Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 57 من 57
  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل السابع والثلاثون: التفاعلات الاجتماعية بين الإيطاليين والمغاربة في ميلانو ..
    تقديم: فرانكا بيتزيني وكلوديو بوسي .. أستاذان في جامعة ميلانو ـ إيطاليا

    (( إن تفكيري مُنشغل يا بني. ماذا سأسرد عليه الليلة هذه؟ سأسرد على سمعه، مثلاً، العرب عاشوا عصرهم الذهبي، وأنهم اخترعوا الصفر والجبر، وأنهم نقلوا الى أوروبا النصرانية، الفلسفة الإغريقية والاكتشافات الطبية الكبرى... سأسرد عليه مجد الماضي، ثم الهزيمة التي تتلوها الهزائم، ومعارك الاستقلال، ومن بعد هذا التخلف الذي نستشعره مثل الوسم على الجلد، وهذا الحاضر البائس، والبائس جداً حد شل قدرتهم على الحلم))
    ..................................... الطاهر بن جلون

    مقدمة

    بعدما تم تصدير البحث بمقولة (الطاهر بن جلون)، طلب الباحثان إعمال الرأي في القيمة الاستكشافية لبعض المفاهيم النظرية والإبستمولوجية لجورج باتيسون (G. Bateson) مسترجعين بعض أعماله وأعمال (مرجريت ميد) التي تذكرنا بكتابات (باتيسون) لصناعة مقاربة لبحثهما.

    وخلاصة ما تم أخذه عن باتيسون بأنه رأى أن الاتصال بين مجموعتين مختلفتين ثقافيا يمكنه أن يؤول الى واحدة من التشكيلات التالية:

    1ـ الاندماج الكلي بين المجموعتين.
    2ـ إلغاء واحدة من المجموعتين أو الاثنتين معاً.
    3ـ استمرار كلا المجموعتين معاً بمقتضى توازن ديناميكي داخل جماعة أكبر.

    أولا: البحث

    قام بالبحث (كلوديو بوسي) من جامعة ميلانو، على 540 مغربياً يعيشون في ميلانو في حي (كاتشينا روزا Cascina Rosa) وهم ممن أقام مؤخرا في إيطاليا قادمين من بلادهم الأصلية ووجدوا أنفسهم لأول مرة وجها لوجه مع الواقع الغربي والإيطالي. وهم يعيشون ظروفاً متدنية جدا سواء في سكناهم أو في عملهم.

    ثانياً: أزمنة اللقاء وطرقه

    1ـ الموعد: لم يلتزم أحدٌ من المغاربة في موعد ضربناه معه، وحتى المواعيد التي كانوا يضربونها لا تتحدد بساعة، فيقولون بالمساء أو بعد العشاء.

    2ـ المشهد: وصلنا الى كاتشينا روزا قبيل الموعد ب 5 دقائق وسألنا عن السيد مكرم فقالوا: أنه في ساحة المبنى يعد سيارة. انتظرناه ونحن نتمشى ثم سألنا بعد 20 دقيقة فقالوا: لقد غادر بسيارته، وعندما عاد بعد ساعتين ونوهنا له بلطف عن الموعد، لم يتوقف عنده بل عرض علينا شرب الشاي.

    3ـ ردود فعلنا: لقد كنا منزعجين (فهؤلاء المغاربة لا يحترمون المواعيد، إنهم لا يهتمون بالوقت المتفق عليه).

    ثالثاً: وقت المحادثة الودية

    1ـ المشهد: تجري المحادثة في كوخ من الخشب والكرتون في كاتشينا روزا. ولقد دعانا أصدقاء مغاربة في المساء لشرب الشاي عندهم بعد العشاء.

    انقضت السهرة بوتيرة ثقيلة، ونحن نشعر بالوقت يمر بطيئاً. وكنا نستثقل طول وقت إعداد الشاي وبطئ الحديث ودوران الحركات والنظرات البطيئة.

    2ـ ردود فعلنا: انطوى رد فعلنا على تناقض قوي: فمن ناحية هناك الضجر من هذا البطء، ومن ناحية أخرى هناك الإعجاب باستخدام وقت الفراغ بطريقة مضادة لسرعة الثقافة الغربية.

    رابعاً: أمكنة اللقاء

    1ـ بيوت الكاتشينا روزا: تنقسم الكاتشينا الى ساحتين كبيرتين، يتوسطهما مبنى من طابقين أما الأكواخ الصغيرة المستخدمة للسكن فهي مسنودة الى حائط السياج والى الرواق. في البناية المركزية توجد محلات مشتركة وبعض المساكن ويستخدم جزء من الرواق كمسجد للصلاة. وهناك عربات ريفية مسكونة كل واحدة بها 4 أو 5 أشخاص.

    أما الأثاث، فهو أثاث مقتنى من أثاث سابق الاستعمال، تم تحويره وتكييفه حسب أذواق الساكنين، وعندما أبدينا ملاحظاتنا عن الرطوبة وكيفية التخلص منها، جاوبونا أن ذلك لا يناسب الأسلوب المغربي.

    في الحقيقة ذهلنا من الإشهارات (الإعلانات) المغربية التي تبرز المغرب بجمال أبنيته ومقتنياته من السيارات الفخمة، وهذا النمط الذي يعيش فيه مغاربة إيطاليا.

    2ـ رجل وثلاث نساء في بيت أصدقاء مغاربة: ننتقل الآن الى وصف الوضعية التي يكون عليها التصرف في الفضاء بحضور النساء. كان الفريق من ثلاث نساء ورجل (إيطاليين) والرجل زوج لإحدى النساء الثلاث، كانت هناك أريكة نهض الجالسون عنها وأجلسوا النساء الإيطاليات عليها، وحرصوا أن يكون زوج المرأة الى جانبها ولكن ليس بقرب النساء الأخريات، في حين قام المغاربة وجلسوا على الكراسي المنفردة. وفي ذلك إشارة الى الحماية الضمنية لكل النساء من قبل من يستضيفهم، وتكريمهن على الرجال.

    3ـ في المرقص: ثمة سلوك يمكن إدراجه ضمن ثنائية حب الظهور/الإعجاب، وهو السلوك المتصل بالرقص. لقد تحققنا في مناسبات عدة أن الأفارقة يصيرون أثناء الرقص محل إعجاب الإيطاليين. ولما يكتشف الأفارقة ذلك، يتخذون مواقف تتصف بحب الظهور، فتتسارع حركاتهم ويظهرون براعتهم بالرقص، وقد لا يكونون كذلك في بلدانهم!

    خامساً: العمل والضيافة

    نحس أن المغاربة يعاملوننا كأصدقاء، بشكل ودود كبير، فهم يدعوننا للعشاء وتناول الشاي، ويعاتبوننا إذا تأخرنا عن زيارتهم ونحس بالحرج والتقصير إزاء تلك العواطف الجياشة.

    وبالمقابل، فإننا ما أن نقابل مغربيا من أصدقائنا إلا وطلب منا مساعدة في البحث عن عمل لأحد الوافدين الجدد، حتى صرنا نشعر وكأننا مكتب عمل لتشغيل المغاربة أو نتستر على مهاجرين بما يخالف قوانين البلاد.

    ولم نحس للحظة واحدة، أن كرمهم معنا كان من أجل مساعدتهم، لكن لم يمنع ذلك من أن نربط تلك الخصلتين معاً.

    سادساً: العمل والسلطة

    لدينا مثال، لشاب مغربي اسمه إدريس، يعمل في متجر لبيع اللوازم الرياضية، وعمله مضني، وفي المتجر امرأتان إيطاليتان تدعى الأولى (لورا) والثانية (غراتسيا) ومسئول رجل يدعى (موريتزيو) وكان هناك شجار مستمر بين إدريس والمرأتين، فكان يتظاهر بعدم سماع أوامرهما: امسح تلك الطاولة، انقل هذا الغرض من المكان الفلاني الخ، لم يظهر لنا كباحثين أن هناك نبرة سيئة في كلام المرأتين تدل على عدم اللياقة أو على التسلط.

    فاكتشفنا أن إدريس بثقافته وتكوينه لا يحب أن يكون تحت إمرة امرأة، وهو شعور ذكوري تتصف به كل الشعوب العربية

    خاتمة

    ماذا نستنتج مما سقناه من أمثلة، وأين موقعه من فرضيات (باتيسون). لقد بينت أمثلتنا أن هناك انعدام التوازنات وبروز حالات سوء الفهم، وهناك حالات يمكن أن يحدث فيها التوازن (العشاء، الضيافة، الرقص)، والاختلافات الأخرى تأتي من خلال الثقافات القديمة والصور المقدمة إعلاميا، خصوصا تلك التي رافقت حرب الخليج، عندما اختفت حركة المغاربة في الحي ولازموا مساكنهم، وحتى لم يخرج بائعو السجائر منهم الى الشوارع.

    وكان هناك شعور لدى الإيطاليين بالخوف من العربي ومن المسلم ومن الأصولي الخ. وأوردت صحيفة إيطالية خبراً عن مغربي اسمه علي أنه منذ أول أيام الحرب لم يعد علي يرغب في الذهاب الى عمله. إن الناس في السوق ينادونه بصدام.

    انتهى القسم الرابع في صفحة 648 من الكتاب

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    القسم الخامس: داخل الحدود: الاختلاف والتراتب

    الفصل الثامن والثلاثون: الآخرية والتراتب ..

    تقديم: علي الكنز .. أستاذ في جامعة نانت ـ فرنسا

    الآخر مكون للأنا.. ولا يفكر أحدٌ اليوم جاداً في أن يضع هذا الزعم موضع الشك. هكذا يبدأ الباحث الجزائري المقيم في فرنسا كلامه، ليسوق لنا براهينه من خلال بحثه.

    أولاً: الأمكنة

    تدور الوقائع سنة 1982 في مصنع جزائري، هو الأهم في البلاد: منشأة (مركب) الحديد الصلب في (عنابة). حيث كان يقوم الباحث بأطروحة قدمها للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (cnrs) عام 1987.

    يقول الباحث لقد عايشنا ولقرابة السنة كل أصناف الشغالين (عمالاً كانوا أو رؤساء فرق أو تقنيين أو مهندسين أو كوادر) نساءً ورجالاً، ومن جنسيات عديدة (فرنسيين، سوفييت، ألمان شرقيين، بولنديين، يابانيين...الخ)، وكان المجموع 18000 ألف منهم 16 ألف جزائري، ويقسمون لوحدات إنتاجية كل وحدة تستوعب ألف شخص. وكانت المنشأة (المركب) تشمل فرنين عاليين ومخزن للفحم الحجري و 3 مصانع للحديد، وعلى مصنع لتوليد الكهرباء، ومصنع للأنابيب، ومركزين للأكسجين وورشات صيانة الخ.

    كان السوفييت والألمان أكثر عدداً من غيرهم من الأجانب، إذ كان عددهم يناهز 500 شخص لأنهم كانوا يؤمنون انطلاق حجرة الفحم والمصفحات ذات السلوك والدوائر ويشتغلون بالتناوب مع العمال والفنيين الجزائريين. ورغم كثرتهم واحتكاكهم الأكثر مع الجزائريين فقد كانوا مثار جدل عند الأوساط النقابية الجزائرية.

    وكان الفرنسيون والذين كانوا في أصل إنشاء هذه المنشأة، وإن كان عددهم لا يزيد عن خمسين، فإن المنشأة كانت متسمة ببصماتهم. أما اليابانيون فكانوا مجموعة صغيرة لإعمال الرأي في مشكلات الصيانة، وكانت أكثر مجموعة تتصل ب 4000 فني مساعد (عون)، وأكثر مجموعة تثار حولها التعليقات الطريفة.

    ثانياً: الجو

    وهكذا اجتمعت كل العناصر المقومة لإعطاء الحياة الاجتماعية في المنشأة (المركب) ذلك الجو، (جو التنمية) الذي وسم السبعينات وسما عميقا والذي منح ثقافة تلك الفترة نبرة جمالية (أفلام، أفلام توثيقية، روايات ..الخ) سواء في الجزائر أو غيرها من بلدان العالم الثالث. كانت تلك المنشأة ـ المدرسة بحجمها وتنوع التقانات المقامة فيها، والحركات الاجتماعية التي تستقطبها حولها، تعبيراً تاماً أو يكاد عن النموذج المغالي في نزعته التنموية وقتئذٍ.

    استطاع الباحث من خلال هذا التنوع الكبير في الرتب المهنية والجنسيات المختلفة أن يرصد ويقارن ما جاء في بطون الكتب عن الصراع الاجتماعي والطبقي وتنظيم العمل الخ.

    فكانت هناك نزاعات حول مشاكل الأجور وتفاوتها ونزاعات حول المنح والنقل والطعام والترقية الخ.

    ثالثاً: الوقائع

    شملت الوقائع كل الأمور التي كان الباحث يريد التحقق منها (على الميدان)، والتي وجدها هنا مجتمعة ومتوفرة في جميع الأشكال الممكنة والمتخيلة. وقد هاله ما لم يكن يتوقعه وهو الموقف من المساعدة التقنية الأجنبية (a.t.e).

    (1)

    كان الشغالون ـ عمالاً ورؤساء فرق ـ يوجهون اللوم الى مُسيري المنشأة (المركب) بواسطة النقابة على الاستنجاد ب (المساعدة التقنية الأجنبية a.t.e) لإخفاء قصور كفاءتهم. وتدلل الرسومات الكاريكاتورية التي كانت النقابة تنشرها في صحيفتها على ذلك، حيث كانت تبرز صور المساعدين الأجانب في وضع (استرخاء) أمام الشمس، في حين يضني العمل الشاق الجزائريين.

    وتذكر الصحيفة نفسها انتقادات تؤشر على أن هناك عمال أجانب لا يتمتعون بأي تفوق على نظرائهم الجزائريين من حيث المهارة والعلم، ولكنهم يتقاضون أجوراً تعادل عشرة أضعاف ما يتقاضاه الجزائريون.

    لم تكن العلاقات بين الجزائريين والوافدين عدائية، لكنها كانت دائما متحفظة وفاترة، وقلما كانت ودية.

    (2)

    تمكن الباحث على المستوى الأول من التحليل، أن يفهم أن الشغالين الجزائريين كانوا يستشعرون في حضور هؤلاء الأجانب إهانة لهم ودليلاً ملموساً على عجزهم في تحقيق المهام المنوطة بعهدتهم. هذا بالإضافة الى الفوارق بالأجور، فكانت الشكوك حول جدوى استقدام هؤلاء.

    من جانب آخر، لوحظ أن الشغالين الجزائريين منتبهون لأدق تفاصيل تصرفات أولئك الأجانب، ولكنهم يصفونهم بصفات قد تكون غير دقيقة مثل: الروس شغالون والفرنسيون سيئون واليابانيون أصحاب جدوى، والألمان يشتغلون بضراوة الخ.

    (3)

    لم يقنع التحليل الأولي الباحثَ، فذهب للتدقيق فيما وراء ذلك السلوك، ويبحث عن الآخر الحقيقي في الموضوع.

    تبين له أن هناك اعتقاداً مترسخاً في نفوس الشغالين، بأن المسئولين قد جلبوا هؤلاء الأجانب ليهينوا الآخر الجزائري المحكوم، وليثبتوا له أن الجزائري لا يساوي شيئاً دون الاستعانة بالأجنبي، وأن ذلك مرده الى الشعور بالنقص من جهة المسئولين أنفسهم تجاه قدرتهم على إدارة البلاد بقبول أبناء البلاد، فكانوا يبعدونهم عن تحمل المسئوليات المباشرة!

    لقد تبين للباحث أن بنية النزاع ليست ثنائية (أنا والآخر) بل ثلاثية: من جهة أولى (الأنا) وقد انقسم الى قسمين مسيرين وعمالاً. ومن جهة ثانية الآخر، وقد شُد بين القطبين كالكماشة.

    خاتمة

    يروي (ملابرت) في رواية (الجلد) مغامرة ضابط أمريكي كان يتجول ليلاً في شوارع نابولي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لينشد المتعة، اعتنى به أحد الأطفال ليقوده الى المكان المنشود. وفي أثناء الطريق كان الضابط يتنقل بين الأيدي والشرفات من دون التفطن الى ذلك. فبالنسبة إليه وهو الذي كان هائما في عالم غريب عنه، كل أطفال نابولي يتشابهون تشابها يذكر بالليل الهيغلي الذي تكون فيه كل البقرات رمادية اللون.

    وعندما اكتشف الإسبان (الأزتيك) لم يقم هؤلاء بأية مقاومة ضدهم، فنصوص الأزتيك المقدسة علمتهم أنه لا يمكن أن تفد إليهم إلا الآلهة وحدها. ولكن عندما اكتشفوا أن الأسبان ليسوا إلا أناسا شرسين مشغوفين في كسب الذهب، كان الوقت قد انتهى وكان السيف قد سبق العذل.

    إن الخبير الأجنبي الوافد للجزائر، كان يؤسس لآخر على قياسه هو، مثله مثل الضابط الأمريكي والأسباني الذي كان يقدم نفسه بمظهر الآلهة.

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل التاسع والثلاثون: الذات الممزقة بين الأنا والآخر ..

    تقديم: عروس الزبير .. أستاذ في جامعة الجزائر

    نوظف مفهومي (الذات البديل) و (الذات النقيض) كمفهومين مركزيين بدل مفهومي (الأنا والآخر)، لأن الذوات المتناولة في هذه المساهمة هي ذوات محلية كانت تشكل تاريخياً وثقافياً الذات الجزائرية.

    هكذا بدأ الباحث مساهمته التي تعتبر من أدق المساهمات، لأنه أراد بها أن تنبش الآثار المتراكمة التي حصلت من دخول العرب وأسلمتهم للجزائر، وقبول السكان الأصليين للإسلام مع شعورهم بحرقة نتيجة تعالي الوافدين عليهم.

    ثم جاءت آثار الاحتلال الفرنسي، لتدفع بالمسكوت عنه للظهور نتيجة اتجاه الناس الى الانقسام من جديد: قسم يعتبر (التفرنس) هو تصريح عبور للرقي مقابل قسم يرى أن التمسك باللغة العربية والتعريب هو الانتهاء من مرحلة الاحتلال. والاتجاه الأخير يظهر رغبته تلك باستعلاء جديد وكأنه مصادرة لنضال الشعب الجزائري بمكوناته كلها و(تجيير) هذا النصر ونسبه للفئة المطالبة بالتعريب، مما أضاف غصة ممزوجة برفض دفين للناس الذين أرجعوا أسباب النصر للدماء الجزائرية التي سالت وليس للغة العربية.

    هذه الحالة أوجدت انقساما داخل المجتمع الجزائري، تهادن وتصالح ظاهرياً، وكان مهيأً للانفجار في أي لحظة تسمح له.

    نماذج من المجتمع الجزائري:

    1ـ جزائريون فرنكفونيون ومعتزون بذلك

    هذا عنوان لمقال نُشر في أسبوعية جزائرية ناطقة باللغة الفرنسية، كرد فعل على ما ورد في الصحافة المعربة بشأن المنظومة التربوية، والتي حملت النظام مسئولية انتشار الفكر الإسلامي (المتطرف) بين الشباب.

    رأت الصحافة المعربة في هذا الحكم، حملة تستهدف ضرب التعريب واللغة العربية. هذا الموقف المدافع اتخذه كاتب المقال السابق نقطة انطلاق لإخراج كوامن النفس، وبالتالي تحديد الصفات التي يتميز بها المعرَب وحليفه الإسلامي في مخيلة (المُفرنَس). فكل معرب هو (بعثي) وكل بعثي هو (إسلامي) أصولي ظلامي مُرتبط بأحد من ثلاثة: السودان ـ إيران ـ أو بغداد. أي أن المعرب في قاموس المفرنس هو ذلك الإنسان المتسلط الظلامي الذي يريد فرض نظام سياسي وواقع ثقافي لا يتماشى مع وضع الجزائر تاريخاً وحضارةً.

    إن التجربة السياسية التي عرفتها الجزائر بين عامي 1988 و 1992، والتي حاول المفرنس أن يجعل من ذاته مركزاً تتمحور حوله قضايا (الحداثة والديمقراطية) وذلك بعد أن أحس هذا المفرنس بغربته، وبدلا من أن ينجح بذلك زاد شعوره بالتقزم (عدديا) ودفعه ذلك ليعبر بإحباط النفس بمواقف شديدة الذاتية، فيقول صاحب المقال: (إن البعثيين يميزهم هذا الطابع الغريب المتمثل في البروز على هامش المعارك، ولا يعيشون إلا على البقايا، واللغة الفرنسية هي ما تبقى يجب القضاء عليها بالنسبة لهم). ثم يضيف (يجب ألا نتأثر بشعارات البعثيين، ونحن الفرنكوفونيون لا ولن نعتبر أنفسنا بقايا، وعليكم أيها البعثيون أن تدركوا ذلك).

    وبهذا تكون صورة المعرب في مخيلة المفرنس على النحو التالي: جاهل ـ خشن ـ دموي ـ عنيف ـ متأخر ـ متزمت ـ عميل ـ تقليدي ـ انتهازي.

    2ـ المعرب يرد

    أحس المعرب بعد عام 1991، أن مؤسسة الدولة التي كان يحتمي بها وتؤيده جماهير عريضة ظاهريا، قد أخذت في التشكل بعيداً عن إرادته. فوصف الجماهير بالأمية بعد أن كان يصفها بالمحرومة، ووصفها بالظلامية بدل الثورية، والمخدوعة بدل الواعية. ويصف المفرنسين بالقول: (البعض يفتخر بكونه فرنكفوني، هذا الافتخار الاستفزازي يجعله في الواقع وبشكل واضح في موقع الفرنكومان، أي ذلك المغرم الى حد الهلوسة المرضية بثقافة ولغة ليست له) ويصفها (هذه الأقلية ما هي إلا بقايا مرحلة تاريخية) و (هي خائفة ومرعوبة ومعقدة الى أبعد الحدود ووضعها النفسي يجعلها تستعد لكل الحماقات)

    وبهذا تكون صورة المفرنس في مخيلة المعرب على النحو التالي: استفزازي ـ مهلوس ـ مختل ـ مريض نفسيا ـ دخيل على الحداثة ـ غير وطني ـ معقد ـ رديء التكوين.

    3ـ الذات الأصيلة

    ضمن عملية الصراع المغلوط والأحكام المجانية بين الذاتين السابقتين تظهر ذات ثالثة (بديل)، تدعي الأصالة، والتمثيل المطلق للمجتمع، وهي الذات التي تأخذ من الأصالة وصفاً والإسلام عنواناً: إنها الذات الفاعلة على مستوى الضمير الجمعي والقائدة له، هذه القيادة قد نجد لها تفسيراً في طبيعة التناقضات التي عرفها المجتمع الجزائري والسلطة القائدة له منذ عام 1962.

    إن صورة النقيض في هذا الخطاب (الإسلامي) لا يمكن استحضارها إلا من خلال استرجاع الظروف التي شكلت مخيلة الإسلامي نتيجة الممارسة السياسية ل (الآخر) والتي عملت على قهره وعزله، ويعبر عن حقيقة تفكير هؤلاء مجموعة من الكتاب نختار منهم:

    أ ـ صورة الذات النقيض عند عبد اللطيف سلطاني

    ينطلق الشيخ في تحديد صفات الذات النقيض على أساس موقف هذه الأخيرة من قضايا المجتمع الكبرى مثل: الإسلام والسياسة، وتطبيق الشريعة، والاشتراكية، والتأميم، وبخاصة قضية المرأة والاختلاط.

    ففي كتابه (المزدكية أصل الاشتراكية)، يرد عبد اللطيف سلطاني على كاتب مقال اسمه ياسين نشره في أسبوعية (الجزائر الأحداث في 9/4/1967)، تحت عنوان (كلاب الدوار) يتهجم فيه على صوت المؤذن، فيقول عبد اللطيف: (هذا الرجل دفعه جهله بحقيقة الإسلام وإلحاده المنبعث من سوء تربيته أن يكتب مستهزئا وساخراً بالإسلام)*1. وهذا العمل بالنسبة للشيخ لا يمكن أن يكون أو يصدر إلا من (أذناب فرنسا والاستعمار الذين تغذوا بلبانه وتربوا في أحضانه)، أي أنهم جزائريون بالتسمية، إذ لم (نسمع أثناء التحرير شيئاً يدل على بطولاتهم، بل الذي نعرفه عنهم أنهم فروا هاربين خوفاً الى خارج الوطن) ثم عادوا ليمثلوا (الشخصية المنحلة المحمومة التي تعمل من أجل نشر الأباطيل والأفكار الإلحادية والإباحية بين الأمة).

    ثم يتناول عبد اللطيف سلطاني دعاة استعمال اللغة البربرية فيقول: (إنها لغة ميتة لا حروف لها ولا حساب وإحياؤها إحياء للنعرات الجاهلية) أما العربية فهي (أشرف اللغات لأن الله عز وجل أنزل القرآن بها وهو أشرف اللغات على الإطلاق) ويستشهد الشيخ بحديثٍ لرسول الله صلوات الله عليه (مَن أحسن منكم أن يتكلم بالعربية فلا يتكلمن بالفارسية، فإنه يورث النفاق).

    ويتناول الشيخ سلطاني البعث فيقول من خلال مناقشته لقوانين الأسرة (من رغب في تبديل قوانين الشريعة الكاملة بقوانين وضعية أو وضيعة، فهو غاش للمسلمين عميل للملاحدة والكفرة، ولا يمكن أن يكون إلا واحداً من ثلاثة: مفرنس متغرب، بعثي ملحد، أو ماركسي لعين)*2

    ب ـ صورة الذات النقيض في الخطاب الإسلامي 1988ـ1992

    تصاعدت اللغة في خطاب الإسلاميين الى مستوى كانوا يعتبرون تلك اللغة في السابق لا تصدر إلا عن أناس سيئي الأخلاق. ففي مقال تحت عنوان (لغة الأمة بين الإخطبوط الفرنكفوني وحراس النهضة الثقافية) نُشر في أسبوعية (المنقذ عدد5) لسان حال الجبهة الإسلامية للإنقاذ، جاء فيه تحقيراً للذات المقابلة قولاً: (إن جراثيم الاستعمار الثقافي تعمل ليل نهار لإزاحة اللغة العربية من الأذهان).. إذ عمل (أذناب فرنسا وعباد الصليب على التنكر لها في برامج أحزابهم، وبث السموم حولها وإعلان البيعة لفرنسا بتبني اللغة الفرنسية).. ويضيف (هؤلاء هم أعداء الإسلام وعبيد الاستعمار والتنصير).

    تعليق:
    ويستمر الحديث بهذا المستوى، حتى أصبحت الجزائر تحت أنظار العالم المراقب لتحدد موقفها مع من تقف: مع نظام قد بالغ في إسقاط الاعتبار لمن حوله، رغم عدم ارتياح الغرب من هذا النظام، أم مع من حوله ممن يسنون سيوفهم لقطع دابر الغرب، فكانت النتيجة أن تُذكى نار الفتنة لتحصد ما حصدت في السنين التي تلت كتابة هذا البحث.



    هوامش من تهميش الباحث

    *1ـ عبد اللطيف سلطاني/ المزدكية أصل الاشتراكية ص73
    *2ـ المصدر السابق ص 86

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الأربعون: صور الآخرين في لحظات الحرب اللبنانية: معاينات مونوغرافية ..

    تقديم: أحمد بعلبكي .. أستاذ في الجامعة اللبنانية ـ بيروت
    الصفحات 671ـ 682 من الكتاب

    نزعم أن التنوع الديني ـ الثقافي والسياسي بلغ في المجتمع اللبناني الصغير من الاتساع والتبلور ما يجعله يوحي بالكثير من الفرضيات والخلاصات.

    وفي تقديرنا أن هذا التميز في التنوع والإيحاء يعود أساساً الى الظروف التي حكمت تشكيل الكيان الطوائفي المتراتب بعد انتصار الحلفاء وتوقيع معاهدة سايكس ـ بيكو عام 1916 وبعد تسلم الفرنسيين مهمة الانتداب على لبنان وسوريا. وقد حرص الفرنسيون على إبراز انتدابهم على البلاد كمهمة لإخراجها من (الانحطاط العثماني) ولوضعها في فلك النفوذ والثقافة الفرنسيين.

    وكانت الكنيسة والإرساليات الغربية المتنوعة قد لعبت دوراً أساسياً في تسويغ وترجيح هذه الثقافة ونشرها، في الأوساط المسيحية بخاصة، منذ ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن.

    وأفادت تناقضات الإنجليز مع الفرنسيين في التوفيق بين زعامات الطوائف المتفاوتة في مستويات انتظامها السياسي وتأهلها وقدراتها على الحكم، فتوصلت الى ما سُمي بالميثاق الوطني. هذا الميثاق رعى استقلال البلاد وضمن للمؤسسات الطائفية مواصلة تنفذها في التنويع الديني ـ الثقافي والسياسي.

    أولاً: دينامية التفارق بين العصبيات بفعل العوامل الأيديولوجية المهيمنة

    لقد تفارقت في مخيلة كل لبناني من العوام صور نماذج اللبنانيين (الآخرين) ومنها: صور المسيحي (المتغرب) والمسلم (العروبي) والدرزي (المتحفظ) والشيعي (المعارض).

    وتفارقت في أوساط المقيمين من غير اللبنانيين صورة نموذج الرعايا الغربيين المتحضرين على رفاه، وصورة الرعايا الأوروبيين الشرقيين المتحضرين على عسر، وصورة الأرمني الحرفي المنغلق، وصورة الفلسطيني المُقْلِق، وصورة الكردي العنيف الخ.

    وفي هذا الإطار، تختلج (النحن) الأيديولوجية المثالية الكامنة في زمن السلم والصاخبة في زمن الحرب، فيحتشد ويصبح الأفراد (رعايا) للعصبية أو الزمرة الواحدة، إخواناً أو رفاقاً يجهدون لتلبية الواجب والحمية من أجل بلوغ مراتب (النحن المثالية) التي تمنح رعاياها الحماية في غياب أي حماية أخرى للدولة، ويمنحونها شعائر الولاء خلال مناسبات التظاهر الاجتماعي (مآتم، موالد، أفراح الخ).

    وتتعاظم تلك النزعة لتتجلى في بطولة الإقدام على قتل جماعي لزمرٍ من الطائفة الأخرى، أو حتى لزمر من الطائفة ذاتها تُتَهم بالخيانة (معارك أمل وحزب الله في المحيط الشيعي ومعارك الجيش ضد القوات اللبنانية في المحيط المسيحي).

    ثانياً: دينامية التواصل بين الجماعات بفعل عوامل سياسية محددة.

    عندما نميز بين عوامل مهيمنة، وأخرى محددة، فإنما نهدف الى التمييز بين قوام الشكل المرئي في ظاهر الجماعة المتناسق في ظرف معين من جهة، ومنطق تشكلها الكامن في داخلها المتصارع طيلة زمن معين من جهة أخرى. وعندما يكون الشكل المتناسق نتاجاً للشكل الصاخب، يصبح تناظم عناصر المجتمع المحلي أو الجماعة المحلية ليس وليد حركة داخلية نظامية في جوهر مستقل، بل وليد علاقات هذه العناصر (الانتشار، الإنتاج، التعليم، الموقع السلطوي .. الخ) المتواجهة مع الإمكانات والعناصر الأخرى المتفاعلة معها داخل بنية المجتمع اللبناني الكبير (الكلي).

    يلتفت الباحث لقضية موثقة ليدلل بها على ما قاله حول تحرك الأفراد داخل جماعاتهم ومواجهاتهم للآخرين (المخترَعين أو المُنصبين) وِفق فهم تشكل لدى هؤلاء الأفراد، وكيف أن الفهم نفسه سيتغير بتغير الأحوال. فيقارن بين عبارات وردت في إجابات لأسئلة وجهت لطلاب الصف النهائي من الثانوية العامة عام 1978 وإجابات طلاب من نفس المرحلة عام 1991، ومعروف كم حملت السنوات الثلاث عشرة من أحداث فكانت المقارنة كالآتي:

    1ـ لبنان بلاد مقسمة تبحث عن هوية (1978) ـ لبنان بلاد مغلوب على أمرها (1991)
    2ـ الخطر محصور (1978)، الخطر منتشر في جميع البلاد (1991).
    3ـ خطوط التماس (1978)، مناطق الاشتباكات (1991)
    4ـ تجمع طائفي (1978)، تجمع سياسي (1991)
    5ـ مراهقة مختزلة (1978)، لا طفولة ولا مراهقة (1991)
    6ـ البقاء في لبنان ينصح به من سافر الى الخارج (1978)، يرغب بالسفر كل من توفرت له الإمكانات (1991).
    7ـ قلق بسبب انعدام الأمن وتساؤل حول القيم (1978)، قلق أكبر بسبب الاضطراب الاجتماعي وانعدام القانون والقيم في كل مكان (1991).
    8ـ حقد، ارتياب، بحث عن المنفعة الشخصية (1978)، حقد وارتياب أكبر وبحث أكثر عن المنفعة الشخصية (1991).
    9ـ ارتباط بالزعماء السياسيين (1978)، التخلي عن الزعماء السياسيين والدينيين (1991).
    10ـ تقدير الالتزام السياسي للشباب وتهميش للشباب غير الملتزم (1978)، التراجع عن الالتزام السياسي (1991).
    11ـ التماهي مع الجماعة الطائفية (1978)، لم يعد يجد نفسه في الانتماء الطائفي (1991).
    12ـ إرادة التعميق بالدين للدفاع عن نفسه (1978)، النهوض الروحي العميق (1991).
    13ـ انعدام التعصب (1978)، انعدام التعصب (1991).

    وقد لاحظ الباحث أن مواقف الشباب (العينة من 400) في نهاية الحرب 1991، كانت مرتبة من حيث القوة: فنون إنقاذ الحياة، النهوض الوطني، الانفتاح على الآخرين، النهوض الروحي، النهوض الأخلاقي، الارتياب، البحث عن المنفعة الشخصية، التعصب.

    ثالثاً: دينامية فارقة (Polemique) للتآلف الإنساني بفعل العوز الوجودي والاضطرار!

    يشير الباحث الى ظاهرة طريفة ولافتة (بنظره) وهي أنه في أحد أحياء بيروت الفقيرة جداً، تتخالط فيها جماعات من اللبنانيين (شيعة) و من عشائر عربية (سنية) [عرب المسلخ]، ومن الأكراد ومن الفلسطينيين، ومن آخرين جاءوا من بلدان مجاورة، كانوا يعيشون بتآلف لافت، في حين تنفرز الجماعات الأكثر يسراً الى الانفراز المذهبي والإثني.

    ويزيد الباحث في وصفه لهذا الحي الذي يضم 371 أسرة يعيش 20% منها في مساكن لا تزيد عن 20م2 وتعيش باقي الأسر في مساكن يفصل بينها طوب سماكته 10سم، وتقوم القابلات البدويات (العربيات السنيات) بخدمة الحوامل من الشيعة والأكراد، ووجد أن 56% من نساء هذا الحي المختلط يرفضن ذكر مذهبهن الديني أو عرقهن الإثني. ووجد أن 62% من الشيعة يختلطون بالجميع، و84% من الفلسطينيين يختلطون بالجميع و 35% من الأكراد يختلطون بالجميع (انخفاض النسبة يعود للصعوبة اللغوية)، و77% من العرب السنة يختلطون بالجميع، وهذا يدلل على عفوية هذا المجتمع وابتعاده عن اختراع الآخر وتصليب وضعه في المجتمعات الأخرى.

    ثالثاً: رفض الآخر في الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990)

    في حرب دامت أكثر من 15 سنة وتداخلت فيها الأسباب الداخلية بالعوامل الإقليمية والدولية التي ساعدت على تطويل أمدها وتعميق النزاعات فيها، من الصعب جداً تحديد أولوية تلك الأسباب لتجعل منها أساسا علميا للتفسير.

    لقد ظهر منهجان في تحليل أسباب الحرب: المنهج الاقتصادي والمنهج النفسي والاجتماعي. والمنهج الاقتصادي يُعيد أصحابه أسباب الحرب الأهلية الى أن المهجرين من القرى والمناطق التي تعرضت الى القصف الصهيوني في جنوب لبنان، قد نزحوا الى ضواحي المدن وبالذات (بيروت) طلباً للأمن والعمل والعلم، وشكلوا (حزام بؤس)، ترافق مع ظهور وانتشار الأفكار الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية، وتزايد معه الميول الى إقامة مناطق خاصة بالطائفة والقومية وغيرها، وكان الحراك يبدو وكأنه ينبع من طبقات مسحوقة فلاحية أو فقيرة.


    لكن دعاة المنهج النفسي والاجتماعي يؤشرون الى ما يلي:

    1ـ إن الطوائف أو المذاهب تشكل وحدات ثقافية ذات امتداد تاريخي قديم ودور مميز في المجتمع اللبناني. وبالتالي، فلهذه الطوائف الحق في إقامة مجتمعها (الخاص) بها وإدارة شؤونها الداخلية عبر (زعمائها) دون تدخل من زعماء الطوائف الأخرى.

    2ـ تقاليد وعادات وثقافة كل طائفة، التي تتزاوج فيما بينها، يكرس تكتلها.

    3ـ إن ميليشيات كل الطوائف هي بمثابة جيوش لكانتونات تُستخدم عندما تحس بتهديد أمن الطائفة.

    4ـ لهشاشة الدولة المركزية التي لا مركزية فيها سوى الاسم، فإن الصراعات الداخلية داخل الطائفة كانت ضحاياه أكثر من صراعاته مع الطوائف الأخرى. فقد خسر (الموارنة) و (الشيعة) من صراعاتهم الداخلية خسائر أكثر بكثير من تلك التي خسروها مع أطراف أخرى.

    5ـ تظهر مع ذلك شعارات يطرحها اللبنانيون مجتمعون (لبنان للبنانيين) على غرار مصر للمصريين والجزائر للجزائريين، وهذا الشعار له مدلولاته في نواح معينة.

    خاتمة:

    لا بد من القول إن النظام السياسي اللبناني المبني على توازنات طوائفية مرحلية وهشة هو، بطبيعته، مولد للأزمات. وإذا كانت الأزمات تعبر عن نفسها بصيغ الاحتجاج، والإحباط، والدعوة الى رفع الغبن، والرغبة في المشاركة الفاعلة في مرحلة السلم، فإن مرحلة الحرب عرت المكبوت الطائفي وفجرت الغرائز الدفينة.

    إن لبنان بحاجة الى نظام جديد يستند الى قراءة معمقة لأحداث الماضي واستخراج الدروس والعبر منها. والدولة القادرة على صهر اللبنانيين في بوتقة الوحدة الوطنية .

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الحادي والأربعون: الرفض المتبادل بين الطوائف اللبنانية: صورة الأنا والآخر في الحرب الأهلية (1975ـ 1990) ..

    تقديم: مسعود ضاهر .. أستاذ في الجامعة اللبنانية ـ بيروت
    (الصفحات من 683ـ 698 من الكتاب)

    أولاً: تحديد حقل الدراسة والمنهج النظري

    أثارت الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990) اهتمام عدد كبير من الباحثين، من جنسيات مختلفة، لدرجة أن ما نُشِر عنها في مختلف اللغات العالمية من دراسات علمية يحتاج توثيقه الى أكثر من مجلد ضخم. فالمسألة اللبنانية هي، في جوهرها، تختزل مشكلات تعيشها المجتمعات المتعددة القوميات العرقية، والمذاهب الطائفية، والأحزاب العقائدية، والنزعات الإقليمية، والصراعات الدولية ذات التوجه الأيديولوجي الليبرالي أو الشمولي وغيرها.

    لقد سادت في لبنان مقولات (العيش المشترك) و (الطوائف المتعايشة على أرض واحدة)، و (لبنان واحد لا لبنانان) و (الميثاق الوطني بين الطوائف اللبنانية) وغيرها طوال العقود التي أعقبت الاستقلال السياسي للبنان عام 1943، وحتى اندلاع الحرب الأهلية فيه عام 1975. ونتج من ذلك أن سنوات الاستقرار هذه، جعلت من لبنان واحة للديمقراطية التي تصبو إليها جميع الدول العربية المجاورة له، كما أن مرحلة البحبوحة الاقتصادية والازدهار الثقافي والإعلامي والفني أعطت لبنان دوراً متميزاً في محيطه العربي ما زال اللبنانيون يكافحون اليوم لإعادة إحياء جانبٍ منه بعد توقف الحرب الأهلية.

    والوجه الآخر للمسألة اللبنانية أن الحرب الأهلية قد أفرزت مقولات مناقضة للمقولات التي كانت سائدة إبان مرحلة السلم الأهلي والاستقرار السياسي. فتحول السلام الى حرب أهلية، والاستقرار الى تهجير وتقتيل متبادلين بين الطوائف والمذاهب في مختلف المناطق اللبنانية، وتحول الحوار السياسي بين الأحزاب والتنظيمات الى حوار بالمدافع وبمختلف الأسلحة المدمرة.

    ومع انهيار الدولة المركزية في الحرب الأهلية انهارت قواها العسكرية وتحولت الى قوى محايدة تكتفي بالحصول على رواتب لأفرادها في مطلع كل شهر، في حين يشارك كثيرٌ منهم في الصراعات الدموية الى جانب المليشيات المسلحة، أو الى جانب القوى العسكرية الإقليمية النظامية التي سيطرت على أجزاء واسعة من لبنان بدعوة من الحكومة اللبنانية أو بدون دعوة.

    واستناداً الى الملاحظات المنهجية السابقة، فإن الدراسة ليست تأريخاً للحرب الأهلية اللبنانية ولا تسعى لتحليل أسبابها، ولا تريد أن تتطرق الى التدخلات الإقليمية، فليس صحيحاً القول أن الحرب الأهلية اللبنانية كانت تعبيراً عن حروب الآخرين على أرضه طالما أن بنية المجتمع اللبناني هي بنية مفككة، والدراسة تعني بالتأشير على هذا التفكك من خلال دراسة الآخر للمكونات اللبنانية.

    ثانياً: صورة الأنا والآخر أو الرفض المضمر زمن السلم الأهلي

    إن غالبية الدراسات العلمية التي تناولت تحليل تاريخ لبنان الحديث والمعاصر تكاد تجمع على تعاقب النزاعات الدموية بين طوائفه وبين زعماء الطوائف في صراعهم المستمر على التفرد بالسلطة داخل تلك الطوائف.

    دلالة ذلك أن البنية المجتمعية في لبنان، من حيث هي بنية فسيفسائية من الطوائف المتعايشة على أرض واحدة، قابلة للانفجار في حال توفر القوى الداخلية والإقليمية الساعية إليه. أما إذا كانت الظروف غير ملائمة فإن الطوائف اللبنانية قابلة للتعايش بسلام فيما بينها على قاعدة اقتسام السلطة في ما بين الزعماء الأكثر نفوذاً فيها.

    ونتج من ذلك أن البنية الاجتماعية في لبنان مؤهلة للسلم والحرب بدرجة متساوية. وسنحاول تلخيص البحوث الكثيرة (التي قدمها لبنانيون وغير لبنانيين) في توصيف الحالة اللبنانية:

    ـ إن المجتمع اللبناني، من حيث هو مجتمع لسبع عشرة طائفة دينية ـ أضيفت إليها مؤخراً طائفتان جديدتان ـ قابل للتفجير نظراً لصعوبة قيام دولة مركزية فيه ترضي كل زعماء الطوائف أو تساوي في ما بينها بالحقوق والواجبات.

    ـ إن لبنان يضم، بالإضافة الى هذا الحشد الكبير من المذاهب الطائفية، أكثر من سبع قوميات عرقية ينقسم بعضها الى طوائف مذهبية كالأرمن، والأكراد، والشركس، والسريان، والكلدان، والآشوريين، والأتراك ... وقد بلغ تعداد النواب والوزراء الأرمن مؤخراً في لبنان ما يوازي عدد نواب طوائف عريقة فيه كالدروز أو غيرهم.

    ـ إن الضابط الأساسي للنزاع السياسي في مرحلة (1943ـ1975) هو الميثاق الوطني الذي تأسس على قاعدة التحالف (الماروني ـ السني) في قيادة دولة لبنان المستقلة. مع ذلك، لم تخل هذه المرحلة من صراعات عنيفة، أبرزها (الثورة البيضاء) التي أسقطت الرئيس (بشارة الخوري) عام 1952، والثورة الشعبية التي منعت الرئيس (كميل شمعون) من تجديد ولايته عام 1958، والمحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1961ـ 1962، والصدامات الدموية بين الجيش اللبناني وقوى اليسار المتحالفة مع الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1973.

    ـ إن اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 كان بمثابة تكثيف للنزاعات الداخلية اللبنانية التي كانت تلقى الدعم الكافي من القوى الإقليمية. فبعد أحداث أيلول في الأردن، تحول نشاط المقاومة الفلسطينية الى لبنان بعد حصول المقاومة على اتفاق القاهرة عام 1969 الذي أباح لها استخدام أجزاء واسعة من جنوب لبنان كمركز لعملياتها العسكرية. وشكل ذلك الاتفاق منطلقاً للقوى اللبنانية الرافضة له كي تتحول الى ميليشيات مسلحة ورافق ذلك تسلح الطوائف الأخرى.

    مصطلح اللبننة الذي دخل القاموس الدولي

    يشير هذا المصطلح الى إمكانية تحول التعايش السلمي في المجتمعات التعددية الى نزاعات دموية وحرب أهلية مدمرة [ ممكن أن تنسحب تلك الحالة على محاولات تطبيقها في النموذج العراقي]. ومن أبرز الشروط الضرورية لهذا التحول:

    1ـ وجود دولة مركزية هشة، وضعيفة، وغير قادرة على حماية نفسها من التفكك والانهيار تحت وطأة التناقضات الداخلية.

    2ـ قيام الدولة المركزية على أسس غير ثابتة، وبالتالي الاحتكام الى الأعراف والمواثيق الشفوية والتحالفات المرحلية بين الزعماء السياسيين وعدم السعي الجديد الى بناء دولة القانون، والمؤسسات الدستورية، والنظم العصرية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون النظر الى انتماءاتهم الدينية والسياسية والأيديولوجية والعرقية وغيرها.

    3ـ إن النزاعات الداخلية في المجتمعات التعددية التي يتم التحذير منها على أساس (اللبننة) هي النزاعات التي تُدار من قِبل أطراف إقليمية مجاورة أو قوى خارجية ذات مشروع سياسي واضح المعالم في المنطقة. فهي إذن ليست نزاعات لذاتها أو لصالح الزعماء المحليين الذين يشاركون فيها، بل إن التجارب التي شهدتها الحرب الأهلية اللبنانية قد دلت على إمكانية التخلص من هذا الزعيم الطائفي أو ذاك من جانب القوى الإقليمية التي أوصلته الى القمة. .

    ثالثاً: رفض الآخر في الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990)

    في حرب دامت أكثر من 15 سنة وتداخلت فيها الأسباب الداخلية بالعوامل الإقليمية والدولية التي ساعدت على تطويل أمدها وتعميق النزاعات فيها، من الصعب جداً تحديد أولوية تلك الأسباب لتجعل منها أساسا علميا للتفسير.

    لقد ظهر منهجان في تحليل أسباب الحرب: المنهج الاقتصادي والمنهج النفسي والاجتماعي. والمنهج الاقتصادي يُعيد أصحابه أسباب الحرب الأهلية الى أن المهجرين من القرى والمناطق التي تعرضت الى القصف الصهيوني في جنوب لبنان، قد نزحوا الى ضواحي المدن وبالذات (بيروت) طلباً للأمن والعمل والعلم، وشكلوا (حزام بؤس)، ترافق مع ظهور وانتشار الأفكار الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية، وتزايد معه الميول الى إقامة مناطق خاصة بالطائفة والقومية وغيرها، وكان الحراك يبدو وكأنه ينبع من طبقات مسحوقة فلاحية أو فقيرة.


    لكن دعاة المنهج النفسي والاجتماعي يؤشرون الى ما يلي:

    1ـ إن الطوائف أو المذاهب تشكل وحدات ثقافية ذات امتداد تاريخي قديم ودور مميز في المجتمع اللبناني. وبالتالي، فلهذه الطوائف الحق في إقامة مجتمعها (الخاص) بها وإدارة شؤونها الداخلية عبر (زعمائها) دون تدخل من زعماء الطوائف الأخرى.

    2ـ تقاليد وعادات وثقافة كل طائفة، التي تتزاوج فيما بينها، يكرس تكتلها.

    3ـ إن ميليشيات كل الطوائف هي بمثابة جيوش لكانتونات تُستخدم عندما تحس بتهديد أمن الطائفة.

    4ـ لهشاشة الدولة المركزية التي لا مركزية فيها سوى الاسم، فإن الصراعات الداخلية داخل الطائفة كانت ضحاياه أكثر من صراعاته مع الطوائف الأخرى. فقد خسر (الموارنة) و (الشيعة) من صراعاتهم الداخلية خسائر أكثر بكثير من تلك التي خسروها مع أطراف أخرى.

    5ـ تظهر مع ذلك شعارات يطرحها اللبنانيون مجتمعون (لبنان للبنانيين) على غرار مصر للمصريين والجزائر للجزائريين، وهذا الشعار له مدلولاته في نواح معينة.

    خاتمة:

    لا بد من القول إن النظام السياسي اللبناني المبني على توازنات طوائفية مرحلية وهشة هو، بطبيعته، مولد للأزمات. وإذا كانت الأزمات تعبر عن نفسها بصيغ الاحتجاج، والإحباط، والدعوة الى رفع الغبن، والرغبة في المشاركة الفاعلة في مرحلة السلم، فإن مرحلة الحرب عرت المكبوت الطائفي وفجرت الغرائز الدفينة.

    إن لبنان بحاجة الى نظام جديد يستند الى قراءة معمقة لأحداث الماضي واستخراج الدروس والعبر منها. والدولة القادرة على صهر اللبنانيين في بوتقة الوحدة الوطنية .

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الثاني والأربعون: الآخر العربي والآخر الفلسطيني في نظر الفلسطينيين في إسرائيل ..

    تقديم: عزيز حيدر .. أستاذ بجامعة بير زيت ـ فلسطين
    الصفحات من (699ـ 726) من الكتاب
    مقدمة:

    حازت قضية العلاقة بين اليهود والفلسطينيين في إسرائيل اهتمام عدد كبير من الباحثين، ولا سيما الإسرائيليين. ولكن الاهتمام بصورة الآخر لم يكن بارزاً في هذه الدراسات حتى أواسط السبعينات. وحتى بعد هذا التاريخ تمكن ملاحظة تركيز الأبحاث على صورة الفلسطيني في نظر الإسرائيلي. إلا أن صورة الإسرائيلي في نظر الفلسطينيين (الذين يعيشون في فلسطين 1948) لم تزل نادرة.

    ولأن الوضع معقد جداً داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، فإن الباحث يناقش قضية حساسة جداً يتناول فيها مسائل تتعلق بالهوية والمواطنة وغيرها. قسم يتعلق في نظرة الفلسطيني لتأخر الحال السياسي في الدول العربية، وقسم يتعلق بالمكاسب التي تحققها مواطنة الفلسطيني داخل الأرض المحتلة الخ.

    أولاً: الهوية الجماعية وصورة الآخر

    أثبتت التطورات التاريخية، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، أن الانتماء القومي والإثني والديني يعتبر من أقوى الانتماءات وأكثرها صموداً، ولذلك فإن فكرة انصهار هذه الجماعات في بوتقة واحدة وهوية واحدة أثبتت فشلها في جميع أنواع الأنظمة السياسية ـ الاجتماعية المعاصرة.

    إن الانتماء الى جماعة محددة يعني ضمناً وجود جماعات أخرى، أي أن وجود هوية جماعية معينة لا يمكن إلا بوجود هويات أخرى. وهذه الحقيقة تؤكد أهمية الحدود بين الجماعات، وبخاصة تلك التي تتشكل على الأسس نفسها (قومي، اثني، ديني، عرقي...الخ).

    فالفرد يعرف نفسه بطريقة تضعه داخل حدود جماعة معينة، وهو بذلك يكون قد أعلن من (لا يكون)، أي الى أي جماعة لا ينتمي. لهذا السبب تكتسب دراسة هذه الحدود أهمية خاصة.

    ديناميات الهوية والانتم

    تتعين الحدود بين الجماعات بواسطة العناصر الموضوعية التي تميزها بعضها من بعض (البيولوجي والبنيوي والثقافي) والاعتراف المتبادل بهذا التميز. وينتج من تعريفنا للحدود الفاصلة بين الجماعات بأنها حدود اجتماعية، فإن تلك الحدود تقوى وتضعف بحسب السياق السياسي ـ الاجتماعي. لا بل هناك من يعتقد أن الفرد يمكن أن يغير هويته، أو أنه يمكن أن ينتمي الى عدد من الهويات في نفس الوقت، وذلك من منطلق أن الناس يكيفون أفعالهم بحسب السياق والظروف.

    نحن نعتقد أن هذه الآراء القائلة بالمبالغة في التأكيد على مرونة الحدود وإمكانية الخيار بين بدائل للاعتبارات التالية:

    أ ـ إن التغير الثقافي ليس كافياً لتغيير الانتماءات، وخصوصا على مستوى الجماعات، والتاريخ حافل بالأمثلة الكثيرة.

    ب ـ يصطدم تحويل الانتماء القومي أو الاثني عادة بالقيود البنيوية التي تنتج من سياسة النظام السياسي وتؤدي الى قيام حدود اجتماعية صلبة ثابتة أو شبه ثابتة وخصوصاً في حالات الصراع.

    ج ـ إن تحويل انتماء الفرد لا يعتمد على رغبته وقراراته فقط، وإنما يعتمد أيضاً على (الآخر)، أي الجماعة التي يرغب في الانتماء إليها. ففي حالات كثيرة (تغلق) الجماعة نفسها أمام محاولات الانتقال والانتساب إليها، إما بسبب خوفها على ضياع هويتها الخاصة المميزة، وإما من أجل المحافظة على امتيازات خاصة في توزيع موارد المجتمع.

    د ـ يثبت التاريخ أن الهوية القومية والإثنية قادرتان على المراوغة والتملص من الضغوط، وأنهما قابلتان للصمود والاستمرار على المدى البعيد.

    ثانياً: هوية الفلسطينيين في إسرائيل

    تشكلت هوية العرب في إسرائيل من عدد من الأبعاد والعناصر التي اندمجت لتنتج ذاتاً جماعية واحدة. ولكن بروز هذه الأبعاد والعناصر اختلفت من فترة الى أخرى. فالهوية المحلية التي تعكس البعد الأول (الاجتماعي) والتفاعل على مدى الأجيال كانت هي الأقوى من الهويات الأخرى. وكان هناك بعد آخر ديني ـ طائفي اختلفت قوته من فئة الى أخرى، ومن منطقة الى أخرى. أما البعد الثالث في الهوية فكان الفلسطيني والذي عكس البعد السياسي ـ الوطني، ولكنه لم يكن قوياً بالذات في الأقلية العربية التي كان معظمها بعيداً عن المركز السياسي ـ الاجتماعي الفلسطيني في المدن الرئيسية. والبعد الرابع كان الانتماء العربي الذي ينعكس في الثقافة العربية المشتركة مع الشعوب العربية والذي يبرز فيه عنصر اللغة.

    وبعد قيام دولة إسرائيل، والسياسات التي مارستها تجاه العرب أسهمت إسهاماً كبيراً في إبراز تميز العرب من الأكثرية اليهودية لأنها حددت مكانة الأقلية العربية كجماعة مرفوضة وهامشية على المستوى الرسمي والشعبي على النحو التالي:

    1ـ تميز العرب على مستوى التعامل الرسمي وتعريفهم بمصطلحات مثل (غير اليهود) و (أقليات) و (مسلمون) و (مسيحيون) و (دروز) و (بدو) و (الوسط العربي). وقد تم التمييز بين العرب واليهود حتى في بطاقة الهوية الشخصية. بذلك تكون الدولة قد أجبرت الأفراد على الانتماء الجماعي قسراً.

    2ـ التمييز في توزيع موارد الدولة، ضد العرب كأفراد وجماعة، مما سبب قلة فرص الحراك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

    3ـ استخدام أجهزة حكم وأنظمة وقوانين خاصة بالعرب، مثل جهاز الحكم العسكري وأنظمة الطوارئ وعزلهم بواسطة قوانين أخرى مثل قانون العودة وقانون الطوائف وغيرهما.

    4ـ عزل العرب مؤسسياً بواسطة جهاز تعليم خاص بهم وفصل وسائل الإعلام والمنظمات الطوعية والتنظيمات السياسية والاجتماعية.

    5ـ ساهمت في تعميق الفجوة والبعد سياسة العزل الجغرافي والاجتماعي التي أدت الى تقوقع العرب وعزلتهم في أماكن سكناهم.

    تبلور الهوية وتحول الانطباعات بعد عام 1967

    خلقت حرب 1967 أوضاعاً سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة تماماً عن الأوضاع التي سادت قبلها وأنتجت مؤثرات جديدة في تبلور الهوية الجماعية:

    أ ـ تطورت الأوضاع الاقتصادية وارتفع مستوى التعليم والثقافة بين الفلسطينيين في إسرائيل، مما أثر في تبلور الوعي الوطني والسياسي.

    ب ـ أدى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة الى اللقاء المتجدد بين الفلسطينيين، ومكن الذين في الداخل من الاطلاع على ثقافات وسياسات الجماعات العربية والفلسطينية خارج فلسطين 1948.

    ج ـ شكلت نتائج حرب 1967 صدمة عنيفة لتصورات الفلسطينيين في إسرائيل وتوقعاتهم من البلدان العربية، وأدى ذلك الى تهاوي انتماؤهم العربي الى انتمائهم الفلسطيني.

    د ـ بدأت عملية اندماج الفلسطينيين في الاقتصاد والنظام السياسي الإسرائيلي. وكانت نتيجة هذه العملية الانفتاح أكثر من السابق على المجتمع الإسرائيلي والتعرف عليه والتأثر به.

    وقد كل ذلك الى تحولات يمكن اختصارها بما يلي:

    أ ـ بدأ الفلسطينيون في إسرائيل يميزون بشكل حاد بين العربي والفلسطيني. فصورة العربي بدأت تغلب عليها السلبية بسبب معاملته للفلسطينيين في البلدان العربية، وبسبب عجزه ودونيته أمام إسرائيل. وعلى رغم أن هذه الصورة اختلفت قليلاً أعقاب حرب 1973، إلا أنها في جوهرها لم تختلف على المدى البعيد. ولكن هذه الحرب بالذات أدت لأول مرة الى بداية التمييز بين الأنظمة العربية والإنسان العربي.

    ب ـ على مستوى العلاقات الداخلية بين الفلسطينيين، أنتج اللقاء المتجدد والتفاعل اليومي انطباعات متبادلة متوافقة أحياناً ومتناقضة في أحيان كثيرة، بحيث تحولت الصورة البسيطة السابقة الى صورة معقدة:

    1ـ نظر الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1967 الى فلسطينيي عام 1948 نظرة استعلاء على المستوى الوطني السياسي، واتهموهم بأنهم أقل وطنية وأقل عروبة، وقد أدت تلك النظرة الى استفزاز فلسطينيي الداخل.

    2ـ في مستوى السلوكيات الشخصية، نظر فلسطينيو 1967 الى فلسطينيي 1948 نظرة سلبية جداً واتهموهم باكتساب أخلاقيات غربية وإسرائيلية.

    ج ـ بدأت صورة الإسرائيلي في نظر فلسطينيي 1948 تتعقد، فهو يمثل القوي والجبار والمنتصر على أكثر من صعيد، ومن جانب آخر هو منحل لا يهتم بالأخلاق ولا بالشرف الخ.

    تبلور صورة الذات ووضوح الآخر (1976ـ 1998)

    شهدت هذه الفترة عملية تكامل الهوية الوطنية الفلسطينية بين فلسطينيي 1948 وفي نفس الوقت تعميق الاندماج في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية في البلاد.

    ولكن الظاهرة المميزة التي برزت أنه أصبح فلسطينيو 1948 يعرفون أنفسهم بأنهم عرب بالمعنى القومي والثقافي وأنهم فلسطينيون بالمعنى الوطني، وأخذوا يتفاعلون مع القضية الفلسطينية والقضايا العربية السياسية والاجتماعية والثقافية كجزء غير منفصل من خلال أشعارهم ودراساتهم ورواياتهم ويمكن تلخيص تلك المرحلة بما يلي:

    أ ـ هناك شرائح واسعة بين الفلسطينيين ارتبطت مصالحها الاقتصادية بالسوق الإسرائيلي بعد سنوات طويلة من الاندماج في هذا السوق وتوثيق العلاقات الاقتصادية والاجتماعية مع الإسرائيليين.

    ب ـ تأثرت فئات كبيرة من الفلسطينيين بأساليب الحياة في إسرائيل وتبنتها وانخرطت فيها، مثل الاستهلاك وقضاء وقت الفراغ الخ.

    ج ـ تأثر جميع الفلسطينيين بأساليب التنظيم والعمل السياسي وحتى القيم والمعايير التي توجه السلوك في هذا المجال. وعلى الرغم من الاختلاف في أساليب التعبئة السياسية. إضافة الى أن كثير من فلسطينيي 1948 انخرطوا في الأحزاب الإسرائيلية أو أحزاب عربية أنشئت داخل إسرائيل.

    د ـ إن نسبة عالية من فلسطينيي 1948 تتكلم اللغة العبرية وتتقن القراءة والكتابة وتستخدمها في الدراسة والحياة المهنية والاتصال مع الخارج.

    الانتفاضة، حرب الخليج واتفاقيات السلام (1988ـ1995)

    تعتبر الانتفاضة أهم تطور سياسي، بعد حرب 1967 وقبل بدء عملية السلام، أثر في بلورة وحسم مواقف فلسطينيي 1948 من القضايا التي تشغل الحيز الرئيسي في توجهاتهم السياسية، وأهمها الهوية الوطنية والقومية.

    كانت الأهمية الأولى للانتفاضة في أنها أبرزت بشكل واضح الفروق بين فلسطينيي 1948 والتجمعات الفلسطينية الأخرى في الضفة والقطاع، في ترجمة الانتماء الوطني الى سلوك عملي. فموقفهم من أحداث الانتفاضة لم يتعد التضامن والتعاطف، وبذلك أصبح الخط الأخضر يشكل حداً فاصلاً بين فلسطينيي 1948 وفلسطينيي 1967.

    وقد برزت مجموعة من المؤشرات السلوكية التي تؤكد الفوارق بين المجموعتين ولنضرب أمثلة على ذلك:

    أ ـ التطوع للخدمة العسكرية من فئات من فلسطينيي 1948 والعمل في وحدات الشرطة الخاصة ووحدات المستعربين في فلسطين 1967، لتقدم خدمة القتل وإعاقة أعمال المقاومين.

    ب ـ الاحتفالات الجماعية والفردية، بمبادرة ذاتية من فلسطينيي 1948، بعيد نشوء إسرائيل ورفع الأعلام على البيوت ووسائل النقل.

    ج ـ تهافت الشبيبة الفلسطينيين على الانتساب الى منظمات الشبيبة الحزبية والمنظمات شبه العسكرية، مثل (كتائب الشبيبة).

    وبعد مباحثات السلام بين مصر وإسرائيل ومؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو واتفاقية الصلح بين الأردن وإسرائيل، تغيرت الصورة وتركت سمات اجتماعية وثقافية في المجالات التالية:

    أ ـ المجال الثقافي:

    إن أكثر مجالات التأثر الثقافي ظهوراً ووضوحاً هي اللغة. فإضافة الى خلو مناهج اللغة العربية من الرموز الوطنية والقومية، هناك تركيز على اللغة العبرية. ومما يعمق التأثر باللغة العبرية أنها لغة التدريس في معظم المواضيع العلمية، بسبب غياب كتب التدريس العربية وسهولة التدريس والقراءة لمن تخرجوا من الجامعات العبرية.

    ب ـ المجال الاجتماعي ـ الاقتصادي

    يظهر أثر التحولات في هذا المجال في أنماط التنشئة ومضمونها، وفي نمط العائلة، وبخاصة أنماط العلاقات داخلها، وفي مكانة المرأة ووضعها في العلاقات الاجتماعية وفي سوق العمل.

    ج ـ في مجال الثقافة السياسية

    رغم تأثر فلسطينيي 1948 بأنماط السياسة الإسرائيلية وطرق تنظيمها، فإن تمثل مضامينها عند عرب 1948 لم يكن إسرائيلياً كاملاً وذلك سببه آتٍ من رفض المجتمع الإسرائيلي لقبول هؤلاء داخله.

    ثالثاً: صورة الآخر في المرحلة الحالية

    من الملاحظ أن صورة الآخر تطورت بشكل متواصل بتأثير التطورات والتحولات السياسية. وليس هناك شك في أن العلاقة القوية بين المتغيرين ناتجة من مركزية البعد السياسي في الهوية الوطنية.

    وفي عام 1994 أجرى الباحث (عزيز حيدر: كاتب هذا البحث) دراسة ميدانية على 470 حالة من خريجي الجامعات الإسرائيلية من فلسطينيي 1948 بين عامي 1980ـ 1993، لرصد الصورة التي يراها هؤلاء:

    يرى أكثرية فلسطينيي 1948 أنفسهم متميزين إيجابياً عن العرب الآخرين وحتى عن فلسطينيي 1967، فهم أكثر صراحة في التعبير عما يفكرون فيه.

    ويرى هؤلاء في الإسرائيلي أنه لديه صفات: الطموح وتحقيق الإنجازات ويروه إباحياً ومحافظا في نفس الوقت.

    وقد خلص الكاتب الى أن فلسطينيي 1948 لديهم صورة عن الآخر العربي والآخر الإسرائيلي تكونت من خلال تفاعلهم الجماعي وليس من خلال تفاعل فردي تم تدوينه من مفكرٍ أو كاتب منعزل عن التجربة المستمرة.

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الثالث والأربعون: الفلسطيني والعربي والإسرائيلي في نظر الطلبة الجامعيين في فلسطين ..

    تقديم: محمود ميعاري .. أستاذ بجامعة بير زيت ـ فلسطين
    الصفحات (727ـ 744) من الكتاب

    أولاً: الإطار النظري

    كثيراً ما يطغى التعصب على العلاقات بين الجماعات الإثنية (عرقية، قومية، دينية...الخ) والتعصب (Prejudice ) هو ظاهرة اجتماعية مستمرة. ففي العصور القديمة كان اليونانيون يعتقدون أنهم وحدهم الجديرون بالحرية والسيادة، وأن الجماعات الأخرى ليس لها إلا الخضوع والطاعة لهم.

    وفي الوقت الحاضر يميز التعصب كثيراً من العلاقات الإثنية في العالم كالعلاقات بين العرب واليهود في فلسطين، وبين البيض والسود في الولايات المتحدة، وبين الصرب والمسلمين السلافيين في يوغسلافيا (سابقاً) والقائمة طويلة. وعرّف (بانتون Michael Banton) التعصب بأنه (موقف أو اتجاه سلبي أو عدائي نحو جماعة معينة أو نحو أعضائها).

    ويتميز التعصب بوجود ما يمكن تسميته بالعربية صوراً نمطية أو أفكاراً مقولبة أو آراء مسبقة (Stereotype) والمصطلح الأخير مستمد من لغة تقانة (تكنولوجيا) الطباعة، وهو في الأصل اللوح المعدني الذي يستخدم في طبع آلاف النسخ أو الصور المتطابقة دون حاجة الى تغيير.

    وقد عرف (ليبمان) الستيريوتايب بأنه (الصورة الذهنية المشتركة التي تحملها مجموعة من الأفراد، والتي تتكون غالباً من رأي مبسط أو ناقص أو مشوه يتم تجاهل الفروق الفردية بين الناس فيه.

    (1)

    تُرجع (نادية سالم) صورة العرب السلبية في الغرب الى محددات أو (عوامل) تاريخية ومحددات ثقافية وحضارية. وأهم المحددات التاريخية هي الحروب الصليبية وما نتج عنها من تشويه للصورة العربية في أوروبا. فالمؤلفات الغربية عن هذه الحروب ترسم صورة قاتمة للعربي يبدو فيها متعصباً وغير متسامح تجاه المسيحيين.

    أما المحددات الثقافية والحضارية، فأهمها كتابات المستشرقين العدائية عن الإسلام الذي ظل يشكل خطراً على المسيحية كدولة وعقيدة أكثر من ألف سنة. فالقرآن في هذه الكتابات ليس تنزيلاً إلهيا، بل من تأليف محمد وهو مليء بأفكار غريبة عن الجن والملائكة. هذه المؤلفات المشوهة عن الإسلام خلقت لدى الإنسان الغربي العادي صورة عن العرب والمسلمين بأنهم أقرب الى البربرية والهمجية.

    (2)

    الصور النمطية تبقى شبه ثابتة في الأوضاع العادية. وكما يقول (ملتون غوردون) ( إن الصور تغرس في الثقافة، وتتغير ببطء، وتنتقل بالطريقة نفسها التي تنتقل بها المعتقدات الثقافية الأخرى).

    ففي دراسة قامت بها (نادية سالم) على صور العرب والإسرائيليين في الصحف الأمريكية تبين أن حرب 1967 أظهرت سمات سلبية للشخصية العربية (فالعربي يشعر بالدونية، فاقد للثقة بالنفس، تفكيره غيبي، كاذب، إرهابي) وصفات إيجابية للشخصية (فالإسرائيلي شجاع، واثق من نفسه، متحضر، وتفكيره علمي). أما بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، فقد تحسنت صورة العربي في الصحافة الأمريكية فالعربي (واثق من نفسه، متحضر، وتفكيره علمي). وتراجعت صورة الإسرائيلي فهو (مضطهد ويشعر بالدونية ويحس بالعزلة).

    هذه الحالات موجودة في أكثر من بقعة في العالم. فالصيني في نظر الهنود (ودوداً، أميناً، شجاعا ومتحضراً وعلمياً). هذا كان قبل النزاع الحدودي بين البلدين، أما بعده فالصيني في نظر الهنود (عدوانياً، مخادعاً، أنانياً، مثيراً للحرب، قاسياً، عنيفاً، وأحمق).

    (3)

    هناك تفسيرات عديدة للتعصب ولظهور الصور النمطية، أهمها تفسيران رئيسيان: تفسير نفسي، وتفسير اجتماعي. والتفسير النفسي يرجع التعصب والصور النمطية الى عوامل نفسية مثل (الخوف والقلق والشعور بالنقص والإحباط).

    والتفسير الاجتماعي للتعصب فيركز على علاقة الجماعة الأخرى بجماعة الفرد. فيرى بعض العلماء أن التفاوت في المكانة والقوة بين جماعتين يخلق شعوراً بالتعصب، ولا سيما لدى أفراد الجماعة المسيطرة. فمثلاً ينظر الأسياد الى العبيد باعتبارهم كُسالى وغير مسئولين وغير مبادرين.

    والتعصب هو رد فعل دفاعي ضد التحدي، الصريح أو الضمني، لامتيازات الجماعة المسيطرة، وكلما زاد التهديد الحقيقي أو المدرك، لامتيازات الجماعة المسيطرة، زاد تعصب أفراد هذه الجماعة ضد المهددين لها من الخارج.

    وعندما لا تستطيع فئة التغلب على الفئة التي أقوى منها، فإنها تستلهم تعصب تلك الفئة لتمارسه على من تقدر عليهم. فعجز اليهود الشرقيين في إسرائيل عن الوصول الى مستوى اليهود الغربيين، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، يدفعهم الى تعصبهم ضد المواطنين العرب، وممارسة العداون عليهم بصورة أنكى من اليهود الغربيين.

    ثانياً: الدراسات السابقة

    لقد أجريت في إسرائيل عدة دراسات على صور الذات والآخر في نظر الشباب الإسرائيلي. ففي عام 1965 أجرى (كلمن بنيميني) وهو عالم نفس في الجامعة العبرية في القدس، بحثاً عن صور الإسرائيلي والأمريكي والألماني والعربي في نظر طلبة مدارس ثانوية يهودية. ووجد أن صورة الإسرائيلي (يتسم بأنه إيجابي واجتماعي وذكي ورجولي ومتفائل ويعترف بالجميل ومنتصب وسريع وصحي وقوي وواسع الأفق)، أما صورة العربي (قديم جداً، ثقيل، صعب، ناكر للجميل، أناني، سلبي، ضيق الأفق، قصير بطيء راكد) ومن المستغرب أن صورة الألماني تفوقت على صورة العربي، رغم فظائع النازية.

    كرر (بنيميني) التجربة (الدراسة) في أعوام 1968، 1974، 1979، 1990، 1994. فلم تتحسن صورة الفلسطيني أو العربي إلا قليلاً في الأعوام التي وقعت بها اتفاقيات (كامب ديفيد) واتفاقية أوسلو.

    ثالثا: الدراسة العربية

    1ـ صورة الذات والآخر

    في دراسة طلاب جامعة بير زيت يرى الفلسطينيون أنهم أفضل من الإسرائيليين وأفضل من أهل قطاع غزة وأفضل من بقية العرب، فصورة الفلسطيني في الضفة الغربية (شجاع، عقلاني، غير عدواني). في حين صورة الفلسطيني في إسرائيل (1948) (متوسط في شجاعته وعقلاني وغير عدواني).

    2ـ الصورة الإجمالية وارتباطاتها المتبادلة

    تقييم الفلسطيني لليهودي بأنه (عقلاني، متوسط في شجاعته) بعكس تقييم اليهودي للفلسطيني.

    3ـ الصور الإجمالية وعلاقتها بالهوية

    تم توجيه خمسة أسئلة (الديانة والقومية والقطرية ..) وكانت النتيجة أن الهوية الفلسطينية هي الأقوى 90.5% ثم جاءت العروبة 63.6% ثم جاءت الديانة 54.5%.

    وقد ظهر أن الانتماء السياسي لفصيل معين (فتح، حماس، منظمات يسارية الخ) لا تختلف أجوبتهم جوهرياً عن غيرهم.

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الرابع والأربعون: "العوام" و"الأفندي" في مصر: دراسة في آليات الشك المتبادل..

    تقديم: علي فهمي.. باحث مصري

    الصفحات 745ـ 758

    توطئة:

    قبل أن ندخل في موضوع البحث، دعنا نتذكر مع الأخوة القراء، أن الوظائف العامة قد جرى عليها تغير منذ صدر الدولة الإسلامية حتى العصر الحديث، وقد كانت الدولة المتأثرة بالنمط الفارسي تتشابه مع الدولة المتأثرة بالنمط العثماني (التركي)، من حيث أن الوظائف بها تختلف عما كانت عليه في العصر الراشدي أو العصر الأموي، حيث كان يتقاضى الموظف راتبه من بيت مال المسلمين.

    أما في النمط الفارسي والنمط التركي، فكان الولاة وأتباعهم في الوظائف الدنيا هم من يعطون الدولة بدل تعيينهم في مراكزهم، كذلك كان يفعل القضاة وباقي الموظفين على أن يحصلوا هم من الرعايا ما يفوق ما يدفعونه للدولة.

    مقدمة الباحث

    وضع الباحث في مطلع بحثه بين هلالين (الفاتحة للعسكري، قلع الطربوش وعمل ولي)، وهي أهزوجة من أهازيج العوام في القاهرة، ذات دلالة ساخرة، وتنم عن حيل الفكاهة المصرية للتندر بمن يلبس التقوى الزائفة ليغطي على ظلمه وفساده.

    يتقدم الباحث بمحاولة للتعريف ببعض الألقاب التي سادت في المجتمع المصري:

    1ـ باشا: وهو لقب يمنحه السلطان الى ذوي الرتب العسكرية، أو السياسية العليا، وهي لفظة (فارسية) بالأصل مكونة من مقطعين (با) وهي القدم و(شاه) وهو السلطان.
    2ـ البك: وهو لقب يلي برتبته رتبة الباشا وكان يمنح لزعماء القبائل، ثم أصبح يمنح للموظفين المتنفذين من وكلاء الوزارات والمدارء العامين، وأصبح يلفظ (بيه).
    3ـ الأفندي: (وهو الذي ما نهتم به في هذه الدراسة)، يأتي بعد مرتبة البك، ويشمل طوائف واسعة من المستخدمين العموميين. ثم أصبح يشمل السعاة حتى الذين لم يكونوا يحملون شهادات دراسية.
    4ـ (الجلبي) لم تكن تستخدم بمصر، بل بالعراق وهي لفظة لها علاقة بملكية الأرض (إقطاع).
    5ـ العوام: تطلق على عموم الشعب وتأخذ أشكالاً لفظية أخرى حسب موقع اللفظ، فيقال (حرافيش) ويقال (زعر) ويقال (عامة) ويقال (جعيدية).

    وقبل أن يدخل الباحث في صلب بحثه، ينوه الى أن التغيرات الجوهرية التي طرأت على مفهوم الوظيفة كانت في النصف الثاني من عهد محمد علي باشا، أي في العقد الثالث من القرن التاسع عشر، إذ أصبح للموظفين العموميين رواتب محددة، ولهم مهام محددة، وإن كانت في تلك الفترة تنحصر الوظائف بما يشبه مهام موظفي البلديات في أيامنا.

    أولاً: حول تاريخ الشك المتبادل بين (العوام) و(الأفندي) في إعادة التركيب

    يقدم المثال المصري في تاريخ الإدارة البيروقراطية تجسيداً فريداً لطغيان السلطة المركزية والتتابع التدرجي للقهر الإداري، من رأس الدولة الى صغار الموظفين مروراً بكبار وبمتوسطي الموظفين. ولعل هذه الملامح والسمات التي تكتسبها ـ تقليدياً ـ الإدارة البيروقراطية المصرية ترجع الى ضرورات ضبط (النهر) على نحو صارم*1. وهكذا، فإن أهم الوظائف المصرية تكون قد حُصرت في الري وجباية الضرائب والدفاع.

    وعليه فإن تلك المهام تستوجب صرامة آمرة من طرف الدولة، وجمهور (عوام) يشكك ويتذمر من دور الدولة، ويخضع لها في نفس الوقت.

    ولنعد الى دور محمد علي، في ترتيب الدواوين (المصالح الحكومية) ونسقها الذي استقاه من الشكل الأوروبي، فيما يتعلق بتحديد شروط التعيين والترقي وإنهاء الخدمة، وصرف الرواتب، وإعفاء العوام من تقديم الأموال (رشاوى، أتاوى) الى الموظفين العموميين.

    ومن المهم، الإشارة تاريخياً، الى دور الأقباط في إشغال الوظائف الحسابية والكتابية، والتي التصق بها لقب (الأفندي)، وهذا النهج استنه العرب الفاتحون، فبقي الموظف الصغير القبطي، يتعامل مع العوام كممثل صغير للدولة وبنفس الوقت، ينتهج نهجاً يشعر العوام أنه أقرب إليهم من الدولة! وقد يكون السبب وراء ذلك، أن غالبية المصريين قد دخلوا سلمياً في الإسلام، بحيث ترك هذا الجو المسيحيين الأقباط بأنهم باتوا أقلية، فكانوا لا يريدون الاصطدام المباشر مع المسلمين وبنفس الوقت يبحثون عن رضا أجهزة الدولة.

    لقد كانت نظرة العوام الى الأفندي تتسم بالشك فهذا (الأفندي) هو من يغش (سك العملة) بتقليل نسب الذهب والفضة وهو الذي يسهم في إخفاء البضائع في الأزمات وهو الذي يسوق الناس في الفيضانات للسخرة والعمل المجاني في درء مخاطر الفيضان، وهو الذي يمهد لتجنيد العوام عند الحروب.

    وبالمقابل، فإن الأفندي كان ينظر للعوام بأنهم كاذبون يحسنون التمثيل بفقرهم وعوزهم ونفاقهم وتقليل أرباحهم للتهرب من الضرائب.

    ثانياً: العوام والأفندي في مصر المعاصرة ـ تنويعات حديثة على لحن قديم

    إن كان عرضنا للعلاقة بين العوام والأفندي في عهد محمد علي باشا يرسخ تلك الصور، فإن التغيير الذي حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبالذات في النصف الثاني من عهد (الخديوي إسماعيل) أي عندما بدأت المعالم الدستورية تظهر في الدولة، ويظهر معها القوانين الحديثة على النمط الأوروبي.

    ولو أردنا مناقشة الأسباب العميقة لبقاء ظلال التوتر والشك المتبادل في العلاقة بين العوام والأفندي، فإننا نفترض عدة فرضيات وراء (الإستاتيكية: عدم التجانس بين طبقات المجتمع). فعلى الرغم من التوسع الهائل في التعليم، وبخاصة بعد تعميم المجانية الكاملة في التعليم ما قبل الجامعي بمبادرة من (طه حسين) وزير التعليم في حكومة الوفد الأخيرة (1950)، ثم تعميم مجانية التعليم الكاملة في عهد عبد الناصر، فإنه يوجد 18 مليون أمي في مصر (كتب هذا البحث في أواسط التسعينات من القرن الماضي). وهؤلاء الأميون كلهم من عوام الريف والحضر.

    كما أننا نفترض وبالتوازي مع الفرضية السابقة، أن تدني المستوى المادي للموظف العام في مصر وبخاصة منذ تبني الدولة لسياسة الانفتاح (1974)*2، وما ترتب على ذلك من آثار بالغة الخطورة، تمثلت في ارتفاع التضخم بمعدلات غير مسبوقة، أصبح هذا (الأفندي) مهدداً بأن يهاجر من طبقته الوسطى الى أدنى طبقات الشعب، وهذا ما دفعه لإهمال واجبه الوظيفي ويسيل لعابه على رشوة يبتكر لها وسائلها. هذا مما زاد التوتر بين العوام والأفندي. وقد كانت الرشوة والتي لم يكن من يعرفها في عهد عبد الناصر، معروفة ومعترف بها على لسان رئيس الوزراء (عبد العزيز حجازي 1975) عندما طالب بتقنين الرشوة والتي سماها في تصريحه (عمولة).

    الى جانب الفرضين السابقين، فإن هناك فرضية ثالثة، وهي كثرة القوانين والتعليمات والتي تشرع للعلاقة بين الشعب والسلطة، فقد صدر منذ ثورة 1952 ولغاية عام 1986، (59) ألف تشريع وقانون، وهذا يؤدي الى بلبلة بين الشعب ويجعل من الصعب على القضاة والمحامين الإلمام بهذا الكم.

    ثالثاً: آليات الشك المتبادل بين (العوام) و (الأفندي) ـ خطوط عريضة

    عند حدوث الزلزال في مصر في ظهر يوم 12/10/1992، تحركت كافة الأجهزة المعنية بعد فترة وجيزة من حدوث الهزة الأرضية، الى درجة أن (مجلس الوزراء المصري) الذي كان منعقداً أثناء الحادث، ظل في حالة انعقاد مستمر لمتابعة الموقف أولاً بأول. وشكلت لجان كثيرة متنوعة الاختصاصات على نحو فوري، كما قطع رئيس الدولة رحلته الى اليابان وعاد للقاهرة فورا.

    على الرغم من هذا كله، فإن غيوماً من الشك المتبادل في العلاقة بين جماهير المتضررين (العوام) من جهة، والسلطة على كافة مستوياتها التنفيذية، بما في ذلك صغار الموظفين (الأفندية) من جهة أخرى، قد ظهرت في أفق العلاقة بعد ثلاثة أو أربعة أيام من حدوث الزلزال. وهذه بعض عينات من النظرات المتبادلة:

    ـ وعدت السلطات أن من هُدم منزله سيحصل على مسكنٍ فوراً. تم تأجيل تلك الفورية الى شهرين آخرين ثم الى آجال أخرى. وكان العوام يبتكرون النكات التي تدلل على عدم وفاء الحكومة.

    ـ في المقابل اتهمت السلطات المواطنين بالكذب وعدم تضرر منازلهم.

    ـ في زيارة تفقدية قام بها رئيس الوزراء بعد أسبوع من الزلزال، كَذَّب الأطفال الذين كانوا في المستشفى الذي زاره، كذبوا مزاعم مدراء المستشفى من تقديم الحليب ووجبات إفطار لهؤلاء الأطفال، وكان التكذيب يبث مباشرة على شاشات التلفزيون.

    هذه المظاهر تكررت في مصر بعد غرق السفينة وفي أحداث أخرى.

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الخامس والأربعون: المرأة ك "آخر" :
    دراسة في هيمنة التنميط الجنساني على مكانة المرأة في المجتمع الأردني ..


    تقديم: حلمي خضر ساري .. أستاذ في قسم الاجتماع ـ الجامعة الأردنية
    الصفحات 759ـ 781 من الكتاب
    أولاً: التنميط كعملية معرفية ـ اجتماعية

    يرى الكثير من الباحثين أن عملية التنميط ليست سوى عملية معرفية عامة (Cognitive-Process) تعتمد في تكوينها على عمليات معرفية أخرى كالتصنيف (Categorization) والتعميم (Generalization) يلجأ إليها الفرد من أجل تبسيط المعارف والمعلومات الغزيرة والمعقدة من محيطه الخارجي بشقيه المادي والاجتماعي.

    ومع ذلك فالصورة النمطية (Stereotype) لا تتساوى مع الفئة (Category). فالأخيرة هي مفهوم حيادي واقعي مجرد من أحكام القيمة يطلق على الخصائص والسمات التي تميز جماعة معينة من غيرها، في حين أن الصورة النمطية هي تصور مفرط في التبسيط وتعميم مبالغ فيه.

    ثانيا: التنميط الاجتماعي: الوظائف والآثار

    تعمل الصور النمطية بحكم طبيعتها كبناء معرفي أولي، على توجيه إدراك الفرد وتفاعله الاجتماعي مع الآخرين، بشكل يضمن إثبات صحتها والمحافظة على بقائها واستمراريتها. وحتى في الحالات التي يجد فيها الفرد بعض الأدلة والحقائق التي تتعارض مع هذه الصور النمطية، فإنه غالباً لا يعتمدها ولا يأخذ بها، بل يبقى مُصراً على الاعتماد على هذه الصور والرجوع إليها كأطر معرفية توجه سلوكه وتفاعله مع الفرد أو الجماعة المنمطة.

    ومن هذا المنطلق، فإن الصور النمطية تؤدي الى انسحاب هذا السلوك في التعامل مع المرأة كآخر.

    ثالثاً: التنميط الجنساني: مرتكزاته الأيديولوجية ومظاهره الاجتماعية

    ترتكز أيديولوجيا التنميط الجنساني على ادعاءات وافتراضات (Assumption) مستمدة في غالبيتها من البيولوجيا تهدف الى إبقاء مكانة المرأة على ما هي عليه من دونية في المجتمع، إذ تزعم هذه الأيديولوجية بأن المكانة التي تحتلها المرأة في البناء الاجتماعي لأي مجتمع، وبخاصة المجتمع الرأسمالي، ليست سوى انعكاس طبيعي يتلاءم مع طبيعتها وبيولوجيتها كأنثى. فهرموناتها، ونسبة ذكائها وحجم دماغها، ونوع دمها، ونمط جسمها (Body Type)، ونضجها الجنسي تختلف عن الرجل، ولذا فإن الأعمال والأدوار التي تشغلها المرأة يجب أن تتناسب مع طبيعتها.

    ومع أنه ليس في نية هذا البحث كشف زيف هذه الادعاءات والتصورات، إلا أنه يكفي القول هنا بأنها ادعاءات تبسيطية واختزالية وقدرية تستغلها الأكثرية/ صفوة القوة من أجل إضفاء الشرعية على اللامساواة بين الجنسين في المجتمع.

    رابعاً: التنميط الجنساني وعمل المرأة الأردنية

    يُعتبر الجنس ( رجل ـ امرأة) أحد المرتكزات الأساسية التي يتم على ضوئها توزيع العمل والأدوار والوظائف بين الجنسين في المجتمعات الإنسانية كافة، حيث تُخصص للرجال أعمال معينة وتوكل للنساء أعمال أخرى، إلا أن وجهة الخلاف لا تكمن في هذا التخصيص بقدر ما تكمن في المكانة المفارقة والقيمة الاجتماعية المصاحبة لهذه الأعمال، والحقوق المختلفة الممنوحة لكلا الجنسين، وأساليب تقييم المجتمع لأداء كل منهما للأعمال المخصصة له.

    ومهما تعددت وجهات نظر علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية في تفسير أسباب تقسيم العمل بين الجنسين في المجتمعات عبر التاريخ، فإنه يبقى للتنميط الجنساني دور كبير في ذلك يصعب إغفاله وتجاهله في المجتمع، وبخاصة في مجتمع كالمجتمع الأردني والذي يتشابه كثيرا مع المجتمعات العربية، من حيث الثقافة التقليدية والسيادة الأبوية.

    إن الذي يقرر مكانة المرأة في المجتمع هو موقعها ضمن علاقات الإنتاج والنظرة الثقافية إليها وموقعها ضمن البناء الاجتماعي الذي تحتله في المجتمع، وليس نسبة مشاركتها في الإنتاج. ومن هذا المنطلق، لا يرى الباحث وجود علاقة سببية بين مكانة المرأة الاجتماعية ونسبة مشاركتها في الإنتاج.

    ولفهم تلك العلاقة، يورد الباحث مثلاً عن تدني المكانة الاجتماعية للطبقات العمالية في المجتمعات الصناعية الرأسمالية، على الرغم من مساهمتها العالية في العملية الإنتاجية، ويتم أيضاً فهم أسباب علو المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها كبار الملاك الرأسماليون في تلك المجتمعات، والبكوات والباشوات في الريف العربي، على الرغم من انخفاض نسبة مشاركتهم، وربما انعدامها، في العملية الإنتاجية.

    من نتائج الدراسة للباحث

    ازدادت نسبة العاملات الأردنيات بين عام 1972 و1979 بزيادة سنوية 1.3% في حين كانت الزيادة بين عامي 1979 و1990 بمعدل 8.8% سنوياً.

    وفيما يتعلق بنوع العمل (عام 1987)، فقد كانت نسبة الفنيات المتخصصات 46.4% ونسبة الإداريات 1.1% ونسبة من يقمن بالأعمال الكتابية 26.4%؛ ومن يقمن بأعمال البيع 3.1%؛ والمشتغلات في الخدمات 9.1%؛ والمشتغلات في الزراعة 4.1%؛ والمشتغلات في قطاع النقل والإنتاج 9.9%.

    وفي اعتبار التحصيل العلمي بين المشتغلات الأردنيات في عام 1990، فإن الأميات نسبتهن 8.2% والملمات (دون الابتدائي) 4.7% وذوات التحصيل الابتدائي 6.7% والإعدادي 8.1% والثانوي 17.6% وحاملات شهادات الدبلوم من المعاهد المتوسطة 38.3% والجامعيات 16.4%. [هذه الدراسة عن أوضاع العاملات في مصانع العاصمة عمان].

    وعند المقارنة بين رواتب الذكور مع رواتب الإناث، في عام 1989، كان الفنيون الذكور يتقاضون رواتب 194 دينار للرجل، في حين الإناث تتقاضى 128 ديناراُ. أما المدراء من الذكور 465 دينار، والمديرات 357 دينار؛ وراتب المشتغل في الأعمال الكتابية من الذكور 170 دينار ومن الإناث 139 دينار؛ وراتب المشتغل في أعمال البيع للذكور 187 دينار، وللإناث 132 دينار؛ والشغل في الخدمات للذكور 110 دينار، وللإناث 87 دينار؛ ولعمال الزراعة 112 دينار للذكور، و120 ديناراً للإناث؛ وعمال الإنتاج 135 دينار للذكور، و69 ديناراً للإناث.

    وفي ذِكر الباحث للبطالة عام 1990، حسب الفئات العمرية: ففئة 15ـ19 سنة 26.3% للذكور، و60.9% للإناث؛ وفئة 20-29 سنة 16.4% للذكور، و 37.8% عند الإناث؛ وفئة 30ـ39 سنة 7% للذكور، و 6.8% للإناث؛ وفئة 40ـ49 سنة 10% للذكور و 2.6% للإناث؛ 50ـ59 سنة 12.9% للذكور، وما فوق 60 عاماً 19.3% للذكور، و5.3% للإناث.

    ويذكر الباحث أنه في عام 1990 كانت نسبة البطالة في أعلى مستوياتها عند الإناث، حيث بلغت عند الجامعيات 17.4% وخريجات المعاهد المتوسطة 35.4% في حين كانت للذكور الجامعيين 11.4% وخريجي المعاهد المتوسطة 16.3%.

    خلاصة:

    يتضح من البيانات أعلاه أثر التنميط الجنساني في التأثير في مكانة المرأة في المجتمع الأردني، وأن مكانة المرأة أدنى في قيمة الرواتب وفي احتلالها للمواقع القيادية وفي إقبال جهات التشغيل على الاعتماد عليها، ونوعية العمل الذي تقوم به.

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل السادس والأربعون: الرجل ـ المرأة: انعكاس أم انكسار؟
    صورة الرجل من خلال أقوال المرأة وفانتزماتها ..

    تقديم: ماري ـ تيراز خيري بدوي .. أستاذة في جامعة القديس يوسف ـ بيروت

    الصفحات 783- 794 من الكتاب

    (( لقد ظن سُدَى أنه دونالد.
    لقد ظنت نفسها سُدَى أنها إليزابيث.
    لقد ظن سُدى أنها إليزابيث
    لقد ظنت سُدى أنه دونالد:
    إنهما يخطئان بمرارة...
    فمن ذا الذي له فائدة أن يدوم هذا الغموض؟
    [أوجين أونيسكو، المغنية الصلعاء، المشهد الخامس]

    بهذا المقطع تستهل الباحثة كتابة بحثها، لتقول: منذ صورة الرجل البدائي، صاحب العصا، والممسك بشعر المرأة يجرها من ورائه، طويلة هي الطريق التي قطعت، على ما يبدو، في علاقة الرجل بالمرأة، مع ذلك...

    تعتمد الباحثة على تجاربها ومشاهداتها خلال 14 سنة ـ كما تقول ـ وتنطلق من رصد أقوال (هلوستهن: كما تقول) من خلال ثلاث ثوابت:

    أولاً: الزوج المحتمل الذي يجب إغراؤه، أو صورة الرجل بما هو خلاص ممكن للفتاة بالزواج

    تأتي هذه الصورة في أقوال العديد من الفتيات، نختار منها:
    ـ (إني أتصور مستقبلي مع زوج أحبه ومع طفلين أو ثلاثة في بيت في الريف، وأتصور نفسي أنتظر رجوع زوجي في الليل وقد أعددت له عشاء طيباً)
    [ فتاة 16 سنة في الثانوية من عائلة اجتماعية اقتصادية فوق المتوسط]

    ـ (أنا بصدد إنهاء شهادة الإجازة في هذه السنة، وفي انتظار زواجي، سأعمل قليلاً)
    [فتاة 21 سنة، طالبة في العلوم السياسية ـ مستوى متوسط]

    ـ ( ولكن متى سيأتينني ذلك الشخص الذي سيحررني من كل هذه الأشغال؟)
    [ فتاة 28سنة، كاتبة إدارة، مستوى متوسط]

    ـ (أنا أعمل وأكسب عيشي على نحوٍ طيب، ولكن لما أعثر في يوم ما على شخص يتزوجني، سأكف عن العمل حتى إذا ما لم يطلب مني ذلك... فالرجال لا يحبون النساء اللواتي يعملن حتى ولئن قالوا بعكس ذلك)
    [طبيبة 31 سنة، ذات مستوى فوق المتوسط]

    إنها السذاجة والمثالية عند بعضهن، وإنه العذاب والتبعية عند البعض الآخر، فصورة المنقذ تستحق كل التضحيات. وتصدق بذلك (عقدة ساندريون) التي تتطابق مع المثل (على الفتاة أن تعلق شهادتها المدرسية في مطبخها).

    وتشير الباحثة الى اندفاع الفتيات لإغواء من يريد الزواج بهن:

    ـ (إن أجرتي كاملة تذهب الى اقتناء الثياب وأدوات التجميل.. ليس من الجائز عندي أن أهمل نفسي.. ذلك أني لست متزوجة.. أنتِ تفهمين..)
    [فتاة 26 سنة كاتبة إدارة، مستوى متوسط]

    ـ (نحن نقدم على تضحيات كثيرة حتى (نلبس) و (نرتب) ابنتينا 19 و 21 سنة، إذ لا بد من تزويجهما)
    [والدا الفتاتين، مستوى متوسط، والوالد عاطل عن العمل)

    فما عسى الأمر يكون لو خاب أمل الانتظار؟

    ـ (من ذا الذي سأتزوج؟ لم يعد هناك رجال... فجميعهم ماتوا أو رحلوا الى بلدان أخرى)
    [ فتاة 31 سنة، كاتبة إدارة، مستوى متوسط]

    هذه عينة مما أوردته الباحثة، يؤكد الصورة القديمة بثوب جديد.

    ثانياً: سيد مطلق تتوجب خدمته: أو صورة الرجل بما هو قوة لا يمكن ولا يجب مقاومتها في شيء.

    ها هي قد تزوجت، فماذا سيحصل لها؟

    تدخل الباحثة مرحلة جديدة في بحثها، فتورد عينات من أقوال المتزوجات، اللواتي يؤكدن مسائل تشير الى وجوب تلبية طلبات الزوج في كل شيء والتوقف عن الدراسة والعمل..لنرى:

    ـ (إنه لا يريد مني أن أواصل تعليمي بسبب وجود الفتيان في الجامعات. لقد قال لي: يكفينا هذا فأنت امرأة متزوجة الآن؛ اهتمي ببيتك وزوجك)
    [ متزوجة أخيراً 25 سنة، شهادة بكالوريوس، مستوى متوسط]

    ـ (لا يجب على المرأة أن تجيب زوجها ب (لا) في أمور الجنس، فإن لم يكن ذلك راح يبحث عن غيرها)
    [ متزوجة 23 سنة، مجازة في علم الاجتماع، مستوى فوق المتوسط]

    ـ (لما أقول له بأني لست راغبة في فعل الجنس يصبح متوتر الأعصاب وغضوبا لا يحتمل، وأحس كما لو يعاقبني بتصرفاته في توافه الأشياء المتصلة بالحياة اليومية... وأنتهي بأن أنعت نفسي بالبلهاء وأقول لنفسي ليفعل فعلته حتى ننهي هذا الأمر... وعلى هذا النحو تعلمت ألا أقول له (لا)..)
    [متزوجة 26 سنة، مُدرسة، مستوى فوق المتوسط]

    أما مشكل الابتزاز الجنسي لغير المتزوجات:
    ـ (لقد شرعت أشتغل لديه هذه السنة حتى أوفر ما يلزم لمتابعة دراستي الجامعية التي بدأتها في السنة الماضية... المرة الأولى غازل شعري وقبلني، لقد صرت كالمشلولة ولم أعِ لماذا أسلمت نفسي... وفي مرة أخرى كان أجرأ، إذ تسللت يداه الى صدري... لقد تسمرت كالمشلولة، هل بإمكانك أن تقولي لي ماذا كان علي أن أفعل؟ لم أستطع أن أرد الفعل، فلعلي كنت أخاف من فقدان مرتبي)
    [فتاة 21 سنة، طالبة جامعية، مستوى متوسط]

    ثالثاً: جلاد عنيف لا بد من تحمله أو صورة الرجل العنيف بما هو مصدر ألم تتقبله المرأة

    ـ (هل تعلمين بمَ أجاب والديَّ لما رويت لهما كيف يضربني زوجي؟ لقد قالا لي: لا عليكِ، فالأمر تافه ومن الجائز أن يحدث، لو لم تكوني مزعجة بما لا يُطاق لما فعل معك ما فعل!... رأيت حينئذ أن أهدئ نفسي وأتوقف عن مجادلته)
    [متزوجة 27 سنة، جامعية، مستوى متوسط]

    وتسترسل الباحثة، في تقديم أقوال فتيات يصورن الرجل في أوضاع العنف والاغتصاب وتمزيق الملابس الخ، ويولون ويقدمن أنفسهن كضحايا لا حول لهن ولا قوة.

    رابعاً: قلب الثوابت الفرويدية: الانفعال والمازوشية والأنوثة

    إن الآخر، هو صاحب الأولوية، ذو قطبية مزدوجة: الآخر ـ الكهل ـ الولي بمواجهتنا نحن الأطفال، ثم الآخر ـ الشريك بمواجهتنا نحن في مرحلة النضج.

    الطفل (ذكراً كان أو أنثى) = منفعل؛ الكهل (رجلاً كان أو امرأة) = فاعل.
    الاستسلام والخضوع في الحالتين للفاعل من قِبل المنفعل.

    خامساً: الاندماجية وعلاقة الاستحواذ

    لا يكتفي الفاعل بهذه الحالة بخضوع واستسلام المنفعل، بل يريده أن يكون مؤمناً وقانعاً وراضياً بخضوعه وانفعاله المستسلم للفاعل، فيكون المنفعل مستسلماً ومتلذذاً باستسلامه وهزيمته! هكذا يريد الرجل المرأة، وهكذا تفهم المرأة الرجل، اقتنعت أم لم تقتنع!

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    القسم السادس : عبر الحدود : آخر الأدب والفن

    الفصل السابع والأربعون: صورة (الأخرى) في الرواية العربية: من نقد الآخر الى نقد الذات .. في أصوات سليمان فياض..

    تقديم: جورج طرابيشي .. كاتب ومفكر عربي ..

    الصفحات (797ـ 810)

    (1)

    من وجهة نظر سوسيولوجية صرفة تكاد مقولة (الآخر) تكون مقولة مؤسسة للرواية العربية، وهذا بمعنيين:

    أولاً: من حيث نشأة الرواية وظهورها، بل حتى وتطورها، في الثقافة العربية كنوع أدبي طارئ ومستحدث ما كان مُقَيَّضا له أن يرى النور قبل صدمة اللقاء بالغرب. فالرواية، كنوع أدبي، تكاد تكون بالتعريف (فَن الآخر).

    لم تكن الرواية معروفة كفن أدبي عند العرب، قبل رواية (عودة الروح) لتوفيق الحكيم عام 1933، وإن كان البعض يرى أن أول رواية عربية كانت (زينب) لمحمد حسين هيكل عام 1912.

    ثانياً: من حيث البنية الروائية، وتحديداً ما يتمحور من هذه البنية حول (البطولة) بمعناها الروائي، فبقدر ما أن الرواية هي بالضرورة (رواية بطل)، فلنا أن نلاحظ أن ليس من قبيل الصدفة أيضاً أن يكون ل (الآخر)، بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، دور كبير في (دور البطولة) في الرواية العربية.

    فبدءاً من رواية توفيق الحكيم الثانية، عصفور من الشرق الصادرة عام 1938، اتجه فرعٌ أساسي من الرواية العربية نحو التعاطي الحصري مع ما سنسميه بإشكالية الأنثروبولوجيا الحضارية، أي إشكالية العلاقات ما بين الشرق والغرب بحسب تسمية أكثر كلاسيكية.

    ويستعرض الكاتب (جورج طرابيشي) مجموعة من الروايات التي ينسحب عليها ما تقدم به، فيدرج (موسم الهجرة الى الشمال) للطيب صالح، و(الحي اللاتيني) لسهيل إدريس، و(الساخن والبارد) لفتحي غانم، و (قصة حب مجوسية) لعبد الرحمن منيف، و (رصيف العذراء السوداء) لعبد السلام العجيلي، و(الربيع والخريف) لحنا مينة، ومؤخراً (زمن الأخطاء) لمحمد شكري.

    ويقف الكاتب عند سمتين واضحتين في كل تلك الروايات: الأول هو تجسيد البطولة في (ذكر) من الشرق، والبطولة الثانوية لآخر (أنثى) من الغرب. والسمة الثانية أن الأول (البطل) شرقي، والآخر (غربي).

    يشير الكاتب الى عقدة الشعور ب (الخِصاء الحضاري) من الشرقي تجاه الآخر الغربي (المتفوق) حضارياً، وكأنه يريد تأكيد مسألة (إيهام) الشرقي لنفسه بأنه لو نال من المرأة الغربية فقد نال من الغرب بأسره. وعلى هذا النحو تحولت (الرجولة) منسوبة الى الشرق الى سلاح، وتحولت (الأنوثة) منسوبة الى الغرب، الى جرح، وتحول فعل الحب الى فعل انتقام.

    يتوقف الكاتب بشكل أكثر تفصيلاً عند شكل جديد من الروايات، هو رواية (أصوات) التي صدرت عام 1972لمؤلفها: سليمان فياض. ويرى في تلك الرواية أنها على خلاف الروايات السابقة، التي كان يذهب فيها الشرقي الى الغرب ليقابل الأنثى أو التابعة لبطولة الرواية هناك، ففي رواية (أصوات) تحضر البطلة الثانوية الى الشرق. والبطولة في روايته هي للفرنسية (سيمون) وليس لزوجها المغترب المصري (حامد البحيري) ومن ناحية أخرى تؤشر الرواية على بطولات ثانوية بطريقة مستحدثة، يشكل فيها كل بطلٍ آخره وِفق سياق مترابط. فترفض (سيمون) الوافدة من بلاد (الفرنجة) الخضوع لذكور القرية، من باب (التجنيس) وترفض الخضوع لنساء القرية من باب (التشييئ).

    (2)

    ولتقريب ما أراده الكاتب من وقوفه عند رواية (أصوات)، فاسمها آت من اختياره لسبعة أشخاص (أصوات) يكشفون فيها عن تقييمهم لحدث الرواية، هؤلاء الأشخاص السبعة يمثلون السلطة والمثقفين والنساء والعوام الخ.

    و(سيمون) هي زوجة المغترب المصري (حامد البحيري) الذي هاجر الى فرنسا وأفلح في عمله الاقتصادي ليصبح ثرياً من أثرياء باريس بعد 30 سنة من إقامته فيها. و(حامد) هذا، يشده الحنين الى بلدته (الدراويش) فيبعث مالاً لأقاربه في القرية عن طريق أخيه (أحمد البحيري) لإنفاقها على القرية وعلى البيت الذي ستسكن فيه زوجته (سيمون) وقال في برقية له (إنكم سوف تحبونها كثيراً، وأنها سوف تحبكم بدورها، وبخاصة إذا كان مظهركم وسلوككم حسناً معاً)

    وهذا المظهر هو ما سيحرص عليه (مأمور البندر) و(عمدة القرية) وأهلها، وأهل حامد البحيري على إعطائه الأولوية المطلقة. ولقد كانت أوامر المأمور لعمدة القرية ومن هم في إمرته واضحة قاطعة (بوجوب ظهور الدراويش بالمظهر اللائق أمام حامد، وبخاصة أمام زوجته سيمون الفرنسية، حتى نرفع رأس حامد أمام زوجته، ونرفع رأس الدراويش والناحية ومصر أمام الخواجات جميعاً، ممثلين في شخص الست سيمون).

    ومثقف القرية، محمد بن المنسي، الذي تقف ثقافته عند عتبة الشهادة الثانوية [زمنية الرواية في الأربعينيات من القرن الماضي]، يصوغ بدوره إشكالية المظهر هذه بلغة أكثر تطوراً نظرياً وأكثر توكيداً على ما يمثله حدث قدوم (الآخر) من قطيعة مع المجرى الطبيعي لحياة القرية: (فجأة، وعلى غير موعد، اختل الكون في أعيننا وعقولنا. الشمس لم تزل تشرق، وتغرب أيضاً في موعدها ... كل شيء يحدث كما هو، كما كان. وكل شيء كان من قبل هذه المفاجأة التي انقضَّت على قريتنا من غير موعد، يبدو طبيعيا في أعيننا، ومألوفاً لعقولنا.) ويستمر المثقف في تدوين الفروق بين أمس القرية ويومها، فالأمس الذي كان يسكب في الأزقة والحارات مياه الغسيل والاستحمام محملة بذوب الصابون والعرق، جالبة في أثرها الذباب ومناقير البط والإوز والدجاج. الحمير تنهق والكلاب تنبح والبهائم تزعق طلبا للطعام .. الخ

    أما العمدة، فتقترن النزعة النقدية لديه بنزعة عملية (قلت للجميع أنه لا بد أن تظهر الدراويش بالمظهر اللائق بها وبالديار المصرية. ووافقوني على ذلك. وأخذنا، طوال أسبوعين، في تهذيب حشائش القنوات، وترميم جسورها (فقد ترغب الست سيمون في أن تتمشى عليها في العصاري)، وردمنا البرك والمستنقعات... وعبدنا طرق الدراويش، وردمنا حفرها بطبقة جديدة..الخ)

    وهناك (أحمد البحيري) وهو شقيق زوج الخواجاية .. تناوله الباحث، على أنه نموذج للمواطن الذي يدرك ما هو عليه قومه من تخلف، ولكنه لا يحرك ساكناً طالما أن هذا التخلف لا يراه أحدٌ غريب.

    يذكر الروائي في روايته (أصوات) أن أهل الرأي في (دوار العمودية) لم ينسوا أثر الحملة الفرنسية قبل حوالي 150 سنة، وكيف أن الفرنسيين انتهكوا حرماتهم وعاشروا نسائهم (والعياذ بالله)، ويذكر أحد المتناقشين في هذا الموضوع أن أحد أجداده روى أنه قُتل من قرية الدراويش وما حولها على يد قوم سيمون 17 ألف نفس. لكن أحد الجالسين ينقل عن إمام المسجد بأن الثأر يسقط بعد مرور سبعة أجيال!

    ويستغل أحد الحضور في دوار العمودية ليقدم نقداً ساخراً فيضحك ويقول: اكتشفنا ونحن نضحك سر بياض وجوه بناتنا ونسائنا وكثرة العيون الملونة بين أولادنا في الدراويش والنواحي المحيطة بنا، من (فارسكور حتى عزبة الفرج، ومن بورسعيد حتى الإسكندرية.

    (3)

    والواقع أن همّ معاداة الاستعمار يغلفه ويؤطره في (أصوات) هم أشمل منه وأعمق، هو الهم النهضوي. ومن دون الدخول في تحليلات نظرية لا تتحملها المقالة، فإن (أصوات) تقدم الهم النهضوي على الهم الآتي من الشعور بالأسى من الاستعمار.

    يقدم صاحب الرواية عناصرها ليكشف نسيج مجتمع محلي والكيفية التي يتعامل فيها مع ما تحمله الرواية من (رمزية). فالعمدة والمأمور الممثلين للسلطة يمثلون الحرص الشديد على المظاهر الكاذبة. والمثقف يقع أخيراً في حب الوافدة (الفرنجية). وشقيق زوجها يعاف زوجته التي تخاطبه عند معاشرته لها أنها لا تريد معاشرة أرانب دون إحساس. فزوجها يكيف تصرفاته للفت انتباه زوجة أخيه الأجنبية. وزوجته تتعامل مع (سيمون) كآخر أنثوي من جنسية مختلفة لا بد التخلص منه.

    سيمون التي وفدت، كانت تتحرك كالأطفال بحيويتها، وبنفس الوقت تحمل معها كبرياء حضارة بلدها، فلا تهتم بما يفكر به الرجال، ولا تهتم بما تحيكه لها النساء.

    في اجتماع لنساء القرية: سيمون لا تتصرف كأنثى. سيمون تسيء السمعة لزوجها. سيمون ليست على ديننا. سيمون ليست نظيفة. سيمون لا تحلق شعرها الداخلي. سيمون غير مُطهرة. زوجها بماله يشتري مئة ألف امرأة أفضل منها.

    في مشهد ثاني وأخير. تموت سيمون بين أيدي النسوة التي أوقعن بها. فحاولن ختانها. فماتت. بعضهم يعزي موتها لزيادة البنج، وبعضهم يقول ماتت من النزيف. وبعضهم قال أنها ماتت قهراً لأن نسوة مثل تلك النساء أجبرتها على عكس ما تمليه عليه حريتها!

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الثامن والأربعون: صورة الذات وصورة الآخر في الخطاب الروائي العربي: تحليل سوسيولوجي لرواية (محاولة للخروج) ..

    تقديم: فتحي أبو العينين ..أستاذ في جامعة عين شمس ـ القاهرة

    الصفحات (811ـ834)

    كان للحملة الفرنسية على مصر (1798ـ 1801) وجهان: أحدهما يعبر عن العقل والإنجازات الحضارية القائمة على المعرفة العلمية، والآخر لا عقلي يقوم على الرغبة في السيطرة على الشعوب الأخرى. ومثلما كشفت الحملة عن حالة التخلف والضعف التي تعيشها مجتمعات الشرق العربي، فإنها جسدت لحظة مهمة من لحظات المواجهة مع الغرب أنتجت لدى ال (نحن) العربية صوراً ملتبسة ومعقدة عن الآخر/الغرب، اختلط فيها البعد السياسي بالبعد الثقافي، وأخذت هذه الصور تتأسس في وعي المثقفين العرب من رواد النهضة الحديثة.

    يستعرض الباحث الروايات العربية التي يبرز فيها الآخر بالطريقة التي قدم لها الباحث، فيذكر رواية أديب/طه حسين 1935، ويذكر عصفور من الشرق/توفيق الحكيم، ويذكر قنديل أم هاشم/ يحيى حقي 1944، ويذكر الحي اللاتيني/سهيل إدريس 1954، ثم يذكر موسم الهجرة الى الشمال/الطيب صالح.

    وينظر الباحث الى هزيمة عام 1967 على أنها تشكل الخط الفاصل بين ما قبل ذلك التاريخ وما بعده، فلم يعد البطل هو ذلك الطالب المسافر بل ذلك المثقف والمناضل المهزوم في وطنه أو المنفي عنه، فيتراجع في الرواية العربية طابع السياحة والاندهاش، وتدخل مكانها أحاسيس الحرب والحب والأخلاق والتجريب في هيكلة الرواية بشكل مختلف.

    محاولة للخروج: صورة الذات وصورة الآخر

    بعد استعراض الباحث لنشاطات الروائيين العرب، توقف عند رواية (محاولة للخروج) للروائي المصري عبد الحكيم قاسم، التي صدرت عن الهيئة المصرية للكتاب في عام 1987.

    وفي حديث الباحث عن عناصر بناء الرواية، يتطرق للعنوان الذي تكمن أهميته في أن يكون تكثيفاً للدلالة العامة للعمل ككل. ويبدو البطل/الراوي شاباً مأزوماً محاصراً بعوامل إحباط داخلية على مستوى المشاعر والوجدانيات، وخارجية على مستوى الجميع.

    يطالعنا بطل الرواية في مستهلها (أصبحت في الثلاثين ولم أنجز بعد شيئاً، مع أنني كنت دائماً مفعم القلب بالرغبات العظيمة، ولم أقعد أبداً راكداً في ظل جدار، وكل ليالي العمر لم أنم إلا قليلاً) [ صفحة5]. وبأول ملمح لصورة الذات الجماعية (نحن): (الصحاب أجدبت فروات رؤوسهم وحلقت على أطلال ملامح وجوههم الكآبة... والنساء ذابلات العيون مولولات) ويضيف (شرفات المقاهي صاخبة بضجة لا تخترقها فجوة واحدة منصتة، الكراسي قائمة في توتر هندسي صلب عدائي، وغرف البيوت خانقة والحيطان متسخة مزينة بسوقية خالية من البهجة... والسلالم عالية متربة، تصعد الى أبواب ساخنة صامتة).

    وفي نهاية الاستهلال يعلمنا الراوي أنه يتعلم الفرنسية على يدي (إيفلين) السويسرية زوجة أحد أصدقائه. ونحن لا نجد في الرواية موضوعاً أو حبكة روائية بالمعنى التقليدي. فالمحكي هنا هو تجربة خاصة، يشحذ المؤلف أدواته الفنية لطرحها روائياً، ولا تستغرق في الزمن الداخلي للرواية سوى أيام معدودة.

    تبدأ التجربة بذهاب البطل الى (سقارة) فتقدمه (إيفلين) في العربة السياحية على أنه (كاتب قصة) فيلفت انتباهه فتاتان يجلس أمامهما، واحدة اسمها (إليزابيث)، تبدي في الطريق ملاحظة على قذارة بيوت القرية التي اخترقوها في طريقهم، فيبادر: أن هناك قرى بيوتها أكثر قذارة!

    كان يجتهد ليبقى قريباً من (إليزابيث)، وحاول ثلاث مرات أن يقبلها، بين كل مرة وأخرى عدة ساعات، فكانت تتمنع وتستهجن سلوكه، وبعد أن يصطحبها لقريته والتجوال في القاهرة، تسلم نفسها له. كان ذلك قبل عودتها لبلادها بليلة واحدة، فتحولت تلك الليلة لدى الراوي على أنها تاريخ أو بداية لتأسيس تاريخ يجعل الراوي يحلق عالياً في مفاهيم (النظافة والشرف والعدالة) فيصوغ روايته بتجلٍ واضح، ويركز في الكتابة على (أنا) بقصدٍ واضح.

    يختار الراوي تاريخ يوم هو 16/7/1966، الذي تبلغه المدرسة التي يتعلم فيها الفرنسية، ولليوم دلالة واضحة في الرواية، حيث فترة الستينات من القرن الماضي كانت فيها مصر تشهد تناقضات حادة أتعبت وعي المثقفين، وبخاصة الشباب منهم الذين عاشوا متطلعين الى آفاق جديدة للحياة وللفكر وللثقافة، لكنهم اكتشفوا بُعد الشقة بينهم وبين ما يطمحون إليه، وراعهم حجم الفجوة التي بنوا عليها آمالهم، والممارسات الفعلية لأجهزة الدولة البيروقراطية، ولبعض الفئات التي اتخذت من الشعارات الثورية ستاراً لتحقيق أهداف وميزات خاصة، ولتفريغ تلك الشعارات من مضمونها.

    كانت أمكنة الرواية تدور بين المواقع الأثرية والقاهرة وقرية البطل. وكانت الشخوص تتمثل بالسياح والمواطنين ورموز الثقافة والدولة.

    صورة الذات

    صورة الذات الفردية (الأنا)

    وهي صورة البطل/الراوي، شاب في الثلاثينيات من عمره، من أصل ريفي، درس في مدارس القرية ومدينة (طنطا) وفي الجامعة، يعيش في القاهرة مع شقيقه في غرفة (فوق السطوح). يبحث عن عمل، ويمارس كتابة القصة، ويلتقي بأصدقاء يقومون بما يقوم به من كتابات فيجلسون بالمقاهي ويحضرون الندوات.

    طموحاته الثقافية لا حدود لها، يعيش حالة من الغربة واليأس وعذابات النفس، تكاد صلاته بالعالم الخارجي أن تكون مقطوعة. طموحاته المخفقة ووعيه الشقي تضفي على حالته المعنوية قدراً هائلاً من الكدر يلازمه، وهو نفسه يعرف ذلك، فهو يقول (إنني أفكر بغددي لا بدماغي)، وفي تبريراته لليزابيث عندما كانت تنهره في محاولته لتقبيلها ( إنكِ تفهمين الناس من خلال مسلمات حمقاء، الإنسان ليس آلة مضبوطة على قواعد أخلاقية ثابتة، هل يجب أن نفهم كل الأشياء ونعللها تعليلاً صحيحاً) وفي المرة الثانية (لم أرد إيذائك... لست بشعاً الى هذا الحد).

    صورة الذات الجماعية (النحن)

    لا تتشكل صورة الذات الجماعية من مكون واحد في الرواية، بل من عدة مكونات أو صور فرعية.

    فصورة المثقفين الشبان من أصدقاء الراوي، شركاؤه في الإحباط والضياع، وشركاؤه المشدودون لعالم الفن والأدب. فصديقه ابن النوبة الذي يقول للراوي بحضور إليزابيث (بُص.. أنا ماشي حافي.. الجزمة انقطعت.. رميتها في النيل) تنظر إليه إليزابيث خائفة فيقول لها الراوي (إنه ليس مخيفاً.. إنه حزين.. كلنا حزانى.. بشكل أو آخر).

    صورة أهل القرية التي ينتمي لها الراوي فيقول لليزابيث عنهم (ناس أعرفهم دون تبادل، بعيوني أحس ملمس أيديهم ورائحة ثيابهم).

    صورة مصر والمصريين عموماً، شخوصها تتراوح من رموز السلطة، الذين يمثلون الصلاح ويمارسون اللصوصية، وصورة الكادحين النشطين الذين يبنون السد العالي.

    صورة الآخر

    في رواية (محاولة للخروج) تغيب صورة الغرب السياسي، أي الغرب الاستعماري الذي قاست منه دول الشرق العربي. والصورة المتجلية في الرواية هي صورة الغرب الحضاري الذي ترمز له (إليزابيث السويسرية)، وربما اختار الراوي جنسيتها السويسرية ليتجنب الحديث عن بريطانيا أو فرنسا اللتان لهما علاقة استعمارية واضحة.

    في تصوير (إليزابيث) يصورها الراوي على أنها ليست صارخة الجمال كما يتصور العرب بنات الغرب، (فمها كبير وشفتاها مرهفتان جافتان عاريتان من الطلاء، وحينما تبتسم تبدو أسنانها مصفرة من التدخين). يريد قول أنه لم ينخدع بالجمال بل شده عامل التحضر.

    ثم يفرح كثيراً الراوي عندما تبلغه (إليزابيث) أنها ابنة لفلاح سويسري وهي تعيش في الريف، فيعتمد ذلك العامل كداعم لدوافعه للتقرب منها، وهذا ما شجعه لدعوتها لزيارة قريته (ستحبينها جداً... نحن فقراء... متخلفون لكن سوف تجدين أشياء لطيفة).

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل التاسع والأربعون: الطريق الى الآخر يمر بالذات: نموذج من أعمال يوسف إدريس..

    تقديم: محمد حافظ دياب .. أستاذ بجامعة بنها ـ مصر

    ( الصفحات 835ـ 848)

    يتناول الباحث (محمد حافظ ذياب) قصتين للأديب الروائي المصري (يوسف إدريس)، الأولى: السيدة فينا كتبها عام 1959، والثانية نيويورك 80، وكتبها عام 1980.

    أولاً: من فيينا الى نيويورك


    في (السيدة فينا) يتناول يوسف إدريس، شخصية (درش) موظف حكومي مصري صغير، له زوجة وابن صغير يحبهما، أرسل مع وفد في مهمة رسمية الى أوروبا بضعة أيام. وهو مولع بالنساء، وصاحب خبرة ومغامرات في هذا المضمار، لكنها محصورة في نساء بلده.

    صحيح أنه جاء الى أوروبا في مهمة رسمية، إلا أنه لم يكن لديه سوى مأرب واحد (أن يجرب المرأة الأوروبية) [فينا60/صفحة 77]. أما البعد الحضاري الكامن وراء تطلعه الجنسي، فثمة إشارات توعز به، من قبيل تحديده هدفه الخاص من الرحلة: (أن يغزو أوروبا المرأة ـ ص79).

    كان للمرأة التي في باله، على أن لا تكون من فتيات الشوارع، إنما يريد اللقاء (مع سيدة أوروبية أصيلة ذات شخصية، تريده هو ولا تريد نقوده، وتعطيه نفسها بإرادتها ـ ص80)، إنه يطلب أكثر من اللقاء الجنسي، فبغيته هي معرفة (الآخر الأوروبي). وحين تموج الشوارع بالبحارة الأمريكيين، فهو لا يخشاهم كمنافسين، لأن هؤلاء يبحثون عن أوروبا العابثة، أما هو فيبحث عن أوروبا السيدة.

    بعد محاولات فاشلة، ومع ليلته الأخيرة في فيينا ينجح (درش) في مسعاه المحموم، فيحصد ثمار الصبر والجسارة والبديهة والخبرة في المغازي النسائية، حين يجتذب الى دائرة سحره سيدة نمساوية جميلة ومحترمة، يلتقيها في الطريق عائدة الى دارها بعد يوم عمل طويل وسهرة في الأوبرا مع صديقاتها، ويتوجهان معاً الى هذه الدار.

    للسيدة مثله أسرة من زوج وطفلين، إلا أن زوجها مسافر في رحلة عمل. يظل (درش) في حيرة من أمر هذه السيدة طيلة الفترة التي يقضيانها معاً. إنه غير واثق من أفضل سبل التعامل معها: (هذه المرأة تكاد تفجر عقله من الحيرة، لم يعد يدري إن كانت شيطاناً أم ملاكأً، ساذجة أم ماكرة، تضحك عليه أم هي معجبة به، وتحيره ابتسامتها التي لا معنى لها، وهزة كتفيها، التي قد تعني لا وأيضاً تعني نعم ـ ص 127 من الرواية).

    تبدو هذه التفاصيل في ظاهرها محملة بصورة تلقائية بنبرة الشك وعدم الثقة التي تطبع العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب. وحين يضمها إليه ويقبلها للمرة الأولى، فإنها تتأوه قائلة: (ستكسر ظهري يا إفريقي ص 128). مخاطبة إياه بصفته الإثنية المخالفة لإثنيتها.

    يمضي الباحث في ذكر تفاصيل الرواية، وكيف أن المرأة الغربية، هي الأخرى قد حلمت بالشرقي بسحره الذي كونته في خيالها، وكان (درش) يدرك تلك الخاصية عندها، فأراد لأن يرفع رأس الشرق وإفريقيا عالياً [ص 146].

    يخلص الباحث الى أن أوهامنا، كما هي أوهام الغرب عنا، والتي ننتظر وينتظرون معنا في تطابقها مع الصورة التي كُوِنَت عن الآخر، هي ما تعيق اللقاء الحضاري بين الاتجاهين. يدلل الروائي على هذا الاستنتاج بأن درش بعد أن حصل ما أراد من تلك المرأة، أخذ يتجول في شقتها، فرأى أنها تنشر غسيلها في الحمام، كما تفعل زوجته، فيطرح سؤالاً ساذجاً: هذا هو الغرب؟ إنه يشبهنا، وأنه لا يمت بصلة للصورة التي كوناها، ثم يغمض عينيه ويتصور زوجته بوضع شوق وحنين!

    نيويورك 80: بعد 21 سنة يعود يوسف إدريس ليتوارى وراء شخصية كاتب مصري ذهب الى نيويورك، ليلتقي مع سيدة أمريكية، ويفاجأ عندما تعرف عليها أنها ممن يسمونهم مومسات (هكذا عرفت نفسها ص 5)، ينزعج الكاتب من تقديم هذه المرأة الجميلة لنفسها على هذا الأساس (هذه التحفة معروضة للبيع ص 13 من الرواية).

    تدرك المرأة ما يدور في خلده فتقول: (ولدت في غابة لم أصنعها، ولكنها كائنة وموجودة ـ ص 68). يدخل معها هازئا، في حوار حول الثمن الذي تتقاضاه، فتجيبه بأرقام مضبوطة، بحسب الوقت الذي عليها أن تقضيه. يتذكر القروش القليلة التي تتقاضاها فتيات الليل في القاهرة.

    وعبر تواصل الحوار بينهما، يكتشف أنها حاملة لدرجة الدكتوراه وعالمة في النفس واختصاصية في علاج القصور الجنسي. وتظل تبرر له اتخاذها مهنة البغاء، لكنه يرفض ويقول لها: أنتِ في رأيي إنسانة محترفة، لا علاقة لها بالإحساس أو بالشعور أو حتى بالإنسانية. يتذكر لحظتها أنه كاتب وأنه لا بد أن يكون له رأي في هذه (المسألة) فيستدرك: (إني لمشمئز) من حضارة تصعد بسمو علمها الى القمر، ولا زالت تنحط بجسدها.

    تعرض عليه أن تقضي الليلة معه (مجاناً) فيرفض (أنتِ قطعة متخلفة عقلياً، ألم تفهمي بعد أن المسألة الجسدية المحضة لا تعني أي متعة بالنسبة لإنسان مثلي؟). يعود الى الفندق، لكنها تتعقبه الى غرفته، وتعاود عرضها بأن تدفع له هي!، ويصمم على الرفض، فيكون حكمها عليه (وعلى الحضارة التي يمثلها استتباعاً) ليس بأهون أو أقل رفضاً من حكمه عليها، إذ تسمه بأنه ما زال (طفلاً عاطفياً ونفسياً).

    تنتهي القصة والجدال بانهيار المرأة نتيجة رفضه المتكرر، ومن خلال مشهد صاخب وبنهاية مفتعلة بعيدة عن الإقناع!

    ثانياً: التواصل والتمايز

    أراد (يوسف إدريس) من قرائه أن ينظروا الى القصتين في سياق واحد، باعتبارهما تنويعتين للحن واحد. فقد تعمد أن ينشر قصة (فينا 60 مع نيويورك 80) ليوضح ما أراد قوله في رسالته.

    حاول يوسف إدريس أن يكون منصفاً في تصويره طرفي المعادلة، وقد خلص الى نتيجة مفادها، أن تصوراتنا الزائفة أو المبالغ فيها عن حضارة ما أخرى، تنبع في العمق من تصور فهمنا لحضارتنا نحن، وإن اللقاء بين حضارتين يستوجب فهم ابن الحضارة لحضارته قبل أن يلتقي مع الآخر.

    ثالثاً: الشعرية المتورطة

    لسنا فقط، في القصتين، قبالة حالة من الالتباس الفكري، بل إننا كذلك بإزاء حالة من الالتباس التجنيسي الذي يبعدنا عن تعيين شكل الإبداع القصصي لهما. هل تراه الالتباس الفكري للكاتب، وقد انسحب على هوية العملين؟

    كانت الورطة، مثلاً، تظهر في اختيار الأسماء، فالبطل في (نيويورك 80) اسمه (عوض) والبطلة اسمها (باميللا غراهام)، فعوض يشيع في التصور الشعبي في مصر وتتشظى حمولته ما بين التعويض عن موت سابقين والإيمان بما يأتي به الله، وكذلك البطلة فهي تعيد ذاكرة موروثة حضارياً.

    ويتورط في اللغة فبين لغة فصحى مثل: (سادر في غيه) و (يُستضاع العمل) و(دلف الى جوارها)... الى لغة التخاطب الشعبي (أنت مكسح .. بدل أنت كسيح) وأنت (مجعلص ... بدل أنت سمين) و (يترازل على البنت .. بدل يثقل عليها) و (امرأة ستاتي ... بدل امرأة محافظة).

    ويدرج الباحث هفوات ونقاط ارتجال يوسف إدريس، مع محاولته تغطيتها بكرنفالية!

    رابعاً: فقه الرؤية المتحولة

    حاول إدريس أن يأخذ منحى متطرف في النظرة الى الآخر. ورغم أن المسافة بين الروايتين بين 1959 و 1980، مليئة بالأحداث فقد كانت السمة البارزة أن يظهر فكر يوسف إدريس المتراجع من كونه (اشتراكي ديمقراطي 1959) الى معجب بالحضارة الأمريكية ومتهادن معها في (1980)..

    لقد قارن الباحث ما ورد في الروايتين أو القصتين، مع بعض من مقالات نشرها إدريس في الأهرام، وحاكمه عليها ليستخلص اضطراب الرؤية.

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الخمسون: رؤية مصرية لصورة اليهودي في أدب إحسان عبد القدوس ..
    تقديم: رشاد عبد الله الشامي ..أستاذ في جامعة عين شمس ـ القاهرة

    (الصفحات 849ـ 888)

    تعتبر دراسة الصورة التي يقدمها عمل أدبي لشخصية من الشخصيات النمطية، سواء تلك المتصلة بشعب أو بجماعة دينية أو عرقية، من الدراسات المعترف بها في مجال التعرف على خصائص ذلك الشعب أو تلك الجماعة؛ ويعول عليها الكثير في معركة الخصائص السلوكية لتلك الشخصية النمطية في واقع الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية والعقائدية التي تؤثر فيها وتحدد معالم شخصيتها وتمكن من التنبؤ باستجاباتها وردود أفعالها.

    الدراسة طويلة بحيث لا يمكن تقديمها بالطريقة التي قمنا بها سابقاً من اختصار وإيجاز، دون تجاوز لخطوط مسار البحث. أما في هذه الدراسة فإنه من الصعب الالتزام بالطريقة السابقة، نظراً لحجم الدراسة وتنوع نقاطها وكثرتها..

    أولاً: الشخصية اليهودية في الأدب العربي

    1ـ صورة اليهودي على النحو الذي وردت في القرآن الكريم
    وقد لخصها الباحث مبيناً الآيات الكريمة التي تشير لها: التنكر للحق والمجادلة فيه؛ النفاق ونقض المواثيق؛ الجبن والخيانة؛ الحرص الشديد على الحياة؛ كراهية المسلمين والكيد للإسلام؛ الغدر بالأنبياء والإجرام والفساد في الأرض؛ السعي الدائم لإشعال الحروب.

    2ـ صورة اليهودي في الأدب الشعبي العربي: وما أوردته السنة النبوية والتراث الإسلامي بالإضافة لما ورد في القرآن الكريم.

    3ـ انعكاسات قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني في العصر الحديث.

    ثانياً: الشخصية اليهودية في الأدب المصري

    عندما نقول الأدب المصري، فإن المعني هنا هو الأدب النثري (الرواية والقصة الخ) وليس الشعر. لا يمكن رصد وجود شخصية محورية يهودية في الرواية المصرية منذ فترة الأربعينات الى الثمانينات من القرن الماضي. لا في كتابات توفيق الحكيم ولا طه حسين ولا نجيب محفوظ ولا يحيى حقي ويوسف إدريس وعبد الحميد جودة السحار، ويوسف السباعي وإبراهيم المازني ومحمود تيمور وغيرهم.

    لكن هناك استثناءات في تناول الشخصية اليهودية، منها: (قفزات الطائر الأسمر النحيل 1983) و (مدينة فوق قشرة واهية 1984) للأديب المصري (نعيم تكلا).

    أما الروائي والكاتب إحسان عبد القدوس، فقد كان أقرب للكاتب السياسي من الروائي المحايد، فكانت كتاباته بما فيه الروايات تعبر عن رؤية سياسية يستطيع القارئ التعرف على ملامحها، ومما كتبه عن الشخصية اليهودية:

    1ـ بعيداً عن الأرض (1951). 2ـ أين صديقتي اليهودية ـ قصة قصيرة. 3ـ أضيئوا الأنوار حتى نخدع السمك. 4ـ لن أتكلم ولن أنسى 5ـ كانت صعبة ومغرورة. 6ـ لا تتركوني وحدي ـ رواية 1979.

    ثالثاً: المحاور الرئيسية لرؤية إحسان عبد القدوس للشخصية اليهودية.

    كانت من السمات الرئيسية المميزة لأدب إحسان عبد القدوس أنه أدب يصور أحداثاً رآها فعلاً، ووقائع عاشها، وأبطالاً شاهدهم وتعامل معهم، الى درجة أنه في كثير من أعماله يشعر القارئ، رغم التخفي، أنه يكتب تجربة ذاتية عاشها بالفعل، وكان أحد أبطالها واقعياً.

    في روايته (لا تتركوني هنا وحدي) والتي نشرها بعد توقيع مصر اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، يستعرض الكاتب أوضاع مصر منذ الأربعينات حتى وقت توقيع الإتفاقية.

    بطلة الرواية هي (لوسيان هنيدي) اليهودية التي تنتمي الى أسرة متواضعة، لا تتوقف في محاولاتها عن بلوغ مراتب القوة والعزة واحتلال موقع هام في المجتمع. وتستخدم سلاحيها: الأنوثة والذكاء، وتبدأ في تحقيق الثروة لكنها لا تحقق الاحترام. فتلجأ الى الزواج من أحد أقطاب الأرستقراطية المصرية المسلمة، وتغير دينها وتعتنق الإسلام، وقبل ثورة يوليو 1952 بشهور يتوفى زوجها ويترك لها ثروة طائلة، لكنها تحس أنها بحاجة لحماية فتنجح في الإيقاع بأحد ضباط الثورة وتتزوجه فتؤمن الحماية لنفسها وثروتها وتحقق المزيد من الصعود الاجتماعي.

    ويتتبع إحسان عبد القدوس شخصية (لوسيان هنيدي) والتي أصبح اسمها (زينب)، ليرسم ملامح الشخصية اليهودية والتي يكررها أو يزيد في تفصيلها في رواياته الأخرى والتي تتمثل في:

    أ ـ اليهودية ليست ديناً بل شخصية. ب ـ هذه الشخصية اليهودية لها الغلبة على أي انتساب آخر. ج ـ إن شخصية اليهودي تتحرك دائماً في اتجاه عالم الطموح.

    رابعاً: تغيير اليهودي لدينه بتأثير المصالح

    كان المحك الذي اختاره إحسان عبد القدوس في حبكته القصصية في كل من العملين الأدبيين: لا تتركوني هنا وحدي؛ وكانت صعبة ومغرورة. لإثبات صدق منطلقه في فهم الطبيعة الخاصة للشخصية اليهودية، فأبطال قصصه (نساءً أو رجال) يتحولون من دينهم الى الإسلام لتحقيق مآربهم الملتصقة بشخصية اليهودي.

    عندما رمت (لوسيان هنيدي) اليهودية شباكها على الأرستقراطي المصري المسلم (شوكت بك ذو الفقار) وعندما صار لها ما أرادت، طلبت من زوجها اليهودي (زكي راؤول) الطلاق ولكنه رفض، فأعلنت إسلامها ليتحقق لها ما أرادت. ويفاجئ إحسان عبد القدوس قرائه بتوجه زكي راؤول لإعلان إسلامه، حتى يمتنع عن الطلاق!

    خامساً: موقف اليهودي بعد اعتناق الإسلام من العقيدة الإسلامية وتقاليدها

    بتتبعه لشخصية لوسيان هنيدي، وكيفية ابتعادها عن العلاقات باليهوديات والالتزام بالتقاليد الإسلامية، يريد إحسان عبد القدوس، أن يثبت الصورة التي كرسها في أعماله المتعلقة بالشخصية اليهودية وهي المصلحة. فلطالما أن الإسلام قد جلب المال والوجاهة للوسي اليهودية فلماذا لا تتماهى معه؟

    سادساً: الحنين الى رموز الارتباط بالانتماء اليهودي

    من المفارقات التي تكشف عنها معالجة إحسان للشخصية اليهودية التي أشهرت إسلامها، أنه يجعل هذه الشخصية التي كانت بعيدة تمام البعد عن عالم التقاليد الدينية اليهودية، تستشعر نوعاً من الحنين الغامض الغريب الى كل الرموز التي كانت لا تحفل بها، ولا تقيم لها وزنا في حياتها، ولا تعبأ بالحرص عليها عندما كانت تعيش بالمجتمع اليهودي.

    عندما أشهرت (لوسيان هنيدي) إسلامها، بدلت اسمها ليصبح (زينب) وعندما طلب زوجها المسلم إلحاق اسمها باسم أسرته، ليصبح زينب ذو الفقار، رفضت وأبقت على اسم العائلة (هنيدي) بحجة أن اسم عائلتها مشترك بين اليهود والمسلمين.

    سابعاً: عدم رسوخ الانتماء للإسلام بعد اعتناقه

    يلاحق احسان عبد القدوس زلات اللسان عند زينب، فعندما يغير ابنها اسمه من (إيزاك) الى خالد بناء على ضغط والده، ينوي الهجرة الى الأرض المحتلة، فتطلب منه أمه عدم تركها، قائلة: من قال أننا لسنا يهوداً؟ ويذكر الباحث عدة مواقع اقتنصها من الرواية لإثبات عدم ترسخ الدين الجديد في نفوس اليهود.

    ثامناً: الصراع العربي ـ الصهيوني يكثف رسوخ مشاعر الانتماء اليهودي في الشخصية اليهودية

    يستعمل احسان عبد القدوس، شخصية (إيزاك) المتمسك بيهوديته والرافض لاسم خالد، والذي ينوي السفر لقبرص للذهاب منها الى تل أبيب، للالتحاق بالجيش بعد نشوب حرب 1973، فقالت له أمه (زينب): لو كان اليهود بإسرائيل يحتاجونك لطلبوا منك ذلك مسبقاً، لكنهم (أي اليهود) يحتاجون أن تبقى في مصر أكثر!

    كما يتتبع الكاتب الحوارات التي كانت زينب طرفاً بها، عند كل حرب (1948؛ 1956؛ 1967؛ 1973) وكيف تكون خائفة على مصير الكيان الصهيوني، وعندما يحقق الصهاينة انتصاراً، تقول: كنت واثقة من أننا سننتصر!

    تاسعاً: الشخصية اليهودية بين رحلة الطموح اليهودي والسعي الدائم للإحتماء بالأقوى.

    يرصد الباحث (رشاد عبد الله الشامي) الشخصيات اليهودية في روايات إحسان عبد القدوس، ولا يترك صغيرة أو كبيرة من لفظ أو كناية إلا وحللها، ليصل في النهاية لإثبات ما أراد أن يثبته في بحثه، من أن اليهودي لا يتوقف طموحه عند حد ولا يتوانى عن التخلي عن أي شيء في سبيل الوصول للهدف، ولا ينسى اليهودي الاستناد على مركز قوة يضمن الحماية له.

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الحادي والخمسون: صورة الآخر في رواية المهدي لكونيل *1..

    تقديم: أبو بكر أحمد باقادر .. أستاذ في جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة

    الصفحات 889ـ 904 من الكتاب

    (1)

    تُتاح للأديب فرصٌ في تصوير الآخر، أكثر من التي تُتاح لعالم الاجتماع أو السياسي أو المفكر العقائدي، حيث أنه لا يكون مُطالباً بتقديم معلومات يمكن فحصها والتأكد من صحتها في المراجع العلمية المعتمدة. فهو ـ كما المتعارف عليه ـ لا يقدم دراسة تاريخية، بل يقدم عملاً أدبياً.

    والأديب، بتلك الحرية، يتحول لفنان يبتدع صوراً قد تكون خيالية، ويتعامل معها وكأنها ماثلة وموجودة (Self-fulfilling Prophecy)، بمعنى خلق عالم خاص خيالي، ولا وجود مناظراً له في الواقع.

    وعليه فإن الباحث (أبو بكر باقادر) سيتناول رواية حديثة النشر للروائي الإنجليزي (إ. ج. كونيل) اسمها (المهدي)، وسيقدم إعطاء نبذة مختصرة عن أهم معالم الرواية، وأهم شخصياتها، ويقوم بتحليل الرواية من جانب، ثم يقوم بتقديم قراءات متعددة للرواية متقمصاً أدوار لأربعة من أصناف القراء.

    (2)

    تبدأ أحداث الرواية، بلقاء (هوك Hawke: ومعناه الصقر) وهو رجل مخابرات أمريكي، ب (برتشارد) وهو رجل مخابرات بريطاني، وهما من مسئولي فروع مخابراتهما بالشرق، وبعد تعارف وحديث، يعلن رجل المخابرات الإنجليزي، أن الغرب أخطأ في زرع الفرقة بين المسلمين، فكان من الأفضل بقائهم موحدين للسيطرة عليهم مجتمعين، لأنهم ـ بنظره ـ سهلين الانقياد، طالما اقتنعوا بمن يحكمهم دينياً.

    وبعد اقتناع الأمريكي بوجهة نظر الإنجليزي، واصل الإنجليزي إكمال فكرته، باقتراح اختراعاً يوحد المسلمين، (المهدي المنتظر). أُعجب الأمريكي بالفكرة مشترطاً دخول البريطانيين فيها، لأنها لو فشلت لاستثمر فشلها السوفييت ضد أمريكا.

    وبعد نقاش، وعودة رجل المخابرات الأمريكي الى بلده، ومناقشة الموضوع مع مسئوليه، تمت الموافقة على العملية والتي أطلق عليها اسم (ميراج: السرب)، ورسى الاختيار على شخص محترف مهنياً بالمخابرات البريطانية اسمه ( بيتر جيمل) وهو شاب رياضي ومحب للموسيقى الراقية والباليه وله حضور مميز.

    ويناقش رجال المخابرات كيف سيقوم المهدي معجزة أمام الحجيج في يوم عرفات ، وهنا ستتدخل (ناسا) باستخدام الأقمار الصناعية التي ستقوم بمعجزة المهدي بواسطة أشعة الليزر.

    اكتشفت المخابرات السوفييتية تفاصيل العملية والخطة واشترطت أن تشترك بها وإلا كشفتها.

    (3)

    ينتقل كاتب الرواية (كونيل) الى المدينة المنورة وجدة ومكة ليرسم لنا شخصية أبو قادر (تحريف لعبد القادر) الرجل الذي سيلعب دور المهدي، وكيف أنه صنيعة المخابرات الأجنبية، كما يلقي الضوء على العمل الدائم لرجال المخابرات الأجنبية من أجل إنجاح العملية بتفاصيلها وتعقيداتها المذهلة. وينتقل بنا الى مختبرات (NASA) والمختبرات الأخرى المتقدمة في تقانة الفضاء، حيث يتم إعداد المعجزة. وبالفعل كانت كل التفاصيل المطلوبة تسير كما هو مرغوب فيه، واستطاعت التقانة الأمريكية المتقدمة جداً أن تصمم جهاز بث لأشعة الليزر من الفضاء يمكن أن يستهدف بدقة فائقة المنطقة المرغوب فيها وأن يفجر نفسه بعد الانتهاء من المهمة.

    وهكذا بعد أن ضمنت الجهات المهتمة بالعملية كامل التفاصيل، وقرب موعد الحج، قامت بعملين تفصيليين: أولهما بث الشائعات بمجيء المهدي المنتظر، والتي ابتدأ بثها في قرية من القرى الإندونيسية النائية، وتنتقل بواسطة خطط إعلام غربية منظمة، حتى أصبح العالم الإسلامي مهيئاً للحدث.

    وأخيراً يعيش الكاتب مع الحجاج أيامهم الأخيرة في مكة، ثم الذهاب الى عرفات، فالعيد في منى، وكيف يتقدم (المهدي) أمام أنظار ملايين المسلمين الذين قدموا للحج ذلك العام، بأضحيته متوسلاً من الله أن يقدم أمام أنظار الجميع معجزته له. في هذه الأثناء نعيش لحظات ترقب، إذ يخبرنا الكاتب كيف أن برج العمليات في أمريكا يوضح أن جهاز إرسال أشعة الليزر يعاني خللاً فنياً، ولم يتمكنوا من إصلاحه، وتمر الدقائق بطيئة، وفي حالة ترقب وتحفز، إذ لو فشل (المهدي) في الحصول على المعجزة التي بشر بها، ربما قطعته الجماهير المترقبة إرباً باعتباره مهدياً مزيفاً. وفي آخر لحظة، وعلى الرغم من استمرار برج العمليات في أمريكا في المسعى، كان الخلل لا يزال قائماً، ثم ينطلق شعاع الليزر وتحدث المعجزة، ويسجد الجميع شكراً لله واعترافاً بمهدية المهدي، وهنا تنتهي الرواية.

    ويستغرب كاتب البحث (أبو بكر باقادر) من مسألتين: الأولى أن من قام بدور المهدي هو (ابن غير شرعي) لرجل المخابرات البريطاني (بريتشارد)، تركه في أرض الجزيرة لتهيئته لهذا الدور، والثانية: إهداء مؤلف الرواية روايته للمسلمين لتحذيرهم من التضليل!

    (4)

    يتخيل صاحب البحث أربعة نوعيات من القراء لتلك الرواية والكيفية التي سيتأثرون بها بعد قراءتهم.

    النوعية الأولى، القارئ الغربي العلماني: سيتأكد هذا القارئ أن هذا المجتمع الإسلامي الذي تنطلي عليه مثل تلك الحيل، هو بحاجة الى مساعدة عالمية يشترك بها الشيوعيون والرأسماليون وغيرهم لإنقاذه مما هو فيه من تخلف.

    النوعية الثانية، القارئ الصليبي المتعصب: سيفرح ذلك القارئ بمادة جديدة، تؤكد تصوراته عن الدين الإسلامي، وتؤكد نشاطات من سبقه في وسم الإسلام بالتخلف والعجز وتصديق كل ما من شأنه غيبياً حتى لو كان حيلاً غربية!

    النوعية الثالثة، المسلم العادي: الذي أهداه الكاتب في تقديمه للكتاب، والذي يعتقد بتفوق الغرب، والذي يعتبر معظم أو كل الحركات الإسلامية وحتى الحكومات هي ألعوبات في يد الغرب، وهذا سيكون طابوراً خامساً في التبشير برفض كل ما هو له علاقة بالتراث، حتى لو لم يقصد.

    النوعية الرابعة، المسلم الغيور الملتزم: سيقوم هذا النوع من القراء بتمحيص الرواية وادعاءاتها، حتى لو كان الظاهر منها هو لتحذير المسلمين. فسيقف عند التبجح بالقوة الغربية وتفوقها على المسلمين، وجمع كل أطيافها من شيوعي وليبرالي وكاثوليكي وبروتستنتي وغيرهم، ليدخل بأدق التفاصيل، والتي تعني بالمسافات بين المدن المذكورة بالرواية وتفاصيل مناسك الحج. ووجود ما يشبه (المهدي المنتظر) في الديانة المسيحية (عودة المسيح) الخ. ليثبت في النهاية أن تلك الرواية ما هي إلا نمط من أنماط الغزو الفكري والثقافي.

    خاتمة:

    يتساءل الباحث: ماذا نقرأ وكيف نقرأ، وكيف نجيب؟ ومن ذا الذي يجيب؟ ومن ذا الذي يتصدى لتلك الموجات الكبيرة من الجهد المنظم والمفبرك ضد ديننا وأمتنا؟

    *1ـ A.J. Quinnell, The Mahdi )London Macmillan 1981

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    ( الحلقة قبل الأخيرة)
    الصفحات 905ـ 923
    الفصل الثاني والخمسين: الأصوات الغربية إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: حالة الأدب الشعبي ..

    تقديم: توان فان تيفلين .. أستاذة بجامعة أمستردام

    أولاً: الأصوات والقوة

    تمهد الباحثة (توان فان تيفلين) لبحثها بالتنويه والاستناد والانطلاق من أعمال الباحث الروسي (باختين) الذي يولي الأصوات والحوار دوراً جوهرياً في إيصال الخطاب، فهو يميز بين الخطاب الرسمي والخطاب الشعبي، حيث يقوم الخطاب الرسمي على تفسيخ الحوار الجاري طامسة العفوية والأصالة، ويمثل الجانب الرسمي والسياسي ويدافع عنه، ولا تنتقص الباحثة من أثر الخطاب الرسمي وقوته. أما الخطاب الشعبي فيكون مليئاً بالمشاعر والأصالة وأثره ضعيفاً في تغيير مجرى الأحداث.

    أرادت الباحثة أن تركب موج (باختين) لتتبع مجرى الخطاب المتعلق بفلسطين والكيان الصهيوني، وتشير بطرف خفي لضعف خطاب العرب والفلسطينيين وأنصارهم واتصافه بالسذاجة والتهديد الفارغ، في حين يتصف خطاب الصهاينة وأنصارهم بالدهاء والقدرة على التأثير.

    ثانياً: الأدب الشعبي

    يُعد هذا النوع من الأدب بجمهوره العريض من أبلغ السبل لإعادة إنتاج وتعديل التعريفات الرسمية حول العلاقات الدولية. ويستغل الأدب الشعبي الانقسام القائم بين ما هو شعبي وما هو رسمي. ويسعى الخيال الشعبي الى تقويض ما هو رسمي. وللسلطة الشعبية منبعان رئيسيان يظهران بانتظام عبر الروايات الشائعة أكثر: أولهما هو التغلب على المعاناة وتذليل مصاعب الحياة بشكل عام، مما يثري تجارب البطل ويعزز لديه الحكمة؛ وثانيهما هو قدرته على الفعل المتجسدة في إقدامه على الأعمال الجريئة التي تتحدى المؤسسات القانونية القائمة وتكسبه سلطة قوية.

    وبالمقابل فإن نماذج السلطة القانونية القائمة تبدو في هذا القص الشعبي سلطة واهية ينعدم منها الصدق، فهو يجعل من البيروقراطي والدبلوماسي والسياسي المحترف هدفاً للسخرية ما لم يقدموا على المغامرات.

    ثالثاً: سياسة التدخل

    تدخل الباحثة هنا في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وتشير الى مجموعة من الروايات التي كتبها غربيون وتركز على بعضها.

    ففي رواية (القرصان) للروائي الشهير (هارولد وربانس) وقد تناولت حرب تشرين 1973 واستخدام النفط كسلاح من قبل العرب. ويقدم الكاتب في روايته حواراً دار بين جنرال إسرائيلي (بن عزرا) الذي كان يتوقع حرب تشرين/ أكتوبر 1973، وحذر الغرب من نتائجها قبل وقوعها. أما في حواره مع الجانب الأمريكي بعد الحرب، فقد طلب من الأمريكان إعطاء مهلة إضافية لإسرائيل حتى تواصل الحرب من أجل احتلال مصر وليبيا وبلدان الخليج العربي، لكي تنقذ العالم من تفاقم الحظر النفطي.

    (....) لقد برز العرب ماسكين بأقوى سلاحٍ حلموا به، ألا وهو سلاح الحظر البترولي. إنه سلاح قادر على العصف بالعالم الغربي بسرعة تفوق سرعة القنبلة الذرية.

    أما إذا تسنى لنا التحكم في البترول الليبي وفي أنبوب البترول السوري (الآتي من العراق)، فإن الحظر سيزول، فنتمكن عندها من تزويد العالم أجمع بالبترول على نحو ما نريد، إن إيران تقف الى جانبنا.

    وأما إذا لم نقدر على ذلك، فسينهار اقتصاد العالم أمام أنظارنا، ويتولى العرب تقسيم العالم (....) ثم إنهم شيئاً فشيئاً سيصرفون عنا بلدان العالم.

    نظر (هاريس الأمريكي) الى رئيس الوفد الإسرائيلي قائلاً: (من حسن حظنا ألا تكون سياسة حكومتك على شاكلتك).

    تسوق الباحثة عدة نُتف من عدة روايات مثل رواية (الأحد الأسود: التي تتطرق الى حادثة ميونيخ للوفد الرياضي الإسرائيلي) و رواية (الشرق 34) و (زهرة العسل) و (الفارس الخامس) و (عام القرد الذهبي) و (على ضفاف نهر ممفيس) وكلها روايات تتهكم فيما إذا حصل العرب على تقنية القنبلة النووية، فماذا سيحصل للعالم؟

    رابعاً: التساؤل الأخلاقي

    في رواية (الأحد الأسود) يلتقي بطل الرواية الإسرائيلي (كاباكوف) وهو عميل للموساد بطبيبة نفسية وجراحة أمريكية تشتغل كمتطوعة في حرب 1967 وتدعى (راشال بومان)، فتتوطد العلاقة بينهما، وكانت قد أجرت عملية لأحد الجنود المصريين. وكانت مُتعبة منزعجة لما توجه إليها (كاباكوف) يسألها بلطف في ما كانت تفكر، فأجابت:

    (أنا بصدد التفكير في الجهد الذي يبذله العاملون في مستشفيات القاهرة لمحو ما تسببون أنتم فيه من فساد، إنكم تفعلون ذلك حتى في زمن السلم أليس كذلك؟)
    وتعلو نبرة صوتها في نقل ما يصفهم العالم به من قسوة وعنف، فيرد عليها ببرود: يجب أن تخلدي للراحة يا عزيزتي.

    تنقطع الأخبار والعلاقة فيما بينهما، ثم تعود علاقة العشق فيما بينهما، ليستطيع فيها تجنيدها للموساد، وتبقى تكرر أريد السلم والسلام لشعب فلسطين!

    خامساً: صوت الآخر

    تقيم الباحثة النماذج التي أوردتها أو اطلعت عليها وحتى من بينها روايات عربية، وتلخص رأيها بما يلي:

    1ـ الخطاب العربي كما تصوره الباحثة: عديم الشعبية ومليء بالكلام العاطفي وعديم التجربة.

    2ـ وحتى تلك الأعمال الآتية من أنصار القضية الفلسطينية، وإن كانت توجه نقداً شديداً للصهيونية فإن تأثيرها يكاد يكون معدوماً.

    تورد الباحثة نُتفاً من حوار حدث في رواية (صاحبة الطبل الصغيرة) ل (جون لوكري 1983). وهو بين عميل للموساد وممثلة بريطانية وقعت في عشقه، فهي تطالبه لا تقصفوا المخيمات... اتركوا الفلسطينيين يعيشون بسلام، فسألها: هل سبق لكِ أن ألقيتِ بنظرة على خريطة الشرق الأوسط؟
    ـ بالطبع فعلت ذلك..
    ـ هل تمنيتِ أن يتركونا نحن وشأننا؟

    تخلص الباحثة الى أن الأصوات الأخلاقية التي تظهر هي أصوات شعبية، لا أثر كبير لها في مساندة الشعب الفلسطيني.

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المكان
    الاردن / الرمثا
    الردود
    1,169
    الفصل الثالث والخمسون (الأخير): التعامل مع الماضي وخلق الحضور: صور فلسطين البريدية ..

    تقديم: أنليس موريس .. أستاذة بجامعة أمستردام ـ هولندا و استيفن فاشلين (مؤرخ ومصور هولندي) ..

    إن الصورة البريدية هي من أول وسائل الإعلام المرئية. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر كانت مثل هذه البطاقات أداة الاتصال المرئي الأكثر توزيعاً وشعبية. وقد أدت التطورات الحاصلة عندئذٍ في تقنيات الاستنساخ الى جعل إنتاج البطاقات البريدية المصورة ممكناً. كما ولَّد ظهور سوق إعلامية طلباً سريع التزايد عليها.

    لقد صدرت البطاقات البريدية الأولى عام 1869، في النمسا، وتطورت تقنية تلك البطاقات فيما بعد في كل أنحاء العالم. ولحد الآن يلاحظ الزائر لأي بلاد أن البطاقات البريدية تُنضد على حاملات خاصة في المكتبات وعند (أكشاك) بيع التحف للسياح، وقد تفننت المطابع والشركات المتخصصة لإنتاج مثل تلك البطاقات لتؤدي رسالة ثقافية وسياحية ودعائية من أنواعٍ مختلفة.

    1ـ مشاهد العقد القديم

    قد تكون أول البطاقات البريدية التي تتعلق بفلسطين اُلتقطت صورها قبل ثلاثة أو أربعة عقود، وكان الغرض من إصدارها سياحيٌ بالدرجة الأولى، ويهدف لإبراز صورة فلسطين المقدسة التي ظهر بها السيد المسيح عليه السلام، فتظهر فلاحين وأناس يحملون المنجل والمنشار لتدلل على عمق تلك المهن والمناظر من العهود الأولى.

    كما كان مصدرو تلك البطاقات يضعون عليها عناوين لها دلالات قديمة مثل (حقل بواز) حيث تذكر القصة التي وردت بالتوراة أن رجلاً ثرياً التقى بفلاَّحة قرب بيت لحم تدعى (روث) وهي تحمل الحطب من حقله، والرجل اسمه (بواز).

    2ـ صور الأستوديو والأنماط التوثيقية

    لجأ مصدرو البطاقات البريدية عن فلسطين في تصوير (خاصيات) شرقية كالنرجيلة والإبريق والأسلحة العتيقة، وكيل القمح (الصواع) ، ويتعاملون مع نماذج فلسطينية تلبس الأزياء التقليدية الفلسطينية. وتصور سياحاً يلبسون تلك الأزياء.

    كانوا يريدون أن يبلغوا السائح الغربي، أن تلك الأرض لا زال سكانها بدو لم يطرأ عليهم أي تطور منذ العهد القديم.

    3ـ القطيعة مع الماضي: صور اليهود

    كان اليهود يصدرون بطاقاتٍ تبين حالة التشرد الذي يعيشونه، فتظهر يهودياً وهو يجلس على حقيبة سفره قرب محطة قطار، لتبين مدى المعاناة التي يلقاها اليهود تحت ما يسمى بمعاداة السامية، ويصورون وجهتهم نحو (حائط المبكى) كتدليل على الرمزية المختصة بالعقاب وطلب المغفرة من الله.

    ثم تطورت البطاقات البريدية التي يصدرها اليهود عن فلسطين، بالكتابة تحتها (نحن نبني فلسطين) للدعاية للهجرة الصهيونية.

    4ـ البطاقات الإسرائيلية الحديثة: المطالبة بالماضي

    سيطرت شركة The Palestine Photo Rotation Company: Palphot اليهودية منذ عام 1934 على إصدار البطاقات البريدية في كل فلسطين، وأتيح لها بذلك لتكثيف رسالتها الصهيونية من خلال البطاقات.

    فبعد أن كانت بطاقة (حقل بواز) تعني التذكير بالعهد المسيحي، أصبحت نفس البطاقة تحمل (قرويون عرب يحصدون في حقل الملك اليهودي هيرود 42 ق.م).

    وعندما يصورون (حائط المبكى) يصبح جندي صهيوني يصلي عند الحائط الغربي! مع نص يقول ( من أجل صهيون لن أسكت، ومن أجل أورشليم لن أستريح).

    ثم تتطور البطاقات لتصور صهاينة يلبسون مع نسائهم ملابس السباحة ويلهون في البحر، مع خلفية لبدويات برفقة جمل وكبش. (هذه إسرائيل؛ العتيقة والجديدة).

    ولكي تكون رسائل الصهاينة بليغة، فقد أعادوا ترميم بعض أحياء (يافا) التي هدموها بأيديهم، ليبنوها بطابعها العربي، ولتكون لهم جذباً سياحياً، وتؤدي دعاية مفادها، أنهم جاءوا بالحضارة لتلك البلاد!

    5ـ القراءة ضد التيار؟

    لقد عمد تجار الصور وناشرو البطاقات البريدية، بحثاً عن النجاح، الى إمداد المحترفين الذين كانوا في الغالب من الغرب، بما كانوا يريدون. وفي مقابل ذلك فقد دعموا مثل هذه القوالب المرئية. ومع ذلك تظل قراءة أخرى ممكنة لأنه ثمة توتر داخلي بين صورة إسرائيل ( أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض)، وبين وضوح آثار فلسطين للعيان وضوحاً قد يذكر تذكيراً بما بُني عليه الحضور الإسرائيلي.

    على ظهر بطاقة بريدية تحمل صورة (قيصرية: قيسارية) نص طويل: قيصرية مدينة فينيقية ثم ضُمت الى مملكة هشمونيا (اليهودية) وبعدها صارت عاصمة للرومان في فلسطين.

    [ وللمعلومات فقيسارية من أقدم المدن في التاريخ بناها الكنعانيون وسموها (برج ستراتو) عندما دخلها الرومان أطلقوا عليها اسم (قيصرية) نسبة الى قيصر روما. هدمها اسحق رابين وطرد أهلها وأزال كل المظاهر العربية والإسلامية فيها... وهي تقع جنوب حيفا ب 37 كم].

    وكان الصهاينة، يصدرون بطاقات عليها صورة لثمرة (الصبَّار: التين الشوكي) دلالة على أن خارجهم صلب مؤذي وداخلهم حلو المذاق ممتع!

    انتهى عرض الكتاب بحمد الله

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •