Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 13 من 13
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531

    الشيخ زبير.. شكسبير العربي



    words words words
    كلمات كلمات كلمات



    هل كان اسم شكسبير أم كلماته هي السبب بذلك الانبهار الذي أخذنا ونحن طلبة على مقاعد جلس عليها أستاذنا قبلنا..

    إلى الآن أذكر كيف كنا في محاضرات مادة شكسبير ننقسم إلى فريقين :
    الأول مسحور ومأخوذ بتلك الكلمات الغامضة التي يوجهها هاملت ساخراً إلى عمه أو متفلسفاً مع صديقه أو موجهاً خناجر من الكلمات لأمه.. وفرحاً بانتماء عطيل وشجاعته وخجلاً من تصرفات كليوباترا وشامتاً بعذاب الليدي ماكبث..

    والفريق الثاني الذي كان يرى في شكسبير مثالاً للعنصرية والتحيز للرجل الأبيض الأوربي وتشويهاً لصورة العربي من خلال الساذج عطيل أو المرأة الشرقية كليوباترا التي تستخدم السحر للسيطرة على ضحيتها الأوربي..

    فلا الفريق الأول كان مستعداً لأن يرى فيه سوى "الشيخ زبير" المحب للعرب وربما المنتمي لهم.. ولا الثاني أن يعترف أنه حتى بحضوره المستمر لهذه المحاضرات، ليثبت صحة اعتقاده بعنصرية شكسبير، هو بالحقيقة مستمتع وهو يستمع إلى ألاعيب كليوباترا والسخرية من عطيل وأصوله الشرقية..

    فلا النضج في التفكير ولا الاطلاع ولا توفر المراجع ولا حتى توفر الوقت (حيث الاهتمام ينصب على تحصيل العلامات فقط) لقراءة متأنية سمحت لكلا الفريقين تغيير رأيه في تلك الأيام..

    عندما كنت ألتقي ببعض من كان يشاركني متعة تلك المحاضرات ونتساءل فيما إذا كنا نتمنى لو نعود مجدداً لمقاعد الدراسة ونعيد دراسة ما درسناه سابقاً فأستغرب أن هناك من خطر بباله نفس فكرتي..

    أهي رغبة بأن ننتقم من أستاذنا الذي كان يشعر بزهو وفخر كبيرين وهو يلقي على مساعنا آراءه وتحليلاته لشخصيات الشيخ زبير وتلك المتعة التي يشعر بها عندما يتعمد تشويشنا وإضاعتنا بين أفكار متضاربة بحجة أن علينا أن نفكر ونتوصل بأنفسنا لرأي.. فالأدب، كما كان يصر، مفتوح لاحتمالات كثيرة وليس هناك رأي واحد صحيح ومطلق فيه..

    ومع ذلك كنا نصر أن نعرف رأيه هو فيها:
    عفوا دكتور.. هل كان شكسبير عنصري؟ هل يكره العرب؟ لماذا إذاً لم يختر شخصية أوربية لدور عطيل؟
    هل هاملت يعاني من شيزوفرينا؟ هل هو مجنون أم يدعي الجنون؟
    هل أحبت كليوباترا انطوني اكثر أم وطنها؟
    هل كانت خائنة لحبيبها ومخلصة لوطنها أم خائنة لكليهما؟
    ونسرع بتدوين إجاباته التي غالباً ما تكون أكثر غموضاً من الأسئلة ذاتها..

    ربما لأن علينا أن ننجح في المادة ولن يكون ذلك إلا بكتابة ما يروق لمصحح المادة وليس لشطحات أفكارنا، أو ربما لأننا لم نكن وقتها لنثق كثيراً أن بإمكاننا أن نقدم رأياً مستقلاً ورؤية خاصة فنتعلق بكل ما ينطقه هو ونتبنى آراؤه..

    لهذا بعد أن نتخرج نتمنى لو نعود لنخالف أستاذنا الرأي، لنقول له مثلاً بأن كليوباترا عندما انسحبت من المعركة لم تفعل ذلك غدراً بحبيبها وإنما تضحية بحبها من أجل وطنها على عكس ماصورت لنا المسرحية..
    وأن والد هاملت كان مسؤولاً أيضاً عن مأساة ابنه وعن خيانة زوجته وأنه أيضاً ليس برئياً من دمه حتى وإن كان هو الضحية..
    وأن عطيل لم يكن عاطفياً متسرعاً أهوجاً وأن ما فعله كان التصرف الوحيد الذي يليق به وبحبيبته، وأنه حتى ديدمونة لما كانت ستحب عطيل وتحترمه لو لم يقتلها وأبقى على حياتها بعد أن تشوهت صورتها في نظره..

    وأن شكسبير كائناً من كان سواء الأوربي العنصري أم الشيخ زبير لما استطاع أن يصل للعالمية ولا أن تبقي الأيام على ذكره ما لم يكن لديه شيء يمس هذا العالم.. وأن العقاد يختتم كل كتابه عن شكسبير قائلاً:

    "إن روايات شكسبير تنقل إلى اللغة العربية تامة محققة في عهد استقلال ولم تنقل على هذا المثال خلال سبعين سنة في عهد حماية أو احتلال. سطوة الدولة لم تكن لها يد بالأمس في ترويج شكسبير بين الفرنسيين والألمان والروس، وسطوة الدولة لم تروجه بين المصريين وهم يعملون بأعينها ولا يفلتون من قبضة يدها.
    أخذته الأمة حصة من التراث الانساني لا تنزل عنها، ولم يفرض عليها ضريبة تدين بها لمن يغلبها ويتحكم بها.
    وتلك آية "الفكر" الإنساني في الآداب العالمية: كل أمة تسأل عن حصتها منه، لأنه تراث مدخر لجميع بني الإنسان."


    في هذه المقالة التي سأنقلها سنجد تأثير شكسبير على الأدباء العرب وعلى ما استفادوه من ثيماته وشخصياته وقصائده وأسلوبه التجديدي سواء في مسرحياتهم أو شعرهم وهي من كتاب:

    فضاءات الأدب المقارن
    دراسة في تبادل الثيمات والرموز والأساطير
    بين الآداب العربية والأجنبية
    د. نذير العظمة
    منشورات وزارة الثقافة 2004
    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    في الإبداع العربي


    "الأدب توأم الحياة، والحياة توأم الأدب". يقول ميخائيل نعيمة في مقدمته لمسرحيته "الآباء والبنون" لكنه يسمي النهضة بأنها رياح هبت علينا من الغرب، فهو يريد القول: إن حياتنا قد تغيرت فتغير أدبنا. وهو محق. لكن سعي مبدعينا إلى الأشكال الجديدة والأساليب الجديدة، والأفكار الجديدة، والأجناس الأدبية الجديدة ليس غريباً على المبدعين أينما كانوا في العالم. فالفن والشعر إن هو إلا السعي الدائم للتعبير عن روح الإنسان بشكل جميل وجديد ومتميز.

    لكن هذا البحث عن الجميل الجديد والمتميز في مطالع نهضتنا الفكرية والأدبية يكتسي عندنا معاني أخرى تمت إلى وضعنا الحضاري والإشكاليات التي نعانيها.

    فالقصيدة العربية في حركة الإحياء تكسر عزلتها باتجاه الموروث القومي، وتتخطى الموت والزخرف نحو استعادة عافيتها وقوتها وأغراضها ومصطلحها. لكن أن نصب الزيت الجديد في الأواني القديمة ظل إشكالية مؤرقة: كيف يكون الجديد جديداً وهو يسكن في سياق القدم وأشكاله وإفرازاته ؟!

    من هنا كان على هذه القصيدة التي خرجت إلى الحياة أن تكسر عزلة ثانية باتجاه الموروث الانساني فخرجت من بيضة القدم كما تخرج العنقاء جديدة متوهجة ملتهبة.

    فالمسألة بالنسبة للمبدع العربي لم تكن الخيار بين موروثين، الواحد قومي والآخر انساني. إن هويته الحضارية لا تؤرقه بقدر ما يؤرقه أن يكشف عنها ويدفع بها في حركة التاريخ ويخرجها من الموت.

