Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: محاولة عيش

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984

    محاولة عيش

    استيقظ العربي باكرا كعادته، ارتدى بدلة جديدة اشترتها له أمه خصيصاً لأجل هذا اليوم ، في نشاط غير ملابسه وتناول فطاره وهو يتجنب قدر الإمكان نظرات والده.
    خرجا من المنزل إلى وجهة يجهلها الصّبي، ولم يحاول أن يسأل ، حتى لا يمنح أباه فرصة مجانية لتعنيفه. وصلا إلى بناية كبيرة، دلف إليها الوالد في خطوات ثابتة وفي أثره العربي يجر رجليه في خوف. عند أول غرفة مفتوحة الباب ، توقف عبد الله وقال دون أن يرفع عينيه في وجه السيدة الجالسة خلف مكتب صغير وسط عشرات الملفات :
    -السلام عليكم
    حملقت السيدة مليا في الوافدين في سفور ثم قالت :
    -وعليكم
    تجاهل عبد الله أسلوبها الفض سائلا في هدوء :
    -أين أجد سّي عبد الرحمن ؟
    -آخر مكتب على يسارك.
    -شكرا.
    قالها وانصرف في خطوات واسعة والعربي من خلفه يجاهد ليساير إيقاعه السريع. توقفا من جديد عند مكتب سّي عبد الرحمن ، طرق عبد الله طرقتين جاء صوت من الداخل يدعوهما للدخول، العربي يدير عينيه في المكان في استكشاف.
    -هيا اتبعني.
    قالها والده وهو يفتح الباب
    -أهلا .. أهلا ..نهار كبير هذا .
    -السلام عليكم سّي عبد الرحمن ..كبير بك يا سيدي
    ودخل الرجلان في حديث عن الحال و الأحوال، لاحظ العربي أن هذا الرجل هو الوحيد الذي يبتسم ويتحدث ببشاشة في البناية كلّها.
    قال عبد الله وهو يشير إلى ولده :
    -هو ذا العربي ، إنه ولد شقي كن صارما في التعامل معه.
    لم يفهم العربي ما الذي سيفعله هنا ، ومن هو سّي عبد الرحمن ، إلا أنه فهم ما تعنيه صارما وما يقابلها من فلقة*.
    -حسنا، بإمكانك الانصراف الآن يا عبد الله ، سأذهب بالعربي إلى فصله ، وعد في منتصف النهار لتأخذه.
    غمغم عبد الله :
    -إنه جني سيعود وحده.
    وانصرف عبد الله وهو يتمنى في نفسه ألا يعرف الصّبي طريق العودة.


    الفلقة: طريقة قديمة للإجهاز على الخصم، الجلاد غالبا يكون أبا أو معلما!
    العنوان مقتبس من رواية لمحمد زفزاف

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984
    أخذ سّي عبد الرحمن بيد العربي ليذهب به إلى فصله ، كان يتحدث عن الدراسة والمستقبل وأشياء أخرى كثيرة، وبين الحين و الآخر ينفجر ضاحكا بلا أي سبب معقول. يتطلع إليه العربي في خفاء، أعماقه تموج بالتساؤلات الخائفة ، هو مقتنع أن أباه الغليظ لن يذهب به إلى مكان يمرح فيه، كان بإمكانه أن يتركه يلعب خلف الدار ، لذا كان ينتظر في كل لحظة خيانة من هذا الكهل الذي لا يكف عن الضحك و القهقهة.
    صعدا الدرجات نحو الدور الأول وعقله يلتقط بعض الكلمات ، ويقارنها مع ما تختزله ذاكرته من كلام سمعه من صبية الدوار ، أو داخل دارهم بين أبيه و أمه. كلمات سّي عبد الرحمن تمر كشريط في مخيلته. مدرسة، دراسة، معلم ، عقاب..
    تساءل دون تساءل إن لم تكن كل تلك الكلمات تعابير مختلفة تشير كلها في النهاية إلى العقاب و الحرمان.
    * * * *
    "مرحبا.."
    قالها سّي عبد الرحمن وهو يلج غرفة الدرس، فوقف التلاميذ جميعهم ، وهتفوا في صعيد واحد :
    -صباح الخير حضرة المدير.
    ابتسمت المعلمة في رضى سرعان ما تحول إلى تساؤل وهي تسلم على المدير و تحقق في العربي، بادرها سّي عبد الرحمن قائلا :
    -هذا العربي ، تلميذ جديد في مدرستنا.. منذ اليوم سينضم إلى فصلك..
    قالت المعلمة في انزعاج وهي تتطلع إلى العربي :
    -لدي اثنان وخمسون تلميذا لم لا تضعه في قسم آخر.
    قال ضاحكا :
    -ثلاثة وخمسون لا تختلف كثيرا عن اثنان و خمسين ..
    واستطرد :
    -ثم إن صفك هو الأقل عددا بين كل الأقسام.
    قالت على مضض :
    فليكن..
    ثم وجهت كلامها إلى العربي :
    -اذهب إلى القسم المجاور واطلب من سّي سملالي كرسيا إن كان لديه واحد شاغر.
    ذهب العربي لتنفيذ أمر المعلمة، وعاد بعد قليل وهو يحمل كرسيا به ثقوبا كثيرة وبعض الرسوم الماجنة.
    "ضعه هناك واجلس"
    قالتها المعلمة وهي تشير إلى مكان في أقصى القاعة، أخذ العربي مكانه وهو يتطلع إلى الوجوه في دهشة ممزوجة بعدم الفهم، إذا هذه هي المدرسة ؟ وتلك المعلمة؟
    نظر إلى المعلمة التي ترسم شيئا ما على لوح أسود ضخم. تذكر بنات الدوار، هن أيضا يفعلن نفس الشيء، يرسمن بطبشور خطوطا على الأرض ، ويقفزن برجلن واحدة وهن يدفعن حجرا صغيرا بين المربعات، حتى الكبيرات إذا يلعبن لعب الصبايا. هل ستطلب المعلمة من التلاميذ إنزال اللوح حتى يلعبوا فوقه؟ فمن غير الممكن أن تلعب شريطة* على حائط ، حين وصل بأفكاره إلى هذه النقطة، أحس بالخوف من أن تطلب منه المعلمة أن يلعب هو أيضا شريطة ، فتلك ألعاب بنات لن يقدر أن ينزل بين أولاد الدّوار* لو علموا أنه لعبها..
    "سّادة..سّادة..سّادة..سّادة.."
    خرج من أفكاره على صوت التلاميذ يهتفون بالكلمة ، وكل واحد رافعا يده مبرزا سبّابته بشكل غريب.
    "سكوت"
    قالتها المعلمة فعمّ القاعة صمت مطبق. أشارت إلى العربي ، استدار الكل نحوه، أحسّ بعرق غزير يتصفّد عن جبينه.
    -تعالى إلى هنا.
    رددّ العربي في بلاهة، أنا ؟
    -نعم أنت.
    تقدم نحوها وهو يحسّ برجليه ثقيلتين، وبرغبة كبيرة في إفراغ مثانته.. وقف أمامها وهو يتمنى ألا يفعلها الآن في سرواله. أشارت المعلمة إلى شيء ما خط فوق اللوح الأسود ، وسألته:
    -أي حرف هذا..
    نظر إلى اللوح الذي أدرك فيما بعد أنه سبورة ، وظل يمعن النظر علّه يتبين ما تبغي.
    عادت المعلمة تدقّ فوق السبورة بعصاها ، وهي تسأل من جديد :
    -ألا تعرف أي حرف هذا ؟؟
    غمغم في خوف مرتبك :
    -لا أعرف ما معنى حرف.
    انفجر الذين سمعوا قوله ضاحكين، والذين لم يسمعوا يسألون الضاحكين..
    قالت المعلمة في صرامة :
    -سكوت !
    لاحظ العربي أن للكلمة مفعول عجيب على القوم
    سألته ففي خفوت :
    -هل درست في الروض قبل أن تجيئ إلى هنا ؟
    لم يعرف ما معنى الروض ، واختلط عليه مع الروضة التي تقول أمه أن الشياطين تسكنها ، فقال في توتر :
    -لم أذهب إلى الروضة* في حياتي.
    لم تنتبه المعلمة إلى سوء التفاهم الذي وقع ، إن كانت قد خلصت إلى أن الصبي لم يدرس ما يمهد دخوله إلى الابتدائي، وقالت :
    -بعد أن ينتهي الدرس تعالى عندي حتى نحدد موعدا أدرسك فيه على انفراد ، ما يتوجب أن تكون قد درسته.
    ساء الصّبي أن يكون مجبرا للحضور مرة أخرى بعد أن حسب أن خروجه من هنا بلا عودة.
    -شكرا للاّ
    -أنا هنا لست للاّ أنا المعلمة
    حاضر للاّ المعلمة..
    وعاد العربي إلى كرسيه وهو يرمي التلاميذ بنظرات غاضبة متوعدة.


    شريطة : لعبة بنات شعبية قديمة
    الدّوار:لنقل -تجاوزا- أنه يشبه الحي .
    الروضة : المقبرة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984
    دقّ جرس الثانية عشر، فخرج التلاميذ من أقسامهم والعربي يتبعهم على غير هدى بين أروقة المبنى المزدحمة،أخيرا أصبح خارج المبنى الكريه، توجه صوب دارهم في خطوات متثاقلة.
    أهذه هي المدرسة ؟ هل سأصبح أنا أيضا واحدا من أولئك المحرومين الذين يذهبون و يجيؤون في وقت ثابت ، وحين يرغبون في اللعب يقول لهم الكبار اذهبوا لتدرسوا ؟
    توقف أمام باب دارهم وطرقه في تخاذل، فتح له أخوه الباب. هتفت أمه :
    -جئت يا العربي..؟
    اتجه إلى المطبخ حيث توجد أمه، قبّل جبينها وقال :
    -أنا جوعان.
    -خمسة دقائق وأضع طعام الغداء، اجلس مع أخويك في غرفة المعيشة ريثما أعود لتحكي لنا عن السكويلة*.
    غمغم وهو يتوجه للغرفة :
    تبا لها في كل أسمائها!
    التف العربي ووالدته وأخويه الصغيرين حول مائدة الطعام.
    -كيف كان صباحك؟
    -لن أعود إلى هناك.
    لطمت الأم فخدها وهي تقول في لوعة :
    -هل جننت! سيقتلك والدك.. أنت لا تعرف كم كلّفه تسجيلك !
    -أنا لم أطلب منه ذلك.
    -وماذا تريد أن تفعل برأسك؟ أن ينتهي بك الحال مياوما في أرض أحد ما تقاتل لتربح قوت يومك!
    -إنهم لا يعطونا الدراهم في المدرسة.
    -ستنهي دراستك و تصبح موظفا كبيرا، تلبس ثيابا نقية وتأكل أكلا جيدا ، ألا تريد أن تصبح مثل ولْد الضاوية ؟
    مرقت صورة حميد ابن الضاوية في مخيلة الصبي، بسيارته السوداء الطويلة وكرشه المنتفخة، وتذكر السجن الذي يملكه سّي عبد الرحمن ، فقال في غير اقتناع :
    -لا أحب المدرسة.
    -ليس أمامك خيّار سيمزقك والدك إن وجدك في الشارع بدل المدرسة.
    -أين هو أبي ؟
    -لن يعود قبل المغرب.
    قال العربي وهو ينظر إلى طبقي الزيت و الزيتون الأسود ، وكأنه يراهما لأول مرة :
    ألا يوجد لحم ؟
    تجاهلته أمه وهي تقسّم خبزة وتعطي قطعتين منها للصغيرين، سلام و عزيز.
    -ولا شنتيفة* ؟




    السكويلة:المدرسة
    شنتيفة : لم أجد في جمجمتي مقابلا لها بالعربية ، لكن ممكن أننقول أنها قطعة صغيرة من الشيء تكاد لا ترى!

    ****
    ***
    **
    *

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    أختبئ خلفَ حرفِ الزَّايْ !.
    الردود
    1,072
    طيِّبْ و بعدينْ .؟!
    .
    .
    قبل أنْ أقولَ شيئاً ، عندي ملاحظات قليلة يا الغضبْ :
    ثمّة مفردات لمْ أفهمها ،
    ماذا تعني الكلمات الملوّنة بالرّمادي هنا ،

    "سّادة..سّادة..سّادة..سّادة.." / تعالى عندي /-شكرا للاّ.
    .
    الروضة : المقبرة ؟!
    ماذا تقصد حقاً بالمقبرة ؟!
    .
    و بالنسبة لـ تعالى ، أظنّني فهمتُ من خلال السياق ، لكن أريد أن أخبرك ،
    تعالا ، تعالَ ، تعالى ، كلّ واحدة منهنّ مختلفة أيّها الغضبْ ، أليس كذلكْ ؟؟

    أرجو أن لا أكون أثقلت عليكَ بأسئلتي ،

    وقبل أن أذهبْ / لم أهتمّ بأنّي قرأتُ بشكل متواصل نصوصاً طويلة نوعاً ما ، لأنّ هذا أمتعني
    أسلوبك جميل ويشدّ القارئ ، سلس و بسيط هنا ، وتدري ؟؟
    يشعرنا كما لو أنّنا مع العربي في كلّ خطوة !!

    : )
    .
    ( `•.¸
    ¸.•´
    ( `•.¸
    `•.¸ )
    ¸.• )´
    (.•´
    ×´¨) (¨`×
    ¸.•´¸.•´¨) (¨`•.¸`•.¸
    (¸.•´ ( ... . . . . ) `•.¸)
    (¨`•.¸`•.¸ ¸.•¨)
    هُزَّني أيُّها الغَضَبْ. أنا شَجَرَةُ الدَّهْشَة،،
    وَهَذَا خَرِيفِي. الحُبُّ والشِّعرُ يَدْعُوَانِها ، لِكَيْ تكُونَ غُبَاراً.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    ..
    صحيحٌ أنني لستُ ممن يستسيغون القصص التي تنقطعُ أنفاسها في نصف الطريق .. فتضطر إلى التوقف للحصول
    على فسحتها ثمّ العودة إلى برْحة النشاط : ) . لكنّني هنا سأكسر القاعدة , لأنّ التشويق نجح في التوغل إلى عاطفتي و أتوق لمعرفة .. كيفَ حال العربي الآن ؟ .

  6. #6
    شعرت ,انا أقرأ نصك المتخم بالذكريات....كمن كان يتلصص عليه أحدهم في سابق حياته...ويحفظ تفاصيل يومه بالجزيئة والذرة....ليعرضها أمامه لاحقا..

    فيبحث في وجوه من يذكرهم بذاكرته العجوز.....يقلّب سجلاتهم بداخله....ويخطّ بعقله لاوائح وهمية لمتهمين يشتبه فيهم....قد لايلقاهم مجددا..


    ..
    .
    .
    رائعة مصداقية قلمك....
    فعلا،...كانت محاولة عيش على ورق

    .
    .
    --------------------
    زينب حميتو

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    الباب العالي
    الردود
    1,272
    سلس وجميل جداً ..

    قليلة هي الأعمال التي تتناول الطفل في سنوات دراسته الأولى , وأكاد أجزم أنها مادة خصبة للإبداع .

    سيدي , أرى ابنك الصغير شاباً من خلال طريقة كلامه في بعض الحوارات ! , ربما يحكم هذه النقطة ماهية المتلقي !

    شنتيفة : لم أجد في جمجمتي مقابلا لها بالعربية ، لكن ممكن أننقول أنها قطعة صغيرة من الشيء تكاد لا ترى!
    أحذف حرف الشين وستصبح عامية نجدية وبنفس المعنى !

    متابع .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الردود
    302
    نصوصك السابقة أجمل وأقوى من نصك هذا يا طه.
    عندما قرأتها وجدتها أقرب لتكون مقدمة لمذكرات.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984
    أعتذر على التأخير.. وسأعود لأشرح موقفي ..أمام ما تفضلتم به أيها الكرام

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    جميل..

    ولكن - اعذرني-

    إما أن يكن لها تتمّة أو أنها ليست قصّة.

    لم ألمس التشويق كثيراً إلا في بعض المواضع.. إلى عبارات كثيرة كانت طويلة أو زائدة

    لكن الفكرة سامية و قليل من تطرّق لها.
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •