنسان لا يستطيع التغلب عليها, واعتبر اللحظة التاريخية التي يوجد فيها الإنسان الفرد موقفا حديا يخرج عن دائرة قدراته, وكما ذكرنا سابقا تعبير باسكال عنها بوصفه أننا وجدنا على هذا النحو الذي لا دخل لنا فيه, وليس بوسعنا أن نعمل سوى مواصلة الحياة. هل هذا يعني أن المنتحر يعرف قيمة الحياة؟ أي يعلق عليها من الأهمية أكثر مما تستحق, وتنازله عن الحياة لأنها لم تجيء كما يطلبها؟ أي أنه يحب الحياة أكثر من اللازم فيفضل الموت على حياة لا تكون من الخصب والإمتلاء بحيث تستحق أن تعاش!من هذا المنطلق لا يكون الانتحار دليلا على تفاهة الحياة, بل فيه اعترافا ضمنيا بقيمة الحياة, وإلا لما أقدم على المنتحر على التخلص من الحياة لمجرد أنها لم تحقق له كل ما يهدف إليه "أسباب البقاء".
    وبقد عبر رائد الوجودية "سرن كيركيغورد" عن هذه الفكرة الميتافيزيقية نفسها في عبارة أكثر تعقيدا بقوله:
    "أنا أعزُ الوجود بإصبعي فلا تفوح منه سوى رائحة العدم. أين أنا؟ ماهو هذا الشيء الذي أسميه العالم؟ وما الذي أغراني بهذا الشيء وتركني الآن هنا؟ كيف جئت إلى هذا العالم؟ لماذا لم أُستشر؟ لماذا لم أتصل اتصالا مباشرا بعاداته وتقاليده, بل قذف بي في قلبه كما لو كنتُ قد جيء بي من عند تاجر رقيق...؟".

    وكما اهتمت الميتافيزيقا بالحياة اهتمت كذلك بالموت وربما على نحو أكثر حدة, وذلك لما يثيره الموت من مفارقات وتناقضات:
    فطبيعة الموت هي الكلية المطلقة, فجميع البشر فانون ((كل نفس ذائقة الموت)).
    ولهذا قيل: إن الموت يتبع مع الجميع سياسة ديمقراطية تقوم على المساواة المطلقة إن صح التعبير. فهو لا يعرف التمييز بين العباقرة والجهلة, بين الشيخ والصغير, أخيار وأشرار... إلخ. ورغم طابعه الكلي يحمل طابع الشخصية الجزئية المطلق أيضا, وذلك لأن الموت فردي وشخصي وخاص, فكل واحد منا لابد أن يموت وحده, ولابد أن يموت هو نفسه ولا يمكن أن يموت أحد نيابة عن عيره أو بدلا منه.
    ومن الطبيعة المتناقضة للموت يجمع بين "اليقين وعدم اليقين" فأنا أعرف بالضرورة أنني سأموت, ولكني لأعرف مطلقا متى سيكون ذلك وأين, كما قال الفيلسوف الفرنسي باسكال "إن كل ما أعرفه هو أنه لابد لي أن أموت عما قريب, ولكني لأجهل شيئا قدر ما أجهل هذا الموت الذي ليس لي عليه يدان"!.. فأنا على يقين
    من شيء واحد فحسب هو ((فإذا جاء أجلُهُم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)).
    والموت أيضا "حد" أو "نهاية". غير أن هذه الطبيعة نفسها تلقي بنا, بالضرورة, إلى ما وراء هذا الحد, فقدر كبير من دراسات الموت طوال التاريخ كان يوجه في الحقيقة لدراسة ما بعد الموت, وهذا هو السبب في أن مشكلة الموت تحولت بعد ذلك إلى دراسة موضوع الخلود..
    ويرتبط الموت أيضا "بالخلق من العدم" ومن هنا كانت الحياة بسبب أنها مخلوقة مرتبطة بالموت, وكان الوجود لأنه خلق من العدم يحوي في جوفه حياة يكمن في الموت في جوفها. وموت الإنسان وفناءه لا يأتي من الخارج بل من داخله,فخلاياه, كما أنها تحمل الحياة, تحمل الموت أيضا,يقول هيجل: "إننا أحيانا نقول: إن الإنسان فانٍ, ونظن سبب فنائه يأتي من الظروف الخارجية, غير أن ذلك خطأ شائع, إذ لو صح ذلك لكان للإنسان خاصيتان منفصلتان: خاصية الحياة وخاصية الفناء, أما النظرة الصحيحة فه تلك التي ترى أن الحياة بما هي كذلك تحمل في طياتها جرثومة الموت, وأن المتناهى يناقض نفسه ويتضمن إلغاء ذاته...".

    وهكذا نجد أن الميتافيزيقا في موضوعاتها ومشكلاتها لم تقف جامدة طوال تاريخها, بل كانت تتغير, وتظهر مشكلات جديدة وفقا لكل عصر.

    في المرة قادمة - إن شاء الله - نتابع "التقسيم التقليدي للميتافيزيقا".

    دمتم...

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    العودة إلى الميتافيزيقا

    تحية أخوية
    مشكور على الموضوع الجاد الذي أنت بصدد طرحه، وبحسب قراءتي الإبتدائية له، أظن أنك تريد التعرض بالتتبع والتقصي لأحد أهم الموضوعات، فأهميته لا تكمن في الناحية الفلسفية فقط، كون الميتافيزيقاأصبحت تتعدى الفلسفة إلى العلوم المادية، وبحسب طبيعة تكويني -الفيزياء النظرية: الحقول والجسيمات-، وقفت في العديد من المرات على تلك المواضيع التي تصل إلى طريق مسدود في نظر علماء المادة الأمر الذي يوقعنا في حيرة، ما جعل الفيزياء(الطبيعة)بصبغتها الحالية تقف في منعرج خطير يكاد يعصف بمصداقيتها.
    من بين هذه المواضيع التي تقض مضاجع الفيزيائيين اليوم مثلا: مسألة عدم التحديد في ميكانيك الكم، نسبية الزمان، مسألة أولية الجسيمات،العطالة، الفراغ،الكتلة......، هذه المسائل العالقة التي لم نعد نجد أجوبة لها في ظل المنهجية الحالية لهذالعلم-الفيزياء- جعلت بعض الفيزيائيين الكبار اليوم يلجؤون إلى منهجية جديدة في النظر إلى بعض الظواهر وتأسيس تصورات جديدة تأخذ طابعا يميل إلى الميتافيزيقا عن الفيزيقا.
    ما هي النتيجة: طبعا الصدام مع التصورات والمفاهيم السائدة اليوم في هذا العلم -يرى البعض من الميتافيزيقيين الجدد بأن الفيزياء اليوم في المزبلة- وبالتالي الصدام مع المجتمع العلمي، فأصبح يطلق على هذه الفئة من الفيزيائيين:"الميتافيزيقيين الجدد"، وصارت لهم اليوم ندواتهم ومؤتمراتهم....

  7. #7
    أعذروني اليوم, فأنا لا أملك القوة ولا تفكير صافيٍ يؤهلني لإضافة شيء اليوم...
    سأكتفي فقط بالردود...
    ----------------
    فارس الجزائري...
    أولا وقبل كل شيء أشكر حضورك الرائع هنا.. يبدو أنك على معرفة طيبة في الفيزياء (الفيزيقا), وهذا فعلا ما نحتاجه في موضوعنا عن الميتافيزيقا.
    أذكر مرة قرأت فيها منذ زمن لستيفن هوكينج, يشرح بأحرف قليلة عن أهمية الفلاسفة في البحث العلمي عن الكون ونظرياته, فبعد خصخصة العلوم الجزئئة وتوسعها أصبح صعبا على الفلاسفة الإلمام بها كلها كما في السابق. مما أدى لتوجههم نحو الإنسان وعلاقته بالكون (الوجودية), وهذا بدأ تأثيره الآن, فمثلما تفضلت وصل العلماء لطرق مسدودة لاعتمادهم على المنهج العلمي فقط, واستبعاد الميتافيزيقا, وهو ما جعل ستيفن هوكنج يدعو إلى توحيد النظريات, وتبسيطها بشكل يفهمها الفلاسفة, ومن ثم ينطلقون في بحوثهم عن فهم الكون.
    وبشكل مبسط عن أولية الأجسام...
    ذهاب العلماء بداية بأن المادة تنحل إلى ذرات, وهي أبسط شيء ترتد إليه المادة, (لا نقصد ببحوث الفيلسوف الاغريقي ديمقريطس في المدرسة الذرية, إنما نقصد التطور العلمي الذي بدأ على يد الكيميائي الإنجليزي جون دلتون), وبعد تطور البحوث تم اكتشاف ان الذرات مكونة من الكترونات وبروتونات, لا أذكر هل هناك شيء آخر أم لا , ومن ثم أصبحت الذرة مصدرا للطاقة, واصبح للبروتون والالكترون طاقة, ثم تحولت طاقة ضوئة ثم إلى موجات, ومع استمرار البحوث تم اكتشاف أن الموجات يمكن تحللها على أنها حوادث Events. ولكن النتيجة الغريبة التي قذفت بالعلماء في أحضان الميتافيزيقا هي التي انتهى إليها العلماء بأننا نجهل حقيقة الأشياء, ولا نعلم منها إلا ظاهرها فحسب, وهذه النتيجة توصل إليها علماء الكوانتم وكثير من علماء النسبية.

    لا أريد أن أطيل في الموضوع لكن من المهم شرح اسسهم لهذه النتيجة:
    -قالوا إن العالم الذي ندرسه لا يتطابق مع العالم المادي الخارجي.
    -والعالم الذي ندرسه يكشف لنا في نهاية المطاف أن المادة قد تحولت إلى مجموعة من الصيغ والمعادلات الرياضية لا علاقة لها بالمادة التي نعرفها ونتعامل معها في حياتنا اليومية.
    -وجدوا العلماء أنفسهم في مفارقة, لقد بدأت بحوثهم بالتجربة لكنهم انتهوا إلى موقف فلسفي خالص لا يمكن إنكاره, ومن هنا ثار أربيان أحد علماء الكيمياء المعاصرين, ولم يتردد في أن ينكر أبدية المناهج, وعنده لا يوجد منهج للبحث قط لا ينتهي بأن يفقد خصوبته الأولى. فسوف تأتي ساعة يرفض فيها المرء أن يبحث فيها عن الجديد بواسطة القديم, ساعة لا تستطيع الروح العلمية أن تتقدم إلا إذا اخترعت مناهج جديدة.
    هل من الممكن ماقصدته أخي فارس الجزائري هو ماقصده أربيان نفسه؟ "الميتافيزيقيين الجدد"؟!.

    نهايةً أضفت هذا الكم...
    يبدو أنا الميتافيزيقا تشدنا إليها بشكل أو بآخر...

    دمتم بود.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    بجاور الزنزانة المجاورة
    الردود
    235
    شكراً على التوضيح .....

  9. #9
    أهلا بك في أي وقت

    دمت بود.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    العودة إلى الميتافيزيقا دائما

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Thinghood عرض المشاركة
    أعذروني اليوم, فأنا لا أملك القوة ولا تفكير صافيٍ يؤهلني لإضافة شيء اليوم...
    سأكتفي فقط بالردود...
    ----------------
    فارس الجزائري...
    أولا وقبل كل شيء أشكر حضورك الرائع هنا.. يبدو أنك على معرفة طيبة في الفيزياء (الفيزيقا), وهذا فعلا ما نحتاجه في موضوعنا عن الميتافيزيقا.
    أذكر مرة قرأت فيها منذ زمن لستيفن هوكينج, يشرح بأحرف قليلة عن أهمية الفلاسفة في البحث العلمي عن الكون ونظرياته, فبعد خصخصة العلوم الجزئئة وتوسعها أصبح صعبا على الفلاسفة الإلمام بها كلها كما في السابق. مما أدى لتوجههم نحو الإنسان وعلاقته بالكون (الوجودية), وهذا بدأ تأثيره الآن, فمثلما تفضلت وصل العلماء لطرق مسدودة لاعتمادهم على المنهج العلمي فقط, واستبعاد الميتافيزيقا, وهو ما جعل ستيفن هوكنج يدعو إلى توحيد النظريات, وتبسيطها بشكل يفهمها الفلاسفة, ومن ثم ينطلقون في بحوثهم عن فهم الكون.
    وبشكل مبسط عن أولية الأجسام...
    ذهاب العلماء بداية بأن المادة تنحل إلى ذرات, وهي أبسط شيء ترتد إليه المادة, (لا نقصد ببحوث الفيلسوف الاغريقي ديمقريطس في المدرسة الذرية, إنما نقصد التطور العلمي الذي بدأ على يد الكيميائي الإنجليزي جون دلتون), وبعد تطور البحوث تم اكتشاف ان الذرات مكونة من الكترونات وبروتونات, لا أذكر هل هناك شيء آخر أم لا , ومن ثم أصبحت الذرة مصدرا للطاقة, واصبح للبروتون والالكترون طاقة, ثم تحولت طاقة ضوئة ثم إلى موجات, ومع استمرار البحوث تم اكتشاف أن الموجات يمكن تحللها على أنها حوادث Events. ولكن النتيجة الغريبة التي قذفت بالعلماء في أحضان الميتافيزيقا هي التي انتهى إليها العلماءبأننا نجهل حقيقة الأشياء, ولا نعلم منها إلا ظاهرها فحسب, وهذه النتيجة توصل إليها علماء الكوانتم وكثير من علماء النسبية.

    لا أريد أن أطيل في الموضوع لكن من المهم شرح اسسهم لهذه النتيجة:
    -قالوا إن العالم الذي ندرسه لا يتطابق مع العالم المادي الخارجي.
    -والعالم الذي ندرسه يكشف لنا في نهاية المطاف أن المادة قد تحولت إلى مجموعة من الصيغ والمعادلات الرياضية لا علاقة لها بالمادة التي نعرفها ونتعامل معها في حياتنا اليومية.
    -وجدوا العلماء أنفسهم في مفارقة, لقد بدأت بحوثهم بالتجربة لكنهم انتهوا إلى موقف فلسفي خالص لا يمكن إنكاره, ومن هنا ثار أربيان أحد علماء الكيمياء المعاصرين, ولم يتردد في أن ينكر أبدية المناهج, وعنده لا يوجد منهج للبحث قط لا ينتهي بأن يفقد خصوبته الأولى. فسوف تأتي ساعة يرفض فيها المرء أن يبحث فيها عن الجديد بواسطة القديم, ساعة لا تستطيع الروح العلمية أن تتقدم إلا إذا اخترعت مناهج جديدة.
    هل من الممكن ماقصدته أخي فارس الجزائري هو ماقصده أربيان نفسه؟ "الميتافيزيقيين الجدد"؟!.

    نهايةً أضفت هذا الكم...
    يبدو أنا الميتافيزيقا تشدنا إليها بشكل أو بآخر...

    دمتم بود.
    شكرا يا شيخ الفلاسفة
    بصراحة موضوعك وردودك تستفزني.....
    كما قال الشاعر: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
    تستفزني للحديث عن الفيزياء الجديدة
    فالفيزياء اليوم وصلت إلى طريق مغلق وتدريسها كذلك، منذ أيام سألتني إحدى الطالبات، فوقعت في حرج كبير.....؟؟؟
    ما السبب يا ترى؟
    أبدأ بتعريف العلم: العلم بالشيئ هو إدراك الشيئ على حقيقته بحيث لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه.
    هنا نطرح السؤال: كيف ندرك حقيقة الأشياء؟ وماهي الأشياء؟
    ما ذا تدرس الفيزيقا؟
    إذا نقع في مشكلة المنهج، ماهو المنهج المناسب لدراسة الفيزياء؟
    قبل ذلك: كيف نصنف الفيزيقا بحسب أسسها المنطقية؟
    أظن أن الإشكال يقع هنا.
    يا أستاذ استسمحك كما قلت ، فأنا لا أستطيع الحديث وانا مستفز، لذلك أعدك بالعودة لما يزول هذا الشعور .
    شكرا
    أعدك بالعودة.

  11. #11
    ما أمتع التصفح هذا المنتدى السوبر رائع , وما أقصى سعادتي وأنا أقرأ هذا الموضوع الشيق
    الذي لطالما جذب اهتمامي .
    الاستاذ thinghood : أشكرك على تنويرنا بهذا الموضوع الرائع . انت لا تدري مدى سعادتي وأنا أقرأ موضاعاتك بنهم شديد .
    أكرر شكري الجزيل لك .... وأنتظر المزيد المزيد

    تحياتي للجميع

  12. #12
    شيخ الفلاسفة؟
    أعتقد أن هذا المسمى أكبر من حجمي

    أحب أن أوضح نقطة مهمة قد سبق وان تحدثت عنها في موضوع ((قصة الفلسفة)), الفرق بين مسمى العلم في العلوم الجزئية والعلم في الميتافيزيقا, العلم في الأول يقصد به شيء محدد وفي مجال معين, بينما (علم) الميتافيزيقا فهو أبعد من ذلك, هو مشابه لحد كبير لمفهوم كلمة (المعرفة), أي هو أعم وأكير من العلوم الجزئية فهو يشملها.

    أما بخصوص (الفيزيقا) أيها الصديق, ما يهمنا هنا في هذا الموضوع هو ترابطها بالميتافيزيقا... أعني أن الفيزيقا هو علم الظواهر, وهذا العلم كيف سيساعدنا في معرفة الجزء الآخر من العالم, (الباطن) أو الخفي؟
    يجب أن نركز حول هذه النقطة.

    أنتظر تواجدك أخي بفارغ الصبر

    دمت بود...


    -----------
    thePRODIGY

    أهلا بك هنا, ننتظر تفاعلك معنا

    دمت...

  13. #13
    التقسيم التقليدي للميتافيزيقا

    اهتم كريستيان فولف (وهو من كبار فلاسفة التنوير في ألمانيا) بتقسيم الميتافيزيقا وجعلها على أربعة أقسام:

    1- الإنطولوجيا أو نظرية الوجود.
    2- الكسمولوجيا أو الكونيات.
    3- السيكولوجيا أو علم النفس العقلي.
    4- اللاهوت الطبيعي.
    وهذا شرح بسيط لها...


    1- الإنطولوجيا (علم الوجود) :

    ظلت الإنطولوجيا قسما رئيسيا من أقسام الميتافيزيقا لا سيما طوال العصور الوسطى؛ مسحية وإسلامية على السواء, ثم تحولت في العصور الحديثة إلى دراسة الإبستمولوجيا كما نعرف عند ديكارت وكانط وغيرهما. وهناك ارتباط بين الإنطولوجيا والإبستمولوجيا, وذلك لأن دراسة الخصائص العامة للوجود تعني أضا معرفتنا بهذه الخصائص, فمن هنا اتحدت المعرفة والوجود اتحادا ضروريا في مذهب هيجل, وأصبحت كل مقولة أنطولوجية تمثل خاصية للوجود ودرجة من درجات المعرفة في الوقت نفسه.
    ولا شك أن الفلسفة الوجودية المعاصرة قد أضافت الكثير من المعاني الجديدة عن كلمة الوجود, فهيدجر مثلا يستخدم مصطلح "الوجود المتعين" ليشير بذلك إلى اللون من الوجود الذي يتمثل في الإنسان, فهو عنده مصطلح أنطولوجي يشير إلى الإنسان من زاوية وجوده. وسارتر يستخدم مصطلحين للوجود هما "الوجود في ذاته" و "الوجود لأجل ذاته". أما الأول فهو يشير إلى الموجودات المادية الصماء المغلقة على نفسها, والتي لا تتطور وتظل هي هي باستمرار, أم الآخر فهو الوجود البشري - وجود الإنسان الفرد Existence الذي يظهر في الوجود, أو ينبثق بأن "يفصل نفسه" عما هو في ذاته, ومن ثم يكون حرا في اختيار ماهيته؛ لأن وجوده هو حريته؛ ولهذا كان الوجود في حالة الإنسان أسبق من الماهية التي يصنعها بأفعاله الحره على عكس الوجود في ذاته التي تتفق فيه الماهية مع الوجود.

    2- السيكولوجيا:

    يهتم أساسا بدراسة النفس البشرية: هل هي بسيطة أم مركبة؟ وهل هي نفس واحدة أم هناك عدة أنفس؟ وما الفرق بين الروح Spirit وبين النفس Soul؟ وما علاقة النفس بالبدن؟ ... إلخ.
    وموضوع النفس مرتبط بموضوع آخر وهو "حرية الإرادة" ومر هذا الموضوع بمراحل مع التطور الفلسفي, فكان الموضوع في صورته الأولى, مشكلة لاهوتية, أي كيف نوفق بين وجود إله قادر على كل شيء, عالم بكل شيء من ناحية, وبين حرية الإنسان الفرد المسؤول أخلاقيا من ناحية أخرى؟, فالله قادر على كل شيء وقدر لكل شيء قدره وحدد مساره, ثم هو من ناحية أخرى يحاسب الإنسان, فيثاب ويعاقب على أعماله المقدرة سلفا, وهذه المشكلة, مشكلة الجبر والاختيار التي ظهرت في جميع الفلسفات الدينية؛ إسلامية ومسيحية, اهتم بها الفلاسفة اهتماما كبيرا فقدموا لها الكثير من الحلول والنظريات.
    ثم تحولت المشكلة في المرحلة الثانية من التطور الفكري إلى مشكلة ميتافيزيقية بصفة خاصة, أي كيف نوفق بين الحرية الأخلاقية وبين السببية وعمومية القانون وشموله؟

    وأصبحت في العصور الحديثة بعد أن سلم العلم بنظرية التطور أمثر دقة وأكثر عمقا - مشكلة الحياة نفسها, فهل الحياة حصيلة لعدة عوامل من الممكن حسابها رياضيا والتنبؤ بها بدقة, أما أنها حدث جديد في مجرى التطور؟...

    3 الكسمولوجيا (الكونيات) :
    وموضوعاتها معروفة لدينا, من ظهور الكون والبنية التي يتألف منها, ثم ماهي طبيعة المكان, وما طبيعة الزمان؟ وكيف ظهرت البدايات الأولى على الأرض؟.
    يرى هيجل أبعد من ذلك, في أن الكسمولوجيا تدرس كذلك, الضرورة والأزل, والتحديد في الزمان والمكان وقوانين التغير في العالم وأصل الشر, وكذلك دراسة مشكلة الغائية, هل هناك غاية أو هدف في الكون (أصحاب مذهب الغائية), أم أن الكون بما فيه من ظواهر يسير بلا هدف ولا غاية (الطبيعيون)؟, وهل يمكن التوفيق بين النظرة الغائية الدينية, والنظرة العلمية الرافضة لكل غاية؟ بحيث يستطيع الإنسان قبول النظريتين...

    4- اللاهوت الطبيعي :

    يناقش موضوع الألوهية والأدلة على وجود الله.
    وتنقسم المذاهب اللاهوتية إلى ثلاثة:
    - مذهب التأليه: وأصحابه يؤمنون بوجود إله؛ فإن قالوا بوجود إله واحد كانوا من أتباع مذهب التوحيد, وإن قالوا بوجود أكثر من إله كانوا من أصحاب الشرك أو التعدد, وإن قالوا إن الله والعالم حقيقة واحدة كانوا من أتباع مذهب وحدة الوجود أو التجسيد أو شمول الألوهية الذي ذهب بأن الله حال في العالم أو تجسد فيه بطرقة أو بأخرى. نستطيع أن نقول بأن فلاسفة الإسلام والمسيحية كانوا, بصفة عامة, من أصحاب مذهب التوحيد. أما فلاسفة اليونان كانوا من أتباع التعدد, في حين اسبينوزا من أتباع مذهب وحدة الوجود.
    - مذهب الطبيعين الإلهيين: وهم الذين يؤمنون بوجود إله, لكنهم ينكرون الوحي والرسل والكتب المقدسة على أساس أن العقل وحده بنوره الطبيعي قادر على معرفة الله, ومن أصحاب هذا المذهب فولتير وروسو في فرنسا, ولوك ونيوتن في انجلترا.
    - الإلحاد: أصحابه ينكرون الألوهية في كل صورها, منهم ماركس, نيتشه, هيدجر و سارتر.
    أما الإمتناع عن الحكم, أي تعليق الرأي إيجابا وسلبا, فهؤلاء أصحاب مذهب اللاأدرية, أي رفضون الجزم بوجود الإله أو عدم وجوده, ومنهم توماس هنري هكسلي وبرتراند رسل.


    هذا هو التقسيم التقليدي للميتافيزيقا, وقد هاجمه كانط بعنف في كتابه "نقد العقل المحض" ووصف بالدغماطيقية أو القطعية, تسلم موضوعاتها قبل أن تسأل نفسها, هل في استطاعتها أن تدرسها أم لا؟ وهل ملكات العقل البشري قادرة على معرفتها أم أن هذه الملكات لا تستطيع أن تدرك إلا الظاهر وحده فحسب؟ ثم جاء هيجل ليبارك الهجوم الكانطي ويقول "إن وضع مصطلحات الميتافيزيقية القديمة موضع البحث كان خطوة على جانب كبير من الأهمية". فالتقدم للأمام لا يكون إلا بالنقد الكانطي.


    دمتم...

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    الوجود

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Thinghood عرض المشاركة
    أعتقد أن هذا المسمى أكبر من حجمي

    أحب أن أوضح نقطة مهمة قد سبق وان تحدثت عنها في موضوع ((قصة الفلسفة)), الفرق بين مسمى العلم في العلوم الجزئية والعلم في الميتافيزيقا, العلم في الأول يقصد به شيء محدد وفي مجال معين, بينما (علم) الميتافيزيقا فهو أبعد من ذلك, هو مشابه لحد كبير لمفهوم كلمة (المعرفة), أي هو أعم وأكير من العلوم الجزئية فهو يشملها.

    أما بخصوص (الفيزيقا) أيها الصديق, ما يهمنا هنا في هذا الموضوع هو ترابطها بالميتافيزيقا... أعني أن الفيزيقا هو علم الظواهر, وهذا العلم كيف سيساعدنا في معرفة الجزء الآخر من العالم, (الباطن) أو الخفي؟
    يجب أن نركز حول هذه النقطة.

    أنتظر تواجدك أخي بفارغ الصبر

    دمت بود...


    -----------
    thePRODIGY

    أهلا بك هنا, ننتظر تفاعلك معنا

    دمت...
    شكرا على لطفك
    في البداية أستسمحك، على تطفلي على مملكة الحكمة.
    فمعلوماتي في الفلسفة تكاد تكون منعدمة، لأني لم أعد للفلسفة إلا في السنتين الأخيرتين....
    ففكرتي الأولى عنها أخذتها من دروس الفلسفة التي كانت تجلب الملل في المرحلة الثانوية: مواضيع جافة، محدودية الأفكار والنقاش، الجدل العقيم والموجه.....
    لكن والحمد لله عدت لها مؤخرا من خلال: العلميات (الإبستيمولوجيا: الدراسة النقدية للعلوم من حيث أصولها المنطقية ومبادئها ومداها.......)
    فكانت البداية مع إمام العقل وحجة الإسلام: الإمام أبي حامد الغزالي -رحمه الله-
    أتيت على ذكر الغزالي، عند حديثك عن الوجود، أذكر أني قرأت له: في معيار العلم -فن المنطق- عن الوجود ومراتبه وأنواعه: وشغلني في ذلك الوقت أحد أنواع الوجود: العقلي لأهميته وخطورته البالغة...
    وأذكر مثالا شائعا عن هذا النوع من الموجودات: الكائنات الرياضية....
    *الكائنات الرياضية:
    - أين محل وجود هذا النوع من الكائنات؟
    - العقل طبعا.
    - إذا هي في عقلي وعقلك....؟
    - بلا شك.
    - إذا لم ندرس الرياضيات مثلا: فنحن لا نعلم مكان وجود العدد المركب (العقدي) مثلا.
    - نعم.
    - فوجوده منتف إذا في عقلينا.
    - أوافق.
    - إذا نام جميع الرياضيون أو انقرضوا، فوجود هذه الكائنات منتف، أليس كذلك؟
    - لا يمكن ذلك، فلا بد أنه توجد في محل ما خارج عقولنا أيضا.
    - بلا شك، فأمر هذه الكائنات (الأشياء) محير.
    *استأنست في هذه المحاورة برأي الرياضي والفيلسوف: ريني توم*
    *الشيئ الكمي:
    - هنالك اليوم في الفيزياء الحديثة أشيء محيرة: نطلق عليها مجازا جسيمات.
    - عد لي مثالا.
    - ليكن الإلكترون.
    - ما حكايته؟
    - هذا الكائن الغريب يمتلك خصائص المادة الثقلية -القابلة للوزن- وخصائص الأمواج -الأضواء-...
    - وضح أكثر.
    - التجارب تؤكد وجوده بالصفتين معا: مرة تظهر خصائص الأمواج ومرة الجسيمات.
    - فهمت بعض الشيء.
    - الأمر المحير أيضا: أننا لا نستطيع أ نحده في المكان والزمان، بمعني إن عرفنا مكانه جهلنا الزمن، وإن قدرنا الزمن غاب عنا الموضع.
    - لم أفهم واختلطت علي الأمور.
    - إن دققنا الزمن زاد الإرتياب في المكان وإن دققنا المكان زاد الإرتياب في المكان، فلن نستطيع أن نحصل على سرعته وموضعه في آن واحد بعكس الأجسام العيانية، لذلك فميكانيك الكم -فرع الفيزيقا الذي يدرس هذا النوع من الأشياء- يزودنا باحتمال تواجد هذا الشيئ -الجسيم مجازا- في موضع معين في لحظة معينة فقط.
    - سبحان الله، فالفيزياء تعجز عن التنبؤ بحركة هذه الأشياء الكمية بدقة، كعادتها مع باقي الأشياء، أي ثقة بالفيزيقا بعد هذا؟
    - حذار، توقف، فإننا نحمل الفيزيقا ما لا طاقة لها به.
    - وضح.
    - اعلم أن وجود هذه الأشياء ثابت متحقق، وأننا أسأنا دراسة وجودها هذا....، الفيزيقا التقليدية لا تعترف إلا بما يتحقق وجوده في الزمان والمكان معا، وقد أردنا أن نخضع ما لا يتحقق وجوده في الزمان والمكان معا إلى المناهج التي تختص بدراسة الموجود المتحقق في الزمان والمكان معا.
    - ما هذا الخلط، فالفيزياء تقصي باقي الموجودات إذا، وما هو الحل؟
    - نعم، الحل في العودة إلى نقطة البداية.....، إلى الفلاسفة ...
    - تقصد الميتافيزيقا..؟
    - بلا شك.
    * نموذج من المحاورات التي تدور بين الميتافيزيقيين الجدد-الفيزيائيين-*
    تقبلوا ودي

  15. #15
    في البداية أستسمحك، على تطفلي على مملكة الحكمة.
    أهلا بك في أي وقت
    فمعلوماتي في الفلسفة تكاد تكون منعدمة، لأني لم أعد للفلسفة إلا في السنتين الأخيرتين....
    ففكرتي الأولى عنها أخذتها من دروس الفلسفة التي كانت تجلب الملل في المرحلة الثانوية: مواضيع جافة، محدودية الأفكار والنقاش، الجدل العقيم والموجه.....
    هنا لم أعرف هذه الدروس على الإطلاق.. إطلاعي على الفلسفة كان عن طريق الكتب أو صفحات الإنترنت فقط..
    يجب أن تعلم أنك كنت محظوظا في أخذ تلك الدروس حتى وإن كانت مملة وعقيمة
    أننا لا نستطيع أ نحده في المكان والزمان، بمعني إن عرفنا مكانه جهلنا الزمن، وإن قدرنا الزمن غاب عنا الموضع
    صحيح, قرأت مرة عن عنصر القوة الجاذبية (الجرافاتون), لم يتمكن العلماء إلى الآن من مشاهدة آثاره حتى... فكان تصريح أحد العلماء هو أن الجرافاتون يهر نحو المادة المظلمة!!!
    إذن ماهي المادة المظلمة هذه؟؟؟... يصرّح ستيفن هوكينج: بأن ما نشاهده في العالم, من أرض بكامل مافيها والنجوم هو عبارة عن 30% من النظام الكلي للكون و 70% هو عبارة عن مادة مظلمة...

    سؤالي لك أيها الرفيق.. باعتبار أن ما قاله ستيفن هوكينج صحيح (وهو على ما اعتقد متخصص بارع في علم فيزياء الكون) ما الذي قد يوجد بداخل هذه المادة؟ هل من الممكن أن نجد حلول لكثير أسألتنا العالقة؟

    صديقي, أعجبني نموذج المحاورة هذه, شكرا لك لوضع بصماتك هنا

    دمت بود

  16. #16
    المشكلة الميتافيزيقية

    كيف تنشأ المشكلة الميتافيزيقية؟! حقيقة بعد كل هذا, نبدأ بالاستفسار بهذا السؤال, وللحظة ظننت أنها تخص الفلاسفة الكبار, ولا تخصني أو أي شخص آخر, لكن هي مشكلة تصادف العقل البشري أيا كان..

    يذهب الفيلسوف الأفلاطوني المعاصر ألفرد إدوارد تيلور إلى أن المشكلة الميتافيزيقية تظهر أساسا لوجود تناقض في خبرتنا المألوفة. فقد علمتنا تجارب الحياة اليومية أن نفرق بين ما يوجد الحقيقة, وبين ما يظهر أنه موجود حقيقي, وليس هناك تقابل في لغات الأمم المتحضرة وآدابها أكثر شيوعا من التقابل بين الظاهر والحقيقة, فيلقى الإنسان هذا التقابل في نشاطه, وأخلاقه وأهدافه وفي أيضا دراستنا لظواهر الطبيعة على حد سواء.

    أولا: تناقض الخبرة:

    - في الحياة اليومية:
    لاشك في أننا نلتقي الكثير من ألوان التناقض في حياتنا اليومية, فمثلا إظهار صديق لك الولاء والصدق, ولكن الحقيقة انها أبعد من تكون كذلك, قد لا يتورع عن الكذب أو الإفتراء عليك من وراءك.. ونجد هذا السلوك واضح جدا في مجال السياسة, فهنا النفاق سلوكا مميزا للفرد والجماعة.

    نحن نقابل باستمرار "الظاهر والحقيقة" في حياتنا اليومية وفي الظواهر الطبيعية أيضا, فمثلا بين المظهر السكوني للأرض وحركتها الحقيقية, والتشابه الظاهر لكتلة من المادة واختلاف عناصرها الكيميائية, وحركتها الحقيقية.

    والدافع في التفرقة بين الظاهر والحقيقة واحد دائما, وهو الهروب من الاعتراف بالتناقض في خبرتنا وتجاربنا اليومية؛ لأن العقل يأبى التسليم بالتناقض. فلو افترضنا أن إدراكتنا الحسية امتنعت عن التضارب بعضها مع بعض, لكنا على استعداد للتسليم بها جميعا, ولصنفناها كلها بأنها حقيقية وصادقة, ولامتنعنا نحن بدورنا عن إثارة الأسئلة حول صدقها أو كذبها النسبي. ولن نكون بحاجة إلى تصحيح انطباعاتنا الأولى المباشرة عن طبيعة أنفسنا, فتصبح كلمة الخطأ بلا معنى..

    ما الجانب من تفكيرنا الذي يصور العالم تصويرا دقيقا وحقيقيا؟ وما هي الجوانب أوالأفكار التي لا تعبر إلا عن الظاهر فحسب؟

    يقول برتراند رسل: إننا إذا ما أخذنا أي موضوع نألفه مما نظن أننا نعرفه عن طريق الحواس لوجدنا أن ما تنبئنا به الحواس مباشرة عنه, ليس هو حقيقة هذا الشيء في ذاته مستقلا عنا, بل الواقعة المتعلقة ببعض المعطيات الحسية التي تعتمد على العلاقات بيننا وبين ذلك الموضوع, وهكذا فإن ما نراه ونشعر به ليس إلا مظهرا نعتقد أنه إشارة إلى حقيقة تكمن خلفه. ولكن إذا كانت الحقيقة ليست إلا ما يظهر, فهل لدينا أية وسيلة للكشف عن طبيعة هذه الحقيقة...؟

    لقد كانت أهمية الإشكالات الكثيرة التي يأتى بها " الإدراك الحسي المباشر" لمثل هذا الضرب من التفكير الفلسفي هي التي جعلت أفلاطون, وأرسطو من بعده, يصف الفلسفة بأنها وليدة التعجب والدهشة مما يراه المرء من مفارقات ومتناقضات في الحياة وظواهرها الطبيعية في آن معا.
    ومن فكرة التغير -التي تعني انتقال الشيء من حال إلى حال آخر يختلف عن الحال الأول- سار الميتافيزيقيون إلى طرح سؤال هو: ما الذي يتغير؟ وما الذي يكون دائما أو ثابتا؟ وأجابوا أنه الجوهر, فعكفو على دراسته وأعراضه, فظهرت نظريات ميتافيزيقية متنوعة عن طبيعة الجوهر والأعراض, وتفرعت منها مشكلة أخرى عن الواحد والكثير, فالجوهر - كهذا الشخص مثلا – لكنه يحمل صفات كثيرة, فكيف يرتبط الواحد بالكثير, وكيف يرتبط الكل بالأجزاء, وهكذا ظهرت المشكلات الميتافيزيقية يعقب بعضها بعضا في سلسلة مترابطة الحلقات.

    - في الحياة العلمية:
    إذا كانت الحياة اليومية تكشف لنا عن تناقضات في الخبرة في جميع المجالات السياسية, والدينية, والأخلاقية, والثقافية...إلخ, فإن العلم يثير مشكلات من نفس النوع, وليس في استطاعتنا أن نقول إن محاولة التوفيق بين المتناقضات التي يثيرها الإدراك الحسي المباشر في كل صوره, أو التي نلتقي بها في ميادين الحياة المختلفة يمكن أن تقتصر على علم بذاته. فالقاسم المشترك الأعظم بين العلوم جميعا هو محاولة الكشف عما ينبغي أن نقول عنه حقيقي, وما يجب أن نقول عنه إنه مجرد ظاهر أو مظهر في ذاك الفرع أو ذاك من أفرع الميتافيزيقا. فهناك باستمرار في كل دراسة محاولة لرفع التناقض.
    يضيف تيلور مثال على التناقض, فنحن نجد أنفسنا أحيانا مضطرين إلى اعتبار المادة ساكنة وقادرة على الحركة عن طريق دفعة تأتيها "من الخارج" مع أننا ننظر إليها أحيانا أخرى, على أن لها قوى مركزية "في داخلها". ومن الواضح أن هاتين النظريتين المتعارضتين لا يمكن أن تكونا صحيحتين صحة نهائية. ومن ثم نجد أنفسنا في هذا الموقف: إما أن نتخلى عن التفكير المتسق غير المتناقض, أو نواجه هذا السؤال: هل إحدى هاتين الوجهتين من النظر صادقة صدقا كاملا؟ وإذا كانت واحدة منهما صادقة على هذا النحو فما هي...؟ ومن ناحية أخرى فإننا يمكن نجد أن المباديء الأساسية في دراسة من الدراسات تتناقض مع مباديء دراسة أخرى, مثلا؛ الارتباط المطلق لكل حركة من الحركات, بسلسلة الحركات السابقة عليها, وهو ما يفترض كمبدأ أساسي في علم الميكانيكا – يتناقض, فيما يبدو مع حرية الإرادة البشرية – ومع حقيقة الغرض أو الغائية الإنسانية, وتلك وقائع أساسية عند علم آخر مثل علم الأخلاق, أو التاريخ. ومن ثم تجدنا مضطرين إلى طرح السؤال: أيهما أكثر صدقا: الضرورة الآلية أم الحرية الأخلاقية, أي الفكرتين هي الحقيقة, وأيها هي الظاهر...؟!

    لقد أخذت الميتافيزيقا على عاتقها, في شيء من التنظيم والعمومية, أكثر من أي علم آخر, أن تقوم بمهمة طرح السؤال أساسا عما نعنيه بالوجود الحقيقي أو الواقع الحقيقي, وإلى أي درجة تتفق نظرتنا العلمية, وغير العلمية, وإلى العالم, مع الخاص العامة لهذا الوجود الحقيقي. ومن هنا فقد قيل عن الميتافيزيقا " إنها محاولة لفهم جميع تصوراتنا السابقة وللشك فيها ". وقيل عنها ايضا: " إنها جهد دءوب غير مألوف للتفكير تفكيرا متسقا " ...


    دمتم

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    الكتلة؟؟؟؟؟؟؟؟

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Thinghood عرض المشاركة
    أهلا بك في أي وقت


    هنا لم أعرف هذه الدروس على الإطلاق.. إطلاعي على الفلسفة كان عن طريق الكتب أو صفحات الإنترنت فقط..
    يجب أن تعلم أنك كنت محظوظا في أخذ تلك الدروس حتى وإن كانت مملة وعقيمة

    صحيح, قرأت مرة عن عنصر القوة الجاذبية (الجرافاتون), لم يتمكن العلماء إلى الآن من مشاهدة آثاره حتى... فكان تصريح أحد العلماء هو أن الجرافاتون يهر نحو المادة المظلمة!!!
    إذن ماهي المادة المظلمة هذه؟؟؟... يصرّح ستيفن هوكينج: بأن ما نشاهده في العالم, من أرض بكامل مافيها والنجوم هو عبارة عن 30% من النظام الكلي للكون و 70% هو عبارة عن مادة مظلمة...

    سؤالي لك أيها الرفيق.. باعتبار أن ما قاله ستيفن هوكينج صحيح (وهو على ما اعتقد متخصص بارع في علم فيزياء الكون) ما الذي قد يوجد بداخل هذه المادة؟ هل من الممكن أن نجد حلول لكثير أسألتنا العالقة؟

    صديقي, أعجبني نموذج المحاورة هذه, شكرا لك لوضع بصماتك هنا

    دمت بود
    شكرا على تجاوبك
    تأخرت عن الإلتحاق لبعص المشاغل...
    على فكرة فقد كنت منشغلا بموصوع أرجو أن يهمك
    الحس المشترك في الفيزياء

    الذي هو عبارة عن دراسة تطبيقية متواضعة، أردت من خلالها تسليط بعض الضوء على مكانة الإدراكات (القوى المدركة في الفيزياء)، إن أردت أرسلتها لك:fares.bhd@hotmail.com
    العودة لموضوع الكتلة:
    فالكتلة في الفيزياء أمرها محير، من خلال دراستي المتواضعة في اختصاص فيزياء الجسيمات الأولية والحقول، كونت صورة عن عالم القوى الأساسية، والجسيمات الأولية.
    القوى أو التفاعلات الأساسية في الطبيعة أربعة:
    1.التجاذب الكتلي: أقدم تفاعل معروف، تم اكتشافها من قبل الفيزيائي الإنجليزي نيوتن في شقها الكلاسيكي، وقد تم إدخال هذا التفاعل من قبل العالم اليهودي (مرة ألماني ثم أمريكي) ألبرت أينشتين في نظريته عن النسبية العامة التي لا تزال محل جدل كبير في الأوساط العلمية. قد حاول توحيد نظريته هذه مع نظرية مكسويل الكهرومغناطيسية وصياغتهما في قانون واحد، لكنه لم يوفق في ذلك.
    2. التفاعل الكهرومغناطيسي: واصع النظرية العالم الإنجليزي جيمس كلارك مكسويل، لم تسقط نظريته لحد اليوم.
    3. التفاعل الضعيف: المسؤول عن تفكك النوى الذرية، اكتشفه بيكريل ووضع نظريته العالم الإيطالي الأصل أنريكو فيرمي.
    4. التفاعل القوي: المسؤول عن تماسك الأنوية، واضع نظريته الياباني يوكاوا.
    الرابط بين جميع ه\ه التفاعلات هو أن لكل منها مصدر: الكتلة بالنسبة للأول، الشحنة للثاني، الغرابة بالنسبة للثالث، والشحنة اللونية بالنسبة للأخير، كما أنه في ظل النموذج المعياري، أن لكل منها حامل ينقل التفاعل: الغرافيتون-وهنا بيت القصيد- بالنسبة للأولى لم يتم اكتشافه لحد اليوم، الثانية هنالك الفوتون: هو كم الضوء المعروف، الثالثة: البوزونات: الزاد والدبليو+-، الرابع الغليونات.
    المحير أنه تم توحيد التفاعلين الثاني والثالث، والرابع قريبا. المشكلة تكمن في عدم وجود نظرية كمية تحكم التفاعل الأول حتى يتم توحيده كما تم توحيد التفاعلين السابقين، كما أن التوحيد ال\ي جرى بين التفاعلين الكهرطي والضعيف طرح مشكلة : من أين تأتي الكتلة.

    بحسب رأينا والله أعلم: الكتلة في علاقة وثيقة مع المكان، لذلك يجب إعادة النظر في رؤيتنا للمكان والزمان أولا. فالفيزياء تعيش اليوم أزمة خانقة.

    شكرا وتقبلوا تحياتي

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    هنا.
    الردود
    539
    وددت ان اشكركم على ماا شركتمونا فيه

    لا فكرة لدي عن الفلسفه مع اني مقتنع تمام الاقتناع ان لكل منا فلسفته!!
    فأبي مثلا لديه طريقته الخاصه للنظر في افعالي وطريقته للنظر في افعال غيري!!

    هذا اكثر مااعلمه عن الفلسفه .. فلكم ان تتخيلوا مالذي فتحتوه في مخي عن هذه الفلسفه ..!!

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    مـابين مهدي ... ولحدي
    الردود
    91
    سبحان الله اغيب واغيب عن الساخر وارجع واذا به يتكلم بلساني

    قبل مدة رأيت كتاب امام عبد الفتاح امام وقررت قراءته ولكن بعد حين حتى اني كتبت اسمه في الجوال حتى لا انسى
    وكنت انوي القراءة عن الفلسفة الميتافيزيقية بالتحديد
    واذا بهذا العنوان فتذكرت كتاب امام امام

    اشكرك اخي الكريم
    بصراحة الموضوع لا اقدر على قراءته الان لاني في العمل

    لكن بعون الله سأرجع له

    شكرا لك ووفقك الله
    ....

  20. #20
    فارس الجزائري

    أهلا بك مرة أخرى

    اممم... انت تتحدث عن قوى العالم الأربعة.
    كانت خمسة قبل ان يقوم مكسويل كما ذكرت بدمج القوة المغناطيسية والكهربائية معا..
    ومن بين طيات رواية "ملائكة وشياطين" لدان براون أذكر - كما ذكرت ايضا- دمج القوتين الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة. إلا انه يبقى على ما أذكر في موقع البحث السويسري, انه لم يتم التحكم بها نهائيا, أي مازالت خطرة...
    لكن أظن الهدف من حديثك, وهو هدف كل الفيزيائيين وحديثهم, هو محاولتهم لدمج القوى الأربعة كلها لتنتهي لقوة واحدة فقط... ومن ثم تأتي مهمة الفلاسفة في نسق النظريات الفلسفية, والمناهج التعليمية.

    صديقي يبدو أننا نتعمق كثيرا في الفيزياء ومشاكلها, في حين الميتافيزيقا والفلسفة لا تملك الحل لهذه المعضلات, فمع التعمق في النظريات العلمية الكونية, تقلص مجال الفلسفة, واصبح التوجه لديهم وجودي, نحو الإنسان مباشرة...

    فيما يبدو, يجب أن نبدأ من جديد, بروح جديدة, وكما قال أربيان "بمناهج جديدة..."
    ---------------------------------------

    الحـــالـــم.



    الطريق أمامك أطول من طريقي...
    هي بحق ممتعة, لكن.. انتبه من القراءة في أوقات الملل.
    -------------------------------

    تليد

    على الرغم من صعوبة الفصل الأخير "كتب أرسطو الخمسة", إلا ان الكتاب بمجمله جميل جدا. يوضح حتى منهج الفلاسفة نحو الميتافيزيقا, أمثال: ديكارت, كانط, هيجل, وكذلك الفلاسفة المسلمون...

    -------------------------

    أتمنى تغفروا لي تقصيري, وأرجو أن أجد غدا فرصة للإضافة هنا حتى أنهي ما بدأته...


    دمتم بكل ود

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •