(( أكره المستشفيات واليوم اللي رحت أزور فيه الوالد كان بالفعل مأساة )) إليكم الأحداث..

الساعة الثانية ظهراً والشمس تعلو السماء بكل شموخ تجلد ظهور المارين وتصفع وجوههم المتعبة بأشعتها الحارة و ازدحام السير في شوارع جدة في هذا الوقت لا يُطاق ناهيك عن تلك الوجوه العابسة يميناً وشمالاً حول سيارتك تنتظر التأفف منك لتفرغ كل تلك الضغوط عليك. تدير المذياع لتكسر ذلك المشهد بشئ يعوضك عن البؤس الذي تراه حولك. فتسمع ذلك الصوت الأنثوي الناعم وتلك اللكنة المصطنعة التي تسمى بــ " دلع مذيعة " وما تلبث حتى تستمع إلى ذلك الموج الهائل من الأغاني الهابطة التي تفضل عليها أبواق السيارات فهي لا تقل إزعاجاً منها. أقفلت (( الراديو المزعج )) واكتفيت بالنظر إلى الازدحام أمامي .. (( وهذه مأساة لوحدها مالنا فيها دحين !! ))

(( المهم )) وصلت إلى المنزل و ألقيت بنفسي في أحضان الأريكة لأنعم بهواء جهاز التكييف البارد لبعض الوقت فما لبثت حتى غفوت قليلاً من شدة التعب و الإرهاق فعملي كمدرسة في القطاع الخاص
مضن جداً كأني أتقاضى راتباً لأعذب نفسي بالمقابل . ولكن أخيرا ًاستطيع أن أنعم بذلك الهدوء و أفرغ ضجيج الطوابير الصباحية من رأسي و اسمح لصوت طالباتي بالخروج من أذناي لأشعر وللمرة الأولى من الخامسة فجراً إلى هذا الوقت بشئ يُدعى الهدوء وفجأة اسمع صوت أمي تخاطبني بنبرة تعجب " منتي رايحة لأبوكِ في المستشفى "
بتلك الجملة بدأت صور الأضواء و الأسرّة و المرضى في العناية المركزة تتهافت أمام عيناي حتى تخيلت والدي قرب النافذة في غرفة 715. نهضت مسرعة لأستحم وأبدل ملابسي بسرعة البرق فالساعة شارفت على الرابعة إلا ثلث عصراً ...

وأخيراً وصلنا مستشفى (( الأفضل نقول ناس ما نعرفهم )) العام وكان منظر البوابة الضخمة رائع والمدخل كبير جداً وهمس أخي في أذني" هذه البوابة كلفت مليون ونص "

فقلت: " كـم ؟!؟! "

فأجابني بصوت يخنقه الإحراج: " اشبك انفجعتي كأنهم أخذوها من راتبك ؟! "

قلت: " خليني ساكتة لا ننشال اليوم ويطلع كرت للوالد يقول " فيهم الخير كانوا جايين يزوروك"

أصر أخي أن نصعد للدور الثاني عن طريق السلالم ولا أعرف لماذا لم أعترض حتى وصلنا إلى بوابة العناية المركزة (( الأي سي يو )) ليبدأ صوت البكاء يطرق مسامعي
و منظر النساء اللاتي
ينتظرن قرب البوابة كل واحدة منهن تواسي الأخرى وتهدئ من روعها يفطر فؤادي حتى شد انتباهي صوت مخنوق يردد " الله يقومك بالسلامة يا وليدي الله لا يحرمني منك " كانت تلك الجملة دافعاً قوياً لعيناي لتبحث عن صاحبها بين تلك الوجوه حتى سقطت على ذلك المسن ذي الشعر الأحمر والبشرة الحنطية وعلامات كبر السن تعيد رسم ملامح وجهه بخطوط متعرجة..المسكين لم يستطع الصمود أكثر فساقاه النحيلتان لا تقوى على الوقوف لوقت أطول فلم يجد حلاً آخر سوى الجلوس على أرضية المستشفى الباردة قرب المصعد وهو يردد تلك الجملة مراراً وتكراراًً.منظره المؤلم ألغى كل المتواجدين حولي وصوته المخنوق أصم أذناي عن سماع أي شئ سوى تنهداته أخذت أنظر إليه والألم يمزق قلبي ولم أشعر بنفسي حتى أيقظتني تلك الدموع التي سالت على وجنتي بكل هدوء ..

يُفتح باب القسم وتتجه أعين الموجودين إلى ذلك الشاب العشريني صاحب الزي الأزرق
ليُخاطب الموجودين بصوت منخفض " شخصين بس للمريض الواحد ولمن يطلعوا يدخلوا غيرهم "

انتظرت بالخارج حتى حان دوري مع أخوتي لنشق ذلك الممر الطويل الذي اكتظ بطنين الأجهزة و أنين المرضى كما اكتظ بهمسات الزوار منهم من يواسي ومنهم من أُجبر على المجئ وعلامات التذمر تراقص ملامح وجهه حتى أني سمعت أحدهم يقول للآخر " ليه جيت دحين ؟؟ "

ليرد عليه الآخر وملامح الدهشة تملأ وجهه " ليه ؟؟ مات ؟! " ولا أعرف لماذا خطر في باله الموت فجأة ؟؟
ليرد عليه الأول بكلمات أقذر من رائحة الدخان الذي ينفثه "يا شيخ ليته مات وريّحنا "

لو لم تكن حدودي كأنثى تمنعني من التطاول على رجل أو التحدث إليه وأنا لا أعرفه لكان لي موقفاً آخر فكلماته كانت قاسية ...ماذا لو سمعه المريض ؟! ستزداد حالته سوءاً .. أكثر مرضانا يحتاجون الراحة النفسية قبل الدواء .. إذا لم يرغب بزيارته فلا يُجبر نفسه على المجئ !

وصلت إلى غرفة 715 لأرى أبي قد استقرت حالته أخيراً ولله الحمد بعد عملية القلب المفتوح التي أجراها قبل شهر من اليوم وكانت صحته في تحسن ملحوظ وهذا من فضل ربي.. في تلك اللحظة شعرت بالأمل يزحف إلى قلبي والابتسامة ترتسم على شفتاي بعد كل الذي رأيته.

...... يتبع