    ففيما كان يوسع رؤياه ويحدد انتماءه الإنساني، كان يؤكد على هويته الحضارية. فالتعامل مع المبدعين في العالم وإنتاجاتهم ليس في مركزها إلا الإنسان والفكر والجمال، ليس فيها غير الحرية والخروج من الموت. وعملية نفض الغبار والعبور إلى الآخر إن هي إلا زحزحة للرماد الذي تراكم خلال العصور على الروح والجسد ليحجب الأفق ويحجم رؤيا الروح والعين.

    الميراث الإنساني هو ميراث المبدع العربي، إن هو إلا وجه آخر لميراثه الحضاري والعبور إليه تأكيد لهوية هذا العربي وصحوته.

    هكذا يمكن أن نقوّم انفتاح المبدعين العرب على إبداعات العالم وكسرها عزلة القصيدة في الأبعاد المتباينة.

    كيف للميراث أن يخدم الإبداع؟ هذه هي المشكلة دون أن نهدد الانتماء أو نضيع في متاه اللاهوية.

    كيف للتراث أن يصبح حياً من خلال الإنسان، فالتراث للإنسان، كلاهما يدفع الآخر، إما باتجاه الموت بالعزلة، أو باتجاه الحياة بالخروج إلى السفح وتحمل ضريبة الرياح والعاصفة.

    الانتماء والتجاوز بالابداع يقترن بالانتماء والعبور إلى الآخر الحضاري والمبدع من أجل الحياة والنهضة والصحوة.

    فالمؤثرات الغربية بتفرعاتها الفرنسية والإنجلو سكسونية وأوروبا المتمركسة قامت بعملية عبور متماثلة فيما بينها، الأوروبي يعبر إلى أمريكا والأمريكي يعبر إلى أوروبا. وكذلك الحال بين أوروبا الغربية والغرب المنشق بالماركسية. وماذا بقي في النتيجة؟ بقي الإنسان والجمال والحرية كما بقي الانتماء.

    الحياة والجمال والخير هو ما يجذبنا في الآخر، وهو ما يجذب الآخر إلينا. ادغار ألن برولت ويتمان، شكسبير، تي إس إليوت وغيرهم.

    شارلز بودلير، ستيفان مالارميه، رامبو، اندريه بروتون، لويس أراغون، ناظم حكمت، غارسيا لوركا، بابلو نيرودا، إن هم إلا إشعاعات من الروح الانساني المشترك.

    وما يقدمه الآخر إلينا من الغرب أو من الشرق في عالم الإبداع والشعر من موضوعات وأساليب وأشكال متميزة يخضع لهويتنا الحضارية التي تمارس حضورها على الاستقبال من خلال المبدعين الذين يحولون التقنيات إياها إلى تقنيات عربية. يعبرون عن همومنا ويستفيدون من الخيرات الانسانية كما من الميراث القومي ليضيئوا درب الحياة إلى المستقبل.

    إن يو وويتمن وشكسبير وإليوت قدموا للمبدع العربي الشرارة التي قدحت حيويته وكشف عن مخزونه ، وما يحتاجه في آن. لذا يستقبل المبدعون العرب ويفرزون مفاهيم الآخر عن القصيدة مذاهبه ورؤياه، فلسفته، تطلعاته لا الجزئية الطائرة أو الصورة العابرة.

    ولأؤكد من جديد على أن البحث الدائب لدى المبدعين العرب عن نماذج أو مدارس أو أفكار أو أجناس مغايرة أو تقنيات لا تتوفر لديهم هو من أجل أن تستوعب معاناتهم الحاضرة وليجعلوا هويتهم وانتماءهم للإنسان والحضارة.
    To be or not to be
    That is the question


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531


    شكسبير وشوقي



    يمكن أن نجد قواسم مشتركة بين تعامل شوقي مع المادة التاريخية في الشعر وتعامل شكسبير، لكننا للاقتصاد سوف نركز على مسألتين سريعيتن:
    الأولى: هي موقف أحمد شوقي من الانسان والميراث القديم
    والثانية: هي رسم الشخصية.

    حين يباهي شوقي العالم في قصيدة مطولة تقارب الثلاثمئة بيت بتاريخ مصر في مؤتمر للمستشرقين في صيف 1894 لا يخطئ فيه وجهه الانساني. لكنه يحدد أن رعمسيس وإيزيس وأوزيريس وغيرهم من الرموز التاريخية والأسطورية إن هي إلا إشعاعات جزئية من شمس التوحيد التي جاءت بها الحقيقة الزهراء في الوحي القرآني، جاعلاً هكذا الموروث العربي الإسلامي والموروث الفرعوني تراثاً مشتركاً لمصر.

    إن بعض أبطال شوقي كليوباترا وقيس أشبه بأبطال شكسبير ينصرون العاطفة على الواجب ويخرجون هكذا من حبكة المسرح الكلاسيكي لراسين وكورني إلى مسرح شكسبير المتمرد أو البربري على لسان فولتير.

    وهكذا نرى أن شوقي في زحمة الرموز التاريخية يتعجل فيستعير لكليوباترا صورة من بلوتارخ المؤرخ الروماني أو شكسبير تعبر عن مصالح روما الطاغية أكثر مما تعبر عن طموحات مصر المحتلة التي تحاول كليوباترا الاستقلال بها. فهي داعرة فاجرة تتخذ من جسدها وسيلة لأغراض السياسة والغريزة.

    لكن شوقي يعود فيصحح الوضع ويرسم لكليوباترا صورتها التي تعبر عن واقع الشرق. إنها زنوبيا أخرى بطلة مشرقية قومية تنهض في وجه روما الخالدة.

    وحين يجهد شوقي ليجعل من التاريخ مادة شعرية إن في القصيدة المفردة أو في المسرحية المركبة، ويعالج التقنيات الدرامية، ويطوع القصيدة العربية للأجناس الجديدة، ويتوسل الحبكة المزدوجة في المسرحية الواحدة، حبكة تاريخية وحبكة عاطفية كما فعل قبله خليل اليازجي في "المروءة والوفاء" ، يقتفي خطى شكسبير الذي خصه بقصيدة يدافع فيها عن فنه ونظامه.

    هذه التقنيات الدرامية التي استعارها شوقي من الأدب الغربي لم تجعل منه غريباً بل أكدت على حيوية اللغة العربية وقدرة إبداعها وانتمائها للحياة والحضارة.

    وكشكسبير تناول أمير الشعراء أحمد شوقي المادة التاريخية الواحدة ولكنه صاغها صياغتين مختلفتين.. مرة بصياغة وشيفرة القصيدة الغنائية، ومرة من خلال التقنية المسرحية.. ففي قصيدة "كبار حوادث وادي النيل" مقطوعة مطولة عن قمبيز القائد الفارسي الذي فتح مصر لا تقل عن ثمانية عشر بيتاً وفيما بعد في أواخر حياته ألف شوقي مسرحية كاملة عن قمبيز.

    ومقطوعة أخرى عن كليوباترا بلغت زهاء إحدى وعشرين بيتاً ثم ألف في عام 1927م مسرحية بعنوان "مصرع كليوباترا". ما يهمنا هنا أن صورة قمبيز لم تتغير في المسرحية عنها في القصيدة، بينما في المسرحية الأخرى مصرع كليوباترا تغيرت صورتها تغيراً كلياً عما هي في القصيدة.

    السؤال ما سبب هذا التغير وما دواعيه؟!

    ونحن هنا نتكلم عن الاختلافات والتفاصيل التي أدخلتها تقنية المسرحية والتي لم تقتضيها القصيدة.. بل نتكلم عن موقف شوقي من كليوباترا كملكة مصرية.

    فالفارق بعيد والبون شاسع بين صورتها في القصيدة وصورتها في المسرحية، كالفارق بين المرأة الأفعى والمرأة البطلة.
    ماذا حدث ليغير أحمد شوقي في موقفه من كليوباترة؟!
    أليست هي ملكة مصر على الحالتين؟ فلماذا تظهر في القصيدة حية رقطاء، وفي المسرحية بطلة موحدة محرررة؟

    ما هي مصادر القصيدة التي استمد منها شوقي معرفته عن كليوباترا؟ وهل هي مصادر أدبية أم تاريخية أم أن شوقي مزج بين المصدرين معاً في تصويره لهذه الملكة السيئة الحظ؟

    ثم لماذا غيب صورة مارك أنطونيو وأبقى ذكر يوليوس قيصر وأكتافيوس، بنما توسع في المسرحية في علاقتها مع أنطونيو حتى تكاد تكون هذه العلاقة محوراً أساسياً لها.

    هل كان شوقي ينطق بلسان الآخر في القصيدة ونطق بلسانه في المسرحية؟
    ونعني الآخر، الآخر الأدبي والآخر التاريخي على حد سواء؟!

    لماذا هذا الإجماع أو شبه الإجماع على صورة كليوباترا في الدراما الأوروبية التي تصورها نموذجاً للملكة الشرقية والشرقيين..؟
    تريد أن تحصل على المجد بالخديعة دون أن تجهد أو تعمل من أجل ذلك، مبذرة، تنصرف إلى اللذات وتتصف بالغواية والحيلة.

    وبالنسبة لشكسبير الذي اعتمد على بلوتارك حتى حين انهزمت وقررت أن تنهي حياتها بالانتحار كانت أنانية محتالة، ودست إلى أنطونيو وصيفتها لتعلمه بأنها انتحرت فانتحر. وعندما علمت بانتحاره يقيناً أنهت هي بدورها حياتها بإباحة جسدها للثعابين.

    وغني عن البيان أن الدراميين الأوروبيين من شكسبير ودرايدن وجودل وبرناردشو الذين كتبوا مسرحيات عن كليوباترا اعتمدوا على كتاب المؤرخ الروماني بلوتارك "حياة العظماء". وأغلب الظن أن شوقي حين كتب كبار الحوادث في وادي النيل كان يستقي مادته من بلوتارك مباشرة أو مداورة في الصياغات الدرامية المختلفة التي أثارت الغرب بحياتها وملكها وحبها وموتها، فأصبحت من الرموز الإنسانية الخالدة سيما أنها عبّرت عن مرحلة خصبة من مراحل نزاع الشرق والغرب، روما وغيرها من القوى الناشئة.

    فالنزاع مع كليوباترا هو كالنزاع مع زنوبيا، هو من أجل الهيمنة على الشرق والسيطرة على موقعه الاستراتيجي على طرق التجارة القديمة والهيمنة على موارده الحيوية.
    فكيف إذاً ستكون صورة كليوباترا في المصادر الغربية أدباً وتاريخاً بعد انكسارها في نزاعها مع روما؟!

    وكيف تتجرأ هذه الأنثى أن ترفع رأسها بوجه جبار العالم آنذاك وهو الذي يمدها بالشرعية والقوة؟!

    فهل سيرحم بلوتارك كليوباترا أو غيره من المؤرخين الرومان والأوربيين؟ سيما في تصويره لبذخها في وليمتها التاريخية التي استقبلت فيها انطونيو، وهل سيكون المبدعون الدراميون من شكسبير وغيره أكثر رحمة وإبداعهم يتوقف على مبالغات المخيلة وصورها الضخمة؟!

    والسؤال هو لماذا لم ينتصف شوقي لكليوباترا في القصيدة إياها وينتصف لها في المسرحية؟

    لم يجد شوقي في شخصية كليوباترا ولا في نزاعها مع روما بصيصا من معنى، فردد الصورة التي رسمها الغرب لهذه الملكة المصرية، بل كان أكثر قسوة وبرودة في هجائه لها هجاء مطولاً ومدحه لأعدائها في السياق عينه.

    فشوقي لم يكن يصوغ المادة التاريخية برؤية مستقلة، بل كان يكرر رؤية جاهزة وموقفاً منحازاً سلفاً بنظم يستحضر موقع المرأة الأسطوري من الشر ومكانتها المريبة التي تنضج بها الحكايات الشعبية والقصص الفولكلورية في الموروث الشعبي.

    يا لربي مما تجر النساء؟!
    أنثى، صعب عليها الوفاء
    تمهيده بأنثى بلاء
    فتنت كهف روما المرجى
    رقطاء أراحت منها الورى رقطاء
    خدعوها بقولهم حسناء



    إن شوقي لم يستعر جاهزية الصورة في تصويره لكليوباترا من حيث نزاعها مع أوروبا فحسب، بل استعار جاهزية أخرى من الذاكرة أكثر إيلاما.. ألا وهي علاقة الأنثى بالرجل ومكانتها من البيئة الاجتماعية والحضارية، وخرج بموقف فكري منحاز ضدها سلفاً من الناحية الوجودية، كما انحاز ضدها من ناحية النزاع السياسي.

    في العشر الأخير من القرن التاسع عشر، كان شوقي قد أرسل إلى باريس في بعثته ليتم علومه الإدارية، ولكن مهمته الرسمية لم تكن تعني شيئاً لسلطان القاهرة يومئذ.. وقد أفهمه المسؤول عن البعثات عندئذ أن هذه البعثة إن هي إلا وسيلة للاطلاع على الآداب الأوربية والاستفادة منها لتلقيح موهبته والارتقاء بها إلى مستوى جدير بموقعه كشاعر رسمي للسلطة.

    وأخذ شوقي ينكب على الشعر الفرنسي من أجل هذا الغرض. ويقول في بعض مذكراته "يكاد هذا الثالوث يفنيني وأفنيه"، ويقصد بالثالوث فيكتور هوغو والفرد ديموسيه ولافونيتن، وهم من كبار شعراء الحركة الرومانسية في فرنسا وزعمائها. ترجم قصيدة البحيرة للافونتين وحاكى أو عارض قصيدة "أساطير القرون" لفيكتور هوغو في قصيدة "كبار الحوادث.."

    فليس من الغريب أن يصور كليوباترا في عهد التلمذة على الغرب بهذه الصورة التي يستغرب منها المرء أنها تعارض في آن ما قاله عن ملوك مصريين آخرين متعاطفاً.

    فهو يردد ما يقول الغرب دون أن يتساءل أو يحتكم لرؤية شعرية مخالفة، ينظم المادة الجاهزة وينقلها من حضارة إلى حضارة دون أن يراعي مسارات الخطاب واتجاهاته عند أصحاب اللغة الشرعيين.

    وحين نعمل أن الخطاب في القصيدة كان موجهاً إلى المستشرقين في جنيف يخطر لدينا تساؤل مشروع لاختلاف الصورتين، صورة كليوباترا في القصيدة، وصورتها في المسرحية.. إلى أي مدى ساهم هذا الخطاب في تشكيل صورة كليوباترا بالصورة التي شكلها شوقي؟!

    أم أنه كان يصورها عن قناعة، وحين جاء بعد ثلاثين عاماً في المسرحية ليصورها مرة أخرى تغيرت قناعاته، وتغيرت المرحلة، وتغير الخطاب، فهو يخاطب هذه المرة المصريين الذين ينوؤون تحت ثقل الاحتلال الانجليزي فليس من الطبيعي أن يهجو ملكة بارزة في تاريخهم، ويمدح أعداءها الذين اقتحموا حريتها في عقر دارها، فهي ملكة محنكة تتمتع بنفوذ الرؤية، وقوة الشخصية، لا تفكر بنفسها بقدر ما تفكر بمصر وطنها، الموت ولا العار هو شعارها، لا الارتماء في حضن الفاتح، والاستسلام إليه. فبعد زواجها من يوليوس قيصر شرعاً والذي كانت تقصد منه حماية مصر، لم يبق لها من يحميها، لذلك استمالت انطونيو الذي جاء ليطوعها لصالح روما، فأوغرت صدره ضد روما وطنه من أجل أن تحمي ملكها ووطنها من هذا الفاتح الغازي الذي يستعلي عليها بالقوة والظلم.

    ويعيد شوقي صياغة المادة التاريخية بما يتلاءم مع هذه الرؤية الجديدة لكليوباترا التي تفرضها عليه المرحلة التاريخية والوعي النامي للشخصية الحضارية، فيستجيب إلى روح الجماعة التي يخاطبها، ويصور الملكة المصرية التي يتعاطف معها المصريون بصورة مخالفة لصورتها الأولى، في قصيدته "كبار الحوادث".

    وهكذا تجد شوقي يبرر نقاط الضعف في شخصية كليوباترا ويضخم صفاتها الحسنة الأخرى، حتى تستقيم الصورة لإرضاء الذوق العالم وروح المرحلة.





    يتبع
    شكسبير ومطران
    To be or not to be
    That is the question


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531



    شكسبير ومطران


    لم يكن خليل مطران أثل اهتماماً من أحمد شوقي بشكسبير، فقد ترجم له بعض مآسيه المشهورة إلى العربية عن الفرنسية، وهي هاملت، ومكبث، وتاجر البندقية، وعطيل، والملك لير، وريتشارد الثالث، ويوليوس قيصر، والعاصفة.

    وكتب مقدمة ذكية عن بلاغة شكسبير الشعرية، وربطها بالبلاغة العربية. كما قدم اجتهاداً فيلولوجياً (فقه لغوي) في أصل اسم شكسبير، اشتهر من بعده وجعل اسمه دمجاً للشيخ اسبر = شكسبير، مستنداً على ما قدمه من معرفة درامية في مسرحية عطيل بالعرب وحضارتهم في المغرب العربي الكبير، وعطيل قائد مغربي، تدمر سعادته الغيرة. ويزعم مطران أن جذور شكسبير ربما تتصل بسواحل الأبيض المتوسط من شواطئ إيطاليا الجنوبية التي اختلطت فيها الأجناس والقوميات والعرب منها. إلا أنني لا آخذ هذا الاجتهاد الاحتمالي على محمل الجد. لكن ذلك كله يؤشر إلى الطريقة التي استقبل فيها مطران شكسبير وأحبه وأعجبه حتى منحه الهوية العربية في إطار الإبداع والبلاغة.

    وكما أبرز شوقي إعجابه بشكسبير في قصيدة يدافع فيها عن فن شكسبير، وحاكاه في رسم بعض من شخصياته المسرحية، فإن مطران أدخل إلى شعر العربية جنساً آخر ألا وهو القصة التاريخية من خلال الوحدات المشهورة والحبكة ورسم الشخصية والحوار، كما في قصيدة "بزرجمهر" و "فتاة الجبل الأسود" و "ملحمة ثيرون".

    واتخذ من التاريخ قناعاً ليطرح مشكلة الاستقلال والحرية، وينبه إلى أن مسؤولية الشعوب أكبر من مسؤولية الطغاة إذا اختل الميزان.
    وما من ريب أن مطران قد استفاد من ترجماته، لكنه تحول بهذه الاستفادة من جنس أدبي إلى جنس أدبي آخر: أي من المسرحية إلى القصة، اللتين لهما تقنيات مشتركة.

    وكما كان الاهتمام بشكسبير حافزاً لولادة الرومانسية الألمانية من خلال الترجمة "الأخوان شليغل" وسمواً بالأدب من المستوى القومي إلى الآفاق الإنسانية (هرردر) وعبر شللر وغوتيه عن إعجابهما بثورة شكسبير على الكلاسيكية، الأول في مسرحية ماري، ملكة أسكتلندا، والثاني في فاوست، فكذلك كان شكسبير من المصادر الهامة للأجناس الجديدة في الشعر العربي في المسرح والقصة الشعرية عند كل من أحمد شوقي ومطران، وجعل التاريخ مادة شعرية كالوجدان سواء بسواء.

    وقد جمع كل من شوقي ومطران – كما فعل شكسبير وغوتيه وفيكتور هوغو – بين الكلاسيكية والرومانسية، لذلك ترأسا جماعة أبولو.
    To be or not to be
    That is the question


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531



    شكسبير وباكثير


    أما علاقة علي أحمد باكثير بشكسبير، فقد أخذت منحىً آخر، وتمحورت لأعلى التقنية الدرامية التي أصبحت مستتبة، بل عل الوسيلة الشعرية. فقد عالج شوقي المسرح بأدوات غنائية، رغم مرونته وتفننه، فجاء علي أحمد باكثير أولاً من خلال ترجمة روميو وجولييت لشكسبير التي ترجمها علي أحمد باكثير شعراً، وقد بادر باكثير إلى استخدام طريقة شوقي في القصيدة الموحدة الوزن والقافية المقطعة إلى حوارات على لسان الشخصيات المسرحية. إلا أنه لم يرض عن ذلك حين قارنه بالأصل. أضف إلى ذلك تحدي أستاذه للشعر العربي والثقافة العربية أن يكون لها نظام كنظام الشعر المرسل الذي استخدمه شكسبير للتعبير عن أدق خبايا النفس الإنسانية، ومن خلال المسرحية كجنس أدبي متفوق.

    واستجابة باكثير لهذا التحدي شكلت منعطفاً في تاريخ الشعر العربي الحديث، قصيدة ومسرحية. لقد لاحظ باكثير أن البحور الصافية كالخبب والرمل والرجز والكامل، تتألف من تفعيلة واحدة تتكرر بشكل مساو ومتناسب في كل شطر من أشطر القصيدة، لكن لماذا لا يوزع هذه التفعيلة بشكل متفاوت فيكسر الرتابة ويمارس حرية أوسع لا سيما في فن كفن المسرحية؟

    فشكسبير لا يستخدم نظام الشعر المقفى في مسرحياته، بل يتوسل ما يسمي بالـ ( Running Blank Verse )، أي الشعر المرسل المنطلق، فجرب ذلك ووصل إلى نتائج ثورية أضافت ثمانية بحور منطلقة من البحور القديمة هي الخبب والرمل والمتقارب والكامل والوافر والهزج والرجز ابتدأ بعضها وأتم غيره بعضها الآخر.

    لم تكن محاولة باكثير هذه مقتصرة على الترجمة، بل تعداها إلى مسرحية "أخناتون ونفرتيتي" التي صاغها على منطلق الخبب من أولها إلى آخرها .

    وعنه أخذ بدر شاكر السياب هذا الابتكار، لكنه أعاد إليه القافية واستبقى توزيع التفعيلات بشكل متفاوت. وكذلك فإن الجيل الحديث من المسرحيين العرب بعد شوقي، كعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور ومعين بسيسو في مسرحياتهم العديدة استخدموا الطريقة نفسها التي استخدمها علي أحمد باكثير في الإبداع والترجمة، أي المنطلق المرسل.

    وقد امتدت مؤثرات شكسبير لتصل إلى المدرسة الشعرية الحديثة في شعرنا العربي لا من ناحية الإيقاع الذي استنبطه باكثير فحسب، بل من ناحيتي التركيب الدرامي للقصيدة، كما عند بدر شاكر السياب.
    To be or not to be
    That is the question


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    شكسبير ولويس عوض


    ويمكن أن نرصد مؤثرات شكسبيرية في قصائد لويس عوض في مجموعته الشعرية "بلوتولاند". ولكن من خلال التقنية الإليوتية، فلويس عوض يضمن أقوالاً من مسرحيات شكسبير وغيره في قصائده المفردة. ولتغني وتضيء في أن سياق القصيدة ومعاناتها المركزية. ففي قصيدته "الحب في سان لازار" يستعير من مسرحية انطونيوس وكليوباترة قول مارك انطونيوس باللغة الانجليزية دون أن يترجمه إلى العربية " There’s Beggary in the love that can be Reckond" ويعني بالعربية "هناك استجداء في الحب الذي يمكن أن يحسب". ومعاناة قصيدة عوض تدور على الحب وانتظار الرجل للمرأة المناسبة.

    والاستشهاد باللغة الأصل هو من ابتكارات عزرا باوند في القصيدة الحديثة، وتبعه في ذلك اليوت الذي ضمن الأرض الخراب استشهادات من اللاتينية والفرنسية. وعوض في "بلوتولاند" ينسج على هذا المنوال.

    وفي قصيدة عوض "أموت شهيد الجراح" في المجموعة ذاتها، تسيطر الذاكرة الشكسبيرية من محفوظ عوض على مساحة القصيدة كلها على قصرها. فهي من الشعر المنثور، لكن عوض ينفي تأثره بولت ويتمان، بينما يؤكد انتماءه إلى طريقة اليوت، في كل من "الحب في سان لازار" . وهذه القصيدة التي تنطوي على أربعة عشر تضميناً من مأثور شكسبير والإلياذة والشاعر الفرنسي فرانسوا فيون والإنياذة، تسع منها تتصل بأعمال شكسبير وسيرته، مع أن القصيدة كلها لا تتجاوز الثلاثين شطرة.

    يقول عوض: لو أنني صرخت:
    “Alas – Poor Yorick”
    لما أبكيت قارئي.

    وهو مأخوذ من هاملت شكسبير الفصل الخامس. كما يشير في القصيدة نفسها إلى يوريك مضحك الملك هاملت. وكان يوريك يحمل هاملت عندما كان طفلاً. وفي الفصل الأخير من المسرحية يعثر هاملت بجمجمة يوريك فيرثيه بقصيدة، استشهد عوض بمطلعها في فاتحة قصيدته.

    وفي مسرحية "ترويلوس وكريسيدا" لشكسبير تهكم بالغ بالدوافع التي حدت بآخيل أن يخرج من عزلته ويساهم في القتال يتلخص في أن آخيل لم يُكن لبارتروكل صداقة صافية، بل حباً ملوثاً. يختزل عوض تهكم شكسبير ذلك في قصيدة "أموت شهيد الجراح" بقوله:
    باتروكل مات عبثا
    آخيل مات عبثا
    وسيف أنطونيوس
    في صدر أنطونيوس
    سهم العيون النجل
    ورمح أنطونيوس
    في صدر اكتافيوس

    كما يستشهد بالفرير لورانس، وهو الراهب الذي زوج روميو وجولييت في صومعته، وكتم سرهما، واحتال على نجاتهما. لكن القدر أفسد عليه حيلته، فانتهت بموتهما. وقبو كابيوليت هو القبو الذي دفنت فيه جولييت وروميو والكونت باريس.

    كما يذكر نهر الشنيور، "وهو النهر الذي أغرقت أوفيليا حبيبة هاملت نفسها فيه بعد أن قتل أبوها وفقدت عقلها" . وعند هذا النهر:
    العريس كونت باريس
    وروميو الذي قتل العريس، كونت باريس، وجولييت التي قتلت روميو الذي قتل العريس باريس. وشكسبير الذي قتل جولييت التي قتلت روميو الذي قتل العريس، الكونت باريس، وشكسبير الذي غنى في فم فلوريزل وحرر الروح وقتل كورديليا وأطفأ الشموع في السماء:
    أيها الفرير لورانس، أنت قاتلهم جميعاً
    أنت القضاء
    اقتلني
    باتروكل مات عبثاً
    آخيل مات عبثاً

    فالتضمينات من أعمال شكسبير تطغى على القصيدة. لكن عوض يستفيد منها، ليضيء معاناة الحب المحيط، كما في قصيدة "بروفروك" والأرض الخراب" لإليوت، ومن خلال تقنية إليوت الشعرية، إن عوضاً يوظف الموروث الإنساني ليتكلم عن تجربته. فالذاكرة ترفد وجدان الشاعر ومعاناته وإن خيل إلينا أنها هي الطاغية لا الوجدان.

    فالكونت باريس الذي يشير إليه عوض في قصيدته، ليس باريس هومير في الإلياذة الذي خطف هيلين وتسبب بالحرب بين إسبارطة وأثينا، بل هو الشاب الذي تقدم لخطبة جولييت في مسرحية شكسبير بعد أن تزوجت سراً من روميو، ولد غريم أبيها، وقد دخل باريس قبو كبيوليت ، حيث كانت جولييت مسجاة في موتها الزائف، دخل ليبكي عند قدميها. ووجد روميو في بطن القبو فتقابلا، ومات بسيف روميو.

    وفلوروزيل الذي ذكره عوض في متن القصيدة هو أمير نبيل في مسرحية شكسبير "قصة الشتاء" وضع شكسبير في فمه كثيراً من الشعر الحنون.
    وكان الروح آريل شديد الإلحاح في طلب حريته من سيده. وأخيراً أعتقه بروسبيرو بعد أن أدى له آخر خدماته التي تمت بها المسرحية.
    وأما قول عوض وأطفأ الشموع في المساء، في قصيدته إياها، فهو إشارة إلى قول ماكبث لشكسبير: Their candles are all out and there is husbandry in heaven.

    ما يعني بالعربية
    شموعهم كلها مطفأة
    التدبير موجود في السماء

    ولا يكتفي عوض بالتضمين من شعر شكسبير، بل يستحضر محفوظه من سيرته. فهو يسمي تاييس الراقصة الروسية بافلوفا بجعة الفولغا، أسوة بشكسبير الذي دعاه بن جونسون بجعة نهر آفون، وهو النهر الذي ولد بجواره شكسبير.

    وقول عوض في القصيدة: "وقتل كورديليا" هو إشارة إلى الروح في مسرحيته "العاصفة" لشكسبير المتمثلة في آريل، وهو طيف صاده الساحر بروسبيرو عندما نزل الجزيرة المسحورة، فوجد أسيراً في شجرة، فحرره منها على أن يستخدمه في قضاء مآربه إلى أجل مسمى.

    وفي موضع آخر من مجموعته "بلوتولاند" يقارن عوض قوله بالعامية في سونيته رقم (4) يقول شكسبير أو يقارنه بقوله هو:

    الحب قال للموت: "يا موت حرام
    تنسخ جمال الصبح بالعشق"
    والفن قال للحب: "في المسا
    أصون جمال الصبح للأنام"
    يا نيني أنا هزمت الموت بناري
    كل شبابك حي بأشعاري
    يقول عوض قارن بهذا قول شكسبير So long as men breath and eyes can see
    So long lives and this gives life to thee

    ما معناه بالعربية
    مادام الناس يستطيعون أن يتنفسوا والأعين أن ترى
    ما دام هذا يحيى حيوات هذا وهذا يعطيك الحياة

    ثم يمضي عوض، فيشير إلى سونيتات أخرى..
    ويمكن القول: إن ذاكرة عوض الشكسبيرية تزاحم وجدانه ومعاناته وتهيمن على سياق القصيدة مع أن العكس هو المطلوب.
    وعوض بالإضافة إلى هذه الإشكالية الإبداعية، يزعم أنه لم يتأثر بوولت ويتمان، مع أنه يكتب قصيدة نثرية، وينتمي إلى طريقة إليوت، ويعلن أن شعره وشعر مجايليه يحتاج إلى معرفة الأساطير كي يصل إلى القارئ.

    غير أن شكسبير ومأثوره الدرامي هو الذي سيطر على قصيدة عوض "أموت شهيد الجراح" . بينما تسيطر الأسطورة على طريقة اليوت، على قصيدته الأخرى: الحب في سان لازار.




    يتبع
    شكسبير والسياب
    To be or not to be
    That is the question


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531



    شكسبير والسياب


    وقد صرح بدر شاكر السياب الذي درس الإنجليزية في جامعة بغداد ليدرسها ومارس الترجمة منها إلى العربية في الشعر الحديث، صرح بأن شكسبير من الشعراء الأول الذين أثروا فيه قبل أن يستقر على تي اس اليوت واديث سيتويل.

    وإليوت نفسه لا يمكننا أن نفهم شعره في معزل عن دانتي وشكسبير. والأرض الخراب تحفل بتضمينات مهمة من الكوميديا الإلهية وبعض مسرحيات شكسبير. إلا أن السياب كشاعر ذي عقيدة وموقف، اهتم بما يقدمه إليه الشعراء الإنجلو سكسون من تقنيات شعرية ليعبر عن رؤيا متميزة ومنتمية.

    وتبرز مؤثرات شكسبير في قصائد "المومس العمياء" و "حفار القبور" و "الأسلحة والأطفال" باعتماده على تراجيدية التصوير. فهو لا يبدع المسرحية، لكنه يعوض عنها بالقصائد التي يتداخل فيها المونولوغ والصورة ورسم الشخصية في مطولات شعرية لا هي بالغنائية ولا هي بالقصصية، بل مزيج من الجنسين، حيث يلتحم توتر الذات بالموضوع والموضوع بتوتر الذات في لحمة واحدة.

    ففي قصيدة "الأسلحة والأطفال" يخاطب السياب آفون النهر الذي يمر بقربه شكسبير قائلاً:

    سلام لآفون روى عروق
    شكسبير والزهر والدالية
    أفق شاعر النور، إن الشروق
    تهدده غيمة داجية،
    سعى مكبث تحتها في احتراس
    لقتل النعاس..
    لقتل النعاس البريء
    ومكبث، بطل المسرحية التي تحمل اسمه قتل دنكان وهو نائم في ضيافته مطمئن إليه: "لقد قتل مكبث النعاس البريء".
    وأغلب الظن أن السياب يحيي الشاعر العظيم شكسبير الذي يكشف عن جريمة مكبث الذي يمثل بالنسبة للسياب إنسان الحروب (الغرب) الذي يسعى تحت الظلام ليقتل طمأنينة العالم، ويقتل نعاسه البريء.

    وهكذا يحول السياب مكبث من رمز وجودي لقلق الإنسان وشهوة الحكم إلى رمز إيديولوجي ينسجم مع موضوع القصيدة في تلك المرحلة، ويدعو إلى السلام وكره الحروب.

    إلا أن السياب لا يولع بمأثورات شكسبير لأسباب فكرية أو من أجل مضامين قصائده بحوافز إيديولوجية. فقد يستشهد أحياناً بشكسبير بصورة من صوره الشعرية أو تعبير من تعابيره لحوافز جمالية من حيث يضمن في قصيدة الأسلحة والأطفال نفسها أشطراً من مسرحية "روميو وجولييت" لشكسبير كالتالي:

    "دعيني .. فما تلك القبرة
    دعيني أقل إنه البلبل
    وإن الذي لا ليس الصباح"
    مشيراً إلى ذلك في الهوامش معتزاً باطلاعه على روائع الغرب، ومعيداً صياغة المعاني الشكسبيرية بشعر من نظمه.
    أما تضمين السياب من شعر شكسبير الأكثر فنية وابتكاراً فيتمثل في قصيدة "رؤيا فوكاي" حول الحروب أيضاً وقتل الانسان في تاريخ البشرية من أجل الذهب، فالسياق التحتي للقصيدة هو سياق الأسطورة هابيل وقابيل. أما البنية الظاهرة فتدور حول أسطورة يشكلها السياب من أساطير.

    يجعل السياب من كونغاي ابنة الملك الصيني التي تعمد بدمها صناعة ناقوس من الذهب والفضة والحديد والنحاس رموز الاستغلال الحديث. فلذا حين يرن الناقوس يقول (هاي هاي كونغاي).

    لكن السياب يجعل من هذا الرنين أغنية أريل في مسرحية "العاصفة" لشكسبير التي يغنيها لفرديناند:

    "على عمق أذرعة خمسة
    ينام أبوك في قرارة البحر
    لقد أصبحت عيناه لؤلؤتين
    أسمع ها هو الناقوس ينعاه"
    أما ما يقوله شكسبير تحديداً فهو كما يلي: " Those sparkling pearls WERE his eyes” " "تلك الآلئ المتوهجة كانت عينيه"، إشارة مفردة يدخل السياب في لحمة القصيدة الأسطورة التي يركبها من أساطير عدّة".

    وقد اتخذ إليوت فرديناند هذا في الأرض الخراب رمزاً للحياة والموت، بينما يجعل منه السياب أباً للبنت الصينية التي عمدت بدمها صناعة الناقوس في قصيدته رؤيا فوكاي.

    ويجعل التجار يسرقون لؤلؤ عينيه ليبيعوه في السوق، رمزاً لممارسات الحروب وتكويم الثروات بالاستغلال والنهب

    وهكذا يركب السياب عدة مصادر في نسيج القصيدة بالتداعي، فالناقوس إياه الذي ينعي البراءة براعم الطفولة يرن في غرناطة بلد غارسيا لوركا كما يرن في القدس، حيث

    اسمر المسيح.. فانتصر
    وأنبتت دماؤه الورود في الصخر
    أم أنها دماء كونغاي؟!
    لمن يدق "كونغاي، كونغاي"
    أهمّ بالرحيل في غرناطة الغجر؟
    فاخضرت الرياح، والغدير والقمر
    عُدّل الرد بواسطة Ophelia : 25-03-2008 في 09:59 PM
    To be or not to be
    That is the question


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    خاتمة


    إن مؤثرات وليم شكسبير التي امتدت في شعرنا الحديث في أجيال شعرية عديدة بدءاً من أمير الشعراء أحمد شوقي ومروراً بخليل مطران وعلي أحمد باكثير ولويس عوض، وانتهاء ببدر شاكر السياب، كان لها أكبر الأثر في نشوء تيار الشعر الحر وولادة الإيقاعات والعروض الجديدة. فمن خلال الشكل الشعري الذي يسود مسرحه والذي اصطلح عليه بالشعر المنطلق المرسل Running Blank Verse ومؤثراته على علي أحمد باكثير، استنبط هذا الأخير أول تجربة ناجحة لشكل الشعر الحر بالعربية، كان كل من باكثير والسياب يفضلان تسميته بالشعر المنطلق، بينما فضلت نازك ترجمة مصطلح الـ Free Verse بالشعر الحر.

    والجدير بالذكر أن هذه المؤثرات تمت من خلال النص الأصلي لشعر شكسبير وبالإنجليزية فيما خلا خليل مطران الذي تعامل مع ترجمات فرنسية لهذا الأصل وأحمد شوقي الذي اطلع في الأغلب على نص فرنسي مترجم لمسرحية شكسبير انطوني وكليوباترا.

    وغني عن البيان أن هذه المؤثرات كانت من أبرز الأسباب التي أسهمت أيضاً في إرساء بعض الأجناس الشعرية الجديدة كالمسرحية الشعرية عند شوقي والقصة الشعرية عند خليل مطران.

    وعلي أحمد باكثير حين يؤكد على أن تجاربه الأولى في ترجمة "روميو وجولييت" وكتابته مسرحيته الشعرية "أخناتون ونفرتيتي" نهجت على منوال الشكل الشعري الشكسبيري من ناحية الإيقاع والوزن لم يصرح بالمؤثرات الدرامية لشكسبير في تقنية المسرحية التي لا تخطئها في مقدمات باكثير والأضواء التي يلقيها على رسم الشخصية في خاتمة مسرحية أخناتون ونفرتيتي.

    أما أمير الشعراء أحمد شوقي فإنه في كل من قصيدته "كبار الحوادث في وادي النيل" ومسرحيته "مصرع كليوباترا" يعبر عن مرحلتين متميزتين في تكوينه الشعري واستفادته من شكسبير في كل من رسم الشخصية وتكوين الحبكة ومعالجة الثيمة الدرامية من مسرحية شكسبير التي سبقت مسرحيته بزمن طويل، وإن دفعت التطورات شوقي كي يرى كليوباترا المسرحية في ضوء مختلف عما صوره في القصيدة، وبالتالي الاختلاف عن شكسبير في رسم الشخصية لا الثيمة والحبكة.

    أما لويس عوض فقد أغرق قصيدته "أموت شهيد الجراح" و "الحب في سان لازار" بنبض شكسبير، واستسلم لذاكرته ولمعه. على حين أن بدر شاكر السياب يصرح بفضل شكسبير عليه دون أن يحدد كيف وأين خلافاً لعوض.

    إلا أننا لا نخطئ ذلك في مطولات السياب التي احتفلت بتضمينات من شعر شكسبير رغم قلتها، لكنها تشير بصراحة إلى ما في هذه المطولات (حفار القبور والمومس العمياء والأسلحة والأطفال) في بنية قصصية درامية تعول على رسم الشخصية في إيقاعات وسياقات مسرحية وإن كان يسوقها إلينا في قالب سردي قصصي، وهذا هو الجانب الأهم من تأثر السياب بشكسبير لا التضمينات القليلة المبعثرة في هذه القصائد.

    وهكذا فإن مؤثرات شكسبير كان لها أكبر الأثر لا على إيقاع القصيدة العربية الحديثة ورؤياها وتعبيرها وتصويرها وطريقة المعاناة فيها، بل إنها كانت من أبرز الأسباب التي أسهمت أيضاً في إرساء بعض الأجناس الشعرية الجديدة كالقصة والمسرحية الشعريتين.

    إن تجدد القصيدة العربية ودخول أنواع جديدة إلى تقاليدنا الشعرية يعبر بالدرجة الأولى عن حيويتنا، كما يعبر عن قدرتنا على تمثل وهضم وإفراز المؤثرات إياها في صيغ وأشكال تستجيب لحاجاتنا الإبداعية لنسيجنا الوجودي والبشري كهوية حضارية ذات تميز وخصوصية من خلال المعاناة الشعرية.

    إن أدبنا ، شعراً ونثراً، لا يمكن أن يقوم بهذه المنجزات في معزل عن روح الآداب الإنسانية من جهة، ومن جهة أخرى عن الجذور الدفينة في تربته الحضارية، فكلاهما (الروح والجذور) يسهم من خلال معاناتنا الإنسانية المعاصرة في رسم صورة حاضرنا وملامحنا البارزة حيال العصر.
    To be or not to be
    That is the question


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    حسنا
    الشيخ زبير
    تذكرت معمر القذافي حين قرأت هذا الاسم ، فهو شخص قومي لدرجة الجنون ، وقد يكون مثال صارخ ومتطرف للفكر العربي الذي يحب أن يجعل من نفسه مركزا لكل التطور الحضاري في العالم ، وكما اتهم دانتي بسرقة المعري فلم يتهم أحد المعري بسرقة " كوميديا الضفادع " لاارسطوفانيس.

    وكي أقرأ شكسبير وأقول رأيا منعزلا عن فكري كعربي ، أكتب هذا الرد دون قراءة المقالات التي أثرت بها أوفيليا هذا الموضوع ، ويظل شكسبير شخصية ألهمت الشعوب الأوربية ، وعندما أحاول التركيز على سبب الشعبية التي حظي بها شكسبير ، أجد أنه كان مثال الشخص البسيط الذي بدلا من أن يرفه عن العوائل الملكية في عصره بأخبار البسطاء من الشعب ، اتجه إلى الفعل المعاكس بالترفيه عن الشعب بنقل أخبار القصور والعوائل الملكية ، ولعله لم يكن ترفيها بحد ذاته بقدر ما كان سخرية وتمثيلا لواقع العصر الذي عاش فيه شكسبير ، والقرن السادس عشر والذي كان فيه الزخم الأدبي الذي ينطلق بشكسبير ليتسيد على أقرانه ، هو احد القرون التي بدأت فيها النهضة الأوربية بالانتعاش ، وتلك النهضة لا يمكن لنا عزل الأدب فيها عن التاريخ الفلسفي والفكري الذي حوته تلك الفترة ، وتتبع الدلائل والإشارات المتراكمة عبر المعرفة التي حققتها تلك النهضة لتخلق لنا نظريات سياسية واقتصادية كانت النتاج النهائي بعد مراحل متقطعة ولكنها متواترة ، ومن ذلك محاربة الإقطاعية والمركزية الدينية والحكم المنفرد من العوائل الملكية ، وفي تلك الحقبة الزمنية كانت الشعوب تساق في حروب وثورات ضد مصالح حياتها حسب قوانين الكنيسة أو إرادات الملوك ، وأصبح من المهم عند الفلاسفة والمفكرين والأدباء الخروج بثورة بسيطة ليس لها وقع الثورات التي تثير الجيوش وتحركها لقمع مثل هذه الثورات ، بكل كانت ثورات ذات طابع أدبي تميز به الشعراء والكتاب المسرحيين الذين بدأوا في خلق أجواء من التوتر الشعبي ومخاطبة عقول الشعوب من خلال السخرية والفكاهة والشعر ، وذلك يندرج ضمن نمو الوعي الفكري الذي بثه أولئك الأشخاص بطريقة أدبية داخل المجتمعات الأوربية في تلك الحقبة الزمنية ، والتي نضجت في فترات متأخرة لتصبح تنظيرا معلنا ومستقلا له أبعاد ثورية تغير من واقع الحال الاجتماعي ومؤسساته الممتدة عبر التاريخ والأنظمة التي ظلت لفترة طويلة تمنع التنوع الفكري وتقصيه بعيدا معتمدة في ذلك على الإنابة في إرادة الكنيسة أو في أحيان كثيرة إرادات فردية تنتج عن طموحات كبيرة توسعية واستمعارية دفعت بالكثير من الشعوب الأوربية للاقتتال .

    وعند الوقوف على نهاية خط الانتاج الفكري والذي يندرج تحته الأدب أيضا وما يتضمنه من إشارات للثورة ، ونراجع الاشتراكية والشيوعية كنظام سياسي واقتصادي يرفع قيمة الإرادة الشعبية ومصالحها الانتاجية فوق الاعتبارات الاقطاعية ، حينها فقط أستطيع استرجاع أدب شكسبير وقرآته بطريقة ذات بعد فكري . ومن ذلك :

    المآسي الكبرى ، والتي كانت مجموعة مسرحيات لشكسبير اندرج فيها كل من عطيل والملك لير وماكبث وهاملت ورغم أن ريتشارد الثالث أيضا تنضم بكل قياساتها الأدبية وفكرتها المشابهة لمضمون تلك المآسي إلا أنها لم تندرج ضمن تلك المجموعة ، والتصور العام والمشترك الذي يمكن قراءته بوضوح في تلك المجموعة المسرحية ، هو عرض مستمر ومركز لكل وقائع الحياة الخاصة بالعوائل المالكة وتفاصيل دقيقة وصغيرة تنمو في الخفاء وتمثل طبيعة الغرائز الفردية مثل حب السلطة والقوة والتملك التي تدفع بأفراد تلك الأسر إلى الخيانات والتقاتل فيما بينها وحياكة المؤامرات ، لتنمو المسرحيات من داخل القصور ببطيء وتدرج وتخلق الفوضى خارجة بنتائجها الوهمية تجاه الشعوب الغائبة عن حقيقة الأمور ومجرياتها التي كانت تحاك في الكواليس ، فنشاهد الكثير من المصائر الجماعية التي يربطها شكسبير بعلاقات مباشرة بين تلك المشاكل الخاصة والفردية وكيف أنها تتحول إلى إرادات ملكية وقرارات تدفع بالشعوب للاقتتال أو تستغل الولاء المعلن لها وتصبه في خانة مصالحها الشخصية التي لا تمثل سوى نزاع على السلطة والاملاك والثراء الفاحش الذي يصوره دائما شكسبير بطريقة مقارنة مع الفقر الذي تعيش فيه الشعوب ، حتى أن شكسبير في كثير من الاحيان ربط بعض الأمور بتصورات دينية او خرافية تستمدها الشخوص الرئيسية في مآسيه لتخلق منها مؤامرات وأهداف توجه بها الشعوب ، ولا أدري أي اشتراكية أكثر من ذلك وأي شيوعية لا يمكن لها أن تشابه مثل هذا الأثر الذي تخلقه مآسي شكسبير في النفوس ، وفي كثير من الأحيان نعزل هذا الأدب عن النتيجة النهائية لتلك الحقبة والتي أوقعت الأنظمة السائدة واخرجت انجلز الذي كان ارستقراطيا يشارك ماركس في توجهه ويشرح له طبيعة الاقطاع ، وكيف ان ماركس الذي عانى من النفي الجائر والتنقل بين الدول الاوربية والتي ظل ملوكها ما بين رافض له ومستقبل ، ليتنج لنا في الأخير نمط متدرج ربما يشابه أيضا في إسلوبه ما اتبع مولير الساخر وما كتبه فولتير الثائر ، وكل تلك ليست سوى سلسلة كبيرة من الأسباب الفكرية التي ربما أتت بشكل جاف ومباشر كالفلسفة أو بطريقة تعبوية شعبية من خلال الأدب المسرحي والشعري ، فكانت أوروبا بعد حين جاهزة للتغير بشكل كامل ، وكان من المفترض قراءة شكسبير من هذا المنظور واعطائه حقه في هذه العملية التي لم تخلو أيضا من رفض النظام الكنسي والديني الذي ربما ظهرت احد مشاهده في تاجر البندقية وكيف أن الدين اليهودي أيضا كان له أثر في تغيير الخارطة الاجتماعية الأوربية وكيف أن الرفض لهذا الدين جعل من الأحكام العقلية طريقة مناسبه في كسره ، ولعل شكسبير هنا افترض أيضا إمكانية استخدام نفس المنطق في إسقاط الأحكام الكنسية المسيحية والتي أيضا كانت هناك إشارات كثيرة تدل عليها في مآسيه الكبرى ، لذلك يظل شكسبير عنصرا مهما في قراءة النهضة الأوربية بكل نتائجها النهائية التي شكلت الحضارة الحالية وما فيها من أنظمة علمانية وليبرالية واشتراكية وشيوعية .
    عُدّل الرد بواسطة Ophelia : 26-03-2008 في 11:20 PM
    كلـما أدبني الدهـر --- أراني نقص عقلي
    وإذا ما ازددت علما --- زادني علما بجهلي
    ـ ـ ـ ـ ـ

    "سـيرة عقـل"

    ibraheems@hotmail.com

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    "إن جوهر فن الدراما هو في فتح احتمالات التأويل على مصاريعها، انطلاقاً من الواقع والمتخيل،، في حدود الممكن والمحتمل بشرياً".

    نظريتك هذه أجابت على بعض الأسئلة التي كنا نتساءلها طلاباً خوفاً على الصورة الجميلة التي رسمناها لشكسبير من التشوه
    كنا نتساءل هل لشكسبير رسالة وهدف مما يكتب؟
    أم أنه كان يكتب لتسلية الملوك وطمعاً بالمال والشهرة.. (مع العلم أنه أصبح غنياً جداً فيما بعد وأنه كان يكتب مسرحياته بأقصى سرعة كما يتطلب منه العمل في المسرح)

    ولكن نظريتك الجديدة هذه بكونه اشتراكي تجيب على بعض هذه المخاوف..
    فحتى الأمير هاملت الذي ينتمي لعلية القوم قدمه كإنسان مثقف ومتعلم ومثالي وشريف.. ولكن بنفس الوقت ربما أراد شكسبير أن يقول حتى هاملت كان مسؤولا عن أوضاع الشعب وفقره ومآسيه لأنه اهتم بنفسه فقط وجرى خلف مصالحه الشخصية، الانتقام لأبيه، وترك الصالح العام الذي كان مهددا من عدو في الخارج وخونة في الداخل

    ولكن هناك أيضاً فكرة محتملة كسبب اختيار شكسبير أبطاله من الطبقات المالكة غالباً وذلك حسب تعريف البطل التراجيدي لدى أرسطو، على ما أذكر، بأن البطل التراجيدي يجب أن يكون إنساناً متفوقاً في كل شيء، أن يكون أميراً أو ملكاً ومثقفاً وفيه كل الجوانب الجيدة والخيرة ولكن نقطة ضعف واحدة هي التي تؤدي إلى نهايته المأساوية.. إلى أن جاء آرثر ميلر في المسرح الحديث وقال أن البطل التراجيدي يمكن أن يكون إنساناً عادياً من عامة الشعب كما في مسرحيته (موت بائع جوال) بينما فيما سبق فكل المسرحيات التراجيدية تناولت أبطالاً من الطبقة العليا للمجتمع، أوديب، الكترا، وكثير من المسرحيات الكلاسيكية القديمة

    ولكن بكل الأحوال وأمام كل الاحتمالات والتأويلات يبقى شكسبير كما يعلق أحد النقاد قائلاً:

    "شكسبير تم تتويجه من القراء ومن المتفرجين زعيماً مسرحياً في زمن لاحق لزمنه، فقد عمل موحداً لأمته، فغير أنه قدم لها لير وهاملت وعطيل وكليوباترا وكريولانس ومكبث.. الخ، قدم اللغة وأثرى مفرداتها وتعابرها وصروها وانتشلها من الحضيض إلى الذرى.. كان ركيزة وزعيماً قومياً إلى جانب زعامته المسرحية."

    فضلاً عن كونه "الوحيد الذي كتب مسرحاً شعرياً ناجحاً"

    شكراً لك
    To be or not to be
    That is the question


  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المكان
    بين أربعة جدران!!
    الردود
    17
    رائع جداً جداً .. لا كلًت يمنك على هذ العرض راائع ..

    أما نحن فمازلنا على مقاعد الدراسة .. ومازال اسم شكسبير وبن جونسون

    وباوفل وكثيرين نرددهم يومياً .. شخصية شيخ زبير أو شكسبير ..

    وجهة نظري .. أن شخصية مبدعة مثل شكسبير من البدهي أن تكون مثقفة من جميع الجوانب

    وعليه .. حين يذكر أسماء مدن وأنهار ودول عربية .. ليس من الضروري أن يكون

    عربي الأصل .. فكثير من الرواة وكتّاب المسرح يستخدمون أسماء مناطق أو مدن أو بلاد عربية..

    وهذا دليل على الثقافة المفرطة وليس الأصل !!

    بالأمس القريب .. قرأت رواية لأغاثا كريستي وإذا هي مليئة بأسماء مدن عربية .. وبعد

    البحث .. تم اكتشاف أنها زارت العديد من المدن العربية .. وهذا الشيء أيضا وارد في حال

    شكسبير ..

    أمات النقطة الثانية .. والتي أعتقد أيضا أنها مرّت عليكم أثناء المحاضرات ,, ألا وهي

    أن شكسبير كان يسرق أفكار كتّاب آخرين .. ويكتبها بلغته .. مع تغيير بسيط ..

    فكثير من مسرحياته كانت مشابه لمسرحيات " سنيكا " .. وسنيكا طبعاً أقدم من وليم شكسبير..

    وهنا نجد أن شكسبير متهم بالسرقة !!

    وفي الخلاصة .. أعمال شكسبير ما هي إلا آثار خالدة وهي باقية إلى الآن وتدرس

    في الجامعات ,, وهذا يدل على حس عالٍ جداً في الذوق ..

    دمتِ سالمة

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المكان
    هناااك , حيث البحر !!
    الردود
    199
    Ophelia
    ما طرحتِه هنا هو باقة من الجدالات الأكثر احتداما حول شخصية هذا الأوروبي ..

    قرأتِ موضوعكِ هذا قبل أسبوعين وعرضت الاسم على أستاذٍ للترجمة كان يسرد لنا بعض الأسماء المعروفة وكيف تترجم من وإلى اللغتين الانجليزية والعربية , سألته حينها -ولأنها ليست المرة الأولى التي يمر عليّ اسم الشيخ زبير - : دكتور مو كمان شكسبير هيك بيترجمها البعض -أي بقولهم الشيخ زبير - ؟؟ فابتسم قائلاً : يا بنتي هادا القذافي الأهبل اللي سماه كدة تماشياً مع القومية العربية , فلم أجد أي ردٍ لأحتجّ به غير أنني قرأت هذا الاسم في الأعمال الكاملة لمطران , واكتفيت بقول "فلتحيا القومية العربية الاشتراكية الديكتوموقراطية ال ال ال القذافية " تعبت يخرب بيتك يا قذافي .


    أما عمّا إذا كان شكسبير متحاملا على العرب في بعض مسرحياته , فلا أظن أن تصويره لعطيل بالقائد الشجاع وحامي حمى المدينة إلى جانب كونه العاشق الشرقي الغيور إلا إنصافا لنا ...
    وهنا ربما لاح لي سؤال ... ماذا يقول اليهود عن شخصية شايلوك في تاجر البندقية ؟؟؟ يخرب بيته , شايلوك وليس شكسبير .

    موضوعكِ أكثر من رائع يا أوفيليا

    محبتي

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    الردود
    101
    على فكرة هناك دكتور هام جدا أسمه د إبراهيم حمادة عمل بحث عن الشيخ زبير واثبت أنها أكذوبه
    وهذا الدكتور القدير كان عميد معهد الفنون المسرحية فى مصر

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •