السياسة أداة وآلية وليست عقيدة بحد ذاتها ، لذلك كانت السياسة دائما تلعب دورا مهما بالوصول إلى أهداف وتحقيق غايات العقائد المختلفة عبر الحضارة الإنسانية ، حتى أن الرسل والأنبياء استخدموا السياسة في أحداث مرت بهم عبر مراحل تبشيرهم ودعواتهم ، ولكنهم لم يجعلوا تلك السياسات أصول ثابتة غير قابلة للتغيير والتوسع حسب ظرفية المكان والزمان ، وتركت كآلية يمكن نحتها وإعادة استخدامها بما يضاف إليها من معطيات أي واقع حديث .
ولو افترضنا أن العقيدة هي العربة التي تحمل كل ما فيه مصلحة الإنسان والمبدأ الأكبر لكل شرائع الأرض السماوية وهو إعمار الأرض ، نستطيع افتراض أن السياسة هي الحمار الذي يجر تلك العربة ويوصلها إلى مختلف الشرائح الاجتماعية في كافة أصقاع الكرة الأرضية ، لذلك كانت الحقائق التاريخية تؤخذ مجزأة في سياسات فردية اعتقد أصحابها أنهم ينوبون عن شعوبهم في تحقيق ما يعتقدون ثبات صحته .
إذا نظرنا إلى تاريخ منطقة الشرق الأوسط فيما بعد الحرب العالمية الأولى ، حيث كانت النقطة الأولى لتكون الشكل المعاصر لخارطة الدول وعلاقتها بالمجتمع الدولي ، نجد أن العقيدة القومية العربية قد خلفت الخلافة العثمانية لتنهي آخر السياسات المبنية على أسس دينية ، لتنساق في سياسة عنصرية وعرقية ، تم استخدامها وتحفيزها عن طريق تأليب العامل العربي على العنصر التركي والعثماني في منطقة العرب المتصلة من الخليج إلى المحيط ، ورغم أنه كان بإمكان الأشراف إعلان خلافة إسلامية جديدة ، إلا أن الهدف المضمر في الصفقة المعقودة بين انجلترا ومندوبها لورنس في الشرق الأوسط ، تشترط عدم إعلان تلك الخلافة وتجزيء المنطقة حسب اتفاقية سايس-بيكو إلى عدة أقاليم يمكن التحكم بها عن طريق فرض استعمار يمثله التواجد الظاهري لسلطة عربية لا تملك حق الخيار لنفسها .
تلك القومية استمرت حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث أصبحت التطلعات العالمية قوية تجاه منطقة الحزام الدافئ وما يحتويه من مصادر طاقة ، وتكون في المجتمع الدولي حقيقة أن تلك الدول لم تعد قادرة على تحمل الاستعمار المطلق ، ويمكن احتوائها عن طريق سياسات التشارك في المصالح . لكن جمال عبد الناصر رجح أن يكون التحالف شرقيا مع الكتلة الشيوعية رغم كل الدلائل التي تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط لها امتداد تاريخي منذ الحروب الصليبية يرجح سيطرة ورغبة العالم الغربي في التوغل فيها عن طريق فرض عنصر إسرائيل الدولة الشوكة والتي تعقد التحالفات مع أمريكا لتصبح واسطة التفاهم بين العرب وهذه الدولة المحتلة . فكانت أزمات الحروب العربية والنكسات والعدوان الثلاثي ، والذي لم تشارك فيه الدول العربية إلا بطريقة حفظ ماء الوجه وتحملت أعباءه الدولة الجديدة والخارجة من حكم ملكي ( مصر ) مما أدى إلى انهزامها حتى أتى أنور السادات وانتقل نحو خطوة حقيقية وواقعية وهي تقبل الأمر الواقع وعقد معاهدة سلام تحفظ الاستقرار السياسي بين بلدين يقعان على خط النار ويشكلان جبهة قابلة للاشتعال في كل وقت .
كذلك خسرت الاشتراكية القومية العربية قدرتها على تحقيق المعادلة المستحيلة وهي القفز على الأردن والاتجاه نحو تحقيق وحدة عربية مصرية سورية ، وسقطت الاشتراكية القومية المصرية لتقوم مكانها البعثية بدور المتشبث بالواقع الاشتراكي وبقايا القومية العربية ، فكانت العراق وسوريا في نزاع على أحقية تمثيل هذا التوجه بما يسمى حزب البعث .
في هذه الأثناء كانت دول الخليج الملكية والأميرية تحاول تكوين معادلة خاصة بها في تعاملها مع الأشقاء العرب الذين أثاروا نعرة الاستقلال والتوجه الشبه ديمقراطي في المنطقة ، وذلك للحفاظ على طبيعة الحكم فيها ، مع القدرة على التحكم بمحيط استراتيجي سياسي لا يقبل الاندماج مع هذه الأنظمة . وحدث الاستقرار بما بقي من عناوين ضخمة يتم تحريكها من وقت لآخر ، وهي البقية الباقية من القومية العربية ، والمتمثلة في جامعة الدول العربية والتي أخذت القدر الأكبر من الاهتمام في مقابل تهميش الدور الإسلامي والذي كان من الممكن له أن يشكل كتلة اقتصادية وسياسية وعسكرية مهمة بديلة للكتلة الشيوعية التي انهارت مؤخرا والمتمثل في قطبها الأكبر الاتحاد السوفيتي سابقا .
وظل العرب مرهونين في التنقل في سياسات التعامل مع أحداث منطقة الشرق الأوسط بحسب التوجه العقدي الذي تفرضه الأحداث ، فكانت الحرب العراقية الإيرانية ، والتي تم دعمها كسد منيع في وجه التقدم الفارسي والثوري الديني ، ولم تكن البعثية عنصرا مهما في حساب الجانب العقدي المضاد للعقيدة الإسلامية ، إلا أن سوريا رجحت هذا العنصر في رفضها لهذه الحرب بسبب الترابط العقدي بينها وبين إيران .
وبعد انتهاء هذه الحرب والتي وقفت دول الخليج كداعم رئيسي له في مساعدة العراق ، وتجاهلت حقيقة الدكتاتورية االإسلامية،ب البعثي الحاكم في العراق ، وما نتج عنه من أحداث تعارض المبدأ الإنساني وأحد أمثلته حلبجة ، متجاهلين هذا العنصر الذي يدلل على أن الصديق الذي سمي سيف العرب في قمة بغداد لم يرحم شعبه فكيف بنا الثقة به ، ليأتي فيما بعد ذلك في تصرف تم تبريره بالكثير من نظريات المؤامرة مثل الديون وغيرها وليتجه نحو الكويت ويصرح أنها بوابة الجهاد نحو القدس ، ولكن الموقف الخليجي والدولي جعله ينسى هذا العنصر الديني وهو الجهاد ، فيقصف الرياض بـ 32 صاروخ ، مقابل عدة صورايخ أخرى سقطت على تل أبيب ، في إشارة على أنه أكثر عداوة لدول الخليج منه لإسرائيل التي في أساسها كانت سببا في تحرك توجهه القومي العربي والبعثي ذات مرة .
وفي المقابل تحرك الاتجاه الديني والعقيدة لتبث خطابا يشير إلى كفر هذا الحزب واحتواءه على ما يناقض الشريعة الإسلامية ، في محاولة لاحتواء العنصرية العربية التي أثارتها بعض الدول في محاولة لتجنب الحرب على العراق . ويصبح لدينا هنا تشكل سياسي ثابت وهو المصلحة والمحافظة على الكيان لأي دولة في مقابل قدرتها على تداول العقيدة الأنسب لظروف كل حدث جديد.
ولو نظرنا إلى تسلسل الأحداث الجديدة والتي بدأت منذ خدعة أسلحة الدمار الشامل التي يملكها العراق ، لوجدنا أن منطقة الشرق الأوسط اتجهت نحو صراع على مستوى العقيدة المذهبية ، ففي حين تم اعتبار حسن نصر الله مقاوما ضد الاحتلال الإسرائيلي لم يكن بالإمكان التغاضي عن اعتباره يد إيران الفارسية في منقطة العرب . مع أن حماس أيضا في الآونة الأخيرة رجحت عقد تحالف ومصالحة مع طهران تهدد بها إسرائيل بعد أن تم التقاتل على السلطة بين فتح التي أيدت غزو العراق للكويت في بداية التسعينات وبين حماس التي رفضت هذا الاحتلال لكنها لم ترفض التحالف مع إيران .
وفي هذه الأثناء يتم تحريك عنصر الطائفية كعامل جديد للصراع ، تم إغفاله منذ زمن ، وتم تجاهله كحقيقة تاريخية لم تسلم منها كل الدول التي مرت على المنطقة ، ليصبح صدام الذي لم يكن يفرق بين شيعي وسني شرارة تشعل هذا الصراع وتخرجه للظاهر ، حتى أن الغرب فهم هذا التحول الأيدلوجي للمنقطة فبث خطابات تشير إلى ضرورة تكوين موقف سني ضد امتداد الهلال الشيعي المتمثل بإيران والعراق وسوريا وحزب الله في لبنان .
ولم يعد بإمكان المواطن العربي المسلم معرفة أين يضع قدميه من حيث معتقداته التي تمثل توجهه السياسي ، لكثرة التنقل بين العقائد الوضعية والدينية السماوية والتي تعاملت بها دول المنطقة لتداول مشاكلها ومواقفها السياسية . لذلك كانت العقيدة عربة مهملة لا تتحرك بمصالح الناس وتخدم مبدأ الحفاظ على الاستقرار والأمن وإعمار الأرض ، وأصبحت السياسة هي الحمار الذي يقف خلف العربة ليرى أين تتجه ليتحرك وراءها .