Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 15 من 15
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870

    مؤلف مدرسة المشاغبين .. الكاتب الساخر : علي سالم .

    .


    .. تقديم ..


    السخرية أنواع كثيرة .. فمنها ما يبكي و يضحك .. و منها ما يبني و يهدم .. و منها ما يرفع و يخفض .. و منها ما يرضي و يغضب .. و منها ما يصيب و يخيب .. و منها ما يدني و يقصي .. و منها ما يُقبل و يدبر .. و منها ما يلذع و ينفع .. و منها ما يلذ و يشذ .. و منها ماهو مقبول و مرفوض .. و منها ما هو مرغوب و مكروه .. و منها ما هو مطلوب و مردود .

    و تختلف النظرة إلى السخرية - كلون من ألوان النقد اللذع - باختلاف مفهومها ، وتقبّلها عند الناس ..
    فهي مثل كثير من قضايا الحياة البشرية مسألة نسبية تختلف من شخص لآخر .

    و قد كانت مصر الفرعونية تضحك ، فلما دهاها ما أصابها من غزو الفرس و الرومان لها .. ذهبت تنفّس عن حقدها و عذابها و كآبتها بفكاهات مرّة مليئة مليئة بسموم اللذع و التهكم و السخرية !

    يقول أحمد عبدالمجيد :
    ( للضحك وجهان .. وجه هادف ، و وجه هازل أجوف ، ليس فيه إلا قهقهة عالية تصدع الرؤوس ، و يخلو محتواها من الهدف و المبدأ و السخرية التي تتطلع إلى إصلاح معوج ، أو تقزيم انحراف ، و تستهدف التحرر من العبث ، لترقى إلى ذروة من الضحك المهذب الرزين الرصين الذي يصل إلى أعماق متلقيه من الطبقة المثقفة ، و إلى أبعاد يعجز عن الوصول إليها الضحك الهازل السفيه .

    و حينما بدأ العقاد القول عن ملكة السخر عند المعري سائلاً : لم يسخر الإنسان ؟ .. أجاب قائلاً :
    " إنه ينظر إلى مواطن الكذب من دعاوى الناس فيبتسم ، و ينظر إلى لجاجهم في الطمع و إعناتهم أنفسهم في غير طائل فيبتسم ، و هذا هو العبث . و ذاك هو الغرور .. فالعبث و الغرور : بابان من أبواب السخر ، بل هما جماع أبوابه كافة .
    و كل ما أضحك من أعمال الناس فإنما هو لون من ألوان الغرور ، أو ضرب من ضروب الالعبث .. و كثيراً ما يلتقيان


    ***


    و يقول د. نشأت العناني :

    و السخرية في مجالها الأدبي يتسع مداها ، و تنفسح دائرتها ، لتحوي الكثير من المعاني اللغوية ، و تندرج تحتها المصطلحات البلاغية ، و تشمل الصور و الأساليب، و الحركات و السكنات ، و الإشارات و الكلمات التي يحمل فحواها كعنى الهزء و الاستخفاف و الغمز ..
    و السخرية الأدبية : فن .. و أعني بفن السخرية : أن يخرج الكاتب خاصيات من يسخر منه ، و يكشف عن عيوبه و مساوئه ، و يبرزها ، و يجلي غموضها مظهراً في ذلك - روحه و انفعاله ،و مضيفا شعوره و وجدانه و أحاسيسه و لمساته .. فتكون سخريته إبرازاً لبواطن الأشياء كما يرها هو ، وكما تنفذ من خلال شعوره مضيفا إليها تجربته و انفعاله ، ثم التنويع فيها ، و الابتكار في ضروبها ،و اختيار العناصر و الأدوات و ترتيبها ترتيباًُ خاصاً ، و مزجها مزجاً معيناً ترتضيه نفسه ، و يتلاءم مع ذوقه و طبعه ، بحيث يرى ذلك أعون على تحقيق الهدف ، و أقدر على الوصول إليه بأسلوب بارع الحسن و الجمال .. ثم التنويع فيها .


    .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .



    ( السخرية : هي إطلاق النار على الهدف للقضاء عليه .. أما الضحك فهو تجريد الهدف من سلاحه لإغرائه على الانضمام لموكب العدل و الحق و الجمال .. السخرية هي وظيفة الثعالب و الذئاب .. أما الضحك فهو من شيم الأسود .. )

    على سالم محمد علي سالم ..
    - ولد يوم الإثنين ( 18 شوال عام 1354 هـ - الموافق 13 يناير سنة 1936 م ) في شبرا البلد - بمحافظة القيلوبية بمصر ..
    - حصل على الشهادة الابتدائية سنة 1949 م .
    - عاش في دمياط مرحلة طفولته و شبابه .
    - حصل على الشهادة الثانوية العامة منازل ( سنة 1957 م ) .
    - عمل موظفا بوزارة الصحة حتى عام ( 1962 ) .
    - التحق بالجامعة الامريكية لدراسة ( الترجمة الفورية ) لمدة أربع سنوات .
    - ظهرت أعماله المسرحية عام ( 1965 م ) ، و هنا أيقن أنه لا يصلح إلا للعمل في المسرح .
    - كان مديرا لقصر ثقافة أسوان عام ( 1986 م ) .
    - ألف أكثر من ( 20 ) مسرحية ، عرضت بعضها في كل القرى المصرية و القاهرة ، و بعضها في العواصم العربية و بعضها في انجلترا
    - تميزت كتاباته المسرحية و الأدبية بالنقد البناء في قالب فكاهي ممزوج بالضحكات و الدموع من خلال عروضه ذات المضمون الذي يهدف إلى الاصلاح الاجتماعي ..
    - كتب في العديد من الصحف و المجلات المصرية ..

    - من مؤلفاته المسرحية التي طبعت و قدمت على المسر :
    * الناس اللي في السماء الثامنة .
    * الملوك يدخلون القرية .
    *أولادنا في لندن .
    * الكاتب في شهر العسل .
    *المتفائل .
    * الكاتب و الشحات .
    * الملاحظ و المهندس .
    *عفاريت مصر الجديدة .
    * عملية نوح .
    * بكالوريوس في حكم الشعب .
    * ولا العفاريت الزرق .
    * حدث في عزبة الورد .
    *كوميديا و أديب .
    * بهلوان آخر زمن ..

    - أعمال ممصرة عن المسرح الفرنسي :
    * مدرسة المشاغبين .
    * العيال الطيبين .
    *واحد في المليون .
    * طبيخ الملايكة .

    - من مؤلفاته الأدبية :
    * اعترافات زوج .
    * دليل المرأة الذكية .
    * أيام الضحك و النكد .



    و سأعرض بالتدريج بعضاً من كتاباته ..

    .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    ..


    ( الغراب .. و الصابونة )



    في ركن من حديقتي حوض صغير تنبت فيه أزهار الأمثال و المصطلحات الشعبية ، و منها أتعلم الكثير !
    فالمثل و المصطلح الشعبي ، يتمتعان بقدرة مذهلة على تلخيص كتب بأكملها في إيجاز مثير و ممتع ..
    استمع لهذا المثل ..
    - سألوا الغراب : سرقت الصابونة ليه ؟
    قال : أصل الاذية طبعي ..!

    ***


    في ثماني كلمات فقط ، لخّص المثل بعبقرية فذّة آلاف الكتب التي تناولت بالشرح و التحليل ظاهرة العدوان في النفس البشرية .. مستخدماً في ذلك بنجاح رموزاً شفافة تجعله يصل مباشرة إلى هدفه ، و هو رسم صورة متكاملة و واضحة لطبيعة العدوان ، فالغراب - كما هو معروف - طائر مكروه في الوجدان الشعبي ، و في التراث الانساني بشكل عام ، هو رمز للسواد و الحزن و الفجيعة .
    يكفي أننا نسمي الصوت الذي يصدره : ( النعيق ) ,,

    و هو لا يسرق قطعة الصابون ليستحم بها . أو لأنه تصورها بجهله قطعة من الجبن مثلاً ..
    عند ذلك قد نلتمس له الأعذار .. بل سرقها ليحرم صاحبها من استخدامها ، و ليغرمه ثمن صابونة أخرى ..
    و ليشعره بألم لفقدها ، ليؤجل موعد استحمامه أو غسيله ، فيرغمه على البقاء فترة متسخاً تعلوه الأقذار ، بما يسببه ذلك من إحساس بالغيظ و النكد ..

    هو باختصار يؤذيه ، بلا سبب ، و لا هدف ، و لاسابق معرفة ..
    لست في حاجة لدراسة كل ما كتبه كل عباقرة مدرسة التحليل النفسي لكي أتعرف على أصالة و طبيعة العدوان في النفس البشرية ، يكفيني هذا المثل العبقري الذي غرسه أجدادي في حديقتي ، ولكن هل هذا المثل يبحث عن مبرر و غطاء للعدوان يضفي عليه شرعية من نوع ما ، أم أن له هدفاً آخر ، هل هو يدفعنا إلى استسهال و ممارسة العدوان على الآخرين ، لأن ذلك طبع مركب فينا ، أم أنه ينبهنا إلى ضرورة الاعتراف و التعرف ..
    الاعتراف بأن العدوان طبع أصيل في الإنسان ، ثم التعرف على مصادر ذلك العدوان لكبته و تحويله إلى مسارات إنسانية أخرى أكثر رقياً و تحضراً ..

    كم غراب قابلته في حياتك ، سرق منك قطعة من عملك ، أو من أفكارك ، أو من أحلامك ، كم غراب هبط عليك و سرق قطعة من حاضرك و مستقبلك ..
    كم غراب يطير فوقنا منتهزاً أية فرصة لإيذائنا ، بلا نفع شخصي .. أقصد بلا نفع غرابي ..
    و مع ذلك فإن ذلك الغراب بطل المصطلح الشعبي ، يتمتع بقدر من الشجاعة الأدبية جعلته يجيب بصدق ، إن هدفه كان الإيذاء لمجرد الإيذاء ..

    أما الغربان المنافقة التي نالت قدراً من التعليم و الثقافة ، فلن تجيب بهذا الوضوح و ذلك الصدق ..
    بل ستلقي علينا محاضرة طويلة ، قبيحة و مدافعة عن نفسها و عن فعلتها ..
    لو أن غراباً من ذلك النوع اختطف صابونة ، ثم قبض عليه متلبساً ....
    فسوف يقول لك على الفور :
    لقد كان هدفي هو إنقاذ صاحب الصابونة من الآثار المدمرة المترتبة على استخدامها ، فنوعها ردئ ، و بها مواد تؤذي البشرة و تسبب سرطان الجلد .. و هي مصنوعة من زيت الترالملم المحرم استخدامه دولياً .. ولقد حاولت تحذيره بنعيقي ، و لكنه تجاهله ، لذلك كان لا بد من ان أخطفها من أمامه و أطير بها بعيداً .. و تحملت في سبيل ذلك طعمها الردئ ، و رائحتها القاتلة ، و أنا أحملها بمنقاري .
    إنني مندهش و متألم ، هل أنا متهم بالسرقة و الأذى و العدوان بسبب فعلتي النبيلة التي أنقذت بها ذلك الرجل ، وحميته من الأضرار التي كانت ستلحق به ؟

    إن أبسط أنواع العدوان و أقلها خطراً ، هي تلك التي يلجأ أصحابها إلى الأذى الواضح ، مستخدمين الفعل الملموس ، لأننا نتنبه لهم على الفور ،
    و نأخذ حذرنا منهم ، ثم نختار الوسيلة التي نحمي بها أنفسنا منهم ..
    أما هؤلاء الذين يطلقون عينا السموم و النار مختبئة بين الكلمات ، الذين يقلبون الحق باطلاً ، و الباطل حقاً .. لا لشئ إلا الاستمتاع بإيذائنا .. فمن المؤكد أنهم شر أنواع الغربان ..

    إنهم هؤلاء الذين ينعقون ثم يسرقون الصابون ، و بذلك نظل بعيدين عن نظافة العقل و نظافة الأفكار ..



    ***

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المكان
    أم الدنيا.مهد التاريخ والمجد والحضارة
    الردود
    2,249
    هذا هو/على سالم.
    * القاهرة / لقاء هناء أحمد
    فوجئ الكاتب المسرحي المعروف علي سالم أثناء عبوره منفذ طابا متجهاً إلى إسرائيل مؤخراً بقرار السلطات المصرية بمنعه من السفر، وكان سالم في طريقه إلى تل أبيب التي زارها 15 مرة حتى الآن لتسلُّم درجة الدكتوراه الفخرية من جامعتها، مكافأة له على دعوته المستمرة إلى (التعايش) والتطبيع التام مع الدولة العبرية، ولكن صاحب (مدرسة المشاغبين) لم يصبح دكتوراً.. ولو فخرياً على الأقل! ورغم مرور كل هذه الأعوام، ولأن (إسرائيل ليست هي إسرائيل) حسب توصيفه في هذا الحوار الساخن، مازال علي سالم مصراً على الوقوف في وجه الرفض الشعبي لمواقفه السياسية تجاه إسرائيل، على الرغم من أنه أصبح (معزولاً عن نبض الناس) كما يصفه بعض الكتاب والمحللين، وأصبحت كتاباته الساخرة مثار سخرية في كافة الأوساط، بعدما أصيب (بحمى التطبيع) التي جعلت الناس تنفض من حوله وتتركه وحيداً مع هواجسه.. والكمبيوتر المحمول!
    ___________________________________

    مثقفو مصر يتجادلون في زيارة علي سالم لإسرائيل
    ___________________________

    أثارت زيارة قام بها مؤخرًا الكاتب المسرحي المصري، علي سالم، لاسرائيل ردود فعل متباينة في صفوف المثقفين المصريين، تجاه مسالة التطبيع الثقافي مع إسرائيل. وكان علي سالم، الذي يعتبر من المقربين من الروائي المصري الحائز على جائزة نوبل للأدب نجيب محفوظ، توجه الاسبوع الماضي إلى إسرائيل للمشاركة في مؤتمر لوسائل الاعلام الحديثة عقد في بئر السبع.

    واعتبر فاروق خورشيد، رئيس إتحاد الكتاب المصريين، الذي كان من أول المؤسسات النقابية التي أعلنت رفضها لاتفاقيات "كامب ديفيد"، قبل ربع قرن، أنّ "الاتحاد لا يزال متمسكًا برفض التطبيع مع اسرائيل، وزيارة علي سالم لن تغير من الأمر شيئا- فهو لا يمثل إلا نفسه".

    وأضاف في تصريح لوكالة "فرانس برس": "نحن في الاتحاد وقفنا ضد أية محاولة للتطبيع وواجهنا الذين حاولوا زيارة اسرائيل وتطبيع العلاقات معها، وقمنا بفصل علي سالم من عضوية "الاتحاد"، بعد زيارته لاسرائيل وعدم اعتذاره عن هذا الموقف".

    وكان اتحاد الكتاب المصريين فصل علي سالم من عضويته في أيار 2001 بعد قيام هذا الاخير بزيارة اولى لاسرائيل.

    من جانبه ذهب الكاتب الروائي صنع الله ابراهيم إلى حدّ اتهام سالم بأنه "يعمل لصالح الموساد بشكل أو بآخر، لأنه يخدم خططهم للتوغل في الحركة الثقافية المصرية، وإضفاء نوع من "العادية" على تصريحات ومواقف وزيارات التطبيع".

    وفي هذا الاطار "استهجن" أيضًا الروائي جمال الغيطاني زيارة سالم هذه "في الوقت الذي يقوم فيه كتاب أوروبيون وأمريكيون وأفارقة بزيارة الشعب الفلسطيني وقيادته للتضامن معهما في مواجهة المذابح التي يرتكبها الاسرائيليون".

    ورأى أنّ هذا يطرح "علامات استفهام كبيرة حول أيّهم أحق بالزيارة: دولة اسرائيل المعتدية والقمعية أم الضحية"- مشيرًا إلى أنّ أيّ "كاتب حقيقي لا بد أن يدفعه ضميره للقيام بدعم الضحية وليس الجلاد".

    من جهة أخرى اعتبر الغيطاني، وهو أيضًا من المُقرّبين من نجيب محفوظ، أنّ علي سالم "لم ينجز أيّ نص مسرحي له قيمة يعتد بها خلال السنوات العشر الاخيرة". ووصفه بأنه "مجرد كومبارس يلعب في المساحة الخلفية للمسرح للدفاع عن إسرائيل في الفضائيات العربية، ويبذل الجهود الجبارة في تحقيق أهدافه هذه".


    يُذكر أنّ علي سالم قدّم للمسرح العربي تعريبا لمسرحية "مدرسة المشاغبين" في مطلع السبعينات، حيث اعتبرت من أهم المسرحيات الكوميدية التي قدمت على المسرح المصري. فقد حققت هذه المسرحية التي قام ببطولتها عادل امام وأحمد زكي وسعيد صالح وسهير البابلي نجاحًا كبيرًا مع استمرار عرضها لسنوات طويلة.

    ولا تعليق.
    طيب الله اوقاتك اخى/الخطاف.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    موقع خطاي ..
    الردود
    2,521
    جميل .. متابع !
    .
    .

    أحدٍ رزقه الله عيون .. وما يشوف ! ** وأحدٍ بدون عيون .. شايف كلّ شي !

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .. 4 ..


    ( زوجتي و آلام البشر .. ) *



    بعض الرجال في هذا العالم محظوظون .. منهم من استطاع أن يكوّن ثروة كبيرة ، و منهم من حصّل مجداً أدبياً و سياسياً أو فنياً عريضاً .. أما أنا .. فمن الممكن اعتباري أكثر الرجال حظاً .
    فقد حققت - بفضل الله - قدراً معقولاً من المال يتيح لي حياة كريمة ، و حققت أيضاً في عملي نجاحاً يحسدني عليه البعض .. و بالاضافة لكل ذلك - و هذا هو المهم - فقد رزقني الله بزوجة طيبة ، رقيقة عطوف ، فائقة الحساسية و الانسانية ..


    خطبتها لي أمي بالطريقة التقليدية بعد فشل مرير لقصة حب طويلة انتهت إلى لاشئ ، أسلمتني إلى حالة من اليأس و اللامبالاة ، و جعلتني في النهاية أرضى بالطريقة التي التي تزوج بها أجدادي ..

    بعد جلسة واحدة مع خطيبتي ، اقتنعت ، بل و آمنت أنني - بمحظ الصدفة - قد وفّقت إلى المرأة الكنز كما تصفها الحواديت و الأساطير التي يحلم بها أي رجل ..

    جميلة ، رشيقة ، جادة ، تتكلم بلا تكلف أو تصنّع في صوت رقيق عذب خافت .. ترتدي ملابس بسيطة رائعة الذوق ، فهمها للاتجاهات السياسية لا يقل عن فهمها لكل المدارس الفلسفية القديمة و الوسيطة و المعاصرة ، حجة في التاريخ ، موسوعة في الموسيقى ، و تجيد الطهو .. ضع كلمة تجيد و اكتب بجوارها أي كلمة أخرى لكل ماهو جميل و مفيد في هذا العالم ، ستحصل في النهاية على وصف دقيق لزوجتي ..


    سوف تقولون يا بختك ..!
    نعم يا بختي .. و لكن المثل الشعبي يقول : " الحلو لا يكتمل " ..!

    انتظروا قليلاً حتى أكمل اعترافي .. في أسبوعين فقط انتهيت من إعداد ( فيللتنا ) الأنيقة التي ساهمت في تهيئتها بلمستها الحانية .. حتى الحديقة ، فوجئت بها توجّه " الحدائقي " و تعطيه إرشاداتها بطريقة تؤكد فهمها العميق للزراعة و تنسيق الحدائق ..
    من المؤكد أنني حتى الآن قد تزوجت من حورية جاءت من الجنة متنكرة في هيئة البشر ..


    و في رحلة شهر العسل ، تبينت عيبها الوحيد الاساسي ، الواحد و الوحيد ..
    كانت تنفعل - بقوة - بآلام الآخرين ، و تشعر بمسئولية كبيرة تجاه البشر في كل مكان .
    و هل هذا عيب يا رجل ؟ ألن تكفّوا عن الإفتراء على النساء يا معشر الرجال ..؟
    انتظروا قليلاً و استمعوا جيداً لا عترافي ..

    هل تعرفون مطعم " ماكسيم " في باريس ..؟ بالتأكيد أنتم تسمعون عنه كما كنت أسمع و أقرأ عنه طوال عمري .. اصطحبتها هناك لننعم بعشاء فخم نظل نذكره في قادم الايام و السنين .. و في ذلك المطعم الفخم ، كتيبة كاملة من الجرسونات و السفرجية جاءت ترصع مائدتنا بشهي الأطباق و بأصناف الطعام الفخم الذي لم أعرفها من قبل ، و التي لم أكن أتخيل وجودها من قبل .. بداية طيبة لشهر العسل ..
    أليس كذلك ؟..
    لا .. لم يكن الأمر كذلك ..

    فوجئت بسحابة من الكآبة تعلو وجهها و هي تنظر بشرود لأطباق الطعام ..
    - مالك يا حبيبتي ..؟
    -- لا .. لاشئ .. فقط كنت أفكر في أطفال أفريقيا الذين يموتون جوعاً في كل لحظة .. إن العالم اليوم تنقصه روح الأخوة الحقيقية .. هم في النهاية بشر ، و اخوة لنا ..

    رسمت على وجهي مسحة حزينة و جادة و قلت لها مواسياً :
    - يا حبيبتي : إن العالم كله يرسل لهم الطائرات الضخمة محمّلة بالأغذية كل يوم ، و لقد قرأت هذا الصباح عن رجل كندي تبرع لهم بمزرعته الكبيرة .. سيبيعها و يعطيهم ثمنها .. الناس في العالم كله متعاطفون معهم ..

    قالت برقة و هي تنظر للطعام في حزن :
    -- و ماذا فعلنا نحن ؟ أنا و أنت ؟ .. ماذا فعلنا من أجلهم ؟.. أرجو ألا أفقدك شهيتك بهذا الحديث ..
    و أنا آسفة لخوضي في هذا الموضوع في هذه اللحظات .. و لكنك سألتني ، و أنا لا اريد أن أخفي
    عنك ما أفكر فيه ..

    - طبعاً يا حبيبتي طبعاً .. و أنا ايضاً اقدّر لك إحساسك بآلام الآخرين .. و لكن جرّبي هذه الشوربة ، ذوقي هذه السلطة الرائعة .. مارايك في هذا الكافيار المدهش ؟

    اغتصبت ابتسامة شاحبة و أخذت تأكل بضع لقيمات بدافع من المجاملة و بشكل لا استمتاع فيه ..
    أنا أيضاً فقدت شهيتي للأكل ، و رفع الجرسونات - و قد اكفهرّت وجوههم – الأطباق و عادوا بها كما هي .. و كأن لم يمسسها بشر ..

    اقترب مني رئيس الجرسونات بوجه ممتقع ، انحنى في أدب و همس في أذني :
    - سيدي ، من المعروف في هذا المطعم العريق أن الأطباق التي تخرج للزبائن تعود ممسوحة تماماً ..
    هذه هي المرة الأولى في تاريخ هذا المطعم التي تخرج فيها هذه الأطباق و تعود للمطبخ كما هي ..
    لقد أصيب رئيس الطباخين بانهيار عصبي ، و مدير المطعم ينتظرك في مكتبه لكي تقدم له تفسيراً لما حدث ..

    إن ما حدث منكما يا سيدي من الممكن أن يصيب السياحة في فرنسا بآثار بالغة الخطورة .. و .. و ..

    بفرنسيتي الضعيفة ، قضيت ساعتين أحاول إقناع مدير المطعم بأن العيب يكمن فينا و ليس في طعامه !
    و في النهاية كتب محضراً بالواقعة في حضور مسئول السياحة في باريس و وقعت عليه أنا و زوجتي لكي يؤمن موقف المطعم و يحمي سمعته في حالة تسرب الخبر للصحافة .

    خرجنا من المطعم في تلك الليلة و أنا أكاد أموت جوعاً . أوصلتها للأوتيل و نزلت إلى الحي اللاتيني على الفور لأشتري سندوتشاً مغربياً مليئاً بالشطة و بأنواع أخرى من المتفجرات ، و قضيت ليلة سوداء في عاصمة النور تؤرقني فيها الكوابيس و آلام المعدة و حرقان الغليظ .


    ** و إليكم قصة أخرى :


    في قرية سويسرية ترقد في أحضان الجبال الثلجية ، و في فندق قديم جميل ، جلسنا في بهو الفندق بجوار المدفأة نستمع لموسيقى مزار الشجيّة ..
    تطلعت إليها فوجدتها تنظر بشرود لنيران المدفأة و قد اغرورقت عيناها بالدموع التي ما لبثت أن بدأت تسيل على وجنتيها .
    -ماذا بك يا حبيبتي .. ماذا يؤلمك ؟
    ردت بصوتها الملئ بالرقة و العطف :
    -- لاشئ أرجوك لا تسألني .. لا أريد أن أفسد استمتاعك بهذه اللحظاات الجميلة .
    - أرجوك حبيبتي .. دعيني اشراكك في أحزانك .. لماذا تبكين ؟..
    أجابت :
    -- هذا الدفء .. هذا الجمال .. كم من البشر على ظهر هذا الكوكب يبحثون عنه و لا يجدونه .. كم من البشر الآن يرتعدون من البرد ، و كم منهم تعذبهم حياتهم التعيسة .
    قلت لها و أنا أتثاءب :
    - كثيرون يا حبيبتي .. كثيرون ، من الأفضل أن ننهض الآن للنوم مبكراً .. لقد قررت أن أقطع شهر العسل و أن نسافر في صباح الغد .. لا بد أن أعود لعملي فوراً ..
    صاحت بدهشة :
    -- لماذا يا حبيبي ؟
    - بصراحة تعذبني فكرة أن الآخرين يعملون و أنا هنا أستمتع بالحياة فقط ، كم من البشر الآن يعملون في المناجم و المصانع ، يكدون و يكدحون و يشقون ، بينما أنا هنا أستمتع بحياتي و بالدنيا فقط و لا أقدم للبشر أي شئ مفيد .. اصارحك القول ، لقد استيقظ ضميري أخيراً بفضلك .. لقد قررت قراراً لا رجعة فيه ألا أستمتع بأي شئ ..

    و من يومها ، و لم تحدّثني عن آلام البشر ..




    * اعترافات زوج ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .. 5 ..

    ( التكنولوجيا : مارد العصر )*



    * تماماً .. كما كان يحدث في الحواديت القديمة .. عثر الرجل على مصباح علاء الدين .. ذلك المصباح الشهير الذي يخدمه أحد المردة الطيبين .. و مسح الرجل بسعادة بكفه على جانب المصباح ، عند ذلك جاء المارد على الفور .. لعله قطع في رحلته المجهدة ملايين ملايين الأميال ، آتياً من مكان ما في ذلك الكون الذي لا نهاية له .. أو لعله كان يرقد في أعمق الأعماق في البحر .. المهم أنه جاء " ..

    ***


    انحنى المارد أمام الرجل في خضوع و قال :
    - شبيك لبيك ، عبدك و بين إيديك .. ماذا تطلب ؟ إنني مكلف أن أحقق لك ثلاث رغبات ..
    استولت المفاجأة على الرجل و نظر بذهول و رهبة إلى المارد الماثل أمامه ، ثم هرش في رأسه مفكراً :
    لا بد من الاستفادة من الموقف إلى اقصى حد .. و بعد لحظات صمت طويلة ؛ أعلن رغبته الأولى :

    -- " ساندوتش شاورمة " ..

    صدم المارد من هذا الطلب المفاجئ الغريب ، و لكنه جاء بالمطلوب : ساندوتش شاورمة ساخن لذيذ ، لعل بشرياً لم يأكل مثله من قبل .
    ثم أعلن الرجل بعد أن هرش في رأسه مفكراً ، رغبته الثانية :

    -- " شوية طُرْشِـي ، و كتّر الفلفل " ..

    بدأ المارد يشعر بالإهانة من هذه الرغبات التي تحتقر إمكانياته الهائلة ، و لكنه استجاب لطلب الرجل و أحضر له " طبق طرشي " يحوي أنواعاً من المخللات ، لا نعتقد أن مائدة عرفته من قبل .
    بعد ذلك وقف المارد منتظراً رغبة الرجل الثالثة و الأخيرة ، محاولاً قدر استطاعته أن يخفي إحساسه بالاحتقار ..
    و بعد أن هرش الرجل في رأسه مفاخراً ، و أعلن بحماس رغبته الأخيرة :

    -- " قطعة بقلاوة " ..

    و بكل ما يشعر المارد من خيبة أمل .. جاء بقطعة البقلاوة التي كانت - و الحق يقال - حلاوتها تفوق حلاوة أي شئ آخر على وجه الأرض ..


    * ماذا حدث بعد ذلك ؟؟

    في الغالب .. تضاءل المارد من القهر و الغم و النكد إلى أن أصبح كائناً صغيراً ، و حبس نفسه في المصباح ..
    و من المؤكد أنه لم يعد يخرج ملبياً رغبات البشر .. حتى و لا في الأحلام .. حتى و لا في الحواديت القديمة أو المعاصرة ..

    ***


    * مارأيك في ذلك الرجل ؟ هل تعتقد أن له وجوداً ..

    الإجابة : " نعم " ..

    فقد قرأت في الصفحات الأولى في بعض الجرائد اليومية عن مستشفى حديث كبير ، و لقد حرص الخبر المنشور على أن يزفّ للقارئ بشرى أن غرف العمليات سوف تكون على هيئة قوقعة ..
    أما المريض ، فسوف ينقل من غرفة العمليات إلى غرفته بـ " الريموت كنترول " كما لو كنا نشكو من قلة البشر القادرين على دفع " التروللي " الذي يرقد عليه المريض إلى غرفته بكل الحرص اللزم ..
    لتكن غرفة العمليات على هيئة قوقعة ، أو حتى على هيئة " كابوريا " .. فليس هذا هو المهم و إن كان يكشف غرامنا و إهتمامنا بالشكل دون الجوهر ..
    أما حكاية الريموت كنترول الذي سنستخدمه في تحريك " التروللي " الذي يرقد عليه المريض فهو أمر مفزع حقاً . هل هي كثرة فلوس ، أم كثرة ديون ، أم قلة فهم ؟؟..

    لكل عصر ، و لكل مكان ، و لكل ظروف التكنولوجيا الخاصة بها ، و التي يجب أن تستغل فيما اخترعت من أجله .. و إلا كنا نهين أعظم إنجازات العقل البشري ، يجب ألا نطارد الفئران بالمدرعات ، كما لا يجب أن نصطاد البط بمدفعية الميدان ..

    تُـرى ، ماذا يحدث للمريض عندما يصاب جهاز " الريموت كنترول " بعطل ما .. أو عندما يخطئ بعض العاملين عليه ؟
    أراهن أن المريض لن يصل لغرفته مطلقاً ، سوف يتمشّى بين كل ممرات المستشفى ، مصطدماً ببقية المرضى و الأطباء و الممرضين و الزوار ..
    مصطدماً بالجدران ، مخترقاً كل العنابر ، داخلاً إلى المطبخ ، خارجاً منه ، داخلاً الأسانسير ، هابطاً للدور الأرضي ، خارجاً من المستشفى إلى الشارع ،
    و سوف نكون محظوظين في النهاية إذا وجدناه يسابق السيارات فوق كوبري أكتوبر ..



    * مجلة كل الناس .. 1989 م ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .. 6 ..

    ( رسالة إلى سيارتي الـ 125 )



    لست أزعم أنني أحببتك من تلك اللحظة التي التقيت فيها بك في مخازن الشركة في الهرم .. ذات يوم في شهر مارس منذ أربعة عشر عاماً تقريباً .. فقد كنت أريدك خضراء أو حمراء .. و لكن تلك الدفعة من السيارات - دفعتك يا عزيزتي - كانت رمادية بلون تراب القاهرة ..

    و خضعت للأمر الواقع ، و استلمتك .. و من حي الهرم إلى المهندسين قدتك بكل حرص و بكل ما أملك من براعة .. فقد كانت تلك هي لحظاتك الأولى التي تخرجين فيها إلى الشارع و تمشين بين السيارات الأخرى و الأتوبيسات الضخمة و عربات الكارو ، و البشر المجانين الذين يتراقصون أمامك و من حولك ..

    لم تكن أجزاؤك ناعمة و لينة كما أنت الآن .. جاءت عليّ لحظات كنت أشعر فيها أنك ترتجفين و تهتزين بعنف عندما كنت أضغط على فراملك .. بل أنك كنت ترتجفين و لا تستجيبين بنعومة لذراعي عندما كنت أنعطف بك يميناً أو يساراً ..

    مع الأيام .. بدأت تنشأ بيني و بينك علاقة ألفة بل و صداقة ما لبثت أن تحولت إلى حب حقيقي .. و أشهد الآن أمامك و أمام التاريخ أنه بدونك لم يكن من الممكن أن أكتب مسرحيتي " الكاتب و الشحات " فقد كنت أنت ملهمتي لكتابتها ..

    في ذلك الوقت كانت هناك في مصر جراجات تنام فيها السيارات إلى تغيرت الأيام و أصبحت في الشارع ، بجوار الرصيف تماماً كما المتشردين الذين لا مأوى لهم .

    هكذا حكمت الأقدار ، و لكن - و صدّقيني - لم أكن سعيداً بذلك .. و لكن ما باليد حيلة .. و مع مرور الأيام .. بدات أكتشف الصفات المشتركة بيننا : اللون الرمادي ، و الاستجابة السريعة ، و تواضع الشكل و قوة المضمون .

    كنت أتركك بجوار الرصيف أسابيع طويلة عندما أكون خارج القاهرة ، صيفاً أو شتاءً ، في وحل الأمطار أو تحت أشعة الشمس الحارقة .. و لكنك بمجرد أن يلمسك مفتاح " الكونتاكت " كان موتورك يدور على الفور ، و يهدر في قوة و فرحة و زهو ..

    أشهد أنك لم تخذليني يوماً واحداً ، و من الغريب أنه حتى الآن لم تمتد إليك يد ميكانيكي لتفتح موتورك ، أو تعبث في أعماقك ..

    بالطبع تعرفين مدى اهتمامي بك ، فأنا لم أشتر لأهل بيتي شيئاً إلا و أحضرت لك مثله .. تذكرين بالطبع العام الماضي .. عندما اشتريت بدلة جديدة و هذا أمر يحدث نادراً ، لقد اشتريت لك أيضاً فرشاً جديداً .. لم أقصر في تلبية احتياجاتك في يوم من الايام ، فقد كنت أمدك بأغلى " البوجيهات "و أطعمك أفخر أنواع الزيوت و الشحوم ..

    كان حرصي على صحتك يفوق حرصي على صحتي .. و في تلك المرات القليلة التي كان ينتابك فيها العطب كنت أسرع بك إلى أكبر الأخصائيين في عالم الميكانيكا .

    تذكرين في البداية أن درجة حرارتك كانت ترتفع باستمرار بدون سبب واضح .. و كان هذا يدفع الحزن في قلبي .. و لكن تلك المحنة انتهت بتركيب " راديتر نحاس " بدلاً من الألومونيوم .. هل تذكرين ذلك اليوم الذي حدث لك فيه انسداد في " الكاربوريتر " ؟
    لم أنم ليلتها من القلق إلى أن تم غسل " التنك " و كل مواسيرك . عند ذلك نمت مرتاح البال و الضمير بعد أن استمعت لصوت موتورك الحلو الناعم و هو يعزف لحن العافية و الصحة ..
    إنني أريد أن أثبت لك شيئاً واحداً ...

    كنت أحبك .. و مازلت .. و مع ذلك - و بكل ألم - أخبرك بأننا سنفترق .. الفراق هو سنة الحياة ، فنحن في كل لحظة .. نفارق الأشخاص و الأشياء و الأماكن و اللحظات .. و كل شئ و كل علاقة مصيرها إلى فراق .. إلى أن تأتي اللحظة التي نفارق فيها الحياة نفسها ..


    لا تتصوري للحظة واحدة أن عيني قد زاغت على سيارة أخرى ، فلم تخرج المصانع بعد سيارة تحتل مكانك في قلبي حتى و لو كانت " الزلمكة " !!..

    و لا تتصوري للحظة واحدة ايضاً أن أنني بدات أشك في ادائك ، أو أنني سأفعل بك ما يفعله الأوربيون قساة القلوب عندما يرسلون بسياراتهم إلى مقابر السيارات .. فأنت تعلمين مدى وفائي للأشياء ..

    المسألة ببساطة هي أن الايام قضت بأن أسافر إلى مهمة طويلة .. قد تقولين و ماله .. " حطّني في جراج " ..

    أعترف أنني فكرت في ذلك و لكن اين هو ذلك الجراج ؟ و حتى لو وجد .. كم سيطلب ثمناً لإيوائك .. و ماذا سيحدث لك في غيابي ؟.. إن البشر يدمرون كل شئ كما تعلمين ، و أنا واثق أنه لن يتبقّى منك شئ عندما أعود .

    ثم إنني يا عزيزتي - عفواً في حاجة إلى ثمنك - أرجوك لا تستبشعي صراحتي .. فالناس في أماكن كثيرة في هذا العالم يبيعون أولادهم .. و لكن لن أبيعك إلا لمن يعرف قدرك ، ويقدر تاريخك معي ، و يحافظ عليك و يعاملك بما تستحقين من رعاية و حب .. و لكن صدّقيني .. سأفعل ذلك و الألم يمزقني .. يا رمادية بلون الأيام ، يا قوية مثل الفرس الجميلة ، يا سريعة يا ثابتة على الطريق .. يا قليلة الاستهلاك .. يا اصيلة و معاصرة .. يا سيارتي يا جملي .. أهئ .. أهئ .. أهئ ..!



    .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    ..

    الأخ أنس بن منذر .
    نحن هنا نتطرق إلى قلم علي سالم الساخر و كتاباته ، و ليس إلى صهيونيته أو عمالته ..
    و أعتقد أن إدراجك للقاء صحفي هنا خروج عن أصل الموضوع ..

    ياليتك تساهم و البقية في البحث عن كتابات هذا الرجل و وضعها هنا لتعم الفائدة .
    علماً بأني أنقل كتاباته من بعض الكتب عندي .. و أجد صعوبة بالغة في ذلك .

    .

    الدوغري ..
    بدر المستور ..

    أهلاً بكما .


    .. East or west , home is the best


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .. 7 ..

    قصة أول هدية في التاريخ :
    ( هات .. حاضر )



    في عصر سحيق من عصور ماقبل التاريخ ، بل و قبل ذلك بكثير ، قبل اختراع الكلمات أو اي شئ آخر .. حدثت هذه الحكاية التي لا يوجد دليل قاطع على حدوثها .. و إن كنا نجزم بحدوثها بفضل الاطلاع الدائم على الحفريات القديمة و الرسوم البدائية التي خطّها الإنسان الأول على جدران الكهوف بالإضافة لتفكيرنا المستمر في أحوال البشر ، و دراسة سلوكهم عن قرب و عن بعد ..
    إنها قصة أول هدية قدمها رجل لامرأة .. و لما كان من الخطأ أن نطلق على بطلنا اسما محدداً ، لذلك من الأفضل أن نسميه " عااااا " فقد كان يصدر صوتاً شبيهاً بهذا المقطع عندما كان يشعر بالخوف أو الجوع أو بأي انفعالات أخرى ..
    أما هي فمن الممكن أن نسميها " هااااا " لنفس السبب .. و كان الكهف الذي يعيشان فيه على أطراف الغابة .. قريباً من نبع مياه عذبة .. و يبعد البحر مسيرة نصف نهار تقريباً ..

    كان " عااااا " هائل الحجم قوياً ، مفتول العضلات ، يستطيع القضاء على ثور بري بضربة واحدة من قبضة يده .. و كان جسمه يتسم بدرجة عالية من المرونة و خفة الحركة مما ساعده كثيراً على تسلق الأشجار في خفة و سرعة في الوقت المناسب للهروب من أسود الغابة و نمورها ..

    و كانت " هااااا " جميلة بمقاييس ذلك الوقت .. فقد كان شعرها الطويل الاسود بلون الليل يغطي رأساها و وجهها و جسمها كله .. كانا يتجولان في الغابة طوال النهار .. يتسلقان الأشجار ، و يقطعان الثمار ، و يطاردان الأرانب البرية أو الأوز المتوحشة ، أو يستلقيان على شاطئ البحر في استرخاء .. ثم يعودان إلى الكهف فيدخلانه ، و يسدّان الباب بصخرة تمنع التراب و اقتراب الحيوانات المتوحشة .
    هذا بفرض أنه كانت هناك حيوانات أكثر منها توحشاً .. و في الكهف - طبقاً لأقوال بعض العلماء - كانا يقضيان لحظات طيبة ..

    و ذات يوم ، لاحظ " عااااا " أن " هااااا " تعامله بشكل فيه نفور و جفاء ، و تحرمه من اللحظات الطيبة بل و تصرخ في وجهه ببعض الأصوات الغريبة التي تمت ترجمتها فيما بعد على النحو التالي :

    - " روح إلهي أسد ياكلك " ..

    حاول أن يخضعها بالعنف ففوجئ بها توجه لكمة هائلة إلى فكه أوجعته بشدة و جعلته يمضغ الثمار بصعوبة من فرط الألم .. و اكتشف صاحبنا اكتشافه الأول المهم ، القوة لن تجدي ، فهي قوية مثله تماماً ..
    ظن أنها جائعة فأسرع إلى الغابة و اصطاد غزالة سمينة ، و جاء بها و ألقاها تحت قدميها . و لكنها نظرت له باحتقار و استياء ، فقد اصطادت لتوها غزالة أكبر حجماً .
    لم يشعر باليأس ، ذهب إلى شاطئ البحر ، و استلقى على الرمال و أخذ يفكر ، لا بد أن يفعل من أجلها شيئا مبهراً لم يفعله من قبل ..
    و فجأة جاءته الفكرة فيما يشبه الإلهام ، فعاد مسرعاً إلى الغابة ..
    أمسك بحجر مدبب ذي حواف حادة .. و اختبأ بين الأغصان الكثيفة فوق شجرة عالية .. جعل من نفسه طعماً بشرياً ، فهو يعلم أن النمر سيأتي حتماً عندما يشم رائحته ..
    و بالفعل جاء النمر متشمماً ، باحثاً عنه .. عند ذلك بسرعة خاطفة و في تصويب محكم قذف النمر بالحجر فمات على الفور بعد أن تهشم رأسه ..
    نزل صاحبنا و بدا يسلخ جلد النمر ، ثم أخذ الجلد إلى البحر و غسله بقوة و دعكه بالرمال و الملح ثم نشره على الرمال الساخنة ، ثم عاد إلى الكهف فوجدها تجلس أمامه و قد أوقدت ناراً ..
    فوجئت " هااااا " بالمنظر و أخذت تنظر لجلد النمر باستغراب .. عند ذلك اقترب منها ووضع جلد النمر على جسمها في حنان .. فيما بعد قال علماء الأجناس و التحليل النفسي ، و قلت أنا أيضاً إنه كان يريد أن يقول لها :

    - أنت قوية و جميلة مثل النمر .. و أنا أخشاك مثلما أخشاه ..

    بعد ذلك اصطحبها إلى بركة مياه قريبة ليريها شكلها الجديد منعكساً على صفحة الماء ..
    لم يكن " عااااا " يدرك أن هديته سوف يكون لها كل هذا التأثير المدهش على سلوك " هااااا " تجاهه .. لقد بدأت تعامله بشكل جميل لم يعهده من قبل ، و منذ تلك اللحظة تغير سلوك صاحبنا تماماً ، بدأ يقتل الحيوانات و الزواحف ليسلخها و يعود بجلودها إلى " هااااا "
    و بذلك بدأت أولى أنواع الملابس و الأحذية و الحقائب في الظهور ، و استمرت حتى الان .. بعد ذلك بدأت مرحلة الاكسسوار ، بدأ يفكر في تزيين تلك الجلود و أنياب الحيوانت المتوحشة يصنع منها عقوداً و حلقاً ، إلخ ..
    و الآن .. صاحبنا عرف طعم السعادة .. لذلك بدأ يكتشف بقية الحروف و خاصة حرف الضاد و الراء و أضافها لصيحته فأصبحت " عاااااضر " ..
    ثم اختفت العين فأصبحت حا .. و بدأ يقول لها دائما : " حاااااضر "
    أما هي .. فقد اكتشفت حرف التاء فأصبح اسمها : " هااااات " ..

    و منذ تلك اللحظة تلخصت العلاقة بينهما في كلتا الكلمتين الخالدتين :

    - " هات ..
    - " حاضر " ..!



    .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    الباب العالي
    الردود
    1,272
    علماً بأني أنقل كتاباته من بعض الكتب عندي .. و أجد صعوبة بالغة في ذلك .
    مجهود رائع .. أخي الكريم .

    ثم, هل نقاطع الكاتب ولا نقرأ له بسبب تطبيعه؟! ,ولسنا نحن اتحاد الكتاب العرب لكي نحاكمه هنا !

    متابع ..

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .. 8 ..

    ( المكواة )
    *


    هل تصدقون أن رجلاً على وجه الأرض يكره كل إنجازات العلم المعاصرة من مخترعات حديثة تسهل على البشر كل أمور الحياة ؟
    أنا هو ذلك الرجل ..
    نعم ، فأنا أكره كل المخترعات الحديثة التي اخترعت من أجل راحة الإنسان ، بل و أحلم بالعودة لتلك الأيام الجميلة التي كان الإنسان الأول ينام فيها آمناً في كهفه المريح في أعماق الغابة ، لا يزعجه أزيز أجهزة التكييف ، و لا يتبهدل عند الميكانيكي ، و لا يتعرض لعمليات القرصنة المنظمة الني يشنها عليه عمال صيانة الغسالات و الثلاجات و الفيديو و التلفزيون ..
    لقد ظهر في السوق مكواة صغيرة ، أحدث إنتاج للتكنولوجيا المعاصرة ، لا داعي لأن تنثر ذرات الماء على الملابس تمهيداً لكيها ، فهذه المكواة مزودة بخزان داخلي تضع فيه الماء ، عند ذلك يسخن بفعل الكهرباء إلى درجة الغليان ، و عند ذلك يتولى عقل الكتروني صغير دفعه إلى الخارج من خلال فتحات صغيرة متناثرة على سطح المكواة ..

    كان الإعلان عن المكواة في التلفزيون يذهل العقول ، فقد كانت تخرج منه سحابة من البخار تعانق الملابس و قد أمسكت بها يد " مكوجية " حسناء ذات ابتسامة لا تقاوم ..
    اشترينا المكواة .. و لأن كل اختراع جديد يوجد معه كتيب بكل اللغات الحية و الميتة ، و يشرح لك طريقة الاستخدام و يحذرك من مغبة سوء الاستعمال ،
    فقد أخذت زوجتي تقرأ بإمعان هذا الكتيب .
    اكتشفت أنه مرفق به ورقة معالجة كيميائياً تشبه ورقة عباد الشمس التي كنا نميز بها الحامض من القلوي في حصص الكيمياء في مرحلة الدراسة الثانوية ..

    اتضح أن هذه المكواة الفاضلة لا تتحمل أي نوع من أنواع المياه .. و أن زيادة نسبة الشوائب و الأملاح في الماء تفسد أجزاءها الدقيقة المرهفة ، و أنه لابد - ضمانة لسلامة الاستعمال - من الكشف على المياه بواسطة هذه الورقة المرفقة ..

    كشفت زوجتي عن مياه الصنبور التي نشرب منها ، و التي يشرب منها أجدادنا منذ آلاف السنين ، فاكتشفت أن نسبة الملوحة و الشوائب العالقة بها كبيرة بحيث لا تصلح أن تتغذى بها المكواة ..
    أجسامنا المسكينة تتحمل هذه المياه بكل شوائبها ، بينما هذه المكواة الارستقراطية ابنة تكنولوجيا الغرب المهذبة لا تتحملها ، بل قد تصيب بالتلف أجزاءها الدقيقة المدللة ..

    - و الحل ..؟ هل أشتري لها مياهاً مقطرة من الأجزخانة بحيث يكلفني كي القميص مبلغاً يعادل ثمن القميص نفسه ؟.. أم أسقيها مياهاً معدنية ، بينما اشرب أنا من النيل مباشرة ؟..
    - لا .. نشتري ( فلتر ) لتنقية المياه ، يوضع على الصنبور .


    و اشتريت ( الفلتر ) ، و ركّبته على الصنبور ، و شربت المكواة هنيئاً مريئاً ، و انبسطت و بدأت تكوي ، و بدأ أفراد الأسرة أيضاً يشربون مياهاً نقية لا طعم لها و كأنها الهواء .

    بعد مرور عدة أيام حدث شئ غريب ، بدأنا جميعاً نشكو من آلام و تقلصات في المعدة مجهولة السبب و المصدر .. قرر طبيب الأسرة بعد كل التحليلات التي أجريت في أحدث المعامل الطبية ، و بعد الحصول على صور أشعة متعددة ، استخدمت فيها أشعة الليزر و المحاليل الذرية الملونة قرر الطبيب أن المسئول عن عن هذه الآلام هو تغيير نوعية مياه الشرب التي تعودت عليها أجسامنا لسنوات طويلة ..

    لابد من نسبة معينة من الأجسام الغريبة و الشوائب ، عندما تدخل المعدة يستخدم الجسم كل قواه لمقاومتها ، و في غياب هذه الأجسام الضارة يفقد الجسم الرغبة في المقاومة و يصبح ضعيفاً ، فلا تتحمل مقاومة أضعف الميكروبات و أقلها شأناً ..
    عدنا للشرب من مياه الصنبور العادية ، فاختفت الآلام على الفور .. و خصصنا الفلتر لتنقية المياه الخاصة بالمكواة فقط ..

    أصيب الفلتر بعطب ، لم يتحمل المسكين كمية العمل المفروضة عليه ، فقد كانت كمية الشوائب و الطحالب أكبر من تتحملها أجزاؤه الدقيقة ..
    فككته و ذهبت إلى توكيل الشركة الخاصة به ، نظر المهندس الألماني إلى أجزائه ثم قال باستنكار شديد :

    - ماذا فعلتم به ؟ هل تستخدمونه في تنقية شوربة العدس ؟ .. لم يحدث من قبل أن كسرت هذه الأجزاء الداخلية .. أنتم في حاجة إلى محظة تحلية مياه تعمل بالطاقة الذرية .. على كل حال سوف أطلب لك قطع الغيار المطلوبة من المصنع ، على أن تتحمل مصاريف المراسلات بالتلكس ..


    ***


    ارتفع سعر الدولار إلى الضعف مما ترتب عليه أن قطعة الغيار المطلوبة كلفتني ضعف ثمن الفلتر نفسه ، و لكن للأسف ، بعد أن ركبنا قطع الغيار المطلوبة توقف الفلتر بعد أسبوعين .

    - ماذا نفعل ؟

    عدنا لقراءة الكتيب مرة أخرى ، اتضح أن هنالك حل يشبه كل الحلول الدبلوماسية ، لا غالب و لا مغلوب .
    من الممكن أن تعمل المكواة مثل بقية مكاوي البشر التقليدية ، بدون مياه تخرج من جوفها ، يعني ترش المياه على الملابس من إناء منفصل ، ثم تستخدمها بشكل تقليدي .

    و لكن .. و لكن مافائدة الثقوب و التكنولوجيا المعاصرة إذن ؟. أليس فيما نفعله إنكار و إهدار لجهد العبقري الذي اخترع المكواة ؟.. أليس فيما نفعله تجاهل شرير لإنجازات العلم ..؟
    هذا ما كانت تلح به عليّ زوجتي كل يوم ، ثم أخذت تحثني أن أفعل شيئاً و ألا أستسلم للهزيمة بسهولة ..
    لابد من الحصول على مياه نقية تصلح للمكواة ..
    لذلك قررت أن أخوض معركتي على كل المستويات .. اتصلت بكل من أعرفهم في مستويات السلطة المتعددة ، اتصلت بمسئول مرفق المياه .. كلّمت قادة الأحزاب المعارضة ، أرسلت خطاباً لكل أبواب بريد القراء في كل الصحف و المجلات .. بالطبع لم أذكر لهم حكاية المكواة ..
    و مازلت أواصل معركتي ..
    فلست منعدم الضمير إلى الدرجة التي أترك فيها المكواة الأنيقة تموت عطشاً ؟؟؟!



    .
    * اعترافات زوج ..

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    لعله كان من المفترض أن تتواجد صورة الساخر علي سالم الشخصية في أعلى هذا المتصفح ؟
    و ذلك لكي لا تتشابه الكائنات في عقول البعض !
    و حتى يكون الحكم على عين معلومة .. سأعرضها الآن ؟!













    ---------------------
    شكراً لأنك هنا أخي العزيز عمر بك ..

    سأعود لأكمل بإذن الله .


    .. East or west , home is the best


  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .. 9 ..


    ( كذبة بيضاء .. )*


    لم يحدث من قبل أن كذبت على زوجتي .. ليس لأني في غاية الشجاعة أو منتهى الإستقامة .. و لكن و بكل بساطة ، لأن ظروفي لم تحتّم عليّ ، أو لم تدفعني أن أكذب عليها أكاذيب بيضاء أو منقوشة أو كاروهات أو من أي لون آخر .. فهي تعرف إيرادي الشهري بالضبط ، و تعرف جيداً طبيعة عملي ، و الأماكن التي أتردد عليها ، و الأصدقاء الذين أسهر معهم أحياناً ، إذا حدث أن سهرت خارج المنزل ..

    كنت أستمع لأصدقائي و هم يحكون - ضاحكين - الأكاذيب البيضاء التي يكذبونها على زوجاتهم ، و كنت أضحك معهم شاعراً بالتفوق لأنني أفضل منهم ، و لكن بمرور الوقت تحول هذا الشعور بالتفوق إلى شعور بالنقص .. حياتي تخلو من الأكاذيب البيضاء .. لابد أن يكون لي أنا أيضاً أكاذيبي الخاصة البيضاء .. على الأقل كذبة واحدة ، أفك بها عقدتي ، و أتخلص بها من شعوري بالنقص في مواجهة زملائي الكذابين البيض .. و أخيراً جاءتني الفرصة على طبق من الفضة ..

    ذات مساء ، و أنا داخل مكتبي ، حانت مني التفاتة إلى غرفة الانتظار فوجدت سيدة حسناء ترتدي ثياب الحداد ، و تنظر أمامها ساهمة في حزن .. كانت نظرتي الخاطفة إليها كافية لكي أتبين معالمها ، تلك المعالم التي قمت بتلخيصها تلخيصاً مخلاً عندما استخدمت في وصفها كلمة ( حسناء ) فقط ، الواقع أن المرء بحاجة أن يكون " طه حسين " أو " نجيب محفوظ " لكي يجد لديه محصولاً وافراً من الألفاظ يصف به هذه السيدة الجميلة ، الأكثر من جميلة ..

    أخبرني الساعي أنها تريد مقابلتي .

    - مقابلتي أنا ؟
    - نعم ، تقول إنها أرملة أحد أصدقائك .

    دار عقلي بسرعة ، أرملة صديق ؟.. لم يحدث أن أحداً من أصدقائي قد مات قريباً .. كما أعرف أن كل زوجات أصدقائي الأحياء و الأموات لأننا نتزاور عائلياً .. قد يكون أحد معارفي .. على العموم ، دعها تدخل .

    الآن هي جالسة على الكنبة المواجهة لمكتبي .. تحولت نظرتي لطيور رقيقة تحطّ في رفق على تفاصيلها الساحرة ..
    هذا النوع من الإناث لا تراه مرتدياً إلا ثياب الحداد .. فمن المستحيل و أزواجهن على قيد الحياة ، من المستحيل أن يسمحوا لأحد بأن يراهنّ !..

    تكلمت أخيراً في ابتسامة عذبة يغلفها الحزن النبيل ، و بصوت هو أقرب لتغريد البلابل و صليل الأجراس الفضية الصغيرة :

    -- أنا أرملة المرحوم ( عبدالله القللي ) الذي كان زميلك في البعثة في إنجلترا ..

    ياه .. إنجلترا ..؟ البعثة ؟.. خمسة و عشرون عاماً مرّت على عودتي من البعثة ؟.. القللي ؟.. فشلت في تذكر شخص بهذا الاسم .. كما تذكرت أن بعثتي كانت في أمريكا و ليس إنجلترا .. و لكن أي أهمية لذلك الآن ؟ قلت لها بحماس :

    - نعم .. نعم .. القللي .. كيف أنساه ؟ لم نكن نفترق أيام البعثة .. و لكن لم أشاهده منذ سنوات طويلة .. كيف حاله أقصد الله يرحمه .. كان ذوقه جميلاً في كل اختياراته . ليرحمه الله .. تحت أمرك يا سيدتي ..

    سكتت للحظات ، و بدا عليها الحرج ، فقلت لها مشجعاً :

    - أرجوك يا سيدتي .. لقد كان القللي من أعز أصدقائي ، و في لندن لم يكن يخفي عليّ سراً .. أنا أيضاً لم أكن أخفي عنه أي شيء من تفاصيل حياتي .. أرجوك .. حدثيني بصراحة ..

    قالت و عيناه مغرورقتان باللآلئ ، أقصد الدموع :

    -- كان مغامراً .. أضاع كل ثروته و ثروتي في البورصة و سوق الأوراق المالية .. و لم يتحمل .. فمات .. ليس أمامي إلا أن أبيع الفيلا و أبحث عن سكن متواضع .. فهل أجد لديك مشترياً ؟
    - لا مشكلة في ذلك يا سيدتي .. سوف أكلم أصدقائي سماسرة العقارات .. و سوف نجد مشترياً يدفع مبلغاً طيباً .

    قالت :

    -- هناك أمر آخر .. لدي معاطف فراء كثيرة و ملابس .. كلها مشتراة من بيوت الأزياء العالمية و بعضها مصمم خصيصاً لي .. أريد أن ..

    عند ذلك فقدت تماسكها و أجهشت في البكاء بحرقة .. انتقلت إليها على الفور لأهدئ من روعها ، و أطيّب خاطرها ، و أمسح دموعها .. كان الله في عونها .. من الواضح أنها كانت في حاجة لنقود ..

    على الفور قلت لها :

    - بنت حلال .. لي صديق يريد شراء معطف من الفراء لزوجته .. فإذا كنت حقاً تنوين التخلص منها ، فيسعدني أن يكون لصديقي نصيب في واحد منها ..

    فقالت :

    -- إذا تفضلت فأرسل الساعي يحضر سائقي .. معي في السيارة ثلاثة معاطف .. اختر منها واحداً .


    ***



    جاء السائق و معه المعاطف الثلاثة ، اخترت واحداً منها شاهق البياض ، قالت لي :

    -- هذا هو أفضلها ، اشتراه لي زوجي في العام الماضي .. كان ثمنه خمسة و عشرين ألف دولار .. الآن ثمنه أكثر من ذلك بكثير ، و مع ذلك أنا على استعداد لأن أبيعه بخمسة آلاف دولار فقط .. صدّقني لقد ارتديته مرة واحدة في باريس ..

    على الفور كتبت لها شيكاً بالمبلغ ثم انصرفت شاكرة بعد أن أعطتني رقم تليفونها لكي أكلمها عندما أجد مشترياً للفيلا ..
    بعد انصرافي من العمل مررت بأحد أصدقائي و هو متزوج من أسرة ارستقراطية عريقة .. تفهم في أنواع الفراء كما أفهم أنا في أنواع السمك .. شهقت زوجة صديقي إعجاباً و هي تتأمل المعطف :

    -- هو الآن لا يقل ثمنه عن ستين ألف دولار .. انتظر قليلاً ، سوف أضعه لك في علبة فاخرة ..


    ***



    أخيراً جاءت الفرصة لكي أكذب على زوجتي الكذبة البيضاء التي أحلم بها منذ وقت طويل ، قلت لها إنني طلبت من أحد أصدقائي الذين يقيمون في باريس أن يرسل لي بهذا المعطف الغالي لكي أقدمه لها بمناسبة مرور عشرين عاماً على زواجنا ..

    سعدت زوجتي بالفراء سعادة من الصعب وصفها .. و أخذت تبتهل إلى الله سبحانه و تعالى أن يرسل على الأرض موجة من البرد عاتية مصحوبة بالزمهرير و الجليد لكي تتمتع بارتدائه ، و أخيراً استجابت السماء لدعواتها و جاءت الفرصة ، موجة برد مصحوبة بالصقيع لم تشهدها البلاد منذ أكثر من مائتي عام كما قالت مصلحة الأرصاد ، عند ذلك قررنا - أو قررت هي - أن تزور عمتها .

    بعد خروجنا من المنزل و قبل أن نركب السيارة ، فوجئت بشخص يظهر أمامي فجاءة ، قال :

    - هل أنت فلان ؟

    أجبته بالإيجاب ، فقال باقتضاب :
    - تفضل معنا .. أنت و المدام ..


    ***



    وجدت نفسي أنا و زوجتي في سيارة الشرطة البوكس ، و قد شل عقلي عن التفكير تماماً .. أدخلونا على ضابط المباحث الذي رحب بنا ، ثم طلب لنا مشروباً ساخناً ، ثم سألني فجأة :

    - من أين أتيت بهذا المعطف ؟

    استجمعت كل قدرتي على الكذب و أجبته :
    - من فرنسا .. من باريس .. عاصمة المعاطف .. أقصد عاصمة فرنسا .. أرسله لي صديق ..

    قال بهدوء :
    - اسمع ، هل تفضل ذكر الحقيقة ، أم تفضل أن أوجه لك تهمة السرقة ، أم لعلك تفضل تهمة إخفاء أشياء مسروقة ؟

    قال ذلك و أخرج لي صورة فوتوغرافية كارت بوستال .. كانت الصورة للسيدة الحسناء .. هل تعرف هذه السيدة الحسناء ؟ لا فائدة من الانكار ، قلت باندفاع صادق :

    - لقد شاهدتها مرة واحدة في حياتي .. قالت لي إنها أرملة أحد أصدقائي في البعثة و اسمه القللي .. كانت في حاجة لنقود فاشتريت المعطف منها ..

    في هذه اللحظة نظرت لي زوجتي نظرة مرعبة ، فنظرت إلى الأرض على أمل أن تبتلعني ، و لكن لم يحدث ، و ظللت واقفاً في خجل و ذلة و انكسار أمام الضابط و زوجتي ..!

    خلعت زوجتي المعطف في هدوء و ألقت به على أحد المقاعد .. قال الضابط :

    - هي ليست أرملة ، هي متزوجة من " عبده رامبو " لص المساكن الشهير .. و اسمها سنية الشحات ، واسم الشهرة سنية سوابق .. و هي تقود عصابة لسرقة الطبقة الارستقراطية .. ثم تقوم بتصريف البضاعة بطريقة ذكية مستعملة جمالها و قدرتها على التمثيل .. و .. طمع بعض السذّج فيها .. هذا المعطف مسروق من أسرة " عنايات " المعروفة .. الأمر يعتبر منتهياً بالنسبة لسيادتك .. هل تسمح بكلمتين في المحضر ؟


    ***



    خرجت أنا و زوجتي من القسم في تلك الليلة المشئومة ، لم تكن هناك تاكسيات في الشوارع ، و بدأت السماء تمطر .. كنت أرتجف من البرد و الخجل .. و كانت زوجتي ترتجف من البرد و الغضب .. كانت درجة الحرارة تحت الصفر .. و استطعنا الوصول إلى المنزل .. أشعلت كل الدفايات و أدرت أجهزة التكييف بأقصى طاقتها .. و بعد ساعتين ، قلت لها :

    - أنا آسف ..

    ردت هامسة :
    - لم يحدث ما يدعو للأسف .. إنها مجرد كذبة بيضاء كان القصد منها إسعادي .. و لكن أريد أن أعرف منك شيئا آخر .. ماذا كنت تريد من هذه السيدة ؟..

    قالت ذلك و هي تمد يدها في اتجاه " فازة " كبيرة ..!
    ماحدث بعد ذلك ليس من حق القراء أن يعرفوه .. فلم أبح به لمخلوق ..
    حتى طبيب الإسعاف الذي عالجني في نفس الليلة فشل في أن يعرف مني مصدر كل تلك الإصابات في وجهي و جسمي ..


    ***







    * اعترافات زوج ..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الردود
    65
    خطفتنا ايها الخطاف بهذه النصوص الرائعه

    بكل أمانه كاتب يسحرك ، رغم اعتراضي على التطبيع مع اسرائيل وتوجهه الصريح تجاه هذا الامر

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